الكفاءة والعائد الاجتماعي على الاستثمار في المنظمات التطوعية: نموذج شامل لقياس وتحليل الأثر الاجتماعي والاقتصادي
Efficiency and Social Return on Investment in Voluntary Organizations: A Comprehensive Model for Measuring and Analyzing Social and Economic Impact
د. صالح موسى أبكر مطر1
1 أستاذ الاقتصاد المساعد، كلية الاقتصاد والدراسات التجارية، جامعة كردفان، السودان
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj611/3
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/611/3
المجلد (6) العدد (11). الصفحات: 33 - 59
تاريخ الاستقبال: 2025-10-07 | تاريخ القبول: 2025-10-15 | تاريخ النشر: 2025-11-01
المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى تطوير نموذج شامل لقياس الكفاءة والعائد الاجتماعي على الاستثمار (SROI) في المنظمات التطوعية، مع التركيز على تطوير منهجيات متقدمة لتقييم القيمة الاجتماعية والاقتصادية التي تخلقها هذه المنظمات. تستند الدراسة إلى منهجية مختلطة تجمع بين التحليل الكمي والنوعي، حيث تم تحليل بيانات 234 منظمة تطوعية في 48 دولة، مع تطبيق منهجية SROI المطورة على 45 منظمة كدراسات حالة تفصيلية. تكشف النتائج أن متوسط العائد الاجتماعي على الاستثمار للمنظمات التطوعية يبلغ 4.7:1، مما يعني أن كل دولار مستثمر يولد قيمة اجتماعية واقتصادية تقدر بـ 4.7 دولار. كما تظهر الدراسة أن 89% من المنظمات تحقق عوائد إيجابية، مع تباين كبير حسب نوع النشاط والسياق الجغرافي والثقافي. تطور الدراسة إطاراً نظرياً جديداً يجمع بين النظريات الاقتصادية التقليدية ونظريات القيمة الاجتماعية، مع تقديم أدوات عملية لقياس الأثر متعدد الأبعاد للمنظمات التطوعية. يساعد هذا النموذج في تحسين اتخاذ القرارات الاستثمارية، وتطوير استراتيجيات أكثر فعالية، وتعزيز الشفافية والمساءلة في القطاع التطوعي. للنتائج آثار مهمة على تطوير السياسات العامة وتحسين آليات التمويل والدعم للمنظمات التطوعية، خاصة في سياق التحديات العالمية المعاصرة مثل التغير المناخي، وعدم المساواة الاجتماعية، والتحول الرقمي.
الكلمات المفتاحية: العائد الاجتماعي على الاستثمار، SROI، المنظمات التطوعية، القيمة الاجتماعية، قياس الأثر، الكفاءة الاجتماعية، التقييم الاقتصادي، المساءلة الاجتماعية، التنمية المستدامة، الابتكار الاجتماعي.
Abstract: This study aims to develop a comprehensive model for measuring efficiency and Social Return on Investment (SROI) in voluntary organizations, focusing on developing advanced methodologies for evaluating the social and economic value created by these organizations. The study is based on a mixed methodology that combines quantitative and qualitative analysis, analyzing data from 234 voluntary organizations in 48 countries, with the application of the developed SROI methodology to 45 organizations as detailed case studies. The results reveal that the average social return on investment for voluntary organizations is 4.7:1, meaning that every dollar invested generates social and economic value estimated at $4.7. The study also shows that 89% of organizations achieve positive returns, with significant variation according to the type of activity and geographical and cultural context. The study develops a new theoretical framework that combines traditional economic theories and social value theories, while providing practical tools for measuring the multi-dimensional impact of voluntary organizations. This model helps improve investment decision-making, develop more effective strategies, and enhance transparency and accountability in the voluntary sector. The results have important implications for developing public policies and improving financing and support mechanisms for voluntary organizations, especially in the context of contemporary global challenges such as climate change, social inequality, and digital transformation.
Keywords: Social Return on Investment, SROI, Voluntary Organizations, Social Value, Impact Measurement, Social Efficiency, Economic Evaluation, Social Accountability, Sustainable Development, Social Innovation.
- المقدمة
- السياق العام وأهمية العائد الاجتماعي
تواجه المنظمات التطوعية في عصر متزايد من المطالب بالشفافية والمساءلة تحديات معقدة في إثبات قيمتها وأثرها الاجتماعي والاقتصادي. هذا التحدي أصبح أكثر إلحاحاً مع تنامي الدور الحيوي للقطاع التطوعي عالمياً، حيث تشير التقديرات إلى أن هذا القطاع يساهم بحوالي 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ويوظف أكثر من 200 مليون شخص بدوام كامل مكافئ¹. رغم الحجم الكبير لهذا القطاع والأثر الواضح لمساهماته، فإن قياس وتقييم العائد الحقيقي لهذه الاستثمارات الاجتماعية يعد تحدياً معقداً يتطلب تطوير منهجيات وأدوات قياس متطورة ومناسبة².
إن الحاجة لقياس العائد الاجتماعي على الاستثمار (SROI) في المنظمات التطوعية تنبع من عدة اعتبارات مهمة. أولاً، يحتاج الممولون والمانحون إلى أدلة واضحة ومدروسة حول العائد الفعلي لاستثماراتهم لاتخاذ قرارات تمويل مستنيرة³. في ظل تزايد المنافسة على الموارد المحدودة، أصبح من الضروري للمنظمات التطوعية أن تثبت قدرتها على تحقيق أثر اجتماعي ملموس ومستدام. هذا الأمر لا يقتصر على المانحين الأفراد فحسب، بل يشمل أيضاً المؤسسات المانحة الكبيرة والحكومات التي تخصص مليارات الدولارات سنوياً لدعم القطاع التطوعي⁴.
ثانياً، تحتاج المنظمات نفسها لفهم أفضل لأثرها لتطوير استراتيجيات أكثر فعالية وتحسين أدائها⁵. في عالم يتسارع فيه التغيير وتتعقد فيه التحديات الاجتماعية، لا يكفي أن تعتمد المنظمات التطوعية على النوايا الحسنة والجهود المخلصة فقط. بل تحتاج إلى أدوات دقيقة لقياس أثرها وتحديد مجالات التحسين والتطوير. هذا الفهم العميق للأثر يمكن المنظمات من تحسين تصميم برامجها، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وتطوير نماذج تدخل أكثر فعالية⁶.
ثالثاً، يحتاج صناع السياسة إلى معلومات دقيقة حول قيمة القطاع التطوعي لتطوير سياسات داعمة ومناسبة⁷. في العديد من البلدان، يلعب القطاع التطوعي دوراً مكملاً مهماً للخدمات الحكومية، خاصة في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية. فهم العائد الاجتماعي لهذا القطاع يساعد الحكومات في اتخاذ قرارات مستنيرة حول مستوى الدعم المطلوب، وأنواع الحوافز التي يجب تقديمها، والمجالات التي يجب التركيز عليها في الشراكة بين القطاعين العام والتطوعي⁸.
رابعاً، يحتاج المجتمع ككل لفهم العائد الحقيقي لاستثماراته الاجتماعية المدعومة من خلال الضرائب والتبرعات⁹. في عصر تزايد الوعي الاجتماعي والمطالبة بالشفافية، أصبح المواطنون والمتبرعون أكثر اهتماماً بمعرفة كيفية استخدام أموالهم وما هو الأثر الفعلي المحقق. هذا الطلب على الشفافية والمساءلة يدفع المنظمات التطوعية إلى تطوير أنظمة قياس وتقييم أكثر دقة وشمولية¹⁰.
-
- التطور التاريخي لمفهوم العائد الاجتماعي
يمكن تتبع جذور مفهوم العائد الاجتماعي على الاستثمار إلى أوائل القرن العشرين، عندما بدأ الاقتصاديون في التفكير في طرق لقياس القيمة الاجتماعية للأنشطة الاقتصادية¹¹. في تلك الفترة، كانت النظريات الاقتصادية التقليدية تركز بشكل أساسي على المقاييس المالية والكمية، مع إهمال نسبي للقيم الاجتماعية والبيئية. ومع ذلك، بدأ بعض المفكرين في إدراك أن هناك جوانب مهمة من القيمة لا يمكن قياسها بالمقاييس المالية التقليدية¹².
في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، ساهمت أعمال اقتصاديين مثل Simon Kuznets في تطوير مفاهيم جديدة لقياس الرفاه الاجتماعي والاقتصادي¹³. رغم أن Kuznets ركز بشكل أساسي على تطوير مقاييس الناتج القومي، إلا أنه أدرك القيود المرتبطة بالاعتماد على المقاييس الاقتصادية فقط وأكد على أهمية تطوير مؤشرات أخرى للرفاه الاجتماعي¹⁴.
التطوير الفعلي لمنهجية SROI كما نعرفها اليوم بدأ في الثمانينيات من القرن الماضي، عندما طورت مؤسسة Roberts Enterprise Development Fund في الولايات المتحدة أول نموذج منهجي لقياس العائد الاجتماعي¹⁵. هذا النموذج كان مدفوعاً بالحاجة لإثبات فعالية برامج التدريب المهني والتشغيل للفئات المحرومة. المؤسسة أدركت أن المقاييس التقليدية للنجاح، مثل عدد الأشخاص المدربين أو المشغلين، لا تعكس القيمة الحقيقية المحققة للمجتمع¹⁶.
في التسعينيات، شهد المفهوم تطوراً كبيراً مع عمل Jed Emerson وزملائه، الذين طوروا إطاراً أكثر تفصيلاً لقياس القيمة المختلطة (Blended Value) التي تجمع بين العوائد المالية والاجتماعية والبيئية¹⁷. هذا التطوير كان مدفوعاً بالحاجة المتزايدة لإثبات فعالية البرامج الاجتماعية في ظل تزايد المطالب بالمساءلة والشفافية من قبل الممولين والحكومات. Emerson وفريقه أدركوا أن هناك حاجة لنهج أكثر شمولية يأخذ في الاعتبار جميع أشكال القيمة المحققة، وليس فقط القيمة المالية¹⁸.
في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، شهد مجال SROI نمواً سريعاً مع تطوير عدة منهجيات ونماذج مختلفة. من أبرز هذه التطورات كان عمل New Economics Foundation في المملكة المتحدة، التي طورت دليلاً شاملاً لتطبيق SROI يتضمن ستة مبادئ أساسية: إشراك أصحاب المصلحة، فهم التغيير، تقييم الأمور المهمة، تضمين ما هو مادي فقط، عدم المبالغة في التقدير، والشفافية¹⁹.
هذه المبادئ الستة أصبحت الأساس لمعظم تطبيقات SROI حول العالم. المبدأ الأول، إشراك أصحاب المصلحة، يؤكد على أهمية إشراك جميع الأطراف المتأثرة بالبرنامج أو المشروع في عملية التقييم. هذا يضمن أن التقييم يعكس وجهات نظر متنوعة ويأخذ في الاعتبار جميع أشكال القيمة المحققة²⁰. المبدأ الثاني، فهم التغيير، يركز على أهمية فهم كيفية حدوث التغيير وما هي العوامل التي تساهم في تحقيق النتائج المرغوبة²¹.
-
- التحديات المعاصرة في قياس الأثر الاجتماعي
في السنوات الأخيرة، واجه مجال قياس الأثر الاجتماعي عدة تحديات جديدة نتيجة للتطورات التكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية. أحد أهم هذه التحديات هو التعقيد المتزايد للمشاكل الاجتماعية والبيئية التي تواجهها المنظمات التطوعية²². في عالم متصل ومترابط، أصبحت المشاكل أكثر تعقيداً وتداخلاً، مما يجعل من الصعب تحديد الأسباب والنتائج بوضوح. على سبيل المثال، مشكلة الفقر لا تعود مرتبطة فقط بنقص الدخل، بل تتداخل مع قضايا التعليم والصحة والبيئة والتكنولوجيا²³.
التحدي الثاني هو تزايد التوقعات من المنظمات التطوعية لتحقيق أثر قابل للقياس والإثبات²⁴. هذا التوقع المتزايد يأتي من عدة مصادر: الممولون الذين يريدون ضمانات أكبر حول عائد استثماراتهم، والحكومات التي تواجه ضغوطاً لتبرير الإنفاق العام، والمجتمع الذي أصبح أكثر وعياً ومطالبة بالشفافية. هذا الضغط المتزايد يدفع المنظمات التطوعية إلى تخصيص موارد أكبر لأنشطة القياس والتقييم، مما قد يؤثر على الموارد المتاحة للأنشطة الأساسية²⁵.
التحدي الثالث هو التطور السريع في التكنولوجيا وتأثيره على طبيعة العمل التطوعي²⁶. التكنولوجيا الرقمية فتحت فرصاً جديدة للمنظمات التطوعية لتوسيع نطاق تأثيرها وتحسين كفاءتها، لكنها في نفس الوقت خلقت تحديات جديدة في قياس الأثر. على سبيل المثال، كيف يمكن قياس أثر حملة توعية رقمية أو برنامج تعليمي عبر الإنترنت؟ هذه الأنشطة الجديدة تتطلب تطوير مؤشرات ومقاييس جديدة قد لا تكون متاحة في المنهجيات التقليدية²⁷.
التحدي الرابع هو تزايد التركيز على الاستدامة والأثر طويل المدى²⁸. في الماضي، كان التركيز غالباً على النتائج قصيرة المدى والمخرجات المباشرة. لكن مع تزايد الوعي بأهمية الاستدامة، أصبح هناك طلب متزايد لقياس الأثر طويل المدى والتأكد من استدامة التغييرات المحققة. هذا يتطلب تطوير منهجيات جديدة للمتابعة طويلة المدى وقياس الأثر المستدام²⁹.
-
- أهمية الدراسة والمساهمة العلمية
تكمن أهمية هذه الدراسة في محاولتها سد الفجوة البحثية الموجودة في مجال قياس الأثر الاجتماعي للمنظمات التطوعية من خلال عدة جوانب مهمة. أولاً، تقدم الدراسة نهجاً شاملاً ومتكاملاً لقياس العائد الاجتماعي يتجاوز المنهجيات الجزئية المتاحة حالياً³⁰. معظم الدراسات السابقة ركزت على جوانب محددة من قياس الأثر أو على قطاعات معينة، بينما تسعى هذه الدراسة إلى تطوير نموذج شامل يمكن تطبيقه عبر مختلف أنواع المنظمات التطوعية والسياقات الثقافية والجغرافية³¹.
ثانياً، تساهم الدراسة في تطوير الأدبيات النظرية في مجال الاقتصاد الاجتماعي من خلال دمج النظريات الاقتصادية التقليدية مع نظريات القيمة الاجتماعية الحديثة³². هذا الدمج يوفر إطاراً نظرياً أكثر ثراءً وشمولية لفهم كيفية خلق القيمة في القطاع التطوعي وكيفية قياسها وتقييمها. الدراسة تبني على أعمال رواد في هذا المجال مثل Putnam في رأس المال الاجتماعي، وSen في نهج القدرات، وStiglitz في اقتصاد المعلومات³³.
ثالثاً، تقدم الدراسة أدلة تجريبية واسعة النطاق حول مستوى العائد الاجتماعي للمنظمات التطوعية، مما يساهم في إثراء قاعدة المعرفة المتاحة³⁴. من خلال تحليل بيانات من 234 منظمة في 48 دولة، تقدم الدراسة صورة شاملة عن أداء القطاع التطوعي عالمياً. هذه البيانات الواسعة تتيح إجراء مقارنات معنوية بين المناطق والقطاعات والأنواع المختلفة من المنظمات³⁵.
رابعاً، تطور الدراسة أدوات عملية يمكن للمنظمات التطوعية استخدامها لقياس وتحسين أدائها³⁶. هذه الأدوات مصممة لتكون عملية وقابلة للتطبيق في سياقات مختلفة، مع مراعاة القيود المالية والتقنية التي تواجهها العديد من المنظمات التطوعية. الهدف هو جعل قياس الأثر الاجتماعي أكثر سهولة ومنهجية للممارسين في الميدان³⁷.
-
- هداف الدراسة وأسئلة البحث
تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق عدة أهداف رئيسية مترابطة ومتكاملة. الهدف الأول هو تطوير إطار نظري شامل لفهم وقياس العائد الاجتماعي على الاستثمار في المنظمات التطوعية³⁸. هذا الإطار يجمع بين النظريات الاقتصادية التقليدية ونظريات القيمة الاجتماعية الحديثة، ويأخذ في الاعتبار التعقيدات والخصائص الفريدة للقطاع التطوعي. الإطار النظري يهدف إلى توفير أساس قوي لفهم كيفية خلق القيمة في المنظمات التطوعية وكيفية قياسها وتقييمها بطريقة منهجية ودقيقة³⁹.
الهدف الثاني هو تطوير منهجية عملية ومتقدمة لقياس SROI تأخذ في الاعتبار التعقيدات والتحديات الخاصة بالقطاع التطوعي⁴⁰. هذه المنهجية تهدف إلى تجاوز القيود الموجودة في المنهجيات الحالية، مثل صعوبة قياس النتائج غير الملموسة، ومشاكل العزو السببي، وتحديات التقييم النقدي للقيم الاجتماعية. المنهجية المطورة تسعى إلى أن تكون دقيقة وموثوقة من ناحية، وعملية وقابلة للتطبيق من ناحية أخرى⁴¹.
الهدف الثالث هو تطبيق هذه المنهجية على عينة واسعة ومتنوعة من المنظمات التطوعية لاختبار فعاليتها وموثوقيتها⁴². من خلال التطبيق على 234 منظمة في 48 دولة، تسعى الدراسة إلى اختبار المنهجية في سياقات متنوعة والتأكد من قابليتها للتطبيق عبر مختلف الثقافات والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية. هذا التطبيق الواسع يتيح أيضاً جمع بيانات شاملة حول أداء القطاع التطوعي عالمياً⁴³.
الهدف الرابع هو تحليل العوامل التي تؤثر على مستوى العائد الاجتماعي وتحديد أفضل الممارسات التي تؤدي إلى تحقيق عوائد أعلى⁴⁴. من خلال التحليل الإحصائي المتقدم، تسعى الدراسة إلى تحديد العوامل الرئيسية التي تميز المنظمات عالية الأداء عن غيرها. هذا التحليل يهدف إلى توفير رؤى قيمة للممارسين حول كيفية تحسين أداء منظماتهم وزيادة أثرها الاجتماعي⁴⁵.
الهدف الخامس هو تقديم توصيات عملية لتحسين كفاءة وفعالية المنظمات التطوعية في تحقيق أهدافها الاجتماعية⁴⁶. هذه التوصيات تستند إلى النتائج التجريبية للدراسة وتهدف إلى أن تكون عملية وقابلة للتطبيق. التوصيات تستهدف مختلف أصحاب المصلحة، بما في ذلك المنظمات التطوعية نفسها، والممولين والمانحين، وصناع السياسة⁴⁷.
بناءً على هذه الأهداف، تسعى الدراسة إلى الإجابة على عدة أسئلة بحثية رئيسية. السؤال الأول هو: ما هو مستوى العائد الاجتماعي على الاستثمار في المنظمات التطوعية، وكيف يختلف هذا المستوى بين المجالات والمناطق المختلفة؟⁴⁸ السؤال الثاني هو: ما هي العوامل الرئيسية التي تؤثر على مستوى العائد الاجتماعي في المنظمات التطوعية؟⁴⁹ السؤال الثالث هو: كيف يمكن تطوير منهجية شاملة ودقيقة لقياس العائد الاجتماعي تتناسب مع خصائص القطاع التطوعي؟⁵⁰ السؤال الرابع هو: ما هي أفضل الممارسات التي تؤدي إلى تحقيق عوائد اجتماعية عالية في المنظمات التطوعية؟⁵¹
- مراجعة الأدبيات
- الأسس النظرية لقياس العائد الاجتماعي
تستند منهجيات قياس العائد الاجتماعي على الاستثمار إلى مجموعة متنوعة من النظريات الاقتصادية والاجتماعية التي تطورت عبر عقود من البحث الأكاديمي والممارسة العملية. النظرية الأساسية الأولى هي نظرية رأس المال الاجتماعي، التي طورها علماء اجتماع مثل James Coleman وRobert Putnam⁵². هذه النظرية تؤكد على أن الشبكات الاجتماعية والثقة المتبادلة والمعايير الاجتماعية تشكل شكلاً من أشكال رأس المال يمكن أن يولد عوائد اقتصادية واجتماعية ملموسة⁵³.
في سياق المنظمات التطوعية، تلعب نظرية رأس المال الاجتماعي دوراً مهماً في فهم كيفية خلق القيمة. المنظمات التطوعية غالباً ما تعمل على بناء وتقوية الشبكات الاجتماعية، وتعزيز الثقة بين أفراد المجتمع، وتطوير المعايير الاجتماعية الإيجابية⁵⁴. هذه الأنشطة، رغم أنها قد تبدو غير ملموسة، تولد قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية يمكن قياسها وتقييمها. على سبيل المثال، برنامج تدريبي مجتمعي لا يقتصر أثره على المهارات المكتسبة فحسب، بل يشمل أيضاً بناء شبكات اجتماعية جديدة وتعزيز الثقة المتبادلة بين المشاركين⁵⁵.
النظرية الثانية المهمة هي نظرية القدرات (Capabilities Approach) التي طورها Amartya Sen وMartha Nussbaum⁵⁶. هذه النظرية تركز على قدرة الأفراد على تحقيق أنواع مختلفة من الوظائف (functionings) التي يقدرونها، مثل الصحة الجيدة، والتعليم، والمشاركة السياسية، والعلاقات الاجتماعية⁵⁷. في سياق المنظمات التطوعية، تساعد نظرية القدرات في فهم كيف تساهم هذه المنظمات في توسيع خيارات الأفراد وتعزيز قدراتهم على عيش حياة يقدرونها⁵⁸.
تطبيق نظرية القدرات في قياس العائد الاجتماعي يتطلب التركيز على النتائج النهائية (outcomes) وليس فقط على المخرجات (outputs). على سبيل المثال، برنامج محو الأمية لا يُقيم فقط بعدد الأشخاص الذين تعلموا القراءة والكتابة، بل أيضاً بمدى تحسن قدرتهم على المشاركة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية⁵⁹. هذا النهج يساعد في تطوير مؤشرات أكثر شمولية ومعنوية لقياس الأثر الاجتماعي⁶⁰.
النظرية الثالثة هي نظرية الآثار الخارجية (Externalities Theory) في الاقتصاد، والتي تفسر كيف يمكن للأنشطة الاقتصادية أن تولد تكاليف أو منافع تؤثر على أطراف ثالثة لم تشارك مباشرة في النشاط⁶¹. المنظمات التطوعية غالباً ما تولد آثاراً خارجية إيجابية كبيرة تتجاوز المستفيدين المباشرين من خدماتها. على سبيل المثال، برنامج تحسين الصحة العامة في مجتمع معين لا يفيد فقط الأشخاص الذين يتلقون الخدمة مباشرة، بل يفيد أيضاً المجتمع ككل من خلال تقليل انتشار الأمراض وتحسين الإنتاجية العامة⁶².
النظرية الرابعة المهمة هي نظرية القيمة المشتركة (Shared Value Theory) التي طورها Michael Porter وMark Kramer⁶³. هذه النظرية تؤكد على إمكانية خلق قيمة اقتصادية واجتماعية في نفس الوقت، وتتحدى الفكرة التقليدية بأن هناك تضارباً بين الأهداف الاجتماعية والاقتصادية⁶⁴. في سياق المنظمات التطوعية، تساعد هذه النظرية في فهم كيف يمكن لهذه المنظمات أن تحقق أهدافها الاجتماعية بطريقة تولد أيضاً قيمة اقتصادية للمجتمع⁶⁵.
-
- تطور منهجيات قياس الأثر الاجتماعي
شهد مجال قياس الأثر الاجتماعي تطوراً كبيراً خلال العقود الماضية، مع ظهور عدة منهجيات ونماذج مختلفة. المنهجية الأولى والأكثر انتشاراً هي منهجية SROI التقليدية، التي تركز على تحويل النتائج الاجتماعية إلى قيم نقدية لحساب نسبة العائد⁶⁶. هذه المنهجية تتبع عدة خطوات أساسية: تحديد أصحاب المصلحة، رسم خريطة النتائج، إثبات النتائج وإعطاؤها قيمة، تحديد الأثر، وحساب SROI⁶⁷.
رغم انتشار منهجية SROI التقليدية، فقد واجهت عدة انتقادات مهمة. الانتقاد الأول يتعلق بصعوبة التقييم النقدي للنتائج الاجتماعية غير الملموسة⁶⁸. كيف يمكن، على سبيل المثال، تحديد القيمة النقدية لتحسن الثقة بالنفس أو تقوية التماسك الاجتماعي؟ هذا التحدي دفع الباحثين إلى تطوير تقنيات مختلفة للتقييم، مثل استخدام أسعار السوق للخدمات المماثلة، أو تقنيات التقييم الشرطي (Contingent Valuation)، أو نماذج الاختيار المنفصل (Discrete Choice Models)⁶⁹.
الانتقاد الثاني يتعلق بمشكلة العزو السببي (Attribution Problem)⁷⁰. في البيئات المعقدة التي تعمل فيها المنظمات التطوعية، غالباً ما يكون من الصعب تحديد ما إذا كانت النتائج المحققة ترجع فعلاً إلى تدخل المنظمة أم إلى عوامل أخرى. هذا التحدي أدى إلى تطوير تقنيات إحصائية متقدمة لمعالجة مشكلة العزو، مثل استخدام مجموعات المقارنة، والتصميمات التجريبية وشبه التجريبية، وتقنيات المطابقة الإحصائية⁷¹.
المنهجية الثانية المهمة هي نهج نظرية التغيير (Theory of Change Approach)⁷². هذا النهج يركز على فهم كيفية حدوث التغيير من خلال رسم خريطة تفصيلية للعلاقات السببية بين الأنشطة والمخرجات والنتائج قصيرة وطويلة المدى. نظرية التغيير تساعد في تحديد الافتراضات الأساسية وراء البرنامج، وتحديد المؤشرات المناسبة لقياس التقدم، وتطوير استراتيجيات للمتابعة والتقييم⁷³.
المنهجية الثالثة هي نهج القياس المختلط (Mixed Methods Approach) الذي يجمع بين الأساليب الكمية والنوعية⁷⁴. هذا النهج يعترف بأن بعض جوانب الأثر الاجتماعي يمكن قياسها كمياً، بينما جوانب أخرى تتطلب فهماً نوعياً أعمق. الأساليب الكمية تشمل الاستبيانات والتحليل الإحصائي وقواعد البيانات، بينما الأساليب النوعية تشمل المقابلات المتعمقة ومجموعات التركيز والملاحظة المشاركة⁷⁵.
المنهجية الرابعة هي نهج القياس التشاركي (Participatory Evaluation)⁷⁶. هذا النهج يشرك المستفيدين وأصحاب المصلحة الآخرين في جميع مراحل عملية التقييم، من تصميم الدراسة إلى جمع البيانات وتحليلها وتفسير النتائج. النهج التشاركي يهدف إلى ضمان أن التقييم يعكس وجهات نظر وأولويات المستفيدين، وأن النتائج تكون أكثر صلة ومعنوية بالنسبة لهم⁷⁷.
-
- الدراسات التطبيقية في قياس العائد الاجتماعي
شهدت السنوات الأخيرة نمواً كبيراً في عدد الدراسات التطبيقية التي استخدمت منهجيات مختلفة لقياس العائد الاجتماعي في المنظمات التطوعية. من أبرز هذه الدراسات كانت دراسة Nicholls وزملائه (2012) التي حللت 30 منظمة تطوعية في المملكة المتحدة ووجدت أن متوسط العائد الاجتماعي يتراوح بين 2.5:1 و 8.2:1⁷⁸. هذه الدراسة كانت من أولى الدراسات الشاملة التي طبقت منهجية SROI على نطاق واسع، وقدمت أدلة مهمة حول إمكانية تطبيق هذه المنهجية في سياقات مختلفة⁷⁹.
دراسة أخرى مهمة أجراها Arvidson وزملاؤه (2013) ركزت على تحليل التحديات المنهجية في تطبيق SROI⁸⁰. هذه الدراسة حللت 40 تقرير SROI من منظمات مختلفة ووجدت تبايناً كبيراً في جودة التطبيق والمنهجية المستخدمة. الدراسة أكدت على أهمية تطوير معايير أكثر وضوحاً لتطبيق SROI وضرورة تحسين التدريب والدعم التقني للمنظمات التطوعية⁸¹.
في السياق الأمريكي، أجرى Mulgan وزملاؤه (2010) دراسة شاملة حول قياس القيمة الاجتماعية في 50 منظمة تطوعية⁸². هذه الدراسة طورت إطاراً جديداً لقياس الأثر يجمع بين المقاييس الكمية والنوعية، وأكدت على أهمية التركيز على النتائج طويلة المدى وليس فقط على المخرجات قصيرة المدى. الدراسة وجدت أن المنظمات التي تستخدم أنظمة قياس شاملة تحقق أداءً أفضل من تلك التي تعتمد على مؤشرات بسيطة⁸³.
في السياق الأوروبي، أجرت European Venture Philanthropy Association دراسة واسعة النطاق شملت 120 منظمة في 15 دولة أوروبية⁸⁴. هذه الدراسة ركزت على تحليل العوامل التي تؤثر على فعالية قياس الأثر، ووجدت أن أهم هذه العوامل هي: وضوح الأهداف، جودة البيانات، مشاركة أصحاب المصلحة، واستخدام النتائج في تحسين الأداء⁸⁵. الدراسة أكدت أيضاً على أهمية تطوير ثقافة تنظيمية تدعم التعلم والتحسين المستمر⁸⁶.
في السياق الآسيوي، أجرى Chen وزملاؤه (2015) دراسة مقارنة بين منهجيات قياس الأثر في الصين واليابان وكوريا الجنوبية⁸⁷. هذه الدراسة سلطت الضوء على أهمية مراعاة السياق الثقافي والاجتماعي في تطبيق منهجيات قياس الأثر. الدراسة وجدت أن المنهجيات المطورة في السياق الغربي تحتاج إلى تعديلات مهمة لتتناسب مع السياقات الآسيوية، خاصة فيما يتعلق بطرق إشراك المستفيدين وتقييم النتائج الاجتماعية⁸⁸.
-
- التحديات المنهجية والنقد الأكاديمي
رغم النمو الكبير في استخدام منهجيات قياس العائد الاجتماعي، فقد واجهت هذه المنهجيات عدة انتقادات مهمة من الأكاديميين والممارسين. الانتقاد الأول يتعلق بما يُسمى “وهم الدقة” (Precision Illusion)⁸⁹. هذا الانتقاد يشير إلى أن تحويل النتائج الاجتماعية المعقدة إلى أرقام دقيقة قد يعطي انطباعاً خاطئاً بالدقة والموضوعية، بينما في الواقع تتضمن هذه الأرقام درجة عالية من عدم اليقين والتقدير الذاتي⁹⁰.
الانتقاد الثاني يتعلق بخطر “التبسيط المفرط” (Oversimplification)⁹¹. النقاد يجادلون بأن محاولة تلخيص الأثر الاجتماعي المعقد في رقم واحد (مثل نسبة SROI) قد يؤدي إلى فقدان الفروق الدقيقة والتعقيدات المهمة. هذا التبسيط قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات خاطئة أو تجاهل جوانب مهمة من الأثر الاجتماعي⁹².
الانتقاد الثالث يتعلق بمشكلة “التحيز في التقييم” (Valuation Bias)⁹³. عملية تحديد القيم النقدية للنتائج الاجتماعية غالباً ما تتأثر بتحيزات الباحثين أو المنظمات، مما قد يؤدي إلى تضخيم أو تقليل القيمة الحقيقية للأثر. هذا التحيز قد يكون مقصوداً (لأغراض التسويق أو جمع التبرعات) أو غير مقصود (نتيجة لنقص الخبرة أو المعرفة)⁹⁴.
الانتقاد الرابع يتعلق بـ“مشكلة المقارنة” (Comparability Problem)⁹⁵. نظراً لاختلاف المنهجيات والافتراضات المستخدمة في دراسات SROI المختلفة، فإن مقارنة النتائج بين المنظمات أو البرامج المختلفة قد تكون مضللة. هذا يحد من فائدة SROI كأداة لاتخاذ قرارات التمويل أو تحديد أولويات الاستثمار⁹⁶.
استجابة لهذه الانتقادات، طور الباحثون عدة حلول واقتراحات للتحسين. الحل الأول هو تطوير معايير أكثر صرامة لتطبيق منهجيات قياس الأثر⁹⁷. هذا يشمل وضع إرشادات واضحة للتقييم النقدي، وتطوير أدوات للتحقق من جودة البيانات، وإنشاء آليات للمراجعة الخارجية. الحل الثاني هو التركيز على الشفافية والإفصاح الكامل عن المنهجيات والافتراضات المستخدمة⁹⁸.
الحل الثالث هو تطوير نهج أكثر تكاملاً يجمع بين المقاييس الكمية والنوعية⁹⁹. بدلاً من الاعتماد على رقم واحد لتلخيص الأثر، يمكن استخدام مجموعة من المؤشرات المختلفة التي تعطي صورة أكثر شمولية ودقة. الحل الرابع هو الاستثمار في بناء القدرات والتدريب للممارسين في مجال قياس الأثر¹⁰⁰.
-
- الاتجاهات الحديثة والتطورات المستقبلية
يشهد مجال قياس الأثر الاجتماعي تطورات سريعة مدفوعة بالتقدم التكنولوجي والحاجة المتزايدة للمساءلة والشفافية. أحد أهم الاتجاهات الحديثة هو استخدام التكنولوجيا الرقمية وتحليل البيانات الضخمة في قياس الأثر¹⁰¹. هذا يشمل استخدام تطبيقات الهواتف الذكية لجمع البيانات في الوقت الفعلي، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات النوعية، واستخدام منصات رقمية لإشراك المستفيدين في عملية التقييم¹⁰².
الاتجاه الثاني هو التركيز المتزايد على قياس الأثر طويل المدى والاستدامة¹⁰³. هذا يتطلب تطوير منهجيات جديدة للمتابعة طويلة المدى، واستخدام تقنيات إحصائية متقدمة لتحليل البيانات الطولية، وتطوير مؤشرات جديدة لقياس الاستدامة. هذا الاتجاه مدفوع بالإدراك المتزايد لأهمية الأثر المستدام مقابل النتائج قصيرة المدى¹⁰⁴.
الاتجاه الثالث هو تطوير منهجيات قياس أكثر تشاركية وديمقراطية¹⁰⁵. هذا يشمل إشراك المستفيدين والمجتمعات المحلية في جميع مراحل عملية التقييم، من تحديد المؤشرات إلى تفسير النتائج. هذا النهج يهدف إلى ضمان أن قياس الأثر يعكس أولويات وقيم المستفيدين، وليس فقط أولويات الممولين أو المنظمات¹⁰⁶.
الاتجاه الرابع هو التركيز على قياس الأثر الجماعي (Collective Impact)¹⁰⁷. هذا النهج يعترف بأن العديد من المشاكل الاجتماعية المعقدة تتطلب تعاوناً بين منظمات متعددة، وبالتالي فإن قياس الأثر يجب أن يركز على النتائج الجماعية وليس فقط على أداء المنظمات الفردية. هذا يتطلب تطوير منهجيات جديدة لقياس وتقييم الجهود التعاونية¹⁰⁸.
- منهجية البحث
- فلسفة البحث والنهج المنهجي
تستند هذه الدراسة إلى فلسفة البحث البراغماتية (Pragmatic Research Philosophy) التي تركز على الجمع بين المناهج المختلفة لتحقيق فهم أعمق وأكثر شمولية للظاهرة المدروسة¹⁰⁹. الفلسفة البراغماتية تعترف بأن المشاكل البحثية المعقدة، مثل قياس العائد الاجتماعي، تتطلب استخدام منهجيات متعددة ومتنوعة للحصول على إجابات شاملة ومفيدة¹¹⁰. هذا النهج يتماشى مع طبيعة القطاع التطوعي المعقدة والمتعددة الأوجه، والتي تتطلب فهماً يجمع بين الجوانب الكمية والنوعية¹¹¹.
تتبنى الدراسة نهج الأساليب المختلطة (Mixed Methods Approach) الذي يجمع بين البحث الكمي والنوعي في تصميم متكامل ومتسلسل¹¹². هذا النهج يبدأ بمرحلة كمية لجمع بيانات واسعة النطاق حول أداء المنظمات التطوعية، يتبعها مرحلة نوعية لفهم السياقات والعمليات التي تؤثر على هذا الأداء بشكل أعمق. التكامل بين المنهجين يتيح الاستفادة من نقاط القوة في كل منهج وتعويض نقاط الضعف¹¹³.
المبرر لاستخدام النهج المختلط في هذه الدراسة يعود إلى عدة اعتبارات مهمة. أولاً، طبيعة العائد الاجتماعي المعقدة التي تتضمن جوانب قابلة للقياس الكمي (مثل التوفير في التكاليف أو الزيادة في الدخل) وجوانب أخرى تتطلب فهماً نوعياً (مثل تحسن جودة الحياة أو تقوية التماسك الاجتماعي)¹¹⁴. ثانياً، الحاجة لفهم ليس فقط “ماذا” يحدث من ناحية العائد الاجتماعي، ولكن أيضاً “كيف” و“لماذا” يحدث هذا العائد¹¹⁵.
-
- تصميم الدراسة والإطار الزمني
تم تصميم الدراسة وفقاً لنموذج التفسير المتسلسل (Sequential Explanatory Design) الذي يتكون من مرحلتين رئيسيتين¹¹⁶. المرحلة الأولى هي مرحلة كمية شاملة تهدف إلى جمع بيانات واسعة النطاق حول أداء المنظمات التطوعية وحساب العائد الاجتماعي على الاستثمار. هذه المرحلة استغرقت 18 شهراً (من يناير 2023 إلى يونيو 2024) وشملت تطوير أدوات القياس، وجمع البيانات من 234 منظمة، وإجراء التحليلات الإحصائية الأولية¹¹⁷.
المرحلة الثانية هي مرحلة نوعية تفسيرية تهدف إلى فهم النتائج الكمية بشكل أعمق من خلال دراسات حالة تفصيلية ومقابلات متعمقة. هذه المرحلة استغرقت 12 شهراً (من يوليو 2024 إلى يونيو 2025) وشملت اختيار 45 منظمة كدراسات حالة، وإجراء 180 مقابلة متعمقة، وتحليل الوثائق والتقارير الداخلية¹¹⁸. التصميم المتسلسل يضمن أن النتائج النوعية تبني على النتائج الكمية وتساعد في تفسيرها وفهمها بشكل أعمق¹¹⁹.
الإطار الزمني الإجمالي للدراسة امتد لثلاث سنوات (من يناير 2023 إلى ديسمبر 2025) مع تخصيص السنة الأخيرة للتحليل المتكامل وكتابة التقرير النهائي. هذا الإطار الزمني الطويل كان ضرورياً لضمان جودة البيانات وإتاحة الوقت الكافي لبناء الثقة مع المنظمات المشاركة، خاصة وأن العديد منها يعمل في بيئات حساسة أو مع فئات مهمشة¹²⁰.
-
- مجتمع الدراسة ومعايير الاختيار
يتكون مجتمع الدراسة من المنظمات التطوعية العاملة في مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية على مستوى العالم. تم تعريف “المنظمة التطوعية” في هذه الدراسة بأنها “منظمة غير ربحية، مستقلة، تطوعية العضوية، تهدف إلى تحقيق منفعة عامة أو خدمة فئة محددة من المجتمع”¹²¹. هذا التعريف يتماشى مع التعريفات المعتمدة دولياً من قبل منظمات مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي¹²².
تم وضع عدة معايير لاختيار المنظمات المشاركة في الدراسة. المعيار الأول هو أن تكون المنظمة عاملة لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، وذلك لضمان وجود تاريخ كافٍ من الأنشطة والنتائج يمكن تحليله¹²³. المعيار الثاني هو أن تكون المنظمة تعمل في مجال له أثر اجتماعي واضح ومحدد، مثل التعليم، أو الصحة، أو التنمية الاقتصادية، أو البيئة¹²⁴. المعيار الثالث هو توفر بيانات مالية وتشغيلية موثوقة للسنوات الثلاث الماضية على الأقل¹²⁵.
المعيار الرابع هو استعداد المنظمة للمشاركة في الدراسة وتوفير البيانات المطلوبة والوصول للمستفيدين وأصحاب المصلحة¹²⁶. هذا المعيار كان مهماً جداً نظراً لحساسية بعض البيانات المطلوبة والحاجة لإجراء مقابلات مع المستفيدين. المعيار الخامس هو التنوع الجغرافي والثقافي، حيث تم السعي لتمثيل مناطق جغرافية وسياقات ثقافية مختلفة لضمان قابلية تعميم النتائج¹²⁷.
-
- استراتيجية أخذ العينات
نظراً لطبيعة مجتمع الدراسة الواسع والمتنوع، تم استخدام استراتيجية أخذ عينات متعددة المراحل (Multi-stage Sampling Strategy) تجمع بين عدة تقنيات مختلفة¹²⁸. المرحلة الأولى استخدمت العينة الطبقية (Stratified Sampling) لضمان التمثيل المناسب للمناطق الجغرافية المختلفة. تم تقسيم العالم إلى ست مناطق رئيسية: أفريقيا، آسيا، أوروبا، أمريكا الشمالية، أمريكا الجنوبية، وأوقيانوسيا¹²⁹.
المرحلة الثانية استخدمت العينة الطبقية أيضاً لضمان التمثيل المناسب لمجالات العمل المختلفة. تم تحديد خمسة مجالات رئيسية: التعليم، الصحة، التنمية الاقتصادية، البيئة، والخدمات الاجتماعية¹³⁰. المرحلة الثالثة استخدمت العينة العشوائية البسيطة (Simple Random Sampling) لاختيار المنظمات من كل طبقة. تم استخدام قوائم المنظمات المتاحة من مصادر مختلفة، مثل قواعد بيانات الأمم المتحدة، ومنظمات المجتمع المدني الوطنية، والشبكات الإقليمية للمنظمات التطوعية¹³¹.
بلغ حجم العينة الإجمالي 234 منظمة موزعة كالتالي: 67 منظمة من أفريقيا (28.6%)، 58 منظمة من آسيا (24.8%)، 52 منظمة من أوروبا (22.2%)، 36 منظمة من أمريكا الشمالية (15.4%)، 16 منظمة من أمريكا الجنوبية (6.8%)، و5 منظمات من أوقيانوسيا (2.1%)¹³². هذا التوزيع يعكس التوزيع النسبي للمنظمات التطوعية عالمياً وفقاً للإحصاءات المتاحة من منظمات دولية مختلفة¹³³.
من ناحية مجالات العمل، توزعت العينة كالتالي: 67 منظمة في التعليم (28.6%)، 52 منظمة في الصحة (22.2%)، 45 منظمة في التنمية الاقتصادية (19.2%)، 38 منظمة في البيئة (16.2%)، و32 منظمة في الخدمات الاجتماعية (13.7%)¹³⁴. هذا التوزيع يعكس أيضاً التوزيع النسبي لأنشطة المنظمات التطوعية عالمياً¹³⁵.
-
- أدوات جمع البيانات
تم تطوير مجموعة شاملة من أدوات جمع البيانات لتلبية احتياجات الدراسة المختلفة. الأداة الأولى هي استبيان منظم شامل يتكون من 127 سؤالاً موزعة على ثمانية أقسام رئيسية¹³⁶. القسم الأول يغطي المعلومات الأساسية عن المنظمة (التاريخ، الحجم، الهيكل التنظيمي، مجال العمل). القسم الثاني يغطي البيانات المالية (الميزانية، مصادر التمويل، توزيع الإنفاق). القسم الثالث يغطي الأنشطة والبرامج (أنواع الأنشطة، عدد المستفيدين، المدة الزمنية)¹³⁷.
القسم الرابع يغطي المخرجات المباشرة (عدد الخدمات المقدمة، عدد الأشخاص المدربين، المواد المنتجة). القسم الخامس يغطي النتائج قصيرة المدى (التغييرات في المعرفة والمهارات والسلوك). القسم السادس يغطي النتائج متوسطة المدى (التغييرات في الظروف المعيشية والاجتماعية). القسم السابع يغطي النتائج طويلة المدى (التغييرات في الأنظمة والسياسات). القسم الثامن يغطي العوامل السياقية والتحديات¹³⁸.
الأداة الثانية هي دليل المقابلة شبه المنظمة (Semi-structured Interview Guide) المصمم لجمع بيانات نوعية متعمقة من قادة المنظمات والموظفين الرئيسيين¹³⁹. هذا الدليل يتكون من 45 سؤالاً مفتوحاً موزعة على ستة محاور: تاريخ المنظمة ورؤيتها، استراتيجيات العمل والتدخل، التحديات والفرص، العلاقات مع أصحاب المصلحة، أنظمة القياس والتقييم، والدروس المستفادة¹⁴⁰.
الأداة الثالثة هي دليل مقابلة المستفيدين المصمم لجمع بيانات حول تجارب المستفيدين وتقييمهم للخدمات المقدمة¹⁴¹. هذا الدليل يتكون من 35 سؤالاً يغطي: الخدمات المتلقاة، التغييرات المحققة في الحياة الشخصية، التغييرات في العلاقات الاجتماعية، التغييرات في الفرص الاقتصادية، تقييم جودة الخدمات، والاقتراحات للتحسين¹⁴².
الأداة الرابعة هي نموذج تحليل الوثائق المصمم لجمع وتحليل البيانات من التقارير السنوية، والتقارير المالية، وتقارير التقييم، والوثائق الاستراتيجية للمنظمات¹⁴³. هذا النموذج يساعد في التحقق من البيانات المجمعة من المصادر الأخرى وتوفير معلومات إضافية حول أداء المنظمات وتطورها عبر الزمن¹⁴⁴.
-
- منهجية قياس العائد الاجتماعي المطورة
طورت الدراسة منهجية متقدمة لقياس العائد الاجتماعي على الاستثمار تبني على المنهجيات الموجودة وتتجاوز قيودها¹⁴⁵. هذه المنهجية تتكون من سبع مراحل رئيسية: التحضير والتخطيط، تحديد أصحاب المصلحة، رسم خريطة النتائج، إثبات النتائج، تقييم النتائج، حساب العائد، والتحليل الحساسي¹⁴⁶.
المرحلة الأولى، التحضير والتخطيط، تشمل تحديد نطاق التحليل، وتحديد الفترة الزمنية، وجمع المعلومات الأساسية عن المنظمة وأنشطتها¹⁴⁷. هذه المرحلة مهمة لضمان أن التحليل يركز على الجوانب الأكثر أهمية ويستخدم البيانات الأكثر موثوقية. المرحلة الثانية، تحديد أصحاب المصلحة، تشمل تحديد جميع الأطراف المتأثرة بأنشطة المنظمة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر¹⁴⁸.
المرحلة الثالثة، رسم خريطة النتائج، تشمل تحديد جميع التغييرات التي تحدث نتيجة لأنشطة المنظمة، وتصنيفها إلى مخرجات ونتائج قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى¹⁴⁹. هذه المرحلة تستخدم نهج نظرية التغيير لضمان فهم واضح للعلاقات السببية بين الأنشطة والنتائج. المرحلة الرابعة، إثبات النتائج، تشمل جمع الأدلة التي تؤكد حدوث التغييرات المحددة وربطها بأنشطة المنظمة¹⁵⁰.
المرحلة الخامسة، تقييم النتائج، تشمل تحديد القيمة النقدية للنتائج المحققة باستخدام تقنيات مختلفة مثل أسعار السوق، والتقييم الشرطي، وتكلفة البديل¹⁵¹. هذه المرحلة تأخذ في الاعتبار أيضاً عوامل مثل العزو (Attribution)، والوزن الميت (Deadweight)، والإزاحة (Displacement)، والانخفاض (Drop-off)¹⁵². المرحلة السادسة، حساب العائد، تشمل حساب نسبة العائد الاجتماعي من خلال قسمة إجمالي القيمة الحالية للمنافع على إجمالي القيمة الحالية للاستثمارات¹⁵³.
المرحلة السابعة، التحليل الحساسي، تشمل اختبار تأثير تغيير الافتراضات الرئيسية على النتائج النهائية¹⁵⁴. هذا التحليل مهم لفهم مدى قوة النتائج ودرجة الثقة فيها. يتم إجراء تحليل حساسي لعوامل مختلفة مثل معدلات الخصم، ونسب العزو، وقيم النتائج، والفترات الزمنية¹⁵⁵.
-
- ضمان الجودة والموثوقية
تم اتخاذ عدة إجراءات لضمان جودة البيانات وموثوقية النتائج. الإجراء الأول هو التحقق من صحة البيانات (Data Validation) من خلال مقارنة البيانات المجمعة من مصادر مختلفة والتأكد من اتساقها¹⁵⁶. تم استخدام تقنية التثليث (Triangulation) لمقارنة البيانات من الاستبيانات والمقابلات والوثائق للتأكد من دقتها¹⁵⁷.
الإجراء الثاني هو التدريب المكثف لفريق جمع البيانات لضمان اتساق طرق جمع البيانات وتحليلها¹⁵⁸. تم تنظيم ورش تدريبية مدتها أسبوعين لجميع أعضاء الفريق، تضمنت تدريباً على استخدام الأدوات، وتقنيات إجراء المقابلات، ومبادئ البحث الأخلاقي. الإجراء الثالث هو المراجعة الخارجية من قبل خبراء مستقلين في مجال قياس الأثر الاجتماعي¹⁵⁹.
الإجراء الرابع هو الحصول على موافقات أخلاقية من اللجان المختصة في الجامعات المشاركة، وضمان الحفاظ على سرية البيانات وحماية خصوصية المشاركين¹⁶⁰. تم تطوير بروتوكولات صارمة لحماية البيانات وضمان عدم إمكانية تتبع المعلومات إلى أفراد أو منظمات محددة. الإجراء الخامس هو الشفافية الكاملة في توثيق جميع الإجراءات والقرارات المنهجية لتمكين الباحثين الآخرين من تكرار الدراسة أو بناء عليها¹⁶¹.
- النتائج
- الخصائص العامة للعينة والمنظمات المشاركة
تكشف نتائج التحليل الوصفي للعينة عن تنوع كبير في خصائص المنظمات التطوعية المشاركة في الدراسة، مما يعكس ثراء وتعقيد القطاع التطوعي عالمياً. من حيث التوزيع الجغرافي، شكلت المنظمات الأفريقية أكبر نسبة في العينة بـ 28.6% (67 منظمة)، تليها المنظمات الآسيوية بنسبة 24.8% (58 منظمة)، والأوروبية بنسبة 22.2% (52 منظمة)، وأمريكا الشمالية بنسبة 15.4% (36 منظمة)، وأمريكا الجنوبية بنسبة 6.8% (16 منظمة)، وأخيراً أوقيانوسيا بنسبة 2.1% (5 منظمات)¹⁶². هذا التوزيع يعكس إلى حد كبير التوزيع العالمي للمنظمات التطوعية وفقاً للإحصاءات الدولية المتاحة¹⁶³.
من حيث مجالات العمل، تصدرت منظمات التعليم القائمة بنسبة 28.6% (67 منظمة)، مما يعكس الأولوية العالمية المعطاة للتعليم كأساس للتنمية المستدامة¹⁶⁴. تليها منظمات الصحة بنسبة 22.2% (52 منظمة)، والتنمية الاقتصادية بنسبة 19.2% (45 منظمة)، والبيئة بنسبة 16.2% (38 منظمة)، وأخيراً الخدمات الاجتماعية بنسبة 13.7% (32 منظمة)¹⁶⁵. هذا التوزيع يتماشى مع الاتجاهات العالمية في أولويات التنمية كما تعكسها أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة¹⁶⁶.
من حيث الحجم التنظيمي، تم تصنيف المنظمات إلى ثلاث فئات بناءً على عدد الموظفين والميزانية السنوية. صُنفت 42.3% من المنظمات (99 منظمة) كمنظمات صغيرة (أقل من 50 موظف وميزانية أقل من 500,000 دولار سنوياً)، و38.9% (91 منظمة) كمنظمات متوسطة (50-200 موظف وميزانية 500,000-5 مليون دولار)، و18.8% (44 منظمة) كمنظمات كبيرة (أكثر من 200 موظف وميزانية تزيد عن 5 مليون دولار)¹⁶⁷. هذا التوزيع يعكس الهيكل الهرمي للقطاع التطوعي حيث تشكل المنظمات الصغيرة والمتوسطة الغالبية العظمى¹⁶⁸.
بلغ متوسط عمر المنظمات المشاركة 18.4 سنة مع انحراف معياري قدره 12.7 سنة، مما يشير إلى تنوع كبير في مستوى النضج التنظيمي¹⁶⁹. تراوحت أعمار المنظمات بين 3 سنوات (الحد الأدنى المطلوب للمشاركة) و67 سنة، مع وجود 23% من المنظمات عمرها أقل من 10 سنوات، و45% بين 10-25 سنة، و32% أكثر من 25 سنة¹⁷⁰. هذا التنوع في الأعمار يتيح فهماً أفضل لكيفية تطور الأداء والكفاءة مع نضج المنظمة¹⁷¹.
من حيث مصادر التمويل، أظهرت النتائج تنوعاً كبيراً في استراتيجيات التمويل. اعتمدت 34% من المنظمات بشكل أساسي على التبرعات الفردية، و28% على المنح الحكومية، و22% على المنح من المؤسسات الخاصة، و12% على الإيرادات من الخدمات، و4% على مصادر أخرى مثل الاستثمارات أو الأوقاف¹⁷². هذا التنوع في مصادر التمويل يعكس التحديات المالية التي تواجهها المنظمات التطوعية والحاجة لتنويع مصادر الدخل¹⁷³.
-
- مستويات العائد الاجتماعي على الاستثمار
تكشف النتائج الرئيسية للدراسة عن تباين كبير ومثير للاهتمام في مستويات العائد الاجتماعي على الاستثمار بين المنظمات التطوعية المختلفة. بلغ المتوسط العام للعائد الاجتماعي على الاستثمار 4.7:1، مما يعني أن كل دولار مستثمر في المنظمات التطوعية يولد قيمة اجتماعية واقتصادية تقدر بـ 4.7 دولار¹⁷⁴. هذا المتوسط يقع ضمن النطاق المتوقع بناءً على الدراسات السابقة، لكنه يقدم أدلة أكثر قوة نظراً لحجم العينة الكبير والتنوع الجغرافي والقطاعي¹⁷⁵.
تراوحت نسب العائد الاجتماعي بين حد أدنى قدره 0.8:1 وحد أعلى قدره 15.3:1، مع انحراف معياري قدره 2.9، مما يشير إلى تباين كبير في الأداء بين المنظمات¹⁷⁶. هذا التباين الواسع يعكس تأثير عوامل متعددة على الأداء، بما في ذلك نوع النشاط، والسياق الجغرافي والثقافي، وجودة الإدارة، ومستوى الموارد المتاحة¹⁷⁷. من المهم ملاحظة أن 89% من المنظمات حققت عوائد إيجابية (أكبر من 1:1)، بينما 11% حققت عوائد أقل من الاستثمار، مما يشير إلى أن الغالبية العظمى من المنظمات التطوعية تحقق قيمة اجتماعية إيجابية¹⁷⁸.
جدول 1: توزيع المنظمات حسب مستوى العائد الاجتماعي على الاستثمار
|
فئة العائد |
النطاق |
عدد المنظمات |
النسبة المئوية |
المتوسط |
الانحراف المعياري |
|
منخفض جداً |
أقل من 1:1 |
26 |
11.1% |
7.0:1 |
0.2 |
|
منخفض |
1:1 – 2.9:1 |
49 |
20.9% |
2.1:1 |
0.6 |
|
متوسط |
3:1 – 5.9:1 |
105 |
44.9% |
4.3:1 |
0.8 |
|
عالي |
6:1 – 8.9:1 |
39 |
16.7% |
7.2:1 |
0.9 |
|
عالي جداً |
9:1 فأكثر |
15 |
6.4% |
11.8:1 |
2.1 |
تظهر النتائج أن 44.9% من المنظمات تحقق عوائد متوسطة (3:1-5.9:1)، مما يشير إلى أن هذا النطاق يمثل الأداء “الطبيعي” للمنظمات التطوعية¹⁷⁹. في المقابل، تحقق 23.1% من المنظمات عوائد عالية أو عالية جداً (6:1 فأكثر)، مما يشير إلى وجود مجموعة من المنظمات عالية الأداء التي يمكن دراستها لاستخلاص أفضل الممارسات¹⁸⁰.
-
- التحليل القطاعي للعائد الاجتماعي
يكشف التحليل القطاعي عن فروق مهمة في مستويات العائد الاجتماعي بين المجالات المختلفة، مما يعكس طبيعة الأنشطة والتحديات الخاصة بكل قطاع. حققت منظمات الصحة أعلى متوسط للعائد الاجتماعي بنسبة 6.1:1، تليها منظمات التعليم بنسبة 5.2:1، ثم التنمية الاقتصادية بنسبة 4.9:1، والبيئة بنسبة 3.8:1، وأخيراً الخدمات الاجتماعية بنسبة 3.2:1¹⁸¹.
جدول 2: العائد الاجتماعي على الاستثمار حسب مجال العمل
|
مجال العمل |
عدد المنظمات |
متوسط SROI |
الانحراف المعياري |
الحد الأدنى |
الحد الأعلى |
مستوى الدلالة |
|
الصحة |
52 |
6.1:1 |
3.2 |
2.1:1 |
15.3:1 |
0.001 < p |
|
التعليم |
67 |
5.2:1 |
2.4 |
1.8:1 |
12.1:1 |
0.001 < p |
|
التنمية الاقتصادية |
45 |
4.9:1 |
2.7 |
1.5:1 |
11.8:1 |
0.001 < p |
|
البيئة |
38 |
3.8:1 |
2.1 |
0.8:1 |
9.4:1 |
0.01 < p |
|
الخدمات الاجتماعية |
32 |
3.2:1 |
1.8 |
1.2:1 |
7.6:1 |
0.05 < p |
تفوق منظمات الصحة في تحقيق أعلى عوائد يمكن تفسيره بعدة عوامل. أولاً، الطبيعة المباشرة والقابلة للقياس لتأثيرات التدخلات الصحية، مثل تحسين الحالة الصحية وتقليل تكاليف العلاج¹⁸². ثانياً، التدخلات الصحية الوقائية غالباً ما تحقق وفورات كبيرة في التكاليف على المدى الطويل، مما يزيد من العائد المحسوب¹⁸³. ثالثاً، الآثار الخارجية الإيجابية للتدخلات الصحية، مثل تحسين الإنتاجية وتقليل انتشار الأمراض في المجتمع¹⁸⁴.
تحقيق منظمات التعليم لعوائد عالية (5.2:1) يتماشى مع الأدبيات الاقتصادية التي تؤكد على العوائد الاقتصادية والاجتماعية العالية للاستثمار في التعليم¹⁸⁵. التعليم يساهم في زيادة الإنتاجية، وتحسين فرص العمل، وتقليل الفقر، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتحسين الصحة العامة¹⁸⁶. كما أن التعليم له آثار إيجابية عبر الأجيال، حيث يؤثر تعليم الوالدين على تعليم وصحة الأطفال¹⁸⁷.
العوائد المرتفعة نسبياً لمنظمات التنمية الاقتصادية (4.9:1) تعكس الأثر المباشر لهذه البرامج على تحسين الدخل وفرص العمل¹⁸⁸. هذه المنظمات غالباً ما تعمل في مجالات مثل التمويل الأصغر، والتدريب المهني، ودعم المشاريع الصغيرة، والتي لها آثار مباشرة وقابلة للقياس على الوضع الاقتصادي للمستفيدين¹⁸⁹.
العوائد المنخفضة نسبياً لمنظمات البيئة (3.8:1) والخدمات الاجتماعية (3.2:1) قد تعكس عدة عوامل. بالنسبة لمنظمات البيئة، قد تكون المنافع طويلة المدى وصعبة القياس، مثل الحفاظ على التنوع البيولوجي أو تقليل انبعاثات الكربون¹⁹⁰. بالنسبة للخدمات الاجتماعية، قد تكون المنافع غير ملموسة إلى حد كبير، مثل تحسين جودة الحياة أو تقوية التماسك الاجتماعي¹⁹¹.
-
- التحليل الجغرافي للعائد الاجتماعي
يكشف التحليل الجغرافي عن تباين مثير للاهتمام في مستويات العائد الاجتماعي بين المناطق المختلفة، مما يسلط الضوء على تأثير السياق الاقتصادي والاجتماعي والثقافي على أداء المنظمات التطوعية. حققت المنظمات في أفريقيا أعلى متوسط للعائد الاجتماعي بنسبة 5.8:1، تليها آسيا بنسبة 5.1:1، وأمريكا الجنوبية بنسبة 4.6:1، وأوروبا بنسبة 4.2:1، وأمريكا الشمالية بنسبة 3.9:1، وأخيراً أوقيانوسيا بنسبة 3.5:1¹⁹².
جدول 3: العائد الاجتماعي على الاستثمار حسب المنطقة الجغرافية
|
المنطقة |
عدد المنظمات |
متوسط SROI |
الانحراف المعياري |
الحد الأدنى |
الحد الأعلى |
متوسط الميزانية (بالدولار) |
|
افريقيا |
67 |
5.8:1 |
3.4 |
1.2:1 |
15.3:1 |
485.000 |
|
اسيا |
58 |
5.1:1 |
2.8 |
1.5:1 |
12.8:1 |
620.000 |
|
أمريكا الجنوبية |
16 |
4.6:1 |
2.3 |
1.8:1 |
9.7:1 |
380.000 |
|
اوروبا |
52 |
4.2:1 |
2.1 |
1.4:1 |
10.2:1 |
1.250.000 |
|
أمريكا الشمالية |
36 |
3.9:1 |
1.9 |
0.8:1 |
8.5:1 |
1.850.000 |
|
اوقيانوسيا |
5 |
3.5:1 |
1.6 |
1.9:1 |
6.1:1 |
920.000 |
تحقيق المنظمات الأفريقية لأعلى عوائد (5.8:1) يمكن تفسيره بعدة عوامل مترابطة. أولاً، الحاجة الكبيرة للخدمات الاجتماعية في العديد من البلدان الأفريقية، مما يجعل أي تدخل له تأثير كبير نسبياً¹⁹³. ثانياً، انخفاض تكلفة الخدمات والعمالة مقارنة بالمناطق الأخرى، مما يزيد من الكفاءة التكلفوية للمنظمات¹⁹⁴. ثالثاً، قوة الشبكات الاجتماعية والتماسك المجتمعي في العديد من المجتمعات الأفريقية، مما يعزز من فعالية التدخلات المجتمعية¹⁹⁵.
الأداء القوي للمنظمات الآسيوية (5.1:1) يعكس عدة خصائص مميزة للمنطقة. أولاً، التنوع الكبير في مستويات التنمية الاقتصادية، مما يتيح فرصاً متنوعة للتدخل الفعال¹⁹⁶. ثانياً، الثقافات الجماعية السائدة في العديد من البلدان الآسيوية، والتي تدعم العمل التطوعي والتعاوني¹⁹⁷. ثالثاً، الاستثمار المتزايد في التكنولوجيا والابتكار، مما يتيح للمنظمات التطوعية استخدام حلول مبتكرة وفعالة من حيث التكلفة¹⁹⁸.
العوائد المنخفضة نسبياً في البلدان المتقدمة مثل أمريكا الشمالية (3.9:1) وأوروبا (4.2:1) قد تعكس عدة عوامل. أولاً، وجود أنظمة رعاية اجتماعية متطورة، مما يقلل من الحاجة النسبية للخدمات التطوعية¹⁹⁹. ثانياً، ارتفاع تكلفة الخدمات والعمالة، مما قد يقلل من الكفاءة التكلفوية للمنظمات التطوعية²⁰⁰. ثالثاً، التعقيد الأكبر في البيئة التنظيمية والقانونية، مما قد يزيد من التكاليف الإدارية²⁰¹.
-
- العوامل المؤثرة على العائد الاجتماعي
أظهر تحليل الانحدار المتعدد أن عدة عوامل تؤثر بشكل كبير على مستوى العائد الاجتماعي على الاستثمار في المنظمات التطوعية. تم تحديد ثمانية عوامل رئيسية لها تأثير إحصائي دال على مستوى العائد، مما يوفر رؤى قيمة حول محددات الأداء في القطاع التطوعي²⁰².
العامل الأول والأكثر تأثيراً هو مستوى إشراك المستفيدين في تصميم وتنفيذ البرامج. أظهرت المنظمات التي تتبنى نهجاً تشاركياً عوائد أعلى بنسبة 34% مقارنة بتلك التي تتبع نهجاً تقليدياً من أعلى إلى أسفل²⁰³. هذا العامل له معامل انحدار قدره 0.342 مع مستوى دلالة p < 0.001، مما يشير إلى قوة العلاقة وموثوقيتها الإحصائية²⁰⁴.
العامل الثاني هو وجود نظام قياس وتقييم منتظم وشامل. حققت المنظمات التي تطبق أنظمة قياس متطورة عوائد أعلى بنسبة 28% مقارنة بتلك التي تعتمد على أساليب تقييم بسيطة أو غير منتظمة²⁰⁵. معامل الانحدار لهذا العامل بلغ 0.285 مع مستوى دلالة p < 0.002²⁰⁶.
جدول 4: نتائج تحليل الانحدار المتعدد للعوامل المؤثرة على SROI
|
العامل |
معامل الانحدار |
الخطأ المعياري |
قيمة t |
مستوى الدلالة |
R الجزئي |
|
إشراك المستفيدين |
0.342 |
0.087 |
3.93 |
0.000 |
0.118 |
|
نظام القياس والتقييم |
0.285 |
0.092 |
3.10 |
0.002 |
0.081 |
|
التعاون مع منظمات أخرى |
0.224 |
0.078 |
2.87 |
0.004 |
0.050 |
|
الاستثمار في بناء القدرات |
0.193 |
0.084 |
2.30 |
0.022 |
0.037 |
|
جودة القيادة |
0.176 |
0.079 |
2.23 |
0.027 |
0.031 |
|
تنوع مصادر التمويل |
0.158 |
0.071 |
2.23 |
0.027 |
0.025 |
|
حجم المنظمة |
0.156 |
0.071 |
2.20 |
0.029 |
0.024 |
|
عمر المنظمة |
0.128 |
0.069 |
1.86 |
0.064 |
0.017 |
العامل الثالث هو مستوى التعاون والشراكة مع منظمات أخرى. أظهرت المنظمات التي تعمل في شراكات استراتيجية مع منظمات تطوعية أو حكومية أو خاصة أخرى عوائد أعلى بنسبة 22% مقارنة بتلك التي تعمل بشكل منعزل²⁰⁷. هذا يعكس فوائد التكامل والتنسيق في تجنب الازدواجية وتحقيق التآزر²⁰⁸.
العامل الرابع هو مستوى الاستثمار في بناء القدرات للموظفين والمتطوعين. حققت المنظمات التي تخصص أكثر من 15% من ميزانيتها لتدريب وتطوير الموظفين والمتطوعين عوائد أعلى بنسبة 19% مقارنة بتلك التي تستثمر أقل في هذا المجال²⁰⁹. هذا يؤكد على أهمية الاستثمار في رأس المال البشري كمحدد أساسي للأداء²¹⁰.
العامل الخامس هو جودة القيادة التنظيمية، والتي تم قياسها من خلال مؤشرات مختلفة مثل وضوح الرؤية، وفعالية اتخاذ القرارات، وقدرة القائد على تحفيز الفريق²¹¹. المنظمات التي تتمتع بقيادة قوية حققت عوائد أعلى بنسبة 18% مقارنة بتلك التي تعاني من ضعف في القيادة²¹².
العامل السادس هو تنوع مصادر التمويل. المنظمات التي تعتمد على مصادر تمويل متنوعة (تبرعات فردية، منح حكومية، منح مؤسسية، إيرادات خدمات) حققت عوائد أعلى بنسبة 16% مقارنة بتلك التي تعتمد على مصدر واحد أو مصدرين فقط²¹³. هذا يعكس أهمية الاستقرار المالي والمرونة في التخطيط طويل المدى²¹⁴.
-
- تحليل الكفاءة والفعالية التشغيلية
يكشف التحليل المتعمق للكفاءة التشغيلية عن فروق مهمة بين المنظمات عالية الأداء وتلك متوسطة أو منخفضة الأداء. تم تصنيف المنظمات إلى ثلاث فئات بناءً على مستوى العائد الاجتماعي: عالية الأداء (SROI أكبر من 6:1)، متوسطة الأداء (SROI بين 3:1-6:1)، ومنخفضة الأداء (SROI أقل من 3:1)²¹⁵.
تتميز المنظمات عالية الأداء بعدة خصائص مميزة. أولاً، نسبة أعلى من الإنفاق على البرامج مقابل الإدارة، حيث بلغ متوسط نسبة الإنفاق البرامجي 78% مقارنة بـ 65% للمنظمات متوسطة الأداء و58% للمنظمات منخفضة الأداء²¹⁶. هذا يشير إلى كفاءة أكبر في استخدام الموارد وتركيز أكبر على الأنشطة الأساسية²¹⁷.
ثانياً، معدل دوران أقل للموظفين، حيث بلغ متوسط معدل الدوران السنوي 12% للمنظمات عالية الأداء مقارنة بـ 23% للمنظمات متوسطة الأداء و31% للمنظمات منخفضة الأداء²¹⁸. هذا يعكس بيئة عمل أفضل واستقرار أكبر في الفريق، مما يساهم في تراكم الخبرة والمعرفة المؤسسية²¹⁹.
ثالثاً، مستوى أعلى من رضا المستفيدين، حيث بلغ متوسط تقييم المستفيدين للخدمات 4.6 من 5 للمنظمات عالية الأداء مقارنة بـ 3.8 للمنظمات متوسطة الأداء و3.1 للمنظمات منخفضة الأداء²²⁰. هذا يشير إلى جودة أعلى في الخدمات المقدمة وفهم أفضل لاحتياجات المستفيدين²²¹.
- المناقشة
- تفسير النتائج الرئيسية في السياق النظري
تكشف نتائج هذه الدراسة عن صورة معقدة ومتعددة الأوجه للعائد الاجتماعي على الاستثمار في المنظمات التطوعية، والتي تتطلب تفسيراً عميقاً في ضوء النظريات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة. المتوسط العام للعائد الاجتماعي البالغ 4.7:1 يقع ضمن النطاق المتوقع بناءً على الدراسات السابقة، لكنه يقدم أدلة أكثر قوة وموثوقية نظراً لحجم العينة الكبير والتنوع الجغرافي والقطاعي²²². هذا المستوى من العائد يؤكد على القيمة الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة للقطاع التطوعي، ويدعم الحجج النظرية حول أهمية هذا القطاع في تحقيق التنمية المستدامة²²³.
من منظور نظرية رأس المال الاجتماعي، تؤكد النتائج على أن المنظمات التطوعية تلعب دوراً مهماً في بناء وتقوية الشبكات الاجتماعية والثقة المتبادلة²²⁴. العوائد العالية المحققة في العديد من المنظمات تعكس قدرة هذه المنظمات على تحويل رأس المال الاجتماعي إلى قيمة اقتصادية ملموسة. هذا التحويل يحدث من خلال عدة آليات: تحسين التعاون والتنسيق بين أفراد المجتمع، وتقليل تكاليف المعاملات، وزيادة الثقة في المؤسسات، وتعزيز المشاركة المدنية²²⁵.
من منظور نظرية القدرات، تشير النتائج إلى أن المنظمات التطوعية تساهم بشكل كبير في توسيع خيارات الأفراد وتعزيز قدراتهم على عيش حياة يقدرونها²²⁶. العوائد العالية في قطاعات التعليم والصحة تعكس الأثر المباشر لهذه التدخلات على القدرات الأساسية للأفراد، مثل القدرة على التعلم والحصول على الرعاية الصحية والمشاركة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية²²⁷. هذا التفسير يتماشى مع أعمال Amartya Sen حول أهمية التركيز على القدرات كمقياس للتنمية البشرية²²⁸.
من منظور نظرية الآثار الخارجية، تؤكد النتائج على أن المنظمات التطوعية تولد منافع تتجاوز بكثير المستفيدين المباشرين من خدماتها²²⁹. العوائد العالية المحققة تعكس هذه الآثار الخارجية الإيجابية، مثل تحسين الصحة العامة، وزيادة مستوى التعليم في المجتمع، وتقوية التماسك الاجتماعي، وتحسين البيئة. هذه الآثار الخارجية تبرر الدعم العام للقطاع التطوعي من منظور اقتصادي، حيث أن السوق وحده قد لا يوفر المستوى الأمثل من هذه الخدمات²³⁰.
-
- التباين القطاعي والجغرافي: تحليل مقارن
يكشف التباين الكبير في مستويات العائد الاجتماعي بين القطاعات والمناطق المختلفة عن تأثير السياق على فعالية المنظمات التطوعية. تفوق منظمات الصحة في تحقيق أعلى عوائد (6.1:1) يمكن تفسيره من خلال عدة عوامل متداخلة. أولاً، الطبيعة المباشرة والقابلة للقياس لتأثيرات التدخلات الصحية تجعل من السهل نسبياً حساب العوائد الاقتصادية²³¹. على سبيل المثال، برنامج التطعيم يمكن أن يحقق وفورات مباشرة في تكاليف العلاج ووفورات غير مباشرة من خلال تحسين الإنتاجية²³².
ثانياً، التدخلات الصحية الوقائية غالباً ما تحقق عوائد مضاعفة على المدى الطويل. استثمار دولار واحد في الوقاية قد يوفر عدة دولارات في تكاليف العلاج المستقبلية²³³. ثالثاً، الآثار الخارجية الإيجابية للتدخلات الصحية واسعة النطاق، حيث تؤثر على الأسر والمجتمعات والاقتصاد ككل. تحسين الصحة العامة يؤدي إلى زيادة الإنتاجية، وتقليل الغياب عن العمل، وتحسين جودة الحياة²³⁴.
تحقيق منظمات التعليم لعوائد عالية (5.2:1) يتماشى مع الأدبيات الواسعة حول العوائد الاقتصادية للتعليم²³⁵. التعليم يساهم في زيادة الإنتاجية الفردية والجماعية، وتحسين فرص العمل والدخل، وتقليل معدلات الفقر والجريمة، وتعزيز المشاركة المدنية والديمقراطية²³⁶. كما أن للتعليم آثار إيجابية عبر الأجيال، حيث يؤثر تعليم الوالدين على تعليم وصحة ورفاه الأطفال²³⁷.
العوائد المرتفعة لمنظمات التنمية الاقتصادية (4.9:1) تعكس الأثر المباشر لهذه البرامج على تحسين الأوضاع الاقتصادية للمستفيدين²³⁸. برامج التمويل الأصغر، والتدريب المهني، ودعم المشاريع الصغيرة لها آثار مباشرة وقابلة للقياس على الدخل والعمالة. كما أن هذه البرامج غالباً ما تحقق آثاراً مضاعفة من خلال خلق فرص عمل إضافية وتحفيز النشاط الاقتصادي المحلي²³⁹.
العوائد المنخفضة نسبياً لمنظمات البيئة (3.8:1) والخدمات الاجتماعية (3.2:1) تتطلب تفسيراً أكثر دقة. بالنسبة لمنظمات البيئة، قد تكون المنافع طويلة المدى وصعبة التقدير النقدي²⁴⁰. الحفاظ على التنوع البيولوجي، أو تقليل انبعاثات الكربون، أو حماية الموارد الطبيعية له قيمة اقتصادية كبيرة، لكن هذه القيمة قد لا تظهر في الحسابات قصيرة المدى²⁴¹. كما أن العديد من المنافع البيئية لها طبيعة عامة (public goods) مما يجعل من الصعب تحديد قيمتها النقدية بدقة²⁴².
بالنسبة للخدمات الاجتماعية، فإن العديد من المنافع غير ملموسة وصعبة القياس²⁴³. تحسين جودة الحياة، وتقوية التماسك الاجتماعي، وتوفير الدعم النفسي والعاطفي له قيمة كبيرة للمستفيدين والمجتمع، لكن تحويل هذه القيم إلى مقاييس نقدية يبقى تحدياً منهجياً²⁴⁴. هذا لا يعني أن هذه المنظمات أقل أهمية، بل يشير إلى الحاجة لتطوير أدوات قياس أكثر تطوراً لهذا النوع من التأثيرات²⁴⁵.
التباين الجغرافي في العوائد يسلط الضوء على أهمية السياق في تحديد فعالية المنظمات التطوعية. تحقيق المنظمات الأفريقية لأعلى عوائد (5.8:1) يعكس عدة عوامل مترابطة²⁴⁶. أولاً، الحاجة الكبيرة للخدمات الاجتماعية في العديد من البلدان الأفريقية تعني أن أي تدخل فعال يمكن أن يحقق تأثيراً كبيراً نسبياً. في بيئة تعاني من نقص في الخدمات الأساسية، يمكن لتدخل بسيط أن يحدث فرقاً كبيراً²⁴⁷.
ثانياً، انخفاض تكلفة الخدمات والعمالة في العديد من البلدان الأفريقية يزيد من الكفاءة التكلفوية للمنظمات التطوعية²⁴⁸. نفس المبلغ المالي يمكن أن يحقق تأثيراً أكبر في بيئة منخفضة التكلفة مقارنة ببيئة مرتفعة التكلفة. ثالثاً، قوة الشبكات الاجتماعية والتماسك المجتمعي في العديد من المجتمعات الأفريقية تعزز من فعالية التدخلات المجتمعية²⁴⁹. الثقافات الجماعية والتقاليد التعاونية تسهل تنفيذ البرامج وتزيد من استدامة تأثيرها²⁵⁰.
العوائد المنخفضة نسبياً في البلدان المتقدمة تعكس تحديات مختلفة. وجود أنظمة رعاية اجتماعية متطورة يقلل من الحاجة النسبية للخدمات التطوعية، مما يجعل التأثير الإضافي للمنظمات التطوعية أقل وضوحاً²⁵¹. كما أن ارتفاع تكلفة الخدمات والعمالة يقلل من الكفاءة التكلفوية. بالإضافة إلى ذلك، التعقيد الأكبر في البيئة التنظيمية والقانونية قد يزيد من التكاليف الإدارية ويقلل من الكفاءة²⁵².
-
- محددات الأداء العالي: دروس من أفضل الممارسات
يوفر تحليل العوامل المؤثرة على العائد الاجتماعي رؤى قيمة حول محددات الأداء العالي في المنظمات التطوعية. أهمية النهج التشاركي في تحقيق عوائد عالية تؤكد على صحة النظريات التنموية التي تؤكد على أهمية ملكية المجتمع للبرامج والمشاريع²⁵³. المنظمات التي تشرك المستفيدين في جميع مراحل دورة البرنامج تحقق عدة مزايا مهمة²⁵⁴.
أولاً، إشراك المستفيدين يضمن أن البرامج تلبي الحاجات الفعلية وتتناسب مع الأولويات المحلية²⁵⁵. هذا يقلل من مخاطر تصميم برامج لا تلقى قبولاً أو استخداماً من المستفيدين المستهدفين. ثانياً، المشاركة تزيد من الالتزام والملكية، مما يعزز من استدامة التأثيرات²⁵⁶. عندما يشعر المستفيدون بأنهم شركاء في البرنامج وليس مجرد متلقين سلبيين، فإنهم أكثر استعداداً للاستثمار في نجاحه واستمراريته²⁵⁷.
ثالثاً، النهج التشاركي يستفيد من المعرفة والخبرة المحلية، مما يؤدي إلى حلول أكثر ابتكاراً وملاءمة للسياق²⁵⁸. المجتمعات المحلية غالباً ما تمتلك فهماً عميقاً للتحديات والفرص المحلية، والذي يمكن أن يساهم في تطوير تدخلات أكثر فعالية. رابعاً، المشاركة تبني القدرات المحلية وتعزز من رأس المال الاجتماعي، مما يخلق منافع إضافية تتجاوز أهداف البرنامج المباشرة²⁵⁹.
أهمية أنظمة القياس والتقييم في تحسين الأداء تؤكد على مبدأ الإدارة القائمة على الأدلة²⁶⁰. المنظمات التي تستثمر في أنظمة قياس شاملة تحقق عدة مزايا. أولاً، القياس المنتظم يساعد في تحديد ما يعمل وما لا يعمل، مما يتيح التحسين المستمر للبرامج²⁶¹. ثانياً، البيانات الموثوقة تساعد في اتخاذ قرارات مستنيرة حول تخصيص الموارد وتطوير الاستراتيجيات²⁶². ثالثاً، أنظمة القياس تعزز الشفافية والمساءلة، مما يزيد من ثقة الممولين والمستفيدين²⁶³.
أهمية التعاون والشراكة تعكس الطبيعة المعقدة للتحديات الاجتماعية المعاصرة، والتي تتطلب جهوداً متضافرة من منظمات متعددة²⁶⁴. الشراكات تحقق عدة فوائد: تجنب الازدواجية في الجهود، والاستفادة من الخبرات والمهارات المتنوعة، وتحقيق وفورات الحجم، وتوسيع نطاق التأثير²⁶⁵. كما أن الشراكات تتيح للمنظمات الصغيرة الوصول إلى موارد وشبكات أكبر، بينما تتيح للمنظمات الكبيرة الاستفادة من المرونة والابتكار في المنظمات الصغيرة²⁶⁶.
-
- التحديات المنهجية والقيود
رغم الإنجازات المهمة لهذه الدراسة، من المهم الاعتراف بالتحديات المنهجية والقيود التي تؤثر على تفسير النتائج. التحدي الأول هو التعقيد الكامن في التقييم النقدي للنتائج الاجتماعية غير الملموسة²⁶⁷. رغم استخدام تقنيات متقدمة مثل التقييم الشرطي ونماذج الاختيار المنفصل، تبقى هناك درجة من عدم اليقين في تقدير القيم النقدية للنتائج مثل تحسين الثقة بالنفس أو تقوية التماسك الاجتماعي²⁶⁸.
التحدي الثاني هو مسألة العزو السببي، خاصة في البيئات المعقدة التي تعمل فيها عدة منظمات أو برامج حكومية في نفس الوقت²⁶⁹. رغم استخدام تقنيات إحصائية متقدمة للتحكم في هذه العوامل، مثل المطابقة الإحصائية والمتغيرات الأداتية، قد تبقى هناك تأثيرات غير محسوبة تؤثر على دقة النتائج²⁷⁰. هذا التحدي يتطلب حذراً في تفسير النتائج وتجنب المبالغة في ادعاءات السببية²⁷¹.
التحدي الثالث هو التباين في جودة البيانات المتاحة من المنظمات المختلفة²⁷². بعض المنظمات تحتفظ بسجلات مفصلة ودقيقة، بينما أخرى قد تعتمد على بيانات أقل دقة أو مكتملة. هذا التباين قد يؤثر على موثوقية المقارنات بين المنظمات ودقة التحليلات الإحصائية. تم التعامل مع هذا التحدي من خلال تطبيق معايير صارمة لجودة البيانات واستبعاد المنظمات التي لا تلبي هذه المعايير²⁷³.
التحدي الرابع هو إمكانية التحيز في الاختيار، حيث أن المنظمات التي وافقت على المشاركة في الدراسة قد تكون مختلفة بطريقة منهجية عن تلك التي رفضت المشاركة²⁷⁴. المنظمات التي تثق في أدائها قد تكون أكثر استعداداً للمشاركة، مما قد يؤدي إلى تحيز إيجابي في النتائج. تم التعامل مع هذا التحدي من خلال مقارنة خصائص العينة مع الإحصاءات المتاحة عن القطاع التطوعي عموماً²⁷⁵.
-
- الآثار النظرية والمساهمة في المعرفة
تساهم هذه الدراسة في تطوير النظرية الاقتصادية للقطاع التطوعي من خلال عدة جوانب مهمة. أولاً، تقدم أدلة تجريبية واسعة النطاق على القيمة الاقتصادية والاجتماعية للقطاع التطوعي، مما يدعم النظريات حول الآثار الخارجية الإيجابية والقيمة المشتركة²⁷⁶. النتائج تؤكد أن المنظمات التطوعية لا تقتصر على تقديم خدمات اجتماعية فحسب، بل تساهم أيضاً في خلق قيمة اقتصادية حقيقية للمجتمع²⁷⁷.
ثانياً، تطور الدراسة فهماً أعمق لمحددات الأداء في القطاع التطوعي من خلال تحديد العوامل الرئيسية التي تؤثر على العائد الاجتماعي²⁷⁸. هذا الفهم يساهم في تطوير نظريات الإدارة غير الربحية ويوفر أساساً لتطوير استراتيجيات أكثر فعالية. ثالثاً، تقدم الدراسة نموذجاً منهجياً متطوراً لقياس العائد الاجتماعي يتجاوز القيود الموجودة في المنهجيات السابقة²⁷⁹.
من الناحية المنهجية، تساهم الدراسة في تطوير أدوات وتقنيات جديدة لقياس الأثر الاجتماعي²⁸⁰. النهج المختلط المستخدم يوفر نموذجاً يمكن للباحثين الآخرين البناء عليه وتطويره. كما أن التركيز على الشفافية والتوثيق الدقيق للإجراءات المنهجية يساهم في تحسين معايير البحث في هذا المجال²⁸¹.
- الخاتمة والتوصيات
- الخلاصة الرئيسية
تقدم هذه الدراسة أدلة تجريبية شاملة ومقنعة على القيمة الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة للمنظمات التطوعية، حيث تحقق هذه المنظمات متوسط عائد اجتماعي على الاستثمار قدره 4.7:1. هذا يعني أن كل دولار مستثمر في القطاع التطوعي يولد قيمة اجتماعية واقتصادية تقدر بـ 4.7 دولار، مما يجعل هذا القطاع استثماراً مربحاً ومجدياً من الناحية الاجتماعية والاقتصادية²⁸². هذه النتيجة تتجاوز مجرد تأكيد القيمة النظرية للقطاع التطوعي إلى تقديم دليل كمي قوي يمكن استخدامه في اتخاذ قرارات السياسة والتمويل²⁸³.
تكشف الدراسة عن تباين كبير ومعنوي في مستويات العائد بين المجالات المختلفة، حيث تتفوق منظمات الصحة (6.1:1) والتعليم (5.2:1) في تحقيق عوائد عالية، بينما تحقق منظمات البيئة (3.8:1) والخدمات الاجتماعية (3.2:1) عوائد أقل نسبياً²⁸⁴. هذا التباين لا يعكس بالضرورة اختلافاً في الأهمية أو الجودة، بل يعكس طبيعة الأنشطة والتحديات المنهجية في قياس أنواع مختلفة من التأثيرات²⁸⁵.
تحدد الدراسة ثمانية عوامل رئيسية تؤثر على فعالية المنظمات التطوعية، أهمها: النهج التشاركي في تصميم وتنفيذ البرامج، ووجود أنظمة قياس وتقييم فعالة، والتعاون مع منظمات أخرى، والاستثمار في بناء القدرات، وجودة القيادة، وتنوع مصادر التمويل²⁸⁶. هذه العوامل تقدم خارطة طريق واضحة ومدعومة بالأدلة للمنظمات التطوعية لتحسين أدائها وزيادة تأثيرها الاجتماعي²⁸⁷.
-
- التوصيات للمنظمات التطوعية
بناءً على نتائج الدراسة، نوصي المنظمات التطوعية بتبني مجموعة من الاستراتيجيات والممارسات المثبتة علمياً لتحسين أدائها. التوصية الأولى هي تبني النهج التشاركي في جميع مراحل دورة البرنامج، من التخطيط إلى التنفيذ والتقييم²⁸⁸. هذا يتطلب الاستثمار في بناء قدرات المجتمعات المحلية وتطوير آليات فعالة لإشراك المستفيدين في اتخاذ القرارات. يجب أن تتجاوز المشاركة مجرد الاستشارة إلى الشراكة الحقيقية في تحديد الأولويات وتصميم الحلول²⁸⁹.
التوصية الثانية هي تطوير أنظمة قياس وتقييم شاملة تتضمن مؤشرات كمية ونوعية لقياس الأثر قصير وطويل المدى²⁹⁰. هذا يتطلب الاستثمار في التدريب والأدوات والتكنولوجيا اللازمة لجمع وتحليل البيانات بطريقة منهجية. يجب أن تكون أنظمة القياس مصممة ليس فقط للمساءلة الخارجية، بل أيضاً للتعلم والتحسين المستمر²⁹¹.
التوصية الثالثة هي تطوير شراكات استراتيجية مع منظمات أخرى، سواء في القطاع التطوعي أو الحكومي أو الخاص²⁹². هذه الشراكات يجب أن تكون مبنية على أهداف مشتركة واضحة وتوزيع عادل للمسؤوليات والمنافع. يجب على المنظمات تطوير قدراتها في إدارة الشراكات والتعامل مع التحديات التي قد تنشأ من اختلاف الثقافات التنظيمية والأولويات²⁹³.
التوصية الرابعة هي الاستثمار المستمر في بناء قدرات الموظفين والمتطوعين²⁹⁴. هذا يشمل التدريب التقني والمهني، وتطوير مهارات القيادة والإدارة، وبناء القدرات في مجالات متخصصة مثل قياس الأثر وإدارة الشراكات. يجب أن تخصص المنظمات نسبة مناسبة من ميزانيتها لهذا الغرض وتطوير خطط تطوير مهني واضحة²⁹⁵.
-
- التوصيات للممولين والمانحين
نوصي الممولين والمانحين بتبني نهج أكثر شمولية ومرونة في تقييم ودعم المنظمات التطوعية. التوصية الأولى هي تطوير معايير تقييم تتجاوز المؤشرات المالية التقليدية لتشمل قياس الأثر الاجتماعي والاقتصادي²⁹⁶. هذا يتطلب الاستثمار في تطوير أدوات وقدرات لقياس العائد الاجتماعي على الاستثمار، والاعتراف بأن هذا القياس قد يتطلب وقتاً وموارد إضافية²⁹⁷.
التوصية الثانية هي تطوير آليات تمويل مرنة تدعم الابتكار والتجريب²⁹⁸. هذا يشمل توفير تمويل للمراحل التجريبية للبرامج الجديدة، ودعم المنظمات في تطوير نماذج أعمال مستدامة، وتوفير التمويل طويل المدى اللازم لتحقيق التأثيرات المستدامة. يجب على الممولين تجنب التركيز المفرط على النتائج قصيرة المدى والاعتراف بأن التغيير الاجتماعي الحقيقي يتطلب وقتاً²⁹⁹.
التوصية الثالثة هي دعم المنظمات في تطوير قدراتها في مجال القياس والتقييم من خلال التدريب والمساعدة التقنية³⁰⁰. هذا يمكن أن يشمل تمويل برامج تدريبية متخصصة، وتوفير استشارات تقنية، ودعم تطوير أنظمة إدارة البيانات. الهدف هو بناء قدرات مستدامة في القطاع التطوعي وليس مجرد تلبية متطلبات التقارير³⁰¹.
-
- التوصيات لصناع السياسة
نوصي صناع السياسة بتطوير سياسات أكثر شمولية ودعماً للقطاع التطوعي تعترف بقيمته الاقتصادية والاجتماعية. التوصية الأولى هي تطوير أطر سياسية تدعم نمو وتطوير القطاع التطوعي³⁰². هذا يشمل توفير الحوافز الضريبية المناسبة، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتطوير أطر تنظيمية مرنة تدعم الابتكار دون التضحية بالمساءلة والشفافية³⁰³.
التوصية الثانية هي تطوير آليات للتعاون والتنسيق بين القطاع التطوعي والحكومي³⁰⁴. هذا يشمل إشراك المنظمات التطوعية في تصميم وتنفيذ السياسات العامة، وتطوير آليات للحوار المستمر، وإنشاء منصات للتعلم المتبادل وتبادل أفضل الممارسات. يجب أن تكون هذه الآليات مبنية على الاحترام المتبادل والاعتراف بالأدوار المكملة لكل قطاع³⁰⁵.
التوصية الثالثة هي الاستثمار في البحث والتطوير في مجال قياس الأثر الاجتماعي³⁰⁶. هذا يشمل دعم البحوث الأكاديمية، وتطوير أدوات ومنهجيات جديدة، وإنشاء قواعد بيانات وطنية حول أداء القطاع التطوعي. الهدف هو تطوير قاعدة معرفية قوية تدعم اتخاذ قرارات سياسية مستنيرة³⁰⁷.
-
- الاتجاهات المستقبلية للبحث
تفتح هذه الدراسة آفاقاً جديدة ومثيرة للبحث المستقبلي في عدة مجالات مهمة. أولاً، هناك حاجة لدراسات طولية تتبع تطور الأثر الاجتماعي للمنظمات التطوعية على مدى فترات زمنية أطول لفهم الاستدامة والتأثيرات طويلة المدى³⁰⁸. هذه الدراسات ستساعد في فهم كيفية تطور التأثيرات عبر الزمن وتحديد العوامل التي تساهم في استدامة التغيير³⁰⁹.
ثانياً، هناك حاجة لدراسات مقارنة تحلل فعالية المنظمات التطوعية مقارنة بالقطاع الحكومي والخاص في تقديم نفس الخدمات³¹⁰. هذا سيساعد في تحديد المجالات التي يتمتع فيها كل قطاع بميزة نسبية وتطوير نماذج أكثر فعالية للتعاون بين القطاعات³¹¹.
ثالثاً، هناك حاجة لتطوير منهجيات أكثر تطوراً لقياس النتائج الاجتماعية غير الملموسة³¹². هذا يشمل استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، وتطوير أدوات جديدة للتقييم النوعي، واستكشاف طرق مبتكرة لإشراك المستفيدين في عملية التقييم³¹³.
رابعاً، هناك حاجة لدراسات تركز على تأثير التكنولوجيا الرقمية على فعالية المنظمات التطوعية وطرق تقديم الخدمات³¹⁴. مع التطور السريع في التكنولوجيا، من المهم فهم كيف يمكن للمنظمات التطوعية الاستفادة من هذه التطورات لتحسين أدائها وتوسيع نطاق تأثيرها³¹⁵.
المراجع
- Arvidson, M., Lyon, F., McKay, S., & Moro, D. (2013). Valuing the social? The nature and controversies of measuring social return on investment (SROI). Voluntary Sector Review, 4(1), 3-18.
- Banke-Thomas, A., Madaj, B., Charles, A., & van den Broek, N. (2015). Social return on investment (SROI) methodology to account for value for money of public health interventions: a systematic review. BMC Public Health, 15(1), 582.
- Bagnoli, L., & Megali, C. (2011). Measuring performance in social enterprises. Nonprofit and Voluntary Sector Quarterly, 40(1), 149-165.
- Barman, E. (2007). What is the bottom line for nonprofit organizations? A history of measurement in the British voluntary sector. Voluntas, 18(2), 101-115.
- Battilana, J., & Lee, M. (2014). Advancing research on hybrid organizing–Insights from the study of social enterprises. Academy of Management Annals, 8(1), 397-441.
- Becker, H. A. (2001). Social impact assessment. European Journal of Operational Research, 128(2), 311-321.
- Bengo, I., Arena, M., Azzone, G., & Calderini, M. (2016). Indicators and metrics for social business: a review of current approaches. Journal of Social Entrepreneurship, 7(1), 1-24.
- Brandsen, T., & Karré, P. M. (2011). Hybrid organizations: No cause for concern? International Journal of Public Administration, 34(13), 827-836.
- Brouard, F., Larivet, S., & Sakka, O. (2010). Entrepreneurial orientation versus market orientation: Towards the development of a new measure for social entrepreneurship. Academy of Entrepreneurship Journal, 16(2), 39-56.
- Bull, M. (2007). “Balance”: the development of a social enterprise business performance analysis tool. Social Enterprise Journal, 3(1), 49-66.
- Cabinet Office. (2012). A guide to social return on investment. The SROI Network.
- Carini, C., Carpita, M., & Andreaus, M. (2018). The Italian social cooperatives in 2008: A portrait using descriptive and principal component analysis. Euricse Working Papers, 76(18).
- Clark, C., Rosenzweig, W., Long, D., & Olsen, S. (2004). Double bottom line project report: Assessing social impact in double bottom line ventures. University of California at Berkeley.
- Clifford, J., Markey, K., & Malpani, N. (2013). Measuring social impact in social enterprise: The state of thought and practice in the UK. E3M Working Paper.
- Costa, E., & Pesci, C. (2016). Social impact measurement: why do stakeholders matter? Sustainability Accounting, Management and Policy Journal, 7(1), 99-124.
- Dees, J. G. (1998). The meaning of social entrepreneurship. Comments and suggestions contributed from the Social Entrepreneurship Funders Working Group, 6.
- Defourny, J., & Nyssens, M. (2010). Conceptions of social enterprise and social entrepreneurship in Europe and the United States: Convergences and divergences. Journal of Social Entrepreneurship, 1(1), 32-53.
- Doherty, B., Haugh, H., & Lyon, F. (2014). Social enterprises as hybrid organizations: A review and research agenda. International Journal of Management Reviews, 16(4), 417-436.
- Ebrahim, A., & Rangan, V. K. (2014). What impact? A framework for measuring the scale and scope of social performance. California Management Review, 56(3), 118-141.
- Emerson, J. (2003). The blended value proposition: Integrating social and financial returns. California Management Review, 45(4), 35-51.
- Emerson, J., Wachowicz, J., & Chun, S. (2000). Social return on investment: Exploring aspects of value creation in the nonprofit sector. The Roberts Foundation.
- Esteves, A. M., Franks, D., & Vanclay, F. (2012). Social impact assessment: the state of the art. Impact Assessment and Project Appraisal, 30(1), 34-42.
- Flockhart, A. (2005). Raising the profile of social enterprises: the use of social return on investment (SROI) and investment ready tools (IRT) to bridge the financial credibility gap. Social Enterprise Journal, 1(1), 29-42.
- Gibbon, J., & Dey, C. (2011). Developments in social impact measurement in the third sector: scaling up or dumbing down? Social and Environmental Accountability Journal, 31(1), 63-72.
- Gidron, B., & Hasenfeld, Y. (2012). Social enterprises: An organizational perspective. Palgrave Macmillan.
- Grieco, C., Michelini, L., & Iasevoli, G. (2015). Measuring value creation in social enterprises: A cluster analysis of social impact assessment models. Nonprofit and Voluntary Sector Quarterly, 44(6), 1173-1193.
- Hall, M., & Millo, Y. (2018). Choosing an accounting method to explain public policy: Social return on investment and UK non-profit sector policy. European Accounting Review, 27(2), 339-361.
- Harlock, J. (2013). Impact measurement practice in the UK third sector: a review of emerging evidence. Third Sector Research Centre Working Paper, 106.
- Hervieux, C., Gedajlovic, E., & Turcotte, M. F. B. (2010). The legitimization of social entrepreneurship. Journal of Enterprising Communities: People and Places in the Global Economy, 4(1), 37-67.
- Hockerts, K. (2006). Entrepreneurial opportunity in social purpose business ventures. Social entrepreneurship, 142-154.
- Hudon, M., & Sandberg, J. (2013). The ethical crisis in microfinance: Issues, findings, and implications. Business Ethics Quarterly, 23(4), 561-589.
- Iammarino, S., Piva, M., Vivarelli, M., & Von Tunzelmann, N. (2012). Technological capabilities and patterns of innovative cooperation of UK firms. Regional Studies, 46(10), 1283-1301.
- Jackson, E. T. (2013). Interrogating the theory of change: evaluating impact investing where it matters most. Journal of Sustainable Finance & Investment, 3(2), 95-110.
- Kanter, R. M., & Summers, D. V. (1987). Doing well while doing good: Dilemmas of performance measurement in nonprofit organizations and the need for a multiple‐constituency approach. The nonprofit sector: A research handbook, 1, 154-166.
- Kerlin, J. A. (2006). Social enterprise in the United States and Europe: Understanding and learning from the differences. Voluntas, 17(3), 246-262.
- Kroeger, A., & Weber, C. (2014). Developing a conceptual framework for comparing social value creation. Academy of Management Review, 39(4), 513-540.
- Laville, J. L., & Nyssens, M. (2001). The social enterprise: towards a theoretical socio‐economic approach. The emergence of social enterprise, 312-332.
- Leadbeater, C. (1997). The rise of the social entrepreneur. Demos.
- Lepoutre, J., Justo, R., Terjesen, S., & Bosma, N. (2013). Designing a global standardized methodology for measuring social entrepreneurship activity: the Global Entrepreneurship Monitor social entrepreneurship study. Small Business Economics, 40(3), 693-714.
- Lingane, A., & Olsen, S. (2004). Guidelines for social return on investment. California Management Review, 46(3), 116-135.
- Luke, B., Barraket, J., & Eversole, R. (2013). Measurement as legitimacy versus legitimacy of measures: Performance evaluation of social enterprise. Qualitative Research in Accounting & Management, 10(3/4), 234-258.
- Mair, J., & Martí, I. (2006). Social entrepreneurship research: A source of explanation, prediction, and delight. Journal of World Business, 41(1), 36-44.
- Mair, J., & Noboa, E. (2006). Social entrepreneurship: How intentions to create a social venture are formed. Social entrepreneurship, 121-135.
- Maas, K., & Liket, K. (2011). Social impact measurement: Classification of methods. Environmental management accounting and supply chain management, 171-202.
- McLoughlin, J., Kaminski, J., Sodagar, B., Khan, S., Harris, R., Arnaudo, G., & McBrearty, S. (2009). A strategic approach to social impact measurement of social enterprises: The SIMPLE methodology. Social Enterprise Journal, 5(2), 154-178.
- Millar, R., & Hall, K. (2013). Social return on investment (SROI) and performance measurement: The opportunities and barriers for social enterprises in health and social care. Public Management Review, 15(6), 923-941.
- Mulgan, G. (2010). Measuring social value. Stanford Social Innovation Review, 8(3), 38-43.
- Mulgan, G., Tucker, S., Ali, R., & Sanders, B. (2007). Social innovation: what it is, why it matters and how it can be accelerated. Skoll Centre for Social Entrepreneurship.
- Muscat, E., & Whitty, M. (2009). Social impact assessment in the microfinance industry: A review of the literature. Progress in Development Studies, 9(4), 285-298.
- Nicholls, A. (2009). ‘We do good things, don’t we?’: ‘Blended Value Accounting’ in social entrepreneurship. Accounting, Organizations and Society, 34(6-7), 755-769.
- Nicholls, J., Lawlor, E., Neitzert, E., & Goodspeed, T. (2012). A guide to social return on investment. The SROI Network.
- O’Neill, S., Gish, L., Collin, P., Hutton, A., Banfield, M., Halverson, C., & Karimi, L. (2016). Mental health and wellbeing benefits of a sport-based mentoring programme for young people: Design of a randomised controlled trial. Contemporary Clinical Trials, 51, 76-85.
- Olsen, S., & Galimidi, B. (2008). Catalog of approaches to impact measurement. Social Venture Technology Group.
- Peattie, K., & Morley, A. (2008). Eight paradoxes of the social enterprise research agenda. Social Enterprise Journal.
- Peredo, A. M., & McLean, M. (2006). Social entrepreneurship: A critical review of the concept. Journal of World Business, 41(1), 56-65.
- Polonsky, M., & Grau, S. L. (2011). Assessing the social impact of charitable organizations—four alternative approaches. International Journal of Nonprofit and Voluntary Sector Marketing, 16(2), 195-211.
- Porter, M. E., & Kramer, M. R. (2011). Creating shared value. Harvard Business Review, 89(1/2), 62-77.
- Rawhouser, H., Cummings, M., & Newbert, S. L. (2019). Social impact measurement: Current approaches and future directions for social entrepreneurship research. Entrepreneurship Theory and Practice, 43(1), 82-115.
- Reeder, N., Colantonio, A., Loder, J., & Rocyn Jones, G. (2015). Measuring impact and non-academic engagement: Can social return on investment help? PLoS One, 10(8), e0135491.
- Ryan, P. W., & Lyne, I. (2008). Social enterprise and the measurement of social value: methodological issues with the calculation and application of the social return on investment. Education, Knowledge & Economy, 2(3), 223-237.
- Salamon, L. M., & Anheier, H. K. (1997). Defining the nonprofit sector: A cross-national analysis. Manchester University Press.
- Santos, F. M. (2012). A positive theory of social entrepreneurship. Journal of Business Ethics, 111(3), 335-351.
- Scholten, P., Nicholls, J., Olsen, S., & Galimidi, B. (2006). Social return on investment: A guide to SROI analysis. Lenthe Publishers.
- Seelos, C., & Mair, J. (2005). Social entrepreneurship: Creating new business models to serve the poor. Business Horizons, 48(3), 241-246.
- Shaw, E., & Carter, S. (2007). Social entrepreneurship: Theoretical antecedents and empirical analysis of entrepreneurial processes and outcomes. Journal of Small Business and Enterprise Development, 14(3), 418-434.
- Short, J. C., Moss, T. W., & Lumpkin, G. T. (2009). Research in social entrepreneurship: Past contributions and future opportunities. Strategic Entrepreneurship Journal, 3(2), 161-194.
- Simms, S. V. (2009). Understanding non-profit effectiveness through the lens of complex adaptive systems theory. University of Pennsylvania.
- So, I., & Staskevicius, A. (2015). Measuring the “impact” in impact investing. Harvard Business School.
- Teasdale, S. (2012). What’s in a name? Making sense of social enterprise discourses. Public Policy and Administration, 27(2), 99-119.
- Thompson, J., & Doherty, B. (2006). The diverse world of social enterprise: A collection of social enterprise stories. International Journal of Social Economics, 33(5/6), 361-375.
- Tracey, P., & Phillips, N. (2007). The distinctive challenge of educating social entrepreneurs: A postgraduate curriculum for social entrepreneurship. Management Learning, 38(3), 365-370.
- Vanclay, F. (2003). International principles for social impact assessment. Impact Assessment and Project Appraisal, 21(1), 5-12.
- Weerawardena, J., & Mort, G. S. (2006). Investigating social entrepreneurship: A multidimensional model. Journal of World Business, 41(1), 21-35.
- Weisbrod, B. A. (1988). The nonprofit economy. Harvard University Press.
- Wood, C., & Leighton, D. (2010). Measuring social value: the gap between policy and practice. Demos.
- Yunus, M. (2007). Creating a world without poverty: Social business and the future of capitalism. PublicAffairs.
- Zahra, S. A., Gedajlovic, E., Neubaum, D. O., & Shulman, J. M. (2009). A typology of social entrepreneurs: Motives, search processes and ethical challenges. Journal of Business Venturing, 24(5), 519-532.
- Zainon, S., Ahmad, S. A., Aman, A., Md Auzair, S., Md Kassim, A. A., & Maelah, R. (2014). Institutional donors’ expectation of information from the non-profit organizations (NPOs) reporting: Malaysian evidence. Procedia-Social and Behavioral Sciences, 164, 478-484.
- Zimmermann, J. A. (2009). Using a social return on investment analysis to measure and promote positive change in marginalized populations. New Directions for Evaluation, 2009(124), 117-129.
- Arvidson, M., & Lyon, F. (2014). Social impact measurement and non-profit organisations: compliance, resistance, and promotion. Voluntas, 25(4), 869-886.