إنتشار الأسلحة غير المشروعة وتهديدها لاستدامة الأمن الإنساني في السودان
حامد حجر حسن1
1 طالب دكتوراه، تخصص دراسات وثقافة السلام، كلية الدراسات العليا، جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، السودان.
بريد الكتروني: hajerstone11@gmail.com
The Proliferation of Illicit Weapons and Its Threat to the Sustainability of Human Security in Sudan
Hamed Hajar Hassan1
1 Ph.D. student, specializing in Peace and Culture Studies, College of Graduate Studies, Sudan University of Science and Technology, Sudan.
Email: hajerstone11@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj74/5
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/74/5
المجلد (7) العدد (4). الصفحات: 47 - 60
تاريخ الاستقبال: 2026-03-07 | تاريخ القبول: 2026-03-15 | تاريخ النشر: 2026-04-01
المستخلص: تتناول هذه الدراسة أثر انتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة غير المشروعة في السودان بوصفه أحد أخطر المهددات لاستدامة الأمن الإنساني، في ظل تصاعد النزاعات المسلحة وتفاقم الأزمة منذ عام 2023. وتركز الدراسة على تحليل مصادر تدفق السلاح، الخارجية منها والداخلية، وآليات انتشاره داخل البنية المجتمعية، مع بيان انعكاساته المباشرة على حماية الأفراد والمجتمعات، من خلال زيادة العنف، وتعميق النزوح، وتقويض مؤسسات الدولة، وإضعاف فرص السلام والتنمية المستدامة. واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، إلى جانب مدخل تحليل النظم والمنهج الاستشرافي، لتفسير العلاقة بين انتشار السلاح وتدهور أبعاد الأمن الإنساني. وخلصت إلى أن معالجة الظاهرة تتطلب تجاوز برامج نزع السلاح التقليدية نحو مقاربة أكثر شمولاً تربط بين ضبط السلاح، وإصلاح القطاع الأمني، وتعزيز العدالة المؤسسية، وبناء وعي مجتمعي قائم على التعايش وإدارة التنوع، بما يسهم في ترسيخ سلام مستدام في السودان.
الكلمات المفتاحية: الأسلحة الصغيرة والخفيفة، الأمن الإنساني، النزاعات المسلحة، نزع السلاح، السلام المستدام.
Abstract: This analytical paper examines the most critical existential challenge represented by the proliferation and illicit possession of small arms and light weapons (SALW) in Sudan and their direct impact on human security. This phenomenon, which has intensified after decades of conflict, especially following the outbreak of the most recent conflict in early 2023, has become a major driver of ongoing violence and a serious obstacle to stability and sustainable development. It analyses the sources and mechanisms of arms flows, including uncontrolled borders and the diversion of government weapons, and evaluates the devastating consequences of this proliferation for the protection of individuals and communities in Sudan. The study concludes that confronting this threat requires comprehensive strategic measures that go beyond conventional political responses, through strengthening arms control, supporting disarmament, demobilization, and reintegration (DDR) efforts, and promoting the foundations of sustainable peace and human security in Sudan.
Keywords: Small Arms and Light Weapons, Human Security, Armed Conflicts, Disarmament, Sustainable Peace.
المقدمة:
في كل من الخصومات المستمرة بين المجموعات العرقية المتنازعة أو بين الدول في صراعاتها المريرة، تتشكل مسالة المصالح من خلال صور تتشكل جزئياً بدورها بواسطة الهوية، ما نراه تهديداً هو دلالة ما، وإلى حد كبير يعبر عن الطريقة التي نرى بها العالم أو كيف يمكننا تفسيره من خلال سؤال من نحن؟ وعلي ضوء هذه المفاهيم تشكل صور العدو المتأصلة في العقل الجمعي والمعتقدات الجماعية عقبة خطيرة أمام إدارة النزاع، أو جعله روتينياً، أو الحد منه، أو حله أو حتي تحويله.
فبمجرد تشكلها، تصبح صور العدو راسخة بعمق ومقاومة للتغيير، حتى عندما يحاول أحد الخصوم الإشارة إلى تغيير في النوايا والمفاهيم، تساهم هذه الصور نفسها بعد ذلك بشكل مستقل في إستمرار الصراع وتكثيفه.
ومع ذلك، فإن إحتمالات الحد من الصراع العنيف وحله ليست قاتمة كما يوحي هذا التحليل. أرى أن الهويات التي تشكل الصور ليست معطاة، بل يعاد بناؤها إجتماعياً مع تطور التفاعلات وتغير السياقات على مدار مسار الصراعات، مع العمل الجاد في رفع قيم الوعي الجمعي بأهمية السلام كضرورة حياتية، يمكن أن يؤدي التغيير في الهوية إلى إعادة تشكيل الصور، كما يمكن أن يؤدي تغيير الصور إلى تحفيز إعادة بناء الهوية لكي يكون صانعو السلام فعالين في مواجهة الحروب الأهلية المريرة أو الخصومات المستمرة بين الدول أو المجموعات المتنازعة داخل الدولة الواحدة، يجب عليهم معالجة المصالح في السياق الأوسع للصور والهوية.
من خلال المفاهيم الواردة في هذا المحتوي تتجلي بوضوح أزمة النزاعات في السودان، ونحن هنا نحاول أن نطرح أزمة الإنتشار الغير مشروع للاسلحة الخفيفة والنارية كمهدد مستمر لمفهوم الأمن الإنساني.
تُعدّ ظاهرة إنتشار وحيازة الأسلحة الصغيرة والخفيفة غير المشروعة (SALW) واحدة من أكثر العقبات الهيكلية ديمومة وتعقيداً أمام تحقيق الأمن والسلم في السياق السوداني على وجه الخصوص، تُمثل هذه الظاهرة معضلة مزمنة تتشابك مع تاريخ طويل من الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة، وقد تفاقمت بشكل غير مسبوق في أعقاب الإشتباكات الأخيرة عام 2023م. هذه البيئة المضطربة جعلت السودان نقطة جذب وعبور وتداول لملايين القطع من الأسلحة النارية خارج سيطرة الدولة، مما أدى إلى وجود ترسانات كبيرة في أيدي المدنيين والجماعات المسلحة غير النظامية.
إنّ هذا الإنتشار غير المقيد يُشكل تهديداً وجودياً مباشراً لمفهوم الأمن الإنساني الذي يركز على حماية الأفراد من العنف والتهديدات المتعددة. فتأثير السلاح غير المشروع لا يقتصر على تأجيج النزاعات القبلية والسياسية فحسب، بل يمتد ليشمل تقويض سيادة الدولة، وزيادة معدلات الجريمة، وتفاقم الأزمات الإنسانية، والإعاقة المباشرة لأي فرص للسلام والتنمية المستدامة. يهدف هذا البحث إلى تسليط الضوء على هذه المعضلة الخطيرة من خلال تحليل مصادر وآليات تدفق الأسلحة وتقييم تأثيرها المدمر على الركائز الأساسية للأمن الإنساني في السودان، سعياً لتقديم رؤية إستراتيجية متكاملة لجهود نزع السلاح وإستدامة السلام في السودان .
منهجية الدراسة:
تعتمد هذه الورقة على المنهج الوصفي التحليلي، والذي يسعى لرصد واقع إنتشار الأسلحة في السودان وتحليل تداعياته على الأمن الإنساني. كما تستخدم الدراسة مدخل تحليل النظم لفهم مصادر تدفق السلاح وآليات تغلغله في البنية المجتمعية، وصولاً إلى إستخدام المنهج الإستشرافي في صياغة نموذج الأمن التكاملي للهوية كإطار مقترح للحل.
الخلفية التاريخية لمفهوم الأمن الإنساني:
روج برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لهذا المفهوم، الذي أخذ ينتشر فيما بعد هنا وهناك، وتبنته ودعمته دول عديدة، وظهر في العديد من الخطوات التي إتخذتها منظمة الأمم المتحدة، خلال السنوات الماضية، وهو يركز على حماية المدنيين، والأطفال، وتوفير الرعاية الصحية، ومكافحة المخدرات والهجرة الإجبارية، ومكافحة إنتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة وإساءة إستخدامها، وتلوث أراضي المجتمعات المحلية بالألغام ومخلفات الحروب، وغيرها. ويعود إنتشار هذا المفهوم الجديد في العمل الدولي إلى أن المدنيين والمواطنين الأبرياء هم أكثر الضحايا في نزاعات العالم الآن، مع تزايد النزاعات داخل البلد الواحد، وأخذت تستقطب الإهتمام، الذي كان يُسلط سابقاً على النزاعات بين الدول، وهكذا إزداد الإهتمام بأمن الإنسان والناس والمجتمعات المحلية، الذي يكمل الإهتمام بأمن الدول.
من المهم الإشارة إلى أن الحصول على إحصائيات دقيقة ونهائية لضحايا الصراعات في السودان خلال العقدين الأخيرين أمر صعب للغاية بسبب إستمرار النزاعات، وتعقيد الوصول الميداني، ونقص آليات التسجيل الشاملة. ومع ذلك، تتوفر تقديرات تقريبية صادرة عن منظمات دولية وإنسانية.
- الضحايا المدنيون (القتلى) حيث تركز التقديرات الحالية بشكل كبير على الصراع الذي إندلع بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023م، وتشير التقارير إلى مقتل الآلاف من المدنيين، لكن الأرقام المبلغ عنها رسمياً تظل أقل بكثير من العدد الفعلي المتوقع لعدد الضحايا من المدنيين تحديداً .وصلت بعض التقديرات الصادرة عن منظمات مثل جينوسايد ووتش إلى نحو 150 ألف قتيل حتى منتصف عام 2024م. وأشارت تقارير في أواخر 2024م إلى أن عدد القتلى في الخرطوم وحدها قدّر بحوالي 61 ألفاً. هنالك شبه إجماع على أن العدد الحقيقي للضحايا هو أعلى بكثير من أي أرقام يتم تداولها بسبب صعوبة جمع وتسجيل البيانات في مناطق النزاع النشطة.
- النازحون والمهجرون قسريا (الكارثة الإنسانية)
أصبح السودان يمثل واحدة من أسوأ أزمات النزوح في العالم، حيث تقترب الأرقام الإجمالية للفارين من النزاع الي حوالي 15 مليون شخص، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة (IOM):
النازحون داخلياً: تجاوز عدد النازحين داخل حدود السودان 9.9 مليون شخص (حتى منتصف 2024م). هذا الرقم يشمل حوالي 7.1 مليون نازح فروا من القتال منذ أبريل 2023م، بالإضافة إلى حوالي 2.8 مليون كانوا نازحين بالفعل من صراعات سابقة، مثل نزاع دارفور.
اللاجئون والمهجرون خارجياً: فرّ أكثر من 3.3 مليون شخص من السودان عبر الحدود، متخذين صفة اللاجئين في دول الجوار مثل تشاد، مصر، جنوب السودان، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وإثيوبيا ويوغندا ورواندا، عليه إن الأرقام المتاحة هي في الأساس تقديرات تقريبية تعكس حجم الكارثة الإنسانية وإلي أي مدي أصبح الأمن الإنساني منعدماً، مع العلم التام إن التحديات الأمنية والإنسانية الماثلة في السودان تجعل من المستحيل تسجيل كل حالة وفاة أو نزوح بدقة مطلقة.
لقد كانت حملة مكافحة إنتشار الألغام الأرضية المضادة للأفراد أول تعبير فعلي في جدول أعمال الأمن الإنساني، التي تهدف إلى حماية المدنيين والأبرياء لا سيما المرأة والطفل، من هذه الأسلحة الشيطانية التي لا تميز بين المحاربين والمدنيين، وتبقى في الأرض طويلاً تنشر الموت والخوف بين المواطنين في مجتمعاتهم وتحرمهم من أرضيهم ومواردهم، ثم جاء البروتوكول الإختياري لإتفاقية حقوق الطفل، الذي حدد العمر 18 كحد أدنى لتجنيدهم وتوظيفهم، ثم جاء برنامج الأمم المتحدة للحد من إنتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة، هذه الأسلحة التي يسبب إنتشارها العشوائي غير المقنن، وإستخدامها غير المشروع، إلى وقوع العديد والعديد من الضحايا الأبرياء في كثير من أنحاء العالم.
وكذلك برامج وخطوات مكافحة المخدرات، ومواجهة الجريمة المنظمة، والتي تؤدي إلى إنتشار النزاعات، وتلحق أشد الأذى بالمواطنين الأبرياء.
الأمن الإنساني في السودان كارثة تتجسد في الأولويات المنهارة:
عموما يمثّل مفهوم الأمن الإنساني تحولاً جذرياً في فهم الأمن، إذ ينقل التركيز من أمن الدولة إلى أمن الفرد، مركزاً على حماية الناس من التهديدات المتعددة والمترابطة لكرامة الإنسان وحقه في الحياة، وفي أتون وخضم النزاع الدائر حالياً في السودان، والذي دفع بملايين الأشخاص للنزوح وشلّ الحياة، تتجسد تهديدات الأمن الإنساني في أبشع صورها ملخصة إنهيار أولوياته الأساسية المتمثلة في الصحة، الحماية من العنف، أمن الأطفال، والتحكم في السلاح.
أولاً: انهيار قطاع الصحة (الأمن الصحي):
تُعدّ الصحة ركناً أساسياً من أركان الأمن الإنساني. في السودان، أدى الصراع المستمر إلى تدمير ممنهج للرعاية الصحية. فقد خرج أكثر من ثلثي المستشفيات في المناطق المتضررة عن الخدمة، سواء نتيجة القصف أو النهب، هذا الإنهيار له ثلاثة أبعاد خطيرة:
فقدان الحياة المباشر حرمان الجرحى من العلاج المنقذ للحياة. تزايد الأوبئة تعطل خدمات الصحة العامة والمختبرات ورصد الأمراض أدى إلى عودة وإنتشار حمي الضنك والملاريا والحصبة والإسهال المائي الحاد، وهي أمراض كانت تحت السيطرة سابقاً.
الخطر على الفئات الضعيفة:
تُركت آلاف النساء الحوامل دون رعاية، حيث يواجهن مخاطر النزيف والإجهاض والولادة في ظروف غير معقمة في الطرقات أو معسكرات النزوح، مما يهدد حياتهن وحياة أطفالهن (اليوم السابع، 2025). هذا الوضع يؤكد أن إنهيار الخدمات الطبية هو بحد ذاته تهديد وجودي على الأمن الأنساني .
ثانياً: العنف ضد المرأة كسلاح حرب :
يكتسب العنف ضد المرأة، وخاصة العنف الجنسي القائم على النوع الإجتماعي، بعداً مروعاً في النزاعات، إذ يتحول إلى سلاح حرب لترويع المجتمعات وبث الخوف وفرض السيطرة. في السودان، تزايدت التقارير المروعة عن الإغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي المرتكبة من قبل جميع أطراف النزاع، لا سيما في مناطق الخرطوم ودارفور. (UNFPA، 2025)
تواجه النساء والفتيات النازحات واللاجئات خطراً مضاعفاً، حيث تفكك آليات الحماية التقليدية وإنهيار أنظمة العدالة يجعل الإفلات من العقاب هو القاعدة. علاوة على ذلك، تواجه الأسر التي تعيلها نساء خطراً مضاعفاً بثلاث مرات لإنعدام الأمن الغذائي الشديد، مما يدفع بعضهن لإتخاذ خيارات محفوفة بالمخاطر من أجل البقاء، وهو ما يفاقم دائرة العنف والضعف (UN News, 2025)، إن هذا العنف لا يهدد أمن المرأة الجسدي فحسب، بل يهدد تماسك الأسرة والمجتمع بأكمله.
ثالثاً: الأطفال والنزاعات المسلحة (أمن المجتمع)
يُعدّ الأطفال هم الضحايا الأكثر ضعفاً في أي نزاع. في السودان، تتكشف أزمة أمنية وإنسانية كبرى تتعلق بهم:
الإنتهاكات الجسيمة: تم توثيق حالات إغتصاب الأطفال، مع كون غالبية الضحايا من الفتيات، بالإضافة إلى حالات القتل والتشويه التي تفرضها الأعمال العدائية (Unicef,2025).
التجنيد القسري: تُشير تقارير إلى لجوء الجماعات المسلحة إلى الإعتقال والتجنيد القسري للشباب الذكور، وخصوصاً في المناطق التي يصعب على الأسر فيها دفع الفدية أو الهروب (UN News , 2025).
النزوح وسوء التغذية: أدت الحرب إلى نزوح ملايين الأطفال وتفشي سوء التغذية، حيث أصبح شبح المجاعة يهدد حياتهم، مما يفقدهم حقهم الأساسي في البقاء والتطور، وهو جوهر الأمن الإنساني.
رابعاً: إنتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة والنارية (الأمن من العنف):
إن إنتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة هو الوقود الذي يُبقي نيران الصراع مشتعلة ويحول النزاعات المحلية إلى مجازر. ففي السودان، يُسهّل التوافر الواسع لهذه الأسلحة على الأطراف المتحاربة، والميليشيات، والجماعات العرقية المنخرطة في عنف مجتمعي، إرتكاب الإنتهاكات والفظائع (OHCHR، 2025). هذا الإنتشار لا يؤدي فقط إلى زيادة عدد الضحايا المدنيين بشكل مباشر، بل يُعقّد أيضاً جهود إيصال المساعدات الإنسانية ويحول دون عودة النازحين بسبب التهديد المستمر للألغام والمقذوفات غير المتفجرة في الأحياء السكنية. لا يقتصر خطر (SALW) في السودان على المسدسات والبنادق الآلية (كلاشينكوف)، بل إمتد ليشمل الأسلحة الخفيفة ذات القدرة التدميرية العالية مثل:
- القواذف الصاروخية المحمولة (RPG).
- المدافع الرشاشة الثقيلة (DShK) المثبتة على سيارات الدفع الرباعي
(التي باتت تُعرف محلياً بـ التاتشرو الدوشكا).
- الطائرات المسيرة الانتحارية (Drones)
التي دخلت خط النزاع مؤخراً، مما ضاعف من مهددات الأمن الإنساني في المناطق الحضارية المكتظة. إن السيطرة على تدفق هذه الأسلحة هو خطوة أولى ضرورية لإستعادة أي شكل من أشكال الأمن في البلاد.
ويري الباحث رغم قتامة الأفق إلا أنه يُظهر الوضع في السودان بوضوح كيف أن هذه الأولويات الأربعة للأمن الإنساني هي خيوط متشابكة لا يمكن فصلها. ففشل الأمن يعني العنف (إنتشار السلاح) يؤدي مباشرة إلى إنهيار الأمن الصحي (تدمير المستشفيات والأوبئة) وتفاقم أمن الأشخاص (العنف ضد المرأة) وأمن المجتمع (تجنيد الأطفال). ولإنهاء هذه الكارثة الإنسانية، يجب أن يتجاوز المجتمع الدولي مجرد إدانة الصراع، والعمل بجدية لإسكات البنادق أولاً، ثم ضمان الوصول الفوري للمساعدات، وإعادة بناء آليات الحماية والعدالة، ووضع النساء والأطفال في صميم أي عملية سلام وتعافي.
إنتشار الأسلحة غير المشروعة:
تاريخياً أرتبط الإنسان بالأسلحة منذ القدم وأصبحت ضرورة لا يمكن الإستغناء عنها، ويرجع ذلك كله إلي الطبيعة البشرية، فقد كان السلاح وسيلة للحفاظ علي حياة الإنسان وبقائه، وأيضاً سبباً في كسب عيشه وطعامه، وقد عرفت تلك الأسلحة تطوراً عبر العصور.
تعد حياة الأشخاص للأسلحة في الوقت الراهن أقل ضرورة مما كان في العصور الغابرة، ويرجع ذلك كله إلي تراجع حدة تلك الأخطار التي كانت تلاحق الإنسان في الماضي، غير إن تعقيدات العصر الحالي من الناحية الأمنية ما زالت تدعو الكثيرين إلي إقتناء السلاح، علاوة علي حيازة السلاح بغاية الصيد، ومعلوم أن شيوع حيازة الأسلحة بالطرق غير المشروعة يؤدي إلي تهديد النظام البيئي وأمن وإستقرار المجتمع.
عليه فإنه لابد من التوازن بين محورين، محور أول يكفل حق الشخص في حيازة الأسلحة من أجل الدفاع عن نفسه وماله وعرضه، أو من أجل هواية الصيد، ومحور ثاني يمنع حيازتها من قبل أشخاص يتسببون في زعزعة أمن وإستقرار المجتمع، بادر المشرع السوداني بإصدار نظام حيازة الأسلحة، ووضع شروطاً وضوابط لإقتنائها، كما أوقع عقوبات شديدة علي مخالفي أحكامه حتي يصبح الحصول علي السلاح أو إستخدامه محصور في الأغراض السلمية، كإستخدامه في الدفاع عن النفس أو المال أو لممارسة هواية الصيد، أو التدريب علي الرماية.
تباينت التعريفات التي تناولت الأسلحة تبعاً لإختلاف أنواعها وإستخداماتها ومدي تطورها، إلا أن جميعها ركزت علي كونها أدوات تستخدم للدفاع أو الهجوم وتلحق الضرر بالأفراد والممتلكات، مما يتطلب تقنين إستخدامها وتداولها سواء في السلم أو الحرب، لأن هناك أسلحة شديدة الخطورة، كالأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية يحرم إستخدامها نظراً لتأثيرها التدميري الشامل.
الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفةSALW :
إن مسالة تحول السودان إلى بيئة خصبة لإنتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة (SALW)، يمثل مجموعة من التحديات منقسمه بين العوامل الخارجية والداخلية.
المصادر الخارجية: شبكات التهريب والحدود المترهلة
يُعتبر الموقع الجغرافي للسودان عاملاً حاسماً في إدامة تدفق السلاح.
إن سيولة الحدود السودانية لا تمثل ثغرة أمنية فحسب، بل هي جزء مما يسمى المجالات الأمنية العابرة للحدود (Trans-border Security Complexes)، حيث يرتبط أمن السودان عضوياً بالإضطرابات في دول الجوار. هذا التداخل حول السلاح من أداة صراع سياسي إلى سلعة إقتصادية ضمن إقتصاديات الظل، مما جعل السيطرة عليه تتطلب مقاربة إقليمية تتجاوز الحدود الوطنية.
السياق الإقليمي (دول الجوار المضطربة):
تأثير دول الساحل وليبيا: تُشكل ليبيا بعد إنهيار نظام القذافي مصدراً رئيسياً لفائض الأسلحة، والتي تتدفق عبر شبكات التهريب المنظمة إلى دول الساحل ثم إلى غرب السودان (دارفور وكردفان). تستغل هذه الشبكات فوضى الحدود وغياب السيطرة الحكومية الفعالة.
جنوب السودان وتشاد: يُعتبران مسارين رئيسيين لتداول الأسلحة نتيجة للنزاعات الحدودية الطويلة وعدم الإستقرار الداخلي، حيث تتبادل المليشيات القبلية السلاح والمقاتلين عبر الحدود المفتوحة.
الحدود غير المنضبطة:
الحدود السودانية التي تتجاوز 6,700 كيلومتر هي حدود مسامية ومفتوحة، يصعب ضبطها حتى في الظروف العادية. يتم إستغلال الطرق والمنافذ البرية التقليدية التي تستخدمها القبائل الرعوية والمهربين لتمرير الأسلحة ضمن سلع التجارة غير المشروعة أو ضمن تحركات الرعاة.
المصادر الداخلية: التحوّل وفشل السيطرة الحكومية
تُشكل المصادر الداخلية تهديداً لا يقل خطورة، خاصةً ما يتعلق بضعف السيطرة على مخزونات الدولة.
تحوّل الأسلحة الحكومية (Leakage) والمخزونات المنهوبة:
تُعد ظاهرة تسرب الأسلحة من مستودعات الجيش والقوات النظامية (الميليشيات المدعومة سابقاً أو القوات المشتركة) مصدراً رئيسياً. يتم هذا التسرب عبر الفساد، أو البيع غير المشروع، أو ببساطة عبر النهب الناتج عن إنهيار المعسكرات والقواعد العسكرية في أوقات الصراع (كما حدث بشكل مكثف في 2023).
هذا التحول يمد الأطراف غير الحكومية بأسلحة حديثة وكميات كبيرة من الذخيرة، مما يرفع من القدرة النارية للمليشيات الخارجة عن القانون.
عسكرة المجتمعات وتوريث ثقافة العنف:
بعد عقود من الصراعات، تحولت بعض المجتمعات القبلية إلى مجتمعات مُعسكرة ذاتياً، حيث أصبح حمل السلاح رمزاً للقوة والحماية والدفاع عن الموارد.
برامج التجنيد والتسليح الحكومية السابقة للميليشيات (مثل الجنجويد)، أدت إلى شرعنة حيازة السلاح خارج المؤسسة العسكرية الرسمية، مما خلق فائضاً دائماً يصعب إسترداده بعد إنتهاء دورها الرسمي.
إقتصاديات الحرب ودورة السلاح غير المشروع:
الدوافع الإقتصادية: يتم ربط تجارة السلاح غير المشروع بشكل وثيق بالصراع على الموارد الطبيعية الثمينة مثل الذهب والأراضي الخصبة. تُستخدم الأسلحة في تأمين طرق التهريب والسيطرة على المناجم، مما يخلق إقتصاد حرب مُغلق يُغذي نفسه ذاتياً.
ضعف سلطة القانون: غياب الردع الفعال نتيجة ضعف المؤسسات الأمنية والقضائية يضمن إستمرارية هذه التجارة غير المشروعة. فكل هذه القضايا والمشكلات جعلت من السودان بيئة خصبة لإنتشار السلاح وبالتالي تهديد الأمن الإنساني. في حين أن العلاقة بين الصراع والأسلحة ثابتة، فإن الآليات المحددة والتأثير المتنوع لإنتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة غير المشروعة على الجوانب المتعددة للأمن الإنساني (الإقتصادي، الغذائي، الصحي، الشخصي، وغيرها) عبر المناطق والمجتمعات المختلفة في السودان لا تزال غير مدروسة بما فيه الكفاية.
لاسيما إن الإنتشار الواسع للأسلحة غير المشروعة في السودان يعمل كمحرك هيكلي للهشاشة، مما يؤدي إلى تآكل عميق للأمن الإنساني من خلال زيادة العنف المسلح، وتعطيل سُبل كسب العيش، وإغراق آليات الحوكمة المحلية في خضم النزاع .
العلاقة بين نظرية الأمن الإنساني وإنتشار الأسلحة:
إن نظرية الأمن الإنساني مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بـ ديناميكيات إنتشار الأسلحة لأن إنتشار الأسلحة يؤثر بشكل كبير على سلامة الأفراد ورفاهيتهم وحقوقهم الأساسية. إن الأمن البشري، الذي يركز على أمن الفرد بدلاً من الدولة وحدها، يتم تقويضه مباشرةً بإنتشار الأسلحة وسوء إستخدامها على نطاق واسع.
الآثار الرئيسية لإنتشار الأسلحة على الأمن البشري:
يؤدي إنتشار الأسلحة، وخاصة الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة (SALW)، إلى تفاقم الأبعاد المختلفة لإنعدام الأمن البشري:
السلامة الجسدية والبقاء:
تزيد الأسلحة المنتشرة من فتك الصراعات ومدة إستمرارها والعنف المسلح العام، مما يؤدي إلى زيادة الوفيات والإصابات والنزوح القسري (اللآجئين والنازحين داخلياً). على سبيل المثال، تعد الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة الأدوات الرئيسية للعنف في معظم الحروب الداخلية.
الأمن الإقتصادي والتنمية:
يؤدي العنف والصراع المدعومين بالسلاح إلى تدمير البنية التحتية، وعرقلة مشاريع التنمية، وتثبيط التجارة والإستثمار، مما يدفع الناجين إلى الفقر ويعكس عقوداً من المكاسب التنموية.
الأمن السياسي والإجتماعي:
يسهل توافر الأسلحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، والإرهاب، وعنف العصابات.
كما أنه يمكّن ويكثف إنتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك العنف ضد النساء والفتيات، والقمع المنهجي للسكان المدنيين من قبل الجهات الفاعلة الحكومية أو غير الحكومية.
يضعف إنتشار الأسلحة سيادة القانون ويمكن أن يؤدي إلى إنهيار سلطة الدولة في مناطق العنف المتفشي.
الخوف وإنعدام الأمن:
بالإضافة إلى الضرر الجسدي المباشر، يخلق التوافر غير الخاضع للرقابة للأسلحة شعوراً بالخوف والقلق والريبة يؤثر على الحياة اليومية، ويقيد ممارسة الحقوق والحريات الأساسية.
إطار الأمن الإنساني والرقابة على الأسلحة، إن نهج الأمن الإنساني يقود بنشاط الجهود في مجال الرقابة على الأسلحة ونزع السلاح عن طريق تحويل تركيز السياسة الأمنية:
نهج يركز على الأفراد: يدعو الأمن الإنساني إلى إتخاذ تدابير تمنح الأولوية لحماية رفاهية الأفراد بدلاً من التركيز التقليدي الذي يركز على الدولة والأمن العسكري.
الرقابة على الأسلحة كإجراء وقائي: يروج الإطار لفكرة أن التحكم في تدفق الأسلحة هو إجراء وقائي ضروري ضد الأزمات الإنسانية.
المعاهدات الدولية: كان لإطار الأمن الإنساني دور حاسم في حشد الدعم لمختلف معاهدات الرقابة على الأسلحة، مثل:
- معاهدة أوتاوا (1997) لحظر الألغام المضادة للأفراد.
- معاهدة تجارة الأسلحة (ATT) (2014)، التي تلزم الدول الموقعة بإجراء تقييم شامل للمخاطر (بما في ذلك الإنتهاكات المحتملة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني) قبل الموافقة على صادرات الأسلحة. يهدف هذا إلى الحد من عمليات النقل غير المسؤولة وتحسين الشفافية.
في النهاية، يمثل إنتشار الأسلحة فشلاً ذريعاً في دعم الأمن البشري، مما يجعل الرقابة على الأسلحة ركيزة أساسية لأجندة الأمن الإنساني لتحقيق التحرر من الخوف والتحرر من العوز.
حول مفهوم الجديد المقترح لتعزيز الأمن الإنساني والحد من إنتشار الأسلحة :
بالنسبة للباحث في سياق النزاعات القائمة على الهوية يجب أن يتجاوز مجرد نزع السلاح والتنمية، ليركز بشكل مباشر على إدارة التعقيد القائم علي الهوية مهما أختفت تمظهراته أو لم تبين بشكل واضح (Identity Complexity Management) كآلية وقائية.
يمكن بلورة هذا المفهور تحت مسمى:
الأمن التكاملي للهوية (Integrated Identity Security – IIS)
يركز هذا المفهوم على أن الأمن الإنساني المستدام لا يتحقق فقط بإزالة التهديدات المادية (كالأسلحة)، بل بتحويل مفهوم الهوية من مصدر للتهديد والصراع إلى رصيد للتعايش والتعاون داخل الدولة والمجتمع.
يستند مقترح نزع التسليح المعرفي إلى النظرية البنائية (Constructivism) في العلاقات الدولية، والتي ترى أن التهديدات ليست مادية فقط، بل هي تصورات تُبنى إجتماعياً. فالسلاح في السودان لم ينتشر لمجرد توفره، بل لأن صورة العدو المتبادلة جعلت من إقتنائه ضرورة وجودية. لذا، فإن الحل يبدأ بتفكيك هذه البنية المعرفية قبل سحب القطع المعدنية.
الركائز الأساسية لمفهوم الأمن التكاملي للهوية:
يقوم هذا المفهوم على ثلاث ركائز مترابطة لمعالجة دوافع الصراع القائم على الهوية:
- نزع التسليح المعرفي (Cognitive Disarmament)
تهدف هذه الركيزة إلى معالجة الجذور المعرفية والنفسية للخصومة، والتي تؤدي إلى التسليح المادي لاحقاً.
- إزالة الصور النمطية السلبية: تطوير مناهج تعليمية وإعلامية وسياسات عامة تعمل على تفكيـك الروايات التاريخية والمفاهيم التي تشيطن المجموعة الأخرى (Out-group) أو تجردها من إنسانيتها.
تعزيز الهوية المركبة (Layered Identity):
العمل على ترسيخ الوعي بأن لكل فرد هويات متعددة ومتداخلة (كالمهنية، والمدنية، والجغرافية) تتجاوز الهوية الأساسية (كالدينية أو العرقية). هذا يقلل من إحتمالية إختزال الفرد في هوية واحدة متنازعة.
مكافحة خطاب الكراهية: سن قوانين صارمة وتنفيذها بشكل عادل لمكافحة التحريض على الكراهية أو العنف على أساس الهوية، خاصة عبر منصات التواصل الإجتماعي.
الإدماج المؤسسي العابر للهويات (Trans-Identity Institutional Inclusion)
تهدف هذه الركيزة إلى إزالة التمييز الهيكلي الذي يترجم الخصومات الهوياتية إلى حرمان إقتصادي وسياسي، مما يدفع المجموعات المهمشة إلى التسلح.
إصلاح قطاع الأمن (SSR) على أساس التنوع بناء مؤسسات أمنية (جيش، شرطة) تمثل التنوع الهوياتي للمجتمع بشكل عادل وشفاف، لضمان الولاء للدولة والمواطنة بدلاً من الولاء للطائفة أو العرق.
التوزيع العادل للموارد والفرص: تطبيق سياسات شفافة لضمان العدالة التوزيعية في التوظيف والخدمات العامة والمشاريع التنموية، لقطع الصلة بين الإنتماء الهوياتي والحرمان الإقتصادي.
آليات صنع القرار التشاركي: تأسيس هياكل سياسية تضمن المشاركة الفعالة والهادفة للمجموعات الهوياتية المختلفة في مستويات الحكم المحلية والوطنية، مما يمنحهم شعوراً بالملكية المشتركة للدولة.
مرونة المجتمع في التعايش (Societal Coexistence Resilience):
تهدف هذه الركيزة إلى بناء القدرة الداخلية للمجتمع على إدارة الخلافات دون اللجوء إلى العنف أو السلاح.
تعزيز فضاءات التفاعل المشترك:
إنشاء ودعم المشاريع والبرامج الإجتماعية والثقافية التي تجبر أو تشجع المجموعات المتنازعة على التفاعل والعمل معاً لتحقيق هدف مشترك (مثل مشاريع الإغاثة، أو فرق رياضية مختلطة).
دبلوماسية المسار الثاني والوساطة المجتمعية: تدريب قادة محليين وشيوخ وعناصر نسائية على مهارات حل النزاعات القائمة على الهوية والوساطة بين المجموعات قبل تصاعد الخصومة إلى العنف المسلح.
مكافأة السلوكيات الإيجابية: توفير حوافز ومكافآت للمجتمعات أو المجموعات التي تظهر مستويات عالية من التعاون والإندماج السلمي، وربطها بالدعم التنموي.
النتيجة على إنتشار الأسلحة:
عندما يتم تطبيق الأمن التكاملي للهوية (IIS)، فإنه يحقق النتائج التالية التي تحد من إنتشار الأسلحة:
تقليل الطلب على السلاح: يقلل نزع التسليح المعرفي والإدماج المؤسسي من الأسباب الجذرية التي تدفع الأفراد والمجموعات إلى الشعور بالحاجة للحماية الذاتية عبر التسلح.
شرعية إحتكار الدولة للسلاح: عندما تكون مؤسسات الأمن (الممثلة في الركيزة ب) عادلة وممثلة للجميع، فإن ذلك يعزز شرعية إحتكار الدولة للقوة، ويجعل المجموعات أكثر إستعداداً لتسليم أسلحتها في برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR).
التوصيات Recommendation:
أولاً: على مستوى إصلاح قطاع الأمن ونزع السلاح (DDR 2.0)
يتطلب الواقع السوداني الحالي جيلاً جديداً من برامج نزع السلاح (Disarmament, Demobilization, and Reintegration) يتجاوز التجميع المادي للسلاح إلى معالجة أسباب إقتنائه.
التحول من نزع السلاح القسري إلى نزع السلاح القائم على الثقة: ربط تسليم السلاح بضمانات أمنية مجتمعية، حيث يتم إنشاء صناديق أمنية محلية تشارك فيها القيادات الأهلية لضمان عدم إستهداف المجموعات التي تسلم سلاحها.
إعادة تعريف الأهلية في القوات النظامية: تطبيق ركيزة (الإدماج المؤسسي العابر للهويات) عبر وضع كوتات (Quotas) جغرافية وإجتماعية صارمة في الكليات العسكرية، لضمان أن يرى كل مواطن سوداني نفسه متمثلاً في زي الدولة، مما يقلل الحاجة للميليشيات الجهوية.
برامج السلاح مقابل التنمية المحلية: بدلاً من تقديم حوافز مالية فردية (التي قد تُستخدم لشراء سلاح أحدث)، يجب تقديم حوافز في شكل مشاريع بنية تحتية (مستشفيات، آبار، مدارس) للمجتمعات التي تحقق أعلى نسب في تسليم السلاح غير المشروع.
ثانياً: على مستوى الحوكمة والعدالة (الأمن الإنساني):
تفعيل قانون السيطرة على الأسلحة الصغيرة: تشديد العقوبات على تجارة السلاح العابرة للحدود، مع رقابة صارمة على مخازن الدولة (الحد من ظاهرة Leakage) ) عبر أنظمة تتبع رقمية (Biometric & GPS) لكل قطعة سلاح رسمية.
تطبيق قانون حيازة الأسلحة بشكل عادل علي كل السودانيين دون التمييز بإجراء إستثناءات كما في السابق.
إنشاء مراصد الأمن الهوياتي: وهي منصات محلية لرصد خطاب الكراهية والتحريض القبلي قبل أن يتحول إلى صراع مسلح، وتعمل كإنذار مبكر للتدخل الدبلوماسي الشعبي.
ثالثاً: على مستوى المجتمع والوعي (نزع التسليح المعرفي)
إطلاق حملة السودان المتعدد: مشروع وطني لإعادة صياغة المناهج التعليمية لترسيخ الهوية المركبة، وإبراز قصص التعايش التاريخية بين المجموعات التي تتصارع حالياً، لكسر صورة العدو النمطية.
تمكين المرأة كفاعل أمني: تفعيل دور المرأة في برامج جمع السلاح، لقدرتها العالية على التأثير في الدوائر الأسرية والقبلية لإقناع الشباب بالتخلي عن العنف، وتوفير حماية خاصة لها ضد العنف القائم على النوع الإجتماعي.
تفعيل الدبلوماسية الأمنية الإقليمية:
كما توصي الدراسة بضرورة بناء منظومة رقابة إقليمية تحت مظلة الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد، تهدف إلى تتبع الرقم المتسلسل للأسلحة (Marking and Tracing) في منطقة الساحل والقرن الأفريقي، لضمان تجفيف منابع التدفق غير المشروع التي تغذي الصراعات المحلية.
الخاتمة Conclusion :
خلصت هذه الدراسة إلى أن معضلة إنتشار الأسلحة غير المشروعة في السودان لم تعد مجرد تحدٍ أمني تقني، بل إستطالت لتصبح تهديداً وجودياً ينخر في عصب الأمن الإنساني بأبعاده السبعة. إن التدفقات العابرة للحدود، وتآكل مخزونات الدولة، وعسكرة الهويات القبلية، قد خلقت بيئة صراع مستدام لا يمكن تفكيكها عبر برامج نزع السلاح التقليدية وحدها.
وتؤكد الدراسة أن مفتاح الحل يكمن في الإنتقال نحو مفهوم الأمن التكاملي للهوية (IIS)؛ وهو المسار الذي يربط بين نزع السلاح المادي (البندقية) ونزع التسليح المعرفي (صورة العدو). إن مستقبل الإستقرار في السودان مرهون بالقدرة على إعادة بناء المؤسسة الأمنية لتكون مرآة للتنوع السوداني، وتحويل الهوية من خندق للمواجهة إلى رصيد للوحدة الوطنية. إن الأمن التحرري الذي ينشده المواطن السوداني لن يتحقق إلا بكسر الحلقة المفرغة بين الشعور بالخوف والإقتناء غير المشروع للسلاح، عبر إستعادة ثقة الفرد في قدرة الدولة العادلة على توفير الحماية الشاملة.
قائمة المراجع والمصادر :
اولا المراجع العربية :
- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (2023). السودان: سياقات الحرب وتحديات الانتقال. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
The Arab Center for Research and Policy Studies. (2023). Sudan: Contexts of War and the Challenges of Transition. Doha: The Arab Center for Research and Policy Studies.
- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (2024). تقرير التنمية البشرية: تعزيز الأمن الإنساني في الدول المتأثرة بالنزاعات. نيويورك: منشورات الأمم المتحدة
United Nations Development Programme (UNDP). (2024). Human Development Report: Strengthening Human Security in Conflict-Affected States. New York: United Nations Publications.
- بركة، م. (2022). تحديات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) في مناطق النزاعات القبلية. المجلة العربية للعلوم السياسية، (55)، 45–62.
Baraka, M. (2022). Challenges of Disarmament, Demobilization, and Reintegration (DDR) in Areas of Tribal Conflicts. Arab Journal of Political Science, (55), 45–62.
- سليمان، ج.، وحامد، ح. (2025). انتشار الأسلحة غير المشروعة وتهديدها لاستدامة الأمن الإنساني في السودان. ورقة بحثية غير منشورة، معهد دراسات وثقافة السلام، جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا
Suleiman, J., & Hamid, H. (2025). The Proliferation of Illicit Weapons and Its Threat to the Sustainability of Human Security in Sudan. Unpublished research paper, Institute of Peace and Cultural Studies, Sudan University of Science and Technology.
- عثمان، م. (2023). إشكاليات جمع السلاح في دارفور: دراسة في التحديات والفرص. مجلة الدراسات السودانية، جامعة الخرطوم، 29(1)، 110–135.
Othman, M. (2023). Problems of Weapons Collection in Darfur: A Study of Challenges and Opportunities. Sudanese Studies Journal, University of Khartoum, 29(1), 110–135.
- منظمة الصحة العالمية، المكتب الإقليمي لشرق المتوسط. (2023). تقرير الحالة الوبائية وانهيار المنظومة الصحية في السودان. القاهرة: المكتب الإقليمي لشرق المتوسط.
World Health Organization, Regional Office for the Eastern Mediterranean (WHO EMRO). (2023). Report on the Epidemiological Situation and the Collapse of the Health System in Sudan. Cairo: Regional Office for the Eastern Mediterranean.
ثانياً: المراجع الأجنبية :
- Boutroue, J. and Laurence, E. J. (2024). Small Arms and Human Security: Defusing the Real Weapons of Mass Destruction. 2nd end. London: Routledge.
- International Organization for Migration (IOM) (2024). Sudan Mobility Update: Displaced Populations and Conflict Dynamics. Geneva: IOM Press.
- Knight, M. (2020). ‘Security Sector Reform and Post-Conflict Peacebuilding’, Journal of Peacebuilding & Development, 15(2), pp. 135-152.
- Small Arms Survey (2023). Sudan: Arms Flows and Conflict Dynamics after April 2023. Geneva: Graduate Institute of International and Development Studies.
- UNDP (2024). Best Practices Guide for Disarmament and Reintegration in Complex Conflict Environments. New York: United Nations Development Programme.
- UNFPA (2025). Conflict in Sudan: Gender-Based Violence and Protection Challenges. New York: United Nations Population Fund.
- UNICEF (2025). The Impact of Armed Conflict on Children in Sudan: A Situational Analysis. Geneva: United Nations Children’s Fund.