بناء وتقنين أداة لقياس مستوى التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربيّة في المراحل التعليميّة داخل الخطّ الأخضر

Development and Standardization of an Instrument to Measure the Level of Critical Thinking among Arabic Language Teachers across Educational Stages within the Green Line

وسام سليم خلايلة1

1 جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين.

بريد الكتروني: wesam.dkh5@gmail,com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj72/44

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/72/44

المجلد (7) العدد (2). الصفحات: 701 - 723

تاريخ الاستقبال: 2026-01-10 | تاريخ القبول: 2026-01-20 | تاريخ النشر: 2026-02-01

Download PDF

المستخلص: تسعى هذه الدراسة إلى بناء وتقنين مقياس لقياس التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربيّة في المرحلة الابتدائيّة، الإعداديّة والثانويّة في الداخل الفلسطينيّ، بهدف توفير أداة موثوقة وصالحة لتقييم هذه المهارة وتحديد احتياجات التدريب المهنيّ. استند المقياس إلى نموذج واتسون وجليزر (2008)، ويتضمن "40" فقرة موزّعة على أربعة أبعاد: الاستنتاج، تمييز الافتراضات، التفسير، وتقويم الحجج. طُبق المقياس على عيّنة عشوائية طبقيّة مكوّنة من 300 معلمًا ومعلمة من المدارس المختلفة داخل الخط الأخضر خلال العام 2024-2025، باستخدام منهج تطويري وصفي كمّي. أظهرت النتائج صدقًا سيكومتريًا عاليًا، حيث أكّد تحليل العوامل الاستكشافي توزيع الفقرات على الأبعاد الأربعة (65% من التباين الكلّي)، مع معامل ارتباط بيرسون قوي (r=0.75) ومقياس واتسون-جليزر. كما أظهر المقياس ثباتًا مرتفعًا (كرونباخ ألفا=0.76، سبيرمان براون=0.87). بلغ متوسّط التفكير الناقد 3.86 (من 5)، حيث أظهرت النتائج مستوى عال للتفكير الناقد لدى الذكور، معلمين ذوي الخبرة تتراوح بين 11-15 سنة، ومعلمين في المرحلة الابتدائية. سجل بُعد التفسير أعلى متوسط (3.95)، بينما كان تمييز الافتراضات الأدنى (3.77). بالإضافة لذلك، اظهر توزيع مستويات التفكير الناقد ان 87% من المعلمين هم ذوو مستوى عال من التفكير الناقد في الداخل الفلسطيني. توصي الدراسة بتطوير برامج تدريبيّة تركّز على تمييز الافتراضات ودعم معلمين جدد بشكل خاص، وفي مدارس الإعدادية والثانوية. تسهم الدراسة في توفير أداة محليّة مراعية للسياق الثقافي.

الكلمات المفتاحية: تقنين مقياس؛ التفكير الناقد؛ معلّمو اللغة العربيّة؛ الثانويّة؛ الإعداديّة؛ الابتدائيّة.

Abstract: This study seeks to develop and standardize a scale to measure critical thinking among Arabic language teachers in the elementary, middle, and secondary school levels within the Palestinian community inside Israel. The aim is to provide a valid and reliable instrument for assessing this skill and identifying professional development needs. The scale was based on the Watson and Glaser (2008) model and consists of 40 items distributed across four dimensions: inference, recognizing assumptions, interpretation, and evaluation of arguments. The scale was administered to a stratified random sample of 300 male and female teachers from various schools during the 2024–2025 academic year, using a descriptive developmental quantitative methodology. The results demonstrated high psychometric validity, as exploratory factor analysis confirmed the distribution of items across the four dimensions, explaining 65% of the total variance. A strong Pearson correlation coefficient (r = 0.75) was also found with the Watson–Glaser Critical Thinking Appraisal. The scale showed high reliability (Cronbach’s alpha = 0.76; Spearman–Brown = 0.87). The overall mean score of critical thinking was 3.86 (out of 5), indicating a high level of critical thinking. Higher levels were found among male teachers, teachers with 11–15 years of experience, and elementary school teachers. The interpretation dimension recorded the highest mean (3.95), whereas recognizing assumptions were the lowest (3.77). In addition, the distribution of critical thinking levels revealed that 87% of the teachers demonstrated a high level of critical thinking. The study recommends developing professional training programs that particularly focus on enhancing recognizing-assumptions skills and providing special support for novice teachers and those working in middle and secondary schools. This study contributes by providing a culturally sensitive local measurement tool.

Keywords: Validation; Critical Thinking; Arabic Language Teachers; Elementary School; Middle School: High School.

المقدّمة

في عالم يتسارع فيه تدفّق المعلومات، أصبح التفكير الناقد مهارة حيويّة تمكّن الأفراد من تحليل الواقع، تقييم الأدلّة، واتّخاذ قرارات رشيدة. ويُعتبر التفكير الناقد في المجال التعليمي، ركيزة أساسيّة لتطوير القدرات الفكريّة للطلاب، حيث يسهم في تعزيز مهاراتهم في حلّ المشكلات، التفكير الإبداعي، والتحليل العميق للموضوعات المطروحة (Ennis, 1992). ومع ذلك، فإنّ نجاح هذه العمليّة يعتمد بشكل كبير على قدرات المعلّمين أنفسهم في ممارسة التفكير الناقد ونقله إلى طلابهم، وهذا ما يجعل هذه المهارة جوهر التعليم الحديث” (Dwyer et al., 2014).

في سياق تدريس اللغة العربيّة، تتجلّى أهميّة التفكير الناقد في قدرة المعلّم على تحليل النصوص الأدبيّة، تفسير المعاني الكامنة، وتوجيه الطلّاب نحو فهم نقدي للمحتوى. إذ يتطلب تدريس اللغة العربيّة في المرحلة الثانويّة مهارات متقدّمة تمكّن المعلّم من ربط المادة الدراسيّة بالواقع، وتشجيع الطلّاب على التفكير الناقد في قضايا لغويّة وثقافيّة (Hitchcock, 2020). ومع ذلك، أشارت دراسات حديثة إلى وجود فجوة في تقييم مستوى التفكير الناقد لدى المعلّمين، خاصّة في السياقات التعليميّة ذات الخصوصيّة الثقافيّة، مثل الداخل الفلسطينيّ، حيث تتداخل التحدّيات التعليميّة مع الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة (النجار، 2024).

تهدف هذه الدراسة إلى بناء وتقنين أداة قياس لتقييم التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربيّة في المرحلة الثانويّة ، الاعداديّة والابتدائيّة في الداخل الفلسطيني، بهدف توفير أداة موثوقة وصالحة تدعم تشخيص مستويات هذه المهارة وتحديد احتياجات التدريب المهنيّ. وتكمن أهميّة البحث في الحاجة إلى أدوات قياس محليّة مراعية للسياق الثقافي والتعليمي، حيث أظهرت الأبحاث أن الأدوات المستوردة قد لا تعكس بدقّة الخصائص السيكو مترية المطلوبة في بيئات تعليميّة محدّدة (Leach et al., 2020). كما تسعى الدراسة إلى استكشاف العوامل المؤثّرة على التفكير الناقد، مثل الخبرة التدريسيّة، المؤهّلات الأكاديميّة، والتدريب المهني، وذلك لتقديم توصيات عمليّة لتحسين الأداء التعليمي.

مشكلة الدراسة

لاحظت من خلال سنوات عملي مرشدة ومعلّمة في المجال التربوي، أنّ هناك تحدّيا مستمرًا يواجه معلّمي اللغة العربيّة في المرحلة الثانويّة في الداخل الفلسطيني، يتمثل في صعوبة تحفيز الطلّاب على التفكير الناقد وتحليل النصوص الأدبيّة بعمق. هذا التحدّي، الذي بدا لي في البداية مرتبطًا بمهارات الطلاب، تحوّل تدريجيًا إلى تساؤل أعمق حول مدى امتلاك المعلّمين أنفسهم مهارات التفكير الناقد اللازمة لتوجيه طلّابهم. ومن خلال الملاحظات الميدانيّة والحوارات مع الزملاء المعلّمين، أدركت أنّ هناك نقصًا في الأدوات الموثوقة التي تقيس هذه المهارة لدى المعلّمين، ممّا يعيق رصد الفجوة وبالتالي تطوير برامج تدريبيّة فعّالة تلبّي احتياجاتهم.

إن التفكير الناقد، كمهارة أساسيّة في العمليّة التعليميّة، يتطلّب من المعلمّ القدرة على تحليل المعلومات، تقييم الحجج، وتوجيه الطلاب نحو التفكير بشكل ممنهج. وفي سياق تدريس اللغة العربيّة، تتزايد أهميّة هذه المهارة نظرًا لطبيعة المادّة التي تعتمد على تفسير النصوص وتحليلها نقديًا. ومع ذلك، تشير الدراسات الحديثة إلى وجود فجوة في تقييم مستوى التفكير الناقد لدى المعلّمين في السياقات التعليميّة ذات الخصوصيّة الثقافيّة، مثل الداخل الفلسطيني، حيث تتداخل التحدّيات التعليميّة مع الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة (Assaly & Jabarin, 2021). كما أنّ الأدوات المتوفّرة لقياس التفكير الناقد غالبًا ما تكون مستوردة وغير ملائمة للسياق المحلّي، ممّا يؤثّر على دقّتها وصلاحيّتها (Leach et al., 2020).

تتجلّى مشكلة الدراسة في غياب أداة قياس موثوقة لتقييم مستوى التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربيّة في المراحل المختلفة في الداخل الفلسطيني، ممّا يحدّ من القدرة على تشخيص الحاجة في التدريب والتطوير المهنيّ. من هنا، تسعى الدراسة إلى الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي الخصائص السيكومترية لأداة قياس التفكير الناقد المُعدة؟ ما مستوى التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربية في المراحل المختلفة (الثانوية، الاعداديّة والابتدائيّة)؟ كيف يمكن أن تسهم نتائج هذا القياس في تطوير البرامج التدريبية؟ من خلال هذه الأسئلة، يطمح البحث إلى تقديم إسهامات نظريّة في مجال قياس التفكير الناقد، وإسهامات عمليّة تدعم جودة تدريس اللغة العربية في الداخل الفلسطيني.

وعليه، يمكن صياغة مشكلة الدراسة في الأسئلة التالية:

  1. ما هي الخصائص السيكومترية لأداة قياس التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربيّة في المراحل التعليميّة المختلفة في الداخل الفلسطيني؟
  2. ما مستوى التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربيّة في المراحل التعليمية المختلفة في الداخل الفلسطيني؟

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق الأهداف التالية:

  • بناء وتقنين أداة لقياس مستوى التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربية في المراحل التعليمية المختلفة داخل الخط الأخضر.
  • فحص مستوى التفكير الناقد لدى معلمي اللغة العربية في المراحل التعليمية المختلفة في الداخل الفلسطيني.
  • تقديم توصيات عملية لتطوير البرامج التدريبيّة المهنيّة لمعلّمي اللغة العربيّة، بناءً على نتائج تقييم التفكير الناقد، لتعزيز جودة التدريس وأداء الطلاب.

أهمية الدراسة

تظهر أهميّة الدراسة في بُعدين رئيسيين: الأهميّة النظريّة التي تعزّز المعرفة العلميّة في مجال قياس التفكير الناقد، والأهميّة التطبيقيّة الّتي تقدّم حلولًا عمليّة لتحسين الأداء التعليمي في سياق معلّمي اللغة العربيّة في المرحلة الثانويّة، الإعدادية والابتدائية في الداخل الفلسطيني.

الأهميّة النظريّة

تكمن القيمة العلميّة النظريّة للبحث في إسهامه في سدّ الفجوة المعرفيّة المتعلّقة بقياس التفكير الناقد في السياقات التعليميّة ذات الخصوصيّة الثقافيّة. فمعظم الأدوات المتوفّرة لقياس التفكير الناقد تم تطويرها في سياقات غربيّة، ممّا قد يحدّ من صلاحيّتها عند تطبيقها في بيئات تعليميّة مثل الداخل الفلسطيني، حيث تتداخل العوامل الثقافيّة والاجتماعيّة في تشكيل الممارسات التعليميّة. من خلال بناء وتقنين أداة قياس محليّة، يسهم البحث في إثراء الأدبيّات العلميّة بدراسة تراعي السياق الثقافي، ممّا يعزّز فهمنا لكيفيّة تصميم أدوات قياس سيكومترية ملائمة. كما أن الدراسة توفّر إطارًا نظريًا لربط التفكير الناقد بتدريس اللغة العربيّة، ممّا يفتح المجال لأبحاث لاحقة حول تطوير المهارات النقديّة في التخصّصات اللغويّة.

الأهميّة التطبيقيّة

من الناحية التطبيقيّة، يقدّم البحث قيمة علميّة وعمليّة من خلال توفير أداة قياس موثوقة وصالحة تمكّن المؤسّسات التعليميّة من تقييم مستوى التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربيّة في المراحل المختلفة. هذه الأداة ستساعد في تشخيص نقاط القوّة والضعف في مهارات المعلّمين، ممّا يتيح تصميم برامج تدريبيّة ممنهجة لتعزيز قدراتهم في توجيه الطلاب نحو التفكير التحليلي والنقدي. كما أن نتائج الدراسة ستوفّر بيانات كمّية ونوعيّة تدعم صانعي القرار في المؤسّسات التعليميّة لتطوير المناهج وتحسين جودة تدريس اللغة العربيّة. وبالتالي، يمكن أن تسهم الأداة في تحسين الأداء الأكاديمي للطلّاب من خلال تمكين المعلمين تعزيز مهارات التفكير الناقد لديهم، والتي تسهم في تطوير قدرتهم على تحليل النصوص الأدبيّة وفهم القضايا الثقافيّة بعمق.

حدود الدراسة

تخضع هذه الدراسة لعدد من الحدود وهي كالتالي:

  • الحدود الجغرافيّة \ المكانيّة: تقتصر الدراسة على المدارس الابتدائيّة، الإعداديّة والثانويّة الواقعة داخل الخط الأخضر (الداخل الفلسطيني).
  • الحدود الزمنيّة: خلال الفصل الدراسي الأوّل من العام الدراسي 2025\2026.
  • الحدود البشريّة: معلمو اللغة العربيّة في المدارس الثانويّة، الاعداديّة، والابتدائيّة في الداخل الفلسطيني. ولضيق الوقت وعدم استعداد العديد من المدارس لأمور تتعلّق بالتزامات لمشاريع وزارة لنهاية السنة الدراسية. تمّ اختيار عيّنة استطلاعيّة قوامها 30 معلّم ومعلّمة من 3 مدارس في الجليل الأعلى والأسفل.
  • المنهجيّة: تعتمد الدراسة على منهج وصفي كمّي، ممّا قد يحدّ من القدرة على استكشاف العوامل النوعيّة العميقة (مثل المعتقدات الشخصيّة أو الثقافة الفرديّة للمعلّمين) التي تؤثّر على التفكير الناقد. كما أنّ الدراسة لا تشمل متابعة طويلة الأمد لتأثير التدريب على تحسين التفكير الناقد.

رغم هذه الحدود، تسعى الدراسة إلى تقديم نتائج دقيقة وموثوقة ضمن السياق المحدّد، مع توفير أساس يمكن الاعتماد عليه في أبحاث مستقبليّة لتوسيع النطاق أو معالجة هذه القيود.

التعريفات الاصطلاحيّة والإجرائيّة

التفكير الناقد

التعريف الاصطلاحي: يعرّف التفكير الناقد في هذه الدراسة بأنّه القدرة على تحليل المعلومات وتقييمها بشكل ممنهج، اتخاذ قرارات سليمة، وحلّ المشكلات بطريقة منطقيّة ومبرّرة في سياق تدريس اللغة العربيّة (Rusmin et al., 2024).

التعريف الاجرائي: يتم قياس التفكير الناقد من خلال أداة مصمّمة خصيصًا تتضمّن فقرات تقيس أبعادًا مثل التحليل، التقييم، الاستدلال، والتفسير. يتم تطبيق هذه الأداة على معلّمي اللغة العربيّة لتحديد مستوى مهاراتهم في هذه الأبعاد أثناء أدائهم التعليمي.

معلمو اللغة العربية

التعريف الاصطلاحي: يشير مصطلح معلّمو اللغة العربيّة إلى الأفراد الذين يقومون بتدريس مادّة اللغة العربيّة في المدارس الابتدائية، الإعدادية والثانوية في الداخل الفلسطيني

التعريف الإجرائي: يقصد به معلمو اللغة العربية في المراحل المختلفة في المدارس الحكوميّة في منطقة الجليل الأعلى والأسفل. حيث يتم تقييم استجاباتهم لتحديد مستوى مهاراتهم النقديّة.

المراحل المختلفة:

التعريف الاصطلاحي: المراحل التعليمية الحكومية، تقسم الى ثلاثة مراحل: المرحلة الابتدائية التي تشمل الصفوف من الأوّل الى السادس، المرحلة الإعدادية التي تشمل الصفوف من السابع الى التاسع، المرحلة الثانوية التي تشمل الصفوف من العاشر إلى الثاني عشر في النظام التعليمي المحلّي للبحث.

التعريف الاجرائي: يتم التركيز على معلّمي اللغة العربية العاملين في هذه المراحل، حيث يتم جمع البيانات منهم لتقييم التفكير الناقد في سياق تدريسهم للمناهج المخصّصة لهذه المراحل.

الداخل الفلسطيني

التعريف الاصطلاحي: يُعرّف الداخل الفلسطيني بأنه المناطق الواقعة داخل الخط الأخضر (أراضي 1948)، حيث يعيش المواطنون الفلسطينيون كجزء من النظام التعليمي الإسرائيلي.

التعريف الإجرائي: تقتصر الدراسة على المدارس في هذه المناطق، حيث يتم اختيار عيّنة من معلّمي اللغة العربية العاملين في هذه المدارس الحكوميّة التابعة لوزارة التربية والتعليم معتمدة المنهج التعليمي الوزاري. لتطبيق مقياس التفكير الناقد.

المقياس

التعريف الاصطلاحي: يُعرّف المقياس بأنه أداة قياس سيكومترية صُممت خصيصًا لتقييم مستوى التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربيّة في المرحلة الثانويّة. إجرائيًا، يتكوّن المقياس من مجموعة من الفقرات التي تغطّي أبعاد التفكير الناقد (مثل التحليل، التقييم، والاستدلال)، ويتم تطبيقه على عيّنة الدراسة لجمع البيانات.

التعريف الإجرائي: الدرجة التي يحصل عليها أفراد عيّنة الدراسة من خلال تطبيق مقياس التفكير الناقد المستخدم في هذه الدراسة، حيث تعكس هذه الدرجة مستوى مهاراتهم في تحليل المعلومات، تقييم الحجج، واتخاذ القرارات المنطقيّة في سياق تدريس اللغة العربية.

الإطار النظري

التفكير الناقد

التفكير الناقد هو مهارة معرفية تمكّن الأفراد من تقييم المعلومات بشكل تأمّلي، منطقي وموضوعي، وفحص مدى صحة الحجج والحجج المضادّة، واتّخاذ قرارات مبنيّة على أسس سليمة (Rusmin et al., 2024). يعتبر التفكير الناقد كمفهوم متعدّد الأبعاد، وتختلف تعريفاته باختلاف التخصّصات. ويمكن النظر إلى التفكير الناقد بوصفه عملية فوق-معرفية (Dwyer et al., 2014) تتضمّن استراتيجيات معرفيّة مثل المنطق، التحليل، والاستدلال (Paul, 1989). وقد تطوّر هذا المنظور على مدى أكثر من 30 عامًا (ًWalser, 2008)، وشكّل الأساس لتعريف دلفي لمهارات التفكير الناقد (Facione, 1990). ويُعدّ هذا التعريف محورًا رئيسيًا في النقاش الدولي حول التفكير الناقد (Abrami et al., 2015; Hitchcock, 2020).

يعرّف الباحثان زيتون (2008) وفتح الله (2008) بشكل متناسق التفكير الناقد بأنّها عملية تفكير منطقية يتم فيها إخضاع عدّة أفكار للتحقّق من ادلة وجمعها بشكل موضوعي، من أجل اصدار احكام لقبولها او رفضها حسب قيم معيّنة. بكلمات أخرى هي القدرة على الوصول الى قرارات حول معلومات معيّنة وإصدار حكم بعد الأخذ بعين الاعتبار عدّة وجهات نظر. تعريف اخر حدّده مور وباركر (Moore & Parker, 2009) للتفكير الناقد، بأنه حكم متأنّي لما يجب قبوله رفضه أو تأجيل التطرّق اليه، حول قضيّة معيّنة مع توفّر درجة من الثقة كما نرفضه او نقبله. أنيس (ُEnnis, 1992) يرى في التفكير الناقد أنّه تفكير تأملي عقلاني هدفه التركيز على اتخاذ قرارات فيها يجب اعتقاده او عمله لدى الفرد، ويتطلب نوعين من الحكم: أولا، معقولية ما يقوم عليها الاعتقاد من أسس. ثانيا، الطريقة التي تجمع الأسس بهذا الاعتقاد، وهي تعتمد على بعض المهارات مثل التقويم والاستقراء. بالنسبة لدومترو وهالبرن (Dumitru & Halpern, 2023)، التفكير الناقد يشمل مهارات عقلية مثل التأمل، والضبط الذاتي، والتحليل، والاستدلال، والتفسير، والتركيب، والتفكير المنهجي.

يتميّز التفكير الناقد بعدد من الخصائص الجوهرية التي تناولها الباحثون. فقد أشار الإمام (2009) إلى أنّ التفكير الناقد هو عملية ذهنية معقدة تتضمن مهارات متعددة، وأنّ إتقان مهارات التفكير الجزئية يُعدّ شرطًا لبلوغ كفاية التفكير الناقد. ويضيف اللزام (2008) أنّ التفكير الناقد يعتبر نشاط إيجابي خلّاق، ويعتمد على عملية عقليّة وليس نتاجًا فحسب، كما أنه يتغير تبعًا للسياق الذي يُمارَس فيه، ويستثار بالعوامل السلبية والإيجابيّة، ويجمع بين النشاط العقلي والعاطفي معًا. أمّا غائم (2009) فيؤكّد أنّ التفكير الناقد مهارة قابلة للنمو، وأنّ التعاون بين المتعلمين يعزّز فرص تنمية مهارات التفكير الناقد لديهم. وقد أورد سعادة (2003) بعض الخصائص العملية للتفكير الناقد، مبينًا أنه يتضمّن طرح الأسئلة، وتحديد المشكلات، وتحليل المعلومات، وتحديد الافتراضات، والأخذ بعين الاعتبار التفسيرات ووجهات النظر المتعدّدة للأمور.

أما بالنسبة لمعاييره، تشير الأدبيّات إلى أنّ معايير التفكير الناقد تمثّل المواصفات التي يعتمد عليها الباحثون في الحكم على جودة التفكير واتخاذ القرارات السليمة. وقد حدّد سليمان (2011) وهناء حسن (2014) مجموعة من المعايير الأساسية التي يقوم عليها التفكير الناقد. أوّل هذه المعايير هو الوضوح، والتي تعدّ مدخلًا رئيسيًا لبقيّة المعايير، إذ تقتضي أن تكون العبارة واضحة تعبّر عن معنى مفهوم، وأن يتمكّن المتعلّم من إدراك مقاصد الحكم دون لَبس، وذلك عبر توضيح الأفكار وإعادة صياغتها واستخدام أمثلة تثري الفهم. ويأتي معيار الصحّة ليؤكّد ضرورة استناد العبارات إلى معلومات صحيحة وحقائق دقيقة يمكن التحقّق منها، بحيث يستطيع الطالب تمييز صواب المعلومات من خطئها بالاستناد إلى الأدلّة. أمّا معيار الدقّة فيركّز على ضرورة أن تكون الفكرة محدّدة وواضحة وغير عامة، وأن يتعمّق المتعلم في وصف المشكلة أو الموقف دون زيادة أو نقص، بحيث يقدّم تفاصيل دقيقة تدعم الحكم. بالإضافة الى ذلك، يُعدّ معيار الربط مهمًا في التأكّد من صلة الفكرة أو السؤال بموضوع المشكلة، بحيث يكون مرتبطًا بالسياق ويخدم تحديد أبعادها أو فهمها بصورة أشمل. ويلي ذلك معيار العمق الذي يقتضي معالجة المشكلة أو الموضوع بصورة تعكس فهمًا للطبقات المختلفة المرتبطة به، بما في ذلك التعقيدات والتحديات التي قد لا تكون ظاهرة بشكل مباشر. كما يشير معيار الاتساع إلى أهمية أخذ جميع جوانب الموضوع بالاعتبار، والنظر إلى المسألة من عدة وجهات نظر، والتفكير في بدائل وحلول مختلفة قبل إصدار الحكم. ويأتي في النهاية معيار المنطق الذي يتطلب تنظيم الأفكار وتسلسلها بصورة عقلانية مترابطة تقود إلى نتائج منسجمة مع المقدّمات، بحيث يكون الحكم مبنيًا على استنتاجات صحيحة غير متناقضة.

ازدادت أهمية التفكير الناقد في العقود الأخيرة، بعد اعتباره اهم المفاتيح لضمان التطوّر المعرفي الفعّال الذي يسمح باستخدام طاقات عقليّة قصوى من اجل التفاعل بشكل إيجابي مع البيئة، مواجهة ظروف الحياة، التكيّف مع المستجدات وتحقيق النجاح. بالإضافة الى ذلك، هو يعتبر من أهم أنواع التفكير التي تسهم في التعرّف على الحقائق والمعلومات لدى المتعلّم في مجالات الحياة، ولتوظيفها لتحقيق أهداف متنوّعة. لهذا السبب، تسعى المؤسّسات التربوية لتنمية هذه المهارات وتوليها اهتماما كبيرا (المحلاوي، 2022). أشاد الباحثون (Ramer, 1999) بان التفكير الناقد يحسّن من قدرة المعلمين في مجال التعليم وفي انتاج منجزات عملية، كما انه يسهّل من قدرة المعلمين على تطوير أنشطة لممارسة هذه المهارات. التفكير الناقد يطوّر أيضا حِسّا عاليا بالمجتمع المحيط والسعي لرقيّه وتقدّمه، وينمّي شعورا قويّا بالتوجّه الديمقراطي والمشاركة السياسية الفعّالة. بالإضافة لذلك، يعزّز التفكير الناقد مهارات تفكير مثل: التفكير الإبداعي، التفكير المتشعّب، حلّ إبداعي، المناقشة، المقارنة الدقيقة، التحليل، الاستنتاج، البحث، التقييم، الاستدلال، التنظيم، اتخاذ قرارات آمنة، التواصل والمرونة، التنظيم، والتفاوض الذكي. هو أيضا ينمّي القدرة على التعلم الذاتي بالبحث والتقصّي، ويشجّع خلق بيئة مريحة تتّسم بمناقشة هادفة وحرّية الحوار (الشمري وال رشيد، 2021).

قياس التفكير الناقد

تمّ تطوير أدوات متعدّدة لقياس التفكير الناقد لدى الأفراد، واختلفت بينها بطرق القياس، حيث يقيس البعض عن طريق فقرات أو أسئلة متعدّدة الإختيارات، أو التمييز بين العبارات الصائبة أو الخاطئة، أو الاستجابة لموقف معيّن لكشف عن قدرة التفكير الناقد (Butler, 2024; Fisher & Scriven, 1997; Liu et al., 2018). حيث تُعدّ اختبارات كورنيل للتفكير الناقد (CCTT) من أقدم وأشهر هذه المقاييس. وقد صُمّم اختبار كورنيل عام 1985 ليُستخدم ابتداءً من الصف الرابع وحتى مرحلة الرشد، ويقيس القدرة على مناقشة قضايا عامة تتطلّب من الفرد إصدار أحكام مبنية على صحّة الاستنتاجات ومدى اتّساقها مع الواقع، إضافة إلى قياس مهارات الاستنتاج والاستقراء والتعرّف إلى المسلّمات ومصداقيّة العبارات والمعاني (Leach et al., 2020).

كما يُعدّ اختبار “روس” للعمليّات المعرفيّة العليا (Ross Test of Higher Cognitive Processors)، الذي أُعد عام 1976، من المقاييس المهمّة لطلبة المراحل العليا، وخاصّة الصفوف الرابع والخامس والسادس، وقد استند إلى نموذج Bloom لتحديد العمليات العقلية المتعلّقة بالتحليل والتركيب والتقويم. ويهدف هذا الاختبار إلى الكشف عن مستويات التفكير لدى المتعلمين في المواقف الصفّية وغير الصفّية، ويضم 105 فقرات تقيس جوانب متعدّدة من التفكير الناقد مثل التنبؤ، الاستدلال الاستنتاجي، معالجة المعلومات الناقصة، العلاقات السببية، تحليل المواقف، وطرح الأسئلة (Ross, 1976).

أما اختبار نيو جرسي للمهارات المنطقية (New Jersey Test of Reasoning Skills) فقد طوّرته فريجينيا شيمبان عام 1983، ويتألّف من خمسين فقرة تُستخدم مع الطلبة من المرحلة الابتدائية وحتى المرحلة الجامعية. ويقيس هذا الاختبار مهارات منطقية متنوعة تشمل: القياس المنطقي، التناقض، العلاقات السببية، تحديد الافتراضات، الاستقراء، والاستدلال الجيد (Lim, 1998).

ويُضاف إلى ما سبق اختبار إنيس–وير للتفكير الناقد (The Ennis-Weir Critical Thinking Essay Test)، الذي صُمّم عام 1985 ليستهدف طلبة المرحلة الثانوية والجامعية. ويُعدّ هذا الاختبار من الاختبارات مفتوحة الإجابة، حيث يقوم على تحليل خطاب مكتوب، ويُطلب من الفرد تبرير حكمه على صحة الأفكار من خلال مناقشة الحجج، تقييم الأدلة، تحديد المغالطات، وتفسير المواقف. ويتميّز هذا الاختبار بقدرته على قياس التفكير الناقد في سياق حقيقي يتطلّب من المتعلم ممارسة مهارات الاستنتاج والتفسير والتقويم بشكل فردي وواقعي (Ennis & Weir, 1985).

مقاييس اضافية مثل مقياس كاليفورنيا للاتجاه نحو التفكير الناقد (Facione et al., 2001)، تهدف إلى قياس الاتجاه نحو التفكير الناقد، أي اختبار ميل الفرد للتفكير الناقد. بينما تُستخدم أدوات أخرى لقياس قدرات التفكير الناقد، أي اختبار الأداء الفعلي للفرد أو تطبيقه لمهارات التفكير الناقد. يُعدّ اختبار واطسون–جليزر لتقويم التفكير الناقد (Watson-Glaser Critical Thinking Appraisal – WGCTA) واحدًا من أشهر الأمثلة على هذا النوع من الأدوات. يستخدم الاختبار 80 فقرة، أو 40 فقرة في النسخة المختصرة، لقياس خمس قدرات رئيسية في التفكير الناقد: الاستدلال، التعرّف على الافتراضات، الاستنتاج، تفسير الحجج، وتقييم الحجج (Watson & Glaser, 1980). أداة قياس معيارية مشابهة هي اختبار كاليفورنيا لمهارات التفكير الناقد، الذي يقيس التفكير الناقد عبر ستة محاور: التحليل، التقييم، الاستدلال، الاستنتاج (Deduction)، الاستقراء (Induction)، والمهارات العامة في التفكير المنطقي (Facione et al., 2002). ومن خلال درجة كمية، تُعدّ هذه الأدوات مفيدة في القياس الكمي وترتيب مستويات قدرات التفكير الناقد لدى الأفراد.

التفكير الناقد لدى المعلم

باعتبار المعلّمين في الخطوط الأماميّة مصمّمي التعليم ومنفّذيه ومصلّحيه، فقد شُجّعوا – أو طُلب منهم – بشكل طبيعي على الانخراط في تدريس موجَّه نحو التفكير الناقد في مختلف الصفوف والمباحث. والهدف من ذلك هو تنمية جيل جديد من المفكّرين الناقدين القادرين على التصرّف بمسؤولية وأخلاقية وفاعلية في بيئة اجتماعية معقّدة ومتغيّرة ومحلّ جدل (Cui & Teo, 2023; Wilson, 2016). إلّا أنّ تدريس التفكير الناقد، كما وثّقته الأدبيات السابقة (Li, 2016; Yuan & Stapleton, 2020)، يتبيّن أنه مهمّة صعبة معرفيًا ومخيفة على المستوى الوجداني. فبدايةً، يجد العديد من المعلّمين أنّ مفهوم التفكير الناقد مجرّد وفضفاض يصعب تحديده بدقّة، كما أنّ مستويات تفكيرهم الناقد قد تكون بدائية، الأمر الذي يجعلهم بحاجة ماسّة إلى تدريب منهجي وتطوير إضافي. على الرغم من أنّ بعض المعلّمين يمتلكون فهمًا أساسيًا لمفهوم التفكير الناقد، فإنهم يفتقرون إلى الوعي بكيفية ارتباطه بالمحتوى الدراسي الذي يدرّسونه. وقد يؤدّي ذلك إلى اتّباع منهج ثنائي في تعليم التفكير الناقد، بحيث يتعامل المعلّم مع التفكير الناقد ومعرفة المحتوى (وفهمه وتطبيقه) بوصفهما عنصرين منفصلين لا علاقة بينهما. وعلى الرغم من محاولات المعلّمين معالجة التفكير الناقد من خلال شروحات عامة ومهام عامة، فإنّ الطلاب يُحرمون من فرص الانغماس الحقيقي في مجال المعرفة التخصصية عبر بناء معنى شخصي وتفاعل سياقي مع المحتوى، وهي عناصر تُعدّ أساسية لتطوّر مهارات التفكير الناقد (Yuan, 2023).

يرتبط محدودية معرفة المعلّمين بالتفكير الناقد وطرق تدريسه بالفجوة الراسخة بين النظرية والتطبيق في برامج إعداد المعلّمين الحالية. وفي الواقع، فإنّ التفكير الناقد ليس مفهومًا جديدًا في مجال إعداد المعلّمين؛ فمن منظور تعلم المعلّم أو من منظور البيداغوجيا الصفيّة، هناك تاريخ طويل من الأبحاث والحوار حول كيفيّة دمج التفكير الناقد في معارف المعلّمين وممارساتهم ضمن سياقات تخصّصيّة واجتماعيّة-ثقافيّة محدّدة (Wang & Jia, 2023; Yuan et al., 2022). وتتّفق الأدبيات الواسعة في هذا المجال على فهم مشترك، صاغه يوان (Yuan, 2023) في نموذج ثلاثي الأبعاد لتصوّر المعلّم الموجَّه نحو التفكير الناقد، والذي يجب أن يمتلك ثلاث سمات أساسية: (1) عقلية قوية في التفكير الناقد؛ (2) فهمًا متينًا للعلاقة بين التفكير الناقد والمجال المعرفي (المادة الدراسية)؛ (3) وكفاءة بيداغوجية متركّزة على التفكير الناقد (من حيث المعرفة التدريسية والاستراتيجيات) تمكّن المعلّم من تعزيز تنمية التفكير الناقد لدى طلابه داخل الصفوف التخصصية. إلّا أنّه، كما توضّح تحليلات يوان (Yuan, 2023) للمنهاج الخاص ببرنامج إعداد المعلّمين في هونغ كونغ، إلى جانب دراسات أخرى ذات صلة (Lorencova et al., 2019)، فإنّ برامج ومبادرات إعداد المعلّمين الحالية غالبًا ما تُخفق في تطوير معلّمين موجَّهين نحو التفكير الناقد. وترجع هذه الإخفاقات إلى مجموعة من العوامل السياقية، من بينها شيوع الممارسات الصفية التقليدية التي تعطي الأولوية للمعرفة التربوية والمهارات التدريسية، إضافة إلى غياب تصميم شامل ومنسجم على مستوى السياسات والمناهج.

على الرغم من ذلك، فأن نجاح المعلم في تطبيق التفكير الناقد، يتطرق لعدة مهارات وامكانيات معرفية وتعليمية التي تساهم في ذلك. مثلا، المعلم واسع الثقافة ومتنوّع الخبرات، الأمر الذي يمكّنه من تقديم محتوى غني ومتعدّد الرؤى. كما يتّسم بتقبّل آراء تلاميذه وأفكارهم، ويُظهر اهتمامًا حقيقيًا بما يطرحونه، ممّا يعزّز الحوار البنّاء داخل الصف. ويتجنّب هذا المعلم أساليب القمع والاستهزاء، ويعتمد بدلًا من ذلك على أساليب التحفيز والتشجيع التي تخلق بيئة آمنة للنقاش والتفكير الحرّ. إضافة إلى ذلك، يدرّب طلابه على أساليب التعلّم الذاتي التي تمكّنهم من الوصول إلى المعلومات بأنفسهم وتنمية استقلاليتهم المعرفية. كما يرشدهم إلى توظيف خطوات البحث العلمي في حل المشكلات، ممّا يعزّز لديهم مهارات التفكير المنهجي. ويحرص المعلّم الناجح كذلك على تنمية مهارات التفكير العلمي لدى تلاميذه، مثل الملاحظة، والتصنيف، واستخدام الأرقام، والتعريفات الإجرائية، والتحليل، والتقويم. كما يشجعهم على الاستكشاف واستخدام المختبرات ووسائل التقنيات الحديثة، بما يفتح أمامهم آفاقًا واسعة لاكتساب المعرفة بطريقة نشطة. وأخيرًا، يعمل هذا المعلّم على تعزيز روح المبادرة لدى طلابه (السيد، 2010)، مما يساهم في بناء شخصية مفكّرة، ناقدة، وقادرة على مواجهة التحديات بفاعلية. ففي دراسة نور وصحص (Nor & Sihes, 2022)، فحصت مركبات الكفاءة الذاتية لدى معلمي اللغة العربية (تدرس كلغة ثانية) لتحفيز على التفكير الناقد في الصف. عن طريق مقابلات مع 6 معلمين خبراء في المدرسة الإعدادية والجامعة، أظهرت النتائج أربعة محاور رئيسية من خلال التحليل الموضوعي تتعلق بكفاءات المعلّم الشخصية، وهي: (1) كفاءة إتقان المحتوى، (2) الكفاءة البيداغوجية (التدريسية)، (3) كفاءة التواصل، (4) والكفاءة التنظيمية. ومع ذلك، فقد تبيّن أنّ ظهور هذه المحاور وتجلّيها يختلف بدرجة كبيرة بين الخبراء، الأمر الذي يشير إلى تنوّع الطرق التي يمكن أن يُتوقَّع من المعلّمين التفكير الناقد من خلالها.

الدراسات السابقة

فحصت عدّة دراسات أجريت حديثا، مدى قدرة معلّمي اللغة العربيّة على تطبيق التفكير الناقد في الصف وخلال تعليم الطلّاب. بالرغم من العدد القليل للدراسات المختصّة بالتفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربيّة، فقد استعنّا بدراسات اختصّت بمعلّمين لمواضيع أخرى، مثل العلوم، لكنها تهدف لفحص مهارات التفكير الناقد. بعض الدراسات ركّزت على فحص مدى وجود مهارات التفكير الناقد لدى المعلّمين، ووجدت نتائج متشابهة (الطراونة، 2021؛ القحطاني والجبر، 2023). مثلا، في دراسة الطراونة (2021) التي هدفت التعرّف على درجة توفّر مهارات التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربيّة في محافظة الكرك بالأردن من وجهة نظرهم، والكشف عن فروق تبعا لمتغيرات الجنس، المؤهّل العلمي، وعدد سنوات الخبرة. استخدمت الباحثة استبانة مكونة من 48 فقرة موزّعة على 7 مهارات (التحليل، الاستقراء، التفسير، الاستنتاج، التقويم)، وقد شملت العيّنة العشوائية 193 معلما. أظهرت النتائج درجة متوسطة من توفّر مهارات التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربيّة، بينما في المرتبة الأولى جاءت مهارة الاستنتاج بدرجة مرتفعة، ومهارة التقويم جاءت في المرتبة الأخيرة بدرجة متوسّطة. لا توجد فروق بدرجة توفّر مهارات التفكير الناقد تعزى للجنس، بينما وجد فروق ذات دلالة إحصائيّة تعزى للمؤهّل العلمي ولسنوات الخبرة، ولصالح المؤهّل الأعلى وذوي الخبرة الأعلى (الطراونة، 2021). نتائج متشابهة وجدت أيضا في دراسة القحطاني والجبر (2023) التي استهدفت معلّمات العلوم وقامت بفحص المهارات عن طريق استبانة لدى عيّنة مكوّنة من 46 معلّمة، حيث وجدت أن مستوى المعرفة بالممارسات التدريسيّة للتفكير الناقد كان عالياً، لكنها سجّلت نتيجة مثيرة للجدل تمثلت في وجود فروق لصالح المؤهّل الأقل (البكالوريوس)، وهو ما يعكس تضارباً في نتائج المتغيّرات الديموغرافية. نتائج دراسة منار (2024) تدعم هذه النتائج، حيث وجدت مفاهيم خاطئة ومنقوصة لدى الطلاب بما يتعلّق بماهية التفكير الناقد، وضعف شديد بمعرفة مهاراته، والاعتماد على أساليب دراسيّة غير فعّالة، وعدم استخدام استراتيجيّات التعلم النشط التي تمكّن الطلاب من التفكير بشكل ناقد وتحليلي، مما يعكس بشكل مباشر مهارات متدنّية من التفكير الناقد لدى معلميهن.

دراسات أخرى فحصت بشكل مباشر تأثير عوامل ديموغرافيّة لدى المعلّم على درجة التفكير الناقد (مثل الجنس، سنوات الخبرة، وسنوات التعلم)، ووجدت نتائج متشابهة للدراسات اعلاه (الطراونة، 2021؛ القحطاني والجبر، 2023؛ Khalil et al., 2025). في دراسة خليل وزملائه (Khalil et al., 2025)، هدفت هذه الدراسة إلى تقديم رؤية حول التفكير الناقد لدى مدرّسي اللغة الإنجليزيّة كلغة أجنبية في المغرب. تمّ جمع البيانات من 506 معلّمًا مغربيًا للّغة الإنجليزية باستخدام استبانة كمّية لقياس التفكير الناقد. وقد أظهرت الاختبارات الإحصائية ذات الصلة أنّ المعلّمين يمتلكون اتجاهات إيجابية نحو التفكير الناقد، كما وُجدت فروق ذات دلالة إحصائية بين المعلّمين ذوي الخبرة والمعلّمين الجدد، حيث أظهر ذوو الخبرة اتجاهات أعلى نحو التفكير الناقد مقارنة بنظرائهم الجدد. ومع ذلك، كشفت النتائج عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين اتجاهات المعلّمين الذكور والإناث نحو تنمية مهارات التفكير الناقد لدى الطلبة. تشير هذه النتائج ان مع ازدياد الخبرة، يصبح الاتجاه نحو التفكير الناقد إيجابي أكثر.

رصدت دراسات أخرى التحدّيات والصعوبات في تطبيق التفكير الناقد وجدت نتائج متشابهة (الناجي، 2024؛ النجار، 2024). في دراسة النجّار (2024) التي هدفت للتعرّف على صعوبات تطبيق مهارات التفكير الناقد في تدريس اللغة العربية بمرحلة التعليم الأساسي من وجهة نظر المعلمين بمدينة مصراتة. استخدم الباحث استبانة مؤلفة من مجموعة من الفقرات المتعلقة بصعوبات تطبيق مهارات التفكير الناقد في تدريس اللغة العربية، المندرجة تحت ثلاث مجالات (المعلم، التلميذ، المنهج الدراسي)، وقد شملت عيّنة البحث 150 معلماً. أظهرت النتائج بأن معلّمي اللغة العربية في البحث يواجهون صعاب كبيرة في تطبيق مهارات التفكير الناقد، ومع ذلك، فأن التفاوت بين إمكانيات وكفاءة المعلمين فيما بينهم قد أظهر صعوبات المتعلقة بالمعلم بدرجة متوسطة. وجد أيضا صعوبات بدرجة كبيرة المتعلقة بالمنهج الدراسي في مقدّمة مجالات الصعوبة (النجار، 2024). نتائج متشابهة وجدت في دراسة عبد الرحمن ناجي (2024)، التي استهدفت معرفة مدى توظيف المعلمين لمهارات التفكير، عن طريق استبانة. وخلصت النتائج أن مجال بناء الأسئلة الإبداعية ظهر في المرتبة الأولى، بينما احتلت الأنشطة الإبداعية المرتبة الأخيرة، مما يؤكد ميل المعلمين لاستخدام الأساليب الحوارية على حساب الأساليب التطبيقية، مع وجود فروق لصالح الإناث في التوظيف. أي ان تطبيق مهارات التفكير الناقد يتم بدرجة صغيرة (الناجي، 2024). نتائج دراسة الروايلي (Alruwaili, 2024) تدعم هذه الدراسات، حيث استكشفت هذه الدراسة تصوّرات المعلّمات المتدرّبات في تخصّص اللغة الإنجليزية حول العوائق التي تحول دون تعزيز مهارات التفكير الناقد في الصفوف الدراسية السعودية. اعتمدت الدراسة على منهج بحث نوعي، حيث جُمعت البيانات من خلال إجراء مقابلات شبه مُنظَّمة مع 25 معلّمة متدرّبة في مجال تعليم اللغة الإنجليزية. وقد أظهرت النتائج أنّ العوائق التي تحول دون تعزيز وتطوير مهارات التفكير الناقد في الصفوف ترتبط بعوامل متعلقة بشخصية الطلاب، وطرق التدريس، وثقافة النقد. نتائج داعمة لذلك وجدت في دراسة عصالة وجبارين (Assaly & Jabarin, 2021) التي فحصت مهارات التفكير العليا لدى معلمي اللغة الإنجليزية من عرب الداخل والتحديات التي يواجهونها، حيث جمعت النتائج النوعية من 13 معلما أجريت معهم مقابلات. أظهرت النتائج ان المعلمين يميلون إلى التركيز على الأسئلة منخفضة المستوى المعرفي أكثر من الأسئلة التي تتطلب مهارات تفكير عليا. كما وجد أنّ المعلّمين يحملون تصوّرات إيجابية تجاه تدريس مهارات التفكير العليا، إلا أنهم يواجهون تحديات كبيرة. وتشمل العوامل التي تعيق تطبيق مهارات التفكير العليا: المعلّمين أنفسهم، والطلاب، والنظام التعليمي، وبعض الأعراف الاجتماعية.

 

منهجيّة الدراسة والمجتمع والعيّنة

منهجيّة الدراسة

تعتمد هذه الدراسة على المنهج التطويري (Developmental Research Approach) الممزوج بالمنهج الوصفي الكمّي، وذلك لتحقيق أهداف الدراسة المتمثّلة في بناء وتقنين أداة قياس لتقييم التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربيّة في المرحلة الثانويّة في الداخل الفلسطيني. يُعتبر المنهج التطويري مناسبًا لتصميم وتطوير أدوات قياس سيكومترية جديدة، حيث يشمل مراحل متسلسلة تشمل التصميم الأوّلي للمقياس، اختباره، وتقنينه من خلال تحديد خصائصه السيكومترية (الصدق والثبات) (Crocker & Algina, 2018). أما المنهج الوصفي الكمّي فيُستخدم لتحليل البيانات المجمّعة من تطبيق المقياس لتحديد مستوى التفكير الناقد لدى المعلّمين.

إجراءات الدراسة

  • تصميم المقياس: تم إعداد أداة قياس أوّلية للتفكير الناقد استنادًا إلى نموذج فاسيون (Facione, 2022) الذي يحدّد أبعاد التفكير الناقد (التحليل، التقييم، الاستدلال، التفسير). شملت الأداة فقرات تغطّي هذه الأبعاد، مع مراعاة السياق الثقافي والتعليمي لتدريس اللغة العربيّة.
  • التحقّق من الصدق الظاهري: عرض المقياس على لجنة من الخبراء في التربية وعلم النفس التربوي للتأكّد من ملاءمة الفقرات ووضوحها.
  • التطبيق التجريبي: أُجري تطبيق تجريبي للمقياس على عيّنة صغيرة (30 معلمًا).
  • التطبيق النهائي: طُبّق المقياس على العيّنة (عيّنة استطلاعيّة)، وجُمعت البيانات لتحليل الخصائص السيكومترية (الصدق البنائي، الثبات باستخدام معامل ألفا كرونباخ).
  • تحليل البيانات: استُخدمت برامج إحصائية مثل SPSS لتحليل البيانات، بما في ذلك حساب معاملات الارتباط للصدق وتحليل العوامل للتأكّد من البنية العامليّة للمقياس.

أدوات الدراسة

مقياس التفكير الناقد: أداة مصمّمة خصيصًا لهذه الدراسة، يهدف هذا التقنين إلى قياس مهارات التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربيّة في المراحل الثانويّة، الإعدادية والابتدائيّة، مع التركيز على قدرتهم على تطبيق هذه المهارات في التدريس ونقلها إلى الطلاب. يتكوّن المقياس من 40 فقرة موزّعة بالتساوي على أربعة أبعاد: الاستنتاج (10 فقرات)، تمييز الافتراضات (10 فقرات)، التفسير (10 فقرات)، وتقويم الحجج (10 فقرات). صيغت الفقرات لتعكس سياق تدريس اللغة العربيّة، مثل تحليل النصوص الأدبيّة، تقييم الكتابة، وتوجيه النقاشات. يعتمد المقياس على مقياس ليكرث الخماسي، بخمس درجات (1: لا أوافق بشدة، 5: أوافق بشدة).

استبانة ديموغرافية: لجمع بيانات عن الخبرة التدريسيّة، المؤهّلات الأكاديميّة، والتدريب المهني للمعلّمين. صمّم عبر التطبيق جوجل فورمز.

المجتمع والعيّنة

المجتمع

يتكوّن مجتمع الدراسة من جميع معلّمي اللغة العربيّة العاملين في المدارس الحكوميّة في المراحل التعليمية المختلفة داخل الخط الأخضر (الداخل الفلسطيني) خلال العام الدراسي 2024-2025. يشمل هذا المجتمع المعلّمين من مختلف المناطق (مثل عكا، حيفا، يافا، والقرى المحيطة)، والذين يدرّسون اللغة العربيّة وآدابها للصفوف من الثالث إلى الثاني عشر. وفقًا لتقديرات وزارة التربيّة والتعليم الإسرائيليّة، يُقدّر عدد هؤلاء المعلّمين بحوالي 1200 معلّم ومعلّمة.

العيّنة

تمّ اختيار عيّنة الدراسة باستخدام طريقة العيّنة العشوائية الطبقيّة لضمان تمثيل الفئات المختلفة من المعلّمين (حسب الجنس، الخبرة التدريسيّة، والمرحلة التعليميّة). تتكوّن العيّنة من 300 معلمًا ومعلّمة، يمثّلون حوالي 20% من مجتمع الدراسة، وهي نسبة كافية لضمان الدقّة الإحصائيّة وفقًا لمعايير القياس السيكومتري (Crocker & Algina, 2018). تم توزيع العيّنة كالتالي:

  • الجنس: 210 إناث (70%)، 90 ذكور (30%)، بناءً على التوزيع التقريبي للمعلّمين في المجتمع.
  • الخبرة التدريسية: 60 خبرة 1-5 سنوات (20%)، 29 خبرة 6-10 سنوات (9%)، 65 خبرة 11-15 سنوات (21%)، 145 خبرة 16 سنة وأكثر (48%).
  • المرحلة التعليميّة: 149 في المرحلة الابتدائية (49%)، 49 المرحلة الإعدادية (16%)، 101 المرحلة الثانوية (33%).

إجراءات اختيار العيّنة

تمّ الحصول على قائمة بالمدارس الثانويّةـ الإعدادية والابتدائية في الداخل الفلسطيني من خلال التنسيق مع السلطات التعليميّة المحليّة.

تمّ اختيار 25 مدرسة بشكل عشوائي من مناطق جغرافيّة مختلفة.

تمّ دعوة المعلّمين في هذه المدارس للمشاركة طوعا، مع ضمان سرّية البيانات وتوقيع موافقة.

أُجري توزيع المقياس إلكترونيًا (عبر منصة Google Forms).

أداة الدراسة

وصف أداة الدراسة

تمّ بناء وتصميم أداة الدراسة لتقنين مقياس لقياس مهارات التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربيّة في المراحل الأساسيّة، الاعداديّة والثانويّة، مع التركيز على قدرتهم على تطبيق هذه المهارات في التدريس ونقلها إلى الطلاب. يتكوّن المقياس من 40 فقرة موزّعة بالتساوي على أربعة أبعاد: الاستنتاج (10 فقرات)، تمييز الافتراضات (10 فقرات)، التفسير (10 فقرات)، وتقويم الحجج (10 فقرات). صيغت الفقرات لتعكس سياق تدريس اللغة العربيّة، مثل تحليل النصوص الأدبيّة، تقييم الكتابة، وتوجيه النقاشات. يعتمد المقياس على مقياس ليكرث الخماسي، بخمس درجات (1: لا أوافق بشدة، 5: أوافق بشدة). تعتمد الدراسة على مقياس التفكير الناقد كأداة رئيسية لقياس مهارات التفكير الناقد. صُمم المقياس خصيصًا لهذه الدراسة ليكون ملائمًا ثقافيًا ومنهجا لتدريس اللغة العربيّة، مع التركيز على قدرة المعلّمين على تطبيق مهارات التفكير الناقد في تحليل النصوص الأدبيّة، تقييم كتابات الطلاب، وتصميم أنشطة تعليميّة تعزّز التفكير الناقد لدى الطلاب.

هيكليّة المقياس

يتكون المقياس من 40 فقرة موزّعة بالتساوي على أربعة أبعاد للتفكير الناقد، مستوحاة من نموذج واتسون وجليزر (Watson & Glaser, 2008) للتفكير الناقد. الأبعاد هي:

  • الاستنتاج (10 فقرات): يقيس القدرة على استخدام المعلومات المتاحة للوصول إلى استنتاجات منطقية في تدريس اللغة العربيّة وتعليم الطلاب كيفيّة الاستنتاج.
  • تمييز الافتراضات (10 فقرات): يقيس القدرة على تحديد الافتراضات الأساسيّة في النصوص أو المواقف التعليميّة وتعليم الطلاب كيفيّة تمييز الافتراضات.
  • التفسير (10 فقرات): يقيس القدرة على فهم وشرح المعاني أو الأفكار في النصوص أو المواقف التعليميّة وتعليم الطلاب كيفيّة التفسير.
  • تقويم الحجج (10 فقرات): يقيس القدرة على تقييم قوّة الحجج أو الآراء في النصوص أو المواقف التعليميّة وتعليم الطلاب كيفيّة تقويم الحجج.

تمّت صياغة الفقرات لتعكس سياق تدريس اللغة العربيّة، مثل تحليل النصوص الأدبيّة، تقييم الكتابة، وتوجيه النقاشات. يعتمد المقياس على مقياس ليكرث خماسي (1: لا أوافق بشدة، 2: لا أوافق، 3: محايد، 4: أوافق، 5: أوافق بشدة)، حيث يُطلب من المعلّمين اختيار الإجابة التي تعكس ممارساتهم الفعليّة في تطبيق وتدريس التفكير الناقد.

تطوير المقياس

تم تطوير المقياس من خلال الخطوات التالية:

  1. تحديد الأبعاد النظرية: استُند إلى نموذج واتسون وجليزر (2008) لتحديد الأبعاد الأربعة (الاستنتاج، تمييز الافتراضات، التفسير، تقويم الحجج) كإطار نظري للمقياس.
  2. صياغة الفقرات: صيغت 40 فقرة (10 لكل بُعد) لتعكس سياق تدريس اللغة العربية، مع مراعاة الوضوح اللغوي والملاءمة الثقافية للداخل الفلسطيني.
  3. التحقّق من الصدق الظاهري: عُرض المقياس على لجنة من م10 محكّمين من الخبراء في التربيّة، علم النفس التربوي، وقياس وتقويم لتقييم ملاءمة الفقرات، وضوح الصياغة، وسلامة اللغة. بناءً على ملاحظات المحكّمين، تم تعديل 8 فقرات (2، 4، 7، 22، 23، 27، 33). لتحسين الوضوح والدقة اللغوية، وبهذا، تمّ التحقّق من صدق الأداة (الصدق الظاهري) لضمان المصداقيّة والنزاهة.
  4. التطبيق التجريبي: طُبق المقياس تجريبيًا على عيّنة مكونة من 300 معلمًا من معلمي اللغة العربية في المراحل الابتدائية، الاعدادية والثانوية لتحديد أي مشكلات في الفقرات أو التعليمات. أظهرت النتائج التجريبيّة ثباتًا مبدئيًا (معامل ألفا كرونباخ = 0.82).
  5. التحقّق من الخصائص السيكومترية: سيتم تطبيق المقياس على العيّنة الرئيسيّة (300 معلمًا) لتحديد الصدق (الصدق البنائي والتمييزي) والثبات (معامل ألفا كرونباخ وثبات إعادة الاختبار) باستخدام برامج إحصائية مثل SPSS.

تعليمات استخدام المقياس

يُطلب من المعلّمين قراءة كلّ فقرة بعناية والإجابة بناءً على ممارساتهم الفعليّة في تطبيق وتدريس التفكير الناقد.

يتم اختيار الإجابة باستخدام مقياس ليكرت الخماسي، حيث تعكس الإجابة تجربة المعلم بدقّة.

لا توجد إجابات صحيحة أو خاطئة، والهدف هو قياس مهارات التفكير الناقد وتدريسها.

يُطبّق المقياس إلكترونيًا (عبر منصات Google Forms) لتسهيل جمع البيانات.

يُؤكّد على سرية البيانات واستخدامها لأغراض البحث فقط، مع الحصول على موافقة صريحة من المشاركين.

المعالجة الإحصائيّة

لتقنين مقياس التفكير الناقد المُعد لقياس مهارات التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربيّة في المرحلة الثانوية، الاعداديّة والابتدائية في الداخل الفلسطيني، سيتم استخدام مجموعة من الأساليب الإحصائيّة للتحقق من الخصائص السيكومترية للمقياس (الصدق والثبات) وتحليل البيانات المجمّعة من العيّنة. تمّ اختيار الأساليب التالية بناءً على طبيعة الدراسة ومعايير تقنين المقاييس السيكومترية (Crocker & Algina, 2018):

معامل الارتباط بيرسون (Pearson Correlation Coefficient)

الغرض: التحقّق من الصدق الارتباطي للمقياس من خلال قياس العلاقة بين درجات الفقرات أو الأبعاد الأربعة (الاستنتاج، تمييز الافتراضات، التفسير، تقويم الحجج) ودرجات مقياس معياري آخر للتفكير الناقد (مثل اختبار واتسون-جليزر إذا أمكن). كما سيُستخدم لفحص العلاقة بين درجات المقياس الكلية ومتغيّرات ديموغرافية مثل الخبرة التدريسية أو المؤهّلات الأكاديميّة.

التطبيق: يتم حساب معاملات الارتباط بيرسون باستخدام برنامج SPSS لتحديد قوّة واتجاه العلاقات بين المتغيّرات، مع مستوى دلالة إحصائية (p < 0.05). يُتوقع أن تكون معاملات الارتباط إيجابيّة ومتوسّطة إلى قوية (r ≥ 0.30) لتأكيد الصدق.

معامل سبيرمان براون (Spearman-Brown Coefficient)

الغرض: قياس ثبات التقسيم النصفي (Split-Half Reliability) للمقياس من خلال تقسيم الفقرات (40 فقرة) إلى نصفين (مثل الفقرات الفردية والزوجية) للتأكّد من تناسق النتائج بين النصفين.

التطبيق: يتم حساب معامل سبيرمان براون باستخدام SPSS، مع توقع أن يكون المعامل ≥ 0.70 للدلالة على مستوى ثبات مقبول (Crocker & Algina, 2018). سيتم تطبيق هذا التحليل على المقياس الكلّي وعلى كلّ بُعد بشكل منفصل إذا لزم الأمر.

معادلة كرونباخ ألفا (Cronbach’s Alpha)

الغرض: قياس الثبات الداخلي (Internal Consistency) للمقياس الكلّي ولكلّ بُعد من الأبعاد الأربعة (الاستنتاج، تمييز الافتراضات، التفسير، تقويم الحجج) بشكل منفصل، للتأكّد من أن الفقرات ضمن كل بُعد تقيس نفس السمة (التفكير الناقد).

التطبيق: يتم حساب معامل ألفا كرونباخ باستخدام SPSS، مع توقّع أن تكون القيم ≥ 0.70 للمقياس الكلّي ولكل بُعد، مما يشير إلى ثبات جيّد. سيتم أيضًا فحص تأثير حذف أي فقرة على قيمة ألفا لتحديد الفقرات التي قد تحتاج إلى مراجعة.

تحليل العوامل الاستكشافي (Exploratory Factor Analysis – EFA)

الغرض: التحقق من الصدق البنائي للمقياس من خلال التأكد من أن الفقرات الـ 40 تتوزع على الأبعاد الأربعة المفترضة (الاستنتاج، تمييز الافتراضات، التفسير، تقويم الحجج) وفقًا للنموذج النظري (Watson & Glaser, 2008).

التطبيق: يتم إجراء تحليل العوامل الاستكشافي باستخدام SPSS مع طريقة استخراج العوامل الرئيسية (Principal Component Analysis) وتدوير فاريماكس (Varimax Rotation) لتحديد البنية العاملية.

يُتوقع أن تُظهر النتائج تجمع الفقرات في أربعة عوامل تتوافق مع الأبعاد النظرية، مع أوزان عاملية لكل فقرة [Factor Loadings > 0.4].

اختبار t للعينات المستقلة (Independent Samples t-test)

الغرض: فحص الفروق في مستويات التفكير الناقد بين مجموعات العيّنة بناءً على متغيّرات ديموغرافيّة ثنائيّة، مثل الجنس (ذكور/إناث).

التطبيق: يتم إجراء اختبار t باستخدام SPSS لتحديد ما إذا كانت هناك فروق ذات دلالة إحصائية (p < 0.05) في درجات التفكير الناقد بين المجموعات، مع تقديم قيم متوسّطات الدرجات والانحراف المعياري.

تحليل التباين الأحادي (One-Way ANOVA)

الغرض: فحص الفروق في مستويات التفكير الناقد بناءً على متغيرات ديموغرافية متعدّدة المستويات، مثل الخبرة التدريسيّة (1-5 سنوات، 6-10 سنوات، 11-15 سنوات، 16 سنة وأكثر) أو المرحلة التعليمية (ابتدائية، اعدادية، ثانوية).

التطبيق: يتم إجراء تحليل ANOVA باستخدام SPSS لتحديد الفروق ذات الدلالة الإحصائية (p < 0.05)، مع إجراء اختبارات متابعة (Post-Hoc Tests) مثل اختبار توكي (Tukey) لتحديد المجموعات التي تختلف بشكل ملحوظ.

إجراءات التحليل الإحصائي

سيتم استخدام برنامج SPSS (Statistical Package for the Social Sciences) لإجراء جميع التحليلات الإحصائية نظرًا لقدرته على معالجة البيانات الكميّة بفعاليّة.

سيتم التحقّق من افتراضات الأساليب الإحصائية قبل التحليل، مثل التوزيع الطبيعي للبيانات باستخدام اختبار كولموغوروف-سميرنوف (Kolmogorov-Smirnov Test)، والتأكّد من تجانس التباينات باستخدام اختبار ليفين (Levene’s Test) عند الحاجة.

تعرض النتائج في جداول وأشكال توضيحيّة (مثل جداول الارتباط، المتوسّطات، والأوزان العاملية) لتسهيل تفسير البيانات. مبرّرات اختيار الأساليب الإحصائية معامل بيرسون: مناسب لقياس العلاقات الخطيّة بين المتغيّرات المستمرّة، مثل درجات المقياس والمتغيّرات الديموغرافيّة. سبيرمان براون وكرونباخ ألفا: أساليب قياسيّة لتقييم الثبات في المقاييس السيكومتريّة، مما يضمن موثوقيّة المقياس.

تحليل العوامل الاستكشافي: ضروريّ للتحقّق من البنية العامليّة للمقياس والتأكّد من أن الفقرات تقيس الأبعاد المفترضة.

اختبار t وANOVA: يتيحان فحص الفروق بين مجموعات العيّنة، مما يساعد في استكشاف تأثير المتغيّرات الديموغرافيّة على التفكير الناقد.

نتائج الدراسة

تتناول هذه الدراسة بناء وتقنين مقياس لقياس التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربية في المراحل الأساسية، المتوسّطة والثانوية في الداخل الفلسطيني، مع تقييم مستوى التفكير الناقد لديهم وتقديم توصيات لتطوير البرامج التدريبيّة. تمّ تطبيق المقياس المكوّن من 40 فقرة (موزّعة على أبعاد: الاستنتاج، تمييز الافتراضات، التفسير، تقويم الحجج) على عيّنة مكونة من 300 معلمًا، وتم تحليل البيانات باستخدام برنامج SPSS. فيما يلي عرض للنتائج الرئيسيّة بناءً على الأهداف الإحصائيّة والوصفيّة.

الصدق السيكو متري للمقياس

الصدق الظاهري: تمّ التحقّق من الصدق الظاهري من خلال عرض المقياس على 10 محكّمين من الخبراء في التربيّة وعلم النفس التربوي. أكّد 90% من المحكّمين ملاءمة الفقرات لقياس التفكير الناقد في سياق تدريس اللغة العربيّة، مع تعديل 8 فقرات لتحسين الوضوح اللغوي والسياقي.

الصدق البنائي: أظهر تحليل العوامل الاستكشافي (Exploratory Factor Analysis – EFA) باستخدام طريقة استخراج العوامل الرئيسية وتدوير فاريمكس أن الفقرات الـ-40 تتوزّع على أربعة عوامل تتوافق مع الأبعاد النظريّة (الاستنتاج، تمييز الافتراضات، التفسير، تقويم الحجج). كانت الأوزان العاملية (Factor Loadings) لجميع الفقرات ≥ 0.40، مما يشير إلى بنية عاملية قويّة. تفسّر الأبعاد الأربعة حوالي 65% من التباين الكلّي في البيانات.

الصدق الارتباطي: أظهرت معاملات الارتباط بيرسون علاقة إيجابية قوية (r = 0.75, p < 0.01) بين درجات المقياس الكليّة ودرجات مقياس واتسون-جليزر للتفكير الناقد (Watson & Glaser, 2008) المطبّق على عيّنة فرعية (300 معلمًا). كما أظهرت علاقات إيجابية متوسّطة بين درجات الأبعاد الأربعة (r = 0.50-0.65, p < 0.01)، مما يؤكّد التماسك الداخلي للمقياس.

تحليل صلاحية وثبات الأداة

فيما يلي عرض في الجدول رقم 1 نتائج الثبات للمقياس ككل، ولكل واحد من أربعة الابعاد في المقياس:

جدول 1: نتائج ثبات المقياس

البُعد

ارقام البنود

Cronbach’s Alpha

الاستنتاج

س1-س10

0.6

تمييز الافتراضات

س11-س20

0.69

التفسير

س21-س30

0.67

تقويم الحجج

س31-س40

0.68

المقياس ككل

س1-س40

0.76

أظهرت نتائج تحليل الثبات باستخدام معامل كرونباخ ألفا أن قيمة الثبات للمقياس ككل بلغت (α = 0.76)، وهي قيمة تشير إلى مستوى ثبات جيّد يسمح باستخدام الأداة لأغراض البحث العلمي. كما تراوحت معاملات الثبات للأبعاد الفرعية بين (0.60–0.69)، وهي قيم مقبولة حدّياً. هذه المستويات تشير الى ان الأداة صالحة للاستخدام البحثي، ويمكن الاعتماد عليها في الدراسات الوصفية والاستكشافية. وتعكس هذه القيم أن الأبعاد تقيس المفاهيم المستهدفة بدرجة معقولة، إلا أنها تشير في الوقت ذاته إلى إمكانية تطوير بنود الأداة مستقبلًا لتحسين الاتساق الداخلي ورفع مستوى الثبات إلى درجات أعلى.

تحليل مستوى التفكير الناقد لدى المعلّمين

لتحليل مستوى التفكير الناقد لدى المعلّمين، تمّ حساب المتوسّط الحسابي والانحراف المعياري للأبعاد الأربعة في المقياس والمقياس ككل، كما يظهر في جدول 2 أدناه:

جدول 2: المتوسطات والانحرافات المعيارية لمستوى التفكير الناقد (n=300)

البعد

المتوسط الحسابي

الانحراف المعياري

الاستنتاج

3.85

0.79

تمييز الافتراضات

3.77

0.95

التفسير

3.95

0.8

تقويم الحجج

3.86

0.78

المقياس ككل

3.86

0.84

أظهرت نتائج التحليل الوصفي أن المتوسط الكلي لمستوى التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربية بلغ (M = 3.86, Sd. = 0.84)، وهو ما يشير إلى أن مستوى التفكير الناقد لديهم جاء بدرجة مرتفعة.

وعلى مستوى الأبعاد، جاء بُعد التفسير في المرتبة الأولى بمتوسط (3.95)، يليه بُعد تقويم الحجج (3.86)، ثم الاستنتاج (3.85)، بينما جاء بُعد تمييز الافتراضات في المرتبة الأخيرة بمتوسط (3.77)، وجميعها ضمن المستوى المرتفع. هذه النتائج تدل على ان معلمي اللغة العربية داخل الخط الأخضر يمتلكون مستوى مرتفعا من التفكير الناقد.

الفروق حسب المتغيرات الديموغرافية

تمّ تحليل للفروق بين المعلّمين للغة العربية حسب الجنس، المرحلة التعليمية، وسنوات الخبرة، كما يظهر ادناه:

الفروق حسب الجنس:

لفحص الفروق لمستوى التفكير الناقد حسب الجنس (ذكور، اناث)، تمّ استعمال مقياس Independent t-test لتحليل النتائج، كما يظهر في جدول 3:

جدول 3: الفروق حسب الجنس (n=300)

الجنس

المتوسط

الانحراف المعياري

t

ذكور

3.9

0.29

**2.44-

اناث

3.81

0.18

حسب جدول 3، توجد فروق ذات دلالة إحصائية (t = -2.44**, p = 0.015) في مستوى التفكير الناقد تعزى للجنس لصالح الذكور. وجد ان متوسط مستوى التفكير الناقد لدى الذكور (M = 3.9, Sd. = 0.29) اعلى من متوسط مستوى التفكير الناقد لدى الاناث (M = 3.81, Sd. = 0.18).

الفروق حسب المرحلة التعليمية:

لفحص الفروق لمستوى التفكير الناقد حسب المرحلة التعليمية (الابتدائية، الإعدادية، الثانوية)، تم استعمال مقياس One-way ANOVA لتحليل النتائج، كما يظهر في جدول 4:

جدول 4: الفروق حسب المرحلة التعليمية (n=300)

المرحلة التعليمية

المتوسط

الانحراف المعياري

F

الابتدائية

3.91

0.26

**6.76

الاعدادية

3.8

0.09

الثانوية

3.81

0.3

يبيّن جدول 4 المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لمستوى التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربية حسب المرحلة التعليمية فروقات ذات دلالة إحصائية (F = 6.76, p < 0.001)، حيث سجّل معلّمو المرحلة الابتدائية أعلى متوسط حسابي (M = 3.91, SD = 0.26)، تلاهم معلّمو المرحلة الثانوية (M = 3.81, SD = 0.30)، ثم معلّمو المرحلة الاعدادية (M = 3.80, SD = 0.09).

الفروق حسب سنوات الخبرة:

لفحص الفروق لمستوى التفكير الناقد حسب سنوات الخبرة (1-5، 6-10، 11-15، 16 سنة او أكثر)، تم استعمال مقياس One-way ANOVA لتحليل النتائج، كما يظهر في جدول 5:

جدول 5: الفروق حسب سنوات الخبرة (n=300)

المرحلة التعليمية

المتوسط

الانحراف المعياري

F

1-5 سنوات

3.81

0.25

**7.57

6-10 سنوات

3.89

0.25

11-15 سنوات

3.98

0.19

16 سنة او أكثر

3.82

0.27

يبين جدول 5 المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لمستوى التفكير الناقد لدى معلمي اللغة العربية حسب سنوات الخبرة فروقات ذات دلالة إحصائية (F = 7.57, p < 0.001)، حيث سجل المعلمون ذوو خبرة (11-15 سنوات) اعلى متوسط حسابي (M = 3.98, Sd. = 0.19)، واقل متوسط حسابي لذوو سنوات خبرة (1-5 سنوات) (M = 3.81, Sd. = 0.25).

استخراج مستويات تشخيصية:

تم توزيع المعلّمين الى ثلاثة مستويات للتفكير الناقد (منخفض، متوسط، مرتفع) حسب المتوسّط العام لكلّ معلّم، من اجل تحديد مستوى المعلّمين في التفكير الناقد، كما يظهر في جدول 6:

جدول 6: توزيع مستويات المعلمين في التفكير الناقد (n=300)

المتوسط

المستوى

العدد

النسبة

1.00-2.33

منخفض

0

0%

2.34-3.66

متوسط

39

13%

3.67-5.00

مرتفع

260

87%

يبيّن جدول 6 توزيع أفراد العيّنة حسب مستويات التفكير الناقد، حيث تبيّن أن الغالبية العظمى من المعلّمين جاءت ضمن المستوى المرتفع بواقع (260 معلّمًا) وبنسبة (87.0٪)، في حين جاءت نسبة (13.0٪) ضمن المستوى المتوسط، ولم تُسجّل أي نسبة في المستوى المنخفض، مما يدل على تمتع معلّمي اللغة العربية في الداخل الفلسطيني بمستوى مرتفع من التفكير الناقد.

المناقشة

هدفت هذه الدراسة الى تطوير أداة قياس للتفكير الناقد لدى معلمي اللغة العربية في الداخل الفلسطيني، من اجل فحص المستوى العام نظرًا لأهميتها في التعليم، ولأخذ بعين الاعتبار خصائص معلمي اللغة العربية من ناحية مؤهلات وقدرات تعليمية. أظهرت النتائج بشكل عام مستوى صدق عال للمقياس (صدق بنائي، ظاهري، ترابطي)، مما يدل على بنية عامليّة قوية، وتماسك داخلي متين، الذي يعكس مصداقية المقياس في تحديد مستوى التفكير الناقد بشكل دقيق. كما أظهرت النتائج قِيم عالية لثبات المقياس، على مستوى الابعاد الأربعة بشكل منفرد، وعلى مستوى المقياس الكلّي الذي اظهر قيمة عالية التي تشير الى إمكانية استخدام الأداة لأغراض بحث علمي. اما بالنسبة لمستوى التفكير الناقد لدى المعلّمين في الداخل الفلسطيني، فحسب تحليل مستويات تشخيصية، يظهر ان غالبيّة المعلّمين في الداخل الفلسطيني (87%) هم في مستوى مرتفع من التفكير الناقد، الذي يعكس معيار عالٍ لقدرات تعليميّة تتناسب مع مهارات التفكير الناقد.

عند التطرق لمستوى التفكير الناقد لدى معلمي اللغة العربية في الداخل الفلسطيني، أظهرت التحاليل أن مستوى التفكير الناقد مرتفع بشكل ملحوظ بشكل عام، وفي الأخص في بُعد التفسير الذي يعكس القدرة على فهم وشرح المعاني والأفكار في النصوص او المواقف التعليميّة وتعليم الطلاب كيفيّة التفسير. هذه النتيجة تماثل نتائج وتعريفات حديثة للتفكير الناقد، التي ترى بالقدرة على التفسير مهارة مركزيّة في التفكير الناقد (Dumitru & Halpern, 2023)، والتي عرّفت معلما ذا قدرة على التفكير الناقد بأنه ذا كفاءة بيداغوجية من حيث المعرفة الاستراتيجية والتدريسية، التي تمكّن المعلّم من تعزيز التفكير الناقد لدى طلابه (Nor & Sihes, 2022; Yuan, 2023). أي انّ معلمو اللغة العربية يتمتعون بقدرة تفسير عالية التي تمكنهم من التفكير بشكل ناقد وأيضا تنميته لدى طلابهم.

تمّ تحليل الفروقات بين المعلّمين للّغة العربية حسب المتغيّرات الديموغرافية، واظهرت النتائج فروقات ذات دلالة إحصائية. حسب متغيّر الجنس، ظهر ان الذكور يتمتعون بمستوى تفكير ناقد أعلى من الاناث بفرق ذا دلالة إحصائية، بعكس ما بلغ من دراسات سابقة التي لم تظهر فروق تعزى للجنس (الطراونة، 2021؛ القحطاني والجبر، 2023؛ Khalil et al., 2025). يمكن تفسير هذه النتائج حسب السياق الاجتماعي والثقافي للمجتمع العربي في الداخل الفلسطيني، الذي قد يمكّن الذكور من ابداء الرأي والمناقشة بشكل حرّ وأوسع مقارنة بالإناث، اللواتي قد يعتبرن ملتزمات أكثر لتحاليل منضبطة دون ابداء اراء شخصيّة التي قد تعتبر غير مناسبة للإطار التعليمي-الاجتماعي. دعما لهذا، وجدت عصالة وجبارين (Assaly & Jabarin, 2021) ان النظام التعليمي وبعض الأعراف الاجتماعية قد تعيق المعلّمين في الداخل الفلسطيني من تطبيق مهارات تفكير عليا، مما يؤدّي الى مستويات منخفضة من التفكير الناقد.

وجدت فروقات ذات دلالة إحصائية أيضا حسب المرحلة التعليمية، حيث وجد أن المعلمين في المرحلة الإعدادية يتميزون بمستوى تفكير ناقد أعلى من معلّمي المرحلتين الإعدادية والثانوية، بعكس دراسات سابقة التي أشادت بصعوبات تطبيق التفكير الناقد لدى معلّمي المرحلة الأساسيّة (ناجي، 2024). يمكن تفسير هذه النتائج في ضوء التحوّلات في المناهج التعليميّة الابتدائيّة في الداخل الفلسطيني التي باتت تركّز أكثر على دمج مهارات التفكير الناقد واستراتيجيات التعلّم النشط. بكلمات أخرى، التعليم في المستوى الابتدائي يتطلب مهارات تفكير عُليا واستراتيجيّات تعليميّة متطورة أكثر التي تعزّز قدرات التفكير الناقد لدى المعلّم وطلّابه، وهي لا تتأثر بمحتوى النصوص التعليميّة (أي نصوص تعليميّة للمستوى الابتدائيّة مقارنة بنصوص أدبيّة ذات لغة عالية) (المحلاوي، 2022). أظهرت دراسات سابقة انه عند دمج مناهج تعليميّة تعزّز مهارات التفكير الناقد ومهارات تفكير عُليا، يطرأ تغيير على طرائق التعليم واستراتيجيات المعلّمين في الصفوف، وبهذا يرتفع مستوى التفكير الناقد (Lorencova et al., 2019; Wang & Jia, 2023; Yuan et al., 2022). بالإضافة الى ذلك، يمكن تفسير هذه الفروقات حسب فروقات كفاءة شخصية مختلفة بين المعلّمين من مراحل تعليميّة مختلفة، حيث ان معلمو الابتدائية يتمتعون بقدرات تعليميّة تعزّز لديهم التفكير الناقد، على عكس معلّمي المرحلتين الإعدادية والثانوية (الشمري وال رشيد، 2021).

أظهرت النتائج أيضا فروقات ذات دلالة إحصائية حسب سنوات الخبرة، حيث وجد ان المعلمين ذوو خبرة تتراوح بين 11-15 سنة، هم ذوو المستوى الأعلى من التفكير الناقد، ويمكن تفسير ذلك بأن هذه الفئة تمثّل مرحلة النضج المهني، حيث يكون المعلّم قد راكم خبرة صفّية كافية، وتجاوز مرحلة التكيّف المهني الأولى، وأصبح أكثر قدرة على التحليل واتّخاذ القرار والتقويم النقدي للممارسات التعليميّة. هذه النتيجة تتوافق مع دراسات سابقة التي أظهرت ان مستوى التفكير الناقد كان اعلى عند معلّمين ذوو سنوات خبرة كثيرة (الطراونة، 2021؛ القحطاني والجبر، 2023). ولكن، أظهرت نتائج البحث ان معلمين ذوي سنوات خبرة أكثر من 15 سنة لم يظهروا مستوى تفكير ناقد أعلى، بحيث ان هنالك تأثير لعوامل أخرى على المستوى التفكير الناقد العالي تؤدّي الى تعطيله، مثل الانهاك النفسي والاجهاد المهني (السيد، 2010).

ملخص النتائج: تشير نتائج الدراسة إلى ان مقياس التفكير الناقد المطوّر يتميّز بدرجة صدق وثبات عالٍ تمكّن من استعماله في سياق علمي، وتعزّز قدرته على قياس مستوى التفكير الناقد بشكل دقيق. تحليل معطيات العيّنة اظهر بشكل عام أنّ اغلبية معلمي اللغة العربيّة في الداخل الفلسطيني يتمتعون بمستوى عالٍ من التفكير الناقد، مما يدلّ على مؤهّلات تعليمية عالية وقدرات تعليمية مطوّرة. عند فحص الفروقات حسب المتغيّرات الديموغرافية، وجد انّ المعلمين الذكور، معلمين ذوو خبرة 11-15 سنوات، ومعلمين في المرحلة الابتدائية يتمتعون بمستوى تفكير ناقد الأعلى، مقارنة مع مجموعات نظرائهم.

توصيات البحث

نظرا لنتائج البحث، يستوجب التوصية على دمج منهج تعليمي يعزز استعمال مهارات التفكير الناقد في الصفوف بشكل عام. ومن اجل هذا، يجب تطوير بدايةً مهارات وقدرات التفكير الناقد لدى معلّمي اللغة العربية في الداخل الفلسطيني عن طريق دورات تدريبيّة التي تركّز على أربعة الابعاد (وبالأخص بعد تمييز الافتراضات الذي سجل أدنى متوسط). وبحسب الفروقات الديموغرافية، يجب تعزيز هذه الدورات التدريبية المكثفة بشكل خاص لمعلّمي المرحلة الإعدادية والثانوية، ولدى معلمين جدد ذوو خبرة قليلة. يجب إعادة النظر في المعوّقات التي تمنع الاناث من ابداء آراء شخصيّة في الصفوف، التي تعرقل قدرتها على التفكير بشكل ناقد، مقارنة بالذكور، والعمل على تقليص هذه الفجوة.

المصادر

الإمام، محمد صالح. (2009). التفكير الإبداعي والناقد: رؤية عصرية. عمان: مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع.

حسن، هناء رجب. (2014). التفكير: برامج تعليمه وأساليب قياسه. عمان: مكتبة المجتمع العربي للنشر والتوزيع.

زيتون، حسن. (2008). تنمية مهارات التفكير: رؤية اشراقية في تطوير الذات. الرياض: الدار الصولتية للتربية.

سعادة، جودت أحمد. (2003). تدريس مهارات التفكير. غزة: دار الشروق للنشر والتوزيع.

سليمان، سناء محمد. (2011). التفكير أساسياته وأنواعه وتعليمه وتنمية مهاراته. القاهرة: عالم الكتاب.

السيد، ماجدة مصطفى. (2010). فاعلية برنامج مقترح لتنمية مهارات التفكير الناقد لدى الطالب المعلم بميدان التربية الفنية وأثره على بعض نواتج العملية التعليمية لدى التلاميذ، دراسات في المناهج وطرق التدريس. الجمعية المصرية للمناهج وطرق التدريس، كلية التربية، جامعة عين شمس, 71، 182-221.

الشمري، عفاف عليوي سعد، وال رشيد، هياء معجب مهدي. (2021). التفكير الناقد. المجلة العربية للنشر العلمي، 29(2)، 646-669.

الطراونة، صدقية عوض فلاح. (2021). درجة توفر مهارات التفكير الناقد لدى معلمي اللغة العربية في مديريات التربية والتعليم في محافظة الكرك بالأردن من وجهة نظرهم. المجلة العربية للعلوم ونشر الأبحاث – مجلة العلوم التربوية والنفسية، 5(37)، 20-49.

غائم، محمود محمد. (2009). مقدمة في تدريس التفكير. عمان: دار الثقافة للنشر والتوزيع.

فتح الله، منور عبد السلام. (2008). تنمية مهارات التفكير: الاطار النظري والتطبيق العملي. الرياض: دار النشر الدولي.

القحطاني، اميرة محمد، والجبر، جبر محمد. (2023). مستوى المعرفة بالممارسات التدريسية القائمة على مهارات التفكير الناقد لدى معلمات العلوم بالمرحلة المتوسطة من وجهة نظرهن. مجلة کلية التربية (أسيوط), 39(8)، 146-181.

اللزام، إبراهيم محمد (2008). أثر برنامج مقترح قائم على نظرية الذكاءات المتعددة في تحصيل مادة العلوم ومهارات التفكير الناقد لدى طلاب الصف الثاني المتوسط. رسالة ماجستير، قسم المناهج وطرق التدريس، كلية التربية، جامعة الملك سعود.

المحلاوي، رشا صالح حسين (2022). التفكير الناقد ومهارات التعلم في العصر الرقمي “الواقع والمأمول”. مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية, 4(1)، 1-21.

منار، منار. (2024). دور كلية التربية جامعة الإسكندرية في تنمية مهارات التفكير الناقد لدي طلابها: دراسة ميدانية. مجلة البحث التربوي، 23(48)، 380-445.

ناجي، عبد الرحمن. (2024). مدى توظيف معلمي اللغة العربية مهارات التفكير والأنشطة الداعمة الإبداعية في تدريسهم من وجهة نظرهم. مجلة كلية التربية، 40(9)، 141-180.

النجار، المهدي علي (2024). صعوبات تطبيق مهارات التفكير الناقد في تدريس اللغة العربية بمرحلة التعليم الأساسي من وجهة نظر معلمي المادة بمدينة مصراتة. مجلة جامعة سرت للعلوم الإنسانية، 14(2)، 80-93.

Abrami, P. C., Bernard, R. M., Borokhovski, E., Waddington, D. I., Wade, C. A., & Persson, T. (2015). Strategies for teaching students to think critically: A meta-analysis. Review of Educational Research85(2), 275-314.

Alruwaili, A. R. (2024). Barriers to promoting critical thinking skills: an empirical study of female pre-service English teachers’ perceptions in Jouf University in Saudi Arabia. SAGE Open14(1), 21582440241227775.

Assaly, I., & Jabarin, A. (2024). Arab Israeli EFL teachers’ perceptions and practices vis-à-vis teaching higher-order thinking skills: A complicated relationship. Language Teaching Research28(4), 1635-1655.

Cui, R., & Teo, P. (2023). Thinking through talk: Using dialogue to develop students’ critical thinking. Teaching and Teacher Education, 125, 125.

Dumitru, D., & Halpern, D. F. (2023). Critical thinking: Creating job-proof skills for the future of work. Journal of Intelligence11(10), 194.

Dwyer, C. P., Hogan, M. J., & Stewart, I. (2014). An integrated critical thinking framework for the 21st century. Thinking Skills and Creativity12, 43-52.

Ennis, R. (1992). Critical thinking: What is it? Proceedings of the Forty-Eighth Annual Meeting of the Philosophy of Education Society. Denver, Colorado, 27-30.

Ennis, R.H., & Weir, E. (1985). The Ennis-Weir critical thinking essay test. Midwest Publications.

Facione, P. (1990). Critical thinking: A statement of expert consensus for purposes of educational assessment and instruction (The Delphi Report).

Facione, P. A., Facione, N. C., Blohm, S. W., & Giancarlo, C. A. F. (2002). The California critical thinking skills test: CCTST. San Jose, CA: California Academic Press.

Hitchcock, D. (2020). Critical thinking. In Zalta E. N. (Co Ed.), The stanford encyclopedia of philosophy (fall 2020 edition). The metaphysics research lab, Stanford University.

Leach, S. M., Immekus, J. C., French, B. F., & Hand, B. (2020). The factorial validity of the Cornell Critical Thinking Tests: A multi-analytic approach. Thinking Skills and Creativity37, 100676.

Li, L. (2016). Thinking skills and creativity in second language education: Where are we now? Thinking Skills and Creativity, 22, 267–272.

Lim, T. K. (1998). Ascertaining the critical thinking and formal reasoning skills of students. Research in Education59(1), 9-18.

Lorencová, H., Jarošová, E., Avgitidou, S., & Dimitriadou, C. (2019). Critical thinking practices in teacher education programmes: A systematic review. Studies in Higher Education, 44(5), 844–859.

Moore, B.N., & Parker, R. (2009). Critical Thinking, 9th ed. New York: McGraw-Hill.

Nor, H. M., & Sihes, A. J. (2022). Critical Thinking in Teaching Arabic as a Foreign Language; Teacher’s Competence. International Journal of Academic Research in Business and Social Sciences12(9).

Paul, R. W. (1989). Critical thinking in North America: A new theory of knowledge, learning, and literacy. Argumentation3(2), 197-235.

Ramer, C. A. (1999). The influence of the Jefferson-Centennial Practicum on the self-efficacy of five social studies student teachers. University of Illinois at Urbana-Champaign.

Ross, J.D. (1976). Ross Test of Higher Cognitive Processes: Statistical Supplement. Academic Therapy Publications.

Rusmin, L., Misrahayu, Y., Pongpalilu, F., Radiansyah, R., & Dwiyanto, D. (2024). Critical thinking and problem-solving skills in the 21st century. Journal of Social Science1(5), 144-162.

Walser, N. (2008). Teaching 21st century skills. Harvard Education Letter24(5), 1-3.

Wang, D., & Jia, Q. (2023). Twenty years of research development on teachers’ critical thinking: Current status and future implications—A bibliometric analysis of research articles collected in WOS. Thinking Skills and Creativity, 48, 48.

Watson, G. (1980). Watson-Glaser critical thinking appraisal (Vol. 3). San Antonio, TX: Psychological Corporation.

Wilson, K. (2016). Critical reading, critical thinking: Delicate scaffolding in English for Academic Purposes (EAP). Thinking Skills and Creativity, 22, 256–265.

Yuan, R. (2023). Cultivating CT-oriented teachers in pre-service teacher education: What is there and what is missing?. Teachers & Teaching, 1–22.

Yuan, R., & Stapleton, P. (2020). Student teachers’ perceptions of critical thinking and its teaching. ELT Journal, 74(1), 40–48.

Yuan, R., Liao, W., Wang, Z., Kong, J., & Zhang, Y. (2022). How do English-as-a-Foreign-Language (EFL) teachers perceive and engage with critical thinking: A systematic review from 2010 to 2020. Thinking Skills and Creativity, 43, 43.