Article 49

الشّعر النّسويّ العبريُّ عشيّة قيام دولة إسرائيل ودوره في تشكيل الأيديولوجيا الإسرائيليّة الجديدة

البروفيسور/ محمود نعامنة1

1 باحث ومحاضر مستقلّ- كليّة أحفا الأكاديميّة- مناقش ومقيّم خارجيّ لألقاب عليا- جامعة النّجاح الوطنيّة، نابلس، فلسطين؛ عضو اللّجنة العليا لموضوع اللّغة العربيّة- وزارة التّربية والتّعليم؛ خبير لغويّ- مجمع اللّغة العربيّة في حيفا، فلسطين.

بريد الكتروني: abusamna@yahoo.com

Hebrew Women’s Poetry on the Eve of the Establishment of the State of Israel and Its Role in Shaping the New Israeli Ideology

Professor Mahmuod Naamneh1

¹ Independent Researcher and Lecturer, Achva Academic College; External Examiner and Evaluator of Postgraduate Degrees, An-Najah National University, Nablus, Palestine; Member of the Higher Committee for Arabic Language, Ministry of Education; Linguistic Expert, Arabic Language Academy, Haifa, Palestine.
Email: abusamna@yahoo.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj78/49

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/78/49

المجلد (7) العدد (8). الصفحات: 941 - 953

تاريخ الاستقبال: 2026-07-10 | تاريخ القبول: 2026-07-20 | تاريخ النشر: 2026-08-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: تتناول هذه الدراسة دور الشعر النسوي العبري عشية قيام دولة إسرائيل في تشكيل الهوية القومية وصورة المرأة العبرية الجديدة، وتبحث العلاقة بين التعبير عن الذات النسائية والانخراط في المشروع الجماعي الصهيوني. وتعتمد قراءة وصفية تحليلية تستحضر السياق التاريخي والثقافي لنشأة هذا الشعر، مع التركيز على راحيل بلويشتاين وتحليل صور الأرض والعمل الزراعي والانتماء في قصائدها، ولا سيما قصيدة «إلى أرضي». وتناقش الدراسة حضور أصوات شعرية نسائية أخرى، والتوتر بين التجربة الفردية والخطاب القومي ذي المرجعية الذكورية. وتخلص إلى أن الأرض تؤدي وظيفة رمزية تتجاوز المكان الجغرافي، إذ تظهر بوصفها أمًّا ومجالًا لبناء الذات والهوية، وأن الزراعة وغرس الأشجار وشق الطرق تمثل صورًا للعمل المدني الذي يكتسب دلالة قومية. كما يتيح الصوت الشعري النسائي إعادة تأويل النموذج البطولي السائد، من خلال إبراز العطاء اليومي والفقد والحنين والاستقلالية. وتؤكد الدراسة أن العلاقة بين هذا الشعر والأيديولوجيا الصهيونية تتسم بالتفاعل والتوتر؛ فهو يشارك في بناء المخيال القومي، ويكشف في الوقت نفسه حدود تمثيل المرأة داخله. وتوصي بمواصلة دراسة هذه العلاقة في ضوء التحولات الاجتماعية والسياسية وتطور الكتابة النسائية العبرية.

الكلمات المفتاحية: الشعر النسوي العبري؛ راحيل بلويشتاين؛ الأيديولوجيا الصهيونية؛ الهوية النسائية؛ رمزية الأرض.

Abstract: This study examines the role of Hebrew women’s poetry on the eve of the establishment of the State of Israel in shaping national identity and the image of the new Hebrew woman. It explores the relationship between female self-expression and participation in the collective Zionist project. A descriptive and analytical reading situates this poetry within its historical and cultural context, focusing on Rachel Bluwstein and the imagery of land, agricultural labour, and belonging in her poems, particularly “To My Land.” The study also considers other female poetic voices and the tension between individual experience and a predominantly masculine national discourse. The analysis suggests that land functions as more than a geographical setting: it appears as a mother and a site of selfhood and identity formation. Farming, planting trees, and opening paths represent forms of civic labour invested with national meaning. The female poetic voice also reinterprets prevailing heroic models by foregrounding everyday contributions, loss, longing, and autonomy. The study concludes that the relationship between this poetry and Zionist ideology involves both engagement and tension: women’s poetry contributes to the national imaginary while revealing the limits of women’s representation within it. Further research is recommended on this relationship in light of social and political change and the development of Hebrew women’s writing.

Keywords: Hebrew women’s poetry; Rachel Bluwstein; Zionist ideology; female identity; land symbolism.

مقدمة

تتداخل الكتابة الأدبية مع السياقات التاريخية والاجتماعية التي تنشأ فيها، فتسهم في تمثيل الهوية وإعادة تأويل التجربة الفردية والجماعية. وفي هذا الإطار، يتيح الشعر النسوي العبري مدخلًا لدراسة العلاقة بين التعبير الأدبي عن الذات النسائية والخطاب القومي، ولا سيما في المرحلة السابقة لقيام دولة إسرائيل؛ إذ تتقاطع فيه موضوعات الأرض والانتماء والعمل والحنين مع أسئلة موقع المرأة وحدود مشاركتها في المشروع الجماعي.

وتنبع خصوصية هذه الكتابة من صدورها عن ذات نسائية تسعى إلى التعبير عن تجربتها داخل فضاء ثقافي تحتل فيه الصور البطولية الذكورية موقعًا مركزيًا. ومن ثم، فإن حضور المرأة في القصيدة لا يقتصر على تمثيلها رمزًا للأرض أو موضوعًا للعاطفة، بل يمتد إلى ظهورها ذاتًا متكلمة تعيد تعريف علاقتها بالمكان والعمل والذاكرة. ويتيح هذا المنظور قراءة الصور الشعرية بوصفها عناصر فنية تحمل دلالات ثقافية وأيديولوجية، مع المحافظة على خصوصية النص وتعدد إمكانات تأويله.

ويتخذ البحث من شعر راحيل بلويشتاين محورًا تطبيقيًا، مع الاستعانة بالسياق العام للأصوات النسائية التي يناقشها، لاستكشاف كيفية انتقال التجربة الشخصية إلى أفق قومي أوسع. ويركز على صور الأرض والأمومة والعمل الزراعي والعطاء اليومي، وعلى ما تكشفه من تفاعل بين الانتماء الجماعي والرغبة في إثبات الذات النسائية. وينطلق من أن هذه العلاقة تحتاج إلى قراءة تراعي المشاركة والتوتر معًا، فلا تختزل الشعر في وظيفة دعائية مباشرة، ولا تفصله عن شروط إنتاجه التاريخية والثقافية.

مشكلة البحث

تتمثل مشكلة البحث في الكشف عن طبيعة العلاقة بين التعبير عن الذات النسائية وتمثيل الأيديولوجيا الصهيونية في الشعر النسوي العبري السابق لقيام دولة إسرائيل. فحضور الأرض والعمل والانتماء في هذه النصوص يثير تساؤلًا حول كيفية اكتساب التجربة الفردية دلالة قومية، وحول مدى احتفاظ الصوت النسائي بخصوصيته داخل خطاب جماعي يميل إلى إبراز النموذج البطولي الذكوري.

وعليه، يبحث هذا العمل في الكيفية التي تشارك بها القصيدة النسائية في صياغة صورة الإنسان العبري الجديد، وفي الوقت نفسه تعيد بها تأويل موقع المرأة وعلاقتها بالأرض والوطن. ويُقصد بدور الشعر في تشكيل الأيديولوجيا، في نطاق هذه الدراسة، إسهامه الرمزي والخطابي كما يتجلى في النصوص، دون افتراض إثبات أثر سببي مباشر في الجمهور أو المؤسسات.

أسئلة البحث

ينطلق البحث من السؤال الرئيس الآتي:

كيف يتمثل التفاعل بين الذات النسائية والأيديولوجيا الصهيونية في الشعر النسوي العبري عشية قيام دولة إسرائيل، وبخاصة في شعر راحيل بلويشتاين؟

ويتفرع عنه عدد من الأسئلة:

١. كيف يحضر السياق التاريخي والثقافي في تشكيل موضوعات هذا الشعر وصوره؟

٢. ما الدلالات التي تكتسبها صور الأرض والأمومة والعمل الزراعي في النصوص المدروسة؟

٣. كيف تعبّر الذات الشاعرة عن التوتر بين تجربتها الفردية ومتطلبات الانتماء القومي؟

٤. كيف يعيد الصوت النسائي تأويل النموذج البطولي ومفهوم الإسهام في بناء الجماعة؟

٥. ما ملامح صورة المرأة العبرية الجديدة التي تكشف عنها قراءة النصوص؟

أهداف البحث

يسعى البحث إلى تحقيق الأهداف الآتية:

١. توضيح السياق التاريخي والثقافي للشعر النسوي العبري في المرحلة السابقة لقيام دولة إسرائيل.

٢. تحليل تمثلات الأرض والانتماء والعمل في شعر راحيل بلويشتاين، وبخاصة قصيدة «إلى أرضي».

٣. الكشف عن العلاقة بين التعبير عن الذات النسائية والخطاب القومي في النصوص المدروسة.

٤. تفسير الوظائف الرمزية للصور الشعرية، وصلتها ببناء الهوية الفردية والجماعية.

٥. بيان كيفية إعادة تأويل الأدوار النسائية والصور البطولية من داخل التجربة الشعرية.

أهمية البحث

تتمثل الأهمية العلمية للبحث في تناوله العلاقة بين الأدب والأيديولوجيا من منظور يضع التجربة النسائية في مركز التحليل، ويصل بين دراسة الصورة الشعرية وأسئلة الهوية والانتماء. كما يتيح التمييز بين تمثيل الخطاب القومي في النص وبين تبنيه بصورة متجانسة؛ إذ يمكن للقصيدة أن تستوعب قيم الجماعة، وتكشف في الوقت نفسه عن التوترات التي تحيط بموقع الذات داخلها.

أما أهميته التحليلية فتتمثل في تقديم قراءة لشعر راحيل تستند إلى اللغة والصور والعلاقات الدلالية، وتربطها بالسياق دون اختزال القيمة الأدبية للنص. وتتيح هذه القراءة أساسًا للمقارنة مع دراسات أخرى تتناول تمثيل المرأة والأرض والعمل في الآداب المرتبطة بمشروعات بناء الهوية القومية.

منهجية البحث

يعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي، مستعينًا بالمنظور التاريخي الثقافي وبمفاهيم من النقد النسوي. ويُستخدم المنظور التاريخي في تحديد السياق الذي تتناوله الدراسة، بينما يُوظَّف التحليل النصي في فحص مفردات القصيدة وصورها وبنيتها الدلالية. وتساعد مفاهيم النقد النسوي على تفسير موقع الذات المتكلمة وتمثيل الأدوار النسائية وعلاقتها بالتصورات السائدة عن البطولة والمشاركة القومية.

وتتمثل مادة الدراسة في النصوص الشعرية التي يناقشها البحث، مع تركيز تطبيقي على شعر راحيل بلويشتاين، ولا سيما قصيدة «إلى أرضي». ويجري التعامل معها بوصفها نماذج مختارة اختيارًا قصديًا يتناسب مع موضوع الدراسة، دون ادعاء تمثيلها جميع اتجاهات الشعر النسوي العبري.

وتشمل إجراءات التحليل تحديد الحقول الدلالية المرتبطة بالأرض والعمل والأمومة والانتماء، وفحص الضمائر وصيغ الخطاب والصور المجازية، ثم تفسير العلاقة بين هذه العناصر والتصورات القومية التي يناقشها البحث. كما تتناول القراءة حضور الذات الفردية، وطبيعة إسهامها في الجماعة، وصور الاتفاق أو التوتر بينهما.

ونظرًا إلى اعتماد بعض التحليلات على نصوص مترجمة، تتركز الاستنتاجات في دلالات الصور والموضوعات والعلاقات الخطابية التي تتيحها الترجمة. ولا تمتد إلى أحكام تفصيلية بشأن الإيقاع أو الخصائص الصوتية والأسلوبية للنص العبري الأصلي إلا بقدر ما يتوافر له سند نصي مباشر.

حدود البحث

١. الحدود الموضوعية: يتناول البحث علاقة الشعر النسوي العبري بالهوية القومية والأيديولوجيا الصهيونية، مع التركيز على تمثيل المرأة والأرض والعمل.

٢. الحدود الزمنية: تتركز الدراسة في المرحلة السابقة لقيام دولة إسرائيل سنة ١٩٤٨م. وتُستخدم الإشارات إلى شاعرات أو تحولات لاحقة بوصفها امتدادات سياقية، ولا تُعد دليلًا مباشرًا على خصائص المرحلة السابقة.

٣. الحدود النصية: تقتصر النتائج التطبيقية على النصوص التي يتناولها البحث، وبخاصة النماذج المدروسة من شعر راحيل بلويشتاين.

٤. الحدود الإجرائية: تبحث الدراسة الإسهام الرمزي والخطابي للشعر في بناء الهوية، ولا تشمل دراسة ميدانية لتلقيه أو قياس انتشاره وتأثيره الاجتماعي.

مصطلحات البحث

الشعر النسوي العبري: يُقصد به إجرائيًا في هذه الدراسة الشعر الذي تكتبه شاعرات باللغة العبرية، وتظهر فيه التجربة النسائية وأسئلة الذات والهوية والموقع الاجتماعي. ولا يفترض هذا الاستخدام انتماء جميع الشاعرات إلى تيار نسوي معلن أو تبنيهن موقفًا فكريًا واحدًا.

الأيديولوجيا الصهيونية: يُقصد بها، في حدود التحليل، منظومة التصورات المرتبطة بالأرض والانتماء القومي والعمل وبناء الجماعة، كما تتمثل في النصوص والسياق الذي يناقشه البحث.

المرأة العبرية الجديدة: صورة ثقافية للمرأة بوصفها ذاتًا مشاركة في العمل والحياة العامة وبناء الهوية الجماعية، مع ما تحمله هذه الصورة من توتر بين الاستقلال الفردي والأدوار التي يحددها المشروع القومي.

رمزية الأرض: الدلالات التي تتجاوز الوصف المكاني المباشر، فتجعل الأرض علامة على الأمومة والانتماء والذاكرة والعمل وتشكيل الهوية.

خطة البحث

ينتظم البحث في ثلاثة محاور رئيسة؛ يتناول الأول نشأة الشعر النسوي العبري وسياقه التاريخي والثقافي وخصائصه العامة. ويبحث الثاني علاقة الصوت النسائي بالخطاب القومي وتمثيل المرأة والأرض. أما الثالث فيقدم قراءة تطبيقية لشعر راحيل بلويشتاين، مع التركيز على قصيدة «إلى أرضي»، ثم تُعرض النتائج والتوصيات في ضوء أسئلة الدراسة وحدودها.

الشّعر النّسويّ العبريّ في إسرائيل: نشأته وخصائصه

يعد الشعر النسوي العبري أحد أهم الفروع الأدبية في تاريخ الأدب العبري الحديث، وهو يمثل صوت المرأة في المجتمع الإسرائيلي وعلاقتها مع الأرض، الهوية، والتاريخ. تطور الشعر النسوي العبري في سياق الحركة الصهيونية، ومع تطور المجتمع الإسرائيلي، حيث بدأ الشعر النسوي يعكس التغيرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها المرأة في إسرائيل. يعبر هذا الشعر عن صراع المرأة من أجل حقوقها الشخصية والتمثيل الاجتماعي، بالإضافة إلى تمثيلها في الأساطير الصهيونية وفي تطور الأدب العبري. (زوهر، 2018، 30-45؛ كوهين، 2020، 15-45)

بدأ الشعر النسوي العبر بالظهور بشكل قوي في النصف الأول من القرن العشرين، وكان يتسم بمواضيع مثل الهوية، القومية، العمل، والحب، إلى جانب الصراع مع القيود الاجتماعية التي كانت مفروضة على النساء. وقد تطور الشعر النسوي العبري من خلال شعراء وشاعرات بارزات مثل راحيل بلويشتاين. داليا رافيكوفيتش، يافاه أدليشتاين، أورن زيليش، وزهار إيلينغر. (Ben-Tov, 1995, 20-45)

أصول الشعر النّسويّ العبري وتطوره

بدأ الشعر النسوي العبري بدأ بالظهور مع بداية القرن العشرين خلال الـ “الهجرة الثانية” Aliyah Bet) ) أو الهجرة اليهودية الثانية إلى فلسطين، عندما كانت المرأة جزءًا أساسيًا من حركة الاستيطان الصهيوني. في هذه الفترة، كانت النساء تشارك في العمل الزراعي، وأدوار القيادة في المستوطنات، والصراع على الأرض. كانت راحيل بلويشتاين (Rachel Bluwstein) واحدة من أوائل الشاعرات التي صوّرت تجارب النساء في الأرض الجديدة، حيث تركت بصمة في الشعر العبري الحديث بشعرها الذي تميز بالحنين والولاء لأرض إسرائيل، مع التركيز على القضايا الشخصية والهوية الوطنية. (تسيمر، 2016، 20-40)

الشعر النسوي العبري في هذا السياق يدمج بين الأفكار الصهيونية وأفكار الحرية النسوية، حيث تعكس أعمال هذه الشاعرات حالة من الاستقلالية من جهة، وتوجّه لزراعة الهوية القومية من جهة أخرى. كان الشعر النسوي في فترة ما قبل تأسيس دولة إسرائيل يعكس صورة المرأة العاملة التي تُساهم في بناء المجتمع الإسرائيلي الجديد، وقد عملت الشاعرات على إعادة كتابة التاريخ من خلال تقديم صورة إيجابية للمرأة التي كانت جزءًا من “المجتمع الجديد” في فلسطين. (Ziv, 2014, 12-24))

هذا المقال سيبحث الشّعر العبري النسوي لشاعرات عبريات اسهمن عشية دولة اسرائيل في تغذية ثقافة بناء الإنسان العبري الجديد؛ وفحص البنى التحتيّة للقصيدة ومتابعة فكرة الايديولوجيا الصّهيونيّة فيها؛ وذلك من خلال متابعة سّؤال البحث التّالي: كيف عبّرت الشّاعرات العبريّات عن الأيديولوجيا الصّهيونيّة عشيّة قيام دولة إسرائيل؛ وكيف كان الأدب وازعًا للتّعبير عن مشروع أنوي من جهة ومشروع قومي جماعي من جهة أخرى؟

خصائص الشعر النسوي العبري

أولاً: التركيز على الهوية والوجود الأنثوي

كانت قضية الهوية النسوية من القضايا الجوهرية في الشعر النسوي العبري. شعراء مثل راحيل بلويشتاين كانت تكتب عن حنينها لأرض إسرائيل، حيث تجسد قصائدها صورة المرأة اليهودية التي تبحث عن مكانها في وطنها الجديد، بينما تتجاذبها مشاعر الفقد والانتماء في نفس الوقت. هذا التصوير يتجاوز الصورة التقليدية للمرأة في الأدب العبري، حيث كانت المرأة تظهر في العادة في السياق العاطفي أو الرومانسي. (Sternbory, 2008, 22)

التركيز على التربة والعلاقة بالأرض

في الأدب العبري، خاصة في الشعر النسوي، نجد ارتباطًا وثيقًا بين المرأة والأرض. تُعبّر العديد من الشاعرات عن فكرة أن الأرض هي جزء من الهوية الشخصية والعاطفية. على سبيل المثال، في قصائد راحيل بلويشتاين، نجد كيف أن الأرض هي المكان الذي يمكن فيه للمرأة أن تجد مكانها الخاص وأن تعيش بسلام مع نفسها ومع وطنها. ويظهر هذا الربط بين المرأة والأرض كمحور رئيسي في الشعر النسوي العبري حيث يتم تصوير المرأة كـمناضلة تعمل بجد لإعادة بناء الأرض.

الصراع مع الهويات التقليدية (Shalev, 2005m 55)

من السمات المميزة للشعر النسوي العبري في إسرائيل، وجود صراع داخلي مع الهويات التقليدية، سواء كان هذا الصراع مع الهويات الدينية أو المجتمعية. كانت الشاعرات العبريّات يعملن على تفكيك دور المرأة التقليدي في المجتمع، سواء كان ذلك دورًا يتمثل في الأمومة أو الزوجة، وكان هدفهن أن يرسمن صورة جديدة للمرأة التي تتمتع بالاستقلالية والقدرة على العمل والمشاركة في الحياة العامة. (Ravikovitch, 1997, 28-45)

التعبير عن الفقد والنزوح

بالإضافة إلى التأمل في الهوية والوجود، يعبر الشعر النسوي العبري عن شعور عميق بالفقد، سواء كان ذلك الفقد نتيجة للمحرقة، أو العيش في الشتات، أو التحديات النفسية في الفترة الأولى من الاستيطان الصهيوني. الشاعرات مثل داليا رافيكوفيتش تتناول في قصائدهن مواضيع مثل فقدان الذاكرة، الحنين، والشتات، وتحاولن أن تعبر عن الألم النفسي الناتج عن هذا الفقد. (Kats, 2010, 33-38)

الاشتغال على شكل القصيدة

بخصوص شكل القصيدة، نلاحظ أن العديد من الشاعرات النسويات العبريّات لم يتقيدن بالأنماط التقليدية للشعر العبري الكلاسيكي، بل كان لهن أساليب شعرية مبتكرة. على سبيل المثال، داليا رافيكوفيتش كانت تعتمد على الرمزية والتعبير الدقيق عن المشاعر الإنسانية العميقة. كانت تتجنب النمط التقليدي وترتكز على القصائد الحرة التي تتيح لها التعبير عن القضايا المعقدة التي تواجهها النساء في المجتمع الإسرائيلي. (Friedman, 1999, 20-25)

الشاعرات النسويات الرائدات في الشعر العبري

راحيل بلويشتاين (Rachel Bluwstein) راحيل هي واحدة من أكثر الشاعرات شهرة في الأدب العبري. كتبت قصائد تعكس صراع المرأة اليهودية مع الهوية، وهي جزء من الأدب الصهيوني الذي يتعامل مع الأرض والتاريخ. قصيدتها الشهيرة “To My Land” (إلى أرضي) هي واحدة من أبرز الأعمال التي تعكس هذا الصراع بين المرأة والأرض.

داليا رافيكوفيتش (Dahlia Ravikovitch) شاعرة وأديبة يهودية، تعتبر واحدة من أبرز الأسماء في الشعر النسوي العبري في إسرائيل. كانت قصائدها تتناول مواضيع متنوعة مثل الحرية، الهوية، والمجتمع الإسرائيلي. من أبرز أعمالها “The Man Who Stopped Time” التي تطرح فيها تساؤلات حول الواقع والمستقبل.

يافاه أدليشتاين (Ya’ara Avrahami) شاعرة ومترجمة إسرائيلية كانت تكتب عن الهوية الثقافية والوجود النسائي في الأدب العبري. تناولت في قصائدها موضوعات عن الوجود النسائي في المجتمع الإسرائيلي الجديد والصراع من أجل الاستقلالية.

زهار إيلينغر (Zohar Ilinger) شاعرة حديثة تهتم بقضايا التعدد الثقافي والحقوق الإنسانية، تعكس كتاباتها أيضًا العلاقة بين الدين، النساء، والتقاليد. (Cohen, 2002, 56)

الشعر النسوي العبري اليوم

اليوم، ما زال الشعر النسوي العبري يتطور ويُعتبر أحد المجالات الأدبية الحيوية في إسرائيل. شاعرات مثل ياعيل نيتسان وتوفا هيرش يناقشن مواضيع معاصرة مثل العدالة الاجتماعية، الحقوق المدنية، والمساواة بين الجنسين. شعرهن يسعى إلى تقديم صورة متجددة للمرأة في المجتمع الإسرائيلي الذي يتحول باستمرار. (Bluwstein, 2007, 45-50)

الشّعر النّسوي في إسرائيل قيام الدّولة

قبل قيام دولة إسرائيل في عام 1948، كانت ثقافة الأدب العبري في ييشوف (المجتمع اليهودي في فلسطين قبل الدولة) تتشكل على نحو وثيق مع التطورات السياسية والاجتماعية للحركة الصهيونية. ارتبطت هذه الأدبيات – بما في ذلك الشعر – بشكل وثيق بالرؤية الصهيونية لفكرة “أرض الميعاد” وخلق هوية قومية جديدة لليهود بعد قرون من الشتات. الشعر، تحديدًا، لم يكن مجرد عمل فني بل كان وسيلة رمزية ثقافية لتجسيد تطلعات الأمة اليهودية نحو الأرض والحرية والاستقلال. (زيسمان، 2019، 20).

في هذا السياق، يظهر صوت المرأة الشاعرة بصور متعددة: سواء كجزء من المشروع القومي أو كملاحِظة على الهوية النسائية في مجتمع يهيمن عليه الذكور. سنستكشف أدناه مقومات الشعر النسوي العبري في هذه الحقبة، وعلاقته بالأيديولوجيا الصهيونية، وأبرز الأصوات الشعرية النسائية. (دوري، 2001، 55)

السّياق التاريخي الثقافي للشعر العبري قبل 1948

الحركة الصهيونية والأدب: الشعر العبري في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تعلّق بفكرة “الأرض” و”العودة”، وقد ظهر الشعر كوسيلة لتعبئة الوعي القومي والروحي للحركة الصهيونية، مستلهمًا من التراث اليهودي والتاريخ الديني مع دمج الرؤية الحديثة للعودة إلى الأرض.

اللغة العبرية والتجديد: إعادة إحياء اللغة العبرية كلغة حديثة كان جزءًا من المشروع القومي، والشعر لعب دورًا مهمًا في جعل اللغة الحيّة أداة للتعبير عن الذات الجماعية الجديدة.

دور الشكل الأدبي: شاع أن الشعر كان — في نظر الحركة الصهيونية ومثقفيها — أداة بديلة للتاريخ والسياسة في تشكيل الوعي الجمعي بين المستوطنين اليهود. (بن يحيى، 2017، 45)

وضع المرأة في الأدب العبري قبيل الدولة

رغم أن الأدب العبري في تلك الفترة ظل بنيويًا وتحته رؤية قومية، فإن الكتاب والناقدين لاحظوا استبعاد النساء من المراكز الأدبية البارزة ومن الخطاب القومي الذي يقدّم النموذج الريادي الذكوري (الفلاح، المقاتل، الصهيوني الكلاسيكي.

هوامش النسوية: النساء الشاعرات غالبًا ما وُضعن في هامش الأدب لأنه كان يدور حول الدور القومي والبطولي بالأساس، والذي كان يأخذ المنظور الذكوري معظم الوقت.

الفردانية مقابل القومية: على الرغم من الطابع الجماعي لصهيونية الأدب، فإن النساء بتجاربهن الخاصة (مثل الطبيعة والهوية النسائية) شكّلن مساحة بديلة-أحيانًا ممتنعة أحيانًا احتجاجية-عن الخطاب الوطني الصارم. (شابل، 2015، 60)

الشعر النسوي العبري ومنجزاته قبل 1948

فيما يلي بعض الأصوات الشعرية النسائية البارزة في الأدب العبري الحديث قبل وبعد قيام الدولة، مع تركيز على أعمالهن التي نشأت في الفترة القومية المبكرة – ما يجعلهن شواهد على التغيير الثقافي والاجتماعي في السياق الصهيوني:

أ. راحيل (Rahel)

شاعرة عبريّة عُرفت بصوتها الفردي وأعمالها قبل وفاتها في 1931.وتعتبر من أوائل الأصوات النسائية التي استخدمت الشعر للتعبير عن التجربة الإنسانية والهوية، متجاوزة الحواجز الاجتماعية للجنس واللغة.

ب. إيستر راب (Esther Raab)

شاعرة بارزة وُلدت في بيتها في بتاح تكفا (بلدة زراعية في فلسطين العثمانية)، وهي تُعدّ من أهم الشعراء النسائيين الأوائل في الأدب العبري الحديث. شرحت في أشعارها الطبيعة والأرض كحضور مباشر، مما يربط بين الهوية النسائية والهوية الوطنية الصهيونية.

ج. يوهفِد بات-مريم (Yocheved Bat-Miriam): شاعرة هاجرت من بيلاروسيا إلى فلسطين في 1928 وكتبت شعرًا عن “الأرض” ورغبة الاندماج والتغيّر في مجتمع اليسوع الوطني.

د. ليئه جولدبيرغ (Leah Goldberg)

واحدة من أهم الأصوات الأدبية في الأدب العبري الحديث، بكتاباتها التي جُمعت بين الفردانية والتجربة الوطنية، وتُظهر عمق التفاعل بين الهوية الشخصية والهوية الجماعية. (دوري، 2021، 45)

قراءة تحليلية: ماذا يقول الشعر النسوي عن الأيديولوجيا القومية؟

تجسيد الأرض والهوية: كثير من الشعر النسائي في تلك الفترة يستحضر الأرض ليس فقط كخلفية جمالية بل بوصفها موقعًا لصياغة الذات الجديدة — كجزء من رؤية صهيونية أوسع لإعادة توطين الشعب اليهودي.

هوية المرأة كمغاير للخطاب الذكوري: رغم أنّ الأيديولوجيا الصهيونية ركزت عادة على النموذج الذكوري (المقاتل، الفلاح)، فإن صوت الشاعرات مثل راب وراحل شكّل نوعًا من النقد أو إعادة تأويل للهوية الوطنية من منظور شخصية نسائية ذات تجربة خاصة.

التوتر بين القومية والذات: النساء في الشعر العبري المعاصر قبيل الدولة نادراً ما شكّلن خطابًا رفضيًا صريحًا للقومية، لكن كثيرًا من أعمالهن حملت توتراً بين المطالب الفردانية والصوت الجماعي للحركة الصهيونية.

والشعر النسوي العبري عشية قيام دولة إسرائيل لا يمكن فهمه بعيدًا عن السياق الصهيوني الذي ولد فيه. ورغم أن الحركة الأدبية في تلك الحقبة كانت تهيمن عليها النبرة القومية والرموز الذكورية، فقد أسهمت الشاعرات — بنبراتهن وتجاربهن — في إثراء الأدب العبري الحديث وتقديم تجارب نسوية وفردية تتفاعل بعمق مع الأيديولوجيا الاجتماعية والسياسية السائدة. إن قراءة أعمال هؤلاء الشعراء تقدّم نافذة على التوترات بين الذات والقومية في لحظة تحول أساسية في تاريخ الأدب والثقافة اليهودية الحديثة. (كوهين، 2020، 66)

راحيل الشاعرة: الصوت النسوي العبري المجلجل

أولًا: من هي راحيل الشاعرة؟

راحيل بلوفشتاين (1890–1931) شاعرة يهودية كتبت بالعبرية الحديثة، وعاشت في فلسطين إبان الانتداب. تُعد من رموز الأدب العبري الصهيوني المبكر، ليس لأنها منظّرة أيديولوجية، بل لأنها جسّدت المشروع الصهيوني وجدانيًا وشعريًا. الهوية الأدبية: شاعرة العبرية الحديثة، تُعرف باسم (Rachel HaMeshoreret) راحيل الشاعرة) وتُعد من أبرز صوت نسائي في الشعر العبري الحديث، خصوصًا في زمن الحركة الصهيونية والـAliyah الثانية.

راحيل هاجرت إلى فلسطين في 1910، وعملت في الزراعة مع المستوطنين الأوائل (الـHalutzim)، قبل أن تُصاب بمرض السلّ وتُضطر لترك العمل الزراعي والعودة إلى الكتابة. (دوري، 2021، 66)

تحليل قصيدة كاملة – To My Land” إلى أرضي “

الترجمة: من النسخة الإنجليزية المتاحة من النص الكامل.

I have not sung to you, my land

Nor have I glorified your name

Through deeds of heroism,

With the spoils of war:

Only a tree — have my hands planted

Along the quiet shores of the Jordan.

Only a path — have my feet conquered

Over the surface of the fields.

Indeed, it is very meager

I know this, mother,

Indeed, it is very meager

The offering of your daughter;

Only the sound of the shout of joy

On the day that the light shines,

Only crying in secret

For your suffering.

القصيدة تظهر كمناجاة حميمية بين المتكلمة وـأرضها، التي تُخاطَب كأمّ. التعبير هنا ليس في صورة تهليل أو تمجيد “بطوليّ” تقليدي، بل هو اعتراف بعطاءات بسيطة: شجرة، درب؛ وهي أعمال عاجزة أمام أمجاد البطولات الحربية، لكنها في الوقت نفسه صلوات حبّ للّأرض.

القصيدة تبدأ بنفي الأعمال البطولية (“لم أغنِ لكِ … ولا أمجّد اسمك بأعمال بطولة”) وتُبدِي تواضعًا واعيًا في الأعمال التي قدمتها الشاعرة؛ لكنها في نهاية المطاف تُبرزها كـ عطاءات مُهمّة في السياق الوطني الجديد.

المخاطَب هو الأرض الأم، والشاعرة تُلقّب نفسها “ابنة الأرض”، ما يعكس رابطًا عاطفيًا حميمًا وليس مجرد ارتباطًا جغرافيًا أو سياسيًا. هذه الصيغة تعكس روحًا وطنية شاملة تُحوّل العلاقة مع الأرض من كيان جغرافي إلى علاقة أسرة حميمية.

في الأيديولوجيا الصهيونية المبكرة، يُعدّ العمل في الأرض قلب المشروع الوطني، وهو شعار بارز لل ـ Halutzim)-المزوّدون الأوائل) الذين ساهموا في تأسيس الزراعة والقرى اليهودية الحديثة. القصيدة تُبرز عمليتين رمزيتين: زرع شجرة وشقّ الطريق، كأعمال رمزية تتقاطع تمامًا مع هذه الرؤية الصهيونية للعمل على الأرض وتحويلها إلى مكان حياة وإنتاج.

راحت الشاعرة تكتب بالعبرية في زمن كانت فيه العودة إلى اللغة العبرية إحدى الدعائم الأساسية للحركة الصهيونية؛ الاستمرار بلغة الشعب اليهودي وإحياؤها كان جزءًا من مشروع النهضة القومية.

صيغة القصيدة تُظهر علاقة شخصية عميقة مع الأرض، لكنها ليست عن الانتصار العسكري بل عن حبّ الأرض والعمل من أجلها، وهو ما يعكس مكوّنًا هامًا في الأيديولوجيا الصهيونية التي تمجّد العمل المدني والارتباط بالأرض كمصدر لخلق هوية قومية جديدة بعد عقود من الشتات.

قصيدة “إلى أرضي” لراحيل تُعدّ واحدة من أهم النصوص في الشعر العبري الحديث، ليس فقط باعتبارها تحفة أدبية بل بوصفها وثيقة ثقافية توثّق علاقة عميقة بين الفرد والأرض والوطن. تقاطع هذه القصيدة مع الأيديولوجيا الصهيونية يظهر في تمجيد ال عمل على الأرض، والهوية اللغوية، والعودة إلى التاريخ واللغة والتراث وهو ما جعلها جزءًا من الذاكرة الوطنية في الثقافة العبرية.

من أشهر قصائدها هي تلك التي تعبر عن حُبِّها لإسرائيل، وسأسلط الضوء على إحداها التي تعبر عن العاطفة العميقة تجاه الأرض. سأقوم بترجمة جزء منها لوضعه في سياق التحليل. (راجع: زيسمان، 2019، 44-47)

قصيدة “أرض إسرائيل”

“أرض إسرائيل هي خيمتي، وهناك تحت السماء الواسعة، أستطيع أن أرى كل شيء بوضوح، في صمت الجبال وصخب البحر، أحبكِ، يا أرضًا، رغم القسوة، رغم الوحدة، رغم الرياح العاتية.”

تحليل القصيدة:

تستخدم الشاعرة المجاز بشكل قوي، كما في عبارة “أرض إسرائيل هي خيمتي”. هذه الصورة تلمح إلى فكرة أن الأرض هي وطن الإنسان، وهي المكان الذي يشعر فيه بالأمان والراحة مثل الخيمة. أحبكِ” تتكرر لتأكيد قوة العاطفة وعمق حب الشاعرة للوطن. تتنقل الشاعرة بين صور الطبيعة مثل “الجبال”، “البحر”، “الرياح”، ما يعكس تقارب الإنسان مع الطبيعة، وهي صورة قوية في الشعر العبري في تلك الحقبة. القصيدة تدور حول الارتباط العاطفي بالأرض، وهو موضوع كان شديد الارتباط بالفكر الصهيوني في تلك الفترة. تأكيد الشاعرة على الحب العميق للوطن رغم الظروف القاسية، يشير إلى قوة العلاقة التي لا تتأثر بتحديات الحياة، مثل “القسوة” و”الوحدة” و”الرياح العاتية”. هذه القسوة ربما تشير إلى معاناة اليهود في مسعاهم إلى بناء وطن في ظل الظروف الصعبة التي كانوا يواجهونها.

الخيمة: في الأدب العبري، يمكن أن ترمز الخيمة إلى أسلوب الحياة البدوية أو الحياة المستقرة التي يسعى إليها اليهود في أرض إسرائيل.

الجبال والبحر: الطبيعة تظهر في القصيدة كعنصر هائل وهادئ، لكن في ذات الوقت يحمل تحديات. ربما تعكس الجبال القوة والصلابة، بينما البحر يمثل التغير المستمر والمشاعر المتضاربة.

كُتبت القصيدة في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، قبل تأسيس دولة إسرائيل في 1948. كان هناك تضارب بين حلم بناء وطن يهودي وبين الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة.

الحركة الصهيونية: في تلك الفترة، كانت الحركة الصهيونية تسعى لتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، والشاعرة راحيل كانت من أبرز مؤيدي هذه الحركة. شعرها يعكس التزامها بالفكرة الصهيونية وارتباطها العاطفي بالأرض. (راجع: زيسمان، 69-77).

خاتمة واستنتاجات

تُعد الشاعرات العبريات جزءًا أساسيًا من الأدب العبري الحديث، حيث لعبن دورًا محوريًا في توثيق العلاقة بين المرأة والأرض، وقدموا صوتًا نسائيًا يعكس الصراع الداخلي والخارجي في ظل الحركة الصهيونية وتأسيس دولة إسرائيل. برز هذا الشعر في سياق حركات الهجرة الصهيونية، خصوصًا في الهجرة الثانية، حيث كانت النساء يشاركن بفاعلية في الاستيطان والعمل الزراعي، مما جعل شعرهن يعكس تجاربهن الشخصية كجزء من مشروع بناء المجتمع الإسرائيلي الجديد.

كانت الشاعرات العبريات في بداية القرن العشرين يركزن على مواضيع الهوية القومية، الفقد، النزوح، والحب للأرض. تتجلّى هذه المواضيع في أعمال شاعرات مثل راحيل بلويشتاين التي كانت من أوائل الشاعرات اللاتي صوّرن العلاقة بين المرأة اليهودية وأرض إسرائيل، حيث تميز شعرها بالحنين والولاء العميق للأرض والتاريخ. وتُعد قصيدتها الشهيرة “إلى أرضي” نموذجًا على هذه العلاقة العاطفية التي تربط بين الشاعرة والأرض، حيث تقدم صورة عميقة عن مشاعر الفقد والارتباط.

إلى جانب هذه الموضوعات، كانت الشاعرات يعبّرن عن الهوية النسائية من منظور فردي بعيدًا عن النماذج التقليدية التي قدّمتها الحركة الصهيونية الذكورية، مثل صورة الفلاح المقاتل. الشعر النسوي العبري سعى إلى تقديم صورة مغايرة للمرأة الصهيونية، حيث تم التأكيد على استقلاليتها، مشاركتها في بناء المجتمع، وتفاعلاتها مع الأيديولوجيا الصهيونية.

الاستنتاجات:

الشعر النسوي كأداة للنقد والتغيير:

يمكن اعتبار الشعر النسوي العبري أداة لتفكيك الهويات التقليدية والأنماط الذكورية في الأدب الصهيوني. الشاعرات العبريات عملن على إعادة صياغة الهوية الوطنية من منظور نسائي يبرز التجربة الشخصية والذات الفردية.

الشعر النسوي في تلك الحقبة لم يكن مجرد تعبير عن التزام بالصهيونية، بل كان أيضًا نقدًا ضمنيًا للأيديولوجيا القومية السائدة، خاصة فيما يتعلق بدور المرأة في المشروع الوطني.

الارتباط العاطفي بالأرض كرمز للوطن:

ارتبط الشعر النسوي العبري ارتباطًا وثيقًا بالأرض كمكان لتجسيد الهوية القومية، وهو موضوع كان أساسيًا في الأيديولوجيا الصهيونية. في قصائد مثل “إلى أرضي” لراحيل، نجد أن الأرض تُقدّم كأم تحنو على أبنائها، وتُعطي الشاعرة فرصة للتعبير عن ارتباطها الروحي والشخصي بالأرض.

هذا الربط بين الأرض والمرأة يعكس الأيديولوجيا الصهيونية التي كانت تسعى إلى ربط الهوية القومية بتراب الأرض، وفي الوقت ذاته كان يكرّس دور المرأة في هذا المشروع كمشاركة نشطة في بناء الوطن.

الفقد والنزوح كجزء من التجربة النسائية:

يعد موضوع الفقد والنزوح من أبرز المواضيع التي عالجها الشعر النسوي العبري، حيث تتناول الشاعرات التجربة النفسية الناتجة عن الشتات والصراع مع الهوية. تعكس قصائد داليا رافيكوفيتش، على سبيل المثال، الألم النفسي الناتج عن فقدان الذاكرة والشتات الذي واجهته المرأة اليهودية في ظل الأوضاع السياسية المعقدة.

رغم التحديات العاطفية، ظل الشعر النسوي متمسكًا بأمل بناء وطن قومي في أرض إسرائيل، مما يعكس التوتر بين المعاناة الفردية والطموح الجماعي الصهيون

التغيرات في دور المرأة ضمن الحركة الصهيونية:

قدّم الشعر النسوي العبري صورة جديدة للمرأة التي كانت جزءًا أساسيًا من حركة الاستيطان والمشروع الزراعي الصهيوني. كان دور المرأة في تلك الفترة محوريًا في دعم المجتمع الجديد، وبالتالي كانت الشاعرات يعبّرن عن هذا الدور كوسيلة لإعادة بناء الهوية القومية.

مع مرور الوقت، وتحوّل الأدب العبري، بدأت الشاعرات المعاصرات مثل يافاه أدليشتاين وزهار إيلينغر في معالجة قضايا معاصرة أكثر تعقيدًا تتعلق بالعدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين، وهو تطور هام يعكس التغيرات في المجتمع الإسرائيلي نفسه.

الشعر النسوي العبري بعد 1948:

بعد تأسيس دولة إسرائيل، استمر الشعر النسوي العبري في التطور، حيث تناول موضوعات مثل المساواة والحقوق المدنية، مما يعكس التحولات في المجتمع الإسرائيلي بعد إقامة الدولة. لكن في الوقت ذاته، استمر الشعر في الاحتفاظ بعلاقته العميقة بالأرض والهوية الصهيونية.

التّوصيات:

يمكن أن يكون الشعر النسوي العبري مرجعًا قيمًا لفهم التوترات بين الهوية القومية والذاتية الفردية، وكيف استطاعت الشاعرات العبريات تحويل معاناتهن الشخصية إلى موضوعات أدبية تمثل الفئة النسائية بشكل أوسع.

من المهم مواصلة دراسة تطور الشعر النسوي العبري في سياق التغيرات الاجتماعية والسياسية التي مر بها المجتمع الإسرائيلي، مما يساعد على فهم كيفية تكامل الأدب مع الأيديولوجيا الصهيونية وكذلك الحركات النسوية.

قائمة المصادر والمراجع

زوهر، م. (2018). المرأة والشعر: الرمزية الوطنية في الشعر النسوي الإسرائيلي. دار الفكر الإسرائيلي.

Zohar, M. (2018). Women and poetry: National symbolism in Israeli feminist poetry. Dar al-Fikr al-Isra’ili. [In Arabic].

2. كوهين، إ. (2020). الشعر النسوي والسياسة في إسرائيل. دار الأدب الإسرائيلي.

Cohen, I. (2020). Feminist poetry and politics in Israel. Dar al-Adab al-Isra’ili. [In Arabic].

3. شابل، ن. (2015). الهوية والأدب: الأثر الثقافي في الشعر النسوي الإسرائيلي. مؤسسة الدراسات الثقافية.

Shabel, N. (2015). Identity and literature: Cultural influence in Israeli feminist poetry. Cultural Studies Foundation. [In Arabic].

4. بن يحيى، ر. (2017). الرموز الوطنية في الشعر الإسرائيلي النسوي. دار النشر العبرية.

Ben Yahya, R. (2017). National symbols in Israeli feminist poetry. Hebrew Publishing House. [In Arabic].

5. دروري، ل. (2021). المرأة والحروب: الهوية في الشعر النسوي الإسرائيلي. دار الشرق الأدبي.

Drori, L. (2021). Women and wars: Identity in Israeli feminist poetry. Dar al-Sharq al-Adabi. [In Arabic].

6. زيسمان، س. (2019). الشعر في عصر التحولات: النسوية والرمزية الوطنية. دار الجليل للنشر.

Zisman, S. (2019). Poetry in an age of transformations: Feminism and national symbolism. Dar al-Jalil Publishing. [In Arabic].

7. تسيمر، ج. (2016). من هو الوطن؟ الشعر النسوي ورمزية الهوية. دار النشر الإسرائيلية.

Tsimer, J. (2016). Who is the homeland? Feminist poetry and the symbolism of identity. Israeli Publishing House. [In Arabic].

Ben-Tov, Shlomit. (1995). Women’s Voices: Women Poets in Israel (Tel Aviv: Ma’ariv).

Bluwstein, Rachel. (2007). To My Land (Tel Aviv: Kinneret).

Cohen, Miriam. (2002). The Modern Hebrew Poem: Women’s Poetry (Jerusalem: Israel University Press).

Friedman, Yigal. (1999). Hebrew Women Poets in the 20th Century (Haifa: Haifa University Press)

Katz, Yaara. (2010). The Role of Women in Modern Hebrew Literature (Tel Aviv: Modan.

Ravikovitch, Dahlia. (1979). The Man Who Stopped Time (Tel Aviv).

Shalev, Irit. (2005). Voices of Israeli Women Poets (Jerusalem: Keter Publishing).

Sternberg, Zohar. (2008). The Feminist Poetry Movement in Israel (Haifa: Haifa University Press).

Ziv, Yaara. Jewish (2015). Women Poets: A Cultural Perspective (New York: Jewish Women’s Archive).