الطبيعة القانونية للقرار الإداري والرقابة القضائية عليه

مقداد عادل توفيق مام سيني1

1 الجامعة الإسلامية في لبنان.

اشراف: الأستاذ الدكتور عباس نصرالله/ تدريسي في الجامعة الاسلامية في بيروت

The Legal Nature of the Administrative Decision and Judicial Review Thereof

Miqdad Adel Tawfiq Mam Sini¹

¹ Islamic University of Lebanon. Supervised by: Prof. Dr. Abbas Nasrallah, faculty member at the Islamic University of Beirut.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj74/46

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/74/46

المجلد (7) العدد (4). الصفحات: 781 - 794

تاريخ الاستقبال: 2026-03-12 | تاريخ القبول: 2026-03-20 | تاريخ النشر: 2026-04-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: يتناول هذا البحث الطبيعة القانونية للقرار الإداري والرقابة القضائية عليه، بوصفه الأداة الرئيسة التي تعبّر من خلالها الإدارة عن إرادتها الملزمة وتُحدث بها آثاراً قانونية مباشرة في مراكز الأفراد والمؤسسات. وتنطلق الدراسة من أهمية القرار الإداري في القانون الإداري المعاصر، خاصة في ظل اتساع وظائف الدولة وتزايد تدخل الإدارة في المجالات التنظيمية والاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي جعل الرقابة القضائية ضمانة أساسية لحماية مبدأ المشروعية ومنع التعسف في استعمال السلطة. ويهدف البحث إلى بيان مفهوم القرار الإداري وخصائصه وأنواعه، والتمييز بين القرارات الفردية والتنظيمية، والمنشئة والكاشفة، والبسيطة والمركبة، مع تحليل أثر هذه التقسيمات في نطاق الرقابة القضائية وقابلية القرار للطعن. اعتمد البحث على المنهج التحليلي من خلال دراسة الآراء الفقهية والنصوص القانونية ذات الصلة، إلى جانب المنهج المقارن عند تناول بعض التطبيقات في القانونين العراقي واللبناني، مع الاستعانة بالمنهج التطبيقي في تحليل نماذج من الأحكام القضائية. وقد خلص البحث إلى أن تحديد الطبيعة القانونية للقرار الإداري لا يمثل مسألة نظرية فحسب، بل يترتب عليه أثر مباشر في تحديد مدى خضوع القرار للرقابة القضائية، كما أظهر أن القضاء الإداري اتجه تدريجياً إلى توسيع نطاق رقابته ليشمل بعض جوانب الملاءمة، لا سيما في حالات عدم التناسب أو الانحراف أو التعسف، مع بقائه مقيداً بعدم الحلول محل الإدارة في ممارسة سلطتها التقديرية. ويوصي البحث بضرورة وضع معايير أكثر وضوحاً لضبط الرقابة على الملاءمة، وتعزيز دور القضاء الإداري في حماية الحقوق والحريات، بما يحقق التوازن بين استقلال الإدارة وخضوعها لمبدأ سيادة القانون.

الكلمات المفتاحية: القرار الإداري، الرقابة القضائية، مبدأ المشروعية، السلطة التقديرية، القضاء الإداري.

Abstract: This research examines the legal nature of the administrative decision and judicial review thereof, considering it the principal instrument through which the administration expresses its binding will and produces direct legal effects on the legal positions of individuals and institutions. The study proceeds from the importance of the administrative decision in contemporary administrative law, particularly in light of the expanding functions of the state and the increasing intervention of the administration in regulatory, social, and economic fields. This has made judicial review an essential guarantee for protecting the principle of legality and preventing abuse of power. The research aims to clarify the concept, characteristics, and types of administrative decisions, and to distinguish between individual and regulatory decisions, constitutive and declaratory decisions, and simple and complex decisions, while analyzing the impact of these classifications on the scope of judicial review and the appealability of administrative decisions. The study adopts the analytical method by examining relevant jurisprudential opinions and legal texts, as well as the comparative method when addressing selected applications in Iraqi and Lebanese law. It also employs the applied method through the analysis of examples of judicial rulings. The research concludes that determining the legal nature of the administrative decision is not merely a theoretical matter; rather, it has a direct impact on defining the extent to which the decision is subject to judicial review. It also shows that administrative courts have gradually tended to expand the scope of their review to include certain aspects of appropriateness, particularly in cases involving disproportionality, deviation, or abuse of power, while remaining bound by the principle that the judiciary must not substitute itself for the administration in exercising its discretionary authority. The research recommends establishing clearer criteria for regulating judicial review of appropriateness and strengthening the role of administrative courts in protecting rights and freedoms, in a manner that achieves a balance between administrative independence and submission to the rule of law.

Keywords: Administrative Decision, Judicial Review, Principle of Legality, Discretionary Authority, Administrative Judiciary.

المقدمة

في ظل الدولة القانونية الحديثة أصبحت الرقابة القضائية على الإدارة واحدة من أهم أدوات التوازن بين السلطة والحق بين الأداء الإداري الفاعل وضمانات الأفراد، وإذا كان مبدأ المشروعية قد فرض رقابة صارمة على تصرفات الإدارة من حيث احترام النصوص القانونية، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه القضاء الإداري المعاصر لم يعد مقتصراً على مراقبة مدى مطابقة القرار الإداري للقانون، بل امتد إلى ما هو أعمق من ذلك رقابة تقدير الإدارة لملاءمة القرار من حيث ظروفه، ونتائجه، وتناسقه مع أهداف المصلحة العامة.

يشكل القرار الإداري أداة السلطة الأكثر وضوحاً في ممارسة الإدارة لوظائفها المختلفة إذ يعبر عن إرادة الإدارة المنفردة ويؤثر بشكل مباشر في الحقوق والمصالح القانونية للأفراد والمؤسسات ويأتي هذا القرار ضمن الإطار القانوني الذي يحدد ويقيد نشاط الإدارة، بحيث لاتتحرك الإدارة بحرية مطلقة، بل وفق قواعد ومبادئ تضمن مشروعية القرار وفاعليته في الوقت نفسه، ومن أبرز هذه المبادئ المشروعية التي تعد العمود الفقري للرقابة القانونية على الإدارة، إذ تمثل الضمانة الأساسية لمنع الانحراف عن القانون أو التعسف في ممارسة السلطة، كما تعد مؤشراً على التزام الإدارة بالحدود التي رسمها المشرع لعملية اتخاذ القرار إضافة إلى ذلك لايقتصر تقييم القرار الإداري على مدى خضوعه للمشروعية الشكلية والموضوعية بل يمتد إلى مدى ملاءمته للأهداف التي أُنشئ من أجلها، فالملاءمة تمثل معياراً يوازن بين حرية الإدارة في اختيار الوسائل وتحقيق الغايات العامة وبين ضرورة حماية الحقوق والمصالح الفردية من التدخل الإداري التعسفي أو المفرط، ومن ثم فإن دراسة القرار الإداري تتطلب منظوراً مزدوجاً يجمع بين التأصيل القانوني للقرار من جهة واستحضار المعايير التقديرية والوظيفية التي تحدد مدى ملاءمته من جهة أخرى.

أولاً_ أهمية البحث

تتجلى أهمية هذا الموضوع في كونه يتناول أحد المرتكزات الأساسية في القانون الإداري، والمتمثل في القرار الإداري بوصفه الأداة الرئيسة التي تعبّر بها الإدارة عن إرادتها، كما تبرز أهميته في بيان الضمانات القضائية المقررة لحماية حقوق الأفراد وحرياتهم من تعسف الإدارة، من خلال الرقابة على مشروعية هذه القرارات، بما يحقق التوازن بين فاعلية الإدارة ومبدأ سيادة القانون.

ثانياً_ أهداف البحث

يهدف البحث إلى توضيح مفهوم القرار الإداري وطبيعته القانونية، وبيان خصائصه وتمييزه عن غيره من الأعمال القانونية، فضلًا عن تحليل نطاق الرقابة القضائية عليه وحدودها، مع إبراز دور القضاء الإداري في تكريس مبدأ المشروعية وحماية الحقوق والحريات.

ثالثاً_ إشكالية البحث

تتمحور الإشكالية حول تحديد الطبيعة القانونية للقرار الإداري ومدى تأثيرها في نطاق وشدة الرقابة القضائية عليه، لاسيما في ظل التداخل بين السلطة التقديرية للإدارة ومتطلبات المشروعية، وما يثيره ذلك من تساؤل رئيسي:

إلى أي مدى ينجح القضاء الإداري في بسط رقابته على القرارات الإدارية دون المساس باستقلال الإدارة في ممارسة اختصاصاتها؟

رابعاً_ منهج البحث

يعتمد البحث على المنهج التحليلي من خلال دراسة النصوص القانونية والآراء الفقهية المتعلقة بالقرار الإداري إلى جانب المنهج المقارن عند الإشارة إلى بعض التطبيقات في الأنظمة القانونية المختلفة، فضلًا عن الاستعانة بالمنهج التطبيقي عبر تحليل بعض الأحكام القضائية ذات الصلة.

خامساً_ خطة البحث

المطلب الأول: تعريف القرار الإداري.

الفرع الأول: التعريف الفقهي للقرار الإداري.

الفرع الثاني التعريف القضائي للقرار الإداري.

المطلب الثاني أنواع القرارات الإدارية.

الفرع الأول: القرارات الإدارية من حيث مداها أو عموميتها.

الفرع الثاني: القرارات الإدارية من حيث آثارها وتكوينها والرقابة القضائية عليها.

المطلب الأول

تعريف القرار الإداري

أثار تحديد مفهوم القرار الإداري جدلاً فقهياً وقضائياً واسعاً، نظراً لتعدد العناصر المكونة له وتداخلها مع صور النشاط الإداري المختلفة، الأمر الذي جعل من الصعب ضبطه في تعريف تشريعي جامع مانع ولهذا اتجهت أغلب التشريعات إلى تجنب وضع تعريف صريح للقرار الإداري مكتفية بتنظيم آثاره وأحكامه وهو اتجاه يجد مبرره في الطبيعة المتحركة والمتغيرة للقانون الإداري التي تتعارض بطبيعتها مع الجمود النسبي الذي يفترضه النص التشريعي، ويزداد هذا التعقيد بالنظر إلى أن العمل الإداري ذاته يتسم بالتنوع وعدم الاستقرار، مما يجعل إخضاعه لتعريف تشريعي ثابت أمراً قد يؤدي إلى القصور أو الإخلال بمواجهة التطورات العملية، ونتيجة لذلك أُنيطت مهمة تحديد مضمون القرار الإداري وبيان عناصره وصوره بكل من الفقه والقضاء اللذين اضطلعا بدور محوري في بلورة مفهومه استنادًا إلى التطبيق العملي والواقع الإداري المتجدد ([1]). لذللك سوف نقوم بتقسيم المطلب إلى فرعين، سوف نتحدث في الفرع الأول عن تعريف التعريف الفقهي للقرار الإداري، أما الفرع الثاني سوف نتحدث عن التعريف القضائي للقرار الإداري.

الفرع الأول

التعريف الفقهي للقرار الإداري

على الرغم من تنوع التعريفات الفقهية للقرار الإداري في كلٍّ من الفقه الفرنسي والفقه العربي، فإن هذا التعدد لا يعكس تعارضاً حقيقياً في المفهوم، بقدر ما يجسد اختلاف الزوايا التي تناول منها الفقهاء هذه الأداة القانونية، فجوهر القرار الإداري يظل متسقا في مختلف التعريفات إذ يجتمع حول كونه تعبيراً عن إرادة منفردة صادرة عن جهة إدارية مختصة، بقصد إحداث آثار قانونية مباشرة في المراكز القانونية للأفراد وأسهم الفقه الفرنسي بدور رائد في بلورة مفهوم القرار الإداري حيث ركز العميد موريس هوريو على عنصر الانفراد بالإرادة والطابع التنفيذي للقرار، باعتباره وسيلة قانونية تمكن الإدارة من إحداث أثر قانوني نافذ بذاته أو قابل للتنفيذ المباشر، كما عزز ليون ديجي هذا الاتجاه من خلال إبراز الطبيعة القانونية للقرار الإداري بوصفه عملاً قانونياً يصدر عن سلطة إدارية مختصة ويترتب عليه إنشاء أو تعديل أو إنهاء أوضاع قانونية، سواء في اللحظة التي يصدر فيها القرار أو في زمن لاحق([2]).

ولم يكن الفقه العربي بعيداً عن هذا التصور، إذ تبنى ذات الأسس المفاهيمية مع اختلاف في الصياغة والمنهج، فقد عرف سليمان الطماوي القرار الإداري من خلال التركيز على صدوره عن الإدارة أثناء مباشرتها لوظيفتها العامة، وما يترتب عليه من آثار قانونية، في حين ذهب محمد فؤاد مهنا إلى تأكيد عنصر الإرادة المنفردة والأثر القانوني للقرار سواء تعلق بإنشاء مركز قانوني جديد أو بتعديله أو إنهائه ويستفاد من مجمل هذه التعريفات أن القرار الإداري، رغم تعدد صيغه الفقهية يقوم على عناصر مشتركة تكرّس وحدته المفاهيمية في الفكر القانوني المقارن، وفي الاتجاه ذاته عرف الدكتور محيي الدين القيسي القرار الإداري بوصفه تعبيراً عن إرادة الإدارة العامة، سواء في صورتها المركزية أو اللامركزية يصدر بشكل صريح أو ضمني أثناء ممارستها لاختصاصاتها التي خولها إياها القانون، ويترتب عليه إحداث آثار قانونية في المراكز القانونية المخاطبة به، ويكشف هذا التعريف عن توسّع في النظر إلى القرار الإداري من حيث صور صدوره، وعدم اقتصاره على الشكل الصريح، فضلًا عن تأكيده على ارتباط القرار بوظيفة الإدارة القانونية([3])، وانطلاقاً من أن الأساس المرجعي في تكوين مفهوم القرار الإداري يعود في جوهره إلى اجتهادات القضاء الإداري الفرنسي التي تبلورت عبر مراحل تاريخية متعاقبة، فإن التقارب بين الفقه العربي والفقه الفرنسي في هذا المجال يبدو أمراً طبيعياً، إذ لم يؤد اختلاف السياقات القانونية أو البيئات التشريعية إلى تباين جوهري في المفهوم بل انصب الاختلاف في الغالب على الصياغة والأسلوب التحليلي، مع بقاء العناصر الأساسية للقرار الإداري مشتركة بين المدرستين الفقهيتين([4]).

ولم يقف الاهتمام الفقهي بمفهوم القرار الإداري عند حدود الفقهين الفرنسي والعربي، بل امتد ليشمل: 1_ الفقه اللبناني الذي أسهم بدوره في إثراء هذا المفهوم من خلال مقاربة تحليلية مرنة، ففي هذا الإطار يذهب الدكتور أمين صليبا إلى أن تعريف القرار الإداري لا ينبغي أن ينحصر في إطار جامد، وإنما يتعين أن يبرز الخصائص الجوهرية التي تميّزه عن غيره من التصرفات القانونية للإدارة، وانطلاقاً من ذلك، يؤكد أن القرار الإداري قد يتخذ صورًا متعددة من حيث نطاقه وأسلوب صدوره([5])، إذ قد يكون ذا طابع فردي يخاطب شخصاً أو أشخاصاً معينين، أو ذا طابع عام ينصرف أثره إلى فئة غير محددة، كما قد يصدر القرار في شكل مكتوب وصريح، وقد يُستخلص ضمنًا من سلوك الإدارة أو امتناعها، بل وقد يتخذ في بعض الحالات صورة شفوية، متى كان ذلك كافياً للتعبير عن إرادة الإدارة وإحداث الأثر القانوني المقصود، ويعكس هذا التصور إدراكاً لطبيعة العمل الإداري المتغيرة، وحرصاً على عدم تقييد مفهوم القرار الإداري بقيود شكلية قد تفرغه من مضمونه العملي”([6])، كذلك أورد الدكتور يوسف سعد الله الخوري أن “القرار الإداري النافذ يعتبر المثال الفريد للعمل الإداري الذي تتجسد فيه خصائص النشاط الإداري لاسيما لجهة طبيعة إلزام الغير به بمجرد صدوره عن السلطة الإدارية المختصة، وطبيعة الإلزام هذه تميز النشاط الإداري عن نشاط الأفراد في الحقل الخاص حيث لا يمكن لأحد أن يفرض إرادته على الآخرين بمشيئته المنفردة وحيث لا يمكن بالتالي إلزام إرادة الغير بموجب معين إلا من خلال الاتفاق الرضائي أو التعاقد”([7]).

ويضيف الدكتور جورج سعد بعداً تحليلياً مهماً عند تناوله لمفهوم العمل الإداري الأحادي، إذ يميّز بين الأعمال الإدارية المنفردة التي ترتب آثارا قانونية فعلية، وتلك التي تفتقر إلى هذا الأثر، فالعمل الإداري الأحادي، في صورته النموذجية، يصدر عن سلطة إدارية مختصة ويكون من شأنه إحداث مفاعيل قانونية ملزمة وهي الحالة التي تتجسد في القرارات الإدارية النافذة، غير أن الإدارة قد تصدر في المقابل أعمالاً انفرادية لاترقى إلى مرتبة القرار الإداري الكامل، لعدم ترتب آثار قانونية مباشرة عليها، وهو ما يطلق عليه بالقرارات غير النافذة([8]).

وفي هذا الإطار تعد التعاميم الوزارية مثالاً بارزاً على هذه الفئة من الأعمال، إذ غالباً ما تقتصر وظيفتها على توجيه أو تفسير القواعد القائمة دون أن تنشئ أو تعدل مراكز قانونية جديدة، ولهذا ذهب جانب من الفقه إلى عدم اعتبارها قرارات إدارية بالمعنى الدقيق، واعتبارها مجرد أعمال إدارية داخلية، يظل أثرها محصوراً في نطاق التنظيم الإداري ولاتمتد إلى إلزام الأفراد أو المساس بحقوقهم بصورة مباشرة”([9]).

2_ أما على صعيد الفقه العراقي، فقد تباينت اتجاهاته في تناول مفهوم القرار الإداري إذ اكتفى بعض الفقهاء بإبراز العناصر المكوِّنة له دون صياغة تعريف مستقل في حين اتجه آخرون إلى تبني تعريفات تقترب في مضمونها من الطروحات الفقهية المقارنة، ولا سيما الفرنسية والعربية، وفي هذا الإطار قدم كل من الدكتور علي محمد بدير والدكتور عصام عبد الوهاب البرزنجي والدكتور مهدي ياسين السلامي تصوراً متكاملاً للقرار الإداري انطلق من جوهره القانوني بوصفه عملاً قانونياً يصدر بإرادة منفردة وملزمة عن إحدى الجهات الإدارية في الدولة، بقصد إحداث تغيير في الأوضاع القانونية القائمة، ويتحقق هذا التغيير إما بإنشاء مركز قانوني جديد أو بتعديل مركز قانوني قائم أو بإنهائه الأمر الذي يعكس الطبيعة الإنشائية للقرار الإداري ودوره المحوري في تنظيم العلاقات القانونية بين الإدارة والأفراد”([10])، وفي الاتجاه ذاته يذهب الدكتور ماهر صالح علاوي الجبوري إلى تبني تعريف أكثر اختصارا للقرار الإداري يقوم على إبراز طبيعته الجوهرية دون التوسع في تعداد آثاره، إذ يرى أن القرار الإداري يتمثل في كونه عملاً قانونياً يصدر عن جهة إدارية بإرادتها المنفردة معتبراً أن الإشارة الصريحة إلى إحداث تغيير في المراكز أو الأوضاع القانونية ليست عنصراً لازماً في التعريف، ويستند هذا الرأي إلى أن الأثر القانوني يعد نتيجة حتمية لصفة القرار بوصفه عملاً قانونياً، ذلك أن كل تصرف قانوني لابد أن تتجه إرادة مصدره ابتداءً إلى إحداث تغيير في المراكز القانونية، سواء تمثل ذلك بالإنشاء أو التعديل أو الإلغاء ويعكس هذا الاتجاه نزعة تبسيطية تسعى إلى تجريد مفهوم القرار الإداري من التفاصيل الوصفية والتركيز على عناصره الجوهرية التي تميّزه عن سائر الأعمال الإدارية الأخرى”([11]).

أما فيما يتعلق بالتشريعات العراقية واللبنانية فنلاحظ أنهما لم يتضمنا تعريفاً واضحاً ومباشراً للقرار الإداري، وإن كانا في مواضعهما قد تضمنا الإشارة إلى القرارات الإدارية من حيث قابليتها للطعن([12])، أو اختصاص القضاء بالفصل في صحتها وتحديد المراجع المختص بمنازعاتها([13])، وهذا التحديد للقرار الإداري ليس بالكافي، ولكنه لا يعاب على التشريعات العراقية واللبنانية فوضع التعاريف هو من مهمة الفقه واجتهاد القضاء، والهدف من ذلك عدم تقييد التعريف، خاصة أنه في مجال القانون الإداري يحتاج العمل القضائي إلى مرونة عالية تمكنه من مواكبة التطورات المتسارعة في الأعمال.

الفرع الثاني

التعريف القضائي للقرار الإداري

لقد تعددت التعاريف التي أوردها الفقه في مجال تحديد القرار الإداري، فيما نجد أن التشريعات اللبنانية والعراقية تتفق في عدم تعريفها للقرار الإداري، ونتناول تعريفه من خلال القضاء كما يلي:

أ_ القرار الإداري في القضاء العراقي:

على الصعيد التشريعي لم يشترط المشرع العراقي في قانون مجلس الدولة رقم (65) لسنة 1979 المعدل توافر صفة النهائية في القرار الإداري، تاركاً الباب مفتوحاً لتطبيق الرقابة القضائية على مختلف القرارات الإدارية، ومع ذلك أكدت محكمة القضاء الإداري والهيئة العامة لمجلس الدولة في اجتهاداتهما المتعاقبة على أن القرار الإداري الذي يكون موضوع الطعن أمام المحكمة يجب أن يتوافر فيه شرط النهائية والحسم، ومن أبرز الأمثلة على ذلك حكم لمحكمة القضاء الإداري جاء فيه أن القرار المطعون فيه لم يكن قراراً نهائياً وحاسماً، مشيرة إلى أن الاختصاص الرقابي لهذه المحكمة يمتد فقط إلى القرارات الإدارية النهائية التي تستنفد أثرها بمجرد صدورها والتي ترتب التزامات مباشرة على الأطراف المخاطبين بها ويعكس هذا التفسير القضائي دور المحاكم في تحديد نطاق الرقابة على القرارات الإدارية بما يعوّض النقص التشريعي ويوضح معايير القابلية للطعن أمام القضاء الإداري([14])، بينما عرفه مجلس شورى الدولة العراقي في معرض بیان القرار الإداري القابل للطعن فيه بأنه: “كل قرار إداري نهائي، صادر عن سلطة إدارية ومنتج لأثر قانوني”([15]).

كما إن مجلس الدولة أيد قرار محكمة القضاء الإداري، إذا لم تصدر الجهة الإدارية قراراً نهائياً فإن ذلك لايجوز الطعن فيه أمام محكمة القضاء الإداري لأن القرارات الإدارية التي يطعن فيها أمامها هي فقط القرارات النهائية الحاسمة، وإنّ المحكمة الإدارية العليا في العراق ذهبت في قرار لها بخصوص القرار الإداري بقولها: “هو القرار الذي تفصح الإدارة فيه عن إرادتها الملزمة في الشكل الذي تطلبه القانون بما لها من سلطة بقصد إحداث أثر قانوني يكون ممكناً وجائزاً وكان الباعث عليه ابتغاء المصلحة العامة”([16]).

كذلك فالمحكمة الإدارية العليا أضافت إلى نص الفقرة (رابعاً) من المادة (7) ما لم ينص عليه المشرع حيث قضى النص بأنه: “تختص محكمة القضاء الإداري بالفصل في صحة الاوامر والقرارات الإدارية الفردية والتنظيمية التي تصدر عن الموظفين والهيئات في الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والقطاع العام التي لم يعين مرجع للطعن فيها بناءً على طلب من ذي مصلحة معلومة وحالة ممكنة، ومع ذلك فالمصلحة المحتملة تكفي ان كان هناك ما يدعو إلى التخوف من الحاق الضرر بذوي الشأن فلذلك كان على المحكمة أن تبين أن المشرع العراقي لم يضمن القانون نصاً بأن يكون القرار (نهائياً وحاسماً)، ولكن من الأفضل وانسجاماً مع القانون والفقه والقضاء الإداري المقارن فـإن المحكمة ترى أنه لا بد أن يتوافر في القرار الإداري المطعون فيه صفة النهائية أو الحاسمة ([17]).

ب- القرار الإداري في القضاء اللبناني:

كما اهتم القضاء الإداري اللبناني بتحديد مفهوم القرار الإداري، فقد عرف مجلس شورى الدولة القرار في عدد من قراراته على أنه كل عمل يصدر عن الإدارة مستندًا إلى سلطتها العامة، ويهدف إلى تعديل الأوضاع القانونية سواء بإنشاء مركز قانوني جديد أو التأثير على مركز قانوني قائم ويبرز هذا التعريف دور القضاء في بلورة مفهوم القرار الإداري عملياً من خلال التركيز على عنصر سلطة الإدارة العامة وارتباطها بإحداث آثار قانونية ملموسة وهو ما يعكس الطبيعة الإنشائية للقرار الإداري ويميزه عن مجرد الأعمال الإدارية الداخلية التي لاترتب حقوقاً أو التزامات مباشرة على الأفراد، كما يوضح التعريف أن الهدف الأساسي للقرار الإداري ليس مجرد التنظيم الداخلي، بل تحقيق أثر قانوني ملموس في مراكز الأطراف المخاطبة به”([18])، وجاء في قرار آخر له ما يلي: “وبما أن القرار الإداري النافذ والضار هو القرار الصادر عن السلطة المختصة باتخاذه والذي من شأنه أن يلحق ضرراً مباشراً بالمستدعي أي الذي ينتج مفاعيل قانونية أو يعدل من الوضعية القانونية القائمة وبالتالي من شأنه أن يمس الوضعية القانونية للمستدعي أو حقاً شخصياً يعود إليه”([19]).

المطلب الثاني

أنواع القرارات الإدارية

إن لتقسيم القرار الإداري أهمية كبيرة من الناحية النظرية والعملية، حيث تنقسم القرارات الإدارية إلى أنواع متعددة بحسب موضوعها وشكلها والزاوية التي ينظر منها إلى القرار الإداري، ومن حيث وضع القرار في مكانه الصحيح ضمن هذه الأنواع للقرارات الإدارية، وتتعدد المعايير التي يتم على أساسها تقسيم القرارات الإدارية، لذلك سوف نقوم بتقسيم المطلب إلى فرعين، سوف نتحدث في الفرع الأول عن القرارات الإدارية من حيث مداها أو عموميتها، اما في الفرع الثاني سوف نتحدث عن القرارات الإدارية من حيث آثارها وتكوينها والرقابة القضائية عليها.

الفرع الأول

القرارات الإدارية من حيث مداها أو عموميتها

تتركز أهمية القرار الإداري في كونه وسيلة تنظيم حياة الأفراد، إذ تقوم السلطات العامة باتخاذه لضبط العلاقات بين الإدارة والمخاطبين بها وتنظيم المرافق العامة ويمكن تصنيف القرارات الإدارية إلى نوعين رئيسيين: قرارات تنظيمية وقرارات فردية، ويعد هذا التصنيف من أبرز التصنيفات التي يعتمدها الفقه والقضاء نظراً لما له من أثر مباشر على النظام القانوني وعلى نطاق تطبيق القواعد الإدارية. ويتضح ذلك من خلال طبيعة كل نوع وخصائصه وهو ما يجعل فهم هذا التقسيم ضرورة أساسية لدراسة آليات الرقابة على القرارات الإدارية وتقييم آثارها القانونية([20])، وبناءً على ذلك سيتم تناول كلا النوعين على النحو التالي:

أ_ القرارات الفردية: تمثل القرارات الفردية أحد أنواع القرارات الإدارية التي تتسم بتحديد موضوعها بأشخاص أو حالات معينة فهي تصدر لتخص فرداً محدداً أو مجموعة من الأشخاص بذواتهم، أو لتطبيق قاعدة على حالة أو حالات محددة، بما يقتصر أثرها على تلك الحالات دون سواها وتستنفد القرارات الفردية موضوعها بمجرد تنفيذها إذ يتحقق الهدف القانوني والإداري منها عند صدورها وتطبيقها ولا يتكرر أثرها إلا في حدود الحالات نفسها.

ب_ القرارات التنظيمية: تمثل القرارات التنظيمية نوعا آخر من القرارات الإدارية التي تتركز على إصدار قواعد عامة مجردة تطبق على جميع الأفراد أو الحالات التي تنطبق عليهم الشروط المحددة في هذه القواعد بحيث لاتستهدف شخصاً معيناً بذاته بل تطبق على كل من تتوافر فيه المواصفات القانونية المنصوص عليها ويمكن النظر إلى هذه القرارات باعتبارها تشريعاً إدارياً موازياً للتشريع العادي إلا أنها تصدر عن السلطة التنفيذية وليس السلطة التشريعية، ويكون أثرها ملزماً لكل من يستوفي الشروط التي تحددها القاعدة مسبقاً، وتتميز القرارات التنظيمية بالعمومية والثبات فلا يستنفد أثرها بمجرد تطبيقها على حالة محددة، بل تبقى نافذة لتطبيقها على جميع الحالات المستقبلية المشمولة بالشروط نفسها، ويعكس هذا الطابع العام والدوامي للقرارات التنظيمية أهميتها في تنظيم سلوك الأفراد وضمان انتظام سير المرافق العامة بما يحقق المصلحة العامة ويضمن استمرارية النظام القانوني الإداري ([21]).

إن هذا التقسيم يرتبط بمحل القرار الإداري وهو الأثر القانوني الذي يترتب عليه حالاً ومباشرة، وبهذا يتميز القرار الإداري كعمل قانوني عن العمل المادي الذي يصدر من الإدارة، فهذا الأخير يكون محله دائماً نتيجة واقعية، أما الأثر القانوني غير المباشر التي يترتب عليه فمرجعها المشرع([22])، ويرتبط كذلك ببعض الإجراءات المطلوبة في كل منهما، والتي يجب أن تتماشى مع الأنظمة واللوائح الخاصة بالإجراءات الإدارية، ويساعد على ضمان سلامة القرار الإداري وشرعيته([23])، كما أن أوجه الاختلاف بين القرارات التنظيمية والقرارات الفردية، تتمثل بأن القرار التنظيمي يسري من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية بينما يبدأ سريان القرار الفردي من تاريخ تبليغه أو اعتباره مبلغاً بالقرار، كما تسري القرارات الفردية على فرد معين أو أفراد أو حالات معينة بالذات، بينما تتضمن القرارات التنظيمية قواعد عامة مجردة تطبق على كل من تتوافر فيهم شروط معينة دون أن يتم تحديد هؤلاء الأشخاص مقدما بذواتهم وأسمائهم ([24]).

كذلك فالقرار التنظيمي يسمو على القرار الفردي وعليه فإن كل قرار فردي يجب أن يحترم القرار التنظيمي مهما علت سلطة إصدار القرار الفردي وتملك الإدارة في أي وقت إمكانية تعديل القرار التنظيمي أو إلغاؤه أو حتى سحبه واستبداله بغيره دون أن يكون لأي شخص أن يتمسك بالإبقاء عليه أو الاحتجاج بحقوق مكتسبة، أما القرار الفردي فمتى صدر سليماً وترتبت عليه حقوق للغير فلا يجوز المساس به إلا في حالات معينة ووفقاً للإجراءات التي حددها القانون، ويختص القضاء الإداري بتفسير القرارات الإدارية الفردية أما القضاء العادي يختص في تفسير القرارات التنظيمية، شانها في ذلك شأن القانون ([25]).

الفرع الثاني

القرارات الإدارية من حيث آثارها وتكوينها والرقابة القضائية عليها

تتحدد أهمية القرارات الإدارية من خلال آثارها القانونية وتكوينها، بما ينعكس على مدى خضوعها للرقابة القضائية، وضمان مشروعيتها واتساقها مع مبدأ سيادة القانون وذلك على النحو الاتي:

أولاً_ القرارات الإدارية من حيث آثارها

يمكن تقسيم القرارات الإدارية وفق آثارها القانونية إلى نوعين رئيسيين: القرارات المنشئة والقرارات الكاشفة.

1_القرارات المنشئة هي تلك القرارات التي يترتب عليها إنشاء مركز قانوني جديد أو تعديل مركز قائم أو إلغاء مركز قانوني قائم، ومن الأمثلة النموذجية على هذا النوع القرارات الصادرة بتعيين موظف، أو ترقيته أو فصله إذ تؤدي مباشرة إلى تغيير الوضع القانوني للأطراف المخاطبين بها، ويصبح أثرها القانوني قائماً من لحظة صدورها([26]).

2_ القرارات الكاشفة هي القرارات التي لا تنشئ مركزاً قانونياً جديداً بل تعمل على كشف مركز قانوني قائم مسبقاً أو تأكيده دون تغييره بشكل جوهري، ومن الأمثلة على هذا النوع القرار الذي ينفذ فصل موظف نتيجة صدور حكم قضائي ضده بعقوبة جنائية أو القرار المقيد للحرية في جريمة مخلة بالشرف، إذ يقتصر أثرها على تأكيد أو تطبيق الوضع القانوني السابق، دون أن يؤدي إلى إنشاء مركز قانوني جديد ([27])، ويعكس هذا التصنيف طبيعة العلاقة بين القرار الإداري والأثر القانوني المترتب عليه ويوفر إطاراً واضحاً لفهم كيفية تعامل القضاء مع مختلف القرارات الإدارية، سواء من حيث إمكانية الطعن فيها أو مدى إلزاميتها للأفراد المخاطبين بها.

ثانياً- القرارات الإدارية من حيث تكوينها

1_ القرارات البسيطة هي القرارات التي يكتسب فيها القرار الإداري وجوده وكيانه القانوني بشكل مستقل بمجرد صدوره عن الجهة المختصة، دون الحاجة إلى أي إجراءات لاحقة لتفعيله، ومن الأمثلة الواضحة على هذا النوع القرارات الصادرة بتعيين موظف أو ترقيته أو نقله، وتُعد هذه الصورة الأكثر شيوعاً في العمل الإداري لما لها من أثر قانوني مباشر وملزم للأفراد المخاطبين بها([28]).

2_ القرارات المركبة هي القرارات التي تمر بعدة مراحل إجرائية قبل أن يكتسب القرار النهائي أثره القانوني فلا يكون لها وجود قانوني مستقل إلا بعد استكمال هذه المراحل التمهيدية وتبدأ عادةً هذه القرارات بإجراءات تمهيدية أولية مثل الإعلان أو المناقصة قبل أن تصدر السلطة الإدارية القرار النهائي ومن الأمثلة على هذا النوع، قرارات إجراء المناقصة في العقود الإدارية أو قرارات نزع الملكية للمنفعة العامة إذ تتطلب كل منها سلسلة من الإجراءات التمهيدية لضمان مشروعية القرار وفاعليته، وتعكس هذه الطبيعة المركبة درجة التعقيد المرتبطة بالقرارات التي تتضمن مصالح عامة أو حقوقًا تتعدى الأفراد مباشرة([29])، ويتيح هذا التصنيف فهماً أعمق لكيفية تعامل الإدارة والقضاء مع القرارات الإدارية المختلفة، إذ يوضح متى يكون القرار قائما بذاته، ومتى يعتمد على سلسلة من الإجراءات التمهيدية ليكتسب أثره القانوني النهائي.

ثالثاً- القرارات الإدارية من حيث رقابة القضاء

يمكن تقسيم القرارات الإدارية إلى قرارات تخضع لرقابة القضاء إلغاءً وتعويضاً وقرارات لاتخضع لرقابة القضاء لا إلغاء ولا تعويضاً، والقاعدة العامة التي أخذ بها المشرع العراقي في هذا الخصوص هي أن جميع القرارات الإدارية الصادرة عن الأجهزة الإدارية المختلفة في الدولة قابلة للطعن فيها بالإلغاء أو بالتعويض أو بالأمرين معاً أمام القضاء، وهذا ما يستفاد من نص المادة (100) من دستور 2005 التي نصّت على أنه “يحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من الطعن فيه أمام القضاء”([30]).

كذلك تبحث الرقابة القضائية في السبب الذي استندت إليه الإدارة في قرارها متفقاً مع أحكام القانون، وخاصةً عندما يحدد المشرع أسباباً معينة، يجب أن تستند إليها الإدارة في إصدار بعض قرارتها، فإذا استندت الإدارة إلى أسباب غير التي حددها لها المشرع فإن قرارها يكون غير مشروع ومستحقاً للإلغاء، كما أن القضاء الإداري قد درج على أنه حتى في مجال السلطة التقديرية لا يكفي أن يكون السبب موجوداً بل يجب أن يكون صحيحاً ومبرراً لأصدرا القرار الإداري، وتظهر أهمية هذا الشرط في حالة السلطة المقيدة للإدارة وذلك عندما يحدد المشرع أسباباً معينه يجب أن تسند إليها الإدارة في إصدار بعض قراراتها، فإذا استندت في إصدار قرارها إلى أسباب غير تلك التي حددها المشرع فإن قرارها يكون مستحقا للإلغاء ويجري القضاء في هذه الحالة على رقابة الأسباب القانونية من حيث وجودها أو عدم وجودها وقصر سلطته على تطبيق حكم القانون أي على رقابة المشروعية فقط([31]).

خلاصة ما تقدم أن القرار الإداري هو إجراء يتخذه الجهة الإدارية المختصة بهدف تنظيم الشؤون العامة التي تؤثر على المواطنين أو المؤسسات، يتميز القرار الإداري بأنه يصدر عن سلطة إدارية مخولة باتخاذه، ويعتبر القرار الإداري أحد الأدوات الرئيسية التي تستخدمها السلطات الإدارية لضبط وتنظيم شؤون المجتمع، وهو جزء أساسي من عملية اتخاذ القرار في البيئة الإدارية.

الخاتمة

يتبين من خلال دراسة الطبيعة القانونية للقرار الإداري والرقابة القضائية عليه أن هذا القرار يشكل الأداة الأساسية التي تمارس من خلالها الإدارة نشاطها القانوني بما يترتب عليه من آثار مباشرة في المراكز القانونية للأفراد، وقد أظهر التحليل أن تحديد الطبيعة القانونية للقرار الإداري لا يقتصر على كونه مسألة نظرية بل يمتد ليؤثر بصورة جوهرية في نطاق الرقابة القضائية وحدودها سواء من حيث قابلية القرار للطعن أو من حيث مدى تدخل القضاء في تقدير مشروعيته وملاءمته، كما كشفت الدراسة عن تطور ملحوظ في دور القضاء الإداري الذي لم يعد يقتصر على رقابة المشروعية بالمعنى التقليدي بل اتجه نحو توسيع نطاق رقابته ليشمل بعض جوانب الملاءمة لا سيما في الحالات التي يظهر فيها عدم التناسب أو التعسف في استعمال السلطة، ومع ذلك ظل هذا التوسع محكوماً بضوابط دقيقة تحول دون تجاوز القضاء لحدود وظيفته حفاظاً على مبدأ الفصل بين السلطات وضمانًا لاستقلال الإدارة في ممارسة اختصاصاتها.

أولاً_ الاستنتاجات

  1. القرار الإداري يُعد الوسيلة القانونية الأساسية التي تُعبّر بها الإدارة عن إرادتها وتُحدث بها آثارًا قانونية مباشرة.
  2. تحديد الطبيعة القانونية للقرار الإداري يؤثر بشكل مباشر في مدى خضوعه للرقابة القضائية.
  3. القضاء الإداري يشهد تطورًا في توسيع نطاق رقابته ليشمل بعض جوانب الملاءمة.
  4. الرقابة القضائية لا تزال مقيدة بعدم الحلول محل الإدارة في ممارسة سلطتها التقديرية.

ثانياً_ المقترحات

  1. ضرورة وضع معايير تشريعية أو قضائية أكثر وضوحًا لتحديد نطاق الرقابة على الملاءمة.
  2. تعزيز دور القضاء الإداري في حماية الحقوق والحريات من خلال توسيع رقابته في حالات التعسف.
  3. تطوير التكوين القانوني للقضاة الإداريين بما يواكب تطور مفاهيم الرقابة القضائية.
  4. العمل على تحقيق توازن أدق بين استقلال الإدارة وخضوعها لرقابة القضاء بما يكرّس دولة القانون.

قائمة المصادر والمراجع

أولاً: الكتب

  1. أبو كسور، إقبال فاضل. (2014). الرقابة القضائية على عيب السبب في القرار الإداري. بغداد، العراق: جامعة بغداد.

Abu Ksur, Iqbal Fadel. (2014). Judicial Review of the Defect of Reason in the Administrative Decision. Baghdad, Iraq: University of Baghdad.

  1. صليبا، أمين. (2017). الوافي في القانون الإداري العام: مبادئ أساسية. بيروت: المؤسسة الحديثة للكتاب.

Saliba, Amin. (2017). Al-Wafi in General Administrative Law: Basic Principles. Beirut: Modern Book Foundation.

  1. سعد، جورج. (2012). القانون الإداري العام والمنازعات الإدارية. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية.

Saad, George. (2012). General Administrative Law and Administrative Disputes. Beirut: Al-Halabi Legal Publications.

  1. الشمري، رشا عبد الرزاق جاسم. (2016). صفة النهائية في القرار الإداري. ط1. القاهرة: المركز القومي للإصدارات القانونية.

Al-Shammari, Rasha Abdul-Razzaq Jasim. (2016). The Finality Requirement in Administrative Decisions. 1st ed. Cairo: National Center for Legal Publications.

  1. الطماوي، سليمان محمد، والبنا، محمد عاطف. (2017). النظرية العامة للقرارات الإدارية: دراسة مقارنة. القاهرة: دار الفكر العربي.

Al-Tamawi, Suleiman Muhammad, & Al-Banna, Muhammad Atef. (2017). The General Theory of Administrative Decisions: A Comparative Study. Cairo: Dar Al-Fikr Al-Arabi.

  1. خليفة، عبد العزيز عبد المنعم. (2008). القرار الإداري. ط1. القاهرة: المركز القومي للإصدارات القانونية.

Khalifa, Abdel Aziz Abdel Moneim. (2008). The Administrative Decision. 1st ed. Cairo: National Center for Legal Publications.

  1. عبد الله، عبد الغني بسيوني. (2005). القانون الإداري. الإسكندرية: منشأة المعارف.

Abdullah, Abdel Ghani Bassiouni. (2005). Administrative Law. Alexandria: Mansha’at Al-Maaref.

  1. الشطاوي، علي خطار. (2009). القانون الإداري الأردني. ط1. عمان: دار وائل للنشر.

Al-Shatawi, Ali Khattar. (2009). Jordanian Administrative Law. 1st ed. Amman: Dar Wael for Publishing.

  1. بدير، علي محمد، وآخرون. (2015). مبادئ وأحكام القانون الإداري. بغداد: دار السنهوري.

Badeer, Ali Muhammad, et al. (2015). Principles and Provisions of Administrative Law. Baghdad: Dar Al-Sanhouri.

  1. راضي، مازن ليلو. (2009). القانون الإداري. أربيل: مؤسسة O.P.L.C للطباعة والنشر.

Radi, Mazen Lilo. (2009). Administrative Law. Erbil: O.P.L.C Foundation for Printing and Publishing.

  1. الجبوري، ماهر صالح علاوي. (2022). مبادئ القانون الإداري. بغداد: المكتبة القانونية.

Al-Jubouri, Maher Saleh Allawi. (2022). Principles of Administrative Law. Baghdad: Legal Library.

  1. عبد اللطيف، محمد. (2021). القرار الإداري: الأصول النظرية والمشكلات العملية. القاهرة: دار النهضة العربية.

Abdel Latif, Muhammad. (2021). The Administrative Decision: Theoretical Foundations and Practical Problems. Cairo: Dar Al-Nahda Al-Arabiya.

  1. الجبوري، نجيب خلف أحمد. (2022). القانون الإداري. بغداد، العراق: دار المسلة للطباعة والنشر.

Al-Jubouri, Najib Khalaf Ahmed. (2022). Administrative Law. Baghdad, Iraq: Dar Al-Masalla for Printing and Publishing.

  1. الخوري، يوسف سعد الله. (1998). القانون الإداري العام، الجزء الأول. بيروت: المنشورات الحقوقية صادر.

Al-Khoury, Youssef Saadallah. (1998). General Administrative Law, Vol. 1. Beirut: Sader Legal Publications.

ثانياً: البحوث والمجلات

  1. مرسي، حسام الدين محمد. (2018). ضوابط القرار الإداري. مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، جامعة الإسكندرية، مصر، 4، 2018.

Morsi, Hossam El-Din Muhammad. (2018). Controls of the Administrative Decision. Journal of Law for Legal and Economic Research, Alexandria University, Egypt, 4, 2018.

  1. محمد، شهلاء سليمان. (2023). دور عنصر الشكل والإجراء في تحقيق شفافية القرار الإداري: دراسة مقارنة. مجلة العلوم القانونية والسياسية، كلية القانون، جامعة ديالى، العراق، 12(1).

Muhammad, Shahla Suleiman. (2023). The Role of Form and Procedure in Achieving Transparency of the Administrative Decision: A Comparative Study. Journal of Legal and Political Sciences, College of Law, University of Diyala, Iraq, 12(1).

  1. مجلس شورى الدولة اللبناني. (2003). قرار رقم 7/10/1999، الخوري/ بلدية عمشيت. مجلة القضاء الإداري، العدد 15، بيروت، لبنان.

Lebanese State Shura Council. (2003). Decision No. 7/10/1999, Al-Khoury v. Municipality of Amchit. Administrative Judiciary Journal, Issue 15, Beirut, Lebanon.

  1. الحسيني، محمد طه. (2017). تعريف القرار الإداري وعناصره. مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، كلية القانون، جامعة بابل، العراق، 9(1).

Al-Husseini, Muhammad Taha. (2017). The Definition and Elements of the Administrative Decision. Al-Muhaqqiq Al-Hilli Journal for Legal and Political Sciences, College of Law, University of Babylon, Iraq, 9(1).

  1. خضير، محمود خليل. (2008). نهاية القرار الإداري بغير طريق القضاء. مجلة كلية الحقوق، جامعة النهرين، العراق، 1.

Khudair, Mahmoud Khalil. (2008). The Termination of the Administrative Decision by Non-Judicial Means. Journal of the College of Law, Al-Nahrain University, Iraq, 1.

ثالثاً: القوانين والتشريعات

  1. نظام مجلس شورى الدولة اللبناني، المنفذ بالمرسوم رقم 10434 بتاريخ 14/06/1975، المعدل.

The Lebanese State Shura Council Regulation, implemented by Decree No. 10434 dated 14/06/1975, as amended.

  1. قانون مجلس شورى الدولة العراقي رقم (65) لسنة 1979، المعدل.

Iraqi State Shura Council Law No. 65 of 1979, as amended.

  1. دستور جمهورية العراق لسنة 2005، النافذ.

The Constitution of the Republic of Iraq of 2005, in force.

رابعاً: القرارات القضائية

  1. مجلس شورى الدولة العراقي. (2010). قرار الهيئة العامة رقم (212/انضباط تمييز/2009). منشور في: قرارات وفتاوى مجلس شورى الدولة لعام 2009. بغداد: دار الكتب والوثائق.

Iraqi State Shura Council. (2010). General Assembly Decision No. (212/Disciplinary Cassation/2009). Published in: Decisions and Opinions of the State Shura Council for 2009. Baghdad: House of Books and Documents.

  1. المحكمة الإدارية العليا العراقية. (2017). قرار رقم (170/قضاء إداري ـ تمييز/2017)، بتاريخ 13/4/2017. منشور في: قرارات مجلس الدولة وفتاواه لعام 2017. جمهورية العراق: مجلس الدولة.

Iraqi Supreme Administrative Court. (2017). Decision No. (170/Administrative Judiciary–Cassation/2017), dated 13/4/2017. Published in: Decisions and Opinions of the State Council for 2017. Republic of Iraq: State Council.

  1. المحكمة الإدارية العليا العراقية. (2015). قرار رقم (27/إداري/تمييز/2014)، الصادر بتاريخ 19/2/2015. منشور على الموقع الرسمي لوزارة العدل العراقية.

Iraqi Supreme Administrative Court. (2015). Decision No. (27/Administrative/Cassation/2014), issued on 19/2/2015. Published on the official website of the Iraqi Ministry of Justice.

  1. مجلس شورى الدولة اللبناني. (2022). قرار رقم (567)، بتاريخ 5/7/2022. منشور على موقع مركز الأبحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية.

Lebanese State Shura Council. (2022). Decision No. (567), dated 5/7/2022. Published on the website of the Center for Legal Informatics Research and Studies.

  1. مجلس شورى الدولة اللبناني. (2018). حكم رقم (602)، الصادر بتاريخ 19/3/2018. منشور على موقع مركز الأبحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية.

Lebanese State Shura Council. (2018). Judgment No. (602), issued on 19/3/2018. Published on the website of the Center for Legal Informatics Research and Studies.

Margins:

  1. () عبد الغني بسيوني عبد الله، القانون الإداري، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2005، ص461.

  2. () حسام الدين محمد مرسي، ضوابط القرار الإداري، بحث منشور في مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، المجلد (2018)، العدد(4)، جامعة الإسكندرية، مصر، 2018، ص181.

  3. () محمد طه الحسيني، تعريف القرار الإداري وعناصره، بحث منشور في مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، المجلد (9)، العدد (1)، كلية القانون، جامعة بابل، العراق، 2017، ص515.

  4. () شهلاء سليمان محمد، دور عنصر الشكل والاجراء في تحقيق شفافية القرار الإداري – دراسة مقارنة، بحث منشور في مجلة العلوم القانونية والسياسية، المجلد (12)، العدد (1)، كلية القانون، جامعة ديالى، العراق، 2023، ص163.

  5. () محمود خليل خضير، نهاية القرار الإداري بغير طريق القضاء، بحث منشور في مجلة كلية الحقوق، العدد (1)، جامعة النهرين، العراق، 2008، ص253.

  6. () أمين صليبا، الوافي في القانون الإداري العام – مبادئ أساسية، المؤسسة الحديثة للكتاب، بيروت، 2017، ص148.

  7. () يوسف سعد الله الخوري، القانون الإداري العام، الجزء الأول، المنشورات الحقوقية صادر، بيروت، 1998، ص355.

  8. () جورج سعد، القانون الإداري العام والمنازعات الإدارية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2012، ص187.

  9. () علي محمد بدير وآخرون، مبادئ وأحكام القانون الإداري، دار السنهوري، بغداد، 2015، ص417.

  10. () علي محمد بدير وآخرون ، مرجع سابق، ص415.

  11. () ماهر صالح علاوي الجبوري، مبادئ القانون الإداري، المكتبة القانونية، بغداد، 2022، ص315.

  12. () المادة (105) من نظام مجلس شورى الدولة اللبناني المنفذ بالمرسوم رقم 10434 تاريخ 14/06/1975 المعدل.

  13. (( المادة ( 7 / رابعا ) من قانون مجلس شورى الدولة العراقي رقم ( 65 ) لسنة 1979 المعدل .

  14. () قرار محكمة القضاء الإداري المرقم 11 قضاء إداري /1991 الصادر في 26/10/1991، أشارت إليه: رشا عبد الرزاق جاسم الشمري، صفة النهائية في القرار الإداري، ط1، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة، 2016، ص20.

  15. (( مجلس شورى الدولة العراقي، قرار الهيئة العامة، رقم (212 / انضباط تمييز / 2009 )، قرارات وفتاوی مجلس شورى الدولة لعام 2009، دار الكتب والوثائق، بغداد، 2010، ص 395.

  16. () قرار المحكمة الإدارية العليا رقم 170 /قضاء إداري – تمييز / 2017 بتاريخ 13/4/2017 قرارات مجلس الدولة وفتاواه لعام 2017، جمهورية العراق مجلس الدولة، ص 544.

  17. () قرار المحكمة الإدارية العليا رقم (27/إداري/تمييز/2014) الصادر بتاريخ 19/2/2015، منشور على الموقع الرسمي لوزارة العدل العراقية، متاح على الرابط الإلكتروني: https://www.moj.gov.iq/view.1919/ ، تاريخ الزيارة:1-11-2025.

  18. (( مجلس شورى الدولة اللبناني، قرار رقم (567) تاریخ 5/7/2022، منشور على الرابط التالي http://77.42.251.205/ViewRulePage.aspx?ID=148253&selection=، تاريخ الزيارة 1-10-2025.

  19. () قرار مجلس شورى الدولة رقم 7/10/1999، الخوري بلدية عمشيت، منشور في مجلة القضاء الإداري، عدد 15، بيروت، لبنان، 2003، ص6.

  20. () أمين عاطف صلبيا، الوافي في القانون الإداري العام، مرجع سابق، ص 148.

  21. () نجيب خلف أحمد الجبوري، القانون الإداري، دار المسلة للطباعة والنشر، بغداد، العراق، 2022، ص 282.

  22. () محمد عبد اللطيف، القرار الإداري الأصول النظرية والمشكلات العملية، دار النهضة العربية، مصر، 2021، ص364.

  23. () إقبال فاضل أبو كسور، الرقابة القضائية على عيب السبب في القرار الإداري، جامعة بغداد، العراق، 2014، ص72.

  24. () علي خطار الشطاوي، القانون الإداري الأردني، ط1، دار وائل للنشر، عمان، الأردن، 2009، ص 232.

  25. () حكم مجلس شورى الدولة اللبناني رقم (602) الصادر بتاريخ 19/3/2018، منشور على موقع مركز الابحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية، متاح على الرابط الإلكتروني: http://77.42.251.205/ViewRulePage.aspx?ID=131469&selection، تاريخ الزيارة: 1-10-2025.

  26. () عبد العزيز عبد المنعم خليفة، القرار الإداري، ط1، المركز القومي للإصدارات القانونية، 2008، ص 220.

  27. () علي خطار الشطاوي، القانون الإداري الأردني، مرجع سابق، ص 225.

  28. () مازن ليلو راضي، القانون الإداري، مؤسسة o.p.l.c للطباعة والنشر، أربيل، 2009، ص 249.

  29. () سليمان محمد الطماوي ومحمد عاطف البنا، النظرية العامة للقرارات الإدارية، دراسة مقارنة، دار الفكر العربي، مصر، 2017، ص 64.

  30. () المادة 100 من الدستور العراقي النافذ لعام 2005.

  31. () نجيب أحمد خلف الجبوري، القانون الإداري، مرجع سابق، ص305.