دلالة العنوان في روايات يوسف إدريس
The Significance of the Title in the Novels of Yusuf Idris
سنابل أبو العردات1
1 الكليّة الأكاديميّة العربيّة للتربيّة – حيفا، فلسطين. بريد الكتروني: sanabel2@walla.co.il
اشراف: د. عصام عساقلة
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj72/16
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/72/16
المجلد (7) العدد (2). الصفحات: 246 - 277
تاريخ الاستقبال: 2026-01-10 | تاريخ القبول: 2026-01-20 | تاريخ النشر: 2026-02-01
المستخلص: يتناول هذا البحث دلالة العنوان في روايات يوسف إدريس بوصفه “عتبةً” سيميائية تمهّد لقراءة النص وتوجّه تأويله، ويسعى إلى الكشف عن العلاقة بين المبنى اللغوي للعنوان (تركيبًا ومعجمًا) وبين مضمون الرواية ومغزاها. اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي عبر تحليل محتوى عناوين ستّ روايات مختارة لإدريس (الحرام، العيب، رجال وثيران، البيضاء، السيدة فيينا، نيويورك 80) ومقارنة نتائج التحليل بما ورد في الأدبيات والدراسات السابقة حول “علم العنونة” ووظائف العنوان (الإغراء، التعيين، الوصف، الإيحاء). تنطلق الدراسة من إشكالية مركزية مفادها: كيف تنعكس دلالة العنوان في المضمون الروائي، وإلى أي مدى يشكّل العنوان حلقة وصل بين القارئ والنص؟ وتخلص إلى أنّ إدريس يوظّف العنوان كأداة دلالية واستراتيجية، إذ تأتي عناوينه غالبًا مكثفة وقصيرة تُحدث تشويقًا وتفتح أفق التوقع، ثم تتعمّق دلالتها داخل السرد عبر شبكة من الرموز والطبقات الاجتماعية والصراعات القيمية. كما تُظهر النتائج أنّ العنوان عند إدريس لا يعمل كوسمٍ خارجيّ فحسب، بل يرتبط عضويًا بالنص: فـالحرام يكشف بنية القهر والفضيحة الاجتماعية، والعيب يعرّي فساد القيم وتطبيع الرشوة، ورجال وثيران يرمز لصراع القوة والإنسان، بينما تُحيل عناوين مثل البيضاء والسيدة فيينا ونيويورك 80 إلى جدل الشرق/الغرب والانبهار والصدمة الحضارية. وبذلك تسهم الدراسة في سدّ نقصٍ بحثيّ يتعلق بعناوين روايات إدريس، وتقدّم أداةً تطبيقية يمكن الإفادة منها في تدريس الرواية وتحليلها عبر مدخل “العنوان” بوصفه مفتاحًا تأويليًا للنص.
الكلمات المفتاحية: دلالة العنوان، السيمياء، الرواية العربية، يوسف إدريس، التأويل النصي.
Abstract: This study examines the significance of the title in the novels of Yusuf Idris as a semiotic “threshold” that guides reading and interpretation. It seeks to reveal the relationship between the linguistic structure of the title (in terms of form and lexicon) and the narrative content and meaning. The study adopts a descriptive-analytical approach through content analysis of the titles of six selected novels by Idris (Al-Haram, Al-‘Ayb, Men and Bulls, The White One, Lady Vienna, and New York 80), and compares the findings with relevant theoretical literature on titling and its functions (attraction, designation, description, and suggestion). The research addresses a central question: how does the title’s meaning reflect the narrative content, and to what extent does the title function as a mediating link between the reader and the text? The findings indicate that Idris employs titles as deliberate semantic and strategic tools. His titles are often concise and evocative, creating anticipation and opening interpretive horizons that are later deepened within the narrative through symbolic networks, social structures, and value conflicts. The study concludes that the title in Idris’s fiction is not merely a paratextual label but an organic component of the narrative system, contributing significantly to meaning-making and reader engagement. The study thus fills a research gap concerning the analysis of titles in Yusuf Idris’s novels and offers a practical framework for teaching and analyzing fiction through the lens of titling as an interpretive key.
Keywords: Title significance, semiotics, Arabic novel, Yusuf Idris, textual interpretation.
مقدمّة
يتناول هذا البحث سمات العنوان ودلالاته في النّصّوص الرّوائية للكاتب يوسف إدريس. يحاول البحث معالجة عناوين الرّوايات، تحليلها واستخراج دلالاتها ومن ثمّ ربط ذلك بمضمون الرّواية. وسيتمّ ذلك بناءً على تحليل المبنى التّركيبيّ للعنوان، وفهم البعد الدّلاليّ والمعنى الّذي قصده الكاتب.
تناولت عدّة دراسات سابقة مفهوم العنوان ودلالاته في النّصّ الرّوائيّ، فاختلفت فيما بينها حول مركزّية العنوان في صلب ومضمون الرّواية، إذ إنّ بعض هذه الدّراسات قد توافقت على أنّ العنوان هو الباب الّذي يمنح القارئ الشّغف والفضول للولوج في تفاصيل الرّواية، أكثر منها كصفة سيمائيّة تحتّم على الكاتب إضفاء الشّرعيّة لعمله الأدبيّ أو الرّوائيّ، وذلك عن طريق كنية وتسميّة الرّواية بعنوان معيّن لضرورة التّكامل الأدبيّ لعناصر الرّواية.
العنوان هو الباب المنفتح على أسلوب الرّواية ومضمونها، إذ يحمل العنوان الكثير من السّمات والإيحاءات من شأنها أن تبلور في ذهن القارئ مسبقة عن موضوع القصّة ومغزاها الدّفين المستتر بين طيّاتها، أو من ناحية أخرى تساعد القارئ في تذويت المفهوم السّرديّ للقصّة بعد قراءتها. ومن هنا، سيتبلور سؤال البحث كالآتي: “كيف تنعكس دلالة العنوان في المضمون والمغزى الرّوائيّ في روايات يوسف إدريس، وإلى أي مدى تشكّل سيمياء العنوان حلقة وصل مهمّة ما بين القارئ والمفهوم النّصّيّ للرواية”؟
يأتي هذا البحث لإغناء المكتبة العربيّة برؤية جديدة في معالجة العنوان ومدى ارتباطه بأحداث ومضمون الرّواية، ونأمل أن يشكّل البحث أداة تساعد العاملين في حقل التّدريس في تحليل الرّوايات، وإظهار مدى ارتباطه مع النّصّ الرّوائيّ من خلال المبنى اللّغويّ والدلاليّ والاصطلاحيّ وعن مدى ترابط عناوين الرّوايات بحياة الكاتب الشخصيّة. بالإضافة الى ذلك، يسعى هذه البحث المتواضع إلى تقديم شرح وتصوّر وافٍ عن العنوان نظرًا لما يعانيه هذه العنصر الروائي الهامّ من تهميش وعدم تسليط الضوء عليه بشكل كافٍ في دروس اللغة العربية عمومًا، وفي مساقات القصة القصيرة والرواية خاصةً.
الفصل الأوّل: نبذة عن حياة الأديب يوسف إدريس
الأديب يوسف إدريس، كاتب مسرحيّ وقصصيّ ومصريّ، أثرى الأدب بالعديد من الأعمال والرّوايات. تخرّج من كليّة الطّبّ عام 1947، وتخصّص في الطّبّ النّفسيّ، ولكنّه لم يستمرّ في العمل في هذا المجال، حيث كان ولعًا بالأدب وفنّ القصّص والمسرح. طبعت أعماله الأدبيّة وتحوّل كثير منها لأعمال مسرحيّة وسينمائيّة شهيرة مثل الندّاهة والحرام.
ولد يوسف إدريس في قرية البيروم التّابعة لمركز فاقوس بجمهوريّة مصر العربيّة عام 1927، وكان والده كثير التّنقل في ربوع مصر إذ كان يعمل في استصلاح الأراضي، وكان يوسف إدريس في صغره مغرمًا بعلوم الكيمياء ويحلم بأن يصبح طبيبًا، ممّا دفعه للتفوّق والالتحاق بكليّة الطبّ. اشترك يوسف إدريس خلال سنوات دراسته الطبّ بالمظاهرات المعادية للاحتلال البريطانيّ، وللملك فاروق، واختير سكرتيرًا تنفيذيًّا للجنة الدّفاع عن الطلبة، وسكرتيرًا للجنة، وهنا بدأت أعماله بإصدار المجلات الطلابيّة الثّوريّة، وكتابة أولى قصّصه القصيرة والّتي لاقت إعجاب زملائه الطّلاب.
عمل يوسف إدريس بعد تخرّجه طبيبًا بالقصر العينيّ لعشر سنوات، ثمّ طبيبًا نفسيًّا، ومفتشًا للصحّة، ثمّ عمل صحفيًا محررًا بجريدة الجمهوريّة، ثمّ كاتبًا بجريدة الأهرام في الفترة من 1973 وحتّى 1982، وكان ليوسف إدريس العديد من الرّحلات حول العالم، إذ كان عضوًا لنادي القصّة، وجمعيّة الأدباء، واتحاد الكتّاب، ونادي القلم الدوليّ.
نشر يوسف إدريس عددًا من قصصه القصيرة في جريدة المصريّ، ومجلة روز اليوسف، ثمّ أصدر مجموعته القصصيّة أرخص الليالي، ثمّ واصل عمله كطبيب حتّى 1960، وفي العام التّالي انضمّ يوسف إدريس للمناضلين الجزائريّين في الجبال، وحارب معهم حتّى أصيب وقلّده الجزائريّون وسام شكر وتقدير لنضاله بالقضيّة الجزائريّة.
أنشغل يوسف إدريس بالقضايا السّياسيّة وكان يمتلك الجرأة للتعبير عن آرائه المعارضة للنّظام، فقد كان منتقدًا لجمال عبد الناصر، وكذلك للوضع السّياسيّ في عصر محمد أنور السّادات.
أمّا رواياته فكان أشهرها: قصّة حبّ، والحرام، العيب، والعسكريّ الأسود، والبيضاء ومن مسرحيّاته: ملك القطن، اللحظة الحرجة، والمهزلة الأرضيّة، والجنس الثالث، والفرافير، والمخطّطين، والبهلوان (إبراهيم، 2015).
يعدُّ يوسف إدريس أحد كتّاب القصّة من أصحاب التّوجه الشّيوعيّ الاشتراكيّ، ومن الّذين يرون الحلّ الأمثل للبلاد الإسلاميّة أن تقوم بتطبيق الشّيوعيّة الاشتراكيّة، ولهذا فقد سخّر فنّه لنشر هذا من خلال تركيزه في رواياته وقصصه على الجانب الاجتماعيّ، وأنّه هو الأساس لما عداه، وشحن تلكم القصص والرّوايات بالجنس والتّرويج له، والتّعاطف مع البغايا والمومسات والتماس الأعذار لهنَّ كما جاء في روايتيّ العيب والحرام، وفق فلسفته الاشتراكيّة. يقول د. عبد الحكيم القط: “إنّ يوسف إدريس كان شيوعيًّا منذ التحق بالجامعة، وذاك قبل سنة 1952′ (القط، 1981). واستطردت د. نادية فرج بالقول ” إنّ إدريس كان ثائرًا ضدّ مظالم الاستعمار والاستبداديّة والأرستقراطيّة الفاسدة، وكما أنّه اشترك وهو طالب في المظاهرات سنة 1951، ونشر بالمجلات مقالات تعبّر عن آرائه. ولمّا نجحت ثورة عبد النّاصر، ابتهج إدريس لنجاحها ورحّب بقيامها، ولكنّه كان ينشد العثور على أيدلوجيّة جديدة تلائم احتياجات وطنه وتصلح المظالم الّتي يقاسي منها الشّعب” (فرج، 1976، ص 200).
2. الفصل الثّاني: الإطار النّظريّ
2.1 العنوان لغةً واصطلاحًا
ورد في لسان العرب ما يلي: “قال ابن سيده (1007-1066): العُنوانُ والعِنوان سِمَة الكتاب. وعَنْوَنَه عنْونةً وعِنْواناً وعَنَّاهُ، كلاهُما: وسمه بالعُنوان. وقال أيضًا: والعُنْيَانُ سمة الكتاب، وقد عنَّاه وأعناه، وعَنْوَنْتُ الكِتَابَ وعَلْوَنْتُهُ. قال يعقوب: وسَمِعْتُ من يقول أَطِنْ وأَعِنْ أي عَنْوِنْهُ واخْتِمِهُ، قال ابن سيّده: وفي جبهته عُنْوانِ من كثرة السجود أي أثر” (ابن منظور، 1992، ص 106).
أمّا اصطلاحًا، فهو “مقطع لغويّ أقلّ من الجملة يمثّل نصًّا أو عملًا فنّيًّا، ويمكن النّظر إلى العنوان من زاويتين: في سياق، أو خارج السّياق. والعنوان السّياق يكوّن وحدة مع العمل على المستوى السيميائيّ، ويملك وظيفة مرادفة عامّة، ومع أنّ التعريف يركّز على أنّ العنوان يكون أقلّ من الجملة إلّا أنّ هناك عناوين قد تتجاوز الجملة” (علّوش، 1992، ص 89).
2.2 مفهوم العنوان
العنوان نظام سيميائيّ ذو أبعاد دلاليّة ورمزيّة وأيقونيّة، وهو كالنّصّ أفق قد يصغر القارئ عن الصّعود إليه، وقد يتعالى هو عن النّزول لأيّ قارئ. تنبع سيمائيّته من كونه يجسّد أعلى اقتصاد لغويّ ممكن يوازي أعلى فعاليّة تلقٍّ ممكنة تغري الباحث والنّاقد بتتبّع دلالاته، مستثمرًا ما تيسّر من منجزات التّأويل. كما يشكّل العنوان أوّل اتّصال نوعيّ بين المرسل والمتلّقي (قطوس، 2001، ص6).
يعدّ العنوان من أهمّ عناصر النّصّ الموازي وملحقاته الدّاخليّة؛ نظرًا لكونه مدخلًا أساسيًّا في قراءة الإبداع الأدبيّ والتخيليّ بصفة عامّة، والروائيّ بصفة خاصّة. ومن المعلوم كذلك أنّ العنوان هو عتبة النّصّ وبدايته، وإشارته الأولى، وهو العلامة الّتي تطبع الكتاب أو النّصّ وتسمّيه وتميّزه عن غيره، وهو كذلك من العناصر المجاورة والمحيطة بالنّصّ الرئيس إلى جانب الحواشي والهوامش والمقدّمات والمقتبسات والأدلّة الأيقونيّة (الضوّي، 2009).
والعنوان للكتاب كالاسم للشيء، به يعرف وبفضله يتداول، يشار به إليه، ويدلّ به عليه، يحمل وسم كتابه، وفي الوقت نفسه العنوان علامة ليست من الكتاب جعلت له؛ لكي تدلّ عليه، وهذا التّعريف الأوّل له لا يختلف في اللّغة العامّة عنه في اللّغة المعرفيّة، المسمّاة اصطلاحيّة، ودونما فارق واحد بينهما، والعنوان ضرورة كتابيّة، هكذا لغويًا وهكذا اصطلاحيًا (الجزّار، 1998، ص 15).
حظيت العناوين بأهمّيّة كبيرة في المقاربات السيميولوجيّة، باعتبارها أحد المفاتيح الأوّليّة والأساسيّة الّتي على الباحث أن يحسن قراءتها وتأويلها، والتّعامل معها، فهو بمثابة عتبة على الدّارس أن يطأها قبل إصدار أيّ حكم. فعنوان الرّواية لا يوضع هكذا عبثًا أو اعتباطًا على الغلاف “إنّه المفتاح الإجرائيّ الذي يمدّنا بمجموعة من المعاني الّتي تساعدنا في فكّ رموز النّصّ، وتسهيل مأموريّة الدخول في أغواره وتشعّباته الوعرة” (حمداوي، 2011، ص 90).
لقد اهتمّ علم السيمياء اهتمامًا واسعًا بالعنوان في النّصّوص الأدبيّة لكونه “نظامًا سيمائيًّا ذا أبعاد دلاليّة وأخرى رمزيّة تغري الباحث بتتبّع دلالاته ومحاولة فكّ شفرته الرّامزة” (قطوّس، 2001، ص33). والنّاظر إلى معظم الدّراسات المعتمدة على مقاربة العنوان يدرك بشكل واضح الأهمّيّة القصوى الّتي يحظى بها العنوان باعتباره “نصًّا مختزلًا ومكثّفًا ومختصرًا”، له علاقة مباشرة بالنّصّ الّذي وسم به، فالعنوان والنّصّ يشكلان ثنائيّة والعلاقة بينهما هي علاقة مؤسّسة “إذ يعدّ العنوان مرسلة لغويّة تتصل لحظة ميلادها بحبل سريّ يربطها بالنّصّ لحظة الكتابة والقراءة معًا فتكون للنّصّ بمثابة الرّأس للجسد نظرًا لما يتمتّع به العنوان من خصائص تعبيريّة وجماليّة كبساطة العبارة وكثافة الدّلالة وأخرى استراتيجيّة إذ يحتلَّ الصّدارة في الفضاء النّصّيّ للعمل الأدبيّ” (بودربالة، 2002، ص 25).
2.3 العنوان في النّصّ الأدبيّ
لقد عدّ العنوان من أهمّ الأسس الّتي يرتكز عليها الإبداع الأدبيّ المعاصر، لذلك تناوله المؤلّفون بالعناية والاهتمام خاصّة في الإنتاج الشّعريّ الحديث والمعاصر، كلّ هذا دفع إلى التّفنّن في تقديمه للمتلقي، حتّى يكون مصدر إلهامه، وحافزًا للبحث في أغوار هذا العمل الفكريّ، مع مراعاة أذواق الجمهور في الوقت نفسه وحاجيّات السّاحة الأدبيّة، الّتي هي سوق رائجة لهذه المادّة الخام الّتي تحتاج إلى متلقٍ ذكيّ يفكّك شفراتها، فكان المبدع ملزمًا بمراعاة معادلة فنّيّة لإنتاجه الأدبيّ هي: عنوان الإبداع+ المتن الروائيّ+ اسم المبدع= العمل الإبداعيّ (جزّار، 1998، ص 15).
وهذا ما دفع بالسيمياء إلى الاهتمام بالعنوان الّذي أصبح علمًا قائمًا بذاته يسمّى “علم العنونة” يدخل في عمليّة التّأسيس الخطابيّ للنّصّوص الأدبيّة خاصّة السّرديّة منها لهذا فالعنوان السّرديّ يلعب دورًا بارزًا في لفت انتباه المتلقي لرسالته، وقد فطن المبدع العربيّ إلى أهمّيّة العنوان، وأدرك وظائفه من خلال طريقة إخراجه، ومراعاة مقتضى الحال للمتلقين لهذا الإبداع الّذي يعكس قراءتهم، فالعنوان حسب الدراسات النقديّة الحديثة يؤدّي دور المنبّه والمحرّض، فسلطته الطاغية تضفي بظلالها على النصّ، فيستحيل النّصّ جسدًا مستباحًا لسلطته، ثمّ إنّه نقطة الوصل بين طرفيّ الرّسالة؛ ممثّلة في ثنائيّة المبدع والمستقبل، إنّه يعدّ بداية اللّذة، هذا ما جعل العنوان يحرّك وجع الكتابة الّذي يتحوّل تدريجيًا إلى وجع قراءة متواصلة في صيرورة يتساوى فيها النّصّ مع النّاص، لذلك كان لزامًا على المبدع أن يراعي فنّيات فنّ العنونة ليجعل منه مصطلحًا إجرائيًّا في المقاربات النصّيّة وعليه فالعنوان ضرورة كتابيّة للولوج إلى أغوار النصّوص واستنطاقها من خلاله (المصدر نفسه)، وعليه هنالك جملة من التعاريف للعنوان أدرجها بعض النقّاد هي كالآتي:
يعرّف ليو هوك Leo Hoek العنوان أنّه “مجموعة العلامات اللسانيّة كلمة، جملة، نصّ الّتي يمكن أن تدرج على رأس نصّ لتحدّده وتدلّ على محتواه العامّ وتعرّف الجمهور بقراءاته”، وإنّ العنوان مبنى وشيء مصنوع لغرض التلقي والتأويل.” (هوك، 1982، ص 17).
أمّا الناقد الطاهر رواينيه، فيرى انّ العنوان هو “أوّل عبارة مطبوعة وبارزة من الكتاب، أو نصّ يعاند نصًّا آخر ليقوم مقامه أو ليعيّنه، ويؤكّد تفرّده على مرّ الزمان، وهو قبل كلّ شيء علامة عدوليّة، يسمح تأويلها بتقديم عدد من الإشارات والتنبّؤات حول محتوى النصّ ووظيفته المرجعيّة، ومعانيه المصاحبة وصفاته الرمزيّة، وهو من كلّ هذه الخصائص يقوم بوظيفتيّ التحريض والإشهار” (رواينيه، 1995، ص 141)، بينما يرى محمد الهادي المطوي “أنّ العنوان عبارة عن رسالة لغويّة تعرّف بهويّة النصّ، وتحدّد مضمونه، وتجذب القارئ إليه وتغويه به” (مطوي، 1999، ص 457)، فيما يذهب بسّام قطوس إلى “أنّ العنوان أصبح يشكّل حمولة دلاليّة فهو قبل ذلك علامة أو إشارة تواصليّة له وجود فيزيقيّ مادّيّ، وهو أوّل لقاء مادّيّ محسوس يتمّ بين المرسل والمتلقي” (قطوس، 2001، ص 36).
2.4 نشأة العنوان وتطوّره
لقد أُهْمِلَ العنوان كثيرًا سواء من قِبَل الدّارسين العرب أم الغربيين قديمًا وحديثًا، لأنّهم اعتبروه هامشًا لا قيمةَ له وملفوظًا لغويًّا لا يُقَدِّم شَيْئًا لتحليلِ النّصّ الأدبيّ؛ لذلك تجاوزوه إلى النّصّ كما تجاوزوا باقي العتبات الأخرى الّتي تحيط بالنّصّ. يقول علي جعفر العلّاق في تعريفه للعنوان: “هو الّذي يتقدّم النّصّ ويَفْتَتِح مسيرة نموِّهِ، هو مُجَرّد اسم يدلّ على العمل الأدبيّ: يُحدّد هويّته ويُكرّس انتماءه لأبٍ ما، إنّه مدخل إلى عمارة النّصّ، وإضاءة بارعة وغامضة لأبهائه وممراته المتشابكة، لقد أخذ العنوان يتمرّد على إهماله فترات طويلة، وينهض ثانيةً من رماده الّذي حجبه عن فاعليّته، وأقصاه إلى ليلٍ من النّسيان، ولم يُلْتَفَت إلى وظيفة العنوان إلّا مُؤَخّرًا” (العلّاق، 1997، ص 100-101).
وعلى الرّغم من هذا الإهمال، فقد التفت إليه بعض الدّارسين في الثقافتين: العربيّة والغربيّة حديثًا، وتَنَبَّهَ إليه الباحثون في مجال السيميوطيقا وعلم السّرد والمنطق والخطاب الشعريّ، وأشاروا إلى مضمونه الإجماليّ في الأدب والسينما والإشهار نظرًا لوظائفه المرجعيّة واللغويّة والتأثيريّة الأيقونيّة.
حرص الباحثون على تمييز العنوان في دراسات معمّقة بَشَّرَت بعلمٍ جديدٍ ذي استقلاليّة تامّة، ألا وهو علم العنوان الّذي ساهم في صياغته وتأسيسه باحثون غربيّون معاصرون منهم: جيرار جنيت G. Geneet وهنري متران H. metterand ولوسيان ﮔولدمان L .Goldmann وشارل كريفل Ch. Grivel وروجر روفرRoger Rofer وليوهويكLeo Hoek الذي يُعَرِّف العنوان بكونه “مجموعة من الدلائل اللسانيّة يُمكنها أن تثبت في بداية النّصّ من أجل تعيينه والإشارة إلى مضمونه الإجماليّ ومن أجل جذب الجمهور المقصود” (هوك، 1982، ص 17).
تُعتبر دراسة العتبات Seuils لجيرار جنيت Gerard Genette أهمّ دراسة علميّة مُمَنْهَجَة في مقاربة العتبات بصفةٍ عامّةٍ والعنوان بصفةٍ خاصّةٍ؛ لأنّها تسترشد بعلم السّرد والمقاربة النّصّيّة في شكل أسئلة ومسائل، وتفرض عنده نوعًا من التّحليل. ويَبْقى ليو هويك Leo Hoek المؤسّس الفعليّ لعلم العنوان؛ لأنّه قام بدراسة العنونة من منظورٍ مفتوحٍ يستند إلى العمق المنهجيّ والاطّلاع الكبير على اللسانيّات ونتائج السيميوطيقا وتاريخ الكتاب والكتابة. فقد رَصَدَ العنونة رَصدًا سيميوطيقيًا من خلال التّركيز على بُناها ودلالاتها ووظائفها.
كما أنّ النّقد الروائيّ العربيّ لم يولِ العنوانَ أهميّةً تُذْكَر، بل ظلّ يمرّ عليه مرّ الكِرام. لكن الآن بدأ الاهتمام بعتبات النصّ وصار يَنْدرج ضِمْن سياقٍ نظريٍّ وتحليليٍّ عامٍّ يعتني بإبراز ما للعتبات من وظيفةٍ في فهم خصوصيّة النصّ وتحديد جانب أساسيّ من مقاصده الدلاليّة، وهو اهتمام أضحى في الوقت الراهن مصدرًا لصياغةِ أسئلةٍ دقيقةٍ تُعيد الاعتبار لهذه المحافل النصّيّة المتنوّعة الأنساق وقوفًا عند ما يُميّزها ويُعَيّن طرائق اشتغالها (الحجمري، 1996، ص 7).
2.5 الدّراسات السّابقة
اِتّخذت دلالة العنوان في الروايات العربيّة وربطه بالمضمون النّصّيّ حيّزًا كبيرًا في الأبحاث، كونه ذا أهميّة بالغة في إيصال الأفكار والتّعابير المراد إيصالها من قبل الكاتب لجمهور قرّائه، إذ أنّ العناوين الروائيّة اتصفت في بعض الأبحاث بأنّها ذلك الباب الّذي يوصل القارئ إلى ذهنيّة الأديب، ومنها من أبرز وأظهر العنوان بالدّور الخفيّ، الّذي يجتهد الأديب في إخفائه بين طيّات نصّوصه حرصًا منه على استمراريّة الشّغف والانجذاب في القراءة للروايّة، وكي يعطي القارئ مساحةً وافية من التّفكير والتّحليل الشّخصيّ، كيف ينعكس عنوان الرّواية بين طيّات النّصّوص وأحداثها، إذ أنّ الأديب وفق أبحاث سابقة يمنح العنوان دلالة كبيرة في الفهم المسبق للرّواية، وطريقة سردها.
ومن الدّراسات السّابقة الّتي تتعلّق بدلالة العنوان في الرّواية، نستعرضُ ما يلي:
1. حسب ما اشارت اليه دراسة عمر خواجا (2013) “دلالة العنوان في رواية “والبقية تأتي”، فأنَّ عنوان النّصّ الأدبيّ يُشكّل العتبة الأهمّ من بين عتبات النّصّ الأخرى (الغلاف والإهداء والتّقديم والنّاشر والهوامش واللوحات والخطوط) فهو يمثّل بدلالته مدخلًا يلجُ القارئ من خلاله مستكشفًا أعماق النّصّ محيطًا بجوانبه وأهدافه ومراميه. وقد أخذ الاهتمام بالعناوين يزداد مع ازدياد حرص الكتّاب على اختيار عناوين نصّوصهم، آخذين بعين الاعتبار أهدافًا مكشوفة وأخرى مستترة في الضمائر.
ويتابع خواجا بأنّ علم العناوين هو من المواضيع المتداولة نقديًّا وأدبيًّا بشكل كبير، حيث لم يعد عنوان النّصّ مجرّد إيضاح، ولافتة تعبّرُ عن المحتوى، بل أصبح جزءًا أساسيًّا من النّصّ والفكرة والشّــكل، ويؤكّدُ الشّاعر والنّاقد العراقيّ علي جعفر العلاّق أنّ العنوانَ ليس مُجرّد اسم يدلّ على العمل الأدبيّ، يُحدّدُ هويته ويكرّسُ انتماءه لأبٍ ما، لقد صارَ أبعد من ذلك بكثير، وأضحت علاقته بالنّصّ بالغة التّعقيد إنّه مدخل إلى عمارة النّصّ. أمّا النّاقد الفرنسيّ جيرار جينيت فقد حدّد للعنوان أربع وظائف ( الإغراء، والوصف، والإيحاء، والتّعيين ) ممّا يدلّ على المكانة الّتي يحظى بها العنوان عند المدارس النّقديّة الحديثة.
2. لقد قدّم جميل حمداوي (2006) في هذه الدّراسة المنقحّة “صورة العنوان في الرواية العربيّة”، نظرة موجزة ومقتضبة عن العنوان وعلاقته بالنّصّ الموازي والعمل الإبداعي وسماته البنيويّة والدلاليّة والوظيفيّة، في ضوء تطوّر الرّواية العربيّة بصفةٍ عامةٍ والمغربيّة بصفةٍ خاصةٍ. وتوصّل في دراسته إلى أنّ العنوان الفني يتميز بخصائص محددّة تميل نحو ما هو بلاغي في محاولة التقاط جوهر الشيء، وليس الشيء في ذاته عناوين سرياليّة تميل نحو ما هو استعاري وتؤدّي وظائف متعددّة ومتراكبة في آن. وتمتاز العناوين في الرّواية الكلاسيكيّة أو الفنيّة الحديثة بخاصيّة الانسجام على مستوى مظاهر القصة (الأحداث-الشخصيات-الفضاء)، والخطاب (الرؤية-الصيغة-الزمن)، لذا فالعنونة الحداثيّة في الرواية الجديدة اتخذت مسلكين عدوانييّن:
أ. المسلك الأول يريد الدخول إلى العولمة الإبداعيّة من خلال الاستفادة من تقنيات الغرب، وتمثل طرائق الرواية الغربية واستيحاء أنماطها السردية وتشكيلاتها الفنية.
ب. المسلك الثاني يريد تحقيق المعاصرة عبر الاستفادة من التراث ومحاورته معارضةً تحريفًا وسخريةً ونرى أنّ الحمداوي قد قسّم العنوان في الرّواية العربية إلى نوعين:
1) العنونة التجريبية رغبة في التحديث.
2) العنونة التراثية رغبة في التأصيل.
ويلخّص الحمداوي ما توصل اليه في دراسته حول العنوان في الرواية العربية، معتبرًا أنّ عناوين الرواية الجديدة قد عمدت إلى التّجريب قصد تحقيق الحداثة والعالمية، والتّأصيل قصد التّواصل مع التّراث والانفتاح عليه وتطعيمه بمفاهيم جديدة وتصورات معاصرة بعد القطيعة التي شهدها الرّواية العربية إبّان انفتاحها على الغرب لاستيراد أشكال روائية وتقنيات حديثة تقليدا وانبهارًا واقتباسًا.
3. وفي دراسة أخرى حول دلالات العنوان في النّصّ الرّوائيّ، يستعرض سمير آغا (2011) عنوان رواية “الصندوق الأسود” للأديبة كليزار أسود، وما يعكس العنوان من دلالات وإيحاءات للقارئ بداية من الغلاف وانتهاءً بالإهداء، حيث يعرّف الأديب العنوان بأنّه “إشارة دالّة ومستقلّة” في إنتاجيّتها الدّلاليّة، وقد يكون قصيرًا أو طويلًا، فيتكوّن من جملة اسميّة أو فعليّة، اعتمادًا على أدوات الرّبط، وقد يزيد فيصبح عبارة طويلة أو ينقص فيكون كلمة واحدة: تتضمّن رمزًا يحيل على النّصّ وهذا المستوى التّركيبيّ للعنوان يختلف من كاتب إلى آخر فالعنوان يتضمّن العمل الأدبيّ بأكمله مثلما يتبع هذا الأخير ويتضمّن العنوان أيضًا، والعنوان يتركّب من عدّة عناصر حين يتقدّم كجملة مكثّفة تساهم كلّ مركّبات الخطاب في صنعها، كما أنّه يطرح خصائص نصّه فهو لا ينتج دلالاته، ولا تتضّح قيمته إلّا بالرجوع إلى نصّه الملازم له، وعلى الرّغم من كونه لا يتجاوز الكلمة الواحدة أو الكلمتين (في الأغلب الأعم)، وقد يشكّل اسمًا لشخص ما من شخصيّات العمل أو اسمًا للمكان الروائيّ أو لزمن الأحداث.
ونتيجة لما أفضت إليه دراسة سمير آغا، فإذا كان النصّ هو الأصل والعنوان هو الفرع، فإنّ التّرابط العضويّ بينهما هو الّذي يولّد دلالة كليهما، صحيح أنّه هو العتبة الدلاليّة الّتي تنقلنا من حيّز الواقع لحيّز التّخييل وبالتالي اتصافه بالرّواية الّتي توجّه فعل القراءة، لكن يبقى النصّ هو مصدر الضوء والعنوان عاكس له، مع احتفاظ العنوان بعدّة وظائف منها: الإغراء، الإيحاء والوصف والتّعيين، وإذا أخذت الوظيفة الإيحائيّة لعنوان “الصندوق الأسود” لوجدت تقلق أكثر ما تطمئن، لأنّ القارئ لا يلبث يطرح على نفسه الأسئلة تلو الأسئلة من قبيل: ترى من هو صاحب الصّندوق؟ وهل للصندوق علاقة بالمرأة؟ وهل يحيل على معنى رمزيّ (سرّ أو ماضٍ) أم يحيل شيء مادّيّ نفعيّ؟ ولماذا هو أسود وليس بلون آخر؟ فهل اللّون إحالة على اليأس والحزن أم هي سواد مجرّد من الدلالة؟ إنّ هذه البلبلة من الأفكار تجعل حيرة التّلقي تتعمّق وتحيل القارئ رأسًا على النصّ الحامل للعنوان علّه يستقرّ على معنى محدّد، فسياق النّصّ وحده الكفيل برفع هذه الحيرة واللبس، وعلى الرّغم من هذه التساؤلات فإنّ الرواية تعمل جاهدة في البوح بما لم يستطع الآخر البوح به، لما تمتلكه من فضاء يعطيك الدلالات وعالمًا من البحث والاكتشاف، وكأنّ العنوان هنا هو المثير الإيجابيّ لطرح المزيد من التوقّعات اللانهائيّة لدى المتلقّي كي يسرع بولوج العمل ذاته.
4. وأمّا دراسة محمد الجزّار (1998) حول دلالة العنوان في المضمون الرّوائيّ، فهو يرى من خلال دراسته “العنوان وسيميوطيقا الاتّصال الأدبيّ“، بأنّ العنوان للكتاب كالاسم للشيء، يعرف به وبفضله يتداول، يشار به إليه، ويدلّ به عليه، يحمل وسم كتابه وفي الوقت نفسه العنوان علامة ليست من الكتاب جعلت له؛ لكي تدلّ عليه، وهذا التّعريف الأوّل له لا يختلف في اللّغة العامّة عنه في اللّغة المعرفيّة، المسمّاة اصطلاحيّة، ودونما فارق واحد بينهما، والعنوان ضرورة كتابية، هكذا لغويًا وهكذا اصطلاحًا.
5. ومن وجهة نظر جميل حمداوي (1997)، فإنّ دراسته حول “السيميوطيقيا والعنونة”، كانت قد حظيت بأهميّة كبيرة في المقاربات السيميولوجيّة، باعتبارها أحد المفاتيح الأوّليّة والأساسيّة الّتي على الباحث أن يحسن قراءتها وتأويلها، والتّعامل معها، فهو بمثابة عتبة على الدّارس أن يطأها قبل إصدار أيّ حكم. فعنوان الرّواية لا يوضع هكذا عبثًا أو اعتباطًا على الغلاف، بل إنّه المفتاح الإجرائيّ الّذي يمدّنا بمجموعة من المعاني الّتي تساعدنا في فكّ رموز النصّ، وتسهيل مأموريّة الدخول في أغواره وتشعّباته الوعرة.
6. وممّا أشارت إليه دراسة محمد حمد (2010) “مكانة ودلالة العنوان في الرّواية والأدب”، فإنّ العنونة هي مكانة مرموقة في الدّراسات النّقديّة الحداثيّة، بوصفها ممارسة نقديّة يقوم الكاتب تجاه عمله، ممّا يعني قدرتها على تمثيل النّصّ، وإمكانية استثمار مثل هذا التّمثيل في بناء توقّعات أو انطباعات أوّليّة. ويشير الباحث وفق نتائج بحثه الّذي فحص مدى قدرة القارئ في توقّع الحقل الدلاليّ للنّصّ القصصيّ من خلال العنوان، بواسطة استمارة وزعّت على عشرات القرّاء المنتمين إلى السلك التّعليميّ في اللّغة العربيّة، إلى أنّ هنالك أنواعًا مختلفة من العناوين، تندرج ضمن مجموعتين: محايدة وتأويليّة، بحيث أنّ المجموعة التأويليّة لها القدرة على التنبّؤ بالحقل الدلاليّ للقصّة، بشكل ينسجم مع درجة التّلميح الذاتيّ تقدّمها هذه المجموعة بدرجة من التّفاوت. يمكن للعناوين أن تحيل إلى اتجاه فكريّ أو فلسفيّ أو تأويليّ عند كاتب معيّن، وإلى ثقافته وأسلوبه الفنّيّ عادةً.
7. يرى علي العبيدي (2009) في بحثه “العنوان في قصص وجدان الخشّاب”، أنَّ العنوان ما هو إلّا باب الرواية الّتي تلمحها عيون القارئ منذ لحظة ولوجه الأولى إلى عالم الرواية والقصّة القصيرة، ويفسّر أهمّيّة دلالة العنوان كونه مفتاح القصّة الّتي تدور الأحداث حوله، ويرتبط بشكلٍ أساس في كل حدث تسلسلي بالرواية.
ومن هنا، تركيبة العنوان حسب رأي الباحث أيضا تتميّز عن غيرها من عناصر الرواية كالمكان والزمان لأنّها تملك عدة تركيبات كتابيّة تمنح القارئ لذّة الإبحار في خيال واسع وربط العنوان بمجريات الرواية قبل أن يقدم على فهم وتحليل أحداثها. إذًا، هذه الدراسة جاءت لتؤكد أنّ في العنوان بنية كتابيّة تعلو النصّ وترابط معه دلاليًا وضمنيًا، بذلك يشير العبيدي بأنّ الخشّاب تقصدّت استخدام الأسلوب التّلميحي للعنوان في نصّوصها الأدبيّة، لتثير هاجس القارئ وترسله إلى نسج الفرضيّات حول أحداث الرواية، ونسقها الدرامي وتوترها السّردي. وكان للعنوان في قصّص الكاتبة وفق خلاصة بحث العبيدي طبيعة الإحالة والمرجعيّة الّتي تُظهر نوايا الكاتبة ومراميها الدّلالية الّتي تتجاوز المألوف في اختيار العنوان من ناحية لغويّة، واستنباط دلالات جديدة له حسب البنيّة الفعلية أو الاسمية الّتي يلبسها كعنوان للرواية.
8. تناول محمد حسونة (2015) في هذه الدراسة النصّ الموازي وعالم النصّ” الجديدة نسبيًا موضوع النصّ الموازي وعلاقته بعالم النصّ في ديوان ألاء نعيم القطراوي “حين يرتجف الهواء” حيث اعتمد المنهج السيميائي التلميحي في استقراء عالم الشاعرة الخياليّ. ويستخلص حسونة في هذه الدراسة الّتي قسّمها إلى قسمين رئيسيين؛ نظريّ وتطبيقيّ، إلى أنَّ العنوان يتداخل في النصّ الموازي في الكشف عن أسرار وخبايا عالم الشاعرة، لأنّه يوجد عنوان تركيبي يتألّف من ركنين أساسيّن أحدهما نصّ مكتوب والآخر نص بصري يمثّله الغلاف، والنصّ المكتوب للعنوان “حين يرتجف الهواء” يتكون من ثلاثة دوال هي: “حين”، يرتجف والهواء، وفي كلّ دالّة ترتبط نطقها ودلالتها بتفسير لفظيّ ولغويّ يتيح للقارئ تفسيرها من منظوره الشخصيّ، وتحديد مضمون الرواية المرتبطة بعوامل تركيب هذا العنوان كما تأتي على هيئة كتابة ملتوية تمثّل إنحناءات الهواء وطيات التيار، ممّا يجعل القارئ يتوسّع في رمزيته وأهمّيّة دلالته في الرواية.
3. مفهوم الرواية
أ- لغة: جاء في لسان العرب: أنّها “مشتقة من الفعل روى، قال ابن السكيت، يقال رويت القوم، أرويهم إذا استقيت لهم، ويقال من أين ريتكم؟ أي من أين تروون الماء، ويقال روى فلان فلانًا شعرًا، إذا رووه له حتّى حفظه للرواية عنه، وقال الجوهري، رويت الحديث، والشعر فأنا راو في الماء والشعر، ورويته ترويه، أي حملته إلى الرواية” (أبن منظور، 1992، ص 280-281).
ب- اصطلاحًا: تتخذُّ الرواية لنفسها العديد من الأشكال فهي تجمع بين الواقع والخيال بين الخطاب الاجتماعيّ والسياسيّ والإيديولوجيّ، ممّا يجعلنا لا نجد لها تعريف بسيط جامع مانع لأنهّا تتشارك والعديد من الجنّاس الأدبيّة، ومن هنا فإن هناك من يرى: “أنّه فنّ نثريّ تخيليّ طويل نسبيًا بالقياس إلى فنّ القصّة (بلعيدي وبلخن، 2001، ص 17).
في حين هناك من يقول عن الرواية: ” على أنّها رواية كلية شاملة أو ذاتيّة، تستعير معمارها من بنية المجتمع، وتفسح مكانًا تتعايش فيه الأنواع والأساليب كما يتضمّن المجتمع الجماعات والطبقات المتعارضة ومن خلال التعريف نجد أنّ الرواية تتميّز بما يلي:
1. الكليّة والشموليّة سواء في تناول الموضوعات أو من الناحيّة الشكليّة.
2. قد تكون الرواية معبّرة عن الفرد أو الجماعة أو عن الظواهر.
.3ترتبط الرواية بالمجتمع وتقيّم معمارها على أساسه. الرواية مثل المجتمع تتجاوز المتناقضات وتجمع بين الأشكال الأدبيّة” (صالح، 2008، ص 5).
وقد عرّفها آخر على أنّها ما هي إلّا حكاية تروى عن الناس من حيث الأحداث الّتي تقع لهم وموقفهم من هذه الأحداث، وتفسيرهم لها في صياغة فنيّة تقدّم فيها المشاهد بطريقة متماسكة بحيث تنمو وتتآزر بمنطق النيّة للوصول إلى خاتمة (سالم، 1990، ص 12).
كما رأى البعض أنّ الرواية تتداخل مع الأسطورة والملحمة والشعر، أو ما يعرف بتداخل الجناس الأدبيّة فيما بينها: ” عن الرواية تشترك مع الملحمة في طائفة من الخصائص وذلك من خلال السرد، أنها تسرد أحداثًا تسعى لأن تمثّل الحقيقة، وتعكس موقف الإنسان وتجسّد ما في العالم، أو تجسّد من شيء ممّا فيه على الأقلّ (مرتاض، 1990، ص 12). وعرّفتها الأكاديميّة الفرنسيّة : “بأنّها قصّة مصنوعة مكتوبة بالنثر يثير صاحبها اهتمامًا بتحليل العواطف ووصف الطباع وغرابة الواقع ( بلعيدي وبلخن، 2001، ص 19).
3.1 نشأة الرواية العربيّة وتطورّها
لم تتحقق الرواية باعتبارها جنسًا أدبيًا مستقلًا، و تتميّز بوجودها وشكلها الخاصّ في الأدب الغـــربيّ والعربيّ إلا في العصر الحديث، حيث ارتبط مصطلح الرواية بظهور وسيطرة الطبقة الوسطى في المجتمع الأوربي في القرن الثامن عشر، فحلّت هذه الطبقة محل الإقطاع الّذي تميّز أفراده بالمحافظة والمثاليّة والعجائبيّة، والعكس من ذلك، فقد اهتمّت الطبقة البورجوازيّة بالواقع والمغامرات الفرديّة، وصوّر الأدب هذه الأمور المستحدثّة بشكل حديث، اصطلح الأدباء على تسميته بالرواية الفنيّة، في حين أطلقوا اسم الرواية غير الفنيّة على المراحل السابقة لهذا العصر، حيث تميّز الأدب القصصّي منذ القديم بسيطرة أدب الطبقة الحاكمة، ولا تمثّل القصص المعبّرة عن الخدم والصعاليك إلا استثناءً لا يمكن القياس عليه (صالح، 2005، ص 12).
تبدأ الرواية في أوروبا منذ القرن الثامن عشر حاملة رسالة جديدة هي التعبير عن روح العصر، والحديث عن خصائص الإنسان، وهناك من يعتبر رواية دونكيشوت لـسيرفانتس أوّل رواية فنيّة في أوروبا كونها تعتمد على المغامرة والفرديّة، إذًا الرواية الغربيّة هي وليدة الطبقة البورجوازيّة وهي البديل عن الملحمة ولذلك اعتبر هيجل (Hegel) الرواية ملحمة العصر الحديث، وقد استفاد جورج لوكا تش من هذه الفكرة واعتبر بدوره الرواية ملحمة بورجوازيّة.
وهناك من يقول أنّ الرواية لها جذور وأصول في الأدب العربي الّذي عرف الفنّ ممثلًا في بعض ما جاء مبثوثًا في كتب الجاحظ وابن المقفع ومقامات بديع الزمان الهمذاني والحريري، لكنّ البعض يرى أنّ الرواية فنّ مأخوذ عن الغرب، وقد سئل الأديب الجزائري طاهر وطار عن واقع الرواية العربية فرد: “والرواية بالأصل فنّ- لا نقول دخيل على اللغة العربية وإنّما فنّ جديد في الأدب العربي اكتشفه العرب فتبنّوه مثلما اكتشفوا في بدء نهضتهم المنطق فتبنّوه والفلسفة فتبنّوها (صالح، 2005، ص 15).
يستعرض مرادي (1971) ظهور الرواية في بدايتها، على أنّها اتخذّت أشكال الوعظ والتسليّة لأنّها كانت تنشر في المجلّات والجرائد ومن ثمّة للارتباط بالتاريخ والأساطير الشعبيّة إثبات الذات العربيّة ومواجهة الآخر المستعمر إلى غاية صدور رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل، والتّي تعتبر أوّل رواية فنيّة. والملاحظة المهمّة هنا هي أنّ الرواية منذ نشأتها الأولى ورغم تعثرّها، كانت تنتمي إلى التراث العربيّ، ومن يرصد تطور الرواية العربيّة من القرن التاسع عشر يلاحظ غلبة الرواية التاريخيّة، الّتي تستمد إطارها ورموزها من التراث العربي، لكن الرواية العربيّة سرعان ما تحولت عن الرومانسيّة إلى الواقعيّة بسبب ظروف الواقع العربي نفسه ومن ثمة تطوّرت الرواية إلى أن كسرت الزمن، وأصبحت شخصياتها نابعة من الواقع، وتتحدّث عن الطابوهات، الجنس، السياسة، الدين، وتعتمد على مونولوج الحوار الداخلي، وتستخدم التاريخ والأساطير (مرادي، 1971، ص 101-116).
3.2 منهج يوسف إدريس الأدبيّ والروائيّ
قدّم إدريس في رواياته وقصصه عالمًا متكاملًا للحياة المصرية من خلال تحويل الواقع العادي إلى واقع محلّل، بتشكيل خامة هذا الواقع والربط بين عناصره المبعثرة على نحوٍ يجعل النظرة إلى الواقع أبعد عن حالة الإدراك الفوري، خاصًة فيما تعكسه من ارتباط نظرة الكاتب إلى مجتمعه بهموم وقضايا هذا المجتمع، وعرض ذلك في بساطة تخفي فهمًا ووعيًا عميقًا لكلّ من الفرد والمجتمع. عاصر يوسف إدريس وعايش فترة التحولّات السياسيّة والوطنيّة والاجتماعيّة في مصر منذ مطلع الخمسينيات، وشاهد تبلور الطبقة الشعبيّة وبروزها عنصرًا فعالًا ومؤثرًا في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة، وعكست أعماله هذا التبلور. لقد قدّم يوسف إدريس في قصصه القصيرة مفهومًا واضحًا للواقعيّة عنده منذ أول مجموعة نشرها، وتابع تأكيد وتعميق هذا المفهوم خلال مجموعاته التي توالت بعد ذلك (الورقي، 1990، ص 16-15.(
ويشير عبد المعطي (1990، ص 133) إلى أنَّ يوسف إدريس نفسه بدأ يشبُّ عن الطوق، ويسلك طرقًا جديدة في التعبير، سواء بلغ فيها درجة الكمال، أو هبط منها عن مستواه السابق، فقد تخلّى أصحاب الاتجاه عن ذلك الابن المتمرد (ويقصد بهذا إلى يوسف إدريس) بالرغم من ذلك، لم يتخلَّ يوسف عن الإطار العام الّذي استضافه لأعماله منذ بواكير إنتاجه الفنيّ، فقد ظلَّت الفئات الكادحة هي الأرض الاجتماعيّة والفكريّة الّتي يخطو عليها منذ “أرخص ليالي ” إلى “العيب”. ويتابع عبد المعطي (1990، ص 134) بأنّه لا ضير مطلقًا أن يتخصّص الأديب في شريحة اجتماعية بعينها، بحيث لا يكرّر نفسه من عمل إلى أخر، أي لا يتورّط في التقاط ظاهرة، أو الالتقاط من زاوية بصفة دائمة، وإنّما يجتهد في اكتشاف الظواهر المختلفة والزوايا العديدة، فيكسب أدبه خصوبة وغنى قلّ أن يكتسبهما من يصوّر الكثير من الفئات الاجتماعيّة بنظرة وحيدة الجانب. ومن هنا، جاء تصوير يوسف إدريس لأزمة الجنس في المجتمع، تصويرًا بالغ الأهميّة، لأنّه يلتقط ظواهر عديدة من زوايا مختلفة (عبد المعطي، 1990، ص 134).
قدّم يوسف إدريس في مجموعاته القصّصية تجارب عديدة ومتنوعّة، تلمس فيها أعماق البنية التحتيّة للمجتمع المصري في القرية والمدينة وذلك من خلال رؤية واقعية وذات طابع خاصّ، ربمّا كان أقرب تعريف لها أنّها واقعية إنسانية تعرّفت على الصور المتعددّة للواقعيّة من نقدية ورمزيّة وتحليليّة وغيرها.
ومن هنا، فقد مرّت هذه الواقعيّة عند يوسف إدريس بمراحل استتبعتها طبيعة التجربة في كل مرحلة، وبدأت الرؤية الواقعية من إنتاج الكاتب مختلطة ببعض المشاعر والأفكار الرومانسية، ومن ثمّ الواقعيّة الرومانسيّة السمة الّتي سيطرت على قصص المرحلة الّتي نشر فيها الكاتب مجموعات “أرخص ليالي”، “أليس كذلك”، “جمهورية فرحات” و”البطل” (الورقي، 1990، ص .(18
لقد كانت الفرصة وفق ادعّاء الورقي مهيأة لتجريب استخدام الرمز خاصّة، وأنَّ الكاتب قد انشغل بتقديم عالم الداخل، وهو عالم يحتلَّ الرمز فيه مكانة ملحوظة. إذا كانت المرحلة الإنسانية والمرحلة الرمزّية لم تستمرا كثيرًا في رحلة إبداع الكاتب، فقد عاد مرةً أخرى إلى الواقعيّة النقديّة ليقدّم من خلالها تصورًّا لمفهوم مصري للقصّة القصيرة. وفي هذا السياق، مرّت الواقعية في القصة القصيرة عند يوسف إدريس بمراحل متطورّة، كانت في كل مرحلة ذات سمات معينه ومفهوم خاص على النحو التالي:
- المرحلة الواقعية الرومانسية.
- المرحلة الواقعية النقدية الأولى.
- المرحلة الواقعية الإنسانية.
- المرحلة الواقعية الرمزية.
- المرحلة النقديّة الثانية (نحو واقعية مصرية).
تنطلق كلّ مرحلة من هذه المراحل من أرضيّة واقعيّة، ولكنّها تضيف إلى الواقعيّة المذاق المرحليّ الخاصّ بالكاتب في كلّ مرحلة إبداعية (الورقي، 1990، 18-19 .(
3.3 عوامل الإبداع عند يوسف إدريس
ترتكز سمّات الإبداع لدى يوسف إدريس بالإبحار نحو رؤية جديدة. رؤية تأخذ شكل القانون العام الّذي يستقي معطياته من الواقع الخارجي كما أحسّه، بالفلسفة الداخلية وبالرغبة في الخروج للناس بحلول جديدة لمشاكل قديمة (زين الدين، 1998، 188.(
إبداع يوسف إدريس يتسّم منذ سنواته الأولى بالجرأة والشجاعة واقتحام المحظورات، وذلك على المستويين الإبداعيّ واللغويّ، فقد كانت لغته لغة الحياة اليوميّة، في مقابل لغة طه حسين الرصينة الملتزمة بقواعد اللغة العربية؛ إذ كان يوسف إدريس يمتلك وهجًا خاصًا كانت مهنة الطب قد وهبته قدرة إبداعية فائقة، وقد أعطته الدراسة الطبيّة منهجًا علميًا؛ ومن خلال اختلاطه بالمرضى في مختلف الوزارات، ومن خلال عمله في عدّة مستشفيات، تعرّف على مشكلات الجسد ومشكلات الحياة والروتين وتعقيداته؛ وهذه أشياء كانت محاور لعدّة موضوعات في العملية الإبداعيّة لديه؛ لذا فقد نجح يوسف إدريس في التعبير عن بسطاء الناس وصغار الفلاحين، وتناول الإنسان العادي بتنويعاته المختلفة: شابًا، شيخًا، فتاةً، امرأةً، فقد أفسح للإنسان العادي مكانًا في خياله وصوره وأوراقه، فعبّر عن الحياة المصرية الصرفة بحذاقة وإتقان (زين الدين، 1998، ص 207.(
أتسمّ إدريس بأنّه غزير الثقافة وواسع الاطّلاع، حيث اطلع على الأدب العالمي وخاصة الروسيّ، ولعلّ ممارسته لمهنة الطب أثرّت على الجانب الإنساني من شخصيتّه، ممّا جعل منه إنسانًا شديد الحساسيّة، شديد التقرّب من الناس وشديد القدرة على التعبير عنهم؛ حتّى تكاد تظنُّ إنه يكتب من داخلهم وليس من داخل نفسه.
لم يتوقف إبداع إدريس عند حدود القصة القصيرة بالرغم من تطوّها وتنوّعها؛ حتّى إنّها تكاد تعرف به وترتبط باسمه، لتمتدَّ ثورته الإبداعيّة لعالمي الرواية والمسرح. وتجدر الإشارة إلى أنَّ هناك أزمة فنيّة وإبداعيّة سيطرت على حياة يوسف إدريس الأدبيّة وغلفّت أعماله، حتّى إنّها بدت ًشكلًا من أشكال الانهيار الفني والفكري مرّ به الكاتب الكبير، وذلك في أواخر مرحلة السبعينيات وأوائل الثمانينيات إذ صمت يوسف إدريس عن الإبداع والعطاء صمتًا طويلًا مريبًا، فقد كتب في أواخر السبعينيات بعض المحاولات القصصيّة، لا يكاد القارئ يصدّق أنّها من إبداع يوسف إدريس، حيث جاءت القصة بعيدة عن الإشراق الباهر الّذي ضجّت به قصصه القصيرة السابقة.، فاضطرب عالمه القصصيّ على الرغم من النجاح الكبير الّذي بلغه، والشأن الرفيع الّذي ناله، ودليل هذا الاضطراب التداخل في عالم يوسف إدريس القصصيّ، بين أجناس أدبية مختلفة، كالمسرح، وكتابة المقالة، فكان ارتداده لكتابة المقالة السياسيّة والاجتماعيّة أحد جوانب الانجراف لمعالجة هذه الأزمة الحضاريّة والإنسانيّة (مجيدي واخرون، 2011).
4. الفصل الثّالث
4.1 منهجيّة البحث
تعتمد منهجيّة البحث على المنهج الوصفيّ التّحليليّ، وستقوم الدّراسة على أساس تحليل محتوى من خلال معالجة العنوان في الرّوايات المختارة، اعتمادًا على النّظريات والدّراسات السّابقة، وعلى وجهات نظر شخصيّة. سنحاول في هذا البحث استدراك النّتائج ومقارنتها مع نتائج ومقرّرات أبحاث سابقة حول العنوان، نشأته وتطوّره ودلالاته الرّوائيّة، وذلك بغية فهم بنية العنوان فيه وصولًا إلى الاستنتاجات الّتي تبيّن مدى ارتباط العناوين بمضامين الرّوايات وسبب اختيار الكاتب لهذه العناوين دون غيرها.
4.2 عينّة البحث
يعتمد البحث على تحليل عناوين ست روايات للأديب يوسف إدريس والتي أُلفّت في فترات زمنية معينّة. فيما يلي سأعرض في هذه اللائحة تسلسل الروايات وفق الأقدميّة من حيث التأليف: (لائحة 1)
|
اسم الرواية |
سنة ومكان الإصدار |
|
القاهرة، سلسلة “الكتاب الفضي”، دار الهلال، 1959. |
|
القاهرة، سلسلة “الكتاب الذهبي”، دار الهلال، 1962. |
|
القاهرة، المؤسسّة المصريّة العامة، 1964. |
|
بيروت، دار الطليعة، 1970. |
|
بيروت، دار العودة 1977. |
|
القاهرة، مكتبة مصر، 1980. |
4.3 مشكلة البحث
المشكلة والصّعوبات الّتي تواجه هذا البحث هي قلّة الدّراسات الّتي بحثت العنوان في قصّص أديبنا يوسف إدريس. تناول العديد من الباحثين عناصر النّصّ القصصيّ من ناحية الزّمان، المكان، الشّخصيات وباقي العناصر الرّوائية، لكنّهم لم يتطرقوا إلى العنوان ودلالاته في النّصّ الرّوائيّ بشكل موسّع. وبناءً عليه سأحاول إجراء هذا البحث بالاستناد على الدّراسات الّتي حصلت عليها وربط هذه الدراسة مع دراسات أخرى تناولت ذات الموضوع.
4.4 أهداف البحث
يسعى هذا البحث إلى تحقيق الأهداف التّالية:
1. تقديم شرح وتصوّر وافٍ عن العنوان، وإظهار مدى ارتباطه مع النّصّ الرّوائيّ من خلال المبنى اللّغويّ والدلاليّ والاصطلاحيّ.
2. معالجة العناوين ومحاولة تصنيفها إلى مجموعتين: محايدة وتأويليّة، مع إظهار الفروقات بينهما.
3. الكشف عن مدى ترابط عناوين الرّوايات بحياة الكاتب الشخصيّة، وفحص تأثير البيئة الحياتيّة وأحداثها على الكاتب من ناحية تنسيق واختيار اسم الرّواية في مرحلة التّأليف، أم لا.
4. الكشف عن حياة الكاتب يوسف إدريس، مسيرته الأدبيّة ومؤلّفاته، والخلفيّة من وراء اختياره للعناوين في رواياته.
4.4 أهمّيّة البحث
1. تأتي هذه الدّراسة للتأكيد على دور العنوان وأهمّيّته في النّصّ الرّوائيّ باعتباره الباب الرئيسيّ للرواية، والّتي من خلاله يمنح الكاتب القارئ الفرصة كي يقوم بقراءة مغزى الرّواية من خلال عنوانها، كطريقة ذكيّة منه في جعل القارئ يفكّر ويحاول استنباط العلاقة بين العنوان والنّصّ، وكي يترك الكاتب في ذهن القارئ تساؤلات عدّة حول مدى تأثير العنوان وارتباطه بمضمون الرّواية، ناهيك بالأسباب والدّوافع الشّخصيّة الّتي ساهمت في اختيار العنوان، نذكر منها الخلفيّة الاجتماعيّة والسّياسيّة للكاتب المصريّ، وتأثيرها على حياته في حقبات زمنيّة معيّنة.
2. اخترت روايات يوسف إدريس موضوعًا لدراستي، وذلك لأنّ عناوين رواياته تتميّز بالغرابة والدقّة في اختيارها، زمانًا ومكانًا.
3. قلّة الدّراسات الّتي اهتمّت بعناوين الرّوايات عند يوسف إدريس، لذلك تكمن اهمّيّة هذه الدّراسة في أنّها تسد نقصًا في هذا النّوع من الدّراسات.
4. على الجانب الشّخصيّ، الولوج في عالم العنوان وكشف أهمّيّته وأنواعه المختلفة في إطار هذا البحث يساعدني جدًّا كمعلّمة لغة عربيّة في فهم دلالة العنوان الرّوائيّة، ونقلها للطلّاب بشكل أدبيّ ولغويّ موضوعيّ وشائق يجذب انتباههم ويلفت نظرهم لأهمّيّة العنوان في الرّوايّة.
4.6 أسئلة البحث
أ. كيف انعكس العنوان دلاليًّا في روايات يوسف إدريس؟
ب. كيف ارتبط مبنى العنوان اللّغويّ بمضمون الرّواية؟
ت. ما هي الاعتبارات والدّوافع الّتي حملت يوسف إدريس لاختيار عناوينه؟
ث. ما هي أنواع العناوين الّتي اختارها يوسف إدريس كمدخل إلى رواياته؟
القسم الرابع-تحليل عناوين الروايات وربطها بمضمونها الروائيّ
تتلخّص الخطوط العامّة للواقعيّة عند الأدباء العرب بخطيّن أساسيّين وهما: العناية المفرطة بالفئات الكادحة من الشعب، والتأكيد على أنّ “الخير” هو السمّة الأساسيّة للجنس البشري، وإن توارت أحيانًا تحت ركام الظروف الاجتماعية السيئّة.
لقد أسهم تطوّر الأحداث الاجتماعيّة والسياسيّة في المنطقة العربيّة في تكوين تيّار نقديّ تخصّص تمامًا في صياغة الاتجاه الواقعيّ في ذلك الإطار، ومنهم الكاتب “تشيخوف العرب- يوسف إدريس” نموذجًا حيًّا لقصصه التّي عرضت وواكبت الأحداث السياسيّة والاجتماعيّة في القرن الماضي في مصر حيث موطنه الأمّ، حيث كان أسلوبه القصّصي تجسيدًا حقيقيًا لأزمة الاتجاه الواقعي، حين يقصر نظرته للواقع على الفئات الاجتماعيّة الدنيا، والخير الكامن في أعماقها. ومن هذه المنطلق، كان سعي الباحثة الدؤوب العمل في هذا البحث المتواضع على إبراز وإظهار العتبة النصّيّة لروايات يوسف إدريس من خلال تحليل عناوين روايات مختارة له (الحرام، العيب، رجال وثيران، البيضاء، السيدّة فيينّا، نيويورك 88)، كان قد كتبها في حقبات زمنيّة مختلفة، مع الإشارة إلى مضمون هذه الروايات وكيفيّة انعكاس العنوان بكلّ ما يوحيه من دلالات ورمزيّة علميّة وأدبيّة، بالتّالي سيتسنّى لنا أن نستخلص النتائج المرجوّة في هذا البحث والإجابة عن اسئلته المتواترة في قسم منهجيّة البحث.
ملخّص رواية الحرام
كتبت هذه الرواية سنة 1959، أي بعد حدوث الثورة سنة 1952 وتغيير نظام الحكم من ملكي إلى جمهوري، والّذي أحدث طبعًا تغييرًا في البنيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة بين مختلف أبناء الشعب. تتلخّص رواية “الحرام” حين يكتشف مأمور الزراعة لقيطًا عثر عليه عبد المطلب الخفير بمحض الصدفة، ويستهلك إدريس العديد من النصّوص السرديّة متتبعًا اهتمام أهل العزبة بهذا الحدث، ويستغّل هذه البنيّة السرديّة المتواصلة في تبلور الأحداث في تشريح العلاقة بين المأمور والكتبة من جانب، وأهل العزبة من جانب آخر، والترحيلّة من جانب ثالث. ومن هنا، نعرف أنّ ثمّة هوّة تفصل بين هذه الفئات الثلاث، وأنّ كلّ فئة تشكُّ في أن تكون الأخرى هي صاحبة اللقيط، إلا أنّ منزلي المأمور والباشكاتب، كانا بعيدين عن مجرد الاحتمال، بالرغم من العلاقة الّتي يشيعها البعض، بين بنت الباشكاتب وابن المأمور.
تبدأ أحداث الرواية عندما يعثر الخفير عبد المطلب على جنين حديث الولادة مرميَّا جانب شجرة كبيرة، وسرعان ما توقّع أنّه ابن سفّاح أو حرام، لأنّ الأجنّة الوليدة لا ترمى إلّا لسبب كبير .وهو “الحرام”، غير أنّ يوسف إدريس لم يكن في اختياره هذا العنوان قاصدًا إدانة المرأة المغتصبة، بمقدار سعيه إلى إدانة الثقافة الاجتماعيّة الّتي تنسى الجاني، وتتّهم المجني عليه، فضلًا عن العلاقات الطبقيّة الظالمة لمجتمع باشوات ذلك الزمان، الذين لا تراهم في الصورة، لكنّهم موجودون في الخلفيّة، عبر ممثّليهم الّذين مارسوا كلّ أصناف القهر على تلك الفئة المسمّاة عمّال التراحيل، وهم كمّا وصفهم إدريس بؤساء ذلك الزمن، الذين يشكّل العمل الموسميّ في قطاف القطن، مصدر رزقهم الأساسي، فتلتمسهم يعملون من الصباح وحتّى المساء باستسلام كلّي لكلّ ذلك الجبروت والاضطهاد الذي يمارس عليهم، لأجل أن يحصلوا على القروش القليلة الّتي ستعيل أسرهم بخبز مغمّس بالدم.
لا شك أنّنا نلاحظ مسحة من الرمزيّة في جميع أحداث القصة، فجذر البطاطا لا يدل فحسب على رغبة مريض يتدلّل على زوجته، إنّه رمزٌ حقيقيّ لكسرة الخبز. ولكنّه ليس رمزًا بسيطًا. فقد استراحت عزيزة بين أحضان الرجل وقاومته بيأس في المرة الأولى، ولم تقاومه في المرة الثانية. فهو رمز مركّب، يرمز ثانية إلى أزمة الجنس، بل إنّ شجرة الصفصاف في نهاية القصّة تحمل هذه الرموز مجتمعة. ولقد أضفت هذه الرمزية عمقًا أصيلًا على الروايّة، فلم تشطح بها مشكلات هذه الشخصيّة أو تلك، ولم تنفجر المعادلة الإدريسية انفجارًا، وإنّما تمددّت في بطء بين ثنايا الأحداث، حين أخذ إدريس يستعرض حياة أولئك “التمليّة” أو “التراحيل” أو “الغرابوة” كما يسميهم أهل التفتيش. فجاءت الخطيئة نتيجة غير مباشرة للقحط الاجتماعي الّذي عاشت فيه أسرة عزيزة. كما جاء جنونها مأساة ضارية تنشب مخالب الموت في العقول الخاوية إلّا من ذهول اللقمة: في غيابها وحضورها.
كذلك توازنت قصة ليندة (بنت الباشكاتب) مع أزمة أحمد سلطان من ناحية وأزمة صفوت ابن المأمور من ناحية أخرى، فقد نالت أزمة الجنس من كيان ليندة حتّى النخاع. فكان صراعها ضد مجموعة القيم المتوارثة تعبيرًا حادًا عن أزمة الضمير الكامنة في أعماق أجيالنا في مختلف مستوياتها الاجتماعيّة والفكريّة. على أن الكاتب آثر البعد عن التقرير والمباشرة في تصوير البنيان الداخلي لليندة وصفوت وأحمد. إذ اعتمد اعتمادًا مطلقًا على انعكاس ذلك البنيان في سلوكهم اليومي، ومن هنا تعانقت خيوط قصة ليندة مع خيوط قصة عزيزة، برباط وثيق من الرمزيّة الأصيلة، حتّى أنّنا لا نقارن أبدًا بين “خطيئة ليندة (من وجهة نظر والدها) وخطيئة عزيزة من وجهة نظر الجميع، أو الحرام الّذي ارتكبته ليندة دون محاسبة أو معاقبة، إلى الحرام الذي وصم عار عزيزة بكونها امرأة ضالّة، زانية تبحث عن شهواتها بعد موت زوجها، وما الجنين اللّقيط سوى دليل فاضح على جرمها الأخلاقي!. إنّ إدريس يهمس لنا من خلال هذا البناء التراجيدي الناجح، بأن الخطيئة اسم على غير مسمّى، إنّها كلمة اخترعها الناس بعقوبة مطلقة، لتعبّر عن حقيقة تعيش في كياننا حتى الأعماق. هي حقيقة قدرية في ظل المخطط الاجتماعيّ الّذي رسمته الظروف من أجلنا، وهي حقيقة مطلقة بالنسبة إلى جوهرنا البشري، وهي حقيقة نسبيّة حسب اختلاف ظروفنا.
جاءت المقدمات الطويلة في منتهى التشويق والإثارة، حول حياة العزبة وحياة الترحيلّة. فقد أبدع يوسف إدريس بإبراز تلك الفئة الاجتماعيّة إجادة رائع، بالإضافة إلى تصوير حياة الريف القاسيّة الّتي تحكمها أعرف والنظم الاجتماعيّة الصارمّة ظاهريًّا، والمبطنّة بانحلال خلقيّ وقيميّ متجسدة بين العائلات المترفة هناك.
دلالة العنوان في رواية الحرام وارتباطه بالنّصّ السردّي
عنوان الرواية الحرام يمنح قارئه مفتاحًا أوّليًا للدخول في أحداثها والكشف عمّا تخبئه، وشغفًا إلى معرفة كيف ولماذا حدث “الحرام” في الرواية، فعنوان الرواية من ناحية الإيحاءات الجنسيّة يوحي إلى الفضول لتتبّع أخبار الرواية والغوص في أعماقها كما أشار محمد الهادي المطوي أنّ العنوان عبارة عن رسالة لغويّة تعرّف بهويّة النصّ، وتحدّد مضمونه، وتجذب القارئ إليه وتغويه به” (مطوي، 1999، ص 457)، لا سيّما أن مفهوم الحرام في الوعي الشعبي مستمد من الشريعة الإسلامية. وتعريف الحرام هو كلّ فعل يتجاوز فيه فاعله حدود الحلال البيّن، الّذي شرّعه الله، ومن هنا، فإنّ هذا التجاوز في الرواية تمّ بعدما اغتصب أحد أبناء القرية “عزيزة” (المرأة الفقيرة المتزوجة وأمّ لطفلين، وزوجة رجل مريض) كذئب بشري، والنتيجة، بطبيعة الحال، كارثية، حيث تحمل منه وترمي ابنها اللقيط في منطقة التفتيش البائسة، وتبدأ معاناتها الجحيميّة.
ويشير عنوان الروايّة الحرام إلى عدّة جوانب أساسيّة في حياة الشعب المصريّ خاصةً في الأرياف، حيث يوحي عنوان الحرام في هذه الروايّة، تبعًا لسياق الأحداث دلالة دينيّة بحتة، أذ أنّ اللقيط الّذي وجده الغفير ما هو إلّا جنين لامرأة فقيرة (عزيزة) جاءت من عالم البؤس والشقاء من سكان حي التفتيش، كانت قد وضعت ابنًا لقيطًا مقتولًا في إحدى الترع، ويدلّ هذا العمل على عملٍ حرام حسب الأصول والأعراف والقيم الاسلاميّة، إذ لا ترمي المرأة ابنها إلّا إذا كان ابن حرام، وهذا ما فعلته المرأة الغير معروفة، حيث يجد الغفير هذا اللقيط مقتولّا وتبدأ مرحلة التحقيق في حرمة هذا العمل:” غير أنّه حين بربش بعينيه، وَعَبَد المطلّب مع أنّه خفير إلّا أنّ نظره على قدّه، خاصةً في الضوء، ما كاد يرى الشيء حتّى تسمّر في مكانه مذعورًا ومضى يصرخ: الله حي، الله حي، الله حي (الحرام، ص6).
إنّ تحريم عادات وتصرفّات متفق عليها منذ قديم الزمان في هذا المجتمع الريفي الفقير، الّذي يحضر عليه مشاركة العائلات الغنيّة في الريف لا من قريب ولا من بعيد، أي يحرم عليه الاقتراب من مجتمع اخر ربمّا يتعايش معه في نفس المكان، ولكن الفروقات الاجتماعيّة ألت إلى تحريم هذا النوع من العلاقات علانيّة، كما يصوّر إدريس سكان التفتيش كأنّهم ليسوا بشرًا أسوياء مثل العائلات الّتي تنعم بالغنى والترف، بل هم أقل مرتبةً منهم، فلهم “رائحة خاصة، ولباس خاص، ومظهر خاص لا يعرف الرجل من المرأة دلالةً على الفقر وعدم اكتراث النساء لأنوثتهن أو لجمالهن كنساء العائلات الغنيّة في الريف (الحرام، ص 17-21).
ربما يكون إدريس قد أراد أن يقول إنَّ في البيئات الريفيّة المترفة نسبيًا هناك من النسوة من يستطعن أن يستمتعن بالحرام، مع وجود قدر من التسامح والاغضاء عن أعمالهنَّ الفاحشة والمحرمّة دينيًا واجتماعيًا، غير أنّ عزيزة تلك المرأة المستضعفة بعد موت زوجها جعلها عرضةً ليتكالب عليها الرجال، حتّى وأن قامت بفعل “الحرام والذيلة” عنوةً عندما تمَّ اغتصابها لا بمحض إرادتها، إلّا أنّ ليندة مثلًا تفعل الحرام على النقيض من عزيزة، تفعله بإرادتها وحسب هواها دون أن تعاقب اجتماعيًا. حين اكتشف فكري أفندي ذلك، ولَم يعط الاهتمام الكافي لأعمال فاحشة وفيها من الحرام ما يكثر، إلّاأنّ البيئة الريفية الفقيرة جعلت أعمال الرذيلة منوطة بها وبصفات الناس هناك، نظرًا لعدم قدرتهم عن الدفاع عن نفسهم وقت الاتهام بشرفهم، وهذا الحرام بعينه.
ولعلَّ في قصة زكيّة زوجة محبوب مع عشيقها البوسطجي أكثر ما يشرح ذلك، إذ أنّ زوج زكية رفض أن يطلّقها على الرغم من علمه بأنها تخونه، كما أنّ المأمور فكري أفندي قابل قصّتها مع عشيقها بغير جديّة، وجعلها مادة للضحك والسمر، “طوال المدة الّتي استغرقها محبوب في سرد حكايته، كان فكري أفندي يكاد يموت من الضحك، ولَم يكن حتّى يبذل أي مجهود لإخفاء ضحكه، بل أكثر من هذا كلما رأى محبوب منفعلًا ومتأثرًا، داهمته رغبة لا تقهر ليس في أن يضحك وإنّما يقهقه عاليًا كما لم يفعل في عمره كله…” (الحرام، ص18).
ومن ناحية أخرى، يستدّل إدريس من خلال عنوان الروايّة الحرام، إلى رمزيّة أخرى وتلميح منمّق يتعلّق بعنوان الروايّة وارتباطه بالعلاقة الإنسانيّة بين الإنسان لأخيه الإنسان، كما يتضّح جليًّا من معاملة فكري أفندي لهؤلاء الناس القابعين في الترحيلة وكأنهم أناس عبيد له، وينظر إليهم بفوقيّة ودونيّة شديدة، حيث نرى من خلال النّصّ:” ولأمرٍ ما كان يخيّل لفكري أفندي أنَّ هؤلاء الناس يفرحون حقيقةً حين يلعن أباءهم ويشتمهم، بل لا بدّ أنّهم يحسّون بنوعٍ من الهيبة والفخر وكأنّه يمنحهم رتبًا والقابًا. إذ هي في عرفهم لا بدّ آيات ودّ وصداقة وتنازل، تنازل منه، منه هو مالك هذا الملك…” (الحرام، ص38). وبالإشارة إلى مالك الملك، فإنّ هذه المقولة تحرم على الإنسان قولها، لأنّ الله فقط هو مالك الملك، واسمه المالك أيضًا، فالحرام قد تعقّب الهيئة اللفظيّة لفكري أفندي، ومن الحرام أيضًا نعت شخصٍ ما بأنّه يملك كلّ شيء. يتضّح لنا من خلال تحليل هذا الجانب التأويلي لعنوان الروايّة الحرام، بأنّه عنوان يبحث في نسج الخيال والتفكير بصورة بوليسيّة إن صحّ التعبير في سياق الرواية (عند بلوغ الذروة)، من هي الفاعلة لهذا الحرام، ومن هي المرأة الّتي يبحث عنها فكري أفندي، لذلك فإنّ نوع العنوان يتطابق مع منظور محمد حمد (2010) وتصنيفه للعناوين بأن الحرام هو عنوانٌ تأويليّ ،أي أنّه يمنح القارئ الكثير من الفرص لتأويل أحداث، رموز وإيماءات سرديّة داخل النّصّ، ويضيف الباحث إلى أنّ هنالك أنواعًا مختلفة من العناوين، تندرج ضمن مجموعتين: محايدة وتأويليّة، بحيث أنّ المجموعة التأويليّة لها القدرة على التنبّؤ بالحقل الدلاليّ للقصّة، بشكل ينسجم مع درجة التّلميح الذاتيّ تقدّمها هذه المجموعة بدرجة من التّفاوت، ويمكن للعناوين أن تحيل إلى اتجاه فكريّ أو فلسفيّ أو تأويليّ عند كاتب معيّن كما هو الحال في عنوان الرواية الحرام ، وإلى ثقافته وأسلوبه الفنّيّ عادةً.
ومن ناحيّة أخرى، يشير إدريس في العمق الروائي لعنوان روايته الحرام، إلى الفارق الذكوري عن الأنثويّ في المجتمع الريفيّ المصريّ، حيث أنّ الرجال هم قوامّون على النساء بموجب العرف والتقاليد في المجتمعات العربيّة نتيجة إلى الامتزاج الدينيّ الّذي يضمن للرجل تفوقّه على المرأة بنواحٍ عدّة، وأنّهم معصومون عن الخطأ وليسوا كالنساء ترتبط بهم أعمال الفحشاء والرذيلة والحرام، كما هو حال النساء في الترحيلة ومنطقة التفتيش نتيجةً القحط الاجتماعيّ والاقتصاديّ. وعمد إدريس إلى نزع الحصانة الاجتماعيّة عن شخصيات معروفة في الروايّة كي يتسنى للقارئ مقارنة الحرام في الطبقات الاجتماعيّة المختلفة في الريف المصريّ، فقد نجح يوسف إدريس في التعبير عن بسطاء الناس وصغار الفلاحين، وتناول الإنسان العادي بتنويعاته المختلفة: شابًا، شيخًا، فتاةً، امرأةً، فقد أفسح للإنسان العادي مكانًا في خياله وصوره وأوراقه، فعبّر عن الحياة المصرية الصرفة بحذاقة وإتقان (زين الدين، 1998، ص 207.(
حيث أن اللقيط حالما تمّ العثور عليه، أشارت أصابع الاتهام إلى امرأة معينة من الطبقة الفقيرة بقيامها بهذا العمل، ولَم يتمّ التفكير بأن هذا العمل قد تقوم به ليندة ابنة الباشكاتب، لأنّ الأعراف السائدة هناك تحرم وتجرم التكفير بهؤلاء النسوة بالوقوع في الحرام. وفي الأخير، فإنّ عنوان رواية الحرام أتاح للقارئ منذ الوهلة الأولى أن يرسم الفرضيّات في ذهنه، ويحلّق بخياله عاليًا حول ماهيّة كون المرأة التّي قتلت جنينها ورمته في منطقة التفتيش ودوافع هذا العمل “الفاحش”، حدثٌ عظيم في بيئة ريفيّة فقيرة فتح باب الاستطلاع أمام القارئ ليبدي تعاطفه تارةً، وتارةً أخرى كي يقف موقف الحكم في الرواية، وإبداء تخمينه بالنسبة لتلك المرأة المجهولة الهويّة، ومن هنا فإنّ سياق السرد في رواية الحرام، أتاحت للعنوان فيه ببلورة مجريّات الروايّة بمعظم أحداثها، حتّى أنّ رواية الحرام ترتبط بكلّ أجزائها بفعل الحرام أو عدمه على مختلف الأصعدة، نتيجةً تستوقف التذكير بما ألت إليه دراسة العبيدي (2009) لتؤكد أنّ في العنوان بنية كتابيّة تعلو النصّ وترابطُ معه دلاليًا وضمنيًا، بذلك استنتج العبيدي بأن استخدام الأسلوب التّلميحي للعنوان في النصّوص الأدبيّة تثير هاجس القارئ وترسله إلى نسج الفرضيّات (هويّة اللقيط ومن هي الأمّ مرتبكة الحرام) حول أحداث الرواية، ونسقها الدرامي وتوترها السّردي.
ملخّص رواية العيب
كتبت هذه الرواية سنة 1962، وقد عكست في طياتها فساد الدولة الّذى تمثّلفي شكل الرشاوى و المحسوبيّة حيث نرى المصلحة هي الإطار العام الّذى دارت فيه أحداث الرواية مناقشة ممتعة لجوانب العيب المختلفة، كأنّما يطلّ علينا يوسف إدريس اليوم بمشرط الجراح ليحلّل سبب تردّي أوضاع بلد عظيم أفسده ما ينخر فيه من الفساد في شكل الرشوة والمحسوبية، وما يحدث الآن من تردي الأوضاع ومظاهرات العمال والمدرسين وأساتذة الجامعة والصحفيين وغيرهم من فئات المجتمع المصري، إنّما هو نتيجة لمقدمات رصدها يوسف إدريس نجده يصف كيف تحولت الرشوة إلى أكل عيش وكيف تحولت موظفة شريفة إلى مرتشية من الدرجة الأولى عندما فهمت الفولة وعرفت كيف تتعامل مع واقعها.
رواية العيب هي أشبه ما تكون بدراسة علميّة منهجيّة منظمّة أي دراسة حالة في العلوم الاجتماعية، إذ أنّ يوسف إدريس تتبع بطلة قصّته سناء الفتاة الجامعية منذ تعيينها في مصلحة كانت طول عمرها مقصورة على الرجال كموظفين ومحاولة تكيفها مع جو الوظيفة، حتّى سقوطها في النهاية وقبولها للرشوة ثمّ تفريطها في عرضها فيما بعد، حيث نلاحظ السلوك الإجرامي المترتب عن فشل بعض الأفراد في التمشي مع العادات والقيم السائدة، أي الفشل في تكوين مجموعة من الأحكام القيميّة.
وكذلك نلاحظ تصارع القيم في المجتمع، فبينما يجمع أفراد المجتمع على استنكار جريمة بشعة كالقتل ووجوب المعاقبة عليه، لكنهم يختلفون حول الجريمة كالرشوة ويقل الإستنكار الأخلاقي لها، إلى جانب تأثير التغير الاجتماعي فالمجتمع المستقر المترابط تقلّ فيه الجريمة؛ التحول من المجتمع الريفيّ إلى المجتمع المدنيّ. فبطلة روايّة العيب سناء مرّت بحالة نفسيّة واجتماعيّة حرجة، إذ أنها بدأت العمل وهي خائفة، وضع لها مكتب في حجرة أربعة موظفين وبعد فترة تبيّن لها أن زملائها يتقاضون الرشوة، مقابل بيع التراخيص بأثمان لم تحددها لا المصلحة ولا الوزارة، وإنّما حدّدتها تقاليد ورثها الموظفون جيلًا بعد جيل (العيب، ص 70-80).
ملخّص هذه الرواية عكس فساد الدولة الّذى تمثّل في شكل الرشاوى و المحسوبيّة، حيث نرى المصلحة هي الإطار العام الّذى دارت فيه أحداث الرواية مناقشة ممتعة لجوانب العيب المختلفة كأنّما يطل علينا يوسف إدريس اليوم بمشرط الجراح ليحلّل سبب تردّي أوضاع بلد عظيم أفسده ما ينخر فيه من الفساد في شكل الرشوة والمحسوبيّة، وما يحدث الآن من تردّي الأوضاع ومظاهرات العمال والمدرسيّن وأساتذة الجامعة والصحفيين وغيرهم من فئات المجتمع المصري، أنما هو نتيجة لمقدمّات رصدها يوسف إدريس نجده يصف كيف تحولّت الرشوة إلى أكل عيش وكيف تحولت موظفة شريفة إلى مرتشية من الدرجة الاولى عندما فهمت الفولة وعرفت كيف تتعامل مع واقعها.
دلالة العنوان في رواية العيب وارتباطه بالنصّ السرديّ
يشكّل العنوان العيب مدخلًا رئيسيًّا لفهم سياق الروايّة وما تحمله من أفكار وتداعيات فكريَّة أجازها يوسف إدريس في مادته الروائيّة هذه للقرّاء حتّى يبحثون ويفسرّون معنى العيب، حين يمنح البطلة سناء صفة النزاهة والشرف في عملها وهي التّي جاءت من بيئة اجتماعية نبذت صفات الرشوّة والطرق غير المشروعة في العمل وكسب المال، ليشدّد على مفهوم العمل الشريف النزيه دون الانحدار إلى طرق ووسائل غير شريفة لكسب المال.
العيب كما ورد في لسان العرب لابن منظور (1993, ص134), هو الوصمة والنقيصة ، والجمع أعياب وعيوب ، ورجل عياب وعيابة وعيب : كثير العيب ، يقال : عيب الشيء فعاب : إذا صار ذا عيب فهو معيب ، أو هو : ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة .
ومن هنا، فّإنَ عنوان الروايّة ينضح بما فيه ويعكس دلالات وإيحاءات بحدوث أمر معيب في مضمون الروايّة، وإن استقصد إدريس في هذا العنوان شخصيّة رئيسيّة (سناء)، بموجب كونها الجندرّي وسهولة ارتباط المرأة العربيّة عامةً والمصريّة خاصةً في هذا السيّاق، بمفاهيم العرف والتقاليد والحفاظ على الشرف أكثر من الرجل، والعيب ينطبق بصورة أكثر عمومًا على تصرفّات المرأة ، وإنّما لم يقصد إدريس بلزق كناية العيب بحالة اجتماعيّة عامّة، أو إيحاء بأفكار وايديولوجيا معينّة داخل المجتمّع المصرّي الّذي يعاني من انحدار خلقي ومجتمعي في القاهرة، بل تجاوز هذه التعريفات ليتخّذ من سناء ليقودها إلى ارتكاب الأعمال الغير مقبولة شرعًا واجتماعيًا، والّذي يدّل على الإنحراف المجتمعي والقيم السليمة، وبالتالي فالعيب هو كناية حتميّة لمن يرتكب الأفعال المنتقصة تقليديًا وعرفيًا.
ومن هنا، فإنّ سيناريو الروايّة يحاكي دور بطلتها سناء كمرتبة اجتماعية ذات قيم وأعراف ريفيّة، تتحلّى بصفات خلقيّة ربما يفتقدها المجتمع المدنيّ، ويعني به إدريس في هذا السياق مدينة القاهرة الّتي سافرت إليها سناء بحثًا عن العمل ولقمة العيش، حتّى وإن وجدت عَمَلًا هناك، تأخذ الروايّة منحًى مختلفًا عن سابقها، إذ أن إدريس يسلسل ويبلور الأحداث في الروايّة داخل الدائرة التي تعمل بها سناء كأنّها بؤرة لقيام العيب وعدم النزاهة ولكن بشكل مقبول وغير مرفوض من أحد العاملين، سوى من سناء الّتي رفضت أن تأخذ الرشاوي من المراجعين وأصحاب المعاملات، وفِي هذا الحال تجلّى اختلاف سناء من حيث التصرفات والمنهجية العملية عن غيرها من الموظفين، فهم يمارسون العيب كعمل مشروع لكسب قوتهم اليوميّ، بينما سناء كانت على خلاف منهم.
العيب هي رواية حدث، وقد أولى إدريس بطلة الروايّة سناء قدرًا كبيرًا من الاهتمام، وذلك من الناحيتيّن الجسديّة، الفكريّة والعاطفيّة، وهو يقدمّها جسديًّا من خلال رؤية زملائها لها في دائرة العمل:” خرجوا برأي واحد… الواضح أنَّ ألزميلة العزيزة جميلة التقاطيع، مسمسمة، سمراء قليلًا، ومن كل أدوات الزينة لا تستعمل سوى الروج..”..(العيب، ص 101). هذا التوصيف الّذي منحه إدريس لسناء، رسمها كامرأة فاتنة الجمال، الّتي من ناحية ترفض المغريات أمامها في العمل، كقبول الرشوة أو الإنصهار لبطل الروايّة الثاني وهو الجندّي الّذي يغازلها لأنّها جميلة. ويتضّح من السيّاق السردّي أنَّ الكاتب يهيئ القارئ لما قد يأتي في الفصول المقبلة، حيث صوّر سناء بالمرأة المطلوبة، ومع ذلك تنفر من قيامها بعمل غير شريف يترجم بأنّه عيب أخلاقيًّا.
ومن هذا المنطلق، فإنّ إدريس وظّف عنوان الروايّة “العيب” كي يشير إلى براعته الشخصيّة في تناول الثقافة الإجراميّة، وهو ما فسرّه حمداوي (2006) في دراسته صورة العنوان في الروايّة العربيّة، بأنّ الروائيين الجدد استمالوا إلى اختيار عناوين رواياتهم تتلاءم مع التطوّر الحداثي الغربي، أي أنّ عنوان العيب هو عنوان يتماشى مع السياق العصريّ ربمّا، ولكنّه لم يكن واقعيًّا لاختيار الكاتب له قبل سنوات، لأنّ التناقض الاخلاقيّ في الروايّة الّذي يمثّل سناء ذات الشخصيّة الأولى قبل إقدامها على عمل العيب مع ذلك الجندي وقبولها بتعاطي الرشوة كباقي زملائها، أضف إلى ذلك أن إدريس لمس من خلال وضعه لعنوان العيب كَمِيَّة الضغوطات الّتي تُمارس على الشخص كي يقوم بعمل غير مقبول أو غير شريف، وفِي هذه الحالة، بطلة العيب سناء مرّت بحالة نفسيّة واجتماعيّة حرجة، إذ أنّها بدأت العمل وهي خائفة، وتمّ وضع مكتب لها في حجرة مكونّة من أربعة موظفيّن للدلالة على تهيئة المناخ المطلوب للقيام بالعيب، وبعد فترة تبيّن لها أن زملاءها يتقاضون الرشوة مقابل بيع التراخيص بأثمان لم تحددّها المصلحة ولا الوزارة، وهنا تبدأ نقطة التحوّل في الروايّة، لأنّ العيب في قيام الموظفيّن بهذا العمل يعكس الفساد الإداريّ في القاهرة، وهو نقيصة أو عدم التقييّد بالقوانين المتبعّة للعمل، إلّا أنَّ هؤلاء الموظفين الأربعة لا يَرَوْن عيبًا في تقبّل الرشاوي من قبل المراجعين، وهنا نرى تصارع القيم في المجتمع المصريّ (الريفيّ والمدنيّ)، بينما يجمع أفراد المجتمع على استنكار جريمة بشعة كالقتل ووجوب المعاقبة عليه، لكنّهم يختلفون حول الجريمة كالرشوة ويقلّ الاستنكار الأخلاقي لها. ويرى إدريس أنّ العيب يكمن في تأثير التغيّر الاجتماعي، فالمجتمع الريفيّ الّذي أتت منه سناء مجتمع محافظ وينبذ التصرفّات الغير أخلاقية، بعكس المجتمّع المدني كالقاهرة الّتي لا ترى بالانحلال الخلقّي جريمةً شنعاء، بل تتخذّه كوسيلة للتقدّم والترقّي في الحياة.
وسناء شخصيّة مقنعة وواقعيّة إلى أبعد الحدود، ساذجة ومن بيئة ريفيّة محافظة، ماضيها أبيض ناصع، ولكنّها استسلمت لحب الجنديّ البشع الهيئة في النهايّة بعد أن صدّته مرارًا حفاظًا على شرفها وعدم افتعال “العيب”: “لقد صدّته منذ البدايّة، وباستمرار صدودًا لا يعرف التردّد، ولَم تشعر نحوه بحب حقيقيّ، وهذا ما يجعل قرارها النهائي مجافيًا لكلّ المقاييس المعقولة والمقبولة..”( العيب، ص 102). يستدّل من توافق عنوان الروايّة العيب مع طرح جيرار جينت الّذي يشير إلى أن علاقة العنوان بالنصّ بالغة التعقيد، وأنه مدخل إلى عمارة النصّ، ويحوي في طياتّه أربع وظائف رئيسيّه وهم: الإغراء، الوصف، الإيحاء والتعييّن، وإذا قارنا رؤية جينيت (1988) وعنوان رواية العيب، فإنّ نستخلص الحجم الكبير والمؤثر لهذا العنوان في إغراء القارئ للولوج إلى عالم النصّ وقراءة محتوى الروايّة، وأن في عنوان العيب الكثير من الإيحاءات الّتي يرمز إليها إدريس من خلال شخصيّة سناء الّتي قامت بفعل العيب، وربّما ينطبق ذلك على شريحة واسعة من الشعب المصرّي الّذي يمارس هذا النوع مِن العيب دون اكتراث أو إبداء أي ندم، مع الإشارة إلى طرح فرج (1976) في دراستها السابقة بأنَّ إدريس كان ثائرًا ضدّ مظالم الاستعمار والاستبداديّة والارستقراطيّة الفاسدة، وقد جسدّت العديد من رواياته رفضه القاطع لهذه المظالم تمامًا كما تضمنّت رواية العيب بمضمونها الروائيّ، وأيضًا من خلال ما تحمله الروايّة من مقدمّه نصيّة، وبالتالي قرار سناء النهائي كان التفريط بشرفها مع ذلك الجندّي بعد أن رضخت لحبه الموهوم لها، وهي الّتي جاءت من بيئة ريفيّة تفتقر إلى الحبّ وتبادل المشاعر الحقيقيّة مع الرجال، وأيضًا القبول بأخذ الرشوّة، وهنا يعكس عنوان الروايّة العيب حول قيام الشخصيّة الرئيسيّة بالرواية بأعمال وتصرّفات منافية للآداب والأخلاق وانهيار جوانب الأخلاق، فقد ربط إدريس سلسلة الأحداث في الروايّة بتقدم تدريجي لسناء نحو القيام بالعيب في نهاية الروايّة، أي التزحلق نحو هاوية الرذيلة في المصطلح العامّي، ولكن إدريس يرمز بصورة مبطنّة أنّ الإنسان قذ يقوم بالعمل المنافي للأخلاق يومًا ما، ولكن يستوجب البحث وفهم دوافع هذه الأسباب الّتي ألت إلى تجاوز القيم والتقاليد المتبّعة في مجتمعنا العربيّ، ومحاولة مساعدة من يسقط في بئر العيب كما هو حال سناء في الروايّة.
ملخّص رواية رجال وثيران
نشرت هذه الرواية لأول مرة عام 1964، وقد وضع إدريس مقدمّة للرواية حيث تحدث فيها بأسلوب يشبه الدفاع عن النفس أو الاعتذار عن أن الإلهام لم يأته فيما يتعلّق بالثورة الجزائريّة والاستقلّال الجزائريّ، وحتّى الدولة الجزائريّة الوليدة آنذاك، وكان حريصًا كلّ الحرص على أن يبيّن أن هذه الرواية لا علاقة لها بالجزائر ولا بالجزائرييّن من قريب ولا من بعيد.
الجزء الأكبر من أحداث الرواية يدور في مكان فريد مختلف هو حلبة لمصارعة الثيران في العاصمة الإسبانية مدريد، وقد تولى إدريس دور الراوي بجدارة واستحقاق لاسيمّا وأنّه زار إسبانيا من قبل واطلع على معالمها وأثارها السياحيّة. يتحدّث السارد عن مصارعة الثيران في إسبانيا، موظفًا لذلك بطلًا اسمه أنطونيو، هذا الّذي تحمّس له وتعاطف معه السارد والجمهور بشكل غير عاديّ، لكن دون أن يعرف عنه السارد شيئًا من قبل. تحمس له الجميع طوال المصارعة، وهذا ما لم يبدوه تجاه المصارعين الآخرين. انتصر أنطونيو على الثور الأوّل انتصارًا مشرفًا، لكنّ المصارع الثاني لم يحقّق ما حققّه الأوّل من نجاح، أمّا المصارع الثالث فقد فشل بشكلٍ مخزٍ. بذلك انتهى الشوط الأوّل، ثمّ بدأ الشوط الثاني، حيث تقرّر أن يقوم أنطونيو بمصارعة الثور الثاني من جديد، لكن رغم كل ما أبداه من بطولة منقطعة النظير هذه المرة، إلّا أّن الثور انتصر عليه (مزقه تمزيقًا) وانتهى به الشوط الثاني في المستشفى، حيث قال الأطباء بأنّه علميًا سيموت. وعلى كل حال، أصبح أنطونيو في عداد الأموات.
في بداية الرواية يصف الراوي بطله بوصفٍ دقيق يوحى إلى القارئ على معرف مسبقّة بينهم، أو يشعر القارئ في البدء أنّه كان يعرفه من قبل، ثمّ يصبح هذا المصارع بالذات محور اهتمام الجمهور لأنّه يدخل في نزال تاريخي (بالنسبة للعبة) مع الثّور، وينتهي النزال نهاية مأساوية حيث يصاب المصارع بنزيف داخلي وخارجي في الصدر والبطن بعد منازلة الثور في الجولة الثانيّة، إذ أنَّ الثور يتغلّب على أنطونيو ويوقع به إصابات قاسيّة ومميتة، حتّى يخيّل للقارئ أنَّ إدريس ينعي هذا الميتادور (مصارع الثيران في الإسبانيّة) أي أنه ميت ما لم تحصل معجزة. وقد أحسن يوسف إدريس وضع نهاية للقصة حيث لم يحسم مسألة موت المصارع من حياته، بل خرج علينا بشخصية الصحفي (المصارع السابق) الّذي يتكلّم بما يشبه الهذيان معريًا حقيقة مصارعة الثيران، وبالتالي حقيقة البشر كلهم، ويترحم على المصارع أنطونيو الّذي كان يداعب قطتّه وكان ينزوي خجلًا في الحفلات.
تتبلور أحداث الروايّة حول حلبة المصارعة بين الرجل والثور، وسلسلة الأحداث هذه هي التّي تشكّل المادّة السرديّة الخام للنصّ، ومنها ينطلق السارد في نسج خطابه متغلغلًا في مساءلة الظروف والثقافة اّلتي تحيط بهذه المصارعة وأبعادها وانعكاس مقدّمتها البقريّة على نتائجها البشريّة. أنطونيو هو رمز للقيم الإيجابية التّي ينتصر لها الجمهور في ظاهر النصّ، وبذلك فهو لم ينتصر على الثور الأوّل فحسب، بل انتصر أيضًا على مصارع الثور الثاني والثالث، حيث تحمّس الجمهور في هاتين المصارعتين للبقر ضد البشر، وذلك بدافع القيم البطوليّة وأخلاق الفروسيّة التّي يجسدّها أنطونيو بين المصارعين.
دلالّة العنوان في رواية رجال وثيران وارتباطه بالنصّ السردّي
تقوم هذه الرواية رجال وثيران على شبكة رمزيّة ذات ملامح عنفيّه مؤسَّسة في مقدمّة وعمق النصّ، وتعرض بإسهابٍ بارع طبيعة الصراع التيميّ الدائر بين البشر والبقر. في بداية هذه الرواية يصوّر الراوي للقرّاء بأنّهم أمام حلبة يتصارع فيها الشبّان مع الثيران، ولكن سرعان ما يتدرّج بنا النصّ نحو استنتاج مغاير في ذلك، وهو “صراع بين النوع البشريّ والنوع البقريّ” بكلّ ما لهذه الجملة من دلالات.
يشير عنوان الروايّة “رجال وثيران”، أنّه يتكوّن من جملة اسمية، وهو النوع الأكثر شيوعًا لدى يوسف إدريس في اختيار رواياته، ومن ناحية أخرى فإنّ غلاف الروايّة الّذي يرتبط بمقدمة وعنوان الروايّة تحوي صورة رجل يصارع ثور أسود، وإن دلّت هذه الصورة على شيء، فإنّها تدلّ على مضمون العنف الشديد في داخل الروايّة، لأنّ الغلاف عادةً يعكس ما في باطن الروايّة، ويشكّل دعمًا أدبيًّا بعنوانها.
يطرح إدريس من خلال روايته هذه طبيعة الصراع بين البشر والبقر كنوع من أنواع الرياضات التّي تمارسها بعض الدول ومنهم إسبانيا، وتعتمد هذه الرياضة على التحدّي بين المصارع والثور في حلبة المصارعة أمام الجمهور، حيث تكون المصارعة بينهم فَيَا إعادة مميتة لإحدى الطرفين. في هذه الروايّة، يعكس عنوانها “رجال وثيران” أن الرجال هم أولئك الأشخاص الذين يتحدّون الثيران رغم علمهم بأنَّ الثور هو حيوان قوّي ويستطيع أن يقتلهم إذا سنحت له الفرصة، فهو يتصرّف وفقًا لغريزته الحيوانيّة دون وعي أو إدراك، لأنّه لا يعقل كما يعقل البشر. ومن هنا، فإنَ الشقّ الأوّل من العنوان والّذي يحمل كلمة “رجال”، ترمز إلى العقل البشري في المجتمع الّذي يقاتل ويناضل من أجل كسب حقوقه. يلمّح إدريس من خلال النصّ السردّي حبه لأنطونيو، ذلك الرجل الشجاع الصغير السّن والذي يمارس نوعًا من الرياضات الخطرة كي يسلّي ويفرح الجمهور الثلاثون ألفًا، حين يقول: “هذا الشيء الذي ربطني به من أوّل دقيقة ودفعني من أوّل دقيقة أيضًا كب أتابعه وأقلق عليه وعلى مصيره، ها هو ذا تثبت صحته ويثبت أني كنت على حق. ها هي الخيوط، ثلاثون ألف خيط تمتدُّ من ثلاثين ألف نفس وتربطهم به، ها هو الإحساس الّذي كنت أحسّه وحدي يشاركني فيه ألاف، آلافهم جميعًا (رجال وثيران، ص104).
وحول رمزّية ذلك الرجل في نظر إدريس، فإنّ عنوان الروايّة يدلّ على عدم الثبات والتكافؤ بين الطرفين المتصارعين، ويرمز إدريس بالرجل إلى بوتقة الشعب الّذي يعاني من استبداد القوة والبطش من ناحية الطبقّة البرجوازيّة المتمثلّة بالثيران، جشعهم وطمعهم الدائم في سلب الجماهير الفقيرة الّتي تدعم وتأزر المصارع أنطونيو وهو دلالة على الرجل الشريف الّذي يواجه تلك القوة العاتيّة (الثور) على أملٍ بأن ينتصر عليه بالسيف، لأنّ السلاح الّذي في يده هو من يمنحه القوة لمجابهته، وغير ذلك فيستحيل عليه أن ينازعه في الحلبة أبدًا.
وفِي هذا السيّاق، وظّف إدريس دلالته العنوانيّة في رواية تعكس تقاليد ومزايا لشعب أوروبّي وليس عربّي، إذ أنّه يقتبس أحداث الروايّة من حادثة مصارعة بين أنطونيو والثور، وعدم تمكّن أنطونيو من قتل الثور وفِي النهاية إلى الموت، لمسة أوروبيّة ذات سيمائية قاطبة أنَّ الروايّة هذه تحوي في طياتّها مضامين بعيدة عن المجتمع العربّي، الشيء الذي يستدعي الوقوف عند دراسة حمداوي (2006) في صورة العنوان في الروايّة العربّية، إلى أن العديد من الأدباء والكتّاب في المنفتحين على الحضارة الأوروبيّة كيوسف إدريس دأبوا على عنونة رواياتهم بعناوين موجزة ومقتضبة، ولها سمات دلاليّة ووظيفيّة، حيث استخدم إدريس المسلك العدوانيّ كما سمّاه حمداوي وهو الرغبة في الدخول إلى العولمة الإبداعيّة من خلال الاستفادة من تقنيّات وأدبيّات الغرب، وتمثيل طرائق الروايّة الغربّية واستيحاء أنماطها السرديّة وتشكيلاتها الفنيّة، كما جاء في رواية رجال وثيران، فلعبة مصارعة الثيران هي غربّية بالأساس، ولكنّ إدريس ذهب بعنوان الروايّة بعيدًا ليرمز إلى نضال وكفاح الطبقة المستضعفة من الشعب المنصهرة في شخصيّة أنطونيو، ضد الاستبداد واستخدام القوّة لقمعهم متمثلّةً برمزيّة الثور وقوته المفرطة في الصراع دون التقيّد بقوانين أو أعراف.
هذه اللعبة الرمزيّة وظفّت عنوان الروايّة تحت مصير القتال بين الرجل أنطونيو وهو مصارع من بين ثلاثة مصارعين، وبين الثور القويّ في الحلبة الّذي يتغلَّب على ظانطونيو في النهاية ويقتله. وحول إعجاب إدريس بشخصيّة أنطونيو الّذي يمثّل المصارعين الرجال في الروايّة بل هو أقواهم، لا يخفي خوفه وقلقه عليه، أي بالأحرى فإنّ إدريس يبيّن للقارئ ما هو موقفه وذلك على لسان سارد الروايّة الخفّي: “وربمّا الذي استوقفني في الوجه أنّه الوحيد المتميّز الشحوب، وكأنّه من نوع خاص ناتج عن إحساس خاص لا يشاركه فيه سواه، وكأنّه وحده هو الّذي يدري، ووحده الذّي يتوقّع، وحده الّذي حين تراه ينتقل إليك علمه، وتبدأ أنت الآخر تدرك وجود الشيء في الجو والمكان، شيء آخر غير الناس والازدحام وشمس ما بعد الظهر وضَجَّة الفيستا والاحتفال، شيء حاضر خفيّ داكن رابض ينتظر اللحظة المناسبة ليعلن حتمًا عن وجوده وينقص…” (رجال وثيران، ص 10).
هذا التعبير الدّفين من قبل الراوي لبطل الروايّة أنطونيو، يربط بدون شك علاقة عنوان الرواية بمضمونها السرديّ، فالرجال لهم سمات وصفات يتحلّون بها حين تكون رجولتهم مصدر إعجاب للغير، ويملكون الجرأة والإرادة والطموح للربح والتقدّم في الحياة، ولذلك فإنّ كناية الرجال للمصارعين في الحلبّة تمنحهم هذه الصفّات ذات القيم والأخلاق الرجوليّة الحميدة التّي تصارع حيوانًا بدائيًا، وهو أشبه بقوّة مندفعة نحوهم تريد مصارعتهم وقتلهم بدون تفكير، على العكس من المصارع الّذي يشغّل عقله مليًّا في كلّ حركة داخل الحلبّة، فخطأ صغير منه قد يؤدي بحياته.
وممّا لا شك فيه، أنَّ إدريس أبدع في وصف الثور من ناحيّة رمزيه للبدائية الفكريّة والتأخر الحضاريّ، بعكس الرجال (الإنسان) الّذين يرمزون إلى التقدّم الحضارّي، فإنّ النزعة الدلاليّة للعنوان تربط في هذه الرواية هزيمة الحضارة واللطافة أمام القوة والبدائية، وَمِمَا يتعرّض له أنطونيو من وحشيّة في الموت على يد الثور يشعل الجمهور الثلاثون ألف للتعاطف مع أنطونيو، وهي إشارة إلى قوة العاطفة الّتي يمتلكها الشعب المصري تجاه من يقاتل لأجلهم ويضحي بحياته لأجل كسر مراكز القوة والطغيان متمثلّةً بالثور، حتّى وإن مات فإنّ هناك رجالًا آخرون سيحلّون مكانه للمصارعة، وهذا النصّ السردّي الّذي يذكره سارد القصّة:” أذكر كلّ ما تراه هنا ولا تنسه فأنت الشاهد…شاهدي. لقد كنت أحبّ هذا الولد أنطونيو.. كان ابني الّذي لم أخلفّه.. وكنت أعرف أنّه سيموت. إنّ الكثرة منهم تعيش ولكن الشجاع الحق هو الذي يموت (رجال وثيران، ص 17). سيمائية توظيف عنوان “رجال وثيران” في نهايّة القصّة يبدو جليًا حين يسهب إدريس (سارد الرواية) في بث حزنه وألمه لموت أنطونيو، على الرغم أن الرجل السكران الّذي حبّ أنطونيو حدّ التبني هو إدريس ذاته متخفيًا به، لأنّ إدريس يُؤْمِن أنّ الرجال الحقيقية المناضلة ضد الثيران( رمز البدائية والاستبداد والتأخر الحضارّي) هي فقط الّتي تموت، وهي فقط من تستحق لقب رجال، والآخرون يستمرون في الحياة على هيئة ذكور وليس رجال، وهذا ما يحاول عنوان الرواية ابلاغه للقارئ من خلال النصّوص المسترسلة في الروايّة، إذ لسان حال إدريس (السارد) يربط بين أحداث القصّة ونهايتها بعنوانها، حين يقول سارد القصّة للرجل السكران:” لبيّك أيهّا الرجل الإنسانيّ المخلص الّذي التجأت إلى السكر هربًا من هذا الواقع المستبقّر، الّذي تسيطر عليه مجموعة من الغرائز المتاجرة بأرواح من أجل استقطاب السيّاح وملء الجيوب البشعة..” (رجال وثيران، ص 139) وهي إشاره واضحة للفوارق الإنسانيّة والحضاريّة بين الواقع الذي يسيطر عليه أناس متخلفّون ولا يؤمنون سوى بالقوة لتحقيق مرادهم، وهم لا يمتّون إلى الحضارة بصلة كالبقر والثيران، وبين الرجال الحقيقيون الّذين يصارعون من أجل كسب حقوقهم ولكن للأسف في نهاية الأمر لا ينجحون بتغيير هذا الواقع المرير.
ملخّص رواية البيضاء
تبدأ أحداث هذه القصّة الّتي كتبت عام 1970 بين يحيى وسانتي، رجل وامرأة يستكشف كلّ منهما الآخر، ثمّ ما يلبثان أن يدخلا في سرداب مظلم طويل لا فعل فيه ليحيى (الطبيب والصحفيّ الشاب، ذو الأصول القرويّة) المنتمي إلى واحدة من الحركات اليساريّة السريّة في القاهرة أواخر الاربعينيّات) إِلَّا تحليل الذات، ثمّ تحليلها من جديد، بلا أمل في الوصول إلى نهاية، وكلمّا أمعن يحيى في تحليل نفسه وتحليل علاقته مع سانتي، كبلّه العجز وأقعده عن الفعل.
تتوطّد علاقة يحيى بسانتي “البيضاء” بواسطة صبحي صديق يحيى، الّذي يأتي إليه في مقهى “سيسل” مع سانتي وصديقة لها، وما يلبث أن ينسحب ليترك يحيى يبدأ مشوار عشقه للفتاة البيضاء سانتي، عشق بحجم الجحيم. تتوطّد العلاقة بين سانتي ويحيى بسرعة، فقد أعجبت بمقدار إعجابها به، إلّا أنّ الحركة السريّة المنتمي إليها يحيى تقرّر عدم القبول بهذه العلاقة والطلب منه بترك سانتي والابتعاد عنها. وتمثل علاقة البطل بسانتي الحدث الرئيسيّ في الرواية، في حين تكون علاقاته بجماعته السريّة وبالعمال في ورش سكك الحديد أحداثًا فرعيّة تغذّي ذلك الحدث الرئيسيّ، وينقلان القارئ من أهلال السرد المتصّل بعلاقة البطل غير المتنوعّة أو المتجدِّدة بسانتي، إلى نوع جديد من الأحداث، يكون بعضها مثيرًا، مثل موقفه من إجازات العمّال، وهو الموقف الّذي كاد يعرضّه للهلاك، وقد استطاع إدريس أن يربط الخيوط الجانبيّة للأحداث بالحدث الرئيسيّ، وهو علاقة البطل بمحبوبته البيضاء، وهي العلاقة الّتي تثير الصراع في نفسه، كما تثير شكوكه في الآخرين، أو تدفعه إلى الإساءة إليهم مثلما فعل أخيه الطالب الّذي داره عقب شجار وقع بينه وبين سانتي، بل أنّ أسرته تسرع بمغادرة مسكنه عندما تشعر أنّه ملّ إقامتهم، الأمر الّذي يقودنا إلى تفسير مدى تأثير سانتي في حياته. نهاية القصّة تتمحور باختفاء سانتي من حياة البطل، وإدمانه المخدرات ثمّ سجنه، وخروجه من السجن، وقد نسي سانتي وقصّة حبّها، وهو في هذا النسيان يذكر الزمن الّذي تكفّل بهذا النسيان من سانتي وحبّها العصيب، وحقّق له السلوان.
دلالة العنوان في رواية البيضاء وارتباطه بالنصّ السرديّ
استطاعت سانتي في رواية البيضاء أن تستخرج كلّ ما هو مستتّر في شخصية يحيى بطل رواية البيضاء، وهو استتار بذل من أجله الكثير حتّى لا يتعرّض للانكشاف والتعرية النفسية، وما بين الاستتار والانكشاف كان يتأرجح ويتعذب ويعذب الآخرين معه، بتقلباته الحادّة وتحولاته المفاجئة في الفكر والشعور والحياة، فقد انعكست علاقته بسانتي على كل ما حوله، فعلى الصعيد الذاتي ابتعد عن أهله في قريته إلّا في مناسبة العيد، وصار يضيق بالذهاب إليهم، ويضيق حتّى بزيارة والدته وأشقائه له، وعلى المستوى العملي أهمل عمله في عيادته الخاصة، وفي المركز الطبي لورش السكك الحديدية، وعلى المسار السياسيّ كانت سانتي أحد أهم الأسباب التّي جعلته يتمرّد على التنظيم السري الّذي ينتمي إليه، وما بين الحبّ والسياسة ضاعت حياته وآل مصيره إلى وراء القضبان في المعتقل.
اتخذت علاقة يحيى بسانتي شكل الافتتان بفتاة أجنبيّة جميلة أراد أن يمارس معها عاطفة الحبّ، فخاض التجربة، وحدّد معطياتها من منظوره، واستبق النتائج، وحرق المراحل قافزًا على الأحداث، وإن جاءت ضدّ ما ظلّ يتمنّاه، فمنذ اللحظة الأولى لبدء تجربته حسم أمره “منذ الوهلة الأولى كنت قد تأكدت أنّها هي، هي الّتي أردتها دائما دون أن أعثر عليها، هي الّتي بحثت عنها في كل فتاة، أو امرأة قابلتها ولم أجدها، بالضبط هي بكل ما أحبّ في النساء فيها” (البيضاء، ص9) ويبرّر ذلك انطلاقًا من سؤال تغلفه فكرة كامنة في أعماقه يبلورها بسؤاله: “لست أدري سر ذلك الضعف الّذى نكنه نحن أولاد العرب للخواجات وللنساء منهنّ بالذات…” (البيضاء، ص 7). وعلى امتداد مسارات هذه العلاقة، تظلّ سانتي تكشف ما بداخله من تناقضات إنسانية، فمع أنّه متعصب لقوميتّه وشعبه، إلّا من أجلها راح يساير العلم والحضارة والتقدّم وإلغاء الفروق بين الشعوب والخبرات والثورات، وبدأ يستعذب الفرنسيّة والنطق بها وأشعار إيلوار وموسيقى سترافنسكى، ويقرأ كثيرًا من تلك الكتب، ويعشق كلّ ما هو أوروبيّ، بخاصة الأوروبيات، فكلّ شيء ينقلب بين أيدي الأوربيين إلى فن النظام، الطعام بنظام. والحرب بنظام، والحبّ بنظام، كان إذا رأى هذا كله أحسّ بشجن وبرغبة خفية ملحّة أن يصبح ويصبح الجميع مثل ذلك الكائن الأبيض المعقّد ذي الوجه الأحمر.
ويستعرض يوسف إدريس شخصية المرأة الأجنبيّة، كوظيفة فنيّة وكمدلول فكريّ من خلال منحها اسم البيضاء كعنوان لروايته، فابتعد عن الترف في استخدامها داخل البناء الفنيّ، فلم تكن أي منها إلّا وسائل وأصداء واختبارات لعمليّة الكشف والتحوّل في المسار والمصير، حيث تتكشّف النظرة إلى الآخر في رواية البيضاء من خلال علاقة الدكتور يحيى بالفتاة اليونانيّة المناضلة سانتي وانبهاره بكلّ ما هو غربيّ خاصّة في السلوكيات، وبكلّ ما هو أوروبي (البيضاء، ص7)، وإن ظلّ يرفض الأساليب الأوروبيّة في العمل الثوريّ.
عنوان الروايّة البيضاء هو اسم مشتق من اللّون الأبيض، والبياض في اللّغة هو ضدّ السواد كما عرفّه ابن منظور، والأبيض هو اللّون وقد قالوا عنه بياضًا (ابن منظور، 1992، ص 475)، والبيضاء هي الصفة المؤنثّة من الأبيض، وإذ كان العنوان يرتبط بالنصّ السردّي لشخصيّة الرواية سانتي، فإنّه يشير إليها بشكل خاص لأنّها يونانيّة وبيضاء البشرة، وهي الّتي يغرق يحيى في حبّها مع أنّه لا يعرف عنها سوى معلومات محدودة: أنّها تنتمي إلى أسرة يونانيّة من حركة يسار عالميّة، تساعد الحركات اليساريّة عبر العالم، متزوّجة من أحد مواطنيها اليوناني بعد قصة حبّ. ولكن وفق ما أوردته يحيى (2008) في كتابها “قصّة الحبّ الأوّل في حياة صاحب الحرام نقلًا عن الباحثة الرّوسيّة فاليريا كيربتشنكو، إنّ شخصيّة سانتي “البيضاء” في الرواية هي نسخ واقعي لفتاة مكسيكيّة الأصل كانت على علاقة مع يوسف إدريس في رحلته بعد التخرّج مع حركة أنصار السلام إلى فيينا عام 1951، وعاد بها إلى القاهرة ليتزوجها، وأن أصول هذه الفتاة المكسيكية تعود إلى أنّها كانت ابنة دييجو ريفيرا، أعظم فنان جداريات في القرن العشرين. ولكن وبالرغم من هذه المعلومات القليلة الّتي يعرفها يحيى عن سانتي، كانت شخصية متناقضة ومعقدّة وغير مفهومه، إذ كانت تزوره في شقته مرتيّن في الأسبوع وبانتظام مدهش ورغم كلّ العقبات (دلالةً على التحرّر الأوروبيّ)، تقترب معه في كلّ دورة من دورات اللقاء حتّى قرب نقطة الوصول، لكنّها لا تريد له أن يصل إلى هذه النقطة، تنهره حين يصرّح لها بحبّه لكنّها تبكي حبًّا وشوقًا وندمًا حين يقرأ عليها رسائله الملتهبة.
سيمائيّة عنوان البيضاء لهذه الروايّة ترتبط بشكل وثيق بالحضارة الأوربيّة وتأثيرها على المجتمعات الشرقيّة بكلّ نواحي الحياة، ويستخلص إدريس في توظيف عنوان الرواية إلى أن بالإمكان أن يمارس الإنسان الشرقيّ النضال والكفاح لنيل حقوقه بمساعدة وتدخّل الحضارة الأوربيّة التّي تمنحه الثقة بالنفس أكثر من الإحباط الّذي يمنحه إياه الجو والمناخ الشرقي، تمامًا حين يستعرض إدريس شغف وعشق يحيى لسانتي الفتاة الجميلة البيضاء، بين حبّه العميق لها من ناحية، ورغبته في التحرّر منها، ويشكّل العنوان مقدمّة نصيّة إبداعيّة للقارئ الّذي يربط بين عشق الإنسان الشرقي للحضارة الغربيّة وتقليده لها من ناحية، والتمسّك بعاداته الشرقيّة المجتمعيّة الّتي تحكم عليه بالانضباط والتقيّد بالعادات والتقاليد.
جاءت البيضاء سانتي لتكسر هذا الحاجز والجدار بين الشرق والغرب بواسطة مبادلتها يحيى الحبّ، ولكن في فترات معينّة كانت تمتنع عن اعترافه لها بحبّه دلالة على أنَّ المجتمع الغربيّ لا يرضى بأن نتقارب معه لدرجة الحبّ والعشق، وإنّما يذكّرنا دائمًا بالفوقيّة الّتي ينظرون بها إلينا، حتّى وإن ألت الأمور في النهاية أن يترك يحيى البيضاء وينساها بعد أن دخل السجن، وهي دلالة العقوبة لأنّه تجاوز كلّ الخطوط الحمر وعشق فتاة بيضاء وليست سمراء تشبهه بالصفات والعرق، وإن السجن دلالةّ على ولادة الذاكرة من جديد :”بعد أسابيع قليلة فوجئت في الثانية من صباح ذات يوم بطرق خفيف متلصص على بابي، من أوّل طرقة أدركت أن ساعة السجن حانت، ودخل الضابط، مؤدبًا، أبيض الشعر يكاد يذوب رقة، فتّش البيت واستغرق في تفتيشه ست ساعات، وفى الصباح اقتادني إلى القسم ومنه إلى السجن، وفى السجن بدأت حياة جديدة. وفى السجن وافاه شوق بعد أسابيع من الهرب، وسانتي غادرت البلاد، ولورا اعتقلت هي الأخرى وأنها بجوارهم في سجن الحريم لكن حنينه لا يزال يراوده : “وكم هفّت نفسى لأراها، إنّها الباقية من سانتي وأيام سانتي، أمّا البارودي فقد ظلّ أعمى يقود (البيضاء، ص 306).
ملخّص رواية السيدة فيينا
دارت أحداث الرواية في قلب أوروبا بعاصمة النمسا فيينا مدينة الأنس، و بطل الرواية هو (مصطفى ) أو ( درش) كما هو شائع في المجتمع المصري ، موظف مصري ظلّ يكافح لمدة ستة أشهر كاملة ليوفد إلى هولندا في مهمة رسمية، و تمَّ له الانتصار بعد كفاحه بكلّ الطرق المشروعة و غيرها . فالمهمّة الّتي أراد الذهاب فيها لأوروبا رسميَّةً اسمًا، ولكنّها للفسحة والتفرّج في حقيقة الأمر وإذا دققّنا أكثر، فهي من أجل النساء الأوروبيات تحديدًا.
“كان درش إذًا قد انتهى من النساء في مصر ، و ذهب و في نيته أن يغزو أوروبا المرأة” (السيدّة فيينّا، ص 79)، فدرش كان مهتمًّا بالنساء و له تجارب عديدة معهم ، فهوايته هي النساء ـ على حد تعبير يوسف إدريس، لكنّه أراد أن يتذوق طعم المرأة الأوروبية ( أوروبا المرأة – السيدة فيينا ) و ذلك هو محور الرواية. فما كاد يُنهي مهمته بهولندا حتّى أسرع إلى مدينة الأنس ليبحث عن سيدته ، و لأن درش قد ذهب إلى أوروبا جريًا وراء غرائزه و دون هدف آخر حقيقي، و لأنّه كان ولِعًا بأوروبا مبهورًا بها ، كان و هو يبحث عن ضالته المنشودة في فيينا في ليلته الثالثة حائراً زائغ البصر “و ها هو ذا له يومان في فيينا (درش)، و تلك هي ليلته الثالثة في مدينة الأُنس و الأحلام و لم يحدث شيء ، مع أن النساء أمامه و خلفه و حوله و في كل مكان، نساء نمساويات فيهنَّ تتركز روح أوروبا ، نساء من مختلف الألوان و الأعمار و الأشكال و كُلَّهنَّ بلا استثناء يتمتَّعنَ بقسطٍ وافرٍ من الجمال، حتّى القبيحة لابدّ أن يكون جسدها جميل ، أو لابدّ أن تجدها صاحبة ذوق رفيع في اختيار ملابسها . كلّ واحدة فيها شيء من أوروبا ، و كلّ واحدة لها ميزة . و عقله مشتت موزع ، و بصره لا يزال كما بدأ الرحلة حائرًا زائغًا” (السيدة فييّنا، ص 80)، ومصر لا تمثّل لدرش الوطن فقط ، بل تمثّله بكلِّ ما فيه .( قرأ كلمة مصر، و دقَّ قلبه بانفعال فلابد أنَّ الجريدة تتحدث عن شيء حدث هناك ، و في غمضة خاطرٍ واحدةٍ كان قد احتوى مصر بكلّ ما فيها خجولًا لا يكاد يطيق النظر لنفسه ، إذ كان لا يزال واقفًا في الميدان يُفتِّش بعينيه عن المرأة، فمصر عنده ــ في ذلك الوقت تحديدًا ــ هي زوجته أيضًا ، و ابنته الصغيرة، و عادات و تقاليد مجتمعه، و هي البراءة و الطهارة و العفَّة الشرقية الّتي جعلته خجولًا من تصرفاته في أوروبا . و لأنّه لا يهتمّ سوى بالرغبة فتصرفاته دائمًا تميل إلى الفوضوية، و هو ما يجسدّه موقفه مع الفتاة النمساويّة ذات الستة عشر عامًا حين أراد جذبها إلية عنوة تحت أثر السُّكر و الخوف من ضياع الوقت دون أن يحظى بلذَّته أوروبية المذاق (السيدة فييّنا، ص 84). وعلى سبيل المقارنة بين درش و سيدته النمساوية، نجد بالأحرى نقاط التقاء و تشابه:
( 1 ) كلّ منهما يبحث عن الآخر، فدرش يبحث عن المرأة الأوروبية (السيدة أوروبا)، أمّا السيدة النمساويّة فتبحث عن أمير شرقيّ يحلِّق بها في فضاء السحر والخيال، بعيدًا عن الماديّة الغربيّة القاتمة .
( 2 ) كلّ منهما يعمل موظَّفًا .
( 3 ) كلّ منهما طال غيابه عن رفيقه (زوجه).
( 4 ) كلّ منهما حين مارس الجنس مع الآخر وتخيَّل ( رفيقه / زوجه ) للخروج من أزمة الفشل الجنسي .
و بهذا، فليس درش وحده هو الذي يعبِّر عن انبهاره ورغبته وسعيه للآخر الأوروبيّ، ولكن سيدته النمساويّة كنموذج مُصغَّر للسيدة فيينا (الغرب – الآخر)، هي الأخرى تسعى في انبهار إلى (الآخر-الشرقي)، وإن كانت تلك الرغبّة وذلك الانبهار أقوى عند درش (الذّات) منه عند السيدة النمساويّة (الآخر. وكأنَّ إدريس أراد أن يشير إلى ذلك الولع والشغف الشرقيّ بالغرب، ولكنّه ومن طرف خفي أكَّد أن ذلك الغرب الأوروبيّ مازال منبهرًا بالشرق وسحره، فكلا الطرفين يسعى للآخر ويجد عنده ما يفتقده في حضارته الّتي ينتمي إليها.
دلالّة العنوان في رواية السيدة فيّينا وارتباطه بالنصّ السرديّ
يلفت عنوان الرواية السيدة فييّنا إلى دلالة مكانية لمدينة ساحرة في قلب القارة العجوز عاصمة النمسا، حيث يسوق الاهتمام إلى دلالتها الأوّلية في سياقات التناصّ، فالعنوان دال بذاته على علاقة نصيّة، والقصد إلى علاقة تتحوّل فيها فيينا المجاز المرسل الّذي يختزل أوروبا في علاقة بعضيّة، تجسدّها فيينا المدينة الّتي تغدو مثالًا لغيرها من المدن الأوروبيّة، فتغدو امرأة بمعنى من المعاني الرمزيّة (سيدة)، وذلك اتباعًا للتقاليد الشعريّة المتوارثة الّتي يتمّ تشبيه المدينة فيها بالمرأة، وكان ذلك هو الأساس في توسيع الدلالات النصيّة، من دلالة فيينا المجاز المرسل الّذي علاقته البعضيّة، إلى الرمز الذي تصاغ به أسطورة أوروبا المرأة الغاوية الّتي تفتن الواقعين في شباك سحرها من سكان الضفة الجنوبيّة من البحر الأبيض المتوسّط. وعن نوعيّة عنوان الروايّة، يشير اغا (2011) إنّ العنوان قد يشكّل اسمًا لشخص ما من شخصيّات العمل أو اسمًا للمكان الروائيّ أو لزمن الأحداث، وبالطبع فإنَّ السيدة فيينا هو عنوان يحمل الجملة الاسميّة، والّذي يرمز إلى مكان روائيّ وفيزيائيّ معيّن.
يبدأ إدريس من هذا النوع من الرمزيّة الّتي ظلّت المدينة فيها مرموزًا لها بالأنثى، لكن الإطار المرجعيّ المحدّد في عمليّات التفاعلات النصيّة، على امتداد الرواية، تغدو فيينا المرأة الوجه الأنثويّ الساحر، المغوي، الفاتن، من أوروبا الأسطورة الّتي تحتل المرتبة الأعلى في ثنائيّة الأنا والآخر، والّتي يبدو تميزها في كونها جنّة بالمعنى المجازيّ، ملآى بالحور العين اللائي هن طوع بنان من يمدَّ يديه إلى حيث يتمّ النعيم للروح والعين، وحيث رنين الكأس ورنّة الألحان، فضلًا، عن القوام الميّاس الّذي يعاطف الأغصان.
والبطل في الروايّة هو مصطفى أو درش كما يطلق عليه أصحابه، فعل المستحيل ليوفد في مهمّة مصلحية أسمى، وللتفرّج والفسحة في حقيقة الأمر ويتم له المراد، ويركب البواخر والقطارات إلى أن يصل إلى أمستردام، عاصمة هولندا، حيث يتمّ مهمته الرسميّة بنجاح، فيفرغ لمهمتّه الثانيّة، وهي النساء، فكانت رغبته الدفينة أن يجرّب المرأة الأوروبيّة ذات الشخصيّة، بعد أن شبع من نساء بلده وإيقاعهن في حبائله وينصحه العارفون ببواطن الأمور بالذهاب إلى فيينا، إذا أراد المرأة وحتّى بغير نصيحتهم، كانت فيينا هي ضالته المنشودة، فيينا الّتي كان يسمع أسمهان تغني بصوتها الرنان ليالي الأنس في فيينا وكان جسده يتسّع بأحلام لا حدود لها عند سماع وتخيّل إيحاءات الأغنية ولوازمها، الأمر الّذي جعله يدبّر هذه الرحلة الّتي كان الهدف منها “فيينا المرأة” و”نساء فيينا” اللاتّي تجمعهن المدينة، فتغدو إياهن، أو يصرن إياها.
ولا خلاف بين سيمائيّة العنوان من حيث التجاوب في مدى العنصر التكوينيّ الّذي يصوغ بناء الرواية كما وظفّه إدريس ويتحكّم في حركة سردها، ونعني عنصر المفارقة الّذي لا تفارقه دلالة السخريّة بين الشرق والغرب (مصر وأوروبا)، بيد أنّ العنوان في هذه الرواية وهو فيينا، يشكّل حمولة دلاليّة وفق ما أشار إليه قطوس (2001) فهو قبل ذلك علامة أو إشارة تواصليّة له وجود فيزيقيّ مادّيّ، وهو أوّل لقاء مادّيّ محسوس يتمّ بين المرسل والمتلقي (درش والسيدّة فيّينا) ، ممّا يوفّر البعد المكاني للعنوان كحيّز أساسي لمجريات الأحداث.
والمفارقة تقع نتيجة الالتقاء المفاجئ بين نقيضين من حيث الظاهر، يتكشف ظاهر تناقضهما على نحو مفاجئ، بما يحيل الثنائيّة الضديّة بين طرفيّ المفارقة إلى مقلوبها، فإذا بالطرف الثاني هو شبيه الطرف الأوّل وليس نقيضه ولذلك يفسّر إدريس بما يوهمنا بالاختلاف الجذريّ بين درش والسيدة فيينا، وبين السيدة فيينا وغيرها من نساء عالم درش، ولكنّ القصّة تنتهي بانقلاب التناقض الظاهريّ الّذي يغدو مشابهًا في تجاوبات البنية التحتيّة للموقف، فيكتشف درش أوهام تصوراته عن السيدة فيينا، وتكتشف هي، بدورها، أوهام تخيلّها له، فلا هو أمير أفريقيّ عنيف جنسيًا على نحو لا مثيل له في عالمها، وإنّما هو صورة قابلة لأن تكون مجلى لزوجها الّذي لولا استدعاؤه لما اكتمل لقاؤها بالأمير الأفريقي الّذي غدا صورة من زوجها في النهاية، حتّى يوحي إلينا إدريس برفض درش الإغراءات الأوروبيّة وجاذبيتها ونساءها، متمثلةَ بالسيدة فيينا، وأنّه يفضّل العودة إلى وطنه وبيته:” أحسَ درش أنَّه لم يعد غاضبًا على نفسه ، كلّ ما أصبح يشغله في تلك اللحظة هو شعور كان قد بدأ ينبثق في نفسه و حنين غريب جارف إلى بلده .. و عائلته الصغيرة .. والدنيا الواسعة العريضة الّتي جاء منها (السيدة فيينا، ص 160).
ملخّص رواية نيويورك 80
تتلّخص هذه الرواية الّتي كتبت عام 1980 بلقاء كاتب من مصر (يتوارى إدريس خلف قناعه) مع سيدة أمريكيّة في أحد الأماكن العامّة بمدينة نيويورك، ويفاجأ بداية تعرفه عليها بقولها له: “أنا ممن يسمونهم المومسات” (نيويورك، ص 5)، ينزعج الكاتب، ويسائل نفسه، كيف لها وهي جميلة أن تبيع جسدها، كيف تضحي “بهذه التحفة معروضة للبيع”. وهنا، تدرك المومس ما يدور في خلده، فتجيبه ولدت في غابة لم أصنعها أنا، ولكنّها كائنة وموجودة. فيدخل معها هازئًا في حوار حول الثمن الّذي تتقاضاه، فتجيبه بأرقام مضبوطة، وبحسب الوقت الّذي عليها أن تقضيه. يتذكّر القروش القليلة الّتي تحصل عليها فتيات الليل في القاهرة. وعبر تواصل الحوار بينهما، يكتشف أنّها حاملة لدرجة الدكتوراه وعالمة في النفس وإخصائيّة في علاج القصور الجنسيّ، وتظلّ تبرر له اتخاذّها مهنة البغاء، لكنّه يرفض امتهان الجسد، قائلًا لها: “أنت في رأيي انسانة محترفة، لا علاقة لها بالإحساس أو بالشعور أو حتّى بالإنسانية” (نيويورك، ص29).
ولحظتها، يتذكر أنّه كاتب، وأنّه لابدّ أن يكون له رأيه في هذه “المسألة” فيستدرك: “إنّي لمشمئز من حضارة تصعد بسمو علمها إلى القمر، ولا زالت تنحط بجسدها إلى مدارك الرقيق الأبيض والأسود” (نيويورك، ص 30)، وتعرض عليه أن تقضي الليلة معه فيرفض مبررًا ذلك بأنّها قطعة متخلفّة عقليًّا، لأنّها لم تفهم بعد أن المسألة الجسديّة المحضّة لا تعني أية متعة بالنسبة لإنسان مثله، فيغادر المكان عائدًا إلى الفندق، لكنّها تتعقبه إلى غرفته، وتعاود عرضها حتّى لو دفعت له هي، هو يصمّم على الرفض، فيكون حكمها عليه (وعلى الحضارة الّتي يمثّلها استتباعًا) ليس بأهون من حكمه عليها، إذ تسمه بأنّه ما زال “طفلًا عاطفيًا ونفسيًا”، وتحاول أن تشرح له أنّ العلاقة الجنسيّة المحضة ليست إلّا دليلًا على درجة من النضج لا يزال هو دونها. ولا تحسبه أنّه بحاجة إلى تبيان هذا الحديث عن العاطفة ونقصان النضج، يصبح على الشرق وروحانيته ومثالية، مقابل خسيّه الغرب وعقلانيّة وعاديته. ينتهي الجدال القائم بين الرجل والمرأة حين تنهار وتفقد أعصابها بتأثير من حدّة رفضه لها، فتغادره بعد مشهد صاخب لتنتهي القصّة. نهاية مفتعلة بلا مراء، وبعيدة عن الإقناع. إذ أنَّ كلا الطرفين طيلة الحدث على قناعة دوغماتية بنظرة كلّ منهما إلى العالم، كما رأيناهما ندين في الجدال والمحاجة لا يعجز أحدهما عن الانتصاف لموقفه الحضاريّ بشتّى التبريرات.
دلالة العنوان في رواية نيويورك 80 وارتباطها بالنصّ السرديّ
تأخذ هذه الرواية منحًى مشابهًا لأسلوب إدريس الروائي في رواية السيدة فيينا، حيث يستقدم في روايته هذه مونولوج حواريّ بين كاتب مصري يزور نيويورك في عام 1980، وبين مرأه أمريكيّة تعمل مومسًا، وحين تصارحه بحقيقة عملها ينصدم في بادئ الأمر حين تعلمه بعملها كمومس، ويستهجن قيامها بهذا العمل الفاحش مع العلم بأنّها على قدر كافٍ من الجمال، بل ومثقفة أيضًا وبمقدورها الحصول على رجل تعيش معه وتقيم عائلة كريمة.
يرتبط عنوان الرواية على وقوع أحداث الرواية في مكان يصفّه الكاتب بأنّه من أحد الأماكن الّتي يزورها المسافرون إلى أمريكا، فنيويورك هي بمثابة قلب أمريكا الاقتصادي النابض، والّذي ترتكز فيه رؤوس الأموال والتبادل التجاري بالإضافة إلى غنى المدينة وثراءها. تركيبة العنوان أيضًا تميّزت عن غيرها من عناصر الرواية كالمكان والزمان بأنّها تملك عدة تركيبات كتابيّة تمنح القارئ لذّة الإبحار في خيال واسع وربط العنوان بمجريات الرواية، قبل أن يقدم على فهم وتحليل أحداثها، سيما أنّ نيويورك 80 هو عنوان ذو بنية كتابيّة تعلو النصّ وتترابط معه دلاليًا وضمنيًا، لأنَّ العنوان والمكان الروائيّ يتقاطعان في حبكة أحداث الرواية (مدينة نيويورك)، مما يمنحها الكثير من الزخم والحماس لدى القارئ كي يقوم باستطلاع وقراءة الرواية، ولكنّ إدريس ومن خلال سياقه الروائيّ، يعكس عنوان الراوية من خلال هجاءه لعالم الاستغلال والانحلال (الكاتب-إدريس) في المجتمع الامريكي متمثلًا بهذه المرأة المومس التّي تخلّت عن صفات وسمات العمل الشريف مِن أجل كسب المال السريع على حساب شرفها، وهنا نرى تغييرًا جذريًا في رؤية الكاتب إلى الحضارة الغربيّة، فمثلًا في رواية البيضاء 1970، لم يظهر إدريس من خلال طرحه للمجتمع الغربيّ ذلك الانحلال الخلقيّ والمجتمعي من خلال بطلة روايته سانتي، ولكنّ في هذه الرواية انجرف إدريس ليعلن عن ولادة نسخة ثانية من رؤيته للمجتمع الغربيّ حين قام بزيارة مدينة نيويورك عام 1980، واندهاشه من التفشّي الرذيلة والانحلال الخلقيّ هناك، ذلك المجتمع الّذي يتعايش مع الرذيلة والانحراف الأخلاقيّ كنوع من أنواع العمل العادي الّذي لا ضير فيه من أجل ربح المال. وفي هذا الإطار، ترتكز سمات الإبداع لدى يوسف إدريس بالإبحار نحو رؤية جديدة. رؤية تأخذ شكل القانون العام الّذي يستقي معطياته من الواقع الخارجي كما أحسّه، بالفلسفة الداخلية وبالرغبة في الخروج للناس بحلول جديدة لمشاكل قديمة (زين الدين، 1998، ص 188) ، وهذا ما يدلّ عليه عنوان الرواية وما ينعكس في مضمونها، حين يعتمد إدريس على عرض حقائق شاهدها وتعايش معها في مجتمع مدنيّ متحضّر، ولكنّ هذه الرؤية لم تأتِ بالإيجابيّة على أفكاره واستراتيجيته في طرح مشاكل ومعاناة الشعب المصريّ بحنكة وببراعة، بل إنّ العنوان حمل اسم مدينة نيويورك 80 كي يفضي إلى سخريّة معينة من قبل الكاتب تجاه المجتمع الغربيّ الّذي تعالى على المجتمع الشرقيّ في شتّى المجالات، إلّا أنّ إدريس وجد في أسلوبه المثير للجدّل أن يفضح هذا المجتمع الراقيّ الّذي يتوق إلى تقليده والاندماج فيه الكثير من الأشخاص في الشرق، وكأنّه جاء ليقول للقارئ العربيّ من خلال مضمون هذه الرواية بأنّ الغرب ما هو إلّا جنّةً من ورق، يفتقد إلى الكثير من الصفات الحميدة والفضيلة الّتي يتحلّى بها المجتمع الشرقيّ. ويتابع إدريس نسقه السرديّ حين يشدّد على الهوّة المتباينة بين الثقافات، بحيث أن الشرق يصوّر مدينة نيويورك بأنها تحوي الأغنياء والطبقات الراقيّة، إِلَّا أنَّ إدريس استخدم في روايته المرأة المومس المثقفّة ليرمز لنا بهذا النقيض الّذي يحتويه المجتمع الأمريكي، وليظهر التصادم الحضاريّ بين الشرق والغرب، ويستخلص من دلالةً العنوان في الرواية بأنّه لا يجب أن نأخذ المجتمع الغربي والأمريكي بأنّه مجتمع متكامل لا يخلو من الشوائب والإنحراف الأخلاقيّ وفق ما صوّره إدريس في روايته نيويورك 80.
الخاتمة
يعتبر يوسف إدريس واحدًا من أبرز الروائيين العرب الّذي عاصروا حقبات تاريخيّة هامّة في العالم العربيّ منذ مطلع القرن العشرين، وهو كاتب روائي فذ جمع بين عشقه وغيرته على وطنه، عاداته وتقاليده المصريّة وبين ضرورة الانفتاح على الحضارة الأوروبيّة والغربيّة كنموذج للتقدّم الحضاريّ والعصريّ في المجتمعات، مغايرًا لمجتمعه المصريّ الّذي ما زال يرقد في دهاليز العالم الثالث، ويترنّح بين التقليد الغربي وبين التمسّك بالتقاليد والأعراف العربيّة متجلية في الحياة الريفيّة على وجه الخصوص كما صوّر في بعض رواياته كالحرام والعيب.
يهدف هذا البحث إلى كشف العلاقة بين عناوين روايات معينة للأديب يوسف إدريس وبعضًا من أعماله الروائية، وقد تمّ معاينة ستة روايات له في هذا البحث وهم: الحرام، العيب، رجال وثيران، البيضاء، السيدة فيينا ونيويورك 80.
يعرّف العنوان في الرواية كما جاء في الخلفيّة الأدبيّة بأنّه الباب الأوّل الّذي يفتح أمام القارئ للولوج إلى مضمون الرواية، وهو باب قلمّا يأتي مختلفًا حسب نظرة الأديب وأسلوب نصوصّه السرديّة، إذ يتكشّف العنوان كسيمائيّة رمزّية تشير إلى المغزى في الرواية والّتي يتقصد ويتعمّد الكاتب أن يوصلها إلى القارئ، وإن تباين العنوان من ناحيّة السيميولوجيّة العامّة في عكس ما يصوّر ويرمز إليه الكاتب داخل الرواية.
ومن هذا المنطلق، فإنّ البحث قد رصد ارتباط العناوين الروائيّة داخل الرواية متماشيًا مع سيرورة الأحداث فيها، واستخلص العبر بأنّ إدريس قد أشتّق لعنوان رواياته ما يحمل المدلول الرئيسيّ لمضمونها، وهذا ما يفسّر تحوّل إدريس من الانسياق الفكريّ والأدبيّ الّذي جاء واضحًا في أدبه بمغازلة المجتمع الغربي وإبداء الفوقية الغربية للمجتمع الشرقيّ في الروايات نفسها كواحة من المسلمات الفكريّة؛ كرجال وثيران والبيضاء، والتّي يعتبرها بعض النقّاد بأنّ قد بالغ في وصف ورفع من مكانة المرأة الأوروبيّة على وجه التحديد بأنها رمز الجمال الجسديّ والثقافيّ، وأنَّ حلم كلّ مصريّ هو الوقوع في حبّ فاتنة ذات ملامح غربيّة، ممّا يرمز إلى عقدة الإنسلاخ الحضاريّ عن الشرق عامّة ومصر خاصّة.
أشار علوّش (1992، ص 89) في الخلفيّة النظريّة إلى أنَّ العنوان في الرواية يمثّل نصًّا أو عملًا فنيًّا، ويملك وظيفة مرادفة عامّة، وقد يكون أقلّ من الجملة، إِلَّا أنَّ هنالك عناوين قد تتجاوز الجملة، وفِي مقارنة مع العناوين الروائيّة الّتي استخدمها إدريس في رواياته (عينة البحث)، نجد أن أربعة من العناوين هي أسماء وليست جمل، وهم: البيضاء، الحرام، العيب ونيويورك 80، والروايتين الآخرتين هما رجال وثيران، السيدّة فيّينا، ولا بدّ للإشارة إِلَّا أنَّ العنوان كما أشار قطوّس (2001، ص 6) هو نظام سيميائي، ذو أبعاد دلاليّة ورمزيّة وأيقونيّة، وهو يجسّد أعلى اقتصاد لغويّ ممكن يوازي أعلى فعاليّة تلّقٍ ممكنة تغري القارئ، الباحث والناقد بتتبّع دلالاته، لا سيما أن إدريس قد تعمّد وفق رؤيتي الشخصيّة إلى اختيار معظم رواياته (في عينة البحث64 /) عناوين تحمل أقلّ من جملة، وهو عنوان اسميّ ذو كلمة واحدة للتوكيد على مبتغى الكاتب وإبراز مدلول العنوان كاسم يستحق التشويق لدى القارئ لقراءة الرواية، إذ أنّ العناوين الّتي تحمل جملًا اسميّة أو فعليّة عادةً لا تمنح القارئ ذلك الانتباه والتركيز في سيمائيّة العنوان للرواية مثلما هو الأمر لعنوان يحمل اسم واحد كما في روايات إدريس أعلاه، لأنَّ العنوان يمثّل وسيلة اتصّال أوليّة بين المرسل والمتلقي، ليتجاوزه ويبدأ بقراءة المقدمة النصيّة ومنها إلى باطن الرواية.
خلاصة البحث في دلالة العنوان أدبيًّا، لغويًا وروائيًا، يجمع أن إدريس أجاد اختيار عناوين رواياته بعناية ودقّة، فكلّ عنوان للرواية يعكس ما يحمل العنوان من معنى مجازي وبلاغي، فالعيب تروي الصراع بين الفضيلة والرذيلة في مجتمّع ريفيّ مصريّ يفتقر إلى الحداثة والتمدّن، ونجد أنَّ جميع نصّوص هذه الرواية ترتبط ارتباطًا موضوعيًّا بمفهوم العيب الّذي يصنعه الإنسان، دوافعه ومسببّاته، وأيضًا يحاكي هذا العنوان المفارقة الواضحة في طبقات الشعب المصريّ الّتي تحتّل حيزًا كبيرًا من أعمال إدريس، إذ أنّه قلمّا يجد نفسه سارد الرواية، أو نراه متخفيًا بقناع السارد كما هو حال رواية البيضاء، فشخصيّة يحيى ترتبط بالعنوان نفسه، لأنَّ إدريس فضّل اختيار هذا العنوان عن غيره كي يشير إلى عمق العلاقة بين الشخصيّة الرئيسيّة “يحيى” وسانتي، وهي البيضاء الجميلة، صاحبة العنوان في الرواية وبطلة أحداثها، كيف لا ويحيى (إدريس نفسه) قد نظّر في الماضي إلى حيويّة الاختلاط بالمجتمع الغربيّ كوسيلة للتقدّم الحضاريّ في بلاد ومجتمعات الشرق، وهو الّذي يعيش في مصر بكلّ مكوناتها وأحداثها من صراعات طبقيّة، واستغلال واستبداد قاهر للطبقة الفقيرة والمهمشّة. ومن هنا، نلاحظ أنَّ إدريس تيقّن من دلالة العنوان في كلّ رواية بأنّه المفتاح الأوّليّ الّذي يجب أن يناله كل قارئ، وألّا سيفقد اهتمامه بمضمون روايته وبذلك فهو يخسر شريحة كبيرة من القرّاء والمتابعين لرواياته، لأنَّ العنوان وكيفيّة التعامل معه كما يصفه حمداوي (2011، ص 90)، هو بمثابة عتبة على القرّاء أن يتجاوزوها، حاملين معهم أفكارًا وخيالات عن تبلوّر أحداث الرواية في المستقبل، ونعني بالمستقبل طبعًا التسلسل النصّي والسرديّ في داخل الرواية، وهو الّذي يمدّنا بمجموعة من المعاني التّي تساعدنا في فكّ رموز النصّ، كما جاء في عنوان رجال وثيران،
وأمّا العناوين الحرام، ونيويورك 80، فهي تحمل في طياتها رموزًا سيمائيّة تعطي القارئ منحًى خاصًا ليدخل إلى النصّ الروائي لأنّه يحمل خصائص تعبيريّة وجماليّة، عنوان الحرام مثلًا يشدّ القارئ إلى الوثوب لقراءة الحادث أو الاعتبارات التّي خلقت هذا الحرام في الرواية، وتليها رجال وثيران، ونيويورك 80، وإذا تعمّقنا في عناوين الروايات كلّها، يتضّح لنا بأنّها تعكس الفكر الحرّ والمتجدّد للكاتب إزاء نضاله مع الطبقات المظلومة من الشعب متخفيًّا كسارد الرواية، كما هو في رجال وثيران، ومن ناحية أخرى يعكس عنوان نيويورك 80 ما تضمّنته الرواية من مغزًى صريح الدلالة، فالكاتب أشار بوضوح إلى سنة أصدرت الرواية عام 1980، كي يشير إلى أنَّ المجتمع الغربي أيضًا هو مجتمع يعاني من الانحلال الخلقيّ، وفقدان القيم والفضيلة المتمثلّة في المومس وطريقة كسبها المال، أي أن عنوان الرواية أشار ربمّا إلى تقدّم زمنيّ عن سنوات الخمسين والستين الّتي كان فيها إدريس من أشدّ المعجبين بالحضارة الأوروبيّة، بل وأنّه كان يشجّع على الاطّلاع والتشرّب من هذه الحضارة، ومن منظوري الشخصيّ، فإنّ رواية البيضاء هي خير ما ترمز من خلال عنوانها إلى إعجاب الكاتب بالغرب، متمثلًا بالمرأة الّتي عشقها، ولكنّه ما يلبث في النهايّة عن التخلّي عنها لأنّه أدرك أنَّ النضال الشعبيّ ومحاربة الفساد تأتي من الشعب نفسه، دون مساعدة أطراف خارجيّة كأوروبا لمصر، وهذا ما عزّزه عنوان الرواية ليستدّل على عمق إيمان ومراهنة إدريس في الماضي بهذه الحضارة، ليستبدلها بعد عقدين من الزمن بعنوان نيويورك 80، وفيها يعرّي المجتمع الغربيّ ويعرض ما يعانيه من تفشي الرذيلة والانحلال الأخلاقي في مجتمعهم كواقع مسلَّم به ومن الممكن التعايش معه، وهنا تأتي كثافة الدلالة لكلّ عنوان على حدة، كما يفسّره بودربالة (2002، ص 25)، بأنّ العنوان يحتّل الصدارة للعمل الأدبيّ، بالمقارنة مع روايات إدريس وعناوين رواياته، فكلّ عنوان هو استراتيجيّة لوحدها، يمنحك التفكير عميقًا لماذا وكيف تمّ اختيار هذا العنوان عن سواه، لتحمل هذه التساؤلات إلى العمق الروائي، وحين تنهي قراءة الرواية تقوم بتحليل وفكّ الشيفرة الّتي حملها عنوان الرواية بمضمونها، فكما أشار جزّار (1998، ص15)، فإنّ الكاتب ملزم بمراعاة معادلة فنيّة لإنتاجه الأدبيّ، وهي عنوان الإبداع بالإضافة إلى المتن الروائيّ واسم المبدع، وهذا ما نراه جليًّا في أعمال يوسف إدريس وخاصّة في رواية الحرام، حيث نالت من الشهرة درجة كبيرة جدًا في عالمنا العربيّ لأنّها حملت طياتها صراعات ومفارقات مجتمعيّة بحتة تحاكي واقعنا العربيّ المرير، وكان لعنوانها الأثر الأكبر في ذيع صيت هذه الرواية، لأنّ توظيف العنوان كان ملائمًا جدًا للسرد النصّي في الرواية، حيث أسهب إدريس في وصف تصرفات وانتهاكات طبقة من الشعب لطبقة أخرى، ودلّ العنوان على أكثر من مفهوم للحرام، ومع ذلك لو أ-ثر إدريس من وجهة نظري أن يختار عنوانًا آخرًا لا يحظى بسيمائيّة قويّة وبارزة كالحرام، لما قد نجحت واعتبرت عند الكثيرون من أعظم أعماله الروائيّة.
لائحة المصادر والمراجع
آغا، س. (2011). عتبات النصّ الروائيّ: رواية (الصندوق الأسود) نموذجًا. الحوار المتمدّن، 3351، 3-5.
إبراهيم، غ. (2015). سيرة حياة الأديب يوسف إدريس. شبكة المرسال الإلكترونيّة.
رابط: http://www.almrsal.com/post/238044
ابن منظور، م. (1992). لسان العرب. م. 15. بيروت: دار صادر للطباعة والنّشر.
بلعيدي، ن،. بلخن، ك. (2001). شعريّة اللغّة في رواية فوضى الحواس لأحلام مستغانمي. إشراف محمد العيد تاورتة، مذكرة الماستر، جامعة قسنطينّة، منتوري قسم اللغّة العربيّة وآدابها، ص 1-20.
بودربالة، ط. (2002). قراءة في كتاب سيمياء العنوان. الجزائر: منشورات جامعة بسكرة.
الجزّار، م. (1998). العنوان وسيميوطيقا الاتّصال الأدبيّ. مصر: الهيئة المصريّة العامة للكتّاب.
الحجمري، ع. (1996). عتبات النصّ: البنية والدّلالة. ط1، منشورات الرّابطة: منتدى الأدب واللّغة والفكر.
حسونة، م. (2015). “النص الموازي وعالم النص: دراسة سيميائية“. مجلة جامعة الأقصى، – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – غزة – فلسطين، المجلد التاسع عشر، العدد الثاني.
حمد، م. (2010). نظام العنونة وجهاز التّوقعات عند القارئ. المجمع، ج 3+4، 209-232.
حمداوي، ج. (1997). السيميوطيقا والعنونة. مجلّة عالم الفكر، 23، (25)، 90-95.
حمداوي، ج. (2006). صورة العنوان في الرواية العربيّة. مجلّة عالم الفكر، الكويت، 3(25)، 79-112.
خواجا، ع. (2013). دلالة العنوان في رواية “والبقيّة تأتي“. من موقع قاب قوسين: صحيفة ثقافيّة:
رابط: http://www.qabaqaosayn.com/content
رواينيه، أ. (1995). شعرية الدّال في بنية الاستهلال في السّرد العربيّ. عنابة: معهد اللّغة العربيّة وآدابها، ص 141.
زين الديّن، ن. (1998). لاتا: روايات يوسف إدريس. دار قباء الحديث للطباعة و النشر و التوزيع، القاهرة.
سالم، م. (1990). رواية التجسس والصراع العربي الاسرائيلي. نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة.
شقروش، ش. (2000). سيميائيّة العنوان في مقام البوح. الجزائر: منشورات جامعة بسكرة.
صالح، م. (2005). نشأة الرواية العربيّة في الجزائر(التأسيس و التأصيل). مجلة المخبر العدد الثاني، ص12.
الضّوي، م. (2009). مقاربة العنوان في النّصّ الأدبيّ. موقع الشّبكة العربيّة العالميّة:
http://www.globalarabnetwork.com/culture-ge/novel/872-2009-06-02-23-20-51
عبدالمعطي، ف. (1994). يوسف إدريس بين القصيرة والإبداع الأدبي. الطبعة الأولى. بيروت: دار الكتب العلمية.
العلّاق، ع. (1997). شعرية الرّواية، علامات في النّقد. عمان: دار الشّروق للنشر والتّوزيع.
علّوش، س. (1984). معجم المصطلحات الأدبيّة المعاصرة. الدّار البيضاء: مطبوعات المكتبة الجامعيّة.
فرج، ن. (1976). يوسف إدريس والمسرح المصريّ الحديث. مصر: دار المعارف.
قطوس، ب. (2001). سيمياء العنوان. عمّان: وزارة الثقافة.
القطّ، ع. (1981). ردّ على يوسف إدريس. مجلّة صباح الخير القاهريّة، 1338، 60-66.
كلود، د. (1973). عناصر علم العنونة الروائيّ. مجلّة أدب، 12، 52-53.
مالكي، ف. (2003). عتبة العنوان في الرواية الفلسطينيّة (دراسة في النصّ الموازي)، رسالة ماجستير لنيل درجة الآداب من جامعة النجاح الوطنيّة، نابلس.
مجيدي، ح.، روديني، م.، بگنج، ع. (2011). إبداع يوسف إدريس في القصة القصيرة؛ تحليل ونقد. فصلية دراسات الأدب المعاصر، جامعة طهران، السنة الثالثة، العدد التاسع.
مرادي، م. (1971). لمحة عن ظهور الرواية العربية وتطورّها. مجلة دراسات الأدب المعاصر، العدد السادس عشر، ص 101-116.
مرتاض، ع. (1990). في نظريّة الرواية بحث في تقنيّات السرد. عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون 3 والآداب، الكويت، ص12.
اﳌﻄوّي، م. (1999). شعرية عنوان كتاب السّاق على السّاق فيما هو الفارياق. مجلّة عالم الفكر، 1، الكويت، 457-463.
الورقي، س. (1990). مفهوم الواقعية في القصة القصيرة عند يوسف إدريس. الطبعة الأولى. الاسكندرية: دار المعرفة الجامعية.
Fisher, J. (1984). Entitling. Critical Inquiry, II( 2), 286-298.
Genette, G. (1988). Structure and Functions of the Title in Literature. Critical Inquiry, 14(4), 692-720.
Leo, H. (1982). la marque du titre, Dispositifs sémiotiques d’une pratique textuelle, Motion pubblishers The Hague Paris, N.York.
Levinson, J. (1985). Titles. The Journal of Aesthetics and Art Criticism. 44, 29-39.
Taha, I. (2000). The Power Of The Title Why Have You Left The Horse Alone? By Mahmud Darwish. Journal of Arabic and Islamic Studies, 3, 66-83.