ملامـــــحُ الشخْصِيَّةِ في الشـــعر الأندلســي: يحيى بن الحكم الغزال وابن عبد ربه، أنموذجًا

د. عمَّــار عبد القادر محمَّد شــبلي1

1 جامعة بيرزيت، فلسطين.

بريد الكتروني: aashibli@birzeit.edu

The Features of Personality in Andalusian Poetry: Yahya ibn al-Hakam al-Ghazal and Ibn Abed Rabboh as a Model

Dr. Ammar Abdul Qader Mohammed Shibli¹

¹ Birzeit University, Palestine.
Email: aashibli@birzeit.edu

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj74/31

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/74/31

المجلد (7) العدد (4). الصفحات: 498 - 520

تاريخ الاستقبال: 2026-03-12 | تاريخ القبول: 2026-03-20 | تاريخ النشر: 2026-04-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: تأتي هذه الدِّراسة انطلاقًا من الأهميَّة التَّاريخيَّة للأدب بخاصة، وما أسهم به التُّراث الأندلسـيُّ في الحضارة الإنسانيَّة بعامة، سواءً في الحياة العلميَّة والفكريَّة والثقافيَّة، أم الأدبيَّة والتَّاريخيَّة والاجتماعيَّة، إذ جاءت انعكاسًا لحقب مختلفة. تتناول هذه الدِّراسة اثنين من أعلام الأدب والفكر والثَّقافة في فترات زمنية متغايرة: ممثلة بيحيى بن الحكم الملقب بالغزال، وابن عبد ربه. تتكون هذه الدِّراسة من مطلبين مسبوقين بتمهيد ومتبوعين بخاتمة، المطلب الأول يتناول ملامح شخصية يحيى بن الحكم، في حين يتناول المطلب الثاني ملامح شخصيَّة ابن عبد ربه. من أبرز هذه الملامح في هاتين الشخصيتين، اتِّسامهما بالثَّقافة الواسعة، والنُّصح، والدُّبلوماسيَّة، والذَّكاء والألمعيَّة، والتقرب من بلاط الخلفاء، والميل إلى الدُّعابة، والجرأة والنَّقد المجتمعيِّ، والمعارضة، والميل إلى الغناء والطرب والتوجه نحو الطبيعة، والميل إلى التزهد، وتسجيل الوقائع الحربية. اعتمدت الدِّراسة على المنهج الاستقرائي التَّحليليَّ؛ لاستنباط هذه الملامح التي جعلت منهما شخصيَّتين فريدتين؛ ما دعا شيوخ العلم إلى تبنِّي المواقف والأقوال فيهما، أمَّا الخاتمة فتضمَّنت عددًا من النَّتائج، أبرزها تنوع ثقافة هاتين الشخصيتين في مجالات متعددة، ولعل ذلك يعود لطول الفترة الزمنية التي عاشها هذان الشاعران، وتقربهما من عِلية القوم، واكتسابهما دروسًا بفضل هذا القرب، وتوصي خاتمة البحث بعمل دراسة تتناول ملامح شعراء المدينة الواحدة.

الكلمات المفتاحية: الشعر الأندلسي، ملامح الشخصية، يحيى بن الحكم الغزال، ابن عبد ربه.

Abstract: This study stems from the historical significance of the Andalusian heritage to human civilization- whether in the scientific, intellectual, cultural, literary, historical, or social aspects- reflecting several historical periods. This study examines two prominent figures in literature, intellect, and culture from different time periods: Yahya ibn al-Hakam, known as Al-Ghazal (156-250 AH), and Ibn Abd Rabbih (246-328 AH). The study consists of two main sections, preceded by an introduction and followed by a conclusion. The first section explores the characteristics of Yahya ibn al-Hakam, whilst the second section sheds light on the characteristics of Ibn Abd Rabbih. Among the most notable traits that these two figures show are their extensive cultural knowledge, wisdom, diplomacy, intelligence, and brilliance. They were also known for their closeness to the courts of caliphs and princes, their inclination toward humor, boldness, social critique, opposition, love for music and singing, belonging to nature, tendency toward asceticism, and documentation of military events. The study adopts an inductive analytical approach to derive these traits, which distinguish them as unique figures among their contemporaries, leading other scholars to adopt positions and viewpoints regarding them. The conclusion presents several findings, the most significant of which is the broad cultural knowledge of both poets across many disciplines. This diversity can be attributed to the long lifespan of both characters, their close association with the elite, as well as the experiences they gained from these relationships. The study concludes with a recommendation to conduct further research on the characteristics of poets from the same city, such as the poets of Seville, Murcia, Málaga, and Granada.

Keywords: Andalusian Poetry, The Features of Personality, Yahya Ibn al-Hakam al-Ghazal, Ibn Abed Rabboh.

تمهيـــــد

ما أنْ تُذكر الأندلس إلا وتقفز إلى الأذهان تلك الواحة التي تحبس الأنفاس، وتخطف الأبصار، وتلك الحضارة التي يفوح مسكها، وينتشر عبيرها في شتَّى العلوم، ومناحي الحياة، وقد سطَّرت بطولات، وإنجازات حضاريَّة جلَّة يشهد لها القاصي والدَّاني، وآثارها مازالت ماثلة في قرطبة وغرناطة وإشبيلية، وغيرها من الأقاليم الأندلسيَّة. كل ذلك جعل الكثير من الشعراء يتحلى بملامح تتعلق بشخصيته، والمتتبع لهذه الملامح يراها تبرز عند شاعر وتختفي عند آخر على حساب ملامح مختلفة.

بعد التقصـي والدَّرس، ارتأيت أن أحصر الدراسة في شعر يحيى بن الحكم الغزال(ت250هـ)، وابن عبد ربه(ت328هـ)، لأن هناك تشابهًا، واختلافًا في ملامح الشخصيتين، لذلك جاءت الدراسة موسومةً بعنوان: “ملامح الشخصيَّة في الشعر الأندلسـي، يحيى بن الحكم الغزال، وابن عبد ربّه أُنموذجًا”. انقسمت الدراسة إلى مطلبين رئيسين، الأول: عرض ملامح شخصية الغزال، ولعل أبرز هذه الملامح أنه كان مثقفًا، وناصحًا، ودبلوماسيَّــًا، وألمعيَّــًا، ومتقرِّبًا من بلاط الخلفاء والملوك، ويميل إلى الدعابة والنكتة والنقد المجتمعي، والمعارضة، في حين تناول المطلب الثاني أبرز ملامح شخصية ابن عبد ربه، إذْ تبيَّن أنه واسعُ الثقافة أيضًا، وناصحٌ وواعظ، كما يجنح للطبيعة كوصف الرياض، والحيوان، والطير، وزاهدٌ، ويعارض الشعراء ويجاريهم، ويسجل لوقائع حربية متعددة، واعتمدتِ الدراسة المنهجَ الاستقرائي لاستنباط هذه الملامح وتجلِّيها عند الشاعرين، أما مصادر الدراسة فأبرزها ديوانا الشاعرين: موضوع الدراسة، والعقد الفريد، لابن عبد ربّه(ت328هـ)، وكتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس، لابن الكتاني(نحو420هـ)، وبهجة المجالس وأُنس المجُالس، لابن عبد البرِّ القرطبي(ت463هـ)، وجذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، للحميدي(ت488هـ)، وبدائع البدائه، لابن ظافر الأزدي (ت613هـ)، والمطرب من أشعار أهل المغرب، لابن دِحية الكلْبي(ت633هـ)، والمغرب في حلى المغرب، لابن سعيد الأندلسـي(ت685هـ)، والبيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، لابن عذاري المراكشـي(ت712هـ)، ونفح الطيب من غصن الأندلس الرَّطيب، للمقَّري التَّلمساني(ت1041هـ). ثمة عدد من المراجع التي استأنست بها في هذه الدراسة منها، تاريخ الفكر الأندلسي لأنخل بالنثيا، وتاريخ الأدب الأندلسـي: عصر سيادة قرطبة، لإحسان عباس، وقد ذيلت هذا العمل بخاتمة عرضت فيها أبرز ما توصلت إليه الدراسة من نتائج وتوصيات.

المطلب الأول: ملامح شخصية يحيى بن الحكم الملقب بالغزال(ت250هـ)

يقول الثعالبي (ت429هـ) فيه ” أحد محاسن الأندلس علمًا وفضلاً، وأدبًا ونبلاً، وشعره في نهاية الجزالة والحلاوة، وعليه رونق البلاغة والطلاوة” (الثعالبي، 2000، 2/85 )، ويصفه الحميدي (ت 488هـ) في جذوة المقتبس بأنه ” رئيس، كثير القول، مطبوع النظم في الحكم والجد والهزل، وهو مع ذلك جليل في نفسه وعلمه ومنزلته عند أمراء بلده” ( الحميدي، 2004، 362)، أما ابن دحية الكلبي(ت633هـ) فيقول عنه في كتابه المطرب ” القاعد على كيوان، شاعر ذلك الأوان، وقد أثبتُّ له من قوله ما يشهد بإبداعه، وحسن تصرفه في المعاني واختراعه، وطول يده في الأدب، وامتداد باعه.” (ابن دحية، 2008، ص120)، ولعل أبرز ملامح شخصيته:

أولًا- مثقفاً

تحلَّى الغزال بثقافة واسعة من خلال اشتغاله بمجالات علميَّة مختلفة، حيث أضاف إلى معرفته في العلوم النقليَّة دراية من العلوم العقليَّة، وقد وصفه المقَّري نقلاً عن ابن حيَّان في المقتبس بالعرَّاف في علم النُّجوم

( المقري، دت،2/254) ، وما ساعده في ذلك شهرته بعلم الحساب. من الأشعار التي تدلِّل على ذلك:

( الغزال، 1993، ص 44). [الكامل]

قُلْ لِلْفَتى نَصْـر أَبي الفَتْحِ

 

إنَّ المُقاتِلَ حَلَّ بالنَّطْحِ

وأَراهُ قَهْقَرَ فِيهِ ثُمَّ مَضَـى

 

قُدُمًا وَمُدْبِرًا إِلى الرُّمْحِ

وَأَرى النُّحُوسَ لَهُ مُساعِدَةً

 

فانْظُرْ لِنَفْسِكَ واقْبَلَنْ نُصْحِي

تدور هذه القصيدة حول إنذار الغزال بهلاك نصر الخصِّي قبل وقوعه بمدَّة، إذْ نجَّم بأنه سيخوض معركة، ويُقتل فيها، ويفصح عن ذلك من خلال تشكيل صورته في المعركة، وهو يقاتل رجلاً يحيط به حرَّاسه، وإن الاشتغال بالتنجيم كان منتشراً في ذلك الوقت. ومن المجالات التي اشتغل بها الغزال ودلَّت على ثقافته، وجعلت منه إنسانًا متنوغ الثقافة في ذلك الوقت جمعُ الأعشار، إذْ يقول فيها: ( الغزال، 1993، ص41). [ السَّريع ]

إنْ تُرِدِ المالَ فَإِنِّي امْرُؤٌ

 

لمْ أَجْمَعِ المالَ ولَمْ أَكْسَبِ

إِذا أَخَذْتَ الَحقَّ مِنِّي فَلا

 

تَلْتَمِسِ الرِّبْحَ ولا تَرْغَبِ

قَدْ أَحْسَنَ اللهُ إِليْنا مَعَاً

 

أَنْ كانَ رَأْسُ المالِ لَمْ يَذْهَبِ

يضحد عنه في هذه الأبيات سرقة المال العام، حيث جمع الأعشار، وحبسها في الأهراء، فنفد الزَّاد في ذلك العام، وعمَّ القحط البلاد، واشتعلت الأسعار، مما حدا بالغزال إلى بسط يده على ما عنده من مخزون. وصل الخبر إلى الأمير، وطلب منه أن يعيد ما باعه إلى الأهراء، فرفض وقال أشتري لكم طعامًا عدد ما بعت من الأمداد، وهناك بون شاسع بين ما باع، وبين ما هو مطالب به من ناحية، وبين ما أقرَّ به من ناحية ثانية، فزجَّ به في الحبس. جاءت هذه الأبيات ضمن قصيدة بائية افتتحها بالغزل ثم مَدْحِ الأمير وشبهه بعمر لعدله، واختتمها بهذه الأبيات الثلاثة التي أُعجب بها الأمير، ومَن أحاط به، ولاسيَّما قول أحدهم بأن الغزال أنصفك في قوله ( قد أحسن الله…)، ولو ذهب رأس المال لكانت المصيبة أكبر( الغزال، 1993، ص 73)، ويلاحظ أن ثقافة الخطاب التي تحلَّى بها الغزال في التَّعامل مع هذه التُّهمة، وإيراد بعض الحجج العقلية والمنطقية من وجهة نظره أسهمت في براءته وإطلاق سراحه.

ثانيًا- ناصحًا

عُرف عن الغزال بأنه كثير النُّصح لمن تعامل معه، واتَّضح ذلك في شعره، من ذلك قوله: ( الغزال، 1993، ص 38-39). [مجزوء الرمل]

غَمَّنِي عِشْقُكَ لِلشَّطَـ

 

ـــرَنْجِ هذا يا بْرَهِيمُ

عَمَلٌ في غَيْرِ بِرٍّ

 

واخْتِلافٌ وَلُزُومُ

إِنَّمَا أَسَّسَها وَيْـ

 

حَكَ شَيْطانٌ رَجِيْمُ

لُعْبَةُ الشَّطَرَنْجِ شُؤْمٌ

 

فاجْتَنِبْها يا شُؤُومُ

يخاطب الغزال في هذه الأبيات ابن أخته إبراهيم لولوعه بلعبة الشطرنج، ويرى فيها عملاً غير مليح، ولا لزوم له، فهي مضيعة للوقت، ومَن أسسها شيطان رجيم يسعى إلى فساد المجتمع وانحلاله، وإشغال الشباب بما لا ينفع؛ لأنها نذير شؤم، وخسـران كبير، وصرف عن أبواب الرِّزق، وما من أحد يستطيع أن يثبت عكس قولي، إذْ أصبحت بلوة لمن يقع في عشقها، ولا تناسب إلا كبار القوم، ملكًا أو وزيرًا أو عَيْنًا؛ لأنها تجُبي لهم الدَّراهم، وفي أبياته هذه نصائح يسديها للنَّاشئة؛ كي تنجو من هذه الآفة، وتبعاتها.

ثالثًا- دِبلوماسيَّاً

شغل الغزال منصب سفير، وكان يجيد مخاطبة الأمراء والخلفاء، وقد شغل منصب سفير في أماكن عديدة يقول الحميدي ” أرسله بعض ملوك بني أميَّة بالأندلس رسولاً إلى ملك الرُّوم، وتحدث ابن دِحية عن رحلته إلى بلاد المجوس(النُّورمان)، وكان لوسامته وحكمته بالغ الأثر في اختياره سفيراً لبلاط الخليفة. يقول أنخل بالنثيا ” كان رجلاً حكيمًا أرسله عبد الرَّحمن الأوسط في سفارة إلى بلاط ملك النورمانيين، فاستمال قلوب الناس هناك بظرفه” ( ابن سعيد، 1997، 2/93)، وقد اهتمَّ عدد من المستشرقين: المؤرِّخين والجغرافيين والمهتمِّين بالأدب والدُّبلوماسيَّة برحلات الغزال، ويصرُّ ليفي بروفنسال على أن للغزال رحلة واحدة إلى القسطنطينيَّة، واختلف الذين قالوا برحلة الغزال إلى بلاد النُّورمان في تعيين البلاد التي شغل فيها وظيفة سفير، فبعضهم يرى أنها كانت إلى زيلندة ( أيسلندا ) والدَّانمارك، وبعضهم يرى أنَّها كانت إلى إيرلندا، وآخر يرى أنها إلى الدانمارك. وهناك الكثير من الأشعار التي تدل على لغته الدُّبلوماسيَّة اللَّينة، التي يلاحظ فيها خفَّة الرُّوح، ولطف الكلمات، ففي قوله: ( ابن عبد ربه، 2001، 3/158). [السَّريع]

قالَتْ أَرى فُودَيْهِ نُورًا

 

دُعابَةٌ تُوْجِبُ أَنْ أَدْعَبَا

قُلْتُ لَها ما بالُه؟ إنَّهُ

 

قَدْ يُنْتَجُ المُهْرُ كَذا أَشْهَبا

فاسْتَضْحَكَتْ عَجَباً بِقَوْلِي لهَا

 

وإنَّمَا قُلْتُ لِكَيْ تَعْجَبا

يذكر ما قالته له (تود) الملكة في دعابة أثناء رحلته الدُّبلوماسيَّة، من أنها ترى السَّالفَين قد نهضا بالشَّيب، فردَّ عليها باللغة الدُّبلوماسيَّة نفسها، عندما قال بأنَّ المهر يولد أشهب، أي يخالط سواد شعره البياض، وقد سُرَّت، وأُعجبت بهذه المقاربة اللَّطيفة، إذْ اعترف أن هذا الرَّد جاء من باب اللُّغة السياسيَّة؛ كي تعجب به، وهو يقصد بأنْ تعجب من عمله وأدائه في السَّفارة.

وفي قوله: ( ابن سعيد، 1997، 1/249). [ الكامل ]

بَكَرَتْ تُحْسِنُ لِي سَوادَ خِضابِي

 

فَكَأَنَّ ذاكَ أَعادَنِي لِشَبابِي

ما الشَّيْبُ عِنْدِي والخِضابُ لِواصِفٍ

 

إلَّا كَشَمْسٍ جُلِّلَتْ بِضَبابِ

تَخْفى قَلِيْلاً ثُمَّ يَقْشَعُها الصَّبا

 

فَيَصِيْرَ ما سَتَرْتُ بِهِ لِذِهابِ

لا تُنْكِرِي وَضْحَ المَشِيْبِ فَإِنَّما

 

هُو زَهْرَةُ الأَفْهامِ والأَلْبابِ

فَلَدَيَّ ما تَهْوينَ مِنْ شَأْنِ الصَّبَا

 

وَطَلاوَةِ الأَخْلاقِ والآدابِ

يقصد في هذه الأبيات (تود) الملكة التي حفَّزته على خَضْب شَعره، وقد استحسنت ذلك؛ لشعوره أنَّه مازال في ريعان الشَّباب، حيث شبَّه الشَّيب بعد الخضاب بالشَّمس التي لفَّها الضَّباب، فتارة تغدو وتارة تؤوب، ثم يقرُّ أمامها بأنَّ الشَّيب علامة للفهم والوقار، وروحه شبابيَّة، ويتحلَّى بأخلاق حميدة وآداب حسنة. ولم يقصد من ذلك كلِّه إلا الغرض الدُّبلوماسيَّ، وإنْ دلَّ ذلك على شيء، فإنما يدل على حسن اختيار هذه الشَّخصية لهذا المنصب الرفيع الذي تملأه باقتدار.

رابعًا- الذَّكاء والألمعيَّة

ومن الأمثلة الدَّالة على سرعة بديهته وفطنته حينمادخل الغزال الشَّاعر على الأمير عبد الرَّحمن الذي قال: “جاء الأمير بحسنه وجماله، فقال له الوزير، أجزْ ما بدأ به الأمير، فقال الغزال: ( إحسان عباس، 2001، 1/246). [الكامل]

قالَ الأَميرُ مُداعِبًا بِمَقالِهِ

 

جاءَ الغَزالُ بِحُسْنِهِ وجَمالِهِ

أَيْنَ الجَمالُ مِنِ امْرئٍ أَرْبى عَلى

 

مُتَعَدِّدِ السَّبْعينَ مِنْ أَحْوالِهِ

وَهَلِ الجَمالُ؟ لَهُ الجَمالُ مِنِ امرِئٍ

 

ألْقاهُ رَيْبُ الدَّهْرِ في أَغْلالِهِ

وأَعادَهُ مِنْ بَعْدِ جِدَّته بِلى

 

وَأَحالَ رَوْنَقَ وَجْهِهِ عَنْ حالِهِ

وما سرعة الغزال في الإجابة إلا دليل قاطع على لباقته، وألمعيته حيث جعل ردَّه تساؤلات يستنكر فيها هذا الجمال بعد تجاوزه السَّبعين من العمر، وتبدُّل حاله، من النَّضارة والوسامة إلى حال مكفهرة أتت عليها نوائب الدهر، فسلبت طرافته ورونقه. كل ذلك جاء في سياق الفطنة التي حضرت له بغتة ردَّاً على قول الأمير دون أيِّ تلعثم أو ارتباك.

وفي قصيدة أخرى، يتباهى الغزال بأنْ لجأ إليه القاضي يُخامر لاستشارته، كان منها: ( ابن دحية، 2008، ص 124). [الطويل]

يَقولُ ليَ القاضي مُعاذٌ مُشاوِراً

 

وولَّى امْرءاً فيما يَرى مِنْ ذَوي العَدْلِ

قَعيدَك ما ذا تَحْسَبُ المرءَ فاعلًا؟

 

فَقُلْتُ وماذا يَفْعَلُ الدَّبْرُ في النَّحْلِ؟

يَدُقُّ خَلاياها ويَأْكُلُ شَهْدَها

 

ويَتْرُكُ لِلذِّبَّانِ ما كانَ مِنْ فَضْلِ

يكشف الغزال عن الصورة التي كان عليها القضاء في هذه الفترة عندما وُلِّي قضاء الجماعة رجل يدعى (معاذ بن عثمان الشَّيباني) من أهل جيَّان، وهو غير أهْلٍ لشغْل هذا المنصب، وتمَّ عزله بعد سبعة أشهر من تولِّيه؛ لأنه كان عَجِلاً ومتهوِّراً في استصدار الأحكام التي كانت بعيدة عن التَّبصُّـر والتَّريُّث، وكان يستعين بالغزال لذكائه؛ كي يخلِّصه من بعض القضايا الحرجة التي تتطلب دهاءً لفكِّ لغزها، وقارئ الأبيات يلحظ الحوار الذي جرى بينه وبين القاضي حول رجل أحسن الظَّن به، وولَّاه الأحباس بقرطبة، وقد خيَّب ظنّه، فقال الغزال: لا يستطيع الرَّجل أنْ يفعل شيئاً بالرَّاعي، وهذا ما يشبه فعل الدَّبْر ببيوت النَّحل.

وفي إحدى حلقات عباس بن ناصح الجزيريِّ(بعد 230هـ)، مرَّت على تلاميذه قصيدة آخرها: [الطويل]

تجافَ عَنِ الدُّنْيا فما لمعَجَّزٍ

 

ولا حازمٍ إلَّا الَّذي خُطُّ بالقَلَمْ

قال له يحيى الغزال- وهو حَدَث – أيُّها الشَّيخ، وما الذي يصنع مفعَّل مع فاعل؟ فقال فكيف تقول أنت؟ قال:

تَجافَ عَنِ الدُّنْيا فَلَيْسَ لِعاجِزٍ…

   

فقال عبَّاس، والله لقد طلبها عمُّك ليالي فما وجدها، وجعله الرَّازي فحل شعراء الأندلس. ( الغزال، 1993، ص 27)، ويلحظ أنَّ الغزال تنبَّه إلى وجود صيغتين صرفيتين مختلفتين( مفعَّل: معجَّز/ فاعل: حازم)، وهذا الاختلاف أفسد عليه ذوقه، ورأى أنَّ هذا أمر ممجوج لعدم التَّجانس. الأولى اسم مفعول، والثانية اسم فاعل، والوزن الصَّرفيُّ فيهما مختلف، وبدهائه قدَّم كلمة ( عاجز ) بديلة لكلمة (معجَّز)، وكلمة(فليس) بديلة لكلمة(فما) دون الإخلال في المعنى والموسيقا.

خامسًا- الميل إلى الدُّعابة والسُّخرية

يقول إحسان عبَّاس في الغزال” ممَّا يميِّزه بين شعراء الأندلس ميزتان كبيرتان: قيام شِعره على النَّظرة السَّاخرة، ووضوح نظرته الفلسفيَّة القائمة على تجربته. ( الغزال، 1993، ص 42). من ذلك خوْض الغزال وصاحب له رحلة بحريـَّة شاقــَّة إلى مدينة القسطنطينيَّة، وقد أحسن التعبير عن ذلك بقوله: ( ابن الكتاني، 1986، ص 242). [مجزوء الرمل]

قَالَ لي يحيى وَصِرْنا

 

بَيْنَ مَوْجٍ كَالجِبالِ

وَتَوَلَّتْنا رِياحٌ

 

مِنْ دَبُورٍ وَشِمالِ

شَقَّتِ القِلْعَيْنِ وانْبَـ

 

ـتَّتْ عُرَى تِلْكَ الجِبالِ

وَتَمَطَّى مَلكُ المو

 

تِ إِلَيْنا عَنْ حِيالِ

فَرَأَيْنا الموْتَ رَأْيَ الـ

 

ـعَيْنِ حَالاً بَعْدَ حالِ

لمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ فِيْنا

 

يا رَفِيْقِي رَأْسُ مالِ

يصف الغزال خطورة ما لقي وصاحبه من مخاطر وأهوال في البحر، إذْ شبَّه تعاظم الموج بالجبال لشدَّة العاصفة التي ضربت مركبهم، وأحاطت به من جهاته الأربع لصغر حجمه، وقد حطَّمت شراعه وقطَّعت حِباله، وبذلك ازدادت الخطورة، واقترب الهلاك الذي لو وقع لكان هناك خسارة فادحة، وعلى سبيل الدُّعابة يرى في نفسه وصاحبه رأس مال الأهل والقوم؛ لكنَّ خمود العاصفة نجَّاهم من الغرق، وأوصلهم إلى محطَّتهم بسلام. وبالرغم من هذه المخاطر نراه يوظِّف الدُّعابة وهو في عُرض البحر لنزعة مطبوعة في ذاته.

ومن المواقف التي يُظهر فيها دعابته قوله: ( المقري، دت، 2/257). [الطويل]

قَصَدْتُ بِمَدْحِي جاهدًا نحْوَ خالِدٍ

 

أُؤَمِّلُ مِنْ جَدْواهُ فَوْقَ منائِي

فلمْ يُعْطِنِي مِنْ مالِهِ غَيْرَ دِرْهَمِ

 

تُكَلِّفُهُ بَعْدَ انْقِطاعِ رَجائِي

كما اقتلعَ الحَجَّامُ ضرسًا صحيحة

 

إذا اسْتُخْرِجَتْ مِنْ شِدَّةِ بِبُكَاء

مدح الغزال رجلاً يدعى (خالد) كان يظنُّ به خيراً فوق ما يُؤَمِّل منه، ويعبِّر بطريقة هزْليَّة عمَّا أفسد ظنَّه، إذْ لم يُجزَ لقاء مدحه هذا سوى درهم واحد بعد طول رجاء، وقد شبَّه خروج خالد عن هذا الدِّرهم باقتلاع ضرس سليمة رافقها ألم وبكاء شديدان.

وفي موقف مليء بالسُّخرية والتَّهكم يقول: ( الغزال، 1993، ص 77). [البسيط]

جَرْداءُ صَلْعاءُ لَمْ يُبْقِ الزَّمانُ لَها

 

إلَّا لِسانًا مُلِحَّاً بالملا ماتِ

لَطَمْتُها لَطْمَةً طارَتْ عَمامَتُها

 

عَنْ صَلْعَةٍ لَيْسَ فِيْها خَمْسُ شَعَراتِ

كَأَنَّها بَيْضَةُ الشَّارِي إِذا بَرقَتْ

 

بالمأَزَقِ الضَّنْكِ بَيْنَ المشْرِفِيَّاتِ

وكاهِلٌ كَسَنامِ العِيْسِ جَرَّدَهُ

 

طُولُ السِّفارِ وإِلْحاحِ القُتوداتِ

يصف الشَّاعر امرأة عجيبة الصُّورة والحال، ويقول بأنها صلعاء لم يبق الدَّهر لها شَعراً، بل لساناً كثير اللَّوم والطَّلب، ويمعن الغزال في وصفها بطريقة تهكميَّة ومسيئة عندما أسقط عمامتها، وبانت صلعتها تلمع كأنَّها خوذة جندي، الخوارج، ويستمر في سخريته لمّـــَّـــا شبَّه كاهلها بسنام النَّاقة المجرود من كثرة الأسفار، واحتكاكه بخشب الرَّحل.

ومن الأمثلة التي أظهر فيها ميله إلى الدُّعابة قوله: ( الغزال، 1993، ص 49). [الخفيف]

قُلْتُ إِذْ كَرَّرَ المَقالَةَ يَكْفِي

 

أَنْتَ أَوْلى بِدِرْهَمِي أَمْ عِيالِي؟

لَسْتُ مِمَّنْ يَكونُ يخدَعُهُ مِثْـ

 

ـلُكَ فاعْلَمْ بِهذِهِ الأَقْوالِ

ما أُؤدِّي الزَّكاةَ إلا كَما يُعْـ

 

ـصَرُ زِقٌّ مُعَسَّلٌ بالحِبالِ

يعرض الشَّاعر في هذه الأبيات إلى متسوِّل ألحَّ عليه في طلب المال، وقال في نفسه، إذا كرر إلحاحه في طلب المعونة سأعلمه بأنَّ عيالي أحقُّ منك في ذلك، وأنَّني لست ممَّن تنطلي ليه هذه الأقوال، ويبدو أنَّه ليس ممَّا يوجب عليه إخراج الزَّكاة؛ لأنَّه إنسان معسر، وشبَّه أداءه للزَّكاة بنزِّ الشَّراب من الزِّق، وواضح أنَّه أخذ ذلك على سبيل الدُّعابة والمزاح.

سادسًا- الجرأة والنَّقد المجتمعيُّ

اتَّسم الغزال بالشَّجاعة أثناء نقده للمجتمع، واتَّضح ذلك في أكثر من موقف في شعره، لعلَّ أبرزها: (ابن عبد البر، 2008، 3/206). [الخفيف]

ما أرى هاهُنا مِنَ النَّاسِ إلَّا

 

ثَعْلَباً يَطْلبُ الدَّجاجَ وذِيبا

أوْ شَبِيهًا بالقِطِّ أَلْقى بِعَيْنَيْـ

 

ـهِ إلى فَأرة يُريدُ الوُثُوبا

لا يرى الغزال في الناس إلا الطَّمع والجشع، والانقضاض على حقوق الآخرين دون الالتفات إلى القيم، أو الأخلاق، إذْ يشبِّه الحال بشريعة الغاب، الضعيف فيها فريسة للقوي، ورأى فيهم ثعالب أو ذئابًا تطلب دجاجًا، أو قطَّاً ينقضُّ على فأرة. ويلاحظ في هذا القول النَّقد اللاذع للمجتمع الذي تخلَّى عن إنسانيَّته وقيمه، وانحاز إلى النِّفاق والتَّبعيَّة والسَّطو.

وفي موقف آخر ينتقد الفقهاء والقضاة في قوله: ( الغزال، 1993، ص 51). [الخفيف]

لسْتَ تَلْقى الفَقِيْهَ إلَّا غَنيَّاً

 

لَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ يَسْتَغْنُونَا

نَقْطَعُ البَرَّ والبِحارَ طُلَّابَ الرِّ

 

زقِ والقَوْمُ هاهُنا قاعِدُونا

إنَّ لِلقَومِ مَضْرِبًا غابَ عَنَّا

 

لم يُصِبْ قَصْدَ وَجْهِهِ الرَّاكبونا

 

ينصـرف الغزال من خلال هذه الأبيات إلى ظاهرة فساد طبقة الفقهاء من القضاة باختلاسهم أموال العامَّة لقاء أحكام جائرة تبرِّئ فيها الجناة، وتغسلهم من الذُّنوب، وقد أصبحوا أثرياء، وأصحاب أموال طائلة؛ بينما يقطع النَّاس البرَّ والبحر وهم يفتشون عن أرزاقهم، ويكدُّون للحصول عل لقمة عيش حلال. إنَّ هذا النَّقد سمة متجذِّرة في شخصيَّة الغزال، ونابعة من تجربته الذَّاتيَّة، ومعرفته بأحوال النَّاس، وبخاصَّة الطَّبقة الحاكمة التي يعي ما يدور في سراديبها، واتهم القضاة بالغلظة، والشدَّة في تعاملهم مع النَّاس، وقصد بذلك القاضي يخامر، ونراه يصرَّح بذلك في قوله: ( الغزال، 1993، ص 53). [الخفيف]

فَسُبْحانَ مَنْ أَعْطاكَ بَطْشًا وَقُوَّةً

 

وَسُبْحانَ مَنْ وَلَّى القَضاءَ يُخامِرا

يستمرّ الغزال في نقد الأمراض الاجتماعيَّة التي تسبب الفساد والانحلال، وانسلاخ النَّاس عن قيمهم، ومبادئهم، إذْ يقول في باب الرِّياء: ( الغزال، 1993، ص 35). [مجزوء الرَّمل]

وَمُـراءٍ أَخَذَ النّـَا

 

سَ بِسَـمْتٍ وقُطُوبِ

وخُشـُوعٍ يُشْبِهُ السُّقْـ

 

ـمَ وضَعْفٍ في الدَّبِيْبِ

قُلـْتُ هَلْ تَأْلَمُ شَيْئاً؟

 

قالَ أَثْقـالَ الذُّنوبِ

قلْتُ لا تُعْـنَ بِشَيْءٍ

 

أَنْتَ في قالِـبِ ذِيْبِ

إنَّما تَبْنِي عَلى الوَثْـ

 

ـبَةِ في حِيْـنِ الوُثُوبِ

ليْـسَ مَنْ يَخْفى عَلَيْهِ

 

مِنـْكَ هذا بِلَبِيْبِ

يتناول في هذه الأبيات ظاهرة الرِّياء من خلال رجل مخادع يظهر للنَّاس في أكثر من وجه، وقد بهرهم كلامه؛ فدبَّ الخشوع في مسامعهم، كما يدبُّ المرض في الأوصال، وسأله الغزال متهكِّمًا إنْ كان يشكو من آلام، فردَّ عليه بأنَّه لا يشكو إلا من ثقل الذُّنوب. ويمضـي الغزال في محاورته قاصدًا فضحه وانتقاده حينما جعله غير مكترث بأيِّ شيء؛ لأنَّه يلبس جلد ذئب، وبهذا يصبح محصَّنًا، وعلى أُهبة الاستعداد للتَّعاطي مع المسائل المختلفة، وهو واعٍ وصاحب عقل لما يدور حوله، ويجري أمام بصره.

يعود الغزال ليسلِّط الحديث على يُخامر، وينتقده على جهله وسذاجته: ( الغزال، 1993، ص 33).

[المجتث]

لَقَدْ سَمِعْتُ عَجِيْبَاً

 

مِنْ آبِـداتِ يُخَامِـرْ

قَرَأَ عَلَيْهِ غُلامٌ

 

(طه) وسُورَةَ (غافِرْ)

فَقالَ مَنْ قـالَ هذا؟

 

هذا لَعمْرِيَ شاعرْ

أَرَدْتُ صَفْعَ قَفاهُ

 

فَخِفْتُ صَوْلَةَ جائرْ

أَتَيْتُ يَوْمـاً بِتَيْسٍ

 

مُسْتَعْبِراً مُتَحاسِرْ

فَقُلْتُ قُومُوا اذْبَحُوهُ

 

فقالَ إنّـِي يُخامِرْ

يقول الغزال إنَّه رأى العجب العجاب من يُخامر، من ذلك عندما قرأ عليه غلام سورة طه وغافر، فسأل عن القائل لجهله المقيت بكتاب الله، إذْ انصـرف ذهنه إلى أنَّ ما سمعه ليس إلا شِعراً. غضب الغزال منه جرَّاء ذلك، وهَمَّ بصفعه على قفاه؛ لكنَّه خشـي من منظومة القضاء الجائرة، ويمضـي في تشكيل لوحته النَّقديَّة اللَّاذعة بوصفه بالتَّيس الذي ينتظر الذَّبح، ويظهر بصورة بائسة وحزينة، كما وصفه بالقصور أيضًا في فهم ما يوكل إليه من قضايا.

سابعًا- المعارضة

لجأ الغزال في بعض قصائده إلى معارضة الشُّعراء الكبار من المشارقة، من ذلك قوله: (ابن عبد ربه، 2003، 263/295). [الطويل]

وكَمْ ظاعِنٍ قَدْ ظَنَّ أَنْ لَيْسَ آيباً

 

فَآبَ وأَوْدَى حاضِرونَ كَثِيْرُ

وإنَّ الذِي أَعْظَمْتِهِ مِنْ تَغَرُّبِي

 

عَلَيَّ وإِنْ أَعْظَمْتِ ذاكَ يَسِيْرُ

رَأَيْتُ المنايا يُدْرِكُ العُصْمَ عَدْوُها

 

فَيُنْزِلُها والطَّيْرُ مِنْهُ تَطِيْرُ

تشكو زوجته في هذه القصيدة من كثرة أسفاره واغترابه عنها، ويعارض الغزال فيها الشَّاعرَ الكبير أبا نُواس(199هـ) في قصيدته التي مطلعها: (ابن عبد ربه، 2003، 263/295). [الطويل]

أَجَارَةَ بَيْتَيْنا أَبُوكِ غَيُورُ

 

ومَيْسُورُ ما يُرْجَى لَدَيْكِ عَسِيْرُ

وإِنْ كُنْتِ لا خِلْمَاً ولا أَنْتِ زَوْجَةٌ

 

فَلا بَرِحَتْ دُوني عَلَيْكَ سُتُورُ

ولهج الغزال بأسلوب شعراء آخرين، وجاراهم في شعره، من ذلك قوله: (ابن عبد ربه، 2003، ص88).

[الكامل]

خَرَجَتْ إِلَيْكَ وَثَوْبُها مَقْلُوبُ

 

وَلِقَلْبِها طَرَباً إِلَيْكَ وَجِيْبُ

وكأَنَّها في الدَّارِ حِيْنَ تَعَرَّضَتْ

 

ظَبْيٌ تَعَلَّلَ بالفَلا مَرْعُوبُ

وتَبَسَّمَتْ فَأَتَتْكَ حِيْنَ تَبَسَّمَتْ

 

بِجُمانِ دُرٍّ لَمْ يَشِنْهُ ثُقُوبُ

يحاكي الغزال في هذه الأبيات طريقة شاعر مشـرقيٍّ له قصائد ساخرة وضاحكة، والشاعر المقصود هو ابن أبي حُكيمة راشد بن إسحق الكاتب(240هـ)، وهدف الغزال من ذلك إثبات جدارته وبراعته، ومجاراة المشارقة في معانيهم ومقاصدهم وأساليبهم. وللشَّاعر المشرقيِّ هذا ديوان شعر فيما لا يسرُّ، ولا ينفع.

المطلب الثاني: ملامح شخصية ابن عبد ربه(ت328هـ)

وددت قبل البدء بملامح شخصيته أن أعرج قليلا على ترجمته المبثوثة في أكثر من مصدر من مصادر التراث، حيث وقع بين يدي كتاب تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي(ت403هـ)، الذي أثبت سنة وفاته خطأ، إذ عرَّفه بـ” أحمد بن محمد بن عبد ربه الشاعر، ابن حبيب بن حدير بن سالم… من أهل قرطبة… وهو شاعر الأندلس وأديبها، كتب الناس عن تصنيفه وشعره، وأخبرنا عنه العائذي وغيره. توفي يوم الأحد لاثنتي عشـرة ليلة، بقيت من جُمادى الأولى، سنة اثنتين وثمانين وثلاثمئة، ( ابن الفرضي، ترجمة 118، ص48)، ولم أر روايات مختلفة في سنة وفاته سوى هذه الترجمة، وجلها يُجمع على أن وفاته كانت سنة 328هـ. وكان لشعر ابن عبد ربه محبُّون، إذ جاء في كتاب مطمح الأنفس للفتح بن خاقان، أن الخطيب أبا الوليد بن عباد حجَّ وهمَّ بلقاء المتنبي(ت354هـ) ، لفائدة يكتسبها، والتقيا في مسجد عمرو بن العاص، فقال له المتنبي أنشدني لمليح الأندلس، وقصد بذلك ابن عبد ربه، فأنشد الأبيات الآتية:(ابن خاقان، 1983، ص273). [الكامل]

يا لؤلؤاً يسبي العقولَ أنيقاً

 

ورشاً بتقطيعِ القلوبِ رفيقا

ما إن رأيتُ ولا سمعتُ بمثلِه

 

درّاً يعود ُمن الحياءِ عقيقا

وإذا نظرتَ إلى محاسنِ وجهه

 

أبصرتَ وجهَكَ في سناه غريقا

يا مَنْ تَقطَّع خِصْره من رقِّه

 

ما بالُ قلبِك لا يكونُ رقيقا

ولما فرغ منها، صفق المتنبي بيديه قائلاً: “يا بن عبدربه، لقد تأتيك العراق حبوا”، وهذه شهادة إعجاب بشعر ابن عبد ربه، من شاعر تربَّع على عرش الشعر في العصر العباسي، في حين يرى الشاعر الأندلسي القلفاط (ت582هـ) كتابَ العقد الفريد، وما جاء به من شعر، بأنه حبل ثوم، سخرية لما كان بينهما من مهاجاة ساخرة، وهو شاعر قرطبي هجّاء، لا يوقر كبيراً ولا صغيراً ، (أيمن ميداني، 2003، بحث: الممحصات في الشعر الأندلسي، هامش رقم 14، وهذا البحث غير متوفر ورقياً)، وهذا الكلام دلالة على الضعف والركاكة، وإن في ذلك جوراً وتجنياً.

ومن خلال التقصـي والبحث رصدنا عددًا من ملامح شخصيته، كانت على النحو الآتي:

أولاً- واسع الثقافة

لعل المتتبع لأجزاء العقد الفريد، سيلاحظ ثقافة ابن عبد ربه الواسعة، وإلمامه الكبير بعلوم مختلفة، وفنون متنوعة، واطلاعه على التراث الأدبي، وقد نظم أرجوزة تاريخية في مغازي عبد الرحمن الناصر لدين الله التي امتدت من سنة (300-322هـ). كما نظم أرجوزة في علم العروض، بيَّن فيها أبوابًا مختلفة، منها باب العلل والفواصل والزحاف، والأعارض والضـروب.( ابن عبد ربه، 2003، ص253).

ومن الإشارات التي تدل على ثقافته وتأدبه وصفهُ القلم الذي يعدُّ سمة بارزة لشخصية مَن يحمله:

( ابن عبد ربه، 2003، ص124، 212). [ الكامل]

يا كاتبًا نَقَشَتْ أنامِلُ كَفِّهِ

 

سِحْرَ البَيانِ بلا لسانٍ يَنْطِقُ

إلا صَقِيْلَ الَمتْنِ مَلْمومَ القُوى

 

حُدَّتْ لَهازِمُهُ وَشُقَّ المفْرقُ

فإذا تَكَلَّمَ رَغْبَةً أو رَهْبَةً

 

في مَغْرِبٍ أَصْغَى إليهِ المشْـرِقُ

يمجد دور القلم في الحياة، ويصفه بالسحر واللسان، كما يصف طريقة إعداد قصبته التي تمر في مراحل مختلفة من الصقل والتقطيع، والتمشيق والتهذيب والبري، وينوِّه إلى قوة هذا القلم، إذ تترجم ما خطَّه القلم إلى قرارات مكتوبة، يصغي لها القاصي والداني رهبة بما هو مكتوب.

وفي موطن آخر يجاري الشعراء المشارقة في وصف القلم وتصويره ببديع الصور، منها: ( ابن عبد ربه، 2003، ص236) .[المنسرح]

نظامُ درِّ الكلامِ ضمَّنهُ

 

سلْكًا لخطِّ الكتابِ مُسْتَطِرا

ترى المقاديرَ تسْتَدِفُّ له

 

وتُنْفِذُ الحادثاتُ ما أمَرا

يشبه تنضيد الكلام ورصفه في الكتاب، بسلك الدرّ المنضود، ويرى أن النوائب تنفذ ما خط للنفس من أقدار، وفي صفة الأقلام يقول: ( ابن عبد ربه، 2003، ص236) .[السريع]

ومعشـرٍ تنْطقُ أقلامهمْ

 

بحِكْمةٍ تَلْقَنُها الأعينُ

تلفظُها في الصَّكِ أقْلامُهُمْ

 

كأنما أقلامهم ألسنُ

يخاطب ابن عبد ربه معشر الكتاب، ويتعجب من الحِكمَ التي تخطها أقلامهم الناطقة في الوثائق والدساتير.

عَرَف ابن عبد ربه آداب الزيارة، ولا سيما عيادة المريض، وكان مثقفاً في هذا الجانب: ( ابن عبد ربه، 2003، ص124). [البسيط]

لا غرْوَ إنْ نالَ منكَ السُّقْمُ والضَّـرَرُ

 

قد تُكسفُ الشمسُ لا بل يُخسفُ القمرُ

إنْ يُمسِ جسمُك موعوكًا بِصالِيَةٍ

 

فهكذا يُوعك الضِّـرْغامَةُ الهَصِـرُ

أنتَ الحُسامُ فإنْ تُفْلَلْ مَضارِبُهُ

 

فَقَبْلَهُ ما يُفَلُّ الصَّارمُ الذَّكرُ

وتعد زيارة المريض والاهتمام به ثقافة وواجباً إنسانياً، إذ نرى ابن عبد ربه يرفع من معنويات المريض عندما يستحضـر ظاهرة الكسوف والخسوف، فالشمس والقمر نجمان معرضان للكسف والخسف، فكيف بالإنسان الذي يعد من أضعف المخلوقات؟ ثم يقدم الأسد مثالاً على تعرضه للأسقام والنحول، ويخاطبه بقوله: أنت سيف، فكم من سيوف ثلمت مضاربها بسبب ضربات سيفك.

ويكرر موقفًا شبيهًا بذلك في أبيات أخرى، منها:(الأعراف، 160/7). [البسيط]

لا غرْوَ إنْ نالَ مِنْكَ السًّقْمُ ما سَأَلا

 

قدْ يُكْسَفُ البدرُ أَحْيانًا إذا كَمُلا

ما تشتكي علةً في الدَّهْرِ واحدةً

 

إلا اشتكى الجودُ من وجدٍ بها عَلَلا

يشابه مضمون البيتين مضمونَ الأبيات السابقة؛ لكن يؤخذ على الشاعر بأن أسند للقمر ظاهرة الكسوف، وهي للشمس، وكان حرياً أن يقول (يُخسف البدر)، وبهذا يستقيم الوزن والمعنى.

ومن الثقافات المجتمعية التي حرص ابن عبد ربه على محاربتها التنجيم: ( ابن عبد ربه، 2003، ص73).

[الهزج]

فأينَ الزَّيجُ والقانو

 

نُ والأرْكـَنْدُ والكـمَّهْ

سوى الإفكِ على اللـهِ؟

 

تعالى مُنْشِـرُ الرّمّهْ

إذا كان أخو النَّجْمِ

 

يرى الغيبَ بما ضمّهْ

فلا واللـهِ ما للـهِ

 

خَلْـقٌ يحتوي علمَهْ

يتساءل عن الزيج والقانون وهما علمان يعرف بهما حركة الكواكب السيارة، بينما الأركند والكمه كتابان هنديان للدراية بالتنجيم، ومن هنا يرى ابن عبد ربه أن التنجيم إفك وبُطلان، في حين يرى أن البحث في حركة الأفلاك علم صريح، ولا يجوز الخلط بينهما. فهو يدافع عن علم، ويحارب إفكًا، ويستدل من هذا الكلام بأنه واعٍ ومثقف في هذا المضمار.

وكان ابن عبد ربه على دراية بالقصص القرآني، والتراث التاريخي، كما أُعجب بشعر السابقين، حيث كان مطلعًا ومتأثراً بشعر الآخرين. من الأمثلة على ذلك: ( ابن عبد ربه، 2003، ص41).

ولو أنَّ موسى جاءَ يضـربُ بالعصا

 

كما انْبَجَسَتْ منْ ضَرْبَةِ البُخلاءِ

يتحدث الشاعر عن فساد الأخوة والبخل الذي حل مكان الجود والكرام، ومن شدة البخل يلاحظ في هذا القول تأثره بعكس الآية الكريمة ” وأوحينا إلى موسى، إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر؛ فانبجست منه اثنتا عشرة عينًا”، ( ابن عبد ربه، 2003، ص240) وهذا دليل على أنه كان مطلعاً على أكثر من حقل.

وقد لاحظنا الكثير من الأبيات التي يبدو فيها ابن عبد ربه متأثراً بالقرآن الكريم؛ لكن المقام لا يسمح بإيراد المزيد.

ومن الأقوال التي يظهر فيها استدعاؤه للتاريخ جليَّاً: (ابن عبد ربه، 2003،ص73)، ( ابن الرومي، 2003، ص803). [البسيط]

في غزوة ٍ مئتا حصنٍ ظَفِرتَ بها

 

في كلّ ِحصْنٍ غواةٌ للعَناجيجِ

ما كان ملكُ سليمانَ ليدركها

 

والمبتني سدَّ يأجوج ومأجوج

يبالغ ابن عبد ربه في مدحه للناصر عبد الرحمن، وإنه ظفر بنصر مؤزر بعد فتح مئتي حصن، واستيلاء على ما فيها من جياد الخيل، ويرى أنَّ ما تأتى للخليفة لم يتأتَّ لسليمان في ملكه، ولا لمن شيَّد سدَّ يأجوج ومأجوج، وهذا كناية عن عظيم النصـر الذي حاز عليه.

وفي موقف آخر يقول: ( ابن عبد ربه، 2003، ص210).[البسيط]

يا ناصرَ الدينِ هذا النَّصْـرُ قدْ نَزَلا

 

وأخْمَدَ اللهُ كفرًا كانَ مشْتَعلا

حكتْ حنينًا وبدرًا وقعةٌ نزلت

 

بالمشـركين أراحتْ منهم السُّبلا

يخاطب ابن عبد ربه الخليفة ناصر الدين، ويرى أن النصـر أزاح الكفر، وطهَّر المكان، ويشبه هذه المعركة بغزوتَي بدر وحنين، وما حل فيهما للمشركين من قتل وتشريد وإذلال.

ويمضي في مدح الخليفة بقوله: ( ابن عبد ربه، 2003، ص112). [المنسرح]

إمامُ عَدْلٍ في رعِيَّتِهِ

 

أشفَقُ من والدٍ على ولدِهْ

أحْيا لنا العدْلَ بعد ميتَتِه

 

وردَّ روحَ الحياةِ في جَسَدِهْ

يعظم الشاعر من العدل الذي أقامه الخليفة بعد فتح قرمونة، والذي كان رحيمًا برعيته وحانيـًا عليها، وقد أحيا العدل بعد طول غياب وتعطَّش له، كما تُحيي الروح الجسد. وفي هذا القول نراه متأثراً بقول ابن الرومي لفظًا ومعنىً ( ابن الرومي، 2003، 1/ 803).

[المنسرح]

فتىً على خُبْزِه ونائلُهُ

 

أشفَقُ من والدٍ على ولدِهْ

رغِيفُه منهُ حينَ يُسْأَلُهُ

 

مَكانُ روحِ الجَبانِ من جَسَدِهْ

ثانيـًا- الميل إلى مجالس الطرب واللهو

لا شك أن الطبيعة الساحرة في الأندلس كان لها أثر بالغ في افتتان الشعراء، وجعلهم مدلَّهين بها، وبكل ما يتعلق بها من غناء وطرب وغزل، ووصف للخمر والقيان، كل ذلك، رسم سمة وملمحًا من ملامح شخصيته. من أقواله: ( ابن عبد ربه، 2003، ص128). [البسيط]

يا ًمجلسًا أينعتْ منه أزاهرُه

 

يُنسِيك أولَه في الحسنِ آخرُه

والعودُ يخفِقُ مثناهُ ومَثْلَثُهُ

 

والصُّبْحُ قدْ غَرَّدَتْ عصافرُهُ

كأنما العودُ فيما بيننا ملِكٌ

 

يمشـي الهُوَينى وتتلوهُ عساكرُهُ

كأنَّهُ إذ تمطَّى وهْي تَتْبَعُهُ

 

كسـرى بنُ هرمزُ تقفوهُ أساورُهُ

يصف مجلس الغناء الذي يبسم له العازفون والحاضرون، لما فيه من الحسن والجمال، ويبدأ بوصف آلة العود التي يُسمع نغمات أوتارها، الأول والثالث، وكأنهما زقزقة عصافير الصباح، ويشبه العود بالملك الذي يمشـي الهوينى على السجاد الأحمر، وباقي آلات الطرب بحرس الشرف الذي تتبعه هالة وإجلالاً لمقامه، ويرسم صورة أخرى باستحضاره شخصية ثراثية هي كسـرى، وقد شبه العود بها، كما شبه الآلات الأخرى بأساوره التي ترن عند المسير.

ونراه يسترسل ويبدع في وصف آلة العود: ( ابن عبد ربه، 2003، ص240). [المنسرح]

جوفاءُ مضْمومةٌ أصابعُها

 

في ساكناتٍ تحريكُها نَغَمُ

أربعةٌ جُزِّئتْ لأَرْبَعَةٍ

 

أجْزاؤها بالنُّفوسِ تَلتَحِمُ

أصغرُها في القلوبِ أكبرُها

 

يُبعثُ منهُ الشَّفاءُ والسَّقمُ

يريد أن يقول بأن العود صندوق خشبي أجوف، يأخذ شكلا بيضاويَّـًا، ثم يضيق في ناحية، ويمتد عليه أربعة أوتار، تقابل الطبائع الأربعة عند النفس البشـرية، وممَّا قاله في الغزل: ( ابن عبد ربه، 2003، ص95). [البسيط]

الجسمُ في بلدٍ والرُّوحُ في بلدٍ

 

يا وحشةَ الرُّوحِ بل يا غربة الجَسَدِ

إنْ تبكِ عيناكَ لي يا مَنْ كُلِفتُ بهِ

 

من رحمةٍ فهما سَهْماكَ في كبدي

يكتوي ابن عبد ربه بنار الغربة ووحشتها؛ وذلك للمسافات الشاسعة بين الجسد والروح، ويقصد فراق المحبوبة عنه، ومع ذلك لا يريد لها أن تذرف العبرات عليه، فهي سهام مسددة نحو كبده، وتتركه معلولاً.

ويعرض ابن عبد ربه إلى جمال صوت المغنين والمغنيات في قوله: ( ابن عبد ربه، 2003، ص253).

[الخفيف]

رجْعُ صَوتٍ كأنهُ نظمُ دُرٍّ

 

ما يَرى سِلْكُهُ سوى الآذانِ

تَنْفُثُ السِّحْرَ بالبيانِ من القو

 

لِ ولا سحرَ مِثلُ سِحرِ البيانِ

يشبه صوت المطربين والمطربات لحسنه بالدر المنظوم، الذي لا يُرى ولا يشعر به سوى الآذان المصغية؛ لأن هذه الأصوات تنفث السحر والجمال في المكان، وهو يقصد بطبيعة الحال طلاوة الكلمات وحلاوتها.

ويقول في صفة الخمر والساقي وما يتصل بهما: ( ابن عبد ربه، 2003، ص42). [الطويل]

وأزهرَ كالعيوقِ يسعى بزهراءِ

 

لنا منهُما داءٌ وبُرْءٌ من الدَّاءِ

ألا بأبي صُدْغٌ حكى العينَ عطفُهُ

 

وشاربُ مسْكٍ قد حكى عطفَة الراءِ

فما السِّحْرُ ما يُعزى إلى الأرضِ بابلٍ

 

ولكنْ فتورُ اللَّحْظِ من طرْف حوراءِ

وكفٌّ أدارتْ مذهبَ اللَّونِ أصْفَرا

 

بمُذهبةٍ في راحةِ الكفِّ صفراءِ

يتغنى الشاعر بطلة الساقي صاحب اللباس الأبيض النقي، وكأنه نجم العيوق – في نضارته وبريقه ولمعان لباسه- يحمل كؤوس الخمر الأبيض الصافي، إذْ يرى في الساقي والخمر داءً لولعه بهما، وفي الوقت نفسه شفاءً لهذا الداء، ويمضـي في تشبيه سوالف الساقي في انحنائها بحرف العين، وشاربه المعقوف بحرف الراء، ويقول إذا كان السحر والتنجيم ينسب لبابل في العراق، فإن النظرات والسهام الجارحة تصدر من عيون حور، ويمضـي بإسقاط اللون الأصفر المذهب على الخمر، مع أنه وصفها في البيت الأول باللون الأبيض، ويبدو أن الكؤوس المذهبة هي التي عكست هذا الصفار والتهذيب على الخمر.

وفي أبيات أخرى يصف الخمر وكأنها ممزوجة بأكثر من لون: ( ابن عبد ربه، 2003، ص99).

[الوافر]

موردةٌ إذا دارتْ ثلاثًا

 

يُفتَّحُ وَردُها وَردَ الخدودِ

فإنْ مُزِجَتْ تخالَ الشمسَ فيها

 

مطبَّقةً على قمرِ السُّعودِ

يعجب الشاعر من الخمر، لوردية لونها، ويرى أن أثرها يُكسب الخدود حمرة لون الورد إذا ما احتسيت ثلاثًا، وما ذلك إلا دليل على العناية بها، وتعدد مراحل تعتيقها في الدنان. يستـمر في الحديث عن مزج أنواع من الخمور، ويقصد بذلك سكب نوع في آخر داخل قدح واحد، والصورة الجميلة التي تبزغ هنا جرّاء هذا الامتزاج هي ظاهرة الكسوف التي يحجب فيها القمر جزءًا من الشمس، في إشارة منه إلى تداخل الألوان قبل وصولها إلى المرحلة الأخيرة من المزج، وهذه مقاربة أجاد الشاعر في استحضارها بين ظاهرة الكسوف ومزج الألوان. كما يتغزل في الخمر في قوله: ( ابن عبد ربه، 2003، ص133). [الوافر]

ورادِعةٍ بأنْفاسِ العَبيرِ

 

مُقَنَّعَةِ المفارقِ بالقَتيرِ

جَلَتْها الكاسُ فاطَّلعتْ علينا

 

طلوعَ البِكرِ في حُلَلِ الحريرِ

كأنَّ أديمَها ذَهَبٌ علَيهِ

 

أكاليلٌ من الدُّرِّ النثيرِ

يتغنى الشاعر برائحة الخمر، وكأنها عبير ورود يفوح، وهي علامة فارقة في جودته، ويعلو الزبد هذه الأقداح، فجاء صفاء الخمر من الأواني المصقولة التي شبهها بالبكور المتشحات بالحرير، كناية عن زخرفة كؤوس الخمر، وما زان جوانبها من رسومات وتزيينات مورَّقة، ويقدم صورة أخرى للخمر، إذْ يشبه كؤوسها المغلفة بالجلود- لصفارها- بالتاج المرصع بالتبر، يعلوها فقاعات الخمر، وكأنها إكليل من حبَّات الدرِّ الذي يُجمل ذلك التاج.

ثالثــًا- النصح والإرشاد

من الطبيعي أن يصبح الإنسان مع تقدم السن واعظاً ومرشدًا في محيطه، بحكم التجارب الذاتية في حياته. من هذه المواقف: ( ابن عبد ربه، 2003، ص87). [المديد]

عادِ منها كلَّ مَطبوخِ

 

غيرَ داذيٍّ ومَفضوخِ

واعتقدْ من ودِّ أهلِ الحِجى

 

كلَّ ودٍّ غير مَشْدوخِ

إنَّ في العلمِ وآثارِه

 

ناسخًا من بُعدِ مَنْسوخِ

يبين في نصيحته هذه أن على الإنسان أن يتجنب أي مطبوخ ومعالج، سوى الداذي الذي يشبه الشعير، وعصيـر العنب الذي سيؤول إلى نبيذ مشتهى، والحال نفسها في التحقق من ودِّ الناس الخالص له، وهذا ما يشبه العِلم ففيه مسح وتصحيح وإثبات ما هو جديد.

وفي موطن آخر يحث على المبادرة بالتوبة وأعمال الخير: ( ابن عبد ربه، 2003، ص94).[البسيط]

بادرْ إلى التوبةِ الخَلصاءِ مُجْتهدًا

 

والموتُ ويْحكَ لم يمدُدْ إليكَ يَدا

وارقُبْ من اللهِ وعدًا ليسَ يُخلِفُهُ

 

لا بُدَّ للهِ مِنْ إِنْجازِ ما وَعَدا

يُقدم ابن عبد ربه النصيحة للإنسان بأن يعود إلى الله، ويتوب توبة نصوحة؛ لأن الموت لا يعلمك بمجيئه، والتوبة لا تجزى إلا بمسح الذنوب ودخول الجنة، وهذا ما وعد به الله.

رابعـًا- جنوحه للطبيعة والتغني بها

نراه يستمتع بأحضان الطبيعة، ويصف الرياض التي يلجأ إليها لتبديد همومه: ( ابن عبد ربه، 2003، ص183). [الطويل]

وما روضَةٌ بالحَزْن حاكَ لها النَّدى

 

بُرودًا من المَوشيِّ حُمْرَ الشَّقائِقِ

يُقيمُ الدُّجى أعْناقَها ويُمَيْلْها

 

شُعاعُ الضُّحى المستنُّ في كلِّ شارقِ

إذا ضاحكتْها الشمسُ تبكي بأعْينٍ

 

مُكَّللةِ الأجفانِ صُفْرِ الحَمالِقِ

حَكتْ أَرْضُها لونَ السَّماءِ وزانَها

 

نجومٌ كأمْثالِ النُّجومِ الخَوافِقِ

بأطيبَ نشـْرًا من خلائِقِهِ التي

 

لها خَضَعَتْ في الحُسنِ زُهْرُ الخَلائِقِ

يرى في وقت الصباح بستانًا ملتف الشجر والورود، وعلى أوراقه تنسجُ قطراتُ الندى مع النواوير الحمر أثوابًا قشيبة، وعند شروق الشمس، تبدأ هذه القطرات بالتساقط وكأنها دموع ذرفت على حبيب، ويشبه هذه الورود بالنجوم المتلألئة، وكأن هذا الروض مرآة، تُظهر صورة السماء بنجومه، والعبق ينتشـر في أرجاء المكان، وينافس أجود صنوف العطر شهرةً، ولعل هذه الصور البديعة علامة بارزة على تعلق الشاعر بالطبيعة وجمالها، الأمر الذي جعل ذلك ملمحًا من ملامح شخصيته.

وقال ابن عبد ربه في وصف بستان:) ( ابن عبد ربه، 2003، ص 201). [الطويل]

تحفُّ به جَنَّاتُ دُنيا تعَطَّفَتْ

 

لصائِفَةٍ في الحَلْيِ شاتيَةٍ عَطْلى

مُطَبَّقَةُ الأَفْنانِ طَيِّبَةُ الثَّرى

 

مُحَمَّلةٌ ما لا تُطيقُ حَمْلا

كأنَّ بَني حامٍ تَدَلَّتْ خِلالَها

 

فوافقَ مِنها شَكْلُها ذلك الشكْلا

وإنْ عُصِـرِتْ مجَّتْ رُضابًا كأنَّها

 

جَنى النَّحْلِ من طيبٍ وما تَعرفُ النَّحْلا

كأن مذاقَ الطَّعْمِ منها وطعْمُها

 

لِثاتُ عَذارى ريقُها الشَّهْدُ وأحْلى

يصور بستانًا وقد حفَّت به أشجار الكرمة، عناقيدها كالمجوهرات سوداوية صيفية، وبطبيعة الحال تصبح الكرمة جرداء في الشتاء، بلا ورق ولا براعم ولا قطوف، ويرى أن أغصانها ملتفة ومتشابكة، تحمل من الجنى أكثر من طاقتها، إذْ يشبه ثمر الكرمة بقوم ِحام، بجامع السواد والشكل، ويشبه مذاقها بمذاق فريد، لا يعرف النحل عنه شيئًا، ويقصد هنا أن طعم هذه القطوف أحلى وأطيب من الشهد، وهذا التصوير للبستان لا يكون إلا من عاشق للطبيعة ومدلَّه بحبها، لما تحويه من المياه والرياض والبساتين، وما يتخللها من الزهور والأثمار والأطيار.

ويتنبه إلى وصف الحيوان والطير الذي يدلف إلى هذه الحدائق والبساتين: ( ابن عبد ربه، 2003، ص139). [الكامل]

نَعبَ الغرابُ فقلتُ أكذبَ طائرٍ

 

إنْ لم يصدِّقْهُ رغاءُ بَعيرِ

رِدُّ الجِمالِ هُوَ المُحَقِّقُ للنَّوى

 

بلْ شرُّ أحْلاسٍ لَهُنَّ وكُورِ

اتخذت العرب الغراب رمز شؤم، وتكرس ذلك في الموروث الشعبي؛ لكن بعض الشعراء – كما يظهر في البيتين- يعد الجمال سبباً في اختلاق فراق الأحبة، والبعد عن الديار، فهي تحمل متعلقات الإنسان ومقتنياته، لذا فهي الأَوْلى بهذا النذير، وليس الغراب، ومن ذلك ما قاله أحد الشعراء في العقد الفريد: (وما الشؤم في نعب الغراب ونعقه = وما الشؤم إلا ناقة وبعيرُ/ ابن عبد ربه، 2003، 5/320).

ليْثٌ تَطِيرُ لهُ القُلوبُ مخافةً

 

منْ بينِ هَمْهَمَةٍ له وزَئِيرِ

وكأنَّما يُومي إليكَ بِطَرْفِهِ

 

عن جَمْرَتَينِ بِجَلْمَدٍ مَنْقورِ

وفي وصف الأسد يقول: (ابن عبد ربه، 2003، ص138). [الكامل]

يصف خفقان القلوب من هيبة الأسد خلال همهمته، وزئيره، ويشبه عينيه الغائرتين في رأسه، بجمرتين منقوشتين داخل حجر صلد. ويصف حمامة ساجعة: ( ابن عبد ربه، 2003، ص258). [الكامل]

ولَربَّ نائِحَةٍ على فَنَنٍ

 

تُشْجِي الخَليَّ وما بِهِ شَجْوُ

وتغرَّدَتْ في غُصْنِ أَيْكَتِها

 

فَكأنَّما تَغْريدُها شَدْوُ

يقابل الشاعر بين حالتين عند الحمامة، حزينة تنوح على غصنها كهمِّ المختلي وما به حزن، وسعيدة، وهي تهدل على الشجر، تعبيرًا عن فرح وسرور، وكأنه يريد القول بأن هذه هي الحياة الدنيا لا تصفو لأحد، فهي أيام مرح وفرح، وأيام حزن ومصائب، وهكذا تبقى الأيام دولاً في الحياة البشرية.

خامسًا- زاهدًا

لاشك أن الزهد والتقشف من متطلبات الحياة ، لأمر فطري، لما لذلك من أثر على النفس في استقرارها، وقناعتها، وسكونها، يقول ابن عبد ربه في وصف الدنيا: ( ابن عبد ربه، 2003، ص49). [الطويل]

ألا إنَّما الُّدنْيا نَضارةُ أيْكَةٍ

 

إذا اخضـرَّ منها جانبٌ جفَّ جانبُ

فَكمْ سَخِنَتْ بالأمسِ عينٌ قريرةٌ

 

وقرَّتْ عيونٌ دمعُها اليومَ ساكبُ

فلا تكتحلْ عيناك فيها بعبرةٍ

 

على ذاهبٍ منها فإنَّكَ ذاهبُ

يحذر ابن عبد ربّه من أن الدنيا فانية ومتقلبة، ولا تصفو لأحد على مرور الزمن، إذْ يشبهها بالشجرة الضخمة الملتفة الأغصان التي نجد منها جانباً يانعاً ، ويابساً من جانب آخر، وكأنه يريد القول بأن الدنيا ثابتة في شيء واحد هو التقلب من حال إلى حال، وعدم الدوام، فبالأمس أقرَّت عيونًا وأدمعتها اليوم، وكثيرًا ما أبكت عيونًا بالأمس وهي قريرة في يومها، لذا نراه يحثُّ الناس على عدم ذرف الدموع على فراق الأحباب؛ لأن الذهاب مصير الناس والخلائق أجمعين.

وله دعوة صريحة للمتطلعين إلى العمل في بلاط السلطان في قوله: ( ابن عبد ربه، 2003، ص90).

[الطويل]

تجنَّبْ لباسَ الخَزِّ إنْ كنْتَ عاقلاً

 

ولا تْختتمْ يومًا بفَصِّ زَبَرْجَدِ

ولا تَتَطَيَّبْ بالغَوالي تَعَطُّرًا

 

وتَسْحَبَ أذيالَ الملاءِ المعَضَّدِ

ولا تَتَخيَّرْ صَيِّتَ النَّعْلِ زاهيًا

 

ولا تَتَصَدَّرْ في الفِراشِ الممَهّدِ

يدعو المتطلعين للعمل في حاشية السلطان إلى العزوف عن هذا المسعى، والتزهد في هذه الدنيا، ويرسم صورة أولئك المشتغلين في قصور الخلافة، بأنهم يلبسون الحرير، ويتصبعون بخواتم من الزبرجد، ويتطيبون بأجود أنواع العطور، وهو خاص بالغوالي، وينتعلون الأحذية التي تصدر صريرًا، ويجلسون على فراش وثير، ومع هذه المزايا الفريدة ينهاهم عن السعي في طلبها.

سادسًا- المعارضة

تأثر الشعراء الأندلسيون بنظرائهم المشارقة في المعارضة والنسج على منوالهم، ولعل هذه السمة من أبرز ملامح شخصية ابن عبد ربه، إذ يتضح ذلك من خلال عدد المقطوعات التي يعارض فيها الشعراء ويجاريهم، من أبرز ذلك قوله في الرد على أبي دلف العجلي عندما تحدى الشعراء في زيادة قافية ثالثة على مقطوعته الظائية المكونة من بيتين، ما حدا بابن عبد ربه للرد عليه.

يقول أبو الدلف: ( ابن عبد ربه، 2003، ص 165)، (ابن ظافر الأزدي، 1992، ص 155)، مع اختلاف طفيف في الرواية: [البسيط]

أنا أبو دُلَفِ المـُبْدِي بِقافِيَةٍ

 

جَوابُها يُهلِكُ الدَّاهي من الغَيْظِ

مَنْ زادَ فيها لَهُ رَحْلِي وراحِلَتِي

 

وخاتَمي والمـُدى فيها إلى القَيْظِ

فأجابه ابن عبد ربه بقوله: ( ابن عبد ربه، 2003، ص 165).[البسيط]

قَدْ زدْتُ فيها وإنْ أضْحى أبو دُلَفٍ

 

والنَّفْسُ قد أشرقَتْ منْهُ على الغَيْظِ

كما دأب ابن عبد ربه على نسج جزء من شعره على منوال السابقين، من خلال مقطعات يجعلها توطئة لبيت شاعر نال إعجابه، وتأثر به، من ذلك: ( ابن عبد ربه، 2003، ص196) . [البسيط]

بَيْنَ الأَهِلَّةِ بَدْرٌ ما له فَلَكُ

 

قَلْبِي لهُ سُلَّمٌ والوَجْهُ مُشْتَرَكُ

ابْتَعْتُ بالدِّينِ والدُّنْيا مَوَدَّتَهُ

 

فخانَنِي فَعَلى مَن يَرجعُ الدَّرَكُ؟

“يا حارِ لا أُرْمَيَنْ مِنْكُمْ بِداهِيَةٍ

 

لم يَلْقَها سُوقَةٌ قَبْلِي ولا مَلِكُ”

يصف الشاعر المحبوبة ويجعلها بدرًا يتحرك بين الأهلة والنجوم بلا مسار، ويرى في قلبه مكانًا لسكينتها، ويجازف من أجل محبوبته بأن استبدل مودته بالدين والدنيا، ونراه يستذكر قول زهير بن أبي سُلمى ويأتي به آخِر مقطوعته (زهير بن أبي سلمى، 2003، ص81). إذ يخاطب فيه الحارث بن ورقاء الذي سلبه إبله.

ومن ذلك أيضًا قوله: [الكامل]

يا وجْهَ مُعْتَذِرٍ ومُقْلَةَ ظالمٍ

 

كمْ مِن دَمٍ سُفِكَتْ بلا دَمِ

أوجدْتِ وصْلي في الكِتابِ مُحَرَّمـًا

 

ووجَدْتِ قَتْلي فِيه غَيْرَ مُحَرَّمِ

كَمْ جَنَّةٍ لكَ قدْ سَكَنْتُ ظِلالَها

 

مُتَفَكِّهًا في لَذَّةٍ وتَنَعُّمِ

وشَرِبْتُ مِن خَمْرِ العُيونِ تَعَلّلا

 

فإذا انْتَشَيْتُ أجُودُ جُودَ المِرْزِمِ

“وإذا صَحَوتُ فما أُقَصِّـرُ عَنْ نَدى

 

وكما عَلِمْتِ شَمائِلي وتَكَرُّمِي”

يبين الشاعر في هذه المقطوعة عددًا من الخصال التي يتسم بها، كالمروءة والكرم والشهامة، ويرى في نفسه عنترة بن شداد من خلال استحضار بيت معلقته، وذيل به مقطوعته. نلاحظ في ديوانه الكثير من المقطوعات التي تمهد لشعراء في حقب متفاوتة، وهذا يتطلب اطلاعًا ممتدًا، وثقافة واسعة، ودراية كافية بعلم العروض، وهذا ما تأتَّى له؛ لأنه نظم أرجوزة في هذا العلم. ( ابن عبد ربه، 2003، ص230). [المديد]

يا وَمِيضَ البَرْقِ بَينَ الغَمامِ

 

لا عَلَيْها بَلْ عَلَيْكَ السَّلامْ

إنَّ في الأحْداجِ مَقْصورَةً

 

وجهُـــها يَهتِــــــكُ سِــــــتْرَ الظَّــــــــــــــــلامْ






تَحْسَــــــبُ الهَجْـــــــــــــرَ حَــــــــــلالاً لَها


|

 

وتَـــــــرى الوَصْــــــــــلَ عَلَيْـــــــهِ حَرامْ

ما تَأسِّــــــــــــــــيْكَ لِــــــــــــدارٍ خَلَــــــــتْ

 

ولِشَــــــــعْبٍ شَـــــــــــتَّ بَعْـــــــدَ التِئـــامْ

“إنَّما ذِكْرُكَ ما قَدْ مَضـى

 

ضلَّةٌ مثلُ حديثِ المَنامْ”

يلقي الشاعر السلام على البرق المنبعث من بين الغيوم، ويبلغه أن له محبوبة مصونة في الهودج، ذات وجه وضاء قادر على إزاحة الظلام من أمامه، وتُعد الهجران والقطيعة حلالاً، وما سوى ذلك فحرام، ويخاطب المحبوبة ويقول: إنَّ تأسيكِ ليس بسبب الديار المقفرة، وتفرق شمل القوم، وإنما تذكار للأيام الماضية الجميلة التي أصبحت ضربًا من الأحلام والتوهان. ونرى أن البيتين الأخيرين لابن عبد ربه والطرماح، يتوافقان في معناهما.( ابن عبد ربه، 2003، ص230). إذ يقول: [المديد]

متى تُؤَسِّيْكَ لِدارٍ خَلَتْ

 

ولشَعْبٍ شَتَّ بعْدَ التئامِ

ويقول الطرماح: [( الطرماح، 1994، ص227). [المديد]

شَتَّ شَعْبُ الحَيِّ بعدَ التَئامِ

 

وشَجاكَ الرَّبْعُ ربْعُ المـَقامِ

ثامناً- منظومة تعليمية

بات لشعر ابن عبد ربه صدىً واسعٌ في أرجاء الأندلس، وأصبح منظومة تعليمية، ووثيقة تاريخية، لما تضمنه من قصائد كثيرة، سجل فيها أحداثًا جسامًا، ووقائع ملحمية، وانتصارات دُكَّت فيها حصونٌ عظيمة، تحت راية مَن عاصر من الخلفاء، وقد أرَّخ لعدد من المعارك الحربية، منها غزوة المـُنتُلون، وفتح إستجَّة، ومعركة بُولاي. من هذه القصائد: ( ابن عبد ربه، 2003، ص70).[البسيط]

قدْ أوْضحَ اللهُ للإسْلامِ مِنْهاجًا

 

والنَّاسُ قدْ دَخَلوا في الدِّيْنِ أفْواجا

وقدْ تَزَيَّنَتِ الدُّنيا لِساكِنِها

 

كأنَّما أُلْبِستْ وَشْيًا ودِيْباجا

يا بنَ الحَلائفِ إنَّ المـُزْنَ لو عَلِمَتْ

 

نَداكَ ما كانَ مِنْها الماءُ ثجاجا

غادرْتَ في عَقوَتَي جِيانَ مَلحَمَةً

 

أبْكَيْتَ منها بأرْضِ الشِّـرْكِ أعْلاجًا

لما رَأَوا حَوْمَةَ الشَّاهينِ فَوقَهُمُ

 

كانوا رُعاعًا حَوالَيْها ودرَّاجا

يمدح ابن عبد ربه في هذه الأبيات الأمير عبد الرحمن بن محمد الذي تلقب بالناصر لدين الله، بعد غزوته الأولى المسماة بالمـُنْتُلون، ويبدو أنه متأثر بآيات من الذكر الحكيم في البيتين الأول والثالث، ويصور كيف أدار هذا الأمير ملحمة كبرى في تخوم مدينة جيان المعروفة بحريرها، وهي من كبريات مدن مَوْسَطة الأندلس، ثم يصف بكاء عساكرهم، وفرارهم أمام هذا القائد المغوار، حيث شبهه بفرار بغاث الطير أمام الصقر الجارح.

ويؤرخ ابن عبد ربه لموقعة إستجَّة في قوله: ( ابن عبد ربه، 2003، ص 84). [الطويل]

سَرى القائِدُ الميـمونُ خَيْرَ سَرِيَّةٍ

 

تَقَدَّمَها نَصْـرٌ وتابَعَها فَتْحُ

ألمْ تَرَهُ أرْدى بإسْتِجَّةَ العِدا

 

فلاقَوا عَذابًا كانَ مَوْعِدَه الصُّبْحُ

فلا عَهْدَ للْمُرَّاقِ من بعدِ هذه

 

يتمُّ لهمْ عندَ الإمامِ ولا صُلْحُ

تَوَلَّوا عَبادِيدًا بِكُلِّ ثَنِيَّةٍ

 

وقدْ مسَّهمْ قَرْحٌ وما مَسَّنا قَرْحُ

يشيد بالفتح الذي قام به الخليفة عبد الرحمن بن محمد على يد بدر الحاجب لمدينة إستجَّة سنة(300هـ)، وهدم قنطرة نهرها وسورها، ويظهر في البيت الثاني والرابع تأثره بآيات من الذكر الحكيم، ويصـرح بأن عهد المارقين والشذاذ قد ولّى، وصاروا في اتجاهات مختلفة)كما جاء في لسان العرب، مادة عبد(، ولحقت بهم الهزيمة وظفرنا نحن بالنصر. ومن المعارك التي سجلها في شعره معركة بولاي التي قال فيها: ( ابن عبد ربه، 2003، ص82). [الطويل]

ذبائحُ راحَتْ يَوْمَ عِيدِ لُحُومِها

 

وما ازْدانَ عيدٌ لا يكونُ به ذبحُ

تُراهِنُ في نَضْحِ الدِّماءِ كأنَّما

 

كَساها عَقِيقًا أحْمراً ذلكَ النُّضْحُ

تَطِيرُ بلا رِيْشٍ إلى كلِّ صَيْحَةٍ

 

وتَسْبَحُ في البَرِّ الذي ما بِهِ سَبْحُ

وكانَ ابْنُ حَفْصونٍ يُعِدُّ جِيادَهُ

 

سَراحِيْنَ قَبْلَ اليَومِ فَهِي لَنا سَرْحُ

دماءٌ شَفَتْ مِنها الرِّماحُ غَلِيلَها

 

فَوَدَّ قَضِيْبُ البانِ لَوْ أنَّهُ رُمْحُ

يصف الشاعر المشهد الدموي في معركة حصن بُلاي الذي جعله ابن حفصون منطلقًا لغاراته على بعض أقاليم قرطبة، وقد تمادى في عصيانه، وبرزت شوكته، فنهض إليه الأمير عبد الله بنفسه، وحشد له، وأنزل به هزيمة نكراء أدت إلى استيلائه على هذا الحصـن. ويرسم لنا صورة الخيول وهي مغيرة، وكأنها طيور سابحة في الفضاء لرشاقتها وخفة حركتها، ومن جانب آخر يصف كيف كان ابن حفصون يهيئ أفراسه، ويدربها، حتى تصبح شبيهة بالذئاب لخفتها، ثم أصبحت في قبضة الأمير ملكاً مستولىً عليه.

الخاتمــــــــة

بعد الفراغ من هذه الورقة العلميَّة، تبيَّن لنا بعض النَّتائج التي كانت على النَّحو الآتي:

  1. إن حياة الغزال الطَّويلة، ساعدت على زيادة ملامح شخصيَّته وبروزها، وجلُّ ذلك نابع من التَّجربة الذاتيَّة له، حيث عاصر خمسة من الخلفاء في عصر قرطبة؛ الأمر الذي صقل شخصيَّته، وأكسبها الكثير من الملامح والتَّفرد.
  2. لعل وسامة الغزال ساعد في تجلِّي ملامح شخصيَّته، وإكسابها بعض الفرص التي هيَّأت له تطوير ذاته، كاشتغاله سفيراً، وتولِّيه جمع الأعشار.
  3. شكل ضياع الكثير من شعر ابن عبد ربه عائقـــًا أمام كشف المزيد من ملامح شخصيته.
  4. كان ابن عبد ربه مولعًا بالتصريع، سائرًا على نهج مَن سبقه من الشعراء.
  5. هناك محبون لشعر ابن عبد ربه وحسَّادٌ في آن، إذ مدح المتنبي شعره بقوله( لقد يأتيك العراق حبوًا)، بينما رأى القلفاط شعر ابن عبد ربه بأنه حبل ثوم، وإن في قول الأخير ظلمًا وافتراءً.
  6. تشارك الغزال وابن عبد ربه في عدد من العلوم والفنون والأهواء.
  7. اتسم شعر الغزال بالمباشرة، والسَّطحية، والجمال، وقلَّما نجد فيه عمقًا، أو غرابة.
  8. اشترك الغزال وابن عبد ربه، في عدد من الملامح، أبرزها أن كليهما كان مثقفًا، وقريبًا من عِلية القوم، وناصحًا، وعلى دراية بالتنجيم، وكذلك في المعارضة و التأثر بشعر الآخرين.

وتوصي خاتمة البحث بعمل دراسة تتناول ملامح شعراء المدينة الواحدة، من ذلك، شعراء إشبيلية، أومرسية، أوغرناطة، لمعرفة تأثير المدينة وخصوصيتها في شعرهم.

لائحة المصادر والمراجع

القرآن الكريم
The Holy Qur’an

الأزدي، علي بن ظافر. (1992م). بدائع البدائه. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. صيدا–بيروت: المكتبة العصرية.

Al-Azdi, Ali ibn Zafir. (1992). Bada’iʿ al-Bada’iʿ. Edited by Muhammad Abu al-Fadl Ibrahim. Sidon–Beirut: Al-Maktabah Al-Asriyyah.

بالنثيا، أنخل جونثالث. (2008م). تاريخ الفكر الأندلسي (ط2). ترجمة: حسين مؤنس. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية.

Palencia, Ángel González. (2008). History of Andalusian Thought (2nd ed.). Translated by Hussein Mounis. Cairo: Maktabat Al-Thaqafah Al-Diniyyah.

الثعالبي، أبو منصور عبد الملك النيسابوري. (2000م). يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر (ط1). تحقيق: مفيد محمد قميحة. بيروت: دار الكتب العلمية.

Al-Tha’alibi, Abu Mansur Abd al-Malik al-Naysaburi. (2000). Yatimat al-Dahr fi Mahasin Ahl al-‘Asr (1st ed.). Edited by Mufid Muhammad Qamihah. Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah.

الحميدي، أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح. (2004م). جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس (ط1). شرح: صلاح الدين الهواري. [د.م.]: المطبعة العصرية.

Al-Humaydi, Abu Abd Allah Muhammad ibn Abi Nasr Futuh. (2004). Jadhwat al-Muqtabis fi Dhikr Wulat al-Andalus (1st ed.). Annotated by Salah al-Din al-Hawwari. [n.p.]: Al-Matba‘ah Al-Asriyyah.

ابن خاقان، أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله. (1983م). مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس (ط1). تحقيق: محمد علي الشوابكة. بيروت: مؤسسة الرسالة.

Ibn Khāqān, Abu Nasr al-Fath ibn Muhammad ibn Ubayd Allah. (1983). Matmah al-Anfus wa Masrah al-Ta’annus fi Mulah Ahl al-Andalus (1st ed.). Edited by Muhammad Ali al-Shawabikah. Beirut: Mu’assasat Al-Risalah.

ابن دحية، أبو الخطاب عمر بن حسن الكلبي. (2008م). المطرب من أشعار أهل المغرب (ط1). شرح: صلاح الدين الهواري. بيروت: المكتبة العصرية.

Ibn Dihyah, Abu al-Khattab Umar ibn Hasan al-Kalbi. (2008). Al-Mutrib min Ash’ar Ahl al-Maghrib (1st ed.). Annotated by Salah al-Din al-Hawwari. Beirut: Al-Maktabah Al-Asriyyah.

ابن الرومي، علي بن العباس بن جريج. (2003م). الديوان (ط3). تحقيق: حسين نصار. القاهرة: دار الكتب القومية.

Ibn al-Rumi, Ali ibn al-Abbas ibn Jurayj. (2003). Diwan (3rd ed.). Edited by حسين نصار. Cairo: Dar Al-Kutub Al-Qawmiyyah.

زهير بن أبي سلمى. (2003م). الديوان (ط3). شرح وتقديم: علي فاعور. بيروت: دار الكتب العلمية.

Zuhayr ibn Abi Sulma. (2003). Diwan (3rd ed.). Introduced and annotated by Ali Faour. Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah.

ابن سعيد، علي بن موسى بن محمد. (د.ت). المرقصات والمطربات. تحقيق: إبراهيم الجمل، وعبد الحميد هنداوي. [د.م.]: دار الفضيلة.

Ibn Sa’id, Ali ibn Musa ibn Muhammad. (n.d.). Al-Muraqqisat wa al-Mutribat. Edited by Ibrahim al-Jamal and Abd al-Hamid Hindawi. [n.p.]: Dar Al-Fadilah.

ابن سعيد، علي بن موسى بن محمد. (1997م). المغرب في حلى المغرب (ط1). وضع حواشيه: خليل المنصور. بيروت: دار الكتب العلمية.

Ibn Sa’id, Ali ibn Musa ibn Muhammad. (1997). Al-Mughrib fi Hula al-Maghrib (1st ed.). Marginal notes by Khalil al-Mansur. Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah.

الطرماح، الحكم بن الحكيم بن نفر بن قيس. (1994م). الديوان (ط2). تحقيق: عزة حسن. [د.م.]: دار الشرق العربي.

Al-Tirmah, al-Hakam ibn al-Hakim ibn Nafar ibn Qays. (1994). Diwan (2nd ed.). Edited by Izzah Hasan. [n.p.]: Dar Al-Sharq Al-Arabi.

ابن ظافر المصري، أبو الحسن علي بن ظافر بن الحسين الأزدي. (1992م). بدائع البدائه (ط2). تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. بيروت: المكتبة العصرية.

Ibn Zafir al-Misri, Abu al-Hasan Ali ibn Zafir ibn al-Husayn al-Azdi. (1992). Bada’iʿ al-Bada’iʿ (2nd ed.). Edited by Muhammad Abu al-Fadl Ibrahim. Beirut: Al-Maktabah Al-Asriyyah.

عباس، إحسان. (2001م). تاريخ الأدب الأندلسي: عصر سيادة قرطبة. عمّان: دار الشروق.

Abbas, Ihsan. (2001). History of Andalusian Literature: The Age of Cordoba’s Supremacy. Amman: Dar Al-Shuruq.

ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله. (2008م). بهجة المجالس وأنس المجالس (ط1). تحقيق: محمد مرسي الخولي. بيروت: دار الكتب العلمية.

Ibn Abd al-Barr, Abu Umar Yusuf ibn Abd Allah. (2008). Bahjat al-Majalis wa Uns al-Majalis (1st ed.). Edited by Muhammad Mursi al-Khuli. Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah.

ابن عذاري، أبو العباس أحمد بن محمد. (2009م). البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب (ط1). تحقيق: ج. س. كولان، وليفي بروفنسال. بيروت: دار الكتب العلمية.

Ibn Idhari, Abu al-Abbas Ahmad ibn Muhammad. (2009). Al-Bayan al-Mughrib fi Akhbar al-Andalus wa al-Maghrib (1st ed.). Edited by G. S. Colin and Lévi-Provençal. Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah.

ابن عبد ربه، أبو عمر أحمد بن محمد. (2003م). الديوان. جمع وتصحيح: محمد رضوان الداية. دمشق: دار الفكر.

Ibn Abd Rabbih, Abu Umar Ahmad ibn Muhammad. (2003). Diwan. Compiled and corrected by Muhammad Ridwan al-Dayah. Damascus: Dar Al-Fikr.

ابن عبد ربه، أبو عمر أحمد بن محمد. (2001م). العقد الفريد (ط1). تحقيق: محمد التونجي. بيروت: دار صادر.

Ibn Abd Rabbih, Abu Umar Ahmad ibn Muhammad. (2001). Al-‘Iqd al-Farid (1st ed.). Edited by Muhammad al-Tunji. Beirut: Dar Sadir.

عنترة بن شداد. (2001م). الديوان. شرح: يوسف عيد. بيروت: دار الجيل.

Antarah ibn Shaddad. (2001). Diwan. Annotated by Youssef Eid. Beirut: Dar Al-Jil.

الغزال، يحيى بن الحكم. (1993م). الديوان (ط1). تحقيق: محمد الداية. بيروت: دار الفكر المعاصر.

Al-Ghazal, Yahya ibn al-Hakam. (1993). Diwan (1st ed.). Edited by Muhammad al-Dayah. Beirut: Dar Al-Fikr Al-Mu’asir.

ابن الفرضي، عبد الله محمد الأزدي. (2006م). تاريخ علماء الأندلس (ط1). تحقيق: صلاح الدين الهواري. بيروت: المكتبة العصرية.

Ibn al-Faradi, Abd Allah Muhammad al-Azdi. (2006). Tarikh Ulama’ al-Andalus (1st ed.). Edited by Salah al-Din al-Hawwari. Beirut: Al-Maktabah Al-Asriyyah.

ابن الكتاني، أبو عبد الله محمد بن الحسن. (1986م). كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس (ط3). تحقيق: إحسان عباس. عمّان: دار الشروق.

Ibn al-Kattani, Abu Abd Allah Muhammad ibn al-Hasan. (1986). Kitab al-Tashbihat min Ash’ar Ahl al-Andalus (3rd ed.). Edited by Ihsan Abbas. Amman: Dar Al-Shuruq.

المقري، شهاب الدين أحمد بن محمد. (د.ت). نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب. تحقيق: إحسان عباس. بيروت: دار صادر.

Al-Maqqari, Shihab al-Din Ahmad ibn Muhammad. (n.d.). Nafh al-Tib min Ghusn al-Andalus al-Ratib. Edited by Ihsan Abbas. Beirut: Dar Sadir.

ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين بن مكرم. (2004م). لسان العرب. بيروت: دار صادر.

Ibn Manzur, Abu al-Fadl Jamal al-Din ibn Mukarram. (2004). Lisan al-Arab. Beirut: Dar Sadir.

أبو نواس، الحسن بن هانئ. (2009م). الديوان (ط1). تحقيق: محمد أنيس مهرات. [د.م.]: دار مهرات للعلوم.

Abu Nuwas, al-Hasan ibn Hani’. (2009). Diwan (1st ed.). Edited by Muhammad Anis Mehrat. [n.p.]: Dar Mehrat lil-‘Ulum.