Article 76

ملاءمة القصص في كتب اللغة العربية لاحتياجات الطفل التربوية والتعليمية في المرحلة الابتدائية: دراسة تحليلية

فاطمة يوسف مصطفى مرعي محاميد1

1 طالبة دكتوراه في التعليم والتعلم، كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين.

بريد الكتروني: Fatma_agbaria@hotmail.com

The Suitability of Stories in Arabic Language Textbooks for the Educational and Pedagogical Needs of Primary School Children: An Analytical Study

Fatima Youssef Mustafa Mar’i Mahamid¹

¹ PhD Student in Teaching and Learning, Faculty of Graduate Studies, An-Najah National University, Nablus, Palestine.
Email: Fatma_agbaria@hotmail.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj76/76

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/76/76

المجلد (7) العدد (6). الصفحات: 1378 - 1391

تاريخ الاستقبال: 2026-05-20 | تاريخ القبول: 2026-05-25 | تاريخ النشر: 2026-06-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: هدفت الدراسة الحالية إلى تحليل مدى ملاءمة القصص الواردة في كتب اللغة العربية المقررة لطلبة المرحلة الابتدائية لاحتياجات الطفل التربوية والتعليمية، والكشف عن طبيعة المضامين التي تقدمها هذه القصص، ومدى إسهامها في تنمية الجوانب اللغوية، والاجتماعية، والقيمية، والوطنية لدى المتعلمين. وانطلقت الدراسة من أهمية القصة المدرسية بوصفها أحد المكونات الرئيسة للمنهاج، ودورها في بناء شخصية الطفل، وتشكيل منظومته القيمية، وتعزيز نموه المعرفي والاجتماعي، في ظل الحاجة إلى تقويم المحتوى القصصي في ضوء الاحتياجات الفعلية للطفل. واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي باستخدام أسلوب تحليل المحتوى، إذ جرى تحليل القصص الواردة في كتابي التكوين والغيث المقررين للمرحلة الابتدائية، من خلال أداة تحليل أعدتها الباحثة استنادًا إلى الأدب التربوي والدراسات السابقة، وشملت عددًا من المحاور المرتبطة بالاحتياجات التربوية والتعليمية، والقيم، والمهارات، والخصائص اللغوية، والجوانب النمائية التي تستهدفها القصص. وأظهرت النتائج أن القصص تضمنت مجموعة من القيم التربوية والإنسانية، وأسهمت في دعم النمو اللغوي للطفل من خلال إثراء المفردات، وتنمية مهارات القراءة، والاستماع، والتعبير، كما عززت بعض المهارات الاجتماعية، مثل التعاون، والاحترام، وتحمل المسؤولية. وفي المقابل، كشفت النتائج عن محدودية تناول بعض الجوانب المرتبطة بتنمية الهوية الوطنية والتاريخية، وضعف تمثيل عدد من الاحتياجات التربوية التي ترتبط ببناء شخصية الطفل في البيئة العربية داخل إسرائيل، الأمر الذي يشير إلى الحاجة إلى تطوير المحتوى القصصي بما يحقق قدرًا أكبر من التوازن بين الجوانب التعليمية والتربوية. وتوصي الدراسة بإعادة النظر في بناء القصص المدرسية بما ينسجم مع احتياجات الطفل في المرحلة الابتدائية، وتعزيز حضور القيم الوطنية والثقافية، وإثراء المضامين التي تدعم النمو المتكامل للمتعلم، إلى جانب الإفادة من نتائج الدراسة عند تطوير مناهج اللغة العربية وإعداد الكتب المدرسية.

الكلمات المفتاحية: القصص المدرسية، كتب اللغة العربية، المرحلة الابتدائية، تحليل المحتوى، النمو اللغوي.

Abstract: The present study aimed to analyze the extent to which the stories included in Arabic language textbooks for primary school students meet children's educational and pedagogical needs. It also sought to identify the degree to which these stories incorporate the values, experiences, and skills necessary for children's holistic development. The study was motivated by the educational significance of school stories as an instructional medium that combines cognitive, linguistic, social, and moral dimensions, while contributing to personality development and supporting children's interaction with their social and cultural environment. It further responds to the need for evaluating the narrative content of Arabic language textbooks in light of the educational and developmental needs of primary school children. The study adopted a descriptive analytical approach using content analysis. The analysis covered the stories included in the Al-Takween and Al-Ghaith Arabic language textbooks prescribed for primary school students in the Arab education sector in Israel. A content analysis instrument was developed based on the relevant literature and previous studies. The instrument comprised a set of domains reflecting children's educational and pedagogical needs, including cognitive, linguistic, social, emotional, moral, and national dimensions. The findings revealed that the analyzed stories adequately addressed several educational needs, particularly those related to moral values, communication skills, cooperation, respect for others, and language development. However, variation was found in the inclusion of other important dimensions, especially those associated with national identity, cultural belonging, critical thinking, and problem-solving skills. These findings indicate the need to further develop the narrative content of Arabic language textbooks to achieve greater balance and comprehensiveness in addressing children's developmental needs. The study recommends reconsidering the criteria used in selecting and developing school stories to ensure the integration of educational and pedagogical dimensions. It also recommends enriching textbook stories with values and skills appropriate for primary school children, benefiting from the study's findings in future curriculum development, and conducting further analytical studies on narrative content across different educational stages.

Keywords: School Stories, Arabic Language Textbooks, Primary Education, Content Analysis, Language Development.

المقدمة

تُعد القصة المدرسية من أهم الوسائط التعليمية التي يعتمد عليها المنهاج في المرحلة الابتدائية؛ لما تمتلكه من قدرة على الدمج بين التعلم والمتعة، وإيصال المعارف والقيم بصورة تتناسب مع خصائص الطفل النمائية. ولا يقتصر دورها على تنمية المهارات اللغوية، بل يمتد إلى الإسهام في بناء شخصية الطفل، وتعزيز قيمه واتجاهاته، وتنمية مهارات التفكير والتواصل والتفاعل الاجتماعي، بما يساعده على التكيف مع بيئته التعليمية والاجتماعية (أبو معال، 2005؛ البقاعي، 2018).

وتؤكد الأدبيات التربوية أن القصة تُعد أداة تعليمية فعالة في دعم النمو اللغوي والمعرفي والاجتماعي للطفل، إذ تسهم في تنمية مهارات الاستماع والقراءة والتعبير، وإثراء الحصيلة اللغوية، وتنمية الخيال، بالإضافة إلى غرس قيم التعاون، والاحترام، وتحمل المسؤولية، الأمر الذي يجعلها من أكثر الأساليب التعليمية ملاءمة لطلبة المرحلة الابتدائية (جابر، 2005؛ بورقيبة، 2012؛ بكراوي ومبارك، 2022).

كما تؤدي القصص المدرسية وظيفة تربوية وثقافية تتجاوز تقديم المعلومات، إذ تسهم في نقل القيم الاجتماعية والثقافية، وتنمية الشعور بالانتماء، وتعزيز الهوية، وتوجيه السلوك الإيجابي لدى الأطفال، وهو ما يجعل جودة المحتوى القصصي أحد المؤشرات المهمة في تقويم المناهج الدراسية، ولا سيما في مرحلة التعليم الأساسي التي تتشكل خلالها أسس شخصية المتعلم واتجاهاته المستقبلية (قناوي، 2004؛ جابر، 2014؛ Regmi, 2022).

وفي البيئة العربية داخل إسرائيل تبرز أهمية تقويم القصص المدرسية في كتب اللغة العربية؛ نظراً لما تؤديه من دور في المحافظة على اللغة العربية، وتعزيز الهوية الثقافية، والاستجابة للاحتياجات التربوية والتعليمية للأطفال في ظل خصوصية الواقع الثقافي والاجتماعي الذي يعيشونه. ومن ثم فإن تحليل المحتوى القصصي يسهم في الكشف عن مدى توازن المضامين التعليمية والتربوية التي تقدمها هذه القصص، ومدى قدرتها على تلبية احتياجات الطفل في مختلف جوانب نموه (مخول، 2007؛ أمارة، 2010؛ محاميد وأبو الهيجا، 2021).

وانطلاقاً من ذلك، تسعى الدراسة الحالية إلى تحليل القصص الواردة في كتب اللغة العربية المقررة للمرحلة الابتدائية، للكشف عن مدى ملاءمتها لاحتياجات الطفل التربوية والتعليمية، ورصد أبرز القيم والمهارات والمضامين التي تتضمنها، بما يسهم في تقديم مؤشرات علمية يمكن الإفادة منها عند تطوير مناهج اللغة العربية والكتب المدرسية.

مشكلة الدراسة

تحظى القصة المدرسية بمكانة محورية في مناهج اللغة العربية في المرحلة الابتدائية؛ لما تؤديه من أدوار تعليمية وتربوية تسهم في تنمية الجوانب اللغوية والمعرفية والاجتماعية والوجدانية لدى الأطفال. ولا تقتصر أهميتها على تقديم المعلومات أو تنمية مهارات القراءة، وإنما تمتد إلى بناء القيم والاتجاهات، وتشكيل الوعي، وتعزيز الانتماء، وإكساب الأطفال المهارات اللازمة للتفاعل مع المجتمع بصورة إيجابية (أبو معال، 2005؛ البقاعي، 2018).

وعلى الرغم من هذه الأهمية، فإن جودة القصص المدرسية لا تُقاس بوجودها في الكتاب المدرسي فحسب، وإنما بمدى ملاءمة مضامينها لاحتياجات الطفل النمائية والتربوية والتعليمية، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين تنمية المهارات اللغوية، وغرس القيم، وتعزيز التفكير، والاستجابة للخصوصية الثقافية والاجتماعية للمتعلمين. وتشير بعض الدراسات إلى وجود تفاوت في المضامين التي تتناولها القصص المدرسية، إذ تركز بعض القصص على الجوانب التعليمية واللغوية أكثر من اهتمامها بالجوانب التربوية والثقافية والوطنية (جابر، 2014؛ أمارة، 2010؛ Regmi, 2022).

وفي المجتمع العربي داخل إسرائيل تزداد الحاجة إلى تقويم المحتوى القصصي في كتب اللغة العربية؛ نظراً للدور الذي تؤديه هذه القصص في المحافظة على اللغة العربية، وتعزيز الهوية الثقافية والوطنية، وإكساب الأطفال منظومة متوازنة من القيم والمهارات التي تساعدهم على النمو المتكامل. ومن هنا تبرز أهمية دراسة مدى ملاءمة القصص المدرسية لاحتياجات الطفل، والكشف عن الجوانب التي تحظى بالتركيز، والجوانب التي تحتاج إلى مزيد من العناية عند تطوير المناهج الدراسية (مخول، 2007؛ محاميد وأبو الهيجا، 2021).

وبناءً على ذلك، تتمثل مشكلة الدراسة في تقويم مدى ملاءمة القصص الواردة في كتب اللغة العربية المقررة للمرحلة الابتدائية لاحتياجات الطفل التربوية والتعليمية، والكشف عن طبيعة المضامين والقيم والمهارات التي تقدمها، ومدى إسهامها في تحقيق النمو اللغوي والاجتماعي والثقافي للمتعلمين، بما يسهم في تقديم مؤشرات علمية يمكن الإفادة منها في تطوير محتوى الكتب المدرسية.

وانطلاقًا من ذلك، تسعى الدراسة للإجابة عن السؤال الرئيس الآتي:

“ما مدى ملاءمة القصص الواردة في كتب اللغة العربية المقررة للمرحلة الابتدائية لاحتياجات الطفل التربوية والتعليمية؟”

ويتفرع عنه الأسئلة الآتية:

  1. ما أبرز الاحتياجات التربوية التي تتضمنها القصص الواردة في كتب اللغة العربية للمرحلة الابتدائية؟
  2. ما أبرز الاحتياجات التعليمية التي تعكسها هذه القصص؟
  3. إلى أي مدى تسهم القصص المدرسية في تنمية الجوانب اللغوية والاجتماعية والقيمية لدى الطفل؟
  4. ما الجوانب التي تحتاج إلى تطوير في المحتوى القصصي بما يحقق توازناً أكبر مع احتياجات الطفل التربوية والتعليمية؟

أهداف الدراسة

سعت الدراسة الحالية إلى تحقيق الأهداف الآتية:

  1. التعرف إلى مدى ملاءمة القصص الواردة في كتب اللغة العربية المقررة للمرحلة الابتدائية لاحتياجات الطفل التربوية والتعليمية.
  2. الكشف عن أبرز القيم والمضامين التربوية التي تتضمنها القصص المدرسية.
  3. تحليل مدى إسهام القصص في تنمية الجوانب اللغوية والمعرفية والاجتماعية لدى طلبة المرحلة الابتدائية.
  4. تحديد الجوانب التي تحظى بالتركيز في المحتوى القصصي، والجوانب التي تحتاج إلى مزيد من التطوير.
  5. تقديم مقترحات علمية يمكن الإفادة منها في تطوير القصص المدرسية ومناهج اللغة العربية بما يتوافق مع احتياجات الطفل في المرحلة الابتدائية.

أهمية الدراسة

تستمد الدراسة أهميتها من أهمية القصة المدرسية بوصفها أحد المكونات الرئيسة في مناهج اللغة العربية، لما تؤديه من دور في بناء شخصية الطفل، وتنمية قدراته اللغوية والفكرية، وإكسابه منظومة من القيم والاتجاهات التي تسهم في تكوين شخصيته المتوازنة (أبو معال، 2005؛ بورقيبة، 2012).

وتبرز أهمية الدراسة كذلك في تناولها جانبًا يرتبط بجودة المحتوى التعليمي، إذ تسعى إلى تقويم مدى استجابة القصص المدرسية لاحتياجات الأطفال التربوية والتعليمية، وهو ما ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في تطوير المناهج القائمة على تلبية احتياجات المتعلم ومراعاة خصائصه النمائية (البقاعي، 2018؛ بكراوي ومبارك، 2022).

كما تكتسب الدراسة أهميتها من خصوصية البيئة العربية داخل إسرائيل، حيث تمثل كتب اللغة العربية إحدى الأدوات الرئيسة في المحافظة على اللغة العربية، وتعزيز الهوية الثقافية والوطنية، وغرس القيم الاجتماعية لدى الأطفال، الأمر الذي يجعل تقويم محتواها ضرورة تربوية تسهم في تطوير العملية التعليمية وتحسين مخرجاتها (أمارة، 2010؛ مخول، 2007).

ومن الناحية التطبيقية، يمكن أن تفيد نتائج الدراسة مطوري المناهج، ومؤلفي الكتب المدرسية، والمشرفين التربويين، ومعلمي اللغة العربية، من خلال تزويدهم بمؤشرات علمية حول نقاط القوة والجوانب التي تحتاج إلى تطوير في المحتوى القصصي، بما يساعد على إعداد قصص مدرسية أكثر قدرة على تحقيق النمو المتكامل للأطفال والاستجابة لاحتياجاتهم التعليمية والتربوية (جابر، 2014؛ محاميد وأبو الهيجا، 2021).

حدود الدراسة

اقتصرت الدراسة الحالية على الحدود الآتية:

  • الحدود الموضوعية: اقتصرت الدراسة على تحليل مدى ملاءمة القصص الواردة في كتب اللغة العربية لاحتياجات الطفل التربوية والتعليمية.
  • الحدود المكانية: اقتصرت على كتب اللغة العربية المعتمدة في المدارس العربية داخل إسرائيل.
  • الحدود البشرية: تمثلت وحدة التحليل في القصص الواردة في كتب اللغة العربية المقررة لطلبة المرحلة الابتدائية.
  • الحدود الزمنية: اقتصر التحليل على كتاب التكوين (طبعة 2010) وكتاب الغيث (طبعة 2020)، وهما الكتابان المعتمدان وقت إجراء الدراسة.

تعريفات البحث

القصّة

حسب (أمارة وآخرون، 2008 ص101)، فإنّ ” النّص القصصيّ هو نصّ شفهيّ أو مكتوب يتناول تصرّفات البشر او تمثيل الحيوانات للبشر وما يجري لهم عبر الزّمان والمكان ويقوم على سرد الأحداث”

القصة المدرسية (School Story)

تعرف القصة المدرسية إجرائيًا بأنها النصوص القصصية الواردة في كتب اللغة العربية المقررة لطلبة المرحلة الابتدائية، والتي أعدت لتحقيق أهداف تعليمية وتربوية من خلال تقديم مواقف وأحداث وشخصيات تسهم في تنمية معارف الطفل وقيمه ومهاراته اللغوية والاجتماعية، وقد تمثل في هذه الدراسة وحدة التحليل الرئيسة. (أمارة وآخرون، 2008؛ جابر، 2005).

الاحتياجات التربوية (Educational Needs)

يقصد بالاحتياجات التربوية في هذه الدراسة مجموعة القيم والاتجاهات والخصائص السلوكية التي ينبغي أن تسهم القصص المدرسية في تنميتها لدى الطفل، مثل التعاون، والاحترام، وتحمل المسؤولية، والانتماء، والصدق، والتسامح، وتنمية الشخصية المتوازنة بما يتوافق مع أهداف التربية في المرحلة الابتدائية (البقاعي، 2018؛ بورقيبة، 2012).

الاحتياجات التعليمية (Instructional Needs)

تعرف الاحتياجات التعليمية إجرائيًا بأنها المعارف والمهارات اللغوية والعقلية التي تستهدف القصص المدرسية تنميتها لدى المتعلمين، وتشمل تنمية مهارات القراءة، والاستماع، والتحدث، وإثراء الحصيلة اللغوية، وتنمية التفكير، والتعبير، وحل المشكلات بما يتلاءم مع خصائص المرحلة الابتدائية (أبو معال، 2005؛ بكراوي ومبارك، 2022).

تحليل المحتوى (Content Analysis)

يقصد بتحليل المحتوى في هذه الدراسة الأسلوب البحثي المنظم الذي استخدمته الباحثة لتحليل مضامين القصص الواردة في كتب اللغة العربية، بهدف الكشف عن مدى توافر الاحتياجات التربوية والتعليمية فيها، وفق فئات ومعايير تحليل أعدت لهذا الغرض بالاستناد إلى الأدب التربوي والدراسات السابقة (طعيمة، 2004؛ العساف، 2012).

الإطار النظري والدراسات السابقة

القصة المدرسية ووظائفها التربوية والتعليمية

تمثل القصة المدرسية لونًا أدبيًا وتعليميًا يجمع بين البناء الفني والهدف التربوي، ويتيح للطفل فهم الخبرات والمواقف من خلال أحداث وشخصيات قريبة من عالمه. وتنبع قيمتها من قدرتها على تقديم المعرفة في صورة مشوقة، وربط المفاهيم المجردة بمواقف محسوسة، وإتاحة فرص للتأمل والمقارنة والاستنتاج. كما تساعد القصة على تنمية الخيال، وإثراء اللغة، وتوسيع مدارك الطفل، وإكسابه أنماطًا من السلوك الإيجابي بصورة غير مباشرة، بعيدًا عن الوعظ الصريح (أبو معال، 2005؛ جابر، 2005؛ البقاعي، 2018).

ولا تقتصر وظيفة القصة المدرسية على الجانب اللغوي، بل تتسع لتشمل بناء شخصية الطفل، وتنمية قدرته على التفاعل الاجتماعي، وتكوين اتجاهاته نحو ذاته والآخرين والمجتمع. فمن خلال متابعة الأحداث والحوار بين الشخصيات، يتعلم الطفل التعاون، واحترام القواعد، وتحمل المسؤولية، والتسامح، والمبادرة، ويكتسب القدرة على التمييز بين السلوك المقبول وغير المقبول. وتؤكد الأدبيات أن ارتباط الطفل بالشخصيات القصصية يجعله أكثر استعدادًا لتقمص الأدوار الإيجابية واستيعاب الرسائل القيمية المتضمنة في النص (قناوي، 1995؛ بورقيبة، 2012).

احتياجات الطفل في المرحلة الابتدائية

تتسم المرحلة الابتدائية بتسارع النمو اللغوي والعقلي والاجتماعي، وبانتقال الطفل تدريجيًا من التمركز حول الذات إلى توسيع علاقاته مع الأقران والمعلمين والمجتمع. ويحتاج الطفل في هذه المرحلة إلى الأمن والمحبة والقبول، وإلى فرص الاستقلال وتحمل المسؤولية، وإلى إشباع حب الاستطلاع والاكتشاف، وتنمية القدرة على التفكير والتعبير. كما يحتاج إلى محتوى تعليمي يراعي الفروق الفردية وخصائص النمو، ويربط التعلم ببيئته وثقافته وتاريخه (الموسوي، 2013؛ الحريري، 2011؛ بلمامون، 2015).

ويؤدي المنهاج دورًا رئيسًا في الاستجابة لهذه الاحتياجات؛ إذ ينبغي أن يقدم أنشطة ونصوصًا تتيح للطفل اكتساب المهارات الأساسية، وتكوين علاقات اجتماعية سليمة، والشعور بالانتماء، وتنمية الثقة بالنفس. ومن ثم، فإن اختيار القصص المدرسية لا ينبغي أن يقوم على سلامة اللغة وجاذبية الأحداث فقط، بل يجب أن يشمل مدى اتساقها مع حاجات الطفل النفسية والاجتماعية والمعرفية والثقافية.

القصة والنمو اللغوي والاجتماعي

ترتبط اللغة بالتفكير والتفاعل الاجتماعي ارتباطًا وثيقًا، وتتيح القصة للطفل التعرض لمفردات وتراكيب جديدة ضمن سياق واضح، الأمر الذي يسهم في زيادة الثروة اللغوية وتحسين الفهم القرائي والاستماع والتحدث والتعبير الكتابي. كما يسهم الحوار القصصي وتتابع الأحداث في تنمية القدرة على ترتيب الأفكار، وفهم العلاقات السببية، وتوقع النتائج، وصياغة الأسئلة والأجوبة (عبد الهادي، 2002؛ بكراوي ومبارك، 2022).

أما اجتماعيًا، فتقدم القصة نماذج للمواقف والعلاقات الإنسانية، وتدرب الطفل على فهم مشاعر الآخرين، وتقبل الاختلاف، واحترام الأسرة والقانون، والعمل الجماعي، وحل الخلافات بصورة سلمية. وتزداد فاعلية القصة حين تتيح للطفل مناقشة الأحداث، وتمثيل الأدوار، وربط الموقف القصصي بحياته اليومية، بحيث تتحول القراءة من نشاط لغوي إلى خبرة تربوية واجتماعية متكاملة.

القصة والهوية الثقافية والوطنية

تسهم النصوص الأدبية في نقل الذاكرة الجماعية وتعزيز اللغة والانتماء، ولذلك تكتسب القصص الواردة في كتب اللغة العربية أهمية خاصة لدى الأطفال العرب داخل إسرائيل. فالكتاب المدرسي لا يقدم معارف لغوية فحسب، بل يعكس أيضًا صورة المجتمع وقيمه وتاريخه ورؤيته للذات. وعندما يغيب التاريخ المحلي والرواية الثقافية عن النصوص، أو يقتصر حضور الهوية على إشارات عامة، قد تنشأ فجوة بين ما يتعلمه الطفل في المدرسة وما يعيشه في بيئته الاجتماعية (مخول، 2007؛ أمارة، 2010؛ جابر، 2014).

وعليه، فإن التوازن المطلوب في القصص المدرسية يقتضي الجمع بين القيم الإنسانية المشتركة، مثل التسامح والعدل والتعاون، وبين المضامين التي تعزز اللغة العربية والانتماء الثقافي والوعي بالتاريخ والتراث، مع تقديمها بأسلوب مناسب لعمر الطفل بعيدًا عن التلقين أو التحريض.

الدراسات السابقة

أظهرت دراسة الحسونية ومحمد (2019)، التي تناولت أثر التدريس بأسلوب القصة القصيرة في تنمية الوعي القيمي لدى طلبة الصف الرابع الأساسي في سلطنة عُمان، أن توظيف القصة أسهم في رفع مستوى الوعي بالقيم، وأكدت أهمية ربط النص القصصي بالمناقشة والأنشطة الصفية. وتلتقي هذه النتيجة مع توجه الدراسة الحالية في اعتبار القصة وسيلة لبناء القيم، لا مجرد نص للقراءة.

وكشفت دراسة خبيت (2021) عن أثر القصص التراثية في تنمية المهارات اللغوية وتعزيز القيم، وأظهرت أن القصص التي ترتبط بخبرة المتعلم وثقافته توفر سياقًا غنيًا للتعبير، وتدعم التفاعل مع القيم الاجتماعية. وتفيد هذه النتيجة في تفسير الحاجة إلى حضور أكبر للتراث والهوية في القصص المدرسية.

وتوصلت دراسة المسعود وآخرين (2018) إلى فاعلية القصة الرقمية التفاعلية في تنمية الفهم القرائي لدى طلبة المرحلة الابتدائية، بما يشير إلى أهمية تطوير طريقة عرض القصص والاستفادة من الوسائط الرقمية في زيادة الدافعية والفهم. كما بينت دراسة سقلي (2021) فاعلية القصة الإلكترونية المدعومة بالخرائط الذهنية في تنمية التعبير الكتابي الإبداعي والميل نحو الكتابة.

وفي جانب النمو الاجتماعي، أوضحت دراسة السهلي والعربي (2018) دور القصص في تنمية قبول الآخر لدى الأطفال، بينما بينت دراسة وشاحي وربيع (2017) أن استراتيجية القصة الاجتماعية أسهمت في تحسين النمو اللغوي والاستخدام الاجتماعي للغة. وتؤكد هذه الدراسات أن القيمة التربوية للقصة تتعزز عندما تُختار وفق احتياجات واضحة وتُوظف ضمن أنشطة تفاعلية.

أما الدراسات النقدية للمناهج العربية داخل إسرائيل، فقد أشارت إلى تركيز ملموس على المعرفة اللغوية والمهارات القرائية مقابل محدودية الاهتمام ببعض الجوانب الوجدانية والاجتماعية والوطنية، وإلى ضعف حضور الأدب الفلسطيني والهوية الجماعية في بعض المواد التعليمية (جابر، 2013، 2014؛ مخول، 2007).

وتتميز الدراسة الحالية بانتقالها من النقد العام للمنهاج إلى تحليل قصص محددة في كتابي التكوين والغيث وفق فئات تتصل بالقيم والمهارات والاحتياجات والنمو اللغوي والاجتماعي.

منهجية الدراسة وإجراءاتها

منهج الدراسة

اتبعت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي باستخدام أسلوب تحليل المحتوى؛ لملاءمته لطبيعة الدراسة التي تستهدف وصف المضامين القصصية وتصنيفها وتفسيرها في ضوء احتياجات الطفل التربوية والتعليمية. وقد جرى التعامل مع النص القصصي بوصفه وحدة تحليل متكاملة، مع تحليل ما يتضمنه من قيم واتجاهات ومهارات ومفردات وشخصيات وأحداث.

مجتمع الدراسة وعينتها

تكون مجتمع الدراسة من القصص الواردة في كتب اللغة العربية المقررة للمرحلة الابتدائية في المدارس العربية داخل إسرائيل. واختير كتاب التكوين الصادر عن مؤسسة المنبر سنة (2010)، وكتاب الغيث في اللغة العربية الصادر عن هيا إلى العربية سنة (2020). وشملت العينة خمس قصص تقريبًا من كل كتاب ولكل صف من الصفوف الابتدائية، مع مراعاة تنوع الموضوعات والمستويات اللغوية والمضامين التربوية والتعليمية.

أداة تحليل المحتوى

أعدت الباحثة بطاقة تحليل تضمنت محاور رئيسة هي: بيانات القصة، والمفردات والمستوى اللغوي، والقيم والاتجاهات التربوية، والأفكار والمهارات التعليمية، واحتياجات الطفل، وعناصر القصة من شخصيات وزمان ومكان. واستند بناء الفئات إلى الأدب التربوي والدراسات السابقة، وإلى خصائص النمو في المرحلة الابتدائية.

جدول (1) أداة تحليل المحتوى

محور التحليل المؤشرات الرئيسة
المستوى اللغوي المفردات الجديدة، التراكيب، وضوح اللغة، فرص القراءة والاستماع والتعبير.
القيم التربوية الاحترام، التعاون، المسؤولية، الصدق، التسامح، الاستقلال، الانتماء.
المهارات التعليمية الملاحظة، التحليل، القياس، التفسير، حل المشكلات، التفكير الإبداعي.
احتياجات الطفل الأمن، الحب، التقدير، الاستقلال، التواصل، اللعب، المعرفة، الانتماء.
عناصر القصة الشخصيات، الحدث، الزمان، المكان، الحبكة، ملاءمة الموقف للمرحلة العمرية.

صدق الأداة وثبات التحليل

عُرضت بطاقة التحليل بصورتها الأولية على مختصين في المناهج واللغة العربية وأدب الأطفال؛ للتحقق من وضوح الفئات وشمولها وملاءمتها لأهداف الدراسة. وأجريت تعديلات لغوية وتنظيمية في ضوء الملاحظات. كما أعيد تحليل عينة من القصص بعد فترة زمنية، وتمت مقارنة التصنيف في المرتين؛ للتحقق من اتساق تطبيق الفئات وتقليل أثر التقدير الشخصي للباحثة.

إجراءات الدراسة

• حصر القصص الواردة في كتابي التكوين والغيث للصفوف الابتدائية.

• اختيار القصص التي تمثل الصفوف والموضوعات المتنوعة في كل كتاب.

• قراءة كل قصة قراءة متعمقة وتحديد وحدات المعنى المرتبطة بفئات التحليل.

• تسجيل الشواهد والمفردات والقيم والمهارات والاحتياجات في بطاقة التحليل.

• تجميع النتائج بحسب الكتاب والصفوف الدنيا والوسطى والعليا.

• مقارنة النتائج وتفسيرها في ضوء الإطار النظري والدراسات السابقة.

نتائج الدراسة

النتائج المتعلقة بالسؤال الرئيسي

أظهرت نتائج التحليل أن القصص في كتابي التكوين والغيث تلبي جانبًا مهمًا من احتياجات الطفل التعليمية، ولا سيما في مجال النمو اللغوي، وتقديم المعلومات، وتنمية مهارات الاستماع والقراءة والتحليل والتعبير. كما تضمنت قدرًا واضحًا من القيم الإنسانية والاجتماعية، مثل التعاون، والاحترام، والمساعدة، وتحمل المسؤولية، والرفق بالحيوان، والاعتذار، والتسامح. ومع ذلك، لم يكن التوازن متساويًا بين جميع الأبعاد؛ إذ ظهر حضور القيم التعليمية بصورة أكثر انتظامًا من حضور القيم المرتبطة بالهوية الوطنية والتاريخية والانتماء الثقافي.

الاحتياجات التربوية المتضمنة في القصص

جدول (2) الاحتياجات التربوية المتضمنة في القصص

المرحلة الصفية أبرز القيم والاحتياجات التربوية
الصفان الأول والثاني النظام، الطاعة الواعية، التعاون الأسري، النظافة، السلام، الرفق بالحيوان، الاعتذار، الأمن والمحبة.
الصفان الثالث والرابع المسؤولية، الحفاظ على الممتلكات والطبيعة، التسامح، المنافسة الشريفة، التوفير، تنمية الهواية، قبول الآخر.
الصفان الخامس والسادس الاستقلال، الثقة بالنفس، تحمل المسؤولية، تقدير العمل، التضحية، العدالة، التفكير في حقوق الآخرين، خدمة المجتمع.

يتضح من الجدول أن التدرج في القيم يتلاءم إلى حد مع مراحل النمو؛ إذ تركز قصص الصفوف الدنيا على الحاجات الأساسية والعلاقات القريبة، ثم تتوسع في الصفوف الوسطى إلى المسؤولية والقواعد الاجتماعية، بينما تقدم الصفوف العليا مواقف تتطلب استقلالًا أكبر ووعيًا بالذات والعمل والحقوق. غير أن هذا التدرج لا يصاحبه حضور مماثل للهوية التاريخية والوطنية.

الاحتياجات التعليمية والمهارات

جدول (3) الاحتياجات التعليمية والمهارات

البعد مظاهر التوافر في القصص مستوى الحضور
النمو اللغوي مفردات جديدة، لغة فصحى، حوار، قراءة، استماع، تعبير، تراكيب متنوعة. مرتفع
التفكير تحليل المواقف، توقع النهاية، المقارنة، الاستنتاج، حل المشكلة. متوسط إلى مرتفع
المعرفة معلومات عن الطبيعة، الصحة، المواسم، المهن، التكنولوجيا، الاختراعات. مرتفع
الإبداع نهايات مفتوحة، أسئلة، تخيل، تصميم أفلام، كتابة قصص. متوسط
الهوية والتاريخ إشارات محدودة إلى الزيتون والأرض والتراث، مع غياب نسبي للرواية التاريخية. منخفض

ومن الأمثلة الدالة على تنمية التفكير والإبداع انتهاء بعض القصص بسؤال أو نهاية مفتوحة، كما في قصة “الطمع ضر ما نفع”، وقصة “لوالدي هاتف ذكي”، وقصة “الربان الصغير”، الأمر الذي يتيح للطفل توقع الأحداث وإكمالها. كما تقدم قصة “أفلام الكرتون” نموذجًا لاستخدام التكنولوجيا بصورة منتجة، وتربط بين المعرفة والمهارة والمبادرة.

النمو اللغوي والاجتماعي

أظهرت القصص ثراءً ملحوظًا في المفردات، خصوصًا في كتاب التكوين الذي يتضمن تراكيب ومفردات أكثر صعوبة وتنوعًا، بينما يتميز كتاب الغيث بقرب أسلوبه من خبرات الطفل وكثرة الصور والسياقات المباشرة. ويسهم الكتابان في تنمية اللغة الفصحى، وتدريب الطفل على الفهم والاستماع والمناقشة، غير أن بعض مفردات التكوين تحتاج إلى دعم من المعلم وشرح سياقي يتناسب مع العمر.

جدول (4) النمو اللغوي والاجتماعي

الكتاب مواطن القوة الجوانب التي تحتاج إلى تطوير
الغيث قرب الموضوعات من حياة الطفل، كثرة الصور، وضوح المواقف الاجتماعية، تنوع القيم العملية. تقليل الإطالة في بعض القصص، وتعزيز المحتوى التاريخي والثقافي.
التكوين ثراء لغوي وثقافي، قصص من ثقافات متعددة، فرص أكبر للتحليل والتفكير. تبسيط بعض المفردات والتراكيب، وربط القصص أكثر بواقع الطفل المحلي.

أبرز أوجه القصور في المحتوى القصصي

كشفت النتائج عن محدودية حضور الرواية الفلسطينية والتاريخ المحلي في القصص، وعن ضعف الربط المنظم بين اللغة العربية والهوية الجماعية. كما أن بعض المضامين تقدم عالمًا مثاليًا عامًا دون معالجة كافية للتحديات الواقعية التي يعيشها الطفل العربي. ولا يعني ذلك إلغاء القيم الإنسانية المشتركة، وإنما تحقيق توازن يجعل الطفل يرى ذاته وبيئته وثقافته في الكتاب المدرسي، إلى جانب انفتاحه على الثقافات الأخرى.

كما لوحظ أن بعض القصص تحتاج إلى مراجعة حساسية التعبير الديني والثقافي، وإلى توحيد المعايير المستخدمة في اختيار النصوص بحيث تراعي التنوع الديني والاجتماعي، وتبتعد عن أي تعبير قد يسبب الالتباس أو الاستبعاد.

مناقشة النتائج

تؤكد النتائج أن القصة المدرسية أداة فاعلة في دعم النمو اللغوي والتربوي، وهو ما ينسجم مع ما ذكره أبو معال (2005) وجابر (2005) من أن القصة تساعد على تثبيت التعلم، وتنويع أساليب تقديم المعرفة، وإبعاد الملل. كما تتفق النتائج مع دراسة بكراوي ومبارك (2022) التي أبرزت أثر القصة في تنمية المهارات اللغوية، ومع دراسة خبيت (2021) التي أكدت دور القصص في تعزيز القيم واللغة.

ويمكن تفسير ارتفاع حضور الجوانب اللغوية والتعليمية بأن كتب اللغة العربية تُبنى أساسًا لتحقيق أهداف القراءة والمفردات والتراكيب، لذلك تظهر مهارات الاستماع والتحليل والتعبير بوضوح في معظم القصص. غير أن اقتصار التقويم على هذه الأهداف قد يؤدي إلى تراجع الأبعاد الوجدانية والثقافية والوطنية، وهو ما أشارت إليه الدراسات النقدية للمناهج العربية داخل إسرائيل (مخول، 2007؛ جابر، 2013، 2014).

كما أن اختلاف طبيعة الكتابين يفسر تباين النتائج؛ فكتاب الغيث يعتمد مواقف قريبة من حياة الطفل، ويستخدم الصور والموضوعات اليومية، مما يجعله أكثر مباشرة في تقديم القيم الاجتماعية. أما كتاب التكوين فيتميز بثراء المفردات وتنوع الثقافات والحبكات، وهو ما يمنح الطفل فرصًا أوسع للتفكير، لكنه قد يفرض تحديات لغوية على بعض المتعلمين. ويشير ذلك إلى أن جودة القصة لا تتحدد بسهولة النص أو صعوبته فقط، بل بمدى التوازن بين التحدي اللغوي والدعم المناسب.

وتدعم النتائج المتعلقة بالتعاون والتسامح وقبول الآخر ما توصلت إليه دراسة السهلي والعربي (2018)، كما تنسجم مع دراسة وشاحي وربيع (2017) في أهمية القصة الاجتماعية لتنمية الاستخدام الاجتماعي للغة. فالحوار وتمثيل الأدوار ومناقشة دوافع الشخصيات يتيح للطفل فهم المشاعر والقواعد الاجتماعية بصورة عملية.

أما ضعف حضور الهوية التاريخية والوطنية، فينبغي فهمه بوصفه فجوة في التوازن لا حكمًا على القيمة العامة للقصص. فالقصص المحللة تتضمن إشارات إيجابية إلى الزيتون والأرض والأسرة والعادات، لكنها لا تشكل مسارًا متكاملًا يساعد الطفل على بناء معرفة تاريخية وثقافية متدرجة. ومن هنا تظهر الحاجة إلى نصوص محلية أصيلة تقدم التراث والذاكرة والمكان بلغة أدبية مناسبة للطفولة، مع الحفاظ على قيم التعدد والاحترام.

وتشير النتائج أيضًا إلى أهمية توظيف التكنولوجيا في تقديم القصص. فالدراسات التي تناولت القصة الرقمية، مثل دراسة المسعود وآخرين (2018) ودراسة سقلي (2021)، بينت قدرتها على تنمية الفهم والتعبير والدافعية. ولذلك يمكن تحويل القصص المدرسية إلى تجارب تفاعلية تشمل الصوت والصورة والأسئلة المفتوحة والخرائط الذهنية، دون أن يحل الشكل الرقمي محل جودة النص والمضمون.

الاستنتاجات

• تتضمن قصص كتابي التكوين والغيث قدرًا جيدًا من القيم التربوية والإنسانية، وتؤدي دورًا واضحًا في تنمية اللغة والقراءة والاستماع والتعبير.

• تظهر القيم التعليمية والمهارات اللغوية بصورة أكثر انتظامًا من القيم الوطنية والتاريخية والمرتبطة بالهوية الثقافية.

• يراعي المحتوى بدرجة مقبولة التدرج العمري؛ فتزداد المسؤولية والاستقلال والتفكير في الصفوف العليا مقارنة بالصفوف الدنيا.

• يتميز كتاب الغيث بالقرب من خبرة الطفل ووضوح الصور والمواقف، بينما يتميز كتاب التكوين بالثراء اللغوي والثقافي وبالحاجة إلى دعم أكبر للمفردات.

• توجد فرص جيدة لتنمية التفكير والإبداع من خلال الأسئلة والنهايات المفتوحة، لكنها ليست موزعة بالتساوي على جميع القصص.

• تطوير القصص المدرسية يتطلب توازنًا بين اللغة والقيم والهوية والمهارات، وربط المحتوى بواقع الطفل واحتياجاته المتغيرة.

التوصيات

• إعادة بناء معايير اختيار القصص المدرسية بحيث تشمل بصورة صريحة الاحتياجات اللغوية والتربوية والاجتماعية والثقافية والوطنية.

• زيادة حضور القصص المحلية التي تعكس البيئة العربية الفلسطينية، وترسخ الانتماء إلى اللغة والمكان والتاريخ بأسلوب مناسب للأطفال.

• الموازنة بين بساطة اللغة وإثرائها، مع توفير شروح وأنشطة للمفردات الصعبة في الصفوف المختلفة.

• تضمين أنشطة بعد القراءة تنمي الحوار والتفكير الناقد وحل المشكلات والكتابة الإبداعية وتمثيل الأدوار.

• مراجعة القصص من حيث الحساسية الثقافية والدينية وتمثيل التنوع، وتجنب المضامين التي قد تخلق تناقضًا أو إقصاءً غير مقصود.

• توظيف القصص الرقمية والوسائط المتعددة والخرائط الذهنية لتعزيز الفهم والدافعية، مع المحافظة على جودة النص الأدبي.

• إشراك معلمي اللغة العربية والمتخصصين في أدب الأطفال وعلم النفس والمناهج في لجان التأليف والتقويم.

• إجراء دراسات لاحقة تقارن بين كتب ومراحل تعليمية أخرى، وتستطلع آراء الأطفال والمعلمين حول مدى ملاءمة القصص لاحتياجاتهم.

المراجع

أبو معال، عبد الفتاح. (2005). أدب الأطفال وأساليب تربيتهم وتعليمهم وتثقيفهم. عمّان، الأردن: دار الشروق.

Abu Mu’al, A. F. (2005). Children’s Literature and Methods of Their Upbringing, Education, and Cultural Development. Amman, Jordan: Dar Al-Shorouk.

أمارة، محمد، وآخرون. (2008). البنية الأساسية للقراءة والكتابة في اللغة العربية كلغة أم. القدس: وزارة التربية والتعليم.

Amara, M., et al. (2008). The Basic Structure of Reading and Writing in Arabic as a Mother Tongue. Jerusalem: Ministry of Education.

أمارة، محمد. (2010). اللغة والهوية: تأثيرات وتداعيات على التعليم العربي. بيت بيرل، فلسطين: مركز مساواة.

Amara, M. (2010). Language and Identity: Impacts and Implications for Arab Education. Beit Berl, Palestine: Mossawa Center.

البقاعي، إبراهيم. (2018). المتقن في الإنشاء وتحليل النصوص وتصميم الموضوعات. بيروت، لبنان: دار الراتب الجامعية.

Al-Biqa’i, I. (2018). Mastering Composition, Text Analysis, and Essay Design. Beirut, Lebanon: Dar Al-Ratib Al-Jami’iyyah.

بكراوي، عبد القادر، ومبارك، بوعلام. (2022). القصة وأثرها في تنمية المهارات اللغوية للمتعلمين من خلال طريقة والدروف. مجلة رفوف، 10(2)، 173-195.

Bakrawi, A. A., & Mubarak, B. (2022). The Story and Its Impact on Developing Learners’ Language Skills through the Waldorf Method. Rafouf Journal, 10(2), 173–195.

بلمامون، زينب. (2015). احتياجات الطفل الأساسية. منصة تعليم جديد.

Belmamoun, Z. (2015). Children’s Basic Needs. Ta’leem Jadid Platform.

بورقيبة، دليلة. (2012). أدب الأطفال وأثره في تكوين شخصياتهم. دراسات، 19، 94-104.

Bourguiba, D. (2012). Children’s Literature and Its Impact on Personality Development. Dirasat, 19, 94–104.

جابر، وليد. (2005). طرق التدريس العامة: تخطيطها وتطبيقاتها التربوية (ط2). عمّان، الأردن: دار الفكر.

Jaber, W. (2005). General Teaching Methods: Planning and Educational Applications (2nd ed.). Amman, Jordan: Dar Al-Fikr.

جابر، كمال. (2013). دراسة نقدية لمنهاج اللغة العربية في المدارس العربية. في أعمال مؤتمر المناهج الرسمية في التعليم العربي.

Jaber, K. (2013). A Critical Study of the Arabic Language Curriculum in Arab Schools. In Proceedings of the Conference on Official Curricula in Arab Education.

جابر، كمال. (2014). مناهج الأدب العربي في المدارس العربية في إسرائيل: بين الواقع والمطلوب. في مناهج التعليم العربي في إسرائيل: دراسات نقدية.

Jaber, K. (2014). Arabic Literature Curricula in Arab Schools in Israel: Between Reality and Expectations. In Arab Education Curricula in Israel: Critical Studies.

الحريري، رافدة. (2011). الجودة الشاملة في المناهج وطرق التدريس. عمّان، الأردن: دار المسيرة.

Al-Hariri, R. (2011). Total Quality in Curricula and Teaching Methods. Amman, Jordan: Dar Al-Masirah.

الحسونية، سعاد، ومحمد، عائشة. (2019). أثر التدريس بأسلوب القصة القصيرة في تنمية الوعي القيمي لطلبة الصف الرابع الأساسي. مجلة كلية التربية، 35(10)، 674-696.

Al-Hassounia, S., & Mohammed, A. (2019). The Effect of Teaching through Short Stories on Developing Value Awareness among Fourth Grade Students. Journal of the Faculty of Education, 35(10), 674–696.

خبيت، عبد الله. (2021). أثر القصص التراثية في تنمية المهارات اللغوية وتعزيز القيم. مجلة جامعة القدس المفتوحة للعلوم الإنسانية والاجتماعية، 58(3)، 9-24.

Khubait, A. (2021). The Impact of Heritage Stories on Developing Language Skills and Promoting Values. Al-Quds Open University Journal for Humanities and Social Sciences, 58(3), 9–24.

السهلي، جواهر، والعربي، أحمد. (2018). دور القصص في تنمية قبول الآخر لدى أطفال الروضة. المجلة العربية للإعلام ونمو الطفل، 1(2)، 51-70.

Al-Sahli, J., & Al-Arabi, A. (2018). The Role of Stories in Promoting Acceptance of Others among Kindergarten Children. Arab Journal of Media and Child Development, 1(2), 51–70.

سقلي، منى. (2021). فاعلية برنامج قائم على القصة الإلكترونية مدعومًا بالخرائط الذهنية لتنمية مهارات التعبير الكتابي الإبداعي. المجلة التربوية، 83، 1225-1268.

Saqli, M. (2021). The Effectiveness of an Electronic Story-Based Program Supported by Mind Maps in Developing Creative Writing Skills. Educational Journal, 83, 1225–1268.

عبد الهادي، نبيل. (2002). النمو المعرفي عند الطفل. عمّان، الأردن: دار وائل.

Abdelhadi, N. (2002). Children’s Cognitive Development. Amman, Jordan: Dar Wael.

قناوي، هدى. (1995). كتاب الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة. مستقبل التربية العربية، 1(2)، 247-249.

Qanawi, H. (1995). Children’s Books in the Preschool Stage. Future of Arab Education, 1(2), 247–249.

المسعود، طارق، وآخرون. (2018). فاعلية برنامج قائم على القصة الرقمية التفاعلية في تنمية الفهم القرائي لدى طلاب المرحلة الابتدائية بالكويت. مجلة كلية التربية، 34(5)، 558-592.

Al-Masoud, T., et al. (2018). The Effectiveness of an Interactive Digital Story Program in Developing Reading Comprehension among Primary School Students in Kuwait. Journal of the Faculty of Education, 34(5), 558–592.

مخول، جوني. (2007). بين التعليم العربي والتعليم للعرب: سياسات التغييب وإمكانات التصدي. مجلة الدراسات الفلسطينية، 18(69)، 1-14.

Makhoul, J. (2007). Between Arab Education and Education for Arabs: Policies of Marginalization and Possibilities of Resistance. Journal of Palestine Studies, 18(69), 1–14.

الموسوي، عبد العزيز. (2013). علم نفس النمو ونظرياته. عمّان، الأردن: دار الرضوان.

Al-Mousawi, A. (2013). Developmental Psychology and Its Theories. Amman, Jordan: Dar Al-Radwan.

هيبي، أحمد. (2010). التكوين. كابول: مؤسسة المنبر.

Heibi, A. (2010). Al-Takween. Kabul: Al-Minbar Foundation.

وتد، وئام. (2020). الغيث في اللغة العربية. جت المثلث، فلسطين: هيا إلى العربية.

Watad, W. (2020). Al-Ghaith in the Arabic Language. Jatt Triangle, Palestine: Haya Ila Al-Arabiyyah.

وشاحي، سعاد، وربيع، سحر. (2017). فاعلية استخدام استراتيجية القصة الاجتماعية في تحسين النمو اللغوي والاستخدام الاجتماعي للغة. مجلة التربية الخاصة والتأهيل، 4(16)، 83-125.

Washahi, S., & Rabie, S. (2017). The Effectiveness of Using the Social Story Strategy in Improving Language Development and the Social Use of Language. Journal of Special Education and Rehabilitation, 4(16), 83–125.