Article 12

تجلّيات السرد في المقامة الديناريّة: جدليّة الحكاية والبلاغة وتمثّلات الوعي الثقافي

فتحي أحمد عبد الله أحمد1

1 أستاذ مشارك في جامعات الداخل الفلسطيني، فلسطين.

بريد الكتروني: ahmad.fathe@hotmail.com

Manifestations of Narration in Al-Maqāmah Al-Dīnārīyah: The Dialectic of Storytelling and Rhetoric and the Representations of Cultural Consciousness

Fathi Ahmed Abdullah Ahmed1

1 Associate Professor at Universities within the Green Line, Palestine. E-mail: ahmad.fathe@hotmail.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj77/12

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/77/12

المجلد (7) العدد (7). الصفحات: 188 - 207

تاريخ الاستقبال: 2026-06-15 | تاريخ القبول: 2026-06-20 | تاريخ النشر: 2026-07-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: يسعى هذا البحث إلى دراسة تجلّيات السرد في المقامة الديناريّة للحريري، من خلال الكشف عن العلاقة الجدليّة بين الحكاية والبلاغة، وتحليل تمثّلات الوعي الثقافي التي تنعكس في البناء السردي واللغوي للمقامة. وتنطلق الدراسة من فرضيّة مفادها أنّ المقامة لا تقوم على الحكاية بوصفها بنيةً سرديّةً فحسب، بلْ تتجاوز ذلك لتغدو فضاءً تتداخل فيه الوظيفة الحكائيّة مع الأداء البلاغي، بما يجعل اللغة عنصرًا فاعلًا في إنتاج الحدث وتوجيه الدلالة. واعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي، مستفيدًا من بعض آليّات النقد السردي والبلاغي والثقافي، للكشف عن طبيعة التشكيل الحكائي، وبنية الشخصيّات ودورها في صياغة الأحداث، وإيقاع السرد، فضلًا عن دراسة البعد الرمزي للدينار بوصفه مركزًا دلاليًّا يكشف تحوّلات القيم الاجتماعيّة والثقافيّة. كما تناول البحث أثر التراكيب البلاغيّة والمحسّنات البديعيّة في بناء الجدل السردي، وتعميق الأبعاد الجماليّة والفكريّة للنصّ. وتوصّلت الدراسة إلى أنّ المقامة الديناريّة تمثّل نموذجًا سرديًّا مركّبًا تتفاعل فيه الحكاية مع البلاغة في علاقة تكامليّة، بحيث تتحوّل اللغة من أداة تعبير إلى سلطة جماليّة وثقافيّة قادرة على إنتاج المعنى وتوجيه المتلقّي. كما كشفت الدراسة أنّ الحريري نجح في تحويل حدث يومي بسيط إلى خطاب أدبي يعكس طبيعة المجتمع العبّاسي، ويكشف هشاشة العلاقات الإنسانيّة وهيمنة المنفعة المادّيّة، مع الحفاظ على البعد الفنّي القائم على الإمتاع والإدهاش.

الكلمات المفتاحية: المقامة الديناريّة، الحريري، السرد، البلاغة، الوعي الثقافي، النقد السردي، المقامات.

Abstract: This study investigates the narrative manifestations in Al-Hariri’s Dinariyya Maqama by exploring the dialectical relationship between narration and rhetoric, as well as examining the representations of cultural consciousness embedded within the textual structure. The research is based on the premise that the maqama is not merely a narrative form, but rather a literary space in which storytelling intersects with rhetorical performance, making language itself an active force in shaping events and producing meaning. The study adopts a descriptive-analytical approach and draws upon narrative, rhetorical, and cultural criticism to analyze the narrative structure, characterization, and narrative rhythm of the maqama. It also examines the symbolic function of the dinar as a central signifier reflecting social and cultural transformations. Furthermore, the research highlights the role of rhetorical devices and stylistic embellishments in intensifying narrative tension and enriching the aesthetic and intellectual dimensions of the text. The study concludes that the Dinariyya Maqama represents a complex narrative model in which narration and rhetoric interact in an integrative relationship, transforming language from a mere communicative tool into an aesthetic and cultural authority capable of producing meaning and guiding the reader’s interpretation. The findings also reveal Al-Hariri’s ability to transform an ordinary daily incident into a sophisticated literary discourse that reflects the nature of Abbasid society, exposes the fragility of human relations and the dominance of material interests, while preserving the artistic dimension of delight and rhetorical brilliance.

Keywords: Dinariyya Maqama, Al-Hariri, Narration, Rhetoric, Cultural Consciousness, Narrative Criticism, Maqamat.

مقدّمة

المقامات فنّ من فنون الكتابة العربيّة ابتكره بديع الزمان الهمذاني (ت 398 هـ )، وهو نوع من القصص القصيرة، وتتميّز بكونها تحفل بالحركة التمثيليّة، ويدور الحوار فيها عادةً بين شخصين (ديالوج)، ويلتزم مؤلفها بالصنعة الأدبيّة التي تعتمد على السجع والبديع. والمقامة فضاء سردي، يتميّز بعوالمه وشخصيّاته، ولغته فقد عرّفها القلقشندي (ت 821 هـ) بقوله:” سمّيت الأحدوثة من الكلام مقامة لأّنّها تذكر في مجلس واحد يجتمع فيه جماعة من الناس لسماعها”. (القلقشندي، 1987، 14/124).

وتُعدّ المقامة من أكثر الأجناس الأدبيّة العربيّة قدرةً على استيعاب التداخل بين السرد والبلاغة، إذْ تنهض بنيتها على جدليّة الحكاية والأسلوب، وعلى التفاعل المستمرّ بين الحدث اللغوي والحدث الحكائي. ولم تكن المقامات مجرّد نصوص للتسلية أو الاستعراض البياني، بل مثّلت فضاءً ثقافيًّا تتقاطع فيه الرؤية الفكريّة مع الحسّ الجمالي، وتتجلّى من خلاله تحوّلات الوعي الاجتماعي والثقافي في العصر الذي نشأت فيه. ومن هذا المنطلق تبرز المقامة الديناريّة بوصفها نصًّا سرديًّا غنيًّا بالبنى الدلاليّة والتمثّلات الرمزيّة، لما تنطوي عليه من تشابك بين الحكاية والخطاب البلاغي، وبين الواقع المتخيَّل والوعي الثقافي الكامن خلفه.

فالسرد في المقامة الديناريّة لا يتحرّك ضمن إطار حكائي بسيط، وإنّما يتشكّل عبر منظومة لغويّة كثيفة تعتمد الإيقاع البلاغي والتكثيف البياني والتلاعب الدلالي، بحيث تصبح اللغة ذاتها عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى، لا مجرّد وسيط ناقل للأحداث. ومن هنا تتأسّس جدليّة العلاقة بين الحكاية والبلاغة؛ إذْ تتداخل الوظيفة الحكائيّة مع الوظيفة الجماليّة في بناء النصّ، فتتحوّل المقامة إلى فضاء تتجاور فيه الحركة السرديّة مع الاستعراض اللغوي، وتتفاعل فيه الشخصيّات والأحداث مع البنية البيانيّة التي تمنح النصّ خصوصيّته الفنيّة.

ولا تنفصل هذه البنية السرديّة عن تمثّلات الوعي الثقافي التي تعبّر عنها المقامة، لأنّ النصّ المقامي يعكس بصورة ضمنيّة طبيعة المجتمع، وتحولات القيم، وإشكاليّة العلاقة بين السلطة والمعرفة، وبين الفقر والحيلة، وبين الحقيقة والمظهر. ولذلك فإنّ المقامة الديناريّة تكشف – من خلال تقنيّاتها السرديّة والبلاغيّة – عن رؤية ثقافيّة تتجاوز ظاهر الحكاية، لتلامس البنية العميقة للواقع الاجتماعي والفكري، وتعيد إنتاجه في صورة رمزيّة تجمع بين السخرية والنقد والتخييل.

وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا البحث إلى دراسة تجلّيات السرد في المقامة الديناريّة من خلال تحليل البنية الحكائيّة، والكشف عن آليّات التشكيل البلاغي، واستجلاء العلاقة الجدليّة بين الحكاية واللغة، بوصفها علاقة تؤسّس لوعي ثقافي يتخفّى داخل النسيج السردي للنصّ. كما يحاول البحث إبراز الكيفيّة التي تتحوّل بها المقامة من خطاب بلاغي قائم على الزخرفة اللفظيّة إلى بنية سرديّة تحمل أبعادًا فكريّة وثقافيّة تتجاوز حدود الإمتاع إلى مساءلة الواقع وتمثيل تناقضاته.

أوّلًا: أهميّة الموضوع وأسباب اختياره. تأتي أهميّة هذا الموضوع من المكانة التي تحتلّها المقامة في التراث الأدبي العربي بوصفها جنسًا أدبيًّا يجمع بين السرد والبلاغة والفكر، إذ استطاعت المقامات أنْ تؤسّس شكلًا فنّيًّا يقوم على التفاعل بين الحكاية والأسلوب، وأنْ تعبّر في الوقت نفسه عن تحوّلات الوعي الثقافي والاجتماعي في البيئة التي نشأت فيها. وتبرز المقامة الديناريّة بوصفها نموذجًا غنيًّا بالدلالات السرديّة والبلاغيّة، لما تتضمّنه من تقنيات حكائيّة وأساليب بيانيّة تكشف عن قدرة النصّ المقامي على تجاوز حدود الإمتاع اللغوي إلى إنتاج رؤية ثقافيّة ونقديّة للواقع.

كما تتجلّى أهميّة الدراسة في محاولة الكشف عن البنية السرديّة للمقامة الديناريّة، وبيان كيفيّة تفاعلها مع التشكيل البلاغي لإنتاج خطاب أدبي متعدّد المستويات، تتداخل فيه الوظيفة الجماليّة مع الوظيفة الدلاليّة. وتأتي هذه الدراسة أيضًا استجابةً للحاجة إلى إعادة قراءة النصوص التراثيّة وفق مناهج نقديّة حديثة تُعنى بالسرد والخطاب والثقافة، بعيدًا عن الاقتصار على الجانب البلاغي التقليدي الذي هيمن طويلًا على دراسة المقامات.

أمّا أسباب اختيار الموضوع فتعود إلى الرغبة في استكشاف الأبعاد السرديّة والثقافيّة الكامنة في المقامة الديناريّة، والكشف عن العلاقة الجدليّة بين الحكاية والبلاغة فيها، فضلًا عن أهميّة المقامة بوصفها نصًّا قادرًا على تمثيل التحوّلات الاجتماعيّة والثقافيّة من خلال لغة رمزيّة تقوم على السخرية والمفارقة والحيلة.

ثانيًا: إشكاليّة البحث. ينطلق هذا البحث من إشكاليّة رئيسة تتمثّل في الكيفيّة التي تتجلّى بها البنية السرديّة في المقامة الديناريّة، ومدى تفاعلها مع البنية البلاغيّة لإنتاج خطاب أدبي يحمل أبعادًا ثقافيّة وفكريّة تتجاوز ظاهر الحكاية. وتتفرّع عن هذه الإشكاليّة مجموعة من التساؤلات، من أبرزها:

  • كيف تشكّلت البنية السرديّة في المقامة الديناريّة؟
  • ما الآليّات البلاغيّة التي أسهمت في بناء الخطاب المقامي؟
  • كيف تتفاعل الحكاية مع البلاغة داخل النصّ؟
  • إلى أيّ مدى تعبّر المقامة الديناريّة عن تمثّلات الوعي الثقافي والاجتماعي؟
  • هل ظلّت البلاغة عنصرًا زخرفيًّا، أم تحوّلت إلى أداة لإنتاج الدلالة وبناء الرؤية النقديّة؟

ثالثًا: أهداف الدراسة. يسعى هذا البحث إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، من أهمّها:

  1. الكشف عن تجلّيات السرد في المقامة الديناريّة وتحليل بنيتها الحكائيّة.
  2. دراسة العلاقة الجدليّة بين الحكاية والبلاغة في النصّ المقامي.
  3. بيان دور الأساليب البلاغيّة في تشكيل المعنى وإنتاج الدلالة.
  4. استجلاء الأبعاد الثقافيّة والاجتماعيّة التي تعبّر عنها المقامة الديناريّة.
  5. إعادة قراءة النصّ المقامي في ضوء المناهج النقديّة الحديثة، ولاسيّما السرديّات وتحليل الخطاب الثقافي.
  6. إبراز القيمة الفنّيّة والفكريّة للمقامة بوصفها خطابًا أدبيًّا يتجاوز حدود الزخرفة اللغويّة إلى مساءلة الواقع وتمثيل تناقضاته.

رابعًا: المنهج المعتمد. يعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي بوصفه منهجًا مناسبًا لدراسة البنية السرديّة والبلاغيّة في المقامة الديناريّة، وذلك من خلال تحليل مكوّنات الخطاب الحكائي والكشف عن وظائفها الفنيّة والدلاليّة. كما يستفيد البحث من بعض آليّات المنهج السردي في دراسة الراوي والشخصيّات والزمن والفضاء الحكائي، إضافةً إلى الإفادة من المقاربة البلاغيّة والأسلوبيّة في تحليل اللغة والصور البيانيّة والإيقاع الفني.

ولا يقتصر البحث على الجانب الفنّي وحده، بلْ إنّه يستثمر كذلك بعض أدوات النقد الثقافي للكشف عن تمثّلات الوعي الاجتماعي والثقافي التي تنعكس في النصّ المقامي، بما يسمح بقراءة المقامة الديناريّة بوصفها خطابًا أدبيًّا وثقافيًّا في آنٍ واحد.

خامسًا: الدراسات السابقة. حظيت المقامات العربيّة الكلاسيكيّة بعناية نقديّة واسعة في الدراسات التراثيّة والحديثة، حيث تناولت العديد من البحوث خصائصها البلاغيّة والفنّيّة، وركّزت على أساليبها اللغويّة وبنائها البياني في أداء المضمون. كما اهتمّت بعض الدراسات الحديثة بتحليل المقامة من منظور سردي، فدرست تقنيّات الحكي، وبنية الشخصيّات، ووظائف الراوي، وعلاقة الواقع بالتخييل في الخطاب المقامي. إلّا أنّ معظم هذه الدراسات ظلّ منصبًّا إمّا على الجانب البلاغي التقليدي، أو على المقاربة السرديّة الجزئيّة، دون التركيز بصورة معمّقة على جدليّة العلاقة بين الحكاية والبلاغة وتمثّلات الوعي الثقافي في المقامة الديناريّة تحديدًا. ومن هنا تأتي هذه الدراسة محاولةً لسدّ جانب من هذا الفراغ، عبر تقديم قراءة تكامليّة تجمع بين التحليل السردي والبلاغي والثقافي للكشف عن البنية العميقة للنصّ المقامي ودلالاته الفكريّة والجماليّة.

التمهيد: المقامة بين السرد والبلاغة

تُعدّ المقامة من أبرز الفنون النثريّة التي عرفها الأدب العربي، لما تنطوي عليه من قدرةٍ على الجمع بين الحكاية والبلاغة، وبين الإمتاع الفنّي والتعبير الثقافي. فقد شكّلت المقامات فضاءً أدبيًّا قائمًا على التداخل بين السرد والأسلوب، بحيث لا يمكن فصل البنية الحكائيّة عن التشكيل البلاغي الذي يمنح النصّ خصوصيّته الجماليّة والدلاليّة. ومن هنا فإنّ دراسة المقامة لا تقتصر على تحليل تقنيّات الحكي وحدها، ولا على رصد المحسّنات البيانيّة بمعزل عن سياقها، بلْ تستلزم مقاربة تكامليّة تكشف عن طبيعة العلاقة الجدليّة بين السرد والبلاغة، وعن الأبعاد الثقافيّة والاجتماعيّة التي يختزنها الخطاب المقامي.

ويشكّل السرد في المقامة الديناريّة لـ الحريري بنيةً بلاغيّةً مخصوصةً تتجاوز المفهوم التقليدي للحكي بوصفه نقلًا للأحداث، ليغدو فضاءً تداوليًّا تُمارَس فيه اللغة بوصفها فعلًا مُنتجًا للواقع. فالحكاية في هذه المقامة لا تقوم على تطوّر درامي معقّد، ولا على بناء نفسي متدرّج للشخصيات، بلْ تتأسّس على موقفٍ سرديٍّ محدود زمنًا ومكانًا، يُتَّخذ ذريعةً لتمكين الخطاب البلاغي من أداء وظيفته الإقناعيّة والتأثيريّة. ويغدو الحدث تابعًا للقول لا العكس، إذْ تتحدّد حركة السرد عبر خطبة أبي زيد وما تحدثه من أثر في المتلقين، بحيث يتحوّل الفعل الكلامي إلى مركز الثقل في البناء الحكائي. كما يتعزّز هذا المنحى بطبيعة الراوي الإطاريّة التي تمنح النصّ مسافةً سرديّةً توهم بالموضوعيّة، في حين تكشف البنية العميقة عن مفارقة ساخرة بين ظاهر الوعظ وباطن الاحتيال. ومن ثمّ يمكن القول إنّ السرد في هذه المقامة سردٌ أدائيٌّ (إنجازيّ) تتأسّس فاعليّته على سلطة البيان، حيث تُنتج البلاغة الحدث وتعيد تشكيل الواقع داخل النصّ، وهو ما يعكس وعيًا أدبيًّا يجعل من اللغة ذاتها بطلةً خفيّةً للنصّ، ويجعل من المقامة فضاءً تتقاطع فيه الحكاية مع الاستعراض البياني ضمن رؤية نقديّة اجتماعيّة مبطّنة.

وقد ينشأ سؤال وجيه، وهو: كيف يمكن أنْ تربط المقامة الدينارية بالتصوّرات السرديّة الحديثة:

يمكن مقاربة السرد في المقامة الديناريّة لـ الحريري في ضوء التمييز السردي الحديث بين الحكاية (المادّة الحكائيّة) والخطاب (كيفيّة عرضها)، إذْ يتبيّن أنّ الحكاية فيها ضامرة ومحدودة، بينما يحتلّ الخطاب مساحة الهيمنة الجماليّة والدلاليّة. فالمادّة الحكائيّة لا تتجاوز موقفًا عابرًا قوامه حاجةٌ ماليّة، وخطبةٌ بارعة، ونتيجةٌ مفارِقة، غير أنّ طريقة العرض — بما تتضمنه من سجعٍ وتكثيفٍ بيانيٍّ واستطرادٍ حجاجي — تجعل من الخطاب نفسه بؤرة الاهتمام. ومن منظور التبئير، يمكن القول: إنّ الرؤية السرديّة تتخذ شكل تبئيرٍ خارجيٍّ ظاهريّ، إذْ يكتفي الراوي بنقل الأفعال والأقوال دون ولوجٍ صريح إلى باطن الشخصيّة، غير أنّ المفارقة البنيويّة تولّد مستوىً ضمنيًّا من التبئير الداخلي غير المعلن، يُدركه القارئ عبر التكرار النمطي لحيلة أبي زيد. وبهذا يتشكّل وعيٌ سرديٌّ مزدوج: وعيٌ حكائيٌّ مباشر يساير الحدث، ووعيٌ تأويليٌّ يكشف لعبة الخطاب. كما يمكن النظر إلى المقامة بوصفها نصًّا يتقدّم فيه «الخطاب» على «الحكاية»، بحيث يغدو السرد ممارسةً أسلوبيّةً تستعرض إمكانات اللغة أكثر ممّا تؤسّس لعالمٍ قصصيٍّ متكامل. ومن ثمّ تتجلّى خصوصيّة المقامة الديناريّة في كونها نصًا يُخضع البنية الحكائيّة لسلطة العرض البلاغي، فيتحوّل السرد من كونه وسيلةً لنقل الحدث إلى كونه موضوعًا جماليًّا قائمًا بذاته، تتقاطع فيه آليّات الحكي مع وعيٍ نقديٍّ بطبيعة اللغة ووظيفتها الاجتماعيّة.

وهكذا يتبيّن من خلال تحليل البنية السرديّة في المقامة الديناريّة أنّنا بإزاء نموذجٍ حكائيٍّ خاصٍّ تتداخل فيه الحدود بين الحكاية والخطاب، بحيث تتراجع المادّة الحدثيّة إلى مرتبة ثانويّة مقابل تصدّر الأداء البلاغي مركزَ البناء الفني. فالسرد هنا لا يقوم على تعقيد الحبكة أو تعميق البعد النفسي للشخصيّات، وإنّما يرتكز على موقفٍ سرديٍّ مكثّف يُهيّئ المجال لظهور الخطاب بوصفه فعلًا إنجازيًّا يُنتج أثره داخل العالم النصّي. ومن ثمّ يغدو الزمن إطارًا وظيفيًّا محدودًا، تُختزل امتداداته لأجل تكثيف اللحظة الخطابيّة، بينما يضطلع الراوي الإطاري بدور الوسيط الذي يمنح الحكاية مسافةً توثيقيّةً ظاهرةً، ويُبقي في الوقت ذاته باب التأويل مفتوحًا أمام المفارقة الكامنة بين ظاهر القول وباطن المقصد.

وتكشف المقاربة السرديّة الحديثة — من خلال التمييز بين الحكاية والخطاب ومفهوم التبئير — أنّ المقامة الديناريّة تُخضع الحدث لسلطة العرض، وتجعل من اللغة بؤرة الفعل السردي ومحرّكه الحقيقي. فالخطبة لا تواكب الحدث فحسب، بلْ تصنعه وتوجّهه وتحدّد نتائجه، بما يحوّل السرد إلى ممارسة أدائيّة تتجلى فيها قوّة البيان بوصفه رأسمالًا رمزيًا واجتماعيًّا. وهكذا تتأسّس البنية السرديّة على ازدواجٍ دلاليٍّ تتجاور فيه طبقة حكائيّة مباشرة مع طبقة مفارِقة ساخرة، تكشف عن وعيٍ نقديٍّ بطبيعة المجتمع وقابليّة أفراده للانخداع بسلطة الفصاحة.

وعليه، فإنّ السرد في المقامة الديناريّة لا يمكن فهمه في إطار التصوّر القصصي الحديث فحسب، بلْ ينبغي النظر إليه ضمن خصوصيّة الجنس المقامي الذي يجعل من الحكاية وعاءً للاستعراض البياني، ومن اللغة ذاتها موضوعًا جماليًّا ومجالًا للصراع الرمزي. وبذلك تتجلّى المقامة بوصفها نصًّا يجمع بين الاقتصاد الحكائي والثراء الأسلوبي، ويقدّم نموذجًا سرديًّا تُنتج فيه البلاغة الحدث، وتتحوّل فيه المفارقة إلى آليّة بنائيّة كاشفة عن رؤيةٍ فنيةٍ واجتماعيةٍ في آنٍ واحد.

أوّلًا: مفهوم المقامة ونشأتها. المقامة في أصلها اللغوي مشتقّة من “المقام”، وهو موضع القيام أو المجلس الذي يجتمع فيه الناس للحديث والخطابة والرواية. أمّا في الاصطلاح الأدبي، فهي نصّ نثري يقوم على حكاية قصيرة تُروى بأسلوب مسجوع تتخلّله عناصر بلاغيّة وطرائف لغويّة ومواقف تعتمد الحيلة والذكاء. وقد ارتبط هذا الفنّ ارتباطًا وثيقًا بالقدرة البيانيّة والبراعة الأسلوبيّة، إذْ تحوّلت اللغة فيه إلى مجال للاستعراض البلاغي والتفنّن التعبيري.

ويُعدّ بديع الزمان الهمذاني (ت 398 هـ) المؤسّس الحقيقي لفنّ المقامة بصورته الفنّيّة المعروفة، ثم جاء الحريري (ت 516 هـ) فطوّر هذا الفنّ ووسّع من إمكاناته البلاغيّة والأسلوبيّة. وقد نشأت المقامة في سياق حضاري وثقافي اتّسم بازدهار الحياة الفكريّة واتّساع المجالس الأدبيّة، الأمر الذي جعلها تعبّر بصدق ووضوح عن روح العصر وطبيعته بما يحمله من تنافس ثقافي واجتماعي، ومن اهتمام بالفصاحة والقدرة على البيان. (ضيف، 1973، 13 – 17)

ويحكي الحريري عن سبب إنشائه المقامات التي بدأ في كتابتها في سنة 495 هـ/1101 م وانتهى منها عام 504 هـ/1110 م، فيقول: إنّ أبا زيد السروجي كان من أهل البصرة، وكان شيخًا شحاذَا أديبًا بليغًا فصيحًا، ورد البصرة، فوقف في مسجد بني حرام ، فسلّم، ثم سأل، وكان المسجد غاصًّا بالفضلاء، فأعجبتهم فصاحته وحسن كلامه، وذكر أسر الروم ولده، فاجتمع عندي عشية جماعة، فحكيت ما شاهدت من ذلك السائل، وما سمعت من ظرفه، فحكى كل واحد عنه نحو ما حكيت، فأنشأت المقامة الحراميّة، ثم بنيت عليها سائر المقامات التي تبلغ خمسين مقامة. (كليطو، 1997، 72)

ولم تكن المقامة مجرّد نصّ لغوي قائم على الزخرفة اللفظيّة، بلْ مثّلت شكلًا سرديًّا يكشف عن تحوّلات المجتمع العربي في العصر العبّاسي، ويعكس صورًا متعدّدةً من الواقع الاجتماعي والثقافي، من خلال شخصيّات تعتمد الحيلة والتنقّل والقدرة على التكيّف مع تناقضات الحياة.

ثانيًا: خصائص الخطاب المقامي. يتميّز الخطاب المقامي بجملة من الخصائص الفنّيّة والسرديّة التي جعلت منه جنسًا أدبيًّا فريدًا في التراث العربي. ومن أبرز هذه الخصائص الاعتماد على السجع بوصفه عنصرًا إيقاعيًّا يمنح النصّ موسيقى داخليّة تُسهم في شدّ المتلقّي وإبراز البعد الجمالي للخطاب. كما يقوم النصّ المقامي على التكثيف البلاغي من خلال الجناس والطباق والمقابلة والصور البيانيّة التي تُضفي على اللغة طابعًا فنيًّا متميّزًا.

ومن الناحية السرديّة، تعتمد المقامة على وجود راوٍ يقوم بنقل الأحداث، وبطلٍ مركزي غالبًا ما يتّصف بالدهاء والقدرة على التحايل، وهو ما يمنح الحكاية طابعًا دراميًّا يقوم على المفارقة والتشويق. كما تتّسم المقامات بقصر حجمها ووحدة حدثها، مع اعتمادها على عنصر الحركة والتنقّل بين الأمكنة والمواقف المختلفة.

ويتميّز الخطاب المقامي كذلك بازدواجيّة الوظيفة؛ فهو يجمع بين الإمتاع والتعليم، وبين التسلية والنقد الاجتماعي، الأمر الذي يجعل المقامة نصًّا مفتوحًا على مستويات متعدّدة من القراءة، تتجاوز ظاهر الحكاية إلى أبعاد رمزيّة وثقافيّة أعمق.

ثالثًا: العلاقة بين السرد والبلاغة في المقامات. تقوم المقامة على تفاعلٍ وثيق بين السرد والبلاغة، بحيث تتداخل البنية الحكائيّة مع التشكيل الأسلوبي في إنتاج المعنى. فالحكاية في المقامة لا تُقدَّم بوصفها تسلسلًا للأحداث فحسب، وإنّما تُبنى من خلال لغة مشحونة بالإيقاع والصور والمحسّنات البيانيّة، الأمر الذي يجعل البلاغة جزءًا أساسيًّا من العمليّة السرديّة نفسها.

ومن هنا تتحوّل اللغة من أداة لنقل الحدث إلى عنصر فاعل في تشكيله؛ إذْ يسهم السجع والإيقاع والتلاعب اللفظي في بناء الحركة الحكائيّة وتعميق أثرها الجمالي والدلالي. كما أنّ المفارقة والسخرية في المقامات لا تنبعان من الأحداث وحدها، بل تتولّدان أيضًا من طريقة صياغة الخطاب، ومن قدرة الكاتب على توظيف البلاغة لإنتاج الدهشة والإمتاع والتأثير.

ولذلك فإنّ البلاغة في المقامة ليست مجرّد زينة لفظيّة، بل هي بنية دلاليّة تُسهم في بناء الرؤية الفكريّة للنصّ، وتكشف عن طبيعة العلاقة بين الكاتب والمتلقّي، وبين اللغة والواقع، وبين الظاهر الحكائي والمعنى الثقافي الكامن خلفه.

رابعًا: المقامة بوصفها تمثيلًا ثقافيًّا واجتماعيًّا. لا يمكن النظر إلى المقامة بوصفها فنًّا لغويًّا معزولًا عن سياقه الحضاري، لأنّها تمثّل صورةً رمزيّةً للمجتمع الذي أفرزها، وتعكس كثيرًا من تناقضاته وتحوّلاته الثقافيّة والاجتماعيّة. فشخصيّات المقامة – بما تتّسم به من تنقّل وتحايل وسعي دائم وراء الرزق – تعبّر عن واقع اجتماعي قائم على الصراع الطبقي والتفاوت الاقتصادي، كما تكشف عن تحوّل المعرفة والبلاغة إلى وسيلة لتحقيق المكانة أو النجاة داخل المجتمع.

وتحمل المقامات في كثير من الأحيان نزعةً نقديّةً تتخفّى خلف السخرية والطرافة، إذْ تعيد تمثيل الواقع بطريقة رمزيّة تكشف عيوبه وتناقضاته، دون مواجهة مباشرة. ولهذا فإنّ الخطاب المقامي يختزن وعيًا ثقافيًّا يتجاوز حدود الحكاية، ليعبّر عن رؤية الإنسان لعلاقته بالمجتمع والسلطة والمعرفة. ومن ثمّ فإنّ المقامة تُعدّ وثيقة أدبيّة وثقافيّة في آنٍ واحد، لأنّها لا تنقل الأحداث فحسب، بلْ إنّها تعيد تشكيل الواقع عبر اللغة والتخييل، وتحوّل التجربة الاجتماعيّة إلى خطاب سردي يحمل أبعادًا فكريّة وجماليّة متشابكة.

الفصل الأوّل: البنية السرديّة في المقامة الديناريّة

تقوم المقامة الديناريّة على بنية سرديّة متشابكة تتداخل فيها عناصر الحكاية مع التشكيل البلاغي، بحيث يصبح السرد أداة لإنتاج المعنى وكشف الأبعاد الثقافيّة والاجتماعيّة للنصّ. ولا يقتصر البناء الحكائي في المقامة على نقل الأحداث أو تصوير الشخصيّات، بلْ نجده يتجاوز ذلك إلى تأسيس خطاب يقوم على الحركة والمفارقة والحيلة، ويستثمر اللغة بوصفها عنصرًا بنائيًّا يشارك في تشكيل الحدث وإضفاء الدلالة عليه. ومن هنا فإنّ دراسة البنية السرديّة في المقامة الديناريّة تقتضي الوقوف عند الراوي وآليّات الحكي، وتحليل الشخصيّات والفضاء الحكائي، والكشف عن طبيعة الحبكة ووسائل التشويق التي تمنح النصّ حيويّته الفنيّة.

المبحث الأوّل: الراوي وبناء الحكاية

البطل والراوي

نسب الحريري رواية هذه المقامات إلى الحارث بن همّام، فهو الذي يروي أخبارها، ويقول ابن خلكان (ت 681 هـ): إنّه قصد بهذا الاسم نفسَهُ، ونظر في ذلك إلى قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: ” كلكم حارث وكلكم همّام”، فالحارث: الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وما من شخص إلّا وهو حارث وهمّام، وقول النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا : “أحبّ الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمّام، وأقبحها حرب ومرة” ، (ابن خلكان، 1971، 4/65). أمّا بطل هذه المقامات فهو أبو زيد السروجي، وهو متسوّل يعتمد على حسن الكلام وسحر البيان في جذب اهتمام الناس، واستلاب عواطفهم، واستمالة عقولهم ليمنحوه صدقاتهم. وتختلف الروايات في حقيقة أبي زيد السروجي، فمن قائل إنه اسم خيالي وضعه الحريري صاحب المقامات، واستوحاه من صورة الشحاذ الذي لقيه في مسجد بني حرام بالبصرة، في حين يذهب البعض أنّه شخصيّة حقيقيّة، والأقرب إلى الصواب أن أبا زيد السروجي شخصيّة نسجها خيال الحريري، ليحوك من حولها حيل أديب متسوّل، مثلما اتخذ بديع الزمان الهمذاني من أبي الفتح الإسكندري بطلاً لمقاماته. وتبدأ المقامات بلقاء بين الحارث بن همّام وأبي زيد السروجي في صنعاء، وهما في ريعان الشباب وربيع العمر، حيث لقي الحارث أبا زيد خطيبًا واعظًا في جمع من الناس، ثم تبعه فعرفه مخادعًا كذابًا، وعلى هذا اللقاء بنى الحريري المقامة الأولى، وأطلق عليها «المقامة الصنعانيّة»، ثم أخذ الحارث يجوب البلاد ويواصل الأسفار ليلقى أبا زيد في أماكن مختلفة، في ساحات القضاء، ومجالس الولاة، وأندية الأدباء، ثم يلتقيان في مسجد البصرة، وقد تقدم بهما العمر، وهدَّ جسدهما طول الزمن، فإذا أبو زيد يقف في حشد من الناس يعلن توبته، ويندم على ما قدّم من ذنوب وآثام، ثم يعزم على العودة إلى بلده ” سروج” وينصرف إلى العبادة والصلاة، أما الحارث بن همّام فيتوقف عن السفر والترحال، ويفضّل الراحة، ويكون هذا آخر لقاء بينهما، وبه تنتهي المقامة الخمسون آخر المقامات.

تُعدّ المقامة الديناريّة (المقامة الثالثة) واحدةً من المقامات البارزة في كتاب مقامات الحريري، وتمثّل نموذجًا مكثّفًا لفنّ السرد في الأدب العربي في العصر العباسي. وتكشف هذه المقامة عن براعة الحريري في توظيف تقنيات الحكي، وبناء الشخصيّات، وتداخل الأساليب البلاغيّة مع البنية السرديّة، بما يجعلها نصًا يجمع بين الطرافة الفنيّة والعمق الاجتماعي. ويلاحظ أنّ المقامة الديناريّة تعتمد في سردها على بنية حكائيّة تقليديّة تبدأ بـ “حكى الحارث بن همّام”، حيث يروي الراوي مغامرةً مع البطل (أبو زيد السروجي) الذي يحتال للحصول على المال. السرد هنا يدمج بين حكايات متضمنة وحوارات مكثفة، موظفًا الغريب، البديع، والسخرية لتصوير تخفّي البطل وكشفه في نهاية المشهد الذي صاغه الحدث. وهنا يتعرف الراوي على البطل، من خلال ملامحه حتى وإنْ كان متخفّيًا، بعد أنْ تنطوي عليه حيلة البطل، وهنا تبرز صيغ الخروج: (نظَمَني وأخْداناً لي نادٍ. لمْ يخِبْ فيه مُنادٍ.) – :وصيغ التخفّي: (وقَفَ بِنا شخْصٌ علَيْهِ سمَلٌ. وفي مِشيَتِهِ قزَلٌ -( وصيغ التجلي “التعرّف” – (فناجاني قلبي بأنّهُ أبو زيدٍ. وأنّ تعارُجَهُ لِكَيدٍ. فاستَعَدْتُهُ وقلتُ له: قد عُرِفْتَ بوشْيِكَ. فاستَقِمْ في مشيِكَ). (الحريري، 2016، 25).

أوّلًا: موقع الراوي ووظيفته. يحتلّ الراوي في المقامة الديناريّة موقعًا محوريًّا في تشكيل الخطاب السردي، إذْ يقوم بدور الوسيط الذي ينقل الأحداث ويقدّم الشخصيّات ويضبط حركة الحكاية. ولا يقتصر دوره على مجرّد الرواية، بلْ يتحوّل إلى عنصر فاعل في إنتاج الدلالة، لأنّه يوجّه المتلقّي ويحدّد زاوية النظر إلى الحدث والشخصيّات.

ويظهر الراوي في المقامة بوصفه شاهدًا على الوقائع، يروي ما يراه أو يسمعه، وهو ما يمنح الحكاية طابعًا من الإيهام بالواقعيّة. غير أنّ هذا الحضور لا يخلو من بعد فنّي، لأنّ الراوي كثيرًا ما يمارس نوعًا من الانتقاء والتوجيه، فيعيد تشكيل الحدث وفق رؤيته الخاصّة، ويضفي على السرد أبعادًا من السخرية أو التعجّب أو الإدهاش.

كما يؤدّي الراوي وظيفة بنائيّة مهمّة تتمثّل في الربط بين أجزاء الحكاية، وتنظيم تسلسل الأحداث، وتهيئة المتلقّي للمفارقات التي تقوم عليها المقامة. ومن هنا فإنّ حضوره لا يُعدّ عنصرًا تقنيًّا فحسب، بلْ بنية دلاليّة تسهم في بناء الخطاب المقامي وتوجيه معانيه.

ثانيًا: تقنيّات السرد والوصف. تعتمد المقامة الديناريّة على مجموعة من التقنيات السرديّة التي تمنح النصّ طابعه الفنّي والحركي، ومن أبرزها السرد الوصفي الذي يجمع بين نقل الحدث وتصوير الشخصيّات والأمكنة بأسلوب بلاغي مكثّف. فالوصف في المقامة لا يأتي بوصفه عنصرًا زائدًا عن الحكاية، بلْ يُسهم في تشكيل الجوّ النفسي والرمزي للنصّ.

كما تقوم المقامة على تقنيّة الحوار التي تمنح السرد حيويّةً وتُبرز براعة الشخصيّات في البيان والمراوغة، إلى جانب اعتمادها على المفارقة والتلميح والتكثيف اللغوي. وتؤدّي هذه التقنيّات دورًا في شدّ المتلقّي وإثارة فضوله، لأنّ الحكاية تقوم غالبًا على الإخفاء التدريجي للمعلومة وصولًا إلى لحظة الكشف. ويُلاحظ كذلك أنّ السرد في المقامة يميل إلى الإيقاع السريع القائم على الحركة والتنقّل، مع اعتماد اللغة المسجوعة التي تمنح النصّ بعدًا موسيقيًّا يزيد من تأثيره الجمالي.

ويبدو أنّ هذه المقامة تنهض على البنية الحكائيّة المألوفة في هذا الفنّ، مبتدئةً بصيغة الإسناد: «حكى الحارث بن همّام»، وهي صيغة لا تؤدّي وظيفة افتتاحيّة فحسب، بلْ تؤسّس لإطارٍ روائيّ يُوهم بالتوثيق، ويُكسب الحكاية طابعًا شبه تاريخيّ. (هلال، 1998، 227) غير أنّ هذا الإيهام سرعان ما يتصدّع أمام تقنيات السرد ودلالاتها، إذْ يتحوّل الراوي إلى شاهدٍ منبهر بحيل البطل، لا مجرّد ناقل محايد. وهنا تتجلّى ديناميّة العلاقة بين الراوي والبطل (أبي زيد السروجي)، علاقة تقوم على التكرار والتوقّع والمفاجأة؛ فالقارئ يعرف نمط الاحتيال، لكنّه يظلّ مترقّبًا الكيفيّة التي سيتجلّى بها في كل مرّة.

وتعتمد المقامة الديناريّة على حبكة بسيطة في ظاهرها: سعي البطل إلى تحصيل المال بالحيلة والبيان. غير أنّ هذه البساطة تخفي تركيبًا فنّيًّا بالغ الإحكام؛ إذْ تتداخل الحكاية الإطار مع حكاياتٍ متضمَّنة، ويغدو الحوار أداةَ كشفٍ وتمويه في آنٍ معًا. فالخطاب الذي يلقيه أبو زيد ليس مجرّد وسيلة للإقناع، بلْ هو عرضٌ لقدرة اللغة على صناعة الوهم، وصياغة الحقيقة البديلة. ومن هنا تتحوّل البلاغة — بما فيها من سجعٍ وجناسٍ وطباق — من زينةٍ أسلوبيّة إلى محرّكٍ دراميّ يؤسّس الفعل السرديّ ذاته. كما تكشف المقامة عن بعدٍ اجتماعيّ عميق؛ فالدينار ليس مجرد غاية ماديّة، بلْ هو رمزٌ لتحوّل القيم في مجتمعٍ بات البيان فيه سلعةً، والذكاء وسيلةً للعيش في واقعٍ مضطرب. وتغدو شخصيّة أبي زيد تجسيدًا لإنسانٍ هامشيّ، يقتات من مهارته اللغويّة في فضاءٍ لا يرحم الضعفاء. إنّه بطلٌ إشكاليّ، يجمع بين الإعجاب والريبة، بين الفطنة والانتهازيّة، ممّا يضفي على النصّ توتّرًا أخلاقيًا يثري أبعاده الدلاليّة.

وهكذا، فإنّ المقامة الديناريّة ليست مجرّد حكاية طريفة عن محتالٍ بارع، بلْ هي نصّ مركّب يُبرز عبقريّة الحريري في مزج الفنّ بالواقع، واللغة بالفعل، والسخرية بالنقد الاجتماعي، لتغدو المقامة فضاءً تتقاطع فيه المتعة الجماليّة مع التأمّل في طبيعة الخطاب والسلطة والقيمة.

وإذن، تُمثّل المقامة الديناريّة نموذجًا مكثّفًا لفنّ السرد في الأدب العربي في العصر العباسي. وتكشف هذه المقامة عن براعة الحريري في توظيف تقنيّات الحكي، وبناء الشخصيّات، وتداخل الأساليب البلاغيّة مع البنية السرديّة، بما يجعلها نصًّا يجمع بين الطرافة الفنيّة والعمق الاجتماعي.

ثالثًا: الزمن السردي وتشكيل الحدث. يتشكّل الزمن في المقامة الديناريّة بصورة مرنة تقوم على الاختزال والتكثيف، إذْ تُقدَّم الأحداث في إطار زمني قصير نسبيًّا، لكنّها تحمل كثافةً دلاليّةً كبيرةً. ويعتمد السرد على التتابع السريع للأحداث، مع التركيز على اللحظات المفصليّة التي تُنتج المفارقة أو التحوّل. كما يُوظَّف الزمن أحيانًا بوصفه أداةً للتشويق، من خلال تأخير الكشف عن حقيقة الشخصيّة أو الهدف من الحيلة، وهو ما يجعل المتلقّي في حالة ترقّب مستمرّ. ولا ينفصل الزمن السردي عن البناء البلاغي، لأنّ التكثيف اللغوي والإيقاع السريع يسهمان في تسريع حركة الحدث وإضفاء طابع ديناميكي على الحكاية.

المبحث الثاني: الشخصيّات والفضاء الحكائي

أوّلًا: صورة البطل المقامي. يُعدّ البطل المقامي العنصر المركزي في بناء الحكاية، وغالبًا ما يظهر في صورة شخص يمتلك قدرة عالية على الحيلة والبيان والقدرة على التكيّف مع المواقف المختلفة. ولا يقوم حضوره على البطولة التقليديّة، بلْ على الذكاء اللغوي والقدرة على الإقناع والخداع، وهو ما يجعله انعكاسًا لواقع اجتماعي قائم على الصراع والسعي إلى النجاة. وتحمل هذه الشخصيّة أبعادًا رمزيّة تتجاوز حدود الفرد، إذْ تعبّر عن الإنسان الذي يحاول مواجهة قسوة الواقع عبر اللغة والدهاء، ممّا يجعلها شخصيّةً مركّبةً تجمع بين الطرافة والنقد الاجتماعي.

ثانيًا: الشخصيّات الثانويّة ودورها. لا تقتصر المقامة على البطل وحده، بلْ تستعين بشخصيّات ثانويّة تؤدّي وظائف متعدّدة في بناء الحدث وصياغة تفصيلاته. فهذه الشخصيّات قد تكون وسيلةً لإبراز ذكاء البطل، أو عنصرًا يساعد في خلق المفارقة والتشويق، كما تسهم في تجسيد الواقع الاجتماعي الذي تتحرّك داخله الحكاية.

وتظهر الشخصيّات الثانوية غالبًا بوصفها نماذج اجتماعيّة تمثّل فئات مختلفة من المجتمع، وهو ما يمنح المقامة بعدًا ثقافيًّا يتجاوز حدود الحكاية الفرديّة.

ثالثًا: الفضاء المكاني ودلالاته. يشكّل المكان عنصرًا مهمًّا في المقامة الديناريّة، لأنّه ليس مجرّد إطار للأحداث، بل هو فضاء يحمل دلالاتٍ اجتماعيّةً وثقافيّةً. فتنقّل الشخصيّات بين الأسواق والمجالس والطرقات يعكس طبيعة الحياة الحضريّة، كما يكشف عن واقع اجتماعي قائم على الحركة والتنافس والسعي وراء الرزق. ويؤدّي المكان كذلك وظيفةً رمزيّةً، إذْ تتحوّل بعض الأمكنة إلى فضاءات تعبّر عن السلطة أو الفقر أو الاغتراب، وهو ما يمنح الحكاية عمقًا دلاليًّا يتجاوز ظاهر الوصف.

رابعًا: الزمن السردي وبنية المفارقة والراوي الإطاري في المقامة الدينارية لـ الحريري: يمكن القول إنّ الزمن السردي في المقامة الديناريّة يتسمُ بطابعٍ تكثيفيٍّ خطّيٍّ ينحصر في لحظةٍ حدثيّةٍ قصيرة، الأمر الذي يفضي إلى تقليص الامتداد الزمني بهدف توسيع الامتداد الخطابي. فالزمن هنا ليس مجالًا لتطوّر دراميّ أو تحوّل نفسي، بلْ إطارٌ وظيفيٌّ يحتضن الأداء البلاغي ويهيّئ له شروط الظهور. وتنبني المفارقة على هذا التكثيف ذاته؛ إذْ يتصاعد الخطاب الوعظيّ تدريجيًّا حتى يبلغ ذروته الإقناعيّة، قبل أنْ ينكشف في خاتمة الموقف عن قصدٍ نفعيٍّ مضمَر، فتتحقّق المفارقة بين ظاهر القول وباطن النيّة. ويسهم الراوي الإطاري (عيسى بن هشام) في ترسيخ هذه البنية عبر موقعه الوسيط بين القارئ والبطل؛ فهو يمنح الحكاية طابع الشهادة والتوثيق، لكنّه في الوقت نفسه يتيح مسافةً تأويليّةً تكشف البعد الساخر الكامن في الحدث. وبهذا تتشكّل البنية السرديّة من مستويين: مستوىً حكائيٍّ ظاهريّ يتقدّم فيه الحدث بصورة مباشرة، ومستوى دلاليٍّ عميق تُنتجه المفارقة وتوجّهه زاوية الرؤية الإطاريّة.

ومن ثمّ يغدو السرد في هذه المقامة بناءً مزدوجًا، يتجاور فيه الاقتصاد الزمني مع الاتساع البلاغي، وتتحوّل فيه المفارقة إلى آليّة بنائيّة لا مجرّد عنصر جمالي عابر، بما يعكس وعيًا فنيًّا يجعل من الإطار السردي أداةً لإنتاج المعنى لا مجرد وعاءٍ للحكاية.

خامسًا: الحركة والتنقّل في بناء الحدث. تعتمد المقامة على الحركة المستمرّة والتنقّل بين الأمكنة والمواقف، وهو ما يمنح السرد طابعًا ديناميكيًّا قائمًا على المفاجأة والتغيّر. فالحركة ليست مجرّد انتقال جغرافي، بلْ هي وسيلة للكشف التدريجي عن الشخصيّات والأحداث، كما تُسهم في تصعيد الحبكة وبناء التشويق. وتعبّر هذه الحركة عن طبيعة البطل المقامي الذي يعيش في حالة تنقّل دائم، الأمر الذي يعكس حالةً من القلق الاجتماعي وعدم الاستقرار، ويمنح النصّ بعدًا رمزيًّا يرتبط بتحوّلات الواقع الثقافي والاجتماعي.

المبحث الثالث: الحبكة وآليّات التشويق

أوّلًا: بناء الحدث السردي. يقوم الحدث في المقامة الديناريّة على بنية سرديّة محكمة تجمع ما بين النثر والشعر، وتبدأ غالبًا بموقف اعتيادي، ثم تتطوّر تدريجيًّا نحو مفارقة أو حيلة تكشف عن حقيقة الشخصيّة أو الهدف من الحكاية. ويتميّز هذا البناء بالتكثيف والاقتصاد السردي، بحيث تتداخل الأحداث بصورة سريعة ومترابطة. كما يعتمد الحدث على عنصر المفاجأة الذي يمنح الحكاية حيويّتها، ويوفّر لها عنصر التشويق، ويجعل المتلقّي في حالة متابعة مستمرّة لتطوّر الوقائع. (إيلاغ، 2002، 129)

ثانيًا: المفارقة والتحوّل. تُشكّل المفارقة عنصرًا جوهريًّا في البناء السردي للمقامة الديناريّة، إذْ تقوم الحكاية على الجدل القائم بين الظاهر والحقيقة، وبين ما يتوقّعه المتلقّي وما تنتهي إليه الأحداث. فالمقامة تعتمد غالبًا على إخفاء الحقيقة إلى لحظة متأخّرة من السرد، بحيث تتكشّف الشخصيّات والمواقف بصورة مغايرة لما بدا في البداية، وهو ما يمنح النصّ طابعًا يعتمد غالبًا على الإدهاش وإعادة التأويل.

وتنبع المفارقة من قدرة الخطاب المقامي على توظيف اللغة والحيلة في تضليل المتلقّي مؤقّتًا، قبل أنْ يكشف له المعنى الكامن خلف ظاهر القول أو الفعل. ومن هنا تصبح المفارقة أداةً فنيّةً تُسهم في تعميق البعد النقدي للنصّ، لأنّها تكشف هشاشة المظاهر الاجتماعيّة، وتفضح التناقض بين الصورة الخارجيّة والحقيقة الباطنيّة.

كما يرتبط عنصر التحوّل بالحركة الداخليّة للحكاية، إذْ تنتقل الشخصيّات أو المواقف من حالة إلى أخرى بصورة مفاجئة، فيتحوّل الفقير إلى خطيب مؤثّر، أو يبدو المحتال في صورة العالم أو الواعظ، قبل أن ينكشف وجهه الحقيقي. وهذا التحوّل لا يُنتج التشويق فحسب، بلْ نراه يعكس طبيعة الواقع الاجتماعي الذي تتبدّل فيه المواقع والهويّات بفعل اللغة والدهاء.

ثالثًا: عنصر الحيلة والخداع. تقوم المقامة الديناريّة في جوهرها على الحيلة بوصفها محرّكًا أساسيًّا للأحداث، إذْ يعتمد البطل على الذكاء اللغوي والقدرة على التمثيل والمراوغة لتحقيق أهدافه. والحيلة هنا ليست فعلًا عابرًا، بلْ هي بنية سرديّة تتشكّل من خلالها الحبكة، ويتولّد عنها التشويق والمفارقة.

ويُلاحظ أنّ الخداع في المقامة لا يُقدَّم بوصفه انحرافًا أخلاقيًّا مجرّدًا، بلْ باعتباره استجابةً لواقع اجتماعي مضطرب، يجد فيه الفرد نفسه مضطرًّا إلى استخدام اللغة وسيلةً للنجاة أو التكسّب. ومن هنا تتحوّل البلاغة إلى أداة سلطة، لأنّ القدرة على البيان تمنح الشخصيّة قدرةً على التأثير والإقناع والسيطرة على الآخرين. كما تُسهم الحيلة في كشف طبيعة العلاقة بين اللغة والواقع؛ فالكلمات في المقامة لا تعبّر دائمًا عن الحقيقة، بل قد تتحوّل إلى قناع يخفي المقاصد الحقيقيّة. ولذلك فإنّ النصّ المقامي يبني كثيرًا من تأثيره على حركة الإخفاء والكشف، وعلى الجدل بين الصدق والوهم.

وهكذا تمثّل الحيلة جوهر البناء الحكائي في المقامة، لأنّ البطل يعتمد على الذكاء والقدرة على المراوغة لتحقيق أهدافه. ولا تُقدَّم الحيلة بوصفها فعلًا فرديًّا فحسب، بلْ باعتبارها انعكاسًا لواقع اجتماعي يفرض على الفرد استخدام اللغة والدهاء وسيلةً للبقاء. كما يُسهم الخداع في خلق التشويق، لأنّ المتلقّي يظلّ في حالة بحث عن الحقيقة الكامنة خلف الأقوال والأفعال، وهو ما يمنح النصّ حركته السرديّة المستمرّة.

رابعًا: النهاية ووظيفتها الدلاليّة. تُعدّ النهاية من أهمّ العناصر البنائيّة في المقامة الديناريّة، لأنّها تمثّل لحظة الكشف التي تتجلّى فيها حقيقة الشخصيّة أو المعنى الكامن خلف الحكاية. وغالبًا ما تأتي النهاية مفاجئةً أو قائمةً على انقلاب دلالي يعيد تفسير الأحداث السابقة، ممّا يمنح النصّ طابعًا دائريًّا تتكامل فيه البداية مع الخاتمة.

ولا تؤدّي النهاية وظيفة إغلاق الحدث فقط، بلْ تسهم في إنتاج المعنى العميق للنصّ، إذْ تكشف الأبعاد النقديّة والثقافيّة التي ظلّت كامنةً طوال مسار الحكاية. ومن خلال هذه النهاية يدرك المتلقّي أنّ المقامة لا تهدف إلى الإمتاع وحده، بلْ تسعى إلى مساءلة الواقع الاجتماعي وكشف تناقضاته عبر السخرية والمفارقة. كما تمنح النهاية النصّ أثره الجمالي الأخير، لأنّها تُحدث نوعًا من الصدمة الفنيّة التي تدفع المتلقّي إلى إعادة النظر في الحكاية وتأويل رموزها، وهو ما يجعل المقامة نصًّا مفتوحًا على دلالات تتجاوز ظاهر الحدث إلى أبعاد فكريّة وثقافيّة أعمق.

ويلاحظ أنّ المقامة غالبًا ما تنتهي بلحظة كشف تُفاجئ المتلقّي وتعيد تأويل الأحداث السابقة، وهو ما يجعل النهاية عنصرًا أساسيًّا في إنتاج الدلالة. فالنهاية لا تُغلق الحكاية فحسب، بلْ تكشف البعد الرمزي أو النقدي الذي يقوم عليه النصّ. كما تؤدّي النهاية وظيفةً جماليّةً قائمةً على الإدهاش وكسر أفق التوقّع، إذْ تُحدث لدى المتلقّي صدمةً فنيّةً تعيد ترتيب دلالات الحكاية وتكشف ما كان مستترًا خلف ظاهر الأحداث. ومن خلال هذا الانقلاب الدلالي تبدو المفارقة بوصفها أداةً لإعادة تأويل الشخصيّات والمواقف، بحيث لا تبقى النهاية مجرّد خاتمة للحدث، بل تتحوّل إلى لحظة كشف معرفي وجمالي تُفضي إلى إدراك الأبعاد الثقافيّة والفكريّة الكامنة وراء البناء الحكائي للمقامة، وتمنح النصّ قدرةً على تجاوز الإمتاع إلى مساءلة الواقع وتمثيل تناقضاته الرمزيّة والاجتماعيّة.

الفصل الثاني: جدليّة الحكاية والبلاغة

تقوم المقامة الديناريّة على علاقة جدليّة متشابكة بين الحكاية والبلاغة، بحيث لا يمكن فصل البناء السردي عن التشكيل الأسلوبي الذي يمنح النصّ خصوصيّته الفنّيّة والدلاليّة. فالبلاغة في المقامة ليست عنصرًا خارجيًّا يُضاف إلى الحكاية بقصد الزينة، بلْ هي جزء من البنية العميقة للنصّ، تُسهم في إنتاج المعنى وتشكيل الرؤية السرديّة والثقافيّة. ومن هنا تتجلّى المقامة بوصفها خطابًا مزدوج البنية، يجمع بين الحركة الحكائيّة والاستعراض البياني، ويحوّل اللغة إلى فضاء تتفاعل فيه الأصوات والصور والإيقاعات لإنتاج تجربة جماليّة وفكريّة متكاملة.

كما تكشف هذه الجدليّة عن طبيعة العلاقة بين الشكل والمضمون في الخطاب المقامي؛ إذْ تصبح المحسّنات البلاغيّة جزءًا من العمليّة السرديّة، وتتداخل البنية الإيقاعيّة مع بناء الحدث والشخصيّة والمفارقة. ولذلك فإنّ دراسة المقامة من منظور بلاغي صرف تُفضي إلى إغفال بعدها الحكائي، كما أنّ الاقتصار على تحليل السرد بمعزل عن اللغة يحجب جانبًا أساسيًّا من جماليات النصّ ووظائفه الدلاليّة.

المبحث الأوّل: التشكيل البلاغي في المقامة

أوّلًا: السجع والإيقاع. يُعدّ السجع من أبرز الخصائص الفنّيّة التي يقوم عليها الخطاب المقامي، إذْ يمنح النصّ موسيقا داخليّةً تُكسبه إيقاعًا متدفّقًا ينسجم مع طبيعة الأداء الحكائي. ولا يقتصر السجع على تحقيق التوازن الصوتي بين الجمل، بلْ يؤدّي دورًا دلاليًّا يتمثّل في شدّ انتباه المتلقّي وتعزيز أثر الخطاب في نفسه. كما أنّ الإيقاع في المقامة يرتبط بالحركة السرديّة ذاتها، لأنّ تناغم الأصوات وتكرار المقاطع يخلقان نوعًا من الانسياب الذي يرافق تطوّر الحدث. ومن هنا يصبح الإيقاع عنصرًا بنائيًّا يسهم في تسريع السرد أو إبطائه وفق طبيعة الموقف الحكائي، الأمر الذي يمنح النصّ حيويّةً وقدرةً على التأثير.

ويكشف السجع كذلك عن هيمنة الحسّ البلاغي في الثقافة التي نشأت فيها المقامة، حيث ارتبطت الفصاحة بالقدرة على التأثير والإقناع، وأصبحت البلاغة علامة على التفوّق الثقافي والاجتماعي.

ثانيًا: الجناس والتقابل. يعتمد الخطاب المقامي بصورة واضحة على الجناس والتقابل بوصفهما من أبرز وسائل الأداء اللغوي التي تُظهر براعة الكاتب وتمكّنه من أدوات البيان. فالجناس يُنتج نوعًا من التوازي الصوتي الذي يثري البنية الإيقاعيّة للنصّ، ويخلق حالةً من الانسجام بين الألفاظ والمعاني، في حين يعمل التقابل على إبراز التناقضات والمفارقات التي تقوم عليها الحكاية.

ومن خلال هذه التقنيات البلاغيّة تتجلّى الطبيعة الجدليّة للمقامة، لأنّ النصّ يقوم على صراع دائم بين الثنائيّات المتقابلة؛ كالحقيقة والوهم، والغنى والفقر، والمظهر والجوهر. ولهذا فإنّ التقابل لا يُستخدم بوصفه أداة جماليّة فحسب، بلْ يتحوّل إلى وسيلة للكشف عن البنية الفكريّة والاجتماعيّة التي يتحرّك داخلها النصّ. كما يمنح الجناس الخطاب المقامي طابعًا من الذكاء اللغوي وأفقًا من التكثيف الدلالي، إذْ تتعدّد المعاني داخل البنية الصوتيّة الواحدة، ممّا يفتح النصّ على أكثر من مستوى، وهذا ما يؤدّي إلى بروز مستويات متنوّعة من التأويل.

ثالثًا: الصورة البيانيّة ووظيفتها. تحتلّ الصورة البيانيّة مكانةً أساسيّةً في المقامة الديناريّة، لأنّها تُسهم في تحويل الحكاية من مجرّد سرد للأحداث إلى بناء رمزي غنيّ بالإيحاءات. فالتشبيه والاستعارة والكناية لا تعمل على تجميل اللغة فقط، بلْ تُستخدم لتكثيف الدلالة وإضفاء أبعاد نفسيّة وثقافيّة على الشخصيّات والمواقف. ومن خلال الصورة البيانيّة ينجح الخطاب المقامي في تجاوز المباشر والواقعي نحو التعبير الرمزي، بحيث تتحوّل الشخصيّات والأحداث إلى علامات تعبّر عن قضايا أعمق تتعلّق بالمجتمع والسلطة والمعرفة. كما تمنح الصورة النصّ قدرةً على خلق فضاءات تخييليّة تجعل المتلقّي يعيش الحدث بوصفه تجربةً حسّيّةً وفكريّةً في آنٍ واحد. ولا تنفصل الصورة البيانيّة عن البناء السردي، لأنّها كثيرًا ما تُستخدم في إبراز التحوّلات والمفارقات، وفي الكشف التدريجي عن طبيعة الشخصيّات، الأمر الذي يجعلها عنصرًا فاعلًا في حركة الحكاية نفسها.

المبحث الثاني: اللغة بين الإمتاع والإقناع

أوّلًا: البعد التداولي للخطاب. يتجاوز الخطاب في المقامة الديناريّة حدود الحكي المباشر، لأنّه يقوم على التفاعل بين المتكلّم والمتلقّي داخل سياق تداولي يعتمد التأثير والإقناع والمراوغة. فالشخصيّات المقاميّة تستخدم اللغة لتحقيق غايات عمليّة، كالاستمالة أو الإقناع أو الخداع، ممّا يجعل الخطاب فعلًا تداوليًّا يرتبط بالموقف والسياق. كما يكشف هذا البعد التداولي عن طبيعة العلاقة بين السلطة واللغة، إذْ تتحوّل البلاغة إلى وسيلة للهيمنة الرمزيّة والتأثير في الآخرين، وهو ما يمنح النصّ أبعادًا اجتماعيّة وثقافيّة تتجاوز حدود البناء الفنّي. وهكذا يتّخذ الخطاب في المقامة الديناريّة طابعًا تداوليًّا واضحًا، لأنّ اللغة تُستخدم لتحقيق غايات عمليّة تتجاوز مجرّد نقل المعنى. فالشخصيّات المقاميّة توظّف البيان للإقناع والتأثير والخداع، ممّا يجعل الخطاب قائمًا على التفاعل بين المتكلّم والمتلقّي داخل سياق اجتماعي وثقافي محدّد. ويكشف هذا البعد التداولي عن طبيعة العلاقة بين اللغة والسلطة، إذْ تتحوّل البلاغة إلى أداة للهيمنة الرمزيّة، يستطيع من خلالها البطل المقامي أنْ يفرض حضوره ويؤثّر في الآخرين. ومن هنا تصبح اللغة وسيلةً للفعل الاجتماعي، لا مجرّد أداة للتعبير. كما يُظهر الخطاب المقامي قدرة الشخصيّات على توظيف المقامات الكلاميّة المختلفة وفق مقتضى الحال وما يناسبه، وهو ما يعكس وعيًا عميقًا بطبيعة التواصل وأساليب التأثير في المتلقّي.

ثانيًا: أثر البلاغة في توجيه المتلقّي. تؤدّي البلاغة في المقامة دورًا محوريًّا في توجيه المتلقّي والتحكّم في استجابته للنصّ، إذْ يعتمد الكاتب على الإيقاع والصور والمحسّنات لإثارة الانتباه وبناء التأثير النفسي. كما تُستخدم البلاغة في تضليل المتلقّي أحيانًا، عبر إخفاء الحقيقة خلف كثافة لغويّة تجعل المعنى مؤجّلًا إلى لحظة الكشف النهائي. ممّا يجعل المتلقّي مشاركًا في عمليّة التأويل واكتشاف المعنى، وهو في حالة من الدهشة والتشويق. ومن هنا فإنّ الخطاب المقامي لا يقدّم المعنى بصورة مباشرة، بلْ يبنيه تدريجيًّا عبر شبكة من الإشارات والإيحاءات التي تدفع المتلقّي إلى إعادة النظر في ظاهر الحكاية. ومن هنا يصبح المتلقّي جزءًا من العمليّة السرديّة، لأنّه يشارك في تأويل الإشارات والبحث عن الحقيقة الكامنة خلف الخطاب. وهذا ما يمنح المقامة طابعًا تفاعليًّا يقوم على المشاركة الذهنيّة والجماليّة في آنٍ واحد. كما تُسهم البلاغة في خلق سلطة للنصّ، لأنّ التأثير الأسلوبي يجعل المتلقّي أكثر استعدادًا لتقبّل الخطاب والانخراط في أجوائه الحكائيّة. (كليطو، 2001، ص 165، 210)

ثالثًا: العلاقة بين الزخرفة اللفظيّة والدلالة. لم تكن الزخرفة اللفظيّة في المقامة غايةً مستقلّةً بذاتها، بل ارتبطت بإنتاج الدلالة وتعميق البعد الجمالي للنصّ. فالسجع والجناس والصور البيانيّة لا تعمل بمعزل عن الحدث، بلْ تُسهم في بناء الرؤية الفكريّة للحكاية وإبراز أبعادها الرمزيّة.

ومن ثمّ فإنّ البلاغة في المقامة تتجاوز مفهوم التزيين الشكلي، لتصبح جزءًا من البنية الدلاليّة للنصّ، بحيث يتكامل الشكل والمضمون في إنتاج خطاب يقوم على التفاعل بين الجمالي والفكري.

ومن هنا تتجلّى العلاقة العضويّة بين الشكل والمضمون داخل المقامة، لأنّ البلاغة تتحوّل إلى وسيلة للكشف عن المفارقات الاجتماعيّة والثقافيّة التي تقوم عليها الحكاية. كما أنّ التكثيف البلاغي يمنح النصّ قدرةً على احتواء معانٍ متعدّدة داخل بنية لغويّة موجزة، وهو ما يجعل المقامة نصًّا غنيًّا بالدلالات والإيحاءات.

المبحث الثالث: التفاعل بين السرد والأسلوب

أوّلًا: اللغة بوصفها عنصرًا سرديًّا. لا تُستخدم اللغة في المقامة الديناريّة بوصفها أداة لنقل الحكاية فقط، بلْ تتحوّل إلى عنصر بنائي يشارك في تشكيل الحدث وتوجيهه. فاختيار الألفاظ والإيقاع وطريقة تركيب الجمل يؤثّر في حركة السرد وفي بناء الشخصيّات والمواقف. ومن هنا تصبح اللغة ذاتها جزءًا من الفعل الحكائي، لأنّ الحدث لا يتحقّق بمعزل عن الطريقة التي يُروى بها. ولهذا فإنّ الأسلوب في المقامة لا يُعدّ إطارًا خارجيًّا للحكاية، بل عنصرًا بنائيًّا يشارك في إنتاجها.

ثانيًا: التداخل بين الحدث والبيان. يتداخل الحدث مع البيان في المقامة بصورة تجعل من الصعب الفصل بين ما هو حكائي وما هو بلاغي، لأنّ الحركة السرديّة تقوم على اللغة بقدر ما تقوم على الوقائع. فالمفارقة والتشويق والحيلة تتجلّى من خلال الطريقة التي يُبنى بها الخطاب، لا من خلال الحدث وحده. كما يُنتج هذا التداخل كثافة دلاليّة تجعل النصّ قائمًا على تعدّد المستويات؛ فالقارئ لا يتلقّى الحكاية بوصفها تسلسلًا للأحداث فقط، بلْ بوصفها بناءً لغويًّا يحمل رؤى ثقافيّةً واجتماعيّةً كامنةً. ولهذا فإنّ البيان لا يأتي معطّلًا للحركة السرديّة، بلْ يُسهم في تعميقها وإثرائها. كما يؤدّي هذا التداخل إلى منح النصّ كثافة دلاليّة، لأنّ المعنى يُنتج عبر التفاعل المستمرّ بين الحدث والصياغة اللغويّة.

ثالثًا: أثر البلاغة في تشكيل الحركة الحكائيّة. تُسهم البلاغة بصورة مباشرة في تشكيل الحركة الحكائيّة داخل المقامة، لأنّ الإيقاع والتكرار والمفارقة اللغويّة تمنح السرد حيويّةً وتدفّقًا. كما يساعد التكثيف البلاغي في تسريع الأحداث وإضفاء طابع درامي عليها، ممّا يجعل الخطاب أكثر قدرةً على جذب المتلقّي وإثارة انتباهه.

ويظهر أثر البلاغة أيضًا في بناء التشويق، لأنّ اللغة تُستخدم لإخفاء بعض الحقائق أو تأجيل الكشف عنها، وهو ما يجعل الحكاية قائمة على التوتّر المستمرّ بين الظاهر والخفي، وهو ما يجعل المتلقّي في حالة بحث دائم عن المعنى الحقيقي الكامن خلف الخطاب. ومن هنا تتجلّى جدليّة الحكاية والبلاغة بوصفها جوهر البناء الفنّي للمقامة، حيث يتكامل السرد والأسلوب في إنتاج رؤية أدبيّة وثقافيّة متشابكة.

الفصل الثالث: تمثّلات الوعي الثقافي في المقامة الديناريّة

يبدو أنّ المقامة الديناريّة لا تقف عند حدود البناء الحكائي أو التشكيل البلاغي، بلْ إنّنا نجدها تتجاوز ذلك إلى تمثيل رؤية ثقافيّة واجتماعيّة تعكس طبيعة العصر الذي نشأت فيه، وتكشف عن التناقضات التي تحكم العلاقات الإنسانيّة داخل المجتمع. فالنصّ المقامي، بما يشتمل عليه من حيلة ومفارقة وسخرية، يُعيد إنتاج الواقع بطريقة رمزيّة تُمكّنه من مساءلة القيم السائدة والكشف عن اختلالات البنية الاجتماعيّة والثقافيّة.

ومن هنا فإنّ المقامة لا تُقرأ بوصفها نصًّا للمتعة اللغويّة فقط، بلْ بوصفها خطابًا ثقافيًّا يعبّر عن وعي الجماعة، وعن طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين المعرفة والسلطة، وبين الفقر والهيمنة الرمزيّة. ولذلك فإنّ دراسة تمثّلات الوعي الثقافي في المقامة الديناريّة تكشف عن الأبعاد الفكريّة الكامنة خلف البناء السردي والبلاغي، وتُبرز كيف استطاعت الحكاية أنْ تتحوّل إلى وسيلة لنقد الواقع وإعادة تأويله.

المبحث الأوّل: البعد الاجتماعي

أوّلًا: صورة الفقر والتكسّب. يحضر الفقر في المقامة الديناريّة بوصفه خلفيّةً أساسيّةً تتحرّك داخلها الشخصيّات، إذْ يظهر البطل المقامي غالبًا في صورة إنسان يسعى إلى النجاة في واقع اقتصادي مضطرب، يعتمد فيه على البيان والحيلة أكثر من اعتماده على العمل أو المكانة الاجتماعيّة الثابتة. ومن هنا يتحوّل التكسّب إلى محور للحركة الحكائيّة، لأنّ معظم الأفعال والمواقف ترتبط بالسعي إلى الحصول على المال أو تحقيق المنفعة.

غير أنّ الفقر في المقامة لا يُقدَّم بصورة مأساويّة خالصة، بلْ يُعاد تشكيله داخل إطار ساخر يقوم على المفارقة والدهاء. فالشخصيّة الفقيرة تستطيع أحيانًا أنْ تتفوّق على الأغنياء وأصحاب السلطة بفضل قدرتها على توظيف اللغة والخداع، وهو ما يمنح النصّ بعدًا نقديًّا يكشف هشاشة التراتبيّات الاجتماعيّة القائمة على المال والمظهر. كما تعكس صورة التكسّب طبيعة المجتمع الحضري الذي تتزايد فيه المنافسة والصراع من أجل البقاء، بحيث تصبح البلاغة نفسها وسيلةً اقتصاديّة ورأسمالًا رمزيًّا يتيح للفرد أنْ يفرض حضوره داخل المجتمع.

وفي سياق هذا التوجّه يؤدّي الدينار دورًا رمزيًّا يتجاوز وظيفته المادّيّة المباشرة؛ فهو ليس مجرّد قطعة نقديّة، بلْ يتحوّل إلى علامةٍ دالّة على القيمة الاجتماعيّة، ومعيارٍ خفيّ لاختبار الأخلاق وكشف حقيقة النفوس. ومن خلال هذا الرمز يجعل الحريري المال مركز الثقل في الحركة السرديّة، إذْ تتولّد حوله الحيلُ والمواقفُ والتحوّلاتُ النفسيّة، فتتكشّف هشاشة القيم أمام سطوة الرغبة والإغراء. وهكذا يغدو الدينار أداةً لفضح التناقض الإنساني بين الظاهر والباطن، وبين الادّعاء الأخلاقي والنزوع النفعي، ليؤكّد أنّ الإنسان قد ينساق وراء بريق المعدن كما ينساق وراء بريق البلاغة واللفظ، وأنّ غواية المال لا تقلّ تأثيرًا عن غواية الخطاب.

ثانيًا: التحايل والذكاء الاجتماعي. يمثّل التحايل في المقامة الديناريّة شكلًا من أشكال الذكاء الاجتماعي الذي يسمح للشخصيّة بالتكيّف مع الواقع ومواجهة تناقضاته. فالبطل المقامي لا يعتمد على القوّة أو النفوذ، بلْ على القدرة على قراءة المواقف واستثمار اللغة في التأثير والإقناع والخداع.

ومن هنا يصبح التحايل انعكاسًا لواقع اجتماعي يقوم على الصراع وعدم الاستقرار، حيث يجد الفرد نفسه مضطرًّا إلى استخدام الذكاء والتمويه لتحقيق أهدافه. كما يكشف هذا التحايل عن طبيعة العلاقات الاجتماعيّة في تلك الفترة من الزمن، فقد كانت تقوم أحيانًا على الخداع والمظهر أكثر من اعتمادها على الصدق والثبات. ولا يخلو هذا الجانب من بعد نقدي، لأنّ المقامة تُظهر كيف يمكن للبلاغة أنْ تتحوّل إلى وسيلة للهيمنة الرمزيّة، وكيف يستطيع الإنسان أنْ يعيد تشكيل هُويّته وفق مقتضيات الموقف الاجتماعي.

ثالثًا: العلاقات الطبقيّة في النصّ. تعكس المقامة الديناريّة صورةً متشابكة للعلاقات الطبقيّة داخل المجتمع، إذْ تتجاور فيها شخصيّات تنتمي إلى فئات اجتماعيّة متباينة؛ من الفقراء والمتسوّلين إلى الوجهاء وأصحاب المال والعلم. ومن خلال هذا التنوّع تكشف الحكاية طبيعة التفاوت الاجتماعي والصراع بين الطبقات. كما تُبرز المقامة هشاشة الحدود الطبقيّة، لأنّ الذكاء اللغوي والحيلة قد يسمحان للشخصيّة الدنيا اجتماعيًّا بأنْ تتفوّق على أصحاب النفوذ والمكانة. ومن هنا يتحوّل النصّ إلى فضاء لإعادة مساءلة القيم الاجتماعيّة التي تمنح الامتياز على أساس المال أو السلطة.

ويكشف هذا البعد كذلك عن طبيعة المجتمع الحضري في العصر العبّاسي، بوصفه مجتمعًا قائمًا على الحراك الاجتماعي وتداخل المصالح وتحوّل العلاقات الإنسانيّة تحت ضغط الواقع الاقتصادي والثقافي؛ إذْ لم تعد المكانة الاجتماعيّة ثابتة أو مرتبطة بالنسب وحده، بلْ أصبحت خاضعةً لعوامل متغيّرة كالثروة والقدرة على البيان والمهارة في التكيّف مع شروط الحياة. ومن هنا تبدو المقامة مرآةً دقيقةً لتحوّلات المجتمع العبّاسي، بما يحمله من تنافس اقتصادي وصراع طبقي وتبدّل في منظومة القيم، حيث يغدو الذكاء اللغوي والحيلة الاجتماعيّة وسيلتين لإعادة تشكيل الموقع الاجتماعي وتحقيق الحضور داخل فضاء حضري شديد التقلّب والتحوّل.

المبحث الثاني: البعد الفكري والثقافي

أوّلًا: صورة المثقّف في المقامة. تقدّم المقامة الديناريّة صورةً خاصّة للمثقّف، إذْ يظهر بوصفه شخصًا يمتلك المعرفة والقدرة على البيان، غير أنّ هذه المعرفة لا تُستخدم دائمًا لأغراض أخلاقيّة أو تعليميّة، بلْ قد تتحوّل إلى وسيلة للتكسّب والخداع وتحقيق المنفعة الشخصيّة.

ومن هنا تكشف المقامة عن إشكاليّة العلاقة بين المعرفة والأخلاق، لأنّ المثقّف المقامي يجمع بين الذكاء والقدرة على التلاعب بالخطاب، وهو ما يجعل صورته ملتبسةً تجمع بين الإعجاب والسخرية في الوقت نفسه. كما تعبّر هذه الصورة عن طبيعة الثقافة في العصر الذي نشأت فيه المقامة، حيث أصبحت الفصاحة والبلاغة وسيلتين لتحقيق المكانة الاجتماعيّة، وتحويل المعرفة إلى نوع من السلطة الرمزيّة.

ثانيًا: المعرفة والسلطة. تكشف المقامة الديناريّة عن العلاقة الوثيقة بين المعرفة والسلطة، إذْ تتحوّل البلاغة والقدرة على البيان إلى أدوات للنفوذ والتأثير داخل المجتمع. فالشخصيّة التي تمتلك القدرة على الإقناع تستطيع أنْ تفرض حضورها وتؤثّر في الآخرين، حتى وإنْ كانت تفتقر إلى المال أو المكانة الاجتماعيّة. ومن هنا يصبح الخطاب نفسه شكلًا من أشكال السلطة، لأنّه قادر على تشكيل الوعي وتوجيه المتلقّي والتحكّم في المواقف.

كما تكشف المقامة عن طبيعة المجتمع الذي تُصبح فيه المعرفة أداةً للتميّز الاجتماعي، وفي الوقت نفسه باتت وسيلةً لإعادة إنتاج الهيمنة الرمزيّة. ويُظهر النصّ كذلك أنّ السلطة لا تقومً دائمًا على القوّة الماديّة فحسب، بلْ قد تتجلّى تلك السلطة من خلال القدرة على استغلال باللغة وتوظيفها في الأهداف الخاصّة، وصناعة التأثير النفسي والاجتماعي.

ثالثًا: النقد الاجتماعي والثقافي. تحمل المقامة الديناريّة نزعة نقديّةً واضحةً تتخفّى خلف الطرافة والسخرية والحيلة، إذْ تُعيد تمثيل الواقع بطريقة تكشف تناقضاته واختلالاته. فالنصّ ينتقد بصورة ضمنيّة النفاق الاجتماعي، والتفاوت الطبقي، وهيمنة المظاهر، وتحويل المعرفة اللغويّة تحديدًا إلى وسيلة للمنفعة الشخصيّة. ولا تقف المقامة الديناريّة عند حدود الطرافة والحيلة الفنيّة، بل تنطوي على بُعدٍ نقديّ واجتماعيّ عميق يكشف طبيعة العلاقات الإنسانيّة في مجتمع تحكمه المصالح والمنافع. فالحريري يوظّف الموقف السردي الساخر ليعرّي نزعة الطمع الكامنة في النفس البشريّة، ويُبرز كيف يمكن للمال أنْ يتحوّل إلى قوّة موجِّهة للسلوك، تُضعف القيم الأخلاقيّة وتدفع الأفراد إلى الارتياب والمنافسة والخداع.

ومن خلال حركة الشخصيّات داخل المقامة تتجلّى هشاشة الثقة الاجتماعيّة؛ إذْ تصبح العلاقات قائمة على الشكّ والحذر أكثر من قيامها على الصدق والاطمئنان. فالدينار لا يثير الرغبة فحسب، بلْ يكشف أيضًا طبيعة المجتمع بوصفه فضاءً تتصارع فيه المصالح، حيث يسعى كلّ فرد إلى تحقيق منفعة ذاتيّة ولو على حساب الآخرين. وهنا تتجاوز المقامة بعدها الحكائي لتغدو مرآةً نقديّةً لبنية اجتماعيّة تتداخل فيها القيم الأخلاقيّة بالمصالح المادّيّة.

ومع ذلك، لا يبدو الحريري في موقف إدانةٍ مباشرة للمال ذاته، بلْ إنّه يكشف أثره العميق في النفوس، وكيف يمكن للقيمة المادّيّة أنْ تعيد تشكيل السلوك الإنساني وموازين العلاقات الاجتماعيّة. ولهذا فإنّ المقامة، على الرغم من نهايتها الفكاهيّة وما تثيره من ابتسام، تترك خلفها سؤالًا أخلاقيًّا معلّقًا حول حقيقة الإنسان: أتحكمه القيم والمبادئ، أم تغلبه غواية المنفعة وبريق المادّة؟

ولا يأتي هذا النقد في صورة مباشرة أو وعظيّة، بلْ يتجلّى عبر المفارقة والسخرية والتلاعب بالأحداث، وهو ما يمنح الخطاب المقامي طابعًا رمزيًّا يجعله أكثر قدرةً على التأثير والاستمرار. كما تكشف المقامة عن وعي ثقافي عميق بطبيعة المجتمع الإنساني، لأنّها تُبرز الصراع بين القيم والمصالح، وبين الحقيقة والمظهر، وبين المثال الأخلاقي والواقع العملي.

المبحث الثالث: البعد الرمزي والدلالي

أوّلًا: الرمز في المقامة. تعتمد المقامة الديناريّة على الرمز بوصفه وسيلةً لتكثيف الدلالة وتجاوز المباشر والواقعي. فالشخصيّات والأحداث لا تُقدَّم دائمًا بوصفها وقائع فرديّة، بلْ تتحوّل إلى علامات تعبّر عن أوضاع اجتماعيّة وثقافيّة أوسع. فالبطل المقامي مثلًا يمكن أنْ يُقرأ بوصفه رمزًا للإنسان المهمّش الذي يحاول مقاومة الواقع عبر الذكاء واللغة، كما قد ترمز الحيلة إلى طبيعة الحياة الاجتماعيّة القائمة على الصراع والمنافسة وعدم الاستقرار. كذلك فإنّ الدينار يرد في المقامة بوصفه رمزًا، على نحو ما سبق بيانه، ومن هنا يمنح الرمز النصّ أبعادًا تأويليّة متعدّدة، لأنّ المعنى لا يتوقّف عند ظاهر الحكاية، بل يمتدّ إلى ما تختزنه من رؤى ثقافيّة وفكريّة.

ثانيًا: السخرية بوصفها أداة نقد. تُعدّ السخرية من أبرز الأدوات الفنّيّة التي تعتمدها المقامة في نقد الواقع، إذْ تسمح للنصّ بالكشف عن التناقضات الاجتماعيّة والثقافيّة بطريقة غير مباشرة. فالسخرية تُضعف هيبة الواقع القائم، وتُظهر هشاشته من خلال المفارقة والتلاعب اللغوي والمواقف الطريفة. كما تمنح السخرية الخطاب المقامي قدرةً على الجمع بين الإمتاع والنقد، لأنّ المتلقّي ينجذب إلى الطرافة الظاهرة، قبل أنْ يكتشف المعنى النقدي الكامن خلفها. ومن هنا تصبح السخرية وسيلةً فنيّةً لإعادة تأويل الواقع وكشف أبعاده الخفيّة.

ثالثًا: الحكاية وتمثيل الواقع الثقافي. تبرز الحكاية في المقامة الديناريّة حين يلتقي الراوي بأبي زيد في موقف تدور أحداثه حول “الدينار” (المال)، ومن هنا جاء اسمها. يتولّد الحدث من موقف بسيط يتحوّل إلى حيلة لغويّة وذهنيّة يكشف فيها أبو زيد عن دهائه. هذا الإطار لا يؤدّي وظيفة شكليّة فحسب، بلْ يولّد مسافةً فنيّةً بين الواقع والحيلة، بين المرويّ والتمثيل. فالراوي يبدو شاهدًا بريئًا، بينما أبو زيد هو العقل المدبّر الذي يحوّل الموقف العادي إلى مسرح للدهاء البلاغي.

في المقامة الديناريّة، ينشأ الحدث من عنصر بسيط ظاهريًا: الدينار. غير أنّ هذا الرمز المادي سرعان ما يتحوّل إلى محور صراع دلالي، فتغدو العملة أداة اختبار للذكاء، ووسيلةً لفضح هشاشة العلاقات الإنسانيّة القائمة على الطمع والمصلحة.

كما يلاحظ أنّ الحدث في المقامة ليس حدثًا دراميًّا معقدًا، بلْ هو موقف اجتماعي يُبنى على:

  • حاجة أو أزَمة ماليّة/. تدخل أبي زيد بخطاب بليغ/. انخداع السامعين أو إعجابهم/. واخيرًا نهاية تكشف الحيلة.

إذن نحن أمام سرد يقوم على المفارقة والتحايل البلاغي أكثر من قيامه على الصراع التقليدي.

وينظر إلى الحدث في المقامة الديناريّة: على أنّه يمثّل الانتقال من بساطة الظاهر إلى عمق المفارقة. ففي المقامة الديناريّة من مقامات الحريري لا يقوم الحدث على صراع دموي، ولا على عقدة دراميّة متشابكة، بلْ يتأسّس على موقف اجتماعي عابر يتحوّل — بفعل البلاغة — إلى مسرح للدهاء الإنساني. فالحدث هنا ليس فعلًا خارجيًّا بقدر ما هو حركة ذهنيّة ولسانيّة.

كذلك لا تُقدّم الحكاية في المقامة الديناريّة بوصفها نقلًا مباشرًا للواقع، بلْ بوصفها إعادة تشكيل رمزي وثقافي له. فالسرد يُعيد بناء العالم الاجتماعي عبر اللغة والتخييل، ويحوّل التجربة اليوميّة إلى خطاب يحمل أبعادًا فكريّةً وجماليّةً متشابكةً.

ومن هنا تصبح المقامة وثيقةً ثقافيّةً تعبّر عن طبيعة العصر الذي نشأت فيه، وعن التحوّلات الاجتماعيّة والفكريّة التي عرفها المجتمع العبّاسي. كما تكشف الحكاية عن رؤية الإنسان لعلاقته بالعالم والسلطة والمعرفة، ممّا يجعل النصّ المقامي فضاءً تتداخل فيه الوظيفة الحكائيّة مع الوظيفة الثقافيّة. وبذلك تتجلّى المقامة الديناريّة بوصفها خطابًا سرديًّا وثقافيًّا في آنٍ واحد، يجمع بين المتعة الفنّيّة والوعي النقدي، ويحوّل اللغة والحكاية إلى أداة لفهم الواقع وتمثيل تناقضاته.

الخاتمة

سعت هذه الدراسة إلى رصد تجلّيات السرد في المقامة الديناريّة وتحليلها، وذلك من خلال الكشف عن العلاقة الجدليّة بين الحكاية والبلاغة، واستجلاء تمثّلات الوعي الثقافي والاجتماعي الكامنة في الخطاب المقامي. وقد بيّنت الدراسة أنّ المقامة لا تُختزل في كونها نصًّا قائمًا على الزخرفة اللفظيّة أو الاستعراض البلاغي، بلْ تمثّل بناءً سرديًّا متكاملًا تتفاعل فيه اللغة مع الحدث، وتتداخل فيه الوظيفة الجماليّة مع الوظيفة الفكريّة والثقافيّة. كما أظهرت الدراسة أنّ البنية السرديّة في المقامة الديناريّة تقوم على عناصر فنيّة متشابكة، من أبرزها حضور الراوي بوصفه موجّهًا للحكاية، واعتماد النصّ على الحيلة والمفارقة والتحوّل في بناء الحبكة، إلى جانب توظيف الزمن والحركة والتنقّل في خلق التشويق وإبراز التحوّلات الدلاليّة للشخصيّات والأحداث.

وفي الجانب البلاغي، كشفت الدراسة أنّ السجع والجناس والصور البيانيّة لم تكن مجرّد عناصر زخرفيّة، بلْ أدّت دورًا أساسيًّا في تشكيل المعنى وتوجيه المتلقّي وتعميق البعد الرمزي للنصّ. كما تبيّن أنّ البلاغة في المقامة تتحوّل إلى أداة سرديّة تُسهم في بناء الحدث وتكثيف المفارقة وإنتاج التأثير الجمالي. وكان من الضروري تأكيد حقيقة أنّ المقامة الديناريّة لا تُختزل في حكاية دينارٍ ضائع أو مستعاد، بلْ تتجاوز ذلك لتغدو بناءً جماليًّا مركّبًا تتجلّى فيه براعة الحريري الفنّيّة وقدرته على تحويل الحدث العابر إلى تجربةٍ أدبيّة ثريّة بالدلالات. فهي، في جوهرها، احتفاءٌ بقيمة البيان، وإظهارٌ لسلطة اللغة القادرة على الإقناع والمراوغة والتأثير، حتى لتبدو البلاغة فيها قوّةً تضاهي قوّة المال ذاته.

وتتحوّل المقامة كذلك إلى مسرحٍ لذكاءٍ لغويّ خارق، حيث تتشابك المحسّنات البديعيّة مع الحيل السرديّة في نسيجٍ فنيّ متقن، يجعل المتلقّي مأخوذًا بجمال العبارة بقدر انجذابه إلى حركة الحدث. ومن خلال هذا البناء البلاغي لا يكتفي الحريري بإبهار القارئ، بلْ يكشف أيضًا عن مجتمعٍ تتحكّم فيه المادة، وتغدو فيه القيمة الإنسانيّة رهينة المنفعة والمكسب. ومن هنا تنبع المفارقة الجماليّة العميقة في المقامة؛ إذْ إنّها تجعل من الدينار محورًا للأحداث، لكنّها في النهاية تمنح الغلبة للعقل والبيان لا للمادّة والذهب. فالكلمة عند الحريري ليست أداة تعبير فحسب، بلْ سلطة رمزيّة قادرة على توجيه الواقع وإعادة تشكيله، وبذلك ينجح في تحويل واقعة يوميّة بسيطة إلى لوحةٍ بلاغيّة نابضة بالحياة، يتعانق فيها السرد والفكر والجمال في بناءٍ أدبيّ بالغ الإتقان.

أبرز النتائج

  1. أثبتت الدراسة أنّ المقامة الديناريّة تمتلك بنيةً سرديّةً متماسكةً تقوم على الحبكة والمفارقة والحركة الحكائيّة، ولا تقتصر على الجانب البلاغي وحده.
  2. كشفت الدراسة عن التفاعل العميق بين السرد والبلاغة، بحيث أصبحت اللغة عنصرًا بنائيًّا يشارك في تشكيل الحدث وإنتاج الدلالة.
  3. بيّنت الدراسة أنّ الحيلة والخداع في المقامة لا يمثّلان مجرّد وسائل فنيّة، بل يعكسان طبيعة الواقع الاجتماعي والثقافي في العصر العبّاسي.
  4. أظهرت الدراسة أنّ المقامة تعبّر عن وعي ثقافي نقدي يتناول قضايا الفقر والتفاوت الاجتماعي وهيمنة المظاهر والسلطة الرمزيّة للمعرفة.
  5. كشفت الدراسة أنّ السخرية والمفارقة تؤدّيان وظيفةً نقديّةً عميقةً تتجاوز الإمتاع إلى مساءلة الواقع وكشف تناقضاته.
  6. بيّنت الدراسة أنّ المقامة تمثّل وثيقة أدبيّة وثقافيّة تعبّر عن طبيعة المجتمع الحضري وتحولاته الفكريّة والاجتماعيّة.

أهمّ الاستنتاجات

يمكن الاستنتاج أنّ المقامة الديناريّة تُعدّ نصًّا أدبيًّا مركّبًا يجمع بين الفنّ السردي والبناء البلاغي والرؤية الثقافيّة، بحيث تتكامل هذه العناصر في إنتاج خطاب أدبي متعدّد المستويات. كما يتّضح أنّ البلاغة في المقامة ليست منفصلةً عن الحكاية، بلْ تمثّل جزءًا من بنيتها الداخليّة، الأمر الذي يجعل النصّ قائمًا على التفاعل المستمرّ بين الشكل والمضمون.

كما تقود الدراسة إلى استنتاج أنّ المقامة استطاعت أنْ توظّف الحكاية واللغة بوصفهما وسيلتين لنقد الواقع الاجتماعي والثقافي بصورة غير مباشرة، من خلال السخرية والمفارقة والرمز، وهو ما منحها قدرةً على الاستمرار والتجدّد داخل التراث الأدبي العربي.

وتكشف الدراسة كذلك أنّ الشخصيّة المقاميّة ليست شخصيّةً فرديّةً معزولةً، بلْ تمثّل نموذجًا رمزيًّا للإنسان الذي يحاول التكيّف مع تحوّلات الواقع عبر الذكاء اللغوي والقدرة على المراوغة، وهو ما يجعل المقامة نصًّا يعكس إشكاليّات المجتمع الحضري في العصر العبّاسي.

آفاق البحث

يفتح هذا البحث المجال أمام دراسات أخرى يمكن أنْ تتناول المقامات العربيّة من زوايا نقديّة متعدّدة، مثل المقاربة السيميائيّة أو التداوليّة أو الثقافيّة المقارنة. كما يمكن توسيع الدراسة لتشمل مقارنة بين المقامة الديناريّة ومقامات أخرى للكشف عن تطوّر البنية السرديّة والبلاغيّة في هذا الفنّ. ومن الممكن أيضًا دراسة أثر المقامات في تطوّر السرد العربي القديم، وعلاقتها بالأشكال الحكائيّة الحديثة، فضلًا عن البحث في حضور البعد الاجتماعي والسياسي في الخطاب المقامي بوصفه تعبيرًا عن تحوّلات الوعي الثقافي في الحضارة العربيّة الإسلاميّة.

قائمة المصادر والمراجع

  1. أبلاغ، محمد عبد الجليل. (2002). شعرية النص النثري: مقاربة نقدية تحليلية لمقامات الحريري. الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع المدارس.

Ablagh, Muhammad Abd al-Jalil. (2002). The Poetics of the Prose Text: A Critical and Analytical Approach to Al-Hariri’s Maqamat. Casablanca: Schools Publishing and Distribution Company.

  1. ابن خلكان، أحمد بن محمد بن إبراهيم. (1971). وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. تحقيق: إحسان عباس. بيروت: دار صادر.

Ibn Khallikan, Ahmad ibn Muhammad ibn Ibrahim. (1971). Deaths of Eminent Men and Accounts of the Sons of the Age. Edited by Ihsan Abbas. Beirut: Dar Sader.

  1. الحريري، القاسم بن علي. (2016). مقامات الحريري. علق عليه وضبطه ووضع هوامشه: عزت زينهم. القاهرة: دار الغد الجديد، ط1، المقامة الدينارية، ص25.

Al-Hariri, Al-Qasim ibn Ali. (2016). Al-Hariri’s Maqamat. Annotated, edited, and footnoted by Izzat Zainhum. Cairo: Dar Al-Ghad Al-Jadeed, 1st ed., Al-Maqamah Al-Dinariyyah, p. 25.

  1. ضيف، شوقي. (1973). المقامة. القاهرة: دار المعارف، ط3.

Daif, Shawqi. (1973). Al-Maqamah. Cairo: Dar Al-Ma‘aref, 3rd ed.

  1. القلقشندي، أحمد بن علي. (1987). صبح الأعشى في صناعة الإنشاء. شرح وتعليق ومقابلة: محمد حسين شمس الدين. بيروت: دار الكتب العلمية، ط1.

Al-Qalqashandi, Ahmad ibn Ali. (1987). Subh al-A‘sha fi Sina‘at al-Insha’. Explained, annotated, and collated by Muhammad Hussein Shams al-Din. Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah, 1st ed.

  1. كليطو، عبد الفتاح. (1997). الغائب: دراسة في مقامة للحريري. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، ط2.

Kilito, Abdelfattah. (1997). The Absent One: A Study of One of Al-Hariri’s Maqamat. Casablanca: Toubkal Publishing House, 2nd ed.

  1. كليطو، عبد الفتاح. (2001). المقامات: السرد والأنساق الثقافية. ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، ط2.

Kilito, Abdelfattah. (2001). The Maqamat: Narration and Cultural Systems. Translated by Abdelkabir Cherkaoui. Casablanca: Toubkal Publishing House, 2nd ed.

  1. هلال، محمد غنيمي. (1998). الأدب المقارن. القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ط3.

Hilal, Muhammad Ghunaymi. (1998). Comparative Literature. Cairo: Nahdet Misr for Printing, Publishing, and Distribution, 3rd ed.