شبهات حول حجية السنة النبوية والرد عليها: دراسة حديثية تحليلية
د. خالد حسين عيسى كرم1
1 أستاذ مشارك بجامعة دلتا العلوم والتكنولوجيا، السودان. مدير جامعة دلتا العلوم والتكنولوجيا، السودان.
Misconceptions Regarding the Authority of the Prophetic Sunnah and the Refutation Thereof: An Analytical Hadith Study
Dr. Khalid Hussein Issa Karam1
1 Associate Professor at Delta University of Science and Technology, Sudan. President of Delta University of Science and Technology, Sudan.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj75/20
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/75/20
المجلد (7) العدد (5). الصفحات: 379 - 390
تاريخ الاستقبال: 2026-04-15 | تاريخ القبول: 2026-04-22 | تاريخ النشر: 2026-05-01
المستخلص: هدفت هذه الدراسة إلى تناول أبرز الشبهات المثارة حول حجية السنة النبوية، وبيان بطلانها من خلال دراسة حديثية تحليلية تستند إلى منهج المحدثين في النقد والتمحيص. وانطلقت الدراسة من إبراز مكانة السنة النبوية بوصفها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، مع بيان الأدلة على حجيتها من القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الأمة. واعتمد البحث المنهج الاستقرائي في جمع النصوص المتعلقة بحجية السنة والشبهات المثارة حولها، والمنهج التحليلي في دراسة هذه الشبهات، والمنهج النقدي في مناقشتها والرد عليها. وتناولت الدراسة أربع شبهات رئيسة، هي: شبهة الاكتفاء بالقرآن الكريم دون السنة، وشبهة تأخر تدوين السنة، وشبهة وجود الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وشبهة تعارض السنة مع القرآن أو العقل. وقد خلصت الدراسة إلى أن السنة النبوية وحي محفوظ بحفظ الله، وأنها حجة شرعية ملزمة لا يستقيم فهم كثير من الأحكام الشرعية إلا بها، كما أثبتت أن الشبهات المثارة حولها لا تقوم على أسس علمية راسخة، وأن علماء الحديث قد بذلوا جهودًا علمية دقيقة في حفظ السنة وتمييز صحيحها من سقيمها، بما يؤكد سلامة المنهج الإسلامي في توثيقها والاحتجاج بها.
الكلمات المفتاحية: حجية السنة النبوية، الشبهات المعاصرة، تدوين السنة، نقد الحديث، التشريع الإسلامي.
Abstract: This study aims to examine the most prominent misconceptions raised concerning the authority of the Prophetic Sunnah and to refute them through a scholarly approach grounded in the methodology of hadith scholars in criticism, analysis, and verification. The study begins by clarifying the status of the Prophetic Sunnah as the second fundamental source of Islamic legislation after the Holy Qur’an, and by presenting the evidences for its authority from the Qur’an, the Sunnah, and the consensus of the Muslim community. The research adopts the inductive method in collecting texts related to the authority of the Sunnah and the misconceptions raised about it, the analytical method in examining these misconceptions, and the critical method in discussing and responding to them. The study addresses four major misconceptions: the claim that the Qur’an alone is sufficient without the Sunnah, the claim that the recording of the Sunnah was delayed, the claim that the presence of weak and fabricated hadiths undermines the reliability of the Sunnah, and the claim that the Sunnah contradicts the Qur’an or sound reason. The study concludes that the Prophetic Sunnah has been preserved by the will of Allah, that it constitutes a binding legal proof in Islam, and that many Islamic rulings cannot be properly understood without it. It further demonstrates that the misconceptions raised against the Sunnah are not based on sound scholarly foundations, and that hadith scholars exerted remarkable scientific efforts in preserving the Sunnah and distinguishing authentic reports from weak and fabricated ones, thereby affirming the soundness of the Islamic methodology in verifying and upholding it.
Keywords: Authority of the Prophetic Sunnah, Contemporary Misconceptions, Documentation of the Sunnah, Hadith Criticism, Islamic Legislation.
المقدمة
تعد السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وقد أجمع المسلمون على حجيتها ووجوب العمل بها ؛ لأنها وحي من الله عز وجل إلى رسول صلى الله عليه وسلم، غير أن بعض الفرق قديما وحديثا أثارت شبهات حول حجية السنة، محاولين التشكيك في مكانتها التشريعية أو الطعن في نقلها وثبوتها
ويهدف هذا البحث إلى بيان مكانة السنة النبوية، وذكر أبرز الشبهات المثارة حول حجيتها، ثم مناقشتها والرد عليها وفق المنهج العلمي.
مشكلة البحث
تتمثل مشكلة البحث في انتشار بعض الشبهات التي تثار حول حجية السنة النبوية في بعض الكتابات المعاصرة ووسائل الإعلام، مما قد يؤدي إلى التشكيك في حجية السنة ومكانتها في التشريع.
أهداف البحث
1. بيان مفهوم السنة النبوية وحجيتها في التشريع الإسلامي.
2. إبراز الأدلة من القرآن والسنة واجماع الأمة على حجية السنة.
3. عرض أبرز الشبهات المثارة حول حجية السنة النبوية.
4. الرد العلمي على هذه الشبهات وفق منهج أهل السنة والجماعة.
5. بيان جهود علماء الحديث في حفظ السنة.
أهمية البحث
1. إبراز مكانة السنة النبوية كمصدر للتشريع الإسلامي.
2. الدفاع عن السنة النبوية والرد على الشبهات المثارة.
3. إظهار الجهود العلمية التي بذلها علماء الحديث في حفظ السنة.
4. توعية المسلمين بخطورة الطعن في السنة النبوية.
منهج البحث
المنهج الاستقرائي :في جمع النصوص المتعلقة بحجية السنة والشبهات المثارة حولها
المنهج التحليلي : في دراسة الشبهات وتحليلها
المنهج النقدي : في مناقشة الشبهات والرد عليها
المبحث الأول : مفهوم السنة النبوية وحجيتها
المطلب الأول : تعريف السنة في اللغة والإصطلاح
السنة: لغة الطريقة والسيرة السرة، حميدة كانت أو ذميمة، والجمع سنن مثل غرفة وغرف[1]. وشرعا هي ما بين به النبي [ صلى الله عليه وسلم ] كتاب الله تعالى بالفعل، فهي طريقته المتبعة في بيان هذا الدين التي جرى عليها أصحابه قولا وفعلا وتقريراً وتركا
المطلب الثاني :مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي
إن السنة النبوية الشريفة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي. وهذه حقيقة لا يعارضها أو يشغب عليها إلا شقي معاد لله ولرسوله وللمؤمنين، مخالف لما أجمعت عليه الأمة سلفًا وخلفًا وحتى قيام الساعة – بحول الله تعالى.
ذلكم أن المقرر لدى الأمة المسلمة أن الوحي المنزل على الرسول – صلى الله عليه وسلم – من قبل الله – سبحانه – نوعان : الأول : هو القرآن العظيم، كلام الله سبحانه – المنزل على رسوله – صلى الله عليه وسلم – بلفظه ومعناه، غير مخلوق، المتعبد بتلاوته، المعجز للخلق، المتحدي بأقصر سورة منه، المحفوظ من الله – تعالى – أن يناله التحريف، المجموع بين دفتي المصحف الشريف.. أما النوع الثاني من الوحي : فهو السنة النبوية المطهرة بأقسامها القولية والفعلية والتقريرية، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم – هي من وحي الله – عز وجل – إلى رسوله- صلى الله عليه وسلم – باتفاق الأمة المسلمة، وذلك لما قام الدليل من كتاب الله – تعالى – على ذلك في آيات كثيرة، ثم لما صرحت به السنة النبوية، ثم لما أجمع عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم إلى يوم الدين – بحول الله تعالى.
فمن الآيات القرآنية التي تدل على أن السنة وحي قول الله – عز وجل -: { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى }[2] وهاتين الآيتين نص قاطع في أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – لا يأتي بشيء من عنده، وأن كل ما ينطق به في مجال التشريع إنما هو وحيٌ من عند الله – تعالى -، سواء كان وحيًا من النوع الأول وهو القرآن، أو من النوع الثاني وهو السنة النبوية. ومن الأحاديث حديث المقداد بن معدي كرب رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ « أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ أَلاَ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الأَهْلِىِّ وَلاَ كُلُّ ذِى نَابٍ مِنَ السَّبُعِ وَلاَ لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِىَ عَنْهَا صَاحِبُهَا وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ »[3].
وحديث أبي رافع أيضا فيه النهي عن رد السنة بحجة العمل بالقرآن فقط عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِى مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ لاَ نَدْرِى مَا وَجَدْنَا فِى كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ »[4].
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله)[5]. وعلق النبي صلى الله عليه سلم دخول الجنة في طاعته كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى )[6].
فالسنة مؤكدة لما جاء في القرآن مثل : تحريم الزنا والسرقة وشرب الخمر فقد جاءت السنة مؤكدة لما ورد في القرآن.
وتأتي السنة مبينة للقرآن ومن الأمثلة : القرآن أمر بالصلاة، والسنة بينت عدد ركعاتها وهيئتها، القرآن أمر بالزكاة، والسنة حددت أنصبتها ومقاديرها. وهكذا الحج، وقد تأتي السنة بتشريع مستقل، أي أنها تأتي بأحكام لم تذكر في القرآن ومن أمثلة ذلك : تحرم أكل كل ذي ناب من السباع، وتحريم لبس الذهب للرجال، قال الإمام الشافعي : كل ما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن، وقال الإمام أحمد : السنة تفسر القرآن وتدل عليه[7].
المطلب الثالث :الأدلة على حجية السنة من القرآن الكريم
1. الأمر بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم
قال تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله }[8]. ودلالة الآية واضحة على حجية السنة، اذ جعل الله طاعة الرسول طاعة له سبحانه وتعالى مما يدل على وجب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم
2. الأمر بالأخذ بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم
قال تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }[9].و الآية عامة في الأخذ بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من قرآن وسنة.
3.التحذير من مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم
قال تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عزاب أليم }[10]. ودلالة الآية واضحة حيث توعدت من يخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعزاب الأليم، وهذا دليل على وجوب طاعته.
4. وجوب التحاكم إليه صلى الله عليه وسلم
قال تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }[11]. ودلالة الآية على حجية السنة أن الله عز وجل نفى الإيمان عن الذي لا يحكم الرسول في حال الإختلاف، والقرآن صالح لكل زمان ومكان فبعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى فإن التحكيم يكون لسنته الصحيحة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم
5. بيان أن السنة وحي
قال تعالى : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى }[12].
وهذا واضح في حجية السنة وأنها وحي كالقرآن في التشريع، والأدلة من القرآن أكثر من ذلك في حجية السنة.
المطلب الرابع: الأدلة على حجية السنة من السنة واجماع الأمة
1. أحاديث تبين أن السنة وحي
عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ « أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ أَلاَ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الأَهْلِىِّ وَلاَ كُلُّ ذِى نَابٍ مِنَ السَّبُعِ وَلاَ لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِىَ عَنْهَا صَاحِبُهَا وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ »[13].
قال الخطابي : يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مما ليس له ذكر في القرآن على ما ذهب إليه الخوارج، فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا[14]. والحديث صريح في أن السنة وحي، وصريح في الإنكار على من سيأتي وإنكار السنة بحجة العمل بالقرآن فقط، والحديث فيه علم من أعلام نبوته فقد ظهر بعده هؤلاء الذين أنكروا حجية السنة اكتفاء بالقرآن فقط.
2. أحاديث التمسك بالسنة
َقَالَ الْعِرْبَاضُ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا فَقَالَ « أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ »[15]. والحديث واضح الدلالة على حجية السنة ؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابة بالتمسك بسنته والعض عليها بالنواجز.
3. أحاديث الأمر بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم
عن ابي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي[16].
قال السيخ بدر الدين العيني : قوله من أطاعني فقد أطاع الله مأخوذ من قوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا لأن الله أمر بطاعته فإذا أطاعه فقد أطاع الله[17]. ودلالة الحديث واضحة في حجية السنة ؛ وهي وجب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم
4. أحاديث النهي عن رد السنة
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِى مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ لاَ نَدْرِى مَا وَجَدْنَا فِى كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ »[18].
قال الإمام الطحاوي : فحذر رسول الله صلى الله عليه و سلم من خلاف أمره كما حذر من خلاف كتاب الله عز و جل فليحذر أن يخالف شيئا من أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فيحق عليه ما يحق على مخالف كتاب الله[19]. والأحاديث الدالة على حجية السنة أكثر من ذلك ولله الحمد والمنة.
واما إجماع الأمة فقد ذكر الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله أن الأمة أجمعت على حجية السنة فقال : دل الإجماع على حجيّة السنة، منذ عصر الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين، والأئمة المجتهدين، وإلى يومنا هذا، لم يشذ عن ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام.
فقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- إذا عرضت عليهم مسألة بحثوا عن حكمها في كتاب الله تعالى، فإذا لم يجدوا حكمها في القرآن بحثوا عنها في السنة، هكذا كانت سياسة الخليفة الأول: أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وكذلك عمر بن الخطاب، ومن جاء بعدهما من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين. روى الدارمي عن ميمون بن مهران قال: “كان “أبو بكر” ‘إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به، قضي به بينهم، وإن لم يجد في كتاب الله، نظر: هل كانت من النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه سنة؟ فإن علمها قضى بها، فإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين فقال: أتاني كذا وكذا… فنظرت في كتاب الله، وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم أجد في ذلك شيئًا، فهل تعلمون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى في ذلك بقضاء؟ فربما قام إليه الرهط فقالوا: نعم، قضى فيه بكذا وكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقول -عند ذلك-: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا[20].
المبحث الثاني : أبرز الشبهات حول حجية السنة
المطلب الأول : شبهة الإكتفاء بالقرآن وعدم الحاجة إلى السنة
هي القول بأن القرآن وحده يكفي للتشريع ولا حاجة إلى السنة، مستدليل بقوله تعالى : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}[21].
وقوله تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ }[22].
وقوله تعالى : { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا }[23]
وقوله تعالى : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا }[24].
وقوله تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا }[25].
وقوله تعالى : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ }[26].
وقوله تعالى : { وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ }[27].
وقوله تعالى: { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }[28]
هذه الآيات الكريمات وما فى معناها؛ استدل بها دعاة الفتنة على عدم حجية السنة النبوية المطهرة، وشبهتهم فى هذه الآيات؛ أنها تبين أن القرآن تام قد حوى كل شئ، كما فى آية الأنعام “وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ”، وقول الله عز وجل ما فرط فى الكتاب من شئ، كما فى آية الأنعام “مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ” فأتى بالعام ثم فصله تفصيلاً، كما فى آية الأنعام “وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا” وغيرها، وأتى بالمجمل ثم بينه للناس تبيناً تاماً، كما فى أية النحل “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ” فهو لا يحتاج بعد هذا البيان إلى شئ آخر، وإلا لو احتاج إلى شئ آخر لكان القرآن غير صادق فيما قال، وهذا أمر مستحيل على الله عز وجل، ومستحيل على كلامه.
المطلب الثاني :شبهة تأخر تدوين السنة.
يقولون : لم تدون السنة أيام حياته عليه الصلاة والسلام، وتناقلت سماعاً إلى القرن الثالث الهجري، وإذا كان سامعونا لا يستطيعون ذكر ما تحدثنا عنه في خطبة الجمعة الماضية فكيف بسماع مائة سنة وصحة بيانه.
وقالوا : إن الصحاح الستة التي يُفْتَخَرُ بها والتي يقال بحاجة القرآن إليها، كل تلك الكتب جُمعت ودونت في القرن الثالث حسب إقرار المحدثين.
وبالإضافة إلى هذا التأخر في تدوين السنة كان المجتمع المدني يضم كثيراً من المنافقين في صفوفه، وقد استحالت معرفتهم على النبي صلى الله عليه وسلم فخاطبه ربه بقوله : { وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ }[29]، فهذه الآية وشبيهاتها تنفي معرفة الرسول بهم، وأي شخص أكثر معرفة منه عليه الصلاة والسلام بهؤلاء
المطلب الثالث : شبهة وجود الأحاديث الضعيفة والموضوعة
يقولون إن كتب الحديث ملئة بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وبالتالي لا يمكن الوثوق بالسنة النبوعية ؛ لان الروايات قد إختلط فيها الصحيح بالباطل فلا يمكن أن نجعل السنة مصدر من مصادر التشريع ؛ وليس في وسع المرء أن يطلع على حقيقة رواة الحديث صدقاً وكذباً ؛ لأنهما من الأمور الباطنية التي لا يطلع عليها إلا العليم بذات الصدور وأضف إلى هذا إنه قد كان للعواطف البشرية يد في تصحيح السنة وتضعيفها، وإنا لنرى توثيق الرواة لم ينحصر في الصدق فحسب، بل تجاوزه إلى التلمذة والتشيخ والمشاركة الفكرية والعواطف والميول الوجدانية ولذلك يجب الإكتافء بالقرآن وحده كمصدر من مصادر الشريعة فهو قد ثبت بطريق التواتر ثبوتا قطعيا، فان جاءت السنة موافقة لما في القرآن فهذا من باب التاكيد وان جاءت بشيء لا يوجد في القرآن فلا نقبله لاننا لا يمكن أن نقدم الدليل الظني على الدليل القطعي
المطلب الرابع : شبهة تعارض السنة مع القرآن أو العقل
يرى أصحاب هذه الشبهة أن السنة ليست مصدرا موثوقا للتشريع ؛ لأن فيها ـ بحسب زعمهم ـ أحاديث تخالف نصوص القرآن او تتعارض مع ما يراه العقل صحيحا، ومن ثم يدعون إلى الإكتفاء بالقرآن وترك السنة.
المبحث الثالث : الرد على الشبهات حول حجية السنة
المطلب الأول :الرد على شبهة الإكتفاء بالقرآن وعدم الحاجة إلى السنة
من استدل بهذه الآيات على الإكتفاء بالقرآن دون السنة، فهموا أن المراد من الكتاب فى قوله تعالى { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } القرآن، ولكن مجموع الآيات ابتداء ونهاية، يفيد أن المراد بالكتاب هنا هو اللوح المحفوظ الذى حوى كل شئ، واشتمل على جميع أحوال المخلوقات كبيرها وصغيرها، جليلها ودقيقها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، على التفصيل التام كما جاء فى الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضى الله عنهما – قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : “كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. قال : وعرشه على الماء”[30]
وهذا هو المناسب لذكر هذه الجملة عقب قوله تعالى : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}[31]. والمثلية فى الآية تشرح هذا المعنى؛ لأن القرآن الكريم لم ينظم للطير حياة كما نظمها للبشر، وإنما الذى حوى كل شئ للطير والبشر، وتضمن ابتداءً ونهاية للجميع هو اللوح المحفوظ. يقول الحافظ ابن كثير : أى الجميع علمهم عند الله عز وجل، لا ينسى واحداً من جميعها، من رزقه وتدبيره سواء كان برياً أو بحرياً؛ كقوله تعالى: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ }[32]. أى مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها وحاصر لحركاتها وسكناتها. والآية نظير قوله تعالى : { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ }[33]. وقوله تعالى : { عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ }[34].
وعلى هذا الأساس، ففهم أن المراد بالكتاب فى قوله تعالى : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ }. هو القرآن غير دقيق، ويأباه السياق العام للآية وربطها بما قبلها، وبغيرها من الآيات التى فى معناها وسبق ذكرها. ومع هذا فنحن نسلم لكم أن المراد من الكتاب “القرآن”، ولكننا نقول لكم : إن هذا العموم غير تام، بل هو مخصص بقول الله تعالى : { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }[35] (1). والذى يجعلنا نذهب إلى تخصيص هذا العام أمران :
1- لتتفق آيات القرآن ولا تتعارض فى ظاهرها؛ فإن القرآن ملئ بالآيات التى فوض الله نبيه صلى الله عليه وسلم فى شرح أحكامها.
2- إن كثيراً من الأمور الجزئية فى حياة المجتمع تحتاج إلى حكم، وليس فى القرآن إلا قواعده الكلية العامة. وعلى هذا فلا بأس أن يكون الكتاب فى الآية الكريمة هو القرآن الكريم ولكنه عموم مخصوص.
ونقول لكم : نعم لم يفرط ربنا عز وجل فى كتابه فى شئ من أمور الدين على سبيل الإجمال، ومن بين ما لم يفرط فى بيانه وتفصيله إجمالاً بيان حجية السنة وجوب اتباعها والرجوع والتحاكم إليها؛ فالقرآن جامع – دون تفريط – كل القواعد الكبرى للشريعة التى تنظم للناس شئون دينهم ودنياهم، والسنة النبوية هى المبينة لجزئياتها وتفاصيلها وهى المنيرة للناس طريق الحياة، وتنسجم هذه الآية مع الآيات الأخرى التى تؤكد بالنص أهمية السنة تجاه ما فى الكتاب من القواعد التى تحتاج إلى تخصيص أو تقييد أو توضيح أو تبيين… إلخ وهذا الرد ينسحب على كل الآية التي استدلوا بها على هذه الشبة. والله أعلم.
المطلب الثاني : الرد على شبهة تأخير تدوين السنة
الرد على هذه الشبة هو أن الناس يخلطون بين الكتابة والتدوين والتصنيف،
وإليك تعريف موجز للكتابة والتدوين والتصنيف : يتضح منه الفرق بين الكتابة والتدوين :
أ- الكتابة : قال فى اللسان:”كتب الشئ كتباً،وكتاباً،وكتابة،وكتبه خطه” فكتابة الشىء خطه[36].
ب- التدوين : قال فى اللسان : “والديوان مجتمع الصحف”[37]. وقال فى تاج العروس : “وقد دونه تدويناً جمعه. وعليه فالتدوين هو جمع الصحف المشتتة فى ديوان ليحفظها[38].
ج- التصنيف : قال فى اللسان : والتصنيف : تمييز الأشياء بعضها من بعض، وصنف الشئ ميز بعضه من بعض. وتصنيف الشئ جعله أصنافاً. وعليه فالتصنيف تمييز الجزئيات، كأن يميز المصنف الصواب من الخطأ، أو الأهم من المهم”[39].
… ومن هذه التعاريف : يتضح لنا أن الكتابة غير التدوين، فالكتابة مطلق خط الشئ، دون مراعاة لجمع الصحف المكتوبة فى إطار يجمعها، أما التدوين فمرحلة تالية للكتابة ويكون بجمع الصحف المكتوبة فى ديوان يحفظها فكون تدوين السنة بدأ في عهد الخليف الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله، هذا لا يعني أن السنة لم تكن مكتوبة بل كان مكتوب منها جزء كبير في صحائف متفرقة، فقد ثبت أن عددا من الصحابة كتبوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته
ومن أمثلة ذلك
ما ورد عن أبى هريرة رضي الله عنه : أنه لما فتح الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام الرسول صلى الله عليه وسلم وخطب فى الناس، فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاة فقال : يا رسول الله اكتبوا لى، فقال : اكتبوا له”[40].
وأيضاً كتابه صلى الله عليه وسلم فى الصدقات والديات والفرائض والسنن، الذى أرسله إلى عمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن.
وَكَتَبَ أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأنس بن مالك رضي الله عنه فرائض الصدقة، الذى سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وجهه إلى البحرين”[41].
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عتبة بن فرقد بأذربيجان كتاباً فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بأصبعيه اللتين تليان الإبهام
الصحيفة الصادقة التى كتبها جامعها عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لم تصل هذه الصحيفة كما كتبها عبد الله بن عمرو بخطه فقد وصل إلينا محتواها، لأنها محفوظة فى مسند الإمام أحمد، حتى ليصح أن نصفها بأنها أصدق وثيقة تاريخية تثبت كتابة الحديث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزيدنا اطمئناناً إلى صحة هذه الوثيقة أنها كانت نتيجة طبيعة محتومة لفتوى النبى صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو، عندما أتى إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقال : “كنت أكتب كل شئ أسمعه منك أريد حفظه فنهتنى قريش وقالوا : أتكتب كل شئ تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم فى الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، (هنا يفتى النبى صلى الله عليه وسلم) فأومأ بأصبعه إلى فيه وقال : “اكتب، فوالذى نفسى بيده ما يخرج منه إلاَّ حق”[42].
وآية اشتغال ابن عمرو بكتابة هذه الصحيفة وسواها من الصحف قول أبى هريرة رضي الله عنه : “ما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثاً عنه منى إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب[43].
والصحيفة الصحيحة التى كتبها همام بن منبه، زوج ابنة أبى هريرة رضي الله عنه كتبها أمام أبى هريرة، ولهذه الصحيفة مكانة خاصة فى تدوين الحديث، لأنها وصلت إلينا كاملة سالمة كما رواها ودونها همَّام بن منبه عن أبى هريرة، فكانت جديرة باسم “الصحيفة الصحيحة”على مثال “الصحيفة الصادقة” لعبد الله بن عمرو بن العاص
والمقصود أن كتابة السنة كانت موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وبعده وأضف الى ذلك قوة حفظ الصحابة، ثم إن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عندما أمر بتدوين السنة يعلم بأن هنالك جزء كبير منها مكتوب في هذه الصحف المتفرقة وكانت هي الأصل في التدوين ثم بعد ذلك جمعت من صدور الحفاظ كما جمع القرآن، فلا مطعن إذا في السنة من هذا الباب. والله أعلم.
المطلب الثالث :الرد على شبهة وجود الأحاديث الضعيفة والموضوعة
والرد على هذه الشبهة نقول : وجود الضعيف والموضوع لا يقدح في الصحيح، فوجود أحاديث ضعيفة وموضوعة لا يعني أن السنة كلها كذلك، بل إن علماء الحديث ميزوا الصحيح من الضعيف بدقة كبيرة وقعدوا لهذا العلم قواعد وضوابط في منتهى الدقة والضبط فميزوا بها بين الصحيح والضعيف والموضوع، فكما أن وجود العملات المزيفة لا يلغي وجود العلملات الصحيحة، كذلك وجود الحديث الموضوع لايبطل الأحاديث الصحيحة، ومن أعظم ما امتازت به الأمة الإسلامية أنها أنشأت علوما دقيقة لحفظ السنة، مثل :
علم مصطلح الحديث، علم الجرح والتعديل، علم علل الحديث، وقد وضع العلماء ضوابط دقيقة لقبلول الحديث، مثل : اتصال السند، عدالة الرواة، ضبطهم، عدم الشذوذ، عدم العلة، وقد ألف علماء الحديث كتبا للأحاديث الضعيفة والموضوعة تميزا لها عن الأحاديث الصحيحة ؛ لتحذر الأمة منها ومن أمثلة ذلك :
كتاب الموضوعات لابن الجوزي، اللآلئ المصنوعة للسيوطي، تنزيه الشرية لابن عراق الكناني، وهذا يدل على يقظة علماء الحديث وحرصهم على حفظ السنة، كما جمع العلماء بالمقابل الأحاديث الصحيحة، مثل : صحيح البخاري، صحيح مسلم وقد تلقتهما الأمة بالقبول، ثم إن السنة محفوظة بحفظ الله لها كما قال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } وكثير من العلماء يرون أن الذكر يشمل القرآن والسنة، فوجود الأحاديث الضعيفة والموضوعة لا يقدح في حجية السنة، بل يدل على جهود العلماء العظيمة في نقد الروايات وتمييز الصحيح من السقيم.
المطلب الرابع :الرد على شبهة تعارض السنة مع القرآن أو العقل
استحالة التعارض الحقيقي بين القرآن والسنة والعقل السليم ؛ وذلك لا ن الأصل أن القرآن والسنة كلاهما وحي من الله تعالى فلا يمكن أن يقع بينهما تعارض ؛ لان المصدر واحد قال تعالى : وما ينطق عن الهوي إن هو إلا وحي يوحى وقال تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا والسنة كما تقدم وظيفتها بيان القرآن وتفسيره قال تعالى :{ أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم }[44]
ولذلك فإن التعارض إنما يكون في الظاهر لا في الحقيقة بسبب :
ضعف الحديث أو عدم صحته، أو لسوء فهم الحديث، أو للجهل بالسياق أو بطرق الجمع بين الأدلة، وقد وضع العلماء قواعد علمية لرفع هذا التعارض مثل : الجمع بين النصوص إن أمكن، الترجيح عند التعذر، النسخ إذا ثبت تاريخ النصين.
والعقل الصحيح لا يمكن أن يعارض الوحي الصحيح، وإنما يقع التعارض بين : عقل غير مكتمل أو فهم خاطئ ونص لم يفهم على وجه الصحيح قال الإمام الشاطبي : الشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه يأتي بما تحار فيه العقول، ووقوع الشبهة في هذه الجزئية سببها تقديم العقل على النص، مع أن العقل فهم الوحي لا الحكم عليه.
خاتمة البحث
تتضمن أهم النتائج التي توصل إليها البحث ومنها :
1. تبين أن السنة النبوية مصدرا أساسي من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وقد دل على حجية السنة القرآن والسنة وإجماع الأمة.
2. أكدت الدراسة أن القرآن الكريم نفسه أمر بإتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته، مما يدل على أن السنة مبينة للقرآن وشارحة لأحكامه.
3. ظهر أن شبهة الإكتفاء بالقرآن دون السنة شبهة قديمة متجددها بعض المعاصرين، وهي مخالفة للنصوص الشرعية و لإجماع الأمة عبر العصور.
4. أوضحت الدراسة أن تأخر تدوين السنة لا يعني عدم حفظها، إذ حفظها الصحابة أولا بالحفظ والكتابة، ثم دونها العلماء تدوينا واسعا في القرون الأولى.
5. كشفت الدراسة أن وجود الأحاديث الضعيفة والموضوعة لا يقدح في حجية السنة، لأن علماء الحديث وضعوا منهجا علميا دقيقا لتميز الصحيح من الضعيف.
6. تبين أن دعوى تعارض السنة مع القرآن أو العقل دعوى غير صحيحة، لأن السنة وحي من الله، ولا يمكن أن يقع تعارض حقيقي بين الوحيين.
7. أظهرت الدراسة عظمت الجهود العلمية التي بذلها علماء الحديث في نقد الروايات وتمحيص الأسانيد والمتون، مما أدى إلى حفظ السنة النبوية بدقة فريدة في تاريخ نقل الأخبار.
8. أثبت البحث أن السنة النبوية تمثل التطبيق العملي للقرآن، ولا يمكن فهم كثير من الأحكام الشؤعية إلا من خلالها.
9. خلص البحث إلى أن حجية السنة ثابتة بالأدلة القطعية النقلية والعقلية، وأن الطعن فيها يؤدي إلى تعطيل جانب كبير من الشريعة الإسلامية.
10. أن علم الحديث بمنهجه الدقيق أسهم اسهاما عظيما في حفظ السنة النبوية وتميز صحيحها من ضعفها
المصادر والمراجع:
القرآن الكريم.
The Holy Qur’an.
ابن منظور، محمد بن مكرم الأفريقي المصري. لسان العرب. بيروت: دار صادر، ط1، 15 ج.
Ibn Manzur, Muhammad ibn Mukarram al-Ifriqi al-Misri. Lisan al-‘Arab. Beirut: Dar Sadir, 1st ed., 15 vols.
أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني. سنن أبي داود. بيروت: دار الكتاب العربي، 4 ج.
Abu Dawud, Sulayman ibn al-Ash‘ath al-Sijistani. Sunan Abi Dawud. Beirut: Dar al-Kitab al-‘Arabi, 4 vols.
البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر. ط1، بيروت: دار طوق النجاة، 1422هـ، 9 ج.
Al-Bukhari, Muhammad ibn Isma‘il ibn Ibrahim al-Ju‘fi. Al-Jami‘ al-Musnad al-Sahih al-Mukhtasar min Umur Rasul Allah (peace be upon him), Sunanihi wa Ayyamihi, ed. Muhammad Zuhayr ibn Nasir al-Nasir. 1st ed. Beirut: Dar Tawq al-Najah, 1422 AH, 9 vols.
مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم. بيروت: دار الجيل، ودار الآفاق الجديدة، 4 مجلدات.
Muslim, Abu al-Husayn Muslim ibn al-Hajjaj al-Qushayri al-Naysaburi. Al-Jami‘ al-Sahih (Sahih Muslim). Beirut: Dar al-Jil and Dar al-Afaq al-Jadidah, 4 vols.
التبريزي، ولي الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب العمري. مشكاة المصابيح، مع شرحه: مرعاة المفاتيح لأبي الحسن عبيد الله المباركفوري، 9 ج.
Al-Tabrizi, Wali al-Din Abu ‘Abd Allah Muhammad ibn ‘Abd Allah al-Khatib al-‘Umari. Mishkat al-Masabih, with its commentary Mir‘at al-Mafatih by Abu al-Hasan ‘Ubayd Allah al-Mubarakfuri, 9 vols.
العيني، بدر الدين محمود بن أحمد الحنفي. عمدة القاري شرح صحيح البخاري.
Al-‘Ayni, Badr al-Din Mahmud ibn Ahmad al-Hanafi. ‘Umdat al-Qari: Commentary on Sahih al-Bukhari.
الطحاوي، أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة، أبو جعفر. شرح معاني الآثار، تحقيق: محمد زهري النجار. ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 1399هـ، 4 ج.
Al-Tahawi, Ahmad ibn Muhammad ibn Salamah ibn ‘Abd al-Malik ibn Salamah, Abu Ja‘far. Sharh Ma‘ani al-Athar, ed. Muhammad Zuhri al-Najjar. 1st ed. Beirut: Dar al-Kutub al-‘Ilmiyyah, 1399 AH, 4 vols.
ابن قدامة المقدسي، موفق الدين عبد الله بن أحمد. روضة الناظر وجنة المناظر.
Ibn Qudamah al-Maqdisi, Muwaffaq al-Din ‘Abd Allah ibn Ahmad. Rawdat al-Nazir wa Junnat al-Manazir.
ابن النجار، تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي. شرح الكوكب المنير.
Ibn al-Najjar, Taqi al-Din Muhammad ibn Ahmad al-Futuhi al-Hanbali. Sharh al-Kawkab al-Munir.
الزَّبيدي، محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني، أبو الفيض، الملقب بمرتضى. تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مجموعة من المحققين. دار الهداية، 40 ج.
Al-Zabidi, Muhammad ibn Muhammad ibn ‘Abd al-Razzaq al-Husayni, Abu al-Fayd, known as Murtada. Taj al-‘Arus min Jawahir al-Qamus, ed. by a group of scholars. Dar al-Hidayah, 40 vols.
النسائي، أحمد بن شعيب بن علي، أبو عبد الرحمن. سنن النسائي.
Al-Nasa’i, Ahmad ibn Shu‘ayb ibn ‘Ali, Abu ‘Abd al-Rahman. Sunan al-Nasa’i.
Margins:
-
لسان العرب لإبن منظور ج 13 ص 220 ↑
-
سورة النجم الآية 3ـ 4 ↑
-
سنن أبي داود ج 4 ص 328 ح 4606 ↑
-
سنن أبي داود ج 4 ص 329 ح 4607 ↑
-
صحيح البخاري ج 18 ص 44 ح 7137 ↑
-
صحيح البخاري ج 18 ص 256 ح 7218 ↑
-
شرح الكوكب المنير لابن النجار ج 4 ص 697 ↑
-
سورة النساء الآية 80 ↑
-
سورة الحشر الآية 7 ↑
-
سورة النور الآية 63 ↑
-
سورة النساء الآية 65 ↑
-
سورةالنجم الآية 3ـ4 ↑
-
سنن أبي داود ج 4 ص 328 ح 4606 ↑
-
مشكاة المصابيح للمام التبريزي ج 1 ص 614 ↑
-
سنن أبي داود ج 4 ص 329 ح 4609 ↑
-
البخاري ج 18 ص 44 ح 7137 ↑
-
عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج 35 ص 201 ↑
-
سنن أبي داود ج 4 ص 329 ح 4607 ↑
-
شرح معاني الآثار للطحاوي ج 4 ص 209 ح 5936 ↑
-
روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة المقدسي ج 1 ص 309 ↑
-
سورة الأنعام الآية 38 ↑
-
سورة النحل الآية 89 ↑
-
سورة النعام الآية 114 ↑
-
سورة سورة الأنعام الآية 115 ↑
-
سورة المائة الآية 3 ↑
-
سورة الأنعام الآية 19 ↑
-
سورة الأعراف الآية 170 ↑
-
سورة العنكبوت الآية 51 ↑
-
سورة التوبة الآية 101 ↑
-
صحيح مسلم ج 8 ص 51 ح 6919 ↑
-
سورة الأنعام الآية 38 ↑
-
سورة هود الآية 6 ↑
-
سورة الأنعام الآية 59 ↑
-
سورة سورة سبأ الآية 3 ↑
-
سورة النحل الآية 64 ↑
-
لسان العرب لابن منظور ج 1 ص 698 ↑
-
لسان العرب ج 13 ص 164 ↑
-
تاج العروس ج 35 ص 35 ↑
-
لسان العرب 9 ص 198 ↑
-
صحيح البخاري ج1 ص 248 ح 112 ↑
-
سنن النسائي ج 5 ص 18 ح 2447 ↑
-
سنن أبي داود ج 3 ص 356 ح 3648 ↑
-
صحيح البخاري ج 1 ص 117 ح 113 ↑
-
سورة النحل الآية 44 ↑