المعونة الأمريكية ومواقف الأحزاب السودانية: جدل التبعية والسيادة وأثره على الاستقرار (1956–1958م) "دراسة تاريخية تحليلية"
The American Aid and the Positions of Sudanese Parties: The Debate of Dependency and Sovereignty and Its Impact on Stability (1956–1958) — An Analytical Historical Study
د. مهند فاروق محمد أحمد1
1 أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المشارك، قسم التاريخ والحضارة – كلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية، جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية -السودان
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj612/3
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/612/3
المجلد (6) العدد (12). الصفحات: 25 - 37
تاريخ الاستقبال: 2025-11-01 | تاريخ القبول: 2025-11-07 | تاريخ النشر: 2025-12-01
المستخلص: يهدف هذا البحث إلى دراسة جدلية المعونة الأمريكية بين القبول والرفض وأثرها على السيادة الاقتصادية والسياسية للسودان خلال الفترة 1956–1958م، باعتبارها من القضايا التي كشفت عن طبيعة التوازنات الداخلية والتجاذبات الدولية في مرحلة ما بعد الاستقلال. تنبع أهمية البحث من كونه يعيد قراءة موقف النخب السياسية السودانية من المعونة الأمريكية كعدسة لفهم مفهوم السيادة الوطنية في بدايات تشكّل الدولة الحديثة. تمثلت مشكلة البحث في تحديد ما إذا كانت المعونة الأمريكية وسيلة للتنمية الاقتصادية أم أداة للتبعية السياسية، وذلك في ظل انقسام الأحزاب بين مؤيد ومعارض ومتحفظ. استخدم البحث المنهج التاريخي التحليلي المعتمد على الوثائق البرلمانية، والمصادر الصحفية، والمراجع الأكاديمية الحديثة، بغرض تتبع تطور النقاشات والمواقف الحزبية حول المعونة. توصلت الدراسة إلى أن المعونة لم تكن اقتصادية بحتة، بل ارتبطت بمسعى أمريكي لتوسيع النفوذ في السودان في إطار الحرب الباردة. كما بيّنت أن المواقف المتباينة للأحزاب (حزب الأمة، الحزب الوطني الاتحادي، حزب الشعب الديمقراطي، والحزب الشيوعي) عكست انقسام النخبة بين الاعتبارات الوطنية والمصالح الحزبية. خلصت النتائج إلى أن الجدل حول المعونة مثّل اختبارًا مبكرًا لاستقلال القرار السوداني، وأسهم في إضعاف النظام البرلماني، ومهّد لتفاقم الأزمات السياسية لاحقًا.
الكلمات المفتاحية: المعونة الأمريكية، السودان، السيادة الوطنية، الحرب الباردة، الأحزاب السياسية، التبعية الاقتصادية، 1956–1958م.
Abstract: This research aims to examine the U.S. Aid controversy in Sudan (1956–1958) as a key episode revealing the tension between national sovereignty and external influence in the early post-independence period. The study’s significance lies in reinterpreting Sudanese political elites’ responses to American aid as a lens for understanding how the notion of sovereignty was negotiated within a newly independent state. The central problem addressed is whether the U.S. aid program served as a tool for genuine economic development or as an instrument of political dependency amid sharp party divisions. The research employs a historical-analytical methodology based on parliamentary records, press archives, and contemporary academic sources to trace how the debate evolved across different political camps. Findings indicate that U.S. aid was not purely economic but strategically linked to American influence during the Cold War. The varying positions of the Umma Party, the National Unionist Party, the People’s Democratic Party, and the Communist Party reflected the conflict between national ideals and partisan interests. The study concludes that the controversy over U.S. aid represented an early test of Sudan’s political independence, weakened its parliamentary system, and exposed the fragility of state-building in the face of external and internal pressures.
Keywords: U.S. Aid, Sudan, National Sovereignty, Cold War, Political Parties, Economic Dependency, 1956–1958.
المقدمة
يمثل مشروع المعونة الأمريكية للسودان (1956–1958م) أحد أهم المنعطفات في تاريخ الدولة السودانية الحديثة، إذ يكشف عن تداخل السياسة بالاقتصاد في ظل واقع ما بعد الاستقلال، وعن عمق التحديات التي واجهت الحكومة الوطنية الأولى بين مطلب التنمية وحماية السيادة. ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تبحث عن مصادر تمويل لمشروعاتها التنموية عقب انهيار أسعار القطن وتدهور الميزانية، برز العرض الأمريكي كفرصة إنقاذ اقتصادي من جهة، وكأداة نفوذ سياسي ضمن معادلات الحرب الباردة من جهة أخرى.
وقد شكّلت مواقف الأحزاب السياسية من هذا المشروع مرآة صادقة لتوجهاتها الفكرية وتحالفاتها الإقليمية؛ فبينما تبنّى حزب الأمة خطاب الواقعية الاقتصادية مؤيدًا للمعونة، رأى الحزب الوطني الاتحادي فيها تهديدًا للاستقلال الوطني، وتردد حزب الشعب الديمقراطي بين التحفظ والقبول المشروط، فيما اتخذت الجبهة المعادية للاستعمار موقفًا أيديولوجيًا رافضاً.
تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك جدلية القبول والرفض في ضوء توازنات القوى الداخلية والخارجية، مستندة إلى الوثائق البرلمانية والصحفية والروايات الرسمية، للكشف عن كيف أسهمت المعونة الأمريكية في إعادة تعريف مفهوم السيادة الوطنية في السودان الحديث، وعن دورها في زعزعة استقرار النظام البرلماني الوليد.
الاعتراف الأمريكي واستراتيجية واشنطن تجاه السودان
في اليوم التالي لإعلان استقلال السودان في الأول من يناير 1956م، سارعت الولايات المتحدة الأمريكية بالاعتراف بالجمهورية السودانية رسميًا في الثاني من الشهر نفسه، ورفعت مكتب الاتصال الأمريكي في الخرطوم إلى مستوى السفارة. وقد تم تعيين “لويل بينكرتون” (Lowell Pinkerton) أول سفير أمريكي لدى السودان في 12 أبريل 1956م، حيث قدم أوراق اعتماده رسميًا في 17 مايو من العام ذاته. ([1])
عكست تعليمات التكليف الصادرة من وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس (John Foster Dulles) في 7 مايو 1956م رؤية واشنطن الاستراتيجية تجاه الدولة الوليدة. فقد أشارت تلك التعليمات إلى أن السودان، بصفته دولة ناشئة في قلب إفريقيا، قد يشكل هدفًا محتملًا لتغلغل النفوذ السوفييتي، وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاستراتيجية في القارة. كما رأت الوثائق أن مصر قد تسعى للحفاظ على نفوذها في الخرطوم، الأمر الذي يتطلب، من وجهة النظر الأمريكية، استقطاب السودان إلى المدار الغربي وإحباط أي مشاريع مصرية تخدم الاتحاد السوفييتي، مع العمل على تشجيع إقامة علاقات ودية بين السودان والدول المجاورة. ([2])
وقد شكل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م نقطة تحول في الرؤية الأمريكية، إذ تبين لواشنطن محدودية النفوذ البريطاني والفرنسي في المنطقة. وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي “دوايت ديفيد إيزنهاور” مشروعه المعروف بـ “مبدأ إيزنهاور”، الذي نصّ على استخدام القوة المسلحة لمواجهة أي عدوان شيوعي محتمل، إلى جانب تقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية للدول التي تقبل بالتعاون مع الولايات المتحدة. ([3]) ضمن هذه الرؤية، حاولت واشنطن استمالة السودان، خاصة أن رئيس الوزراء عبد الله خليل لم يكن ميالًا لفكرة القومية العربية، وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة مدخلًا لتقوية علاقاتها بالخرطوم.
وفي هذا الإطار، قام نائب الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بزيارة رسمية إلى السودان في 3 مارس 1957م، أعقبها مبعوث الرئيس جيمس ريتشارد بين 20 و22 أبريل من العام نفسه، حيث أبدى المسؤولان الأمريكيان تفهمًا للموقف السوداني الرافض لبعض بنود “مبدأ إيزنهاور” التي قد تمس السيادة الوطنية، مع تأكيدهما على أهمية التعاون المشترك. ([4])
ورغم تحفظ الخرطوم الرسمي، استمرت واشنطن في محاولاتها من خلال طرح مشروع المعونة الاقتصادية والفنية، مدفوعة بإدراكها لأهمية السودان بعد قيام الوحدة المصرية–السورية في مطلع عام 1958م، التي رأت فيها تهديدًا مباشرًا لمصالحها في المنطقة. ([5]) وفي إطار ممارسة الضغط على الحكومة السودانية، امتنعت الولايات المتحدة عن شراء القطن السوداني، كما استخدمت نفوذها لدى بريطانيا لفرض حظر مماثل، مما أدى إلى أزمة اقتصادية خانقة داخل السودان. ([6])
تضمنت بنود مشروع المعونة الأمريكية للسودان التزام الإدارة الأمريكية بتزويد البلاد بخبراء وفنيين للإشراف على تنفيذ المشاريع المتفق عليها في مجالات الطرق والمياه والأبحاث الزراعية، مع منح حكومة السودان حرية قبول هؤلاء الخبراء، على أن يتمتع ثمانية منهم بالحماية الدبلوماسية. كما نص الاتفاق على مساهمة الحكومة السودانية بنسبة من تمويل المشروعات، ومنحها الحق في تعديل الاتفاقية أو إلغائها. وقد جرت مباحثات هذه الاتفاقية في مطلع عام 1957م بناءً على قرار من مجلس الوزراء السوداني. ([7])
وفي ختام زيارته للسودان عام 1957م، عقد نائب الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون مؤتمرًا صحفيًا أشار فيه إلى أن هدف المعونات الاقتصادية الأمريكية يتمثل في مساعدة الدول العربية على تطوير اقتصادها وحماية استقلالها. ([8]) وقد عرضت الولايات المتحدة بالفعل تقديم مساعدات إنمائية قدرها خمسة ملايين دولار، إلى جانب مساعدات تقنية قيمتها 1.5 مليون دولار، وإرسال بعثة فنية لدراسة احتياجات السودان في مجالات الزراعة والمواصلات، واستمرت المشاورات بين السفارة الأمريكية والحكومة السودانية طوال عام 1957م، مما مهد لتقديم مشروع اتفاقية التعاون الاقتصادي في مطلع عام 1958م. ([9])
يتضح من مجمل هذه التطورات أن العلاقات السودانية–الأمريكية في مرحلة ما بعد الاستقلال قد تأسست على أساس مزيج من الاعتراف السياسي والمصلحة الاستراتيجية، حيث سعت واشنطن إلى احتواء النفوذ السوفييتي وتأمين مصالحها في إفريقيا عبر بوابة الخرطوم. في المقابل، وجد السودان نفسه أمام معادلة صعبة بين حماية سيادته الوطنية والاستجابة للضغوط الاقتصادية والسياسية الأمريكية، وهي المعادلة التي شكلت الأساس الذي ستدور حوله لاحقًا جدلية القبول أو الرفض لمشروع المعونة الأمريكية.
الحالة الاقتصادية للسودان قبل المعونة الأمريكية (1956–1958م)
أولاً: الإرث الاقتصادي للاستعمار البريطاني
شكلت الزراعة، وعلى رأسها زراعة القطن، العمود الفقري للاقتصاد السوداني الحديث منذ مطلع القرن العشرين. فقد بدأ مشروع الجزيرة تجريبيًا في عشرينيات القرن الماضي، وبعد تحقيق نتائج مرضية، وسعت الإدارة البريطانية المشروع ليصبح أكبر نظام زراعي مروي في إفريقيا. لم يكن الهدف خدمة التنمية الوطنية بقدر ما كان تلبية احتياجات مصانع الغزل والنسيج البريطانية، إذ اعتُبر السودان امتدادًا طبيعيًا للمنظومة الإنتاجية الإمبراطورية. ([10])
ظل القطن طوال فترة الحكم الثنائي وحتى سنوات ما بعد الاستقلال المحصول النقدي الرئيسي، لما يتمتع به من عائد مرتفع وتكلفة منخفضة، ما دفع بريطانيا إلى إهمال بقية الأقاليم غير المروية، مما أسس لاقتصاد أحادي يعتمد بشكل شبه كامل على تصدير محصول واحد.
ثانيًا: التدهور الاقتصادي بعد الاستقلال
على الرغم من الخطط التنموية المبنية على افتراض استمرار أسعار القطن العالمية مرتفعة، شهدت الأسواق تراجعًا حادًا سريعًا بعد الاستقلال، ما أدى إلى تكدس الإنتاج وتوقف مشاريع التنمية. ([11]) تقلصت الاحتياطات الأجنبية للسودان من 62 مليون جنيه إلى 8 ملايين جنيه خلال عامين فقط، بينما تزايدت التوترات في جنوب السودان، ما أوجد ضغطًا ماليًا وإداريًا على الحكومة.
هذا الواقع دفع الخرطوم إلى البحث عن دعم خارجي عاجل، وجعل المعونة الأمريكية خيارًا ماليًا محتملًا، وليس ترفًا سياديًا، في غياب استراتيجية وطنية متكاملة للتنمية المستدامة.
ثالثًا: الجذور البنيوية للأزمة الاقتصادية
إن الأزمة الاقتصادية لم تكن نتيجة فشل عابر في السياسات المالية، بل انعكاسًا للبنية الاقتصادية الاستعمارية التي ورثها السودان. فقد حُدد النشاط الزراعي مسبقًا لإنتاج محاصيل نقدية لتصديرها إلى الدولة المستعمِرة، مع عائد اقتصادي يعود بالكامل إلى المركز الإمبراطوري. ([12])
تكرر هذا النمط في مناطق أخرى من العالم المستعمَر، مثل أمريكا اللاتينية التي اقتصرت اقتصاداتها على إنتاج محاصيل مثل البن أو الكاكاو لتغذية المصالح الاستعمارية. ([13])
رابعًا: استمرارية البنية الاستعمارية في مرحلة ما بعد الاستقلال
لم يكن من السهل على السودان التحرر من هذا الإرث بعد 1956م. فقد احتل كبار الموظفين الذين تدربوا في ظل الإدارة البريطانية مواقع القيادة، ما أسهم في استمرار تبني النموذج الاقتصادي الاستعماري. علاوة على ذلك، ارتبطت مصالح هؤلاء الموظفين بملاك الأراضي والمستثمرين الزراعيين، ما جعل الحفاظ على النمط الأحادي للزراعة قائمًا رغم فشله في تحقيق التنمية المتوازنة. ([14])
هذا ما يؤكد أن الأزمة الاقتصادية التي واجهها السودان بعد الاستقلال كانت أزمة بنيوية ممتدة، نابعة من تكييف الاقتصاد لخدمة مصالح الاستعمار، واستمرار تبني النخب السياسية والإدارية لنفس النموذج، مما جعل البلاد عرضة لتقلبات الأسواق العالمية ومهد الطريق لقبول المعونة الأمريكية كحل مالي اضطراري.
مواقف الأحزاب السودانية من المعونة الأمريكية وتأثيرها على الحكومة (1956–1958م)
أولاً: حزب الأمة وموقفه من المعونة
يُعدّ حزب الأمة أكثر الأحزاب السودانية حماسًا لقبول المعونة الأمريكية، إذ رأى فيها ضرورة اقتصادية ملحّة لتجاوز الأزمة المالية التي عانى منها السودان عقب ضعف عائدات القطن وتجميد المشاريع التنموية. وقد برّر الحزب موقفه بأن المعونة ذات طابع اقتصادي بحت ولا تمس السيادة الوطنية، وإنما تُعدّ وسيلة لدعم خطط التنمية في البلاد. ([15])
ارتبطت رؤية الحزب كذلك بمصالحه السياسية والاقتصادية، حيث رفض عرضًا سوفييتيًا لشراء القطن السوداني مقابل سلع سوفييتية، في إشارة واضحة إلى ميله نحو المعسكر الغربي. كما كان للحزب نفوذ مباشر على وزارة المالية، وهي الجهة المسؤولة عن إجازة مشروعات المعونة، مما عزز من قدرته على توجيه السياسة الاقتصادية بما يخدم توجهاته. ([16])
وفي سبيل تثبيت موقفه داخل البرلمان، سعى الحزب إلى كسب تأييد النواب الجنوبيين، بغرض ضمان تمرير الاتفاقية وعدم إسقاطها، كما حاول إقناع حزب الأحرار بقبول مشروع المعونة بدعوى تخصيص جزء من المشروعات التنموية لمناطق الجنوب. وقد حظي الحزب كذلك بدعم السيد علي الميرغني، الذي رأى في المعونة فرصة لتقوية موقعه الاقتصادي والسياسي. ([17])
تمسك حزب الأمة بموقفه المؤيد للمعونة باعتبارها المخرج الوحيد من الأزمة الاقتصادية الناتجة عن تدني محصول القطن، والذي انعكس سلبًا على ميزانية الدولة. وقد أوضح وزير المالية حينها أن تنفيذ برنامج الإنشاء والتعمير مستحيل دون الحصول على دعم خارجي. ومع ذلك، لم تُقنع هذه التبريرات المعارضين، إذ رأوا في المعونة تهديدًا لاستقلال السودان، وأصبحت بذلك أحد أبرز أسباب توتر الائتلاف الحاكم بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي، رغم تأكيد نواب الأمة أن الاتفاقية اقتصادية بحتة ولا تمس السيادة الوطنية. ([18])
ومع تصاعد المعارضة داخل البرلمان، واصل حزب الأمة محاولاته لكسب الأصوات الجنوبيـة لتجنب سقوط الاتفاقية، خاصة بعد فشله في إقناع حليفه حزب الشعب الديمقراطي بقبولها. كما اقترح النائب محمد أحمد المحجوب إحالة مسألة الفيدرالية إلى لجنة الدستور للنظر فيها بما يحقق التوازن بين الشمال والجنوب. ([19])
ثانيًا: حزب الشعب الديمقراطي والتحفظ على المعونة
تأخر حزب الشعب الديمقراطي في إعلان موقفه من مشروع المعونة الأمريكية، لكنه تبنى لاحقًا موقفًا متحفظًا يقوم على رفض أي شكل من أشكال المساعدات التي قد تحدّ من السيادة الوطنية. ([20]) وبينما أبدى حزب الأمة انفتاحًا على رؤوس الأموال العربية والقروض الأجنبية المشروطة، التزم حزب الشعب الديمقراطي بمبدأ الاستقلال الاقتصادي، ما أدى إلى تزايد حدة الخلاف داخل الائتلاف الحكومي بين الحزبين. ([21])
وقد أكد قادة الحزب، ومن أبرزهم علي عبد الرحمن، أن أي اتفاقية من هذا النوع ينبغي أن تُناقش قانونيًا داخل البرلمان، معتبرين أن الإشارة إليها في خطاب الحكومة كانت عرضية وغير ملزمة. هذا الموقف المتشدد عكس رغبة الحزب في حماية السيادة الوطنية، وأثر بشكل مباشر على تماسك الحكومة الائتلافية. ([22])
ثالثًا: الحزب الوطني الاتحادي ورفض المعونة
أما الحزب الوطني الاتحادي، فقد اتخذ موقفًا واضحًا برفض المعونة الأمريكية، وعدّها مشروعًا استعماريًا جديدًا يهدف إلى سدّ الفراغ الذي خلّفه تراجع النفوذ البريطاني والفرنسي بعد أزمة قناة السويس عام 1956م. ([23])
صرّح قادة الحزب، وعلى رأسهم رئيس الحزب، بأن برنامجه الانتخابي سيرتكز على رفض المعونة الخارجية والابتعاد عن أي تحالفات عسكرية، باعتبار ذلك من المبادئ الوطنية الثابتة. ([24]) وقد استند الحزب في موقفه إلى قناعته القومية العربية المتأثرة بسياسات جمال عبد الناصر في مصر، مؤكدًا أن قبول المعونة يعني التبعية السياسية والاقتصادية للغرب. كما استغل الحزب الأزمة الاقتصادية لتقوية موقعه في مواجهة خصومه السياسيين. ([25])
رابعًا: الجبهة المعادية للاستعمار
اتخذت الجبهة المعادية للاستعمار موقفًا معارضًا جذريًا منذ اللحظة الأولى، إذ اعتبرت مشروع المعونة امتدادًا للنفوذ الأمريكي ومحاولة لضم السودان إلى المعسكر الرأسمالي الغربي. ([26])
وقد تجسّد الموقف الأيديولوجي للجبهة في رفضها التام لأي ارتباط بالمعسكر الرأسمالي، معتبرة المعونة خطوة في اتجاه عزل السودان عن مصر الناصرية الرافضة للهيمنة الأمريكية. ودعت الجبهة القوى الوطنية إلى حماية استقلال البلاد وإقصاء القيادات التي تدعم الاتفاقية، باعتبار ذلك واجبًا وطنيًا. ([27])
نظّمت الجبهة مظاهرات ضد قيادات حزب الأمة، ووصفت المعونة بأنها وسيلة لترسيخ مصالح الطبقة الحاكمة على حساب الطبقات الكادحة. كما دعت إلى تعديل بنود الاتفاقية قبل عرضها على البرلمان، واعتبرت أن هذه المساعدات لا تخدم سوى كبار الملاك، بينما تهمّش القطاع التقليدي والفقراء. ([28])
مما زاد الضغط السياسي على الحكومة. وأسهم هذا الحراك في دفع حزب الشعب الديمقراطي إلى تعديل موقفه من التحفظ إلى المعارضة العلنية، إذ طالب بإدخال تعديلات جوهرية على بنود الاتفاقية وتأجيل عرضها على البرلمان. ومع ذلك، أبدى حزب الأمة لاحقًا موافقته على بعض هذه التعديلات في محاولة لإنقاذ التحالف الحكومي. ([29])
خامسًا: تأثير مواقف الأحزاب على الحكومة السودانية (1956–1958م)
أدى تباين مواقف الأحزاب السودانية من مشروع المعونة الأمريكية إلى توتر سياسي داخل الحكومة والبرلمان، حيث وجد حزب الأمة نفسه مضطرًا إلى التفاوض داخليًا مع شريكه في الحكم حزب الشعب الديمقراطي، ومع قوى أخرى في البرلمان، لضمان تمرير الاتفاقية. وقد كشفت هذه المواقف الحزبية عن الارتباط العميق بين السياسة والاقتصاد، حيث لم تُبنَ المواقف على الاعتبارات الوطنية وحدها، بل تأثرت كذلك بمصالح الطبقة السياسية وكبار الشخصيات الاقتصادية.([30])
تكشف دراسة هذه المرحلة عن صراع فكري وسياسي بين اتجاهات وطنية متعددة؛ فبينما رأت بعض القوى في المعونة الأمريكية حلاً مالياً عاجلاً للأزمة الاقتصادية، عارضتها أخرى دفاعًا عن السيادة الوطنية، في حين تداخلت الاعتبارات الطبقية والمصلحية في تحديد مواقف الأحزاب. وقد انعكس هذا الانقسام على قدرة الحكومة على إدارة الاتفاقية وتنفيذ مشروعاتها، مما فاقم الأزمة السياسية الداخلية وأدى إلى إضعاف الاستقرار البرلماني. ([31])
في عام 1957م تصاعد الخلاف داخل الحكومة الائتلافية بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي حول برنامج المعونة الأمريكية للسودان، الأمر الذي زاد من هشاشة الحكومة وعزز موقف المعارضة داخل البرلمان الرافضة لقبول المعونة. ونتيجة لذلك، أصدرت الحكومة بيانًا في 13 مارس 1957م أعلنت فيه أن المساعدات الأمريكية ما تزال قيد الدراسة، مؤكدة أن أي إعانة اقتصادية أو فنية لن تُقبل إلا بشروط تصون استقلال السودان. وقد صرّح وزير الخارجية محمد أحمد المحجوب بمعارضته للمعونة، رغم دفاعه عنها لاحقًا في البرلمان. ([32])
شكلت الحكومة لجنة وزارية مشتركة من الحزبين المؤتلفين، اجتمعت بالمندوب الأمريكي جيمس ريتشارد الذي شرح أهداف المشروع، إلا أن وزراء حزب الشعب الديمقراطي رفضوا إجازته. ([33]) تصاعدت بعد ذلك المعارضة داخل حزب الشعب، وطالب عدد من أعضائه بإصدار بيان رسمي يرفض المعونة، مما أثار الحديث عن إمكانية إعادة الائتلاف القديم بين الشعب الديمقراطي والوطني الاتحادي. وردًّا على ذلك، أعلن رئيس الحزب علي عبد الرحمن في تصريح لجريدة الصراحة بتاريخ 23 يوليو 1957م، أن التعاون مع إسماعيل الأزهري غير ممكن، مؤكداً استمرار التحالف مع حزب الأمة رغم التباينات. ([34])
لم يُحسم موضوع المعونة خلال فترة الائتلاف الأول، بل انتقل إلى الحكومة الائتلافية الثانية بعد انتخابات 1958م، حيث ظل مثار جدل بين مكونات الحكم. ففي حكومة مارس – نوفمبر 1958م، ظل حزب الأمة مؤيدًا للمعونة بصورة واضحة، بينما تمسك الحزب الوطني الاتحادي برفضها، في حين ظل موقف حزب الشعب الديمقراطي متذبذبًا بين التحفظ والقبول المشروط. ([35])
استهلت الحكومة الجديدة أعمال البرلمان بطرح اتفاقية المعونة الأمريكية ضمن خطاب الافتتاح في 12 مايو 1958م، مما أتاح للمعارضة فرصة لاستغلالها لتقوية مواقفها ضد الحكومة. وقد أكدت الحكومة أنها لن تقبل أي إعانات مشروطة تمس السيادة، وأن قبولها مبرر اقتصاديًا فقط بسبب تعثر إنتاج القطن، المورد النقدي الرئيس، وعجز الميزانية عن تمويل المشروعات التعميرية. إلا أن المعارضة ألقت باللائمة على سياسات الحكومة في تسويق القطن، وربطت الأزمة بفشل المفاوضات حول مياه النيل. ([36])
وفي 16 أبريل 1958م، اجتمع رئيس الوزراء عبد الله خليل مع رئيس بعثة المعونة الأمريكية، الأمر الذي أثار احتجاجات نواب حزب الشعب الديمقراطي داخل الهيئة البرلمانية، حيث انتقدوا طريقة إجازة المعونة داخل مجلس الوزراء دون الرجوع إلى البرلمان. كما رفضت لجان الحزب بالعاصمة المشروع، ورفعت اعتراضها إلى علي عبد الرحمن، الذي أكد أن دستور الحزب يمنع الدخول في أحلاف، وأن المعونة وردت عرضًا في خطاب الحكومة ويمكن مناقشتها فقط إذا قُدمت في شكل قانون. ([37])
ورغم ذلك، وافق نواب حزب الشعب الديمقراطي على خطاب الحكومة في 14 مايو 1958م، والذي تضمن الإشارة إلى المعونة، مبررين موقفهم بأن رفض الخطاب كان سيؤدي إلى دعم المعارضة من الحزب الوطني الاتحادي الساعي لإسقاط الحكومة. وفي 29 مايو 1958م، اجتمعت الهيئة البرلمانية للحزبين المؤتلفين الأمة والشعب، وأجازت خطاب الميزانية الذي تضمن ضمنًا بند المعونة، إلا أن علي عبد الرحمن شدد على ضرورة أن يكون القرار النهائي بيد البرلمان نفسه. ([38])
وفي 21 يونيو 1958م، ناقش نواب حزب الشعب مشروع قانون اتفاقية المعونة، واقترح الحزب إدخال تعديلات توضيحية في مذكرة تفسيرية تُرفق بالاتفاقية لإزالة الغموض عن بعض المواد، مقابل تأييدها في البرلمان. ([39]) غير أن حزب الأمة رفض تعديل أي بند، ثم اضطر لاحقًا إلى تأجيل عرض الاتفاقية للتصويت المقرر في 25 يونيو، استجابة لمطالب حزب الشعب بمزيد من التشاور.
استمرت المفاوضات بين الحزبين بوساطة السيد علي الميرغني، الذي جمع مقترحات الطرفين، وانتهى الاجتماع بإجازة الاتفاقية كما هي، مع تضمين التعديلات المطلوبة في مراسلات تفسيرية بين الحكومتين السودانية والأمريكية، وصفها محمد أحمد المحجوب بأنها مجرد تفسيرات غير جوهرية. ([40])
لم تكن هذه التفسيرات كافية لإقناع المعارضة بقيادة الحزب الوطني الاتحادي، الذي واصل حملته ضد الاتفاقية داخل البرلمان وخارجه. ومع تفاقم الجدل، بدأ نواب حزب الشعب الديمقراطي وحزب الأحرار في تغيير مواقفهم، فتقلبت الأصوات المؤيدة والمعارضة. ([41])
برز علي عبد الرحمن، وزير التجارة ورئيس حزب الشعب الديمقراطي، كأحد أبرز المعارضين داخل الحكومة، متمسكًا بضرورة تعديل الاتفاقية قبل التوقيع عليها. وعلّقت الصحف السودانية على تصريحاته بوصفها دليلاً على ضعف الانسجام داخل الائتلاف الحاكم. ([42])
وفي 1 يوليو 1958م، اجتمع السيد علي الميرغني بنواب حزب الشعب وأبلغهم باتفاقه مع حزب الأمة على إرسال مقترحات الحزب في بروتوكول ملحق بالاتفاقية كجزء مكمّل لها. وفي اليوم التالي، وافقت الهيئة البرلمانية لحزب الشعب على المعونة بعد تضمين البروتوكول المقترح في مراسلات رسمية بين الحكومتين. ([43])
عُرضت الاتفاقية على البرلمان في 3 يوليو 1958م، وأجازها المجلس في القراءة الثانية بأغلبية (104) صوتًا مقابل (57) وامتناع (8) عن التصويت. وأسقط البرلمان اقتراح المعارضة بتأجيل التصويت بأغلبية (102) مقابل (59) صوتًا. ([44]) ومع ذلك، صوّت عدد من نواب حزب الشعب الديمقراطي مع المعارضة ضد المعونة. ([45])
وفي 7 يوليو 1958م أجيزت المعونة نهائيًا في القراءة الثالثة. غير أن الجدل لم يتوقف، إذ قرر المكتب التنفيذي لحزب الشعب في 5 نوفمبر 1958م المطالبة بحصر المعونة في البنود التي أقرها البرلمان أو إلغائها كليًا، كما رفض السماح بتقديم سلفيات للأفراد والشركات من مؤسسات أمريكية، ورفض التصديق لمصنع النسيج الأمريكي الذي كانت تشرف عليه وزارة التجارة والصناعة برئاسة علي عبد الرحمن. ([46])
لم تُنفّذ الاتفاقية فعليًا بسبب سقوط النظام البرلماني إثر انقلاب 17 نوفمبر 1958م، حيث تولى الحكم العسكري الأول مصادقة الاتفاقيات الموقعة منذ الاستقلال. ([47]) وبذلك انتهت أزمة المعونة الأمريكية قبل أن تُترجم إلى واقع اقتصادي، لكنها كشفت عن عمق الانقسام السياسي بين الأحزاب السودانية، وعن هشاشة التجربة الديمقراطية في مواجهة الضغوط الدولية والاقتصادية.
جدلية المعونة الأمريكية بين القبول والرفض وأثرها على السيادة الاقتصادية والسياسية للسودان (1956–1958م)
أولاً: خلفية الأزمة الاقتصادية ودور المعونة
شهد السودان في أعقاب الاستقلال عام 1956م أزمة اقتصادية حادة تمثلت في انخفاض أسعار القطن، وهو المحصول النقدي الرئيس، وتراجع الاحتياطات الأجنبية بصورة مقلقة، مما اضطر الحكومة السودانية للبحث عن مصادر دعم خارجي عاجلة لتمويل مشروعات التنمية وتغطية عجز الميزانية. في هذا السياق، برزت المعونة الأمريكية كأحد البدائل المتاحة لمعالجة الضائقة المالية، إذ رأت فيها بعض القوى السياسية وسيلة لإنعاش الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المتوازنة. ([48])
تمثلت المعونة الأمريكية في مساعدات مالية وفنية، شملت إرسال خبراء وتقنيين أمريكيين للإشراف على المشروعات المتفق عليها، وتمويل الواردات، إضافة إلى منح وقروض طويلة الأجل لتنفيذ مشروعات اقتصادية في مجالات الزراعة والري والمواصلات. ([49])
ثانياً: نقاط الخلاف حول المعونة
أثارت المعونة الأمريكية منذ طرحها للنقاش العام في عامي 1957–1958م انقسامًا واسعًا بين القوى السياسية السودانية، حيث تباينت المواقف بين القبول والتحفظ والرفض.
فقد رأى حزب الأمة، بزعامة عبد الله خليل، أن المعونة تمثل وسيلة عملية لتجاوز الأزمة المالية ودفع عجلة التنمية، مؤكدًا أنها ذات طابع اقتصادي بحت ولا تمس السيادة الوطنية بأي شكل من الأشكال. ([50])
أما حزب الشعب الديمقراطي، فقد أبدى تحفظًا واضحًا على بعض بنود الاتفاقية، مطالبًا بمراجعتها وضمان عدم احتوائها على شروط سياسية قد تمس استقلال القرار الوطني. ([51])
في المقابل، رفض الحزب الوطني الاتحادي المعونة رفضًا قاطعًا، واعتبرها امتدادًا للنفوذ الأمريكي ومحاولة لإخضاع السودان لمصالح الغرب، متبنيًا في ذلك الموقف القومي العربي الداعي إلى مقاومة التحالفات الغربية. ([52])
أما الجبهة المعادية للاستعمار فقد اعتبرت المعونة أداة لربط السودان بالمحاور العسكرية الغربية، ووسيلة لترسيخ التبعية الطبقية في بنية الاقتصاد الوطني. ([53])
ثالثاً: أثر المعونة على السيادة الاقتصادية
كان لقبول المعونة الأمريكية أثر مباشر على البنية الاقتصادية للسودان، إذ ساهمت في تعزيز التبعية للغرب من خلال توجيه الاستثمارات والمشروعات إلى مناطق محددة ذات طابع تجاري وزراعي يخدم مصالح كبار الملاك، فيما ظلت القطاعات التقليدية والصغيرة مهمشة. ([54])
كما رافق المعونة حضور فني وإداري أمريكي واسع، حيث أُرسل خبراء وفنيون للإشراف على تنفيذ المشروعات، وتم منح ثمانية منهم حصانات دبلوماسية بموجب الاتفاقية، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مدى احترام واشنطن لسيادة السودان في إدارة موارده. ([55])
وبذلك أصبحت السياسات الاقتصادية السودانية خلال تلك الفترة خاضعة لضغوط دولية غير مباشرة، سواء من خلال المساعدات المشروطة أو النفوذ السياسي الكامن وراءها.
رابعاً: أثر المعونة على السيادة السياسية
كشفت جدلية المعونة عن هشاشة السيادة السياسية للسودان في سنواته الأولى بعد الاستقلال، إذ واجهت الحكومة ضغوطًا أمريكية لإبرام الاتفاقية مقابل وعود بمساعدات عاجلة، في حين كانت تواجه مقاومة داخلية من المعارضة التي رأت في تلك الخطوة مساسًا بمبدأ الاستقلال الوطني.
وقد تداخلت مواقف الأحزاب مع الاعتبارات الإقليمية، خاصة الموقف من مصر والوحدة المصرية–السورية، مما جعل السودان ساحة لتقاطع نفوذ القوى الكبرى في المنطقة. كما أدى الجدل حول المعونة إلى تفجير صراعات حادة داخل البرلمان، حيث أصبحت مناقشتها معيارًا لقوة الأحزاب وموقعها في تشكيل الحكومات المستقبلية. ([56])
خامساً: توازنات القوى السياسية والاقتصادية
شكلت المعونة الأمريكية اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحكومة السودانية على إدارة التوازن بين متطلبات الاقتصاد وضغوط السياسة. فقد كشفت الأزمة عن تداخل المصالح الحزبية مع المصالح الاقتصادية للنخبة الحاكمة، حيث ارتبطت مواقف بعض الأحزاب بمصالح كبار الملاك والتجار الذين رأوا في المعونة فرصة لتوسيع مشاريعهم عبر التمويل الخارجي.
كما أظهرت النقاشات البرلمانية أن السودان كان يفتقر إلى رؤية اقتصادية وطنية مستقلة، وظل يعتمد على الحلول المؤقتة التي تفرضها الظروف المالية والسياسية، دون تأسيس سياسة تنموية تحافظ على استقلال القرار الاقتصادي. ([57])
إن جدلية المعونة الأمريكية بين القبول والرفض لم تكن مجرد مسألة مالية أو تنموية، بل شكلت نقطة تحول في تاريخ السودان السياسي والاقتصادي، إذ كشفت عن عمق التحديات التي واجهت الدولة الفتية في تحقيق استقلالها الفعلي.
لقد أظهرت المواقف المتباينة للأحزاب أن السودان كان يحاول الموازنة بين الحاجة الملحة للمعونة الخارجية والحفاظ على استقلاله السياسي والاقتصادي، في وقت كانت فيه القوى الكبرى تسعى إلى بسط نفوذها في إفريقيا خلال حقبة الحرب الباردة.
وبذلك يمكن القول إن قضية المعونة الأمريكية مثّلت اختبارًا مبكرًا لقدرة السودان على مقاومة التبعية وصون سيادته في عالم يتقاطع فيه الاقتصاد والسياسة على نحو وثيق.
الخاتمة
يتضح من مجمل التحليل أن جدلية المعونة الأمريكية لم تكن مجرد خلاف اقتصادي حول التمويل، بل كانت مواجهة رمزية بين مفهومين للسيادة: سيادة تُفهم بوصفها استقلال القرار السياسي مهما كانت التكلفة، وسيادة تُترجم عمليًا بقدرة الدولة على تأمين مواردها وتلبية احتياجاتها. فقد كشفت المداولات البرلمانية والانقسامات الحزبية عن هشاشة التجربة الديمقراطية السودانية المبكرة أمام ضغوط الخارج وانقسام الداخل، كما عرّت الإرث الاستعماري الذي كبّل الاقتصاد الوطني وجعله تابعًا للأسواق العالمية.
لم تُنفذ الاتفاقية فعليًا إلا بعد سقوط النظام البرلماني في نوفمبر 1958م، إلا أن أثرها الفكري والسياسي ظل حاضرًا بوصفه تعبيرًا عن مأزق التوازن بين التنمية والسيادة، بين الطموح الوطني والواقع الدولي. ومن ثم، فإن دراسة تلك المرحلة لا تُقرأ في سياقها التاريخي فحسب، بل تتيح أيضًا فهماً أعمق لجذور التبعية الاقتصادية والسياسية التي ظلت ترافق الدولة السودانية حتى العقود اللاحقة.
وقد خرجت الدراسة بعدد من النتائج:
أولاً: كشفت المعونة الأمريكية عن تباين الرؤى الحزبية حول مفهوم السيادة والاستقلال الاقتصادي في السودان.
ثانياً: مثّل مشروع المعونة إحدى أدوات النفوذ الأمريكي في سياق الحرب الباردة، واستُخدم لتطويق النفوذ المصري والسوفييتي في المنطقة.
ثالثاً: أبرزت المناقشات البرلمانية ضعف التنسيق بين الحكومة والبرلمان وتشتت القرار السياسي في الدولة الوليدة.
رابعاً: أسهمت الخلافات حول المعونة في تعميق الانقسام الحزبي الذي مهّد لانهيار النظام الديمقراطي الأول عام 1958م.
خامساً: تُظهر التجربة أن إشكالية التبعية الاقتصادية والسياسية ما زالت تمتد كإرث تاريخي في بنية الدولة السودانية الحديثة.
المصادر والمراجع
أولاً: الوثائق
- البرلمان السوداني، الجلسة رقم 30، 3 يوليو 1958م.
- البرلمان السوداني، ملخص المداولات الأسبوعي لمجلس النواب، 3 يوليو 1958م.
- البرلمان، الجلسة رقم 7، 21 مايو 1958م، خطاب مبارك زروق
- البرلمان، ملخص مداولات النواب، جلسة 27، 20 يونيو 1958م.
- متنوعات 1/100/1552، بيان من الجبهة المعادية للاستعمار، دار الوثائق القومية، الخرطوم.
- مداولات مجلس الشيوخ، جلسة 2، 12 مايو 1958م.
ثانياً: الكتب باللغة العربية والمعربة
- تيم نبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان منذ الاستقلال وحتى الانتفاضة، ترجمة الفاتح التجاني ومحمد علي جادين، ط2، الخرطوم: دار المصورات، 2019.
- روبرت أو. كولينز، تاريخ السودان الحديث، ترجمة مصطفى مجدي الجمال، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2015.
- محمد عادل زكي، الاقتصاد السياسي للتخلف مع إشارة خاصة إلى السودان وفنزويلا، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012م.
ثالثاً: الرسائل الجامعية
- أيمن كمال أمين السيد، الحكومة العسكرية الأولى في السودان 1958-1964م، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة النيلين، 2000م.
- شيرين إبراهيم النور صديق، تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952-1958م، ماجستير غير منشورة، جامعة الخرطوم، 2010م.
- كمال الدين أحمد يوسف، دراسة تاريخية لحزب الشعب الديمقراطي 1956-1967م، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الخرطوم، 2009م.
رابعاً: الدوريات
- أحمد سليمان أبكر، العلاقات السودانية – الامريكية: التقارب والتباعد 1956-2022م، المستقبل العربي، مج 46، ع 536، (2023م).
- حمادة وهبة مسعد غنا، موقف الجمهورية العربية المتحدة من المعونة الأمريكية للسودان 1958م، مجلة كلية الآداب، ع 31، ج2(2013).
- هيثم عبد الرحمن علي، السياسة الأمريكية تجاه السودان (1950–2010م)، التقرير، مركز العلاقات الدولية، الخرطوم، العدد 4، أغسطس 2014م.
خامساً: الصحف
- الأيام
- التلغراف
- الرأي العام
- السودان الجديد
- الصراحة.
- صوت السودان
سادساً: المواقع الإلكترونية
- عبد الباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، “انتخابات 1958: كيف ألبسوا الاستبداد رداء الديمقراطية”، حوارات جيل الثورة، 4 مارس 2024.
Margins:
-
() هيثم عبد الرحمن علي، السياسة الأمريكية تجاه السودان (1950–2010م)، التقرير، مركز العلاقات الدولية، الخرطوم، العدد 4، أغسطس 2014م، ص7 ↑
-
() حمادة وهبة مسعد غنا، موقف الجمهورية العربية المتحدة من المعونة الأمريكية للسودان 1958م، مجلة كلية الآداب، ع 31، ج2، (2013)، ص507 ↑
-
() نفس المرجع، ص507–508 ↑
-
() غنا، موقف الجمهورية العربية المتحدة من المعونة الأمريكية للسودان 1958م، ص508 ↑
-
() نفس المرجع، ص509–510 ↑
-
() أيمن كمال أمين السيد، الحكومة العسكرية الأولى في السودان 1958-1964م، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة النيلين، 2000م، ص11. ↑
-
() كمال الدين أحمد يوسف، دراسة تاريخية لحزب الشعب الديمقراطي 1956-1967م، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الخرطوم، 2009م، ص74–75 ↑
-
(()) السيد، الحكومة العسكرية الأولى في السودان 1958-1964م ص10 ↑
-
() غنا، موقف الجمهورية العربية المتحدة من المعونة الأمريكية للسودان 1958م، ص509–510 ↑
-
() تيم نبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان منذ الاستقلال وحتى الانتفاضة، ترجمة الفاتح التجاني ومحمد علي جادين، ط2، الخرطوم: دار المصورات، 2019، ص24-25. ↑
-
() روبرت أو. كولينز، تاريخ السودان الحديث، ترجمة مصطفى مجدي الجمال، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2015، ص 89. ↑
-
() عبد الباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، “انتخابات 1958: كيف ألبسوا الاستبداد رداء الديمقراطية”، حوارات جيل الثورة، 4 مارس 2024. ↑
-
() محمد عادل زكي، الاقتصاد السياسي للتخلف مع إشارة خاصة إلى السودان وفنزويلا، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012م، ص 13. ↑
-
() نبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان منذ الاستقلال وحتى الانتفاضة، ص 195. ↑
-
() الرأي العام، 20 يونيو 1957م ↑
-
() شيرين إبراهيم النور صديق، تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952-1958م، ماجستير غير منشورة ، جامعة الخرطوم، 2010م ، ص122 ↑
-
() يوسف، دراسة تاريخية لحزب الشعب الديمقراطي، ص72–73 ↑
-
() البرلمان، ملخص مداولات النواب، جلسة 27، 20 يونيو 1958م، ص945–960 ↑
-
() التلغراف، 19 يونيو 1958م. ↑
-
() الرأي العام، 20 يونيو 1957م. ↑
-
() نفس المصدر. ↑
-
() صديق، تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952-1958م، ص119 ↑
-
() الرأي العام، 20 يونيو 1957م ↑
-
() الرأي العام، 20 يونيو 1957م ↑
-
() صديق، تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952-1958م، ص121 ↑
-
() متنوعات 1/100/1552، بيان من الجبهة المعادية للاستعمار، دار الوثائق القومية، الخرطوم ↑
-
() نفس المصدر. ↑
-
() صديق، تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952-1958م، ص121 ↑
-
() التلغراف والأيام، 10 يونيو 1958م ↑
-
() الرأي العام، 20 يونيو 1957م ↑
-
() صديق، تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952-1958م، ص110 ↑
-
() الرأي العام، 16 و20 أبريل 1957م ↑
-
() السيد، الحكومة العسكرية الأولى في السودان 1958–1964م، ص9–15 ↑
-
() الصراحة، 23 يوليو 1957م ↑
-
() صديق، تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952-1958م، ص119 ↑
-
() البرلمان السوداني، الجلسة رقم 30، 3 يوليو 1958م، ص1061–1088 ↑
-
() صديق، تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952-1958م، ص119؛ يوسف، دراسة تاريخية لحزب الشعب الديمقراطي، ص72–73. ↑
-
() يوسف، دراسة تاريخية لحزب الشعب الديمقراطي، ص73 ↑
-
() الأيام، 20 يونيو 1958م ↑
-
() يوسف، دراسة تاريخية لحزب الشعب الديمقراطي، ص74 ↑
-
() البرلمان، الجلسة رقم 7، 21 مايو 1958م، ص150–162، خطاب مبارك زروق ↑
-
() السودان الجديد، 25 مايو 1958م؛ مداولات مجلس الشيوخ، جلسة 2، 12 مايو 1958م، ص10–19. ↑
-
() السودان الجديد، 3 يوليو 1958م. ↑
-
() البرلمان السوداني، ملخص المداولات الأسبوعي لمجلس النواب، 3 يوليو 1958م، ص1062–1068 ↑
-
() صوت السودان، 4 يوليو 1958م ↑
-
() الأيام، 6 نوفمبر 1958م ↑
-
() صديق، تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952-1958م،ص123 ↑
-
() كولينز، تاريخ السودان الحديث، ، ص89 ↑
-
() السيد، الحكومة العسكرية الأولى في السودان، ص13 ↑
-
() الرأي العام، 20 يونيو 1957م ↑
-
() صديق، تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952-1958م، ص119 ↑
-
() الرأي العام، 20 يونيو 1957م ↑
-
() متنوعات 1/100/ 1552، بيان من الجبهة المعادية للاستعمار، ↑
-
() صديق، تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952-1958م، ص121 ↑
-
() السيد، الحكومة العسكرية الأولى في السودان، ص9 ↑
-
() أحمد سليمان أبكر، العلاقات السودانية – الامريكية: التقارب والتباعد 1956-2022م، المستقبل العربي، مج 46، ع 536، (2023م)، ص117. ↑
-
() تيم نبلوك صراع السلطة والثروة في السودان منذ الاستقلال وحتى الانتفاضة، ص 201؛ الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، “انتخابات 1958. ↑