دور الجيش في النظام السياسي المصري بعد عام 2011

The Role of the Army in the Egyptian Regime after 2011

كرار يحيى سلمان دوحي1، ا.م.د استبرق فاضل شعير2

1 جامعة النهرين، قسم الدراسات العليًا، العراق.

2 جامعة النهرين، كليه العلوم السياسية، العراق.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj610/26

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/610/26

المجلد (6) العدد (10). الصفحات: 407 - 426

تاريخ الاستقبال: 2025-09-07 | تاريخ القبول: 2025-09-15 | تاريخ النشر: 2025-10-01

Download PDF

المستخلص: تبحث الدراسة دور الجيش المصري في بنية النظام السياسي منذ 2011، مع التركيز على مرحلة رئاسة محمد مرسي والتحولات التي أفضت إلى 3 يوليو/تموز 2013 وما بعدها. تعتمد الدراسة منهجًا تحليليًا-تاريخيًا يُقارب تفاعل المؤسستين المدنية والعسكرية عبر ثلاثة محاور: (1) الدور السياسي للمؤسسة العسكرية خلال حكم مرسي، متضمّنًا صراع الإعلانات الدستورية، إعادة تشكيل المجلس العسكري (من طنطاوي إلى السيسي)، وموقع الجيش في دستور 2012 وحدود الامتثال للسيطرة المدنية؛ (2) الأدوار غير التقليدية للجيش في الأمن الداخلي والاقتصاد وصناعة السياسات، بما في ذلك تفويضات حفظ الأمن المؤقتة، واتساع النشاط الاقتصادي المحصّن دستوريًا، ودور مجلس الدفاع الوطني؛ (3) التحولات السياسية في ظل الحكم المدني والصراع حول الدستور والبرلمان وصولًا إلى تفسيرات متباينة لوقائع 3 يوليو بين “ثورة تصحيحية” و“انقلاب عسكري”. وتستعرض الدراسة أسباب التدخل العسكري وفق حزمة عوامل مجتمعية (انقسام النخب، الاستقطاب، التدهور الاقتصادي، توترات الهوية/العلاقات مع الأقباط) وأخرى ذاتية مرتبطة بحسابات المؤسسة العسكرية. كما ترصد المرحلة الانتقالية الثانية (رئاسة عدلي منصور)، ثم إعادة تركيب العلاقات المدنية-العسكرية في عهد عبد الفتاح السيسي عبر دسترة امتيازات الجيش في 2014، واتساع حضوره الاقتصادي والسياسي، وتبدّل أنماط المشاركة السياسية والانتخابات الرئاسية (2014/2018) وما تخللها من إقصاءات وصراعات داخلية. وتخلص الدراسة إلى أن مسار ما بعد 2013 أسّس لتوازن قوى يميل لصالح المؤسسة العسكرية عبر أدوات دستورية وقانونية واقتصادية وأمنية، بما قيد فرص التحول الديمقراطي التوافقي وأبقى العلاقات المدنية-العسكرية في مصر في حالة “استقرار سلطوي” مرن يَصعُب فصله عن أدوار الجيش فوق-الدستورية.

الكلمات المفتاحية: العلاقات المدنية-العسكرية، المؤسسة العسكرية المصرية، التحول الديمقراطي، دستور 2014، 3 يوليو 2013.

Abstract: This study examines the role of the Egyptian military within the political system since 2011, with emphasis on the presidency of Mohamed Morsi and the transformations that culminated in the events of July 3, 2013 and their aftermath. Using a historical-analytical approach, the research explores three dimensions: (1) the political role of the armed forces during Morsi’s presidency, including constitutional declaration conflicts, the reshaping of the Supreme Council of the Armed Forces, the army’s position in the 2012 constitution, and the limits of civilian control; (2) the non-traditional roles of the military in internal security, economic activities, and public policy-making, highlighting its constitutional protection and continued expansion; and (3) political transitions under civilian rule, marked by disputes over the constitution and parliament, ending in divergent interpretations of July 3 as either a “corrective revolution” or a “military coup.” The study identifies factors behind military intervention, including weak democratic culture among elites, acute polarization, economic deterioration, and sectarian-cultural tensions, alongside the army’s institutional interests. It further analyzes the transitional phase under interim president Adly Mansour, the entrenchment of military privileges in the 2014 constitution, the consolidation of Abdel Fattah al-Sisi’s presidency, and the broadening of the army’s political and economic influence. The findings conclude that post-2013 dynamics institutionalized the military’s supra-constitutional authority, restricting the prospects for consensual democratic transition and perpetuating a form of “authoritarian stability” in civil-military relations in Egypt.

Keywords: Civil-military relations, Egyptian Armed Forces, Democratic transition, 2014 Constitution, July 3, 2013.

المقدمة:

مع انتخاب محمد مرسي رئيسًا للجمهورية، شُغِل منصب الرئاسة للمرة الأولى بعد أن ظل شاغرًا لمدة ستة عشر شهرًا منذ إطاحة حسني مبارك، وهو منصب يعد ركيزة أساسية للاستقرار وضمانة لأي انتقال ناجح نحو الديمقراطية. جاء فوز مرسي بعد جولة ثانية من انتخابات رئاسية تنافسية حصل فيها على 51.7% من الأصوات، متغلبًا على الفريق أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء في عهد مبارك وصاحب الخلفية العسكرية. ومع توليه المنصب في 30 يونيو/حزيران 2012، وجد مرسي نفسه في مواجهة حتمية مع مؤسسات الدولة القديمة؛ من جهة السلطة القضائية الموروثة من عهد مبارك الساعية إلى تقليص مكاسب الإسلاميين، ومن جهة أخرى المؤسسة العسكرية المصممة على الحفاظ على نفوذها وسلطاتها.

خلال يومي 29 و30 يونيو/حزيران، ألقى مرسي أربعة خطابات متتابعة: الأول أمام الثوار في ميدان التحرير، والثاني أمام المحكمة الدستورية العليا عقب أدائه اليمين الدستورية، والثالث في جامعة القاهرة حيث دعا القوى السياسية إلى اجتماع وطني واسع، أما الرابع فكان أمام المجلس العسكري في احتفال رسمي لتسليم السلطة. في جميع هذه الخطابات، قدّم مرسي نفسه باعتباره رجل توافق يسعى إلى الجمع بين الشرعيتين الدستورية والثورية، مؤكدًا احترامه لمؤسسات الدولة كافة من مجلس عسكري ومحكمة دستورية وشرطة، إلى جانب احترامه للقوى الثورية. وهنا يبرز التساؤل المحوري: كيف يمكن لمرسي أن يوفق بين هذه الأطراف المتباينة ويؤدي دورًا توفيقيًا بينها؟

أولا : الدور السياسي للمؤسسة العسكرية

نناقش في هذا المحور بمجموعة من النقاط المهمة، بداية من صراع الإعلانات الدستورية بين المجلس العسكري وإعلانه الدستوري المكمل وبين الرئيس محمد مرسي وإعلانه الدستوري في 22 نوفمبر / تشرين الثاني 2012، ثم مرورا بالتغير في تكوين المجلس العسكري عقب الإطاحة بالمشير طنطاوي ورئيس الأركان سامي عنان، وأيضا سنناقش طبيعة وضع الجيش في دستور 2012، وانتهاء بالوقوف على مدى امتثال الجيش السلطة الرئيس المديني محمد مرسي[1] .

١/ السيطرة المدنية على الجيش

لأول مرة في تاريخ مصر المعاصر، نكون أمام سلطة مدنية لها سيادة دستورية على القوات المسلحة، وحسب كل نظريات العلاقات المدنية – العسكرية، فإن ” السيطرة المدنية ” على القوات المسلحة مثل محددا أساسيا للتحول الديمقراطي، وبالتالي، فإن التحرك قدما نحو التحول الديمقراطي في مصر، يتطلب إثبات الرئيس المدني لسيطرته على المؤسسة العسكرية . وخلال تلك الفترة كان من الواضح أن الجنرالات لا يريدون أن [2]يحكموا بشكل مباشر، إلا أنهم يريدون أن يبقوا ” قوة ” بجانب رئيس ضعيف و برلمان محدود الصلاحيات[3].

صراع الإعلانات الدستورية

عشية جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية التي جرت في 16 و 17 يونيو / حزيران 2012 بين جنرال القوات الجوية، أحمد شفيق، ومرشح حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، محمد مرسي، المجلس العسكري إعلانا دستوريا مكملا في 17 يونيو / حزيران 2012 . وكانت سلطة المجلس العسكري للإشراف على شؤون الجيش واضحة ضمن هذا شعب المواجهة في الفترة ما بين شهري يوليو / تموز وأغسطس / آب 2012، وفي 10 يوليو / تموز 2012، أسقطت المحكمة الدستورية، وبتأييد من المجلس العسكري، محاولة رئاسية لإعادة عقد البرلمان المنحل . وفي 22 نوفمبر / تشرين الثاني 2012، أصدر مرسي إعلانا دستوريا كان الهدف منه عزل النائب العام الذي عينه مبارك، وحماية ما تبقى من المؤسسات المنتخبة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر -وجميعها ذات أغلبية إسلامية – من الحل من قبل المحكمة الدستورية التي كانت تحت سيطرة أفراد أغلبهم من عهد مبارك، وإعادة محاكمة قادة أمنيين تمت تبرئتهم، وتعويض ضحايا القمع خلال الانتفاضة وبعدها . وقد نصت المادة الثانية من الإعلان الدستوري على أن[4] ” الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات السابقة عن رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة في 30 يونيو / حزيران 2012 وحتى نفاذ الدستور وانتخاب جديد تكون نهائية ونافذة بذاتها غير قابلة للطعن عليها بأي طريق وأمام أية جهة، كما لا يجوز التعرض بقراراته بوقف التنفيذ أو الإلغاء وتنقضي جميع الدعاوى المتعلقة بها والمنظورة أمام أية جهة قضائية ” . وفي حين تسبب هذا الإعلان الدستوري في تزايد حدة السخط ضد أسلوب الرئيس محمد مرسي في الحكم وجعل السياسيين المنافسين، وكبار البيروقراطيين، وقادة المؤسسة العسكرية يشعرون بقلق أكبر من نفوذه المحتملة )، إلا أن النظام الحاكم كان يرى فيه محاولة القطع الطريق على الطعن القانوني الذي كان على وشك أن ينظر فيه من قبل المحكمة الإدارية العليا بشأن إبطال قرار الرئيس مرسي بإلغاء الإعلان الدستوري

المجلس العسكري من طنطاوي إلى السيسي

كنوع من المواجهة لإعلان 17 يونيو / حزيران 2012 الدستوري الذي منح المجلس العسكري سلطة التشريع في ظل حل المحكمة الدستورية للبرلمان، قام محمد مرسي في 8 يوليو / تموز 2012 بالدعوة لعودة البرلمان المنحل، كان هذا القرار مفاجئا، والبعض أورد أنه لم يتم استشارة الجيش قبل إعلان القرار بشكل رسمي ؛ حيث إنه من خلال إعادة البرلمان [5]، فإن مرسي ينزع سلطة التشريع من أيدي المجلس العسكري ويعيدها للبرلمان، إضافة إلى ذلك فقد أعلن أنه خلال 60 يوما من صدور الدستور الجديد، يتم إجراء انتخابات برلمانية جديدة . وهذه الطريقة، حاول مرسي القيام بشكل من أشكال المساومة لإرضاء الأطراف الداخلة في عملية بناء الدولة، على الأقل سيحصل الجيش على جزء مما أراده -برلمان جديد خلال أشهر – وبذلك يمكن للإسلاميين أن يتجنبوا هيمنة الجيش على السلطة التشريعية . وقد أوضحت تلك الخطوة رغبة مرسي في السلطات العليا للجيش بطريقة استرضائية 1 ) . وجاءت خطوة مرسي الأكثر أهمية بعد شهر من انتخابه، عندما قام بشكل غير متوقع بإقالة قادة المجلس العسكري . وأبرز ما ميز هذا القرار هو ترك الجنرال محمد حسين طنطاوي ورئيس أركانه السلطة بدون بعد إقالتهما، وبالتالي [6]نجح في إبعاد المجلس العسكري الذي كان ينظر إليه باعتباره إحدى مؤسسات النظام السابق، وقام بتعيين جنرال أقل شهرة، وهو اللواء عبد الفتاح السيسي، في منصب وزير الدفاع والإنتاج الحربي في ذلك الوقت، تم تفسير تلك الخطوة على أنها تأكيد كبير على السيطرة قا رئيس مرسي

٢/ الجيش في الدستور الجديد

جاء الدستور الأول للجمهورية الثانية في مصر في سياق استئثار تيار الإسلام السياسي تحت قيادة جماعة الإخوان المسلمين بإنشاء الجمعية التأسيسية التي وضعته في خضم صراع محتدم بين الإخوان المسيطرين على منصب الرئاسة، وكافة مؤسسات الدولة المستعصية على الانصياع لهم، وبقية التيارات السياسية المنضوية تحت لواء ” جبهة الإنقاذ [7]” وعلى الرغم من انسحاب العديد من ممثلي التيارات السياسية والكنيسة القبطية، إلا أن ممثل القوات المسلحة، اللواء ممدوح شاهين، استمر في عضوية الجمعية، حيث لم يكن توجه القوى الإسلامية داخل الجمعية فيما يخص المواد المتعلقة بالمؤسسة العسكرية بنفس الحدة التي كان عليها فيما يتعلق بمواد هوية الدولة والموقف من الشريعة الإسلامية، وكانت النتيجة حصول الجيش على وضع متميز في هذا الدستور الجديد . جاء الفصل الخامس من الدستور بعنوان ” الأمن القومي والدفاع “، وفي الفرع الأول منه جاء ” بمجلس الأمن القومي ” ( المادة 193 ) وهو مستحدث في الدستور، وقد بينت المادة تكوينه من قيادات مؤسسات الدولة والجيش . وأما الفرع الثاني بعنوان ” القوات المسلحة ” فيتضمن المواد ( 194 إلى 196 ) . وتنص المادة ( 194 ) على أن الدولة وحدها التي يجوز لها إنشاء تلك القوات، وتحظر على أية فئة أو جماعة إنشاء تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية، وأما المادة ( 195 ) فهي مستحدثة وتنص على أن وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة، ويعين من بين ضباطها، وهو ما يقطع بشكل حاسم أي حديث بشأن تولي مدني هذا المنصب على غرار العديد من الدول الديمقراطية، وذلك لخطورة وجود وزير دفاع مدني داخل مجلس الوزراء على مصالح القوات المسلحة . وتضمنت المادة ( 196 ) الإشارة إلى أن القانون ينظم التعبئة العامة، وتناولت أمورا تتعلق بالخدمة والترقية والتقاعد في القوات المسلحة، وذلك بما يخفف من سلطة التعيين والفصل التي يتمتع كما الرئيس، كما تناولت المادة اختصاص اللجان القضائية لضباط وأفراد القوات المسلحة من دون غيرها ( أي مجلس الدولة ) بالفصل في كافة المنازعات الإدارية الخاصة بالقرارات الصادرة بشأنهم، في تأكيد دستوري على استقلال القوات المسلحة بشؤونها[8].

٣/ الامتثال العسكري للسيطرة المدنية

يهدف هذا المحور إلى استجلاء مدى تقبّل المؤسسة العسكرية لفكرة الخضوع لسلطة مدنية خلال فترة حكم الرئيس محمد مرسي. غير أن الحديث عن الامتثال العسكري يظل مرتبطًا ابتداءً بمدى وجود سيطرة مدنية حقيقية؛ إذ يتضح أن الجيش قد حصل على استقلالية واسعة ضمن الدستور الجديد، سواء في شؤونه المالية أو في الجوانب الإدارية والترقيات، مما جعل صلاحيات الرئاسة والمؤسسات المدنية الأخرى على المؤسسة العسكرية محدودة للغاية.

وفي إطار ممارسته لصلاحيات التعيين والترقية والعزل، أقدم الرئيس مرسي على إبعاد عدد من أبرز قادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وفي مقدمتهم المشير حسين طنطاوي، رئيس المجلس، والفريق سامي عنان، رئيس الأركان. ورغم أن طريقة إخراج المشهد ـ عبر منح طنطاوي قلادة النيل، ومنح عنان قلادة الجمهورية، وتعيينهما في مناصب أخرى، إلى جانب اختيار وزير دفاع من داخل المجلس العسكري ـ عكست رغبة مرسي في استيعاب المؤسسة العسكرية وتجنب الصدام المباشر معها، فإن ذلك لم يبدد مشاعر التململ داخل الجيش. فقد كشفت تصريحات لاحقة لوزير الدفاع آنذاك، عبد الفتاح السيسي، في حوار مسرّب مع صحيفة المصري اليوم، عن استياء المؤسسة العسكرية من هذه القرارات، مشيرًا إلى جرأة مرسي وعدم إدراكه لحجم وقوة المؤسسة العسكرية عند إقدامه على إقالة قادتها.

ثانيا : الأدوار غير التقليدية للقوات المسلحة

تناقش في هذا المحور طبيعة دور المؤسسة العسكرية في حماية الأمن الداخلي خلال فترة حكم الرئيس محمد مرسي، وطبيعة الأدوار الداخلية الأخرى التي قامت با خلال تلك الفترة وبشكل خاص الأدوار الاقتصادية، ومن ثم نشير إلى دور القوات المسلحة في صنع السياسات العامة [9].

الأمن الداخلي

بعد انتخاب محمد مرسي انحسر دور الجيش في الشارع، ومن ثم تراجعت مظاهر الصدام المادي بالقوى الثورية، وكان ابتعاد الجيش عن مهام الإدارة اليومية جعلته محافظ عاملا مهما في ابتعاده عن تحمل المسؤولية، وبالتالي ترك مسؤولية إدارة الدولة وفرض النظام للحاكم الجديد، إلا أن عدم استقرار الأوضاع بشكل كبير خلال فترة حكم الرئيس مرسي على وجود موسمي للجيش في الفعاليات والأحداث المهمة . فعلى سبيل المثال، أصدر الرئيس مرسي قرارا بقانون تحت رقم ( 107 ) لسنة 2012، وذلك في إطار الاستعداد للاستفتاء على مسودة الدستور، وجاء في المادة الأولى من هذا القرار ” تدعم القوات المسلحة أجهزة الشرطة، و بالتنسيق الكامل معها، في إجراءات حفظ الأمن، وحماية المنشآت الحيوية في الدولة، لفترة مؤقتة حتى إعلان نتيجة الاستفتاء على الدستور .. ويحدد وزیر الدفاع المناطق وأفراد القوات المسلحة ومهامهم، مع عدم الإخلال بدور القوات المسلحة في حماية البلاد وسلامة أراضيها وأمنها “، كما تضمن القرار منح ضباط وأفراد القوات المسلحة، المشاركين في مهام حفظ الأمن، حق ” الضبطية القضائية ” . وهكذا أقر نظام الحكم المدني القادم بعد الثورة بأهمية دور المؤسسة العسكرية الداخلي في حفظ الأمن، مع اختلاف جوهري عما كان سائدا خلال الفترة أن هذا الوجود ” مؤقت لم تمض أيام على انتهاء الاستفتاء على الدستور، حتى حدثت أزمة أخرى جراء إصدار حكم بالإعدام على 21 متهما في قضية استاد بورسعيد، وقيام الرئيس مرسي بفرض حالة الطوارئ في مدن القناة لمواجهة أعمال العنف في بورسعيد، وتم تكليف الجيش بالنزول لتأمين المنشآت الحيوية وتنفيذ قرارات تطبيق حظر التجوال وفرض حالة الطوارئ، وبالفعل نزلت قوات من الجيشين الثاني والثالث التأمين مدن القناة . وبغض النظر عن موقف الجيش من فرض حالة الطوارئ من عدمه، فإن القوات المسلحة أثبتت حضورها في الشارع للمرة الثانية خلال فترة وجيزة من حكم الرئيس المدني

الأدوار المدنية

خلال فترة حكم الرئيس مرسي لم يظهر أن هناك تراجعا ملحوظا في الأدوار الاقتصادية للقوات المسلحة، التي حظيت مشاريعها بحصانة من الرقابة البرلمانية عليها بنص الدستور الجديد، كما أن الرئيس مرسي كان حريصا على عدم تمديد المصالح الاقتصادية للقوات المسلحة، وهو الأمر الذي سندخل عليه [10]. من خلال النقاط التالية : من غير إن العديد السياسات التي مورست من جانب الرئيس محمد مرسي، على غرار وقف دعم الوقود للمؤسسات الصناعية، لم تشكل تهديدا يذكر للأنشطة الاقتصادية للجيش ؛ لأن بنود الدعم للجيش منصوص عليها في التنظيمات، وبالتالي لا تتأثر بقطع الدعم . علاوة على ذلك، توافق إعلان مرسي بإنهاء خصخصة شركات القطاع العام مع القوات المسلحة ؛ لأن المصانع العسكرية كان يحتمل أن تكون على خط الخصخصة في الجولة التالية من عملية البيع، كما نشر على الموقع الإلكتروني الرسمي الحزب الحرية والعدالة إعلان كشف النقاب عن أن وزارة الإنتاج الحربي استحوذت على شركة النصر لصناعة السيارات ” ماسكو “، إضافة إلى ذلك فقد حصل الرئيس مرسي خلال زيارته إلى روسيا في أبريل / نيسان 2013 على وعد من موسكو باستثمار أموال الدولة الروسية في شركة السيارات المصرية، التي حصلت القوات المسلحة على أصولها مجانا . ويمكن كذلك معاينة الشراكة الاقتصادية قصيرة العمر التي أبرمها حزب الحرية والعدالة مع الجيش في ” الآي باد المصري “، وهو جهاز كملي يدعى، أعلنت الحكومة التي يقودها حزب الحرية والعدالة[11]

السياسات العامة

سعت القوات المسلحة خلال الفترة الانتقالية ومع بداية عهد مرسي إلى تأمين وضعها في الدستور، ومن ثم، فإن من بين المكاسب التي حققتها القوات المسلحة في الدستور الجديد وجود مجلس مختص بالسياسات الأمنية والسياسات الاقتصادية للمؤسسة العسكرية، وهو ” بمجلس الدفاع الوطني ” الذي شكله، وفيما يتعلق بالسياسات التي يضطلع بها مجلس الدفاع الوطني فإن الدستور يعطيه المسؤولية عن ” الشؤون الخاصة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها “، كما يجب استشارته قبل أن يتمكن الرئيس أو محلس الشعب من إعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة إلى خارج مصر، كما أن ميزانية الدفاع لن تقدم إلى البرلمان لنيل الموافقة الرسمية، بل سيجري تداولها في مجلس الدفاع الوطني، الذي سيكون فعليا الجهة الوحيدة التي تنظر أيضا في مصير كل . من المعونة العسكرية الأميركية البالغ قيمتها 1.3 مليار دولار والاقتصاد العسكري الرسمي وهكذا، أمن الجيش دوره في السياسات المهمة بالنسبة له، وهي سياسة الأمن القومي، والسياسة الاقتصادية ؛ حيث حصل الجيش على استقلالية ضخمة لدوره الاقتصادي داخل الدولة . كما كان هناك تخوف داخل القوات المسلحة من السياسة الخارجية للنظام الجديد، وهو تخوف نابع من أن توريطها في حرب خارجية في ظل حالة السيولة التي تشهدها مصر ومنطقة الشرق الأوسط [12].

ثالثا : التحولات السياسية في ظل الحكم المدني

مع تولي محمد مرسي رئاسة الجمهورية، كان من المتوقع أن يتم استكمال بناء المؤسسات السياسية وذلك لتحقيق تقدم نحو التحول الديمقراطي في مرحلة ما بعد الثورة، إلا أن الأزمات السياسية التي شهدتها فترة حكم الرئيس مرسي كانت أية تحركات نحو التحول، وفي نهاية المطاف فشل نظام الحكم المدني الأول في مصر في إدارة العملية السياسية، مع نهاية عهد هذا النظام بعد عام واحد فقط من أبرز القضايا التي كان من المفترض أن يتم إنجازها خلال عهد أكبر من بدايته [13]

الصراع حول الدستور الجديد

المفترض أن تبدأ عملية تكوين لجنة لكتابة الدستور من خلال انتخابات غير مباشرة، وذلك باشتراك مجلسي البرلمان معا الاختيار مئة من المصريين الذين سيقضون ستة أشهر لصياغة الوثيقة النهائية للدستور، التي من شأنها أن عرض على الناخبين خلال خمسة عشر يوما من صياغتها . وكانت النتيجة أن اختار الإسلاميون الهيئة التي تم استخلاص نصفها من البرلمان ( مع أغلبيته الإسلامية ) والنصف الآخر من مختلف الفئات الاجتماعية والهيئات الرسمية ( مع تمثيل كبير للإسلاميين أيضا ) . وقاطع كثير من غير الإسلاميين العملية، وتوجه بعضهم إلى المحاكم في محاولة لوقف عمل الجمعية، وهو ما نتج عنه موافقة المحكمة الإدارية على ذلك، ومن ثم تم حل الجمعية التأسيسية للدستور على أساس أنها غير تمثيلية وأن البرلمانيين لا يمكن أن ينتخبوا أنفسهم فيها . وكان من المفترض أن يؤدي هذا إلى اتفاق بين المجموعات السياسية المتنافسة في مصر، ولكن بدلا من ذلك أثبت البرلمان مرة أخرى فشله في صياغة إجماع وانتخب الإسلاميون هيئة مماثلة جدا لتحل محل لجنة كتابة الدستور المنحلة ) . وبحلول نوفمبر / تشرين الثاني 2012 واقتراب الموعد النهائي لاستكمال مشروع الدستور، ظهر على كل من الرئيس محمد مرسي وخصومه علامات الذعر ؛ فقد اقم الرئيس زمرة من السياسيين المعارضين، وعناصر النظام القديم، والقضاة بأنهم يتآمرون لحل الجمعية التأسيسية، ومن ثم دحر تحركاته الخاصة بترويض الجيش، وحتى حل مجلس الشورى، وهو ما رأى فيه الرئيس مرسي ثورة مضادة، تريد عودة مصر إلى الوصاية العسكرية الفعلية، مع مؤسسة رئاسة ضعيفة . وحسب براون، فإن مخاوف الرئيس مرسي كانت في الغالب مبالغا فيها، لكنها لم تكن تبدو وهمية تماما . في ظل هذا الوضع أصدر له الدستوري المكون من سبع مواد، والذي وفقا له تم إلغاء رقابة القضاء على الجمعية التأسيسية إعلانه مرسي

الصراع حول البرلمان

آخر لا يقل حدة عن الصراع حول الدستور شهده عهد الرئيس محمد مرسي، وهو الصراع حول البرلمان الجديد . بدأت المرحلة الأولى من هذا الصراع مع دعوة مرسي في 8 يوليو / تموز 2012 لعودة البرلمان المنحل، وكان صراعه هنا متعدد الأطراف، الطرف الأول هو القضاء والمحكمة الدستورية العليا التي أصدرت حكم حل مجلس الشعب، والطرف الثاني هو المجلس العسكري الذي ستؤدي عودة البرلمان لتجريده من سلطة التشريع، والطرف الثالث هو القوى السياسية التي لم تكن راضية عن تشكيلة البرلمان الذي هيمنت عليه القوى الإسلامية . وانتهت هذه الجولة بقرار آخر من المحكمة الدستورية العليا بوقف عودة الش المنحل[14] . دخل الصراع حول البرلمان جولة أخرى، هذه المرة بين مجلس الشورى، وبين المحكمة الدستورية . وفقا للدستور الذي تمت الموافقة عليه حديثا، ما زال المصريون لم ينتهوا من التصويت، وكان عليهم أن يستدعوا قبل نهاية فبراير / شباط 2013 الانتخاب مجلس الشعب الجديد ليحل محل الذي تم حله في يونيو / حزيران 2012 . وبموجب الدستور الجديد، يتعين على مجلس الشورى تقديم مشروع قانون الانتخابات إلى المحكمة الدستورية العليا قبل تحديد موعد الانتخابات، وأعادت المحكمة مسودة القانون مرتين بعد العثور على عيوبه الدستورية . وفي أواخر يونيو / حزيران عام 2013، كان واحد من آخر أعمال مجلس الشورى هو تقديم المشروع الثالث لقانون انتخابات مجلس الشعب إلى المحكمة ؛ إلا أنه لم يكن للمحكمة فرصة للعمل قبل أن تطرح الأزمة السياسية النظام بأكمله خارج السلطة بالإضافة إلى هذا الصراع القانوني، فإنه يبدو أن القوى السياسية غير الإسلامية لم تكن مستعدة بالقدر الكافي لاستعجال جولة جديدة الانتخابات البرلمانية، خاصة في ظل النتائج الهزيلة التي حققتها في الجولات السابقة من الصدد أوردت دراسة حول الأزمة المصرية عن طبيعة القوى السياسية المعارضة خلال فترة حكم محمد مرسي، أ أن ” أبرز ما أنتجته المرحلة الانتقالية هو ميل قطاعات اجتماعية واسعة من الطبقة الوسطى المدينية لاتخاذ موقف راديكالي ومعاد لجماعة الإخوان المسلمين، أدهش الجميع، بما في ذلك قوى المعارضة، عندما احتشد المتظاهرون في ميدان التحرير يوم الثلاثاء 27 نوفمبر، وشجع وجود هذه الحشود المعارضة على اتخاذ مواقف إذن، لم يستطع الرئيس محمد مرسي أن يبدو خلال فترة حكمه رئيسا قويا أو حاسما في أدائه، فهو لم يتمكن التصرف كقائد ثوري، وكان ينظر إليه باعتباره مزدوج الرأي، وغير واثق في قراراته ؛ حيث اتخذ قرارات وقام بتغييرها أو لم يستطع تطبيقها بسبب رفض المعارضة أو السلطة القضائية [15]. وقد أدى نقص الخبرة، وضعف مستشاريه ونقص خبر قم، والتدخل المباشر لقادة الإخوان المسلمين في قرارات الرئاسة، والرغبة القوية في التغيير، إلى ارتكاب العديد من الأخطاء التي أضرت بصورة الرئيس مرسي أمام الشعب وأدت لاستقالة معظم فريقه الرئاسي، خاصة هؤلاء الذين لا ينتمون للإخوان المسلمين[16] . أما القضية الأكثر جوهرية هنا، فيما يتعلق بالتحولات السياسية خلال فترة حكم الرئيس مرسي وانعكاساتها على العلاقات المدنية – العسكرية، فهي قضية تماسك القوى المدنية وقوتها في مواجهة العسكريين . والواضح من العرض السابق أن الظاهرة الأبرز خلال تلك الفترة هي حالة الانقسام السياسي الشديدة بين معسكري القوى والأحزاب الإسلامية والقوى والأحزاب الليبرالية والقومية

3يوليو /تموز2013 : تفسير الإطاحة بالرئيس مرسي بانقلاب عسكري “

هناك وجهة نظر أخرى تعتبر ما حدث في 3 يوليو / تموز 2013 بمصر انقلابا عسكريا ؛ لأن الجيش أطاح برئيس مدني منتخب ؛ منحازا لفصيل سياسي بعينه يناهض الرئيس المنتخب ؟ آخر مؤيدا له، الأمر الذي يدحض الادعاء بأنه جاء انحيازا للإرادة الشعبية، وذلك على خلاف تدخل الجيش في 25 يناير / كانون الثاني 2011، الذي جاء ليحمي إجماعا شعبيا غير مشكوك فيه، عبرت عنه الجماهير التي خرجت معلنة رفضها لنظام أفسد البلاد والعباد طيلة ما يربو على عقود ثلاثة ويؤكد هذا الرأي رفيق حبيب، المفكر السياسي القبطي الموالي للإخوان المسلمين، وذلك في إطار دحضه للرأي القائل بأن ما حدث هو ثورة : ” مبرر الانقلاب أن القوات المسلحة انحازت للشعب، ولكن الواقع أن القوات المسلحة انحازت إلى جزء من الشعب ضد جزء آخر منه [17]. أما في ثورة 25 يناير، فقد انحازت القوات المسلحة مع الشعب، ضد سلطة غير منتخبة، لم تأت بإرادة شعبية . وفي انقلاب 3 يوليو، انحازت القوات المسلحة إلى قطاع من المجتمع، ضد قطاع آخر منه، وضد رئيس منتخب، جاء بإرادة شعبية، وضد دستور أقر بإرادة شعبية حرة ؛ لذلك ففي 25 يناير، انحازت القوات المسلحة للثورة الشعبية، وفي 3 يوليو، قامت القوات المسلحة بانقلاب عسكري ” و تخلص دو من هذا العرض لوجهتي النظر إلى أن الإطاحة بمرسي شملت بعض الخصائص المميزة للثورة، وكذلك بعض علامات الانقلاب العسكري ؛ إذ لا يمكن النظريات الثورة تفسير الدور الذي لعبه الجيش في الإطاحة مرسي، في حين فشلت نظريات الانقلاب العسكري أن تأخذ في الاعتبار الاحتجاجات الحاشدة ضد مرسي وانطلاقا من حجة بشارة بعدم اعتبار تسمية ما حدث معيارا للحكم عليه، فإن أماني الطويل ذكرت عددا من المؤشرات المتفق عليها في الأدبيات السياسية الحديثة، والتي إذا ما تحققت فإنه يمكن اعتبار التدخل العسكري مقبولا، وهي : أن يرفض النظام الاستبدادي والقمعي الاستقالة استجابة للمطالب الشعبية . أن يناصر الجيش الشعب في مطالب مشروعة ديمقراطيا . أن يتمتع الجيش بعلاقات وثيقة مع الشعب قائمة على الاحترام . إذا دعا الجيش إلى انتخابات حرة ونزيهة خلال مدة قصيرة . إذا نقل الجيش السلطة إلى ديمقراطيين منتخبين من جديد ) . وعلى هذا النحو سار الباحث بول سالم حين أشار إلى أنه « لم يتضح بعد ما إذا كان التدخل العسكري قد شكل ضربة فعلية لعملية الانتقال الديمقراطي في مصر أو عملية تصحيحية . وإذا كان الانقلاب سيؤدي إلى إجراء « تصحيح » » في إطار عملية التحول نحو استئناف سريع وصحي للحياة السياسية الديمقراطية على أسس دستورية أكثر شمولا، فقد يثبت أنه تط إيجابي، أما إذا فقط إلى تعليق طويل الأمد للحياة السياسية الدستورية والديمقراطية وعودة إلى الحكم العسكري المألوف سابقا، فسيكون فرصة تاريخية ور كان سيؤدي ضائعة »

المبحث الثاني

المطلب الأول: أسباب التدخل العسكري للإطاحة بالرئيس مرسي

كانت توقعات المصريين وتطلعاتهم عالية بعد نجاحهم في إسقاط الرئيس، حسني مبارك ؛ حيث ظنوا أنه أصبح بمقدورهم الآن تحقيق ما حرموا منه طوال العقود الماضية، من حرية ورفاهية اقتصادية [18]. وشارك المصريون في كل الاستحقاقات الانتخابية اللاحقة على الإطاحة بمبارك بمهمة عالية، تحركهم أحلامهم بالمؤسسات السياسية المنتخبة ديمقراطيا التي تنحاز لأهدافهم، وذلك بإقامة نظام سياسي جديد يختلف عن ذلك الذي حكمهم طوال ستة عقود . تكررت الاستحقاقات، كما تكررت الإخفاقات، وبعد كل مرة تخطو مصر خطوة جديدة نحو الأمام من حيث استكمال البناء المؤسسي، كانت تزداد التشققات في صف القوى السياسية، بما يدخل البلاد في ساحة صراع جديدة، وهكذا حتى أصبحت الساحة السياسية المصرية ساحة الصراعات المشتعلة التي لا تكاد أن تهدأ أبدا، ومن ثم، غياب فرص الاستقرار، واستحالة تحقيق أهداف الناس وتطلعاتهم، حتى وصلت مصر إلى حالة انسداد سياسي، الأطراف السياسية للأزمة، وغياب فرص التوافق، وهو ما سهل عودة الجيش إلى صدارة المشهد السياسي من جديد بإصداره المهلة اليومين للقوى السياسية من أجل حل خلافاتها، وبعد فشل الحل السياسي، فإن الجيش قد أعطى نفسه حق الإطاحة بالنظام الحاكم وفرض خارطة طريق جديدة على القوى السياسية المتنازعة . وفيما يلي سنقوم بعرض مجموعة العوامل التي أدت إلى خلق الفرصة المناسبة العودة المؤسسة العسكرية للعب دور في الحياة السياسية للإطاحة بالنظام الحاكم، وسيتم تقسيم تلك العوامل إلى مجموعتين : أولا : العوامل المجتمعية، وتضم العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية . وثانيا : العوامل الذاتية أو العسكرية، وتخص المؤسسة العسكرية ذاتها [19]

أ- العوامل السياسية

إن ضعف التكوين الديمقراطي لدى النخب السياسية في مصر جعلها تصبح في الأغلب نخبا تسلطية بلا تقاليد ديمقراطية ؛ حيث تكون على أتم استعداد للتضحية بالمبادئ الديمقراطية والمصالح العامة لحساب المصالح الشخصية والحزبية الضيقة )، فبالنسبة للإخوان المسلمين فقد كان سلوكهم خلال فترة حكم الرئيس محمد مرسي، يتصف بالتعالي والغلظة، كما أن فهم الإخوان للديمقراطية كان ضح ” وغالبا مخالفا للتصور الليبرالي للديمقراطية، كما أن المعارضة أيضا تستحق اللوم بسبب سلوكها غير الديمقراطي ؛ حيث إنها فضلا محاولاتها المقاطعة العديد من الانتخابات، فإنها قامت بالسعي نحو إلغاء نتيجة الانتخابات من خلال الاحتجاجات في الشوارع[20] ( 2. ويشكل هذا الوضع أحد المعوقات الرئيسة للتحول الديمقراطي ؛ حيث إنه لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، يؤمنون بمبادئها اختيار أصيل ونهائي، ويناضلون بشكل سلمي من أجل تحقيقها، ويتفاوضون من أجل التوافق على خارطة طريق تؤسس لعملية التحول الديمقراطية ) . وإذا ما كانت النخب المدنية لديها قاعدة من التوافق والاستقرار النسبي، كان من الصعب إيجاد فرصة للمؤسسة العسكرية للعب دور في إسقاط النظام الحاكم، ومن ثم مواجهة الاحتجاجات التالية على ذلك، إلا أن تحول علاقة المؤسسات ما بين المدنيين والعسكريين – نتيجة للعزلة المتزايدة للإخوان في المجال السياسي والقدرة المقابلة من العسكريين لحشد الخلفاء المدنيين الأقوياء- كان ضد الإخوان [21]

ب- العوامل الاقتصادية

تفاقمت حدة الأزمة الاقتصادية خلال حكم الرئيس محمد مرسي، بشكل ملحوظ،فإن بعد 9 شهور من عهد مرسي بلغ معدل الذي البطالة أكثر من 20 %، وعجز يقترب من 12 % من الناتج المحلي الإجمالي، كما فقد الجنيه المصري 10 % من قيمته منذ يناير / كانون الثاني 2013، كما ترب الاحتياطي الأجنبي من كان الحل أمام مرسي هو اعتماد سياسات التقشف النيوليبرالية ؛ ففي الوقت أطيح به، كان في إطار تنفيذ مجموعة من إجراءات خفض الدعم لتلبية شروط صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 4.5 مليارات دولار، وشملت هذه الإجراءات المقترحة خفض الدعم عن الوقود -مع أن دعم الوقود كان أحد السياسات الاقتصادية الرئيسة التي كانت تستخدم للحفاظ على السلم الاجتماعي في ظل النظام السابق . ومع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية تدهورت الأوضاع المعيشية لقطاعات عريضة من المصريين ؛ حيث أصبحت مشكلات الخبز وغاز » والسولار والبنزين والكهرباء و القمامة وغيرها تمثل هموما يومية ضاغطة . ووفقا لغانم، فقد أظهرت استطلاعات الرأي أن 65 % من المصريين شعروا بأن مستوى معيشتهم قد انخفض منذ وصول الرئيس محمد مرسي إلى منصبه، وكثير من هؤلاء انضموا لمظاهرات حركة تمرد في 30 يونيو / حزيران 2013

ج- العوامل الثقافية

من أبرز العوامل الثقافية التي كان لها تأثير كبير على تصاعد الحشد الرافض الحكم الرئيس محمد مرسي، ولجماعة الإخوان المسلمين، تحسد في علاقة الإخوان بالأقباط، وفي التمييز الواقع عليهم بالتعامل معهم أقلية دينية في بلد يعدون فيه أنفسهم السكان أصليين . وفي حين كان الخطاب الرسمي تجاه الأقباط باعتبارهما[22]

يميل إلى التسامح والمعاملة بالحسنى، فإنه كان هناك تجاهل في الوقت نفسه للتحريض العنصري في قواعد الإخوان المسلمين ضد الأقباط، وفي قواعد غيرهم ممن ينتمون للتيارات الإسلامية . ومع أن الموقف السلبي من مساواة الأقباط قائم أو في جهاز الدولة، وأجهزتها الأمنية، إلا أن الإخوان كان يمكنهم أن يضطلعوا بحل قضايا الأقباط، وأن يكونوا هم المؤهلين لذلك ؛ لأنه ما من أحد يمكنه المزايدة عليهم في الإسلام، وأنهم لو خاضوا هذه المعركة مع السلفيين لكانت نتائجها في مصلحتهم، وبخاصة في أوساط الفئات الوسطى ، إلا أن الإخوان لم يقدموا على هذه الخطوة، وهو ما أفقدهم أي أمل في كسب تعاطف الأقباط، وكذلك خسارة المزيد من الدعم داخل الطبقات الوسطى، وبشكل خاص داخل المدن الكبرى، التي لم يحصل مرسي على معظم أصواتها أثناء انتخابه، كما أنها كانت مرکز الهجوم عليه والإطاحة به . ومع تزايد المسافة بين الإخوان المسلمين والأقباط بشكل كبير، فإن جماعة الإخوان قد تماهت مع تيارات اليمين الديني ( السلفيين والجهاديين السابقين .. إلخ )، بدلا من أن تجذبهم لها وهذب خطاهم، كما أن الرئيس مرسي وطيلة عامه في الحكم سعى لإرضاء الإسلاميين بكافة تنوعاتهم، وذلك سواء بسبب تماهيه والتقائه مع أفكارهم أو بسبب حاجته السياسية إليهم من أجل إحداث توازن معا القوى المناوئة له من التيارات الأخرى . وفي الوقت الذي كان يزداد فيه الالتقاء بين الإخوان وغيرهم من القوى المحافظة، وأحيانا الراديكالية، كانت الشقة تزداد مع القوى المدنية حتى وصل الأمر في النهاية إلى حد القطيعة، بل والعداء الذي أفضى لما حدث

المطلب الثاني: المؤسسة العسكرية في مرحلة الانتقالية الثانية بعد عام 2013

١/الرئيس المؤقت والمؤسسة العسكرية

المحكمة الدستورية العليا، المستشار عدلي منصور، اليمين القانونية لتولي منصب رئيس البلاد بصورة مؤقتة، في 4 يوليو / تموز 2013، بعدما تم عزل الرئيس محمد مرسي، وذلك في إطار خارطة المستقبل التي أعلنها وزير الدفاع وقتها، الفريق أول عبد الفتاح السيسي . وباداء اليمين، صار الرئيس منصور يتولى صلاحيات السلطتين التشريعية بعد حل مجلس الشورى، والتنفيذية كرئيس للجمهورية، وهي صلاحيات استثنائية واسعة، تتضمن من بين سلطات أخرى سيطرته على المؤسسة العسكرية . وخلال فترة وجوده على رأس النظام السياسي طوال أحد عشر شهرا، ثار العديد القضايا والإشكاليات لعل أبرزها إشكالية علاقته بالمؤسسة العسكرية، ومدى تبعية المؤسسة العسكرية لصلاحياته، أو بصورة أخرى مدى تبعيته هو للمؤسسة العسكرية [23]. وقد أقرت الدراسات التي تناولت ممارسة الرئيس المؤقت الصلاحيات التنفيذية والتشريعية بأن وجود الرئيس المؤقت خلال تلك الفترة كان رمزيا، وأنه كان يلعب دورا تنسيقيا بين السلطات وأجهزة الدولة أكثر من كونه رئيسا بالمعنى المعروف، وأن السلطة النهائية خلال تلك الفترة كانت بيد المجلس العسكرية . ويمكن تفسير العلاقة بين الرئيس المؤقت، عدلي منصور، وبين المؤسسة العسكرية من خلال استخدام الأول لصلاحياته في التعيين والترقية والفصل[24] . اتخذ الرئيس منصور مجموعة من القرارات المتعلقة بالتعيين والترقية والفصل داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية الأخرى

٢/ المؤسسة العسكرية في الدستور والقانون

أصبح توجه المؤسسة العسكرية نحو سترة امتيازاتهما أكثر وضوحا في تلك المرحلة بعد أن كانت فقط تسعى للحفاظ على وضعها كما كان في دستور 1971، وقد مكنتها الحالة القائمة من الإعلان صراحة عن ضرورة ” تحصين المؤسسة العسكرية ” في الدستور، وذلك لاعتبار الدور الذي تقوم به المؤسسة العسكرية في الوضع القائم، ومع ضرورة امتداد هذا الدور خلال السنوات التالية، وذلك حسب تسجيل صوتي للمشير السيسي كان جزءا من حوار أجراه مع رئيس تحرير صحيفة المصري اليوم وقد أعطى دستور 2014 وضعا مميزا للمؤسسة العسكرية في ثلاثة جوانب رئيسة :

الاستقلالية : حيث زادت عملية ” دسترة ” مساحة الاستقلالية التي تحظى بها المؤسسة العسكرية، فلأول مرة يتم النص على اقتصار منصب وزير الدفاع على العسكريين، وذلك وفقا لنص المادة ( 201 ) ” وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة، ويعين من بين ضباطها ، وهذا يعني أن وزير الدفاع يجب أن يكون شخصا قد شق طريقه خلال الرتب العسكرية، وبالتالي سوف يكون ممثلا لمصالحها . إضافة إلى أن تعيين وزير الدفاع أصبح مشروطا بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما ينتقص من سلطة رئيس الجمهورية في تعيين الوزراء وعزلهم [25].

صياغة سياسات الدفاع : فقد جعلت صياغة سياسات الدفاع مهمة ” مجلس الدفاع الوطني ” الذي يغلب العسكريون على تكوينه، كما حرم هذا الدستور السلطة التشريعية من مناقشة ميزانية القوات المسلحة، وجعل هذا الأمر قاصرا على ” مجلس الدفاع الوطني “، على أن تعرض ميزانية القوات المسلحة على البرلمان .

محاكمة المدنيين عسكريا : حيث تشكل المادة ( 204 ) ذريعة لمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري ؛ إذ جاء في الفقرة الثانية من نص ا أنه ” ولا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تمثل اعتداء مباشرا على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة أو ما في حكمها أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية أو الجرائم ا بالتجنيد أو الجرائم التي تمثل اعتداء مباشرا على ضباطها وأفرادها بسبب تأدية أعمال وظائفهم ” . وذلك في حين أن القضاء الطبيعي المادة المتعلقة كفيل بالعقاب.

التعديلات الدستورية

مرت عملية تعديل دستور 2012 المعطل بمرحلتين : في المرحلة الأولى تم تشكيل لجنة الخبراء الدستوريين والقانونيين غرفت بلجنة العشرة، راجعت الدستور واقترحت العديد من التعديلات، وكانت المرحلة الثانية هي إرسال تلك التعديلات إلى اللجنة المنوط بها تعديل الدستور، وهي لجنة مكونة من 50 عضوا، عقدت أول اجتماعاتها في 8 سبتمبر / أيلول 2013 واختارت عمرو موسی رئیسا لها [26]. وعملت لجنة الخمسين على مدار ثلاثة أشهر لتنتهي من عملها في الأول من ديسمبر / كانون الأول 2013 بوثيقة الدستور المؤلف من 247 مادة من بينها 20 مادة انتقالية، و 42 مادة مستحدثة . ومما میز لجنة الخمسين عن الجمعية التأسيسية لدستور 2012، أن معیار التمثيل في الأولى كان حسب فئات المجتمع وليس القوى السياسية كما كان في الجمعية التأسيسية لدستور 2012 ؛[27] حيث جاء وضع الحزبين هامشيا، فقد تشكلت لجنة الخمسين من ممثلين للمهنيين، والعمال، والفلاحين، وأساتذة الجامعات انتخابا من والقضاة، والشباب، والطلاب، والمرأة، وذوي الاحتياجات الخاصة، والأزهر والكنيسة وغيرها، وتم تخصيص ستة مقاعد فقط للحزبيين بواقع مقعدين للتيار الليبرالي ومقعدين للتيار الإسلامي ومقعد لتیار اليسار ومقعد للتيار القومي، لكن في الوقت نفسه جرى اختيار أعضائها بقرار من الرئيس المؤقت، عدلي منصور، وليس كما كانت عليه الجمعية التأسيسية لدستور 2012 التي تم قبل أعضاء مجلسي الشعب والشورى المنتخبين[28] . وقد أثير الكثير من التعليقات المسيسة حول دستور 2014 ؛ حيث يرى أنصاره أنه أفضل نص شهدته مصر على الإطلاق، أما منتقدوه فإنهم أيضا يميلون إلى المبالغة في عيوبه . بالتأكيد يتضمن النص عددا من التحسينات المهمة بالمقارنة مع الدساتير المصرية السابقة ؛ إذ إنه يحتوي على لغة واضحة تجاه قضية التمييز والعنف ضد المرأة، التي يمنحها حقوقا كبيرة، وكذلك توفير الحماية للأطفال والمعوقين، كما أن قائمة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أطول و أكثر تفصيلا مما كانت عليه في الماضي، بالإضافة لإلغاء مجلس الشورى الذي لا طائل منه، وبالتالي تبسيط العملية التشريعية . وأخيرا، فإن الكثير من العلمانيين قد شعروا بالراح نتيجة إلغاء العديد من المواد الخاصة بالمرجعية الدينية، خاصة المادة ( 219 )

المطلب الثالث: دور المؤسسة العسكرية بعد 3يوليو تموز 2013

المشاركة السياسية

فقد تبنى تأثرت المشاركة السياسية بشكل كبير بعزل الرئيس محمد مرسي، الرافضون لعزل الرئيس مرسي موق موقفا مضادا لكل الفعاليات السياسية التالية على 3 يوليو / تموز 2013، وتبنوا خيار المقاطعة التشكيك في شرعية تلك الفعاليات ونتائجها . وعلى النقيض، شارك المؤيدون لعزل الرئيس مرسي بحماسة في تلك الفعاليات السياسية، وقد أسهمت حالة الاستقطاب الحادة تلك في بقاء نسب المشاركة السياسية في حدود مقاربة لما كان عليه الوضع بعد 25 يناير / كانون الثاني 2011 أدى تزايد حدة الاحتجاجات والتظاهرات الرافضة لعزل الرئيس مرسي – سواء من قبل مؤيدي دعم الشرعية أو من قبل بعض الناشطين من شباب الثورة الرافضين لما يرونه إعادة إنتاج الدولة حسني مبارك باهدافها القمعية المتمثلة في استمرار انتهاكات وزارة الداخلية وقوات الأمن – إلى قيام الدولة بإصدار قانون التظاهر الذي قلل بدرجة كبيرة نسبة المشاركة السياسية غير الرسمية . يظهر الشكل بوضوح التراجع الكبير في نسبة المشاركة السياسية غير الرسمية خلال المرحلة الانتقالية الثانية، في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور [29]

الانتخابات الرئاسية

انتهت عملية الاستفتاء على الدستور وتم إقراره، وبعد أشهر من الترقب، أصدر الرئيس المؤقت، عدلي منصور، في 8 مارس / آذار 2014، قرارا بقانون التنظيم انتخابات الرئاسة، وفي 30 مارس / آذار تم الإعلان عن فتح باب الترشح . وقد جرت الانتخابات الرئاسية على مدى ثلاثة أيام في الفترة من 26 حتى 28 مايو / أيار 2014، وأسفرت النتائج . فوز المرشح عبد الفتاح السيسي بنسبة 96.9 % من الأصوات الصحيحة، مقابل 3.1 % للمرشح حمدين صباحي ويمكن رصد مجموعة من الملاحظات حول هذه الانتخابات : جرت الانتخابات الرئاسية لعام 2014 في ظل أجواء استقطاب سياسي حاد تعيشه مصر منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، فبينما اعتبرت جماعة الإخوان المسلمين والقوى الأخرى المؤيدة لها أن الانتخابات عبارة عن مسرحية هزلية، ومع خروج قوى مدنية وثورية أخرى عن تحالف 30 يونيو / حزيران لرفض ترشح المشير السيسي، مما جعلها تتعرض لحملات تشويه ؛ الأمر الذي وصل لحد الاشتباكات بين تلك القوى والقوى الداعمة لترشح السيسي وذلك في الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير / كانون الثاني . إلا أنه في نفس الوقت كان هناك مزاج نفسي جماهيري بين قطاعات شعبية كبيرة يرغب بقوة -وإلى حد التعصب – في أن يكون المشير السيسي – بطلها القومي- رئيسا لمصر [30]. غياب المنافسة بشكل واضح عن انتخابات عام 2014 ؛ فعلی عکس انتخابات عام 2012 التي وصل عدد المتنافسين فيها 13 مرشحا، اعتمدوا على قدر قم في إقناع المواطنين برؤيتهم و برامجهم – فض ؟ – مدى القدرة على الحشد للتصويت – كانت انتخابات عام 2014 تعتمد على شخص المرشح بالأساس، أو بالأحرى، شخص السيسي الذي أصبح في نظر قطاعات شعبية واسعة بط ؟ قوميا لدوره في عزل الرئيس فضلا عن الدعم الإعلامي الكبير الذي حظي به قبل الانتخابات، بل وقبل إعلان ترشحه للرئاسة . وكانت أبرز مظاهر غياب المنافسة في تلك الانتخابات – بعد تراجع عدد المرشحين إلى اثنين فقط – أن المرشح الأوفر حظا لم ينزل إلى الشارع ولم يختلط بالناس بدعوى المخاوف الأمنية، بينما المرشح المنافس لم تكن لديه أو لأنصاره الفرصة وربما الرغبة في انتقاد السيسي وأفكاره وأطروحاته من ينتمي كانت نتيجة الانتخابات محسومة، فالسيسي يحظى تقريبا بدعم نفس القوى المؤيدة لأحداث 30 يونيو / حزيران، وهي خليط من مؤسسات مهيمنة كالجيش والشرطة والقضاء، وقوى دينية كالأزهر والكنيسة، وأحزاب سياسية تجمع بين تلك التي ازدهرت في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وحزب النور الذي يمثل قطاعا السلفيين في مصر . في المقابل، فإن صباحي الذي عده أنصاره مرشح الثورة في الانتخابات الماضية، كان في وضع لا يحسد عليه، فحتى التيار الناصري الذي له ويعد من أبرز رموزه ألقي بثقله إلى جانب السيسي، ولم يعد حول صباحي إلا عدد من الشباب وحركات محدودة التأثير في مثل هذا السباق إذن، أصبح المشير عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع السابق، رئيسا للجمهورية عقب تزعمه الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، وعلى الرغم من تأييد قطاعات شعبية كبيرة للسيسي، إلا أن منافسته في الانتخابات الرئاسية ومن ثم فوزه بما أثارت الشكوك حول مستقبل الديمقراطية في مصر، في ظل تصاعد دور النخبة العسكرية داخل الدولة بشكل لافت للنظر منذ 3 يوليو / تموز 2013، وعودة الكثير من رموز دولة مبارك للواجهة، مع إقصاء للعديد من القوى المدنية والشبابية المحسوبة على ثورة يناير / كانون الثاني 2011[31].

المبحث الثالث: العلاقات المدنية العسكرية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي

ومع عندما استقال المشير عبد الفتاح السيسي من منصب وزير الدفاع في مارس / آذار 2014، وأعلن نفسه مرشحا في الانتخابات الرئاسية، بدا أن ضمان سيطرة المؤسسة العسكرية على النظام السياسي اقترب تأكيده، فبعد كل هذا، يتحرك قائد الجيش الأبرز بسهولة نسبية نحو الرئاسة، بعد انتخابات بلا منافس حقيقي يشكل تحديا له . ذلك، فإن الواقع أكثر تعقيدا، فانتخاب السيسي ووصوله لقمة النظام السياسي لم يكن فاتحة لنهاية العلاقات المدنية – العسكرية، بل لمرحلة أكثر تعقيدا وبغض النظر عن خبرته العسكرية وعلاقاته، إلا أنه كرئيس للجمهورية أصبح السيسي رسميا قائدا مدنيا، فلم يعد في الخدمة ويجب عليه أن يعتمد على زملائه في المؤسسة العسكرية للوصول للمعلومات والمداولات داخل هذه المؤسسة، بالإضافة إلى ذلك، فإن الرئيس السيسي، ومثل الرئيس مبارك، قد يكون محتا لثقة الجيش نتيجة السنوات التي قضاها الخدمة وإنجازاته، لكن زعيم سياسي فإن عليه أن يتعامل مع مجموعة أوسع من المسؤوليات التي تتجاوز حماية مصالح المؤسسة العسكرية

المطلب الأول: الدور السياسي للمؤسسة العسكرية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي

إعادة تأكيد دورها كصانعة للرؤساء

لم يكن هناك ما يميز الرؤساء الأربعة الذين تناوبوا على حكم مصر منذ قضاء الضباط الأحرار على النظام الملكي سوى الانتماء للجيش، الذي أصبح ” صانع الرؤساء ” بلا منازع في مصر ؛ حيث كان وصول رئيس عسكري للحكم عادة ما يقترن بتعيين نائب له من داخل المؤسسة العسكرية، وذلك لضمان استمرار تدفق الرؤساء من داخل هذه المؤسسة، حتى عندما خرج عن تلك القاعدة طوال سنوات حكمه ربما بسبب رغبته في خلق حالة من التوازن بين المدنيين والعسكريين داخل الدولة، في ظل حديثه المتكرر عن تعزيز الديمقراطية داخل الدولة، وربما بسبب رغبته في ترقية ابنه، جمال مبارك، لخلافته . أيا ما كان السبب، فإنه ومجرد أن أحداث 25 يناير / كانون الثاني 2011 حتى عاد مبارك إلى القاعدة القديمة التي تعتبر أن المؤسسة العسكرية هي مصدر السلطة وبالتالي عليها أن تستردها من مبارك، لذا قام مبارك بتعيين اللواء عمر سليمان، القائد العسكري السابق ورئيس المخابرات العامة، نائبا له خلال الأيام الأخيرة السابقة على تنحيه وقعت عن السلطة . وقبل أن يتم تعيينه وزيرا للدفاع، في أغسطس / آب 2012، لم يكن عبد الفتاح السيسي معروفا لدى الشارع المصري، وبوصوله لقمة المؤسسة الأقوى والأكثر نفوا داخل البلاد، حصل السيسي على فرصة تاريخية فارقة في تاريخ الدولة المصرية، فمع فشل القوى السياسية الليبرالية والعلمانية واليسارية في كل الاستحقاقات الانتخابية التالية على ثورة يناير / كانون الثاني، وانفراد الإخوان بالسلطة بعيدا عن باقي القوى السياسية، اختارت تلك القوى السياسية الطريق السهل للتخلص من الإخوان، وذلك باستدعاء المؤسسة العسكرية للتدخل من أجل وضع حد لنفوذ جماعة الإخوان المسلمين المتصاعد داخل الدولة ؛ ولأنها المؤسسة الوحيدة التي تستطيع أن تفرض واقعا بالقوة، ولعدم ثقتها في القيادة السياسية الحالية للإخوان المسلمين، انتهزت المؤسسة العسكرية الفرصة ووقفت في صف القوى المناهضة للنظام الحاكم، وضد الرئيس مرسي وجماعته، ومن ثم عزله والإعلان عن انتخابات رئاسية مبكرة [32]. كانت تلك الخطوة بمثابة نقطة تحول في شعبية السيسي في مصر ؛ حيث بدأت صوره تنتشر في العديد من الميادين والأماكن العامة في البلاد، وذلك وسط استمرار لتظاهرات مؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي الذين يصفون تلك الخطوة بأنها ” انقلاب عسكري ” على أول رئيس منتخب في مصر . إذن، أصبح رجل المؤسسة العسكرية هو رمز المرحلة، وطريقه لكرسي الرئاسة ممهدا، وهكذا . المؤسسة العسكرية زعيما آخر لتستمر في دورها الذي بدأته منذ يوليو / تموز 1952 كصانعة لرؤساء الدولة المصرية بشكل حصري تقريبا

علاقة المؤسسة العسكرية بالرئاسة

: العودة للمسار خلال ما يقارب أربع سنوات، بعد 25 يناير / كانون الثاني 2011، استطاعت القوات المسلحة أن تحافظ على محورية مؤسسة الرئاسية داخل النظام السياسي المصري، وعلى الرغم من بعض التعديلات التي أقرها دستور 2012 ومن بعده 2014 على منصب رئيس الجمهورية، إلا أنها لم تنتقص من قدر المؤسسة بقدر ما حدت من هيمنتها المباشرة على باقي المؤسسات خاصة البرلمان والأجهزة الرقابية الأخرى . وبالتالي، جاءت المرحلة التالية لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه فيما قبل 25 يناير / كانون الثاني 2011، وهو تأكيد أحقية المؤسسة العسكرية بالتفرد بمؤسسة الرئاسة ؛ إذ إن المؤسسة العسكرية هي التي أنشأتها، وتولت إدارتها طوال تاريخها ومثل انتخاب المشير عبد الفتاح السيسي رئيسا للجمهورية في رأي البعض عودة إلى الجمهورية الأولى، وذلك بعد أن فشلت عملية الانتقال إلى الجمهورية الثانية في مرحلة ما بعد مبارك بينما يعتبر البعض الآخر أن نظام السيسي ليس له ارتباط بالجمهوريات السابقة، وإنما هو يمثل بداية للجمهورية الثالثة ) . وبغض النظر عن مبررات كل من الطرفين في تسميته، إلا أنه فيما يتعلق بوضع مؤسسة الرئاسة التي أصبحت تحت قيادة وزير الدفاع السابق الذي جلب معه العديد من رجال المؤسسة العسكرية لمعاونته في منصبه الجديد، أبرزهم مدير مكتبه اللواء عباس كامل ، فإن الواضح أنهما قد عادت لمسارها التقليدي كما كانت قبل إسقاط نظام الرئيس حسني مبارك، بل إن هناك توافقا ما بين العديد من المؤيدين للرئيس السيسي وحتى من المعارضين له – لأسباب مختلفة – على وصف الرجل بأنه خليفة الرئيس جمال عبد الناصر . وذلك في تشبيه واضح بمؤسس الجمهورية الأولى[33] . كما أن دستور 2014 أعطى للرئيس صلاحية تعيين وزير الدفاع – بخلاف الحالة الاستثنائية لوزير الدفاع الحالي الحصن لمدة 8 سنوات – هذا بالإضافة للتعديلات الأخرى التي تضمنها دستور 2014، ومنحت الرئيس صلاحيات أكبر من التي كانت ممنوحة له في دستور 2012، وهو ما يمثل واضحا تحاه منصب الرئاسة في المرحلة التي تلت عزل الرئيس محمد مرسي الرئيس وفقا للدستور، أصبح الرئيس عبد الفتاح السيسي في موقع ضعف كبير في العلاقات مع الجيش مقارنة بالرئيس حسني مبارك، فهو يفتقر إلى سلطة تعيين وزير دفاعه – الذي تم تحصينه لمدة ثماني سنوات وفقا للمادة ( 234 ) من دستور 2014 – كما أن القرارات المرتبطة بالقوات المسلحة يجب فحصها والموافقة عليها من قبل مجلس الدفاع الوطني المهيمن عليه عسكريا . لكن وفقا لمعايير أخرى أبرزها طاعة المؤسسة العسكرية لقرارات الرئيس

انتخابات البرلمان

أن ما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل حوالي عامين من توليه الرئاسة – خلال فترة رئاسة محمد مرسي عندما كان وزيرا للدفاع في لقاء له مع بعض ضباط القوات المسلحة، وتم نشره من خلال فيديو على شبكة الإنترنت، بخصوص كيفية تعامل القوات المسلحة البرلمان القادم، يعكس عدم رغبة العسكريين في وجود مؤسسات رقابية قوية تمارس سلطتها على مؤسسات الدولة ومن بينها المؤسسة العسكرية ؛ فقد قال السيسي وقتها عن البرلمان : ” ده لسه فيه برلمان جاي، و ممكن البرلمان ده يطلب استجوابات، ترى هنعمل معاها إيه ؟ .. في متغيرات حصلت ولازم احنا كمان نستعد للمتغيرات دي إننا بحاجها من غير ما تأثر علينا سلا بشكل . ويبدو من خلال هذا الحديث أن المؤسسة العسكرية كانت تتخوف من وجود برلمان يمارس سلطاته الرقابية على القوات المسلحة، ولذلك تم تأخير انتخابات البرلمان وتقديم انتخابات الرئاسة بدلا منها، وفي ذلك إخلال بخارطة طريق 3 يوليو / تموز 2013 التي كانت تضع انتخابات البرلمان أولا[34] . ومنذ انتخابه للرئاسة، وفي ظل غياب البرلمان المنتخب، استخدم الرئيس عبد الفتاح السيسي سلطته التشريعية لإصدار ( 400 ) قانون تقريبا

المطلب الثاني: ثورة الغلابة نوفمبر 2016:

جاءت تظاهرات ثورة الغلابة في نوفمبر 2016م، بعد اجتماع المجلس العسكري في أكتوبر 2016م، والذي شهد بعض التجاذبات بسبب سوء إدارة البلاد، والتي يمكن أن تؤول بالخطر على المؤسسة العسكرية ككل، وطالبت قيادات بتعديل سياسات إدارة النظام في بعض الملفات، وإذا زاد الغضب تجاه المؤسسة العسكرية، فالمصلحة تقضي ان السيسي وإدارته يكفي عليهم فترة رئاسية واحدة، وهذا ما قابله السيسي بغضب شديد، ويرى البعض أن خوف النظام من ثورة الغلابة 2016م، والانتشار العسكري الذي قامت به قوات التدخل السريع “قوات حماية السيسي” كان ليساً خوفاً من التظاهرات انما كانت خشية من استغلال تلك التظاهرات من قبل البعض داخل الجيش. وبعد نجاح السيسي في السيطرة على أحداث ثورة الغلابة قام بإقالة 11 عضو من داخل المجلس العسكري.

والسيسي في تعامله مع أصحاب وجهات النظر المختلفة معه من العسكريين وغيرهم لا يفهم سوي لغة واحدة وهي لغة التنكيل، حتى وإن كان بينه وبين أحدهم صداقة قوية او روابط عائلية. فعند النظر الي قائمة القادة العسكريين الذين نكل بهم منذ يوليو 2013م، نرى أن من بينهم الفريق محمود حجازي رئيس الأركان السابق، وهو صهر السيسي، فحسن عبد الفتاح السيسي هو زوج داليا محمود حجازي، ولكن نتيجة الاختلافات في وجهات النظر بين السيسي ومحمود حجازي وتحديداً في ملف التعامل مع متمردي سيناء ومكافحة الإرهاب بشكل عام داخل مصر، أطاح السيسي بمحمود حجازي في شهر أكتوبر 2017م.

فالفريق حجازي غادر مصر واتجه للولايات المتحدة لحضور مؤتمر رؤساء الأركان لمناقشة الحرب على الإرهاب يوم الأحد الموافق 22 أكتوبر 2017م،و في كلمته التي القاها “حجازي” في المؤتمر، وأثناء لقاءاته على هامش المؤتمر أظهر ضعف الجيش المصري في مكافحة الإرهاب ووضح أن طريقة تعامل النظام المصري في مكافحة الإرهاب التي تبنى على المواجهة العسكرية فقط طريقة لم تحقق نجاحات طيلة السنوات الماضية[35].و بالإضافة إلى ذلك فقد ذكرت بعض المصادر أن السيسي قد نقل إليه الحفاوة التي استقبل بها و عومل بها حجازي في الولايات المتحدة بما قد يؤشر للنظر إليه كبديل محتمل للسيسي مما دفع الأخير لأخذ قرار عزل صهره قبل أن يعود إلى أرض الوطن.

انتخابات الرئاسة 2018م:

لم يغفل الطرف المناوئ لعبد الفتاح السيسي، ان يشتبك مع انتخابات الرئاسة التي جرت عام 2018م، كمحاولة جديدة للتخلص من السيسي، فقام على مستوي القيادات الفريق سامي عنان، والذي يُظن أنه “قائد الطرف المناوئ للسيسي” بالترتيب والتنسيق مع بعض القيادات العسكرية داخل الجيش المصري، منهم الفريق سامي دياب قائد الحرس الجمهوري الأسبق وغيره، لإعداد خطة الترشح، حاول عنان أن يأخذ موافقة المجلس العسكري هذه المرة، ولكن لم يحسم المجلس العسكري الأمر سريعاً، كما تم حسمه بالرفض في محاولة ترشح عنان في 2014م، وفهم الطرف المناوئ هذا الأمر على أن التجاهل لا يعني الرفض، فقرر عنان إعلان نية ترشحه، لكن السيسي واجه الأمر بشكل عاجل ونكل بعنان بدعوى مخالفته للقواعد العسكرية، كونه عضو مجلس عسكري “مستدعى” وكان يجب أخذ موافقة المجلس العسكري قبل إعلان نية ترشحه. التنكيل بعنان كان بالاستعانة بالمشير طنطاوي وأعضاء المجلس العسكري إبان يناير 2018م، والذين يوصفون “برجال السيسي”، بعد تخلصه من مجلس 2013م، بشكل كبير، فالمتبقي الآن من مجلس 2013م، هما عضوان فقط، الفريق أول محمد فريد حجازي، رئيس الأركان، واللواء ممدوح شاهين، مساعد وزير الدفاع للشئون الدستورية والقانونية[36]. ومما جاء نصاً على لسان أحدهم في إحدى الجلسات ” طنطاوي وعنان على خلاف دائم منذ عام 2006م، وتحديداً من اللحظة الأولى من تعيين عنان رئيساً للأركان، طنطاوي لا يقبل فكرة ان عنان يكون هو الرجل العسكري الذي يجب أن يجلس على كرسي الرئاسة، طنطاوي كان مع التنكيل بعنان في يناير 2018م، وكان يرى أنها “شدة ودن” لكي يستيقظ من نومه ويترك حلم الرئاسة”.

هذا بخلاف ما قام به الفريق أحمد شفيق بإعلان نيته للترشح لمنافسة السيسي في انتخابات 2018م، ولكن قوبل هو الاخر بالتهديد والابتزاز، وسرعان ما تراجع خوفاً من التنكيل

المطلب الثالث: ما بعد ديسمبر 2019:

خلاصة المقابلات التي تم اجراؤها مع بعض الشخصيات العسكرية النافذة، بالإضافة إلى معلوماتنا من مصادر مختلفة أخرى، أن الإجراءات التي اتخذها السيسي في ديسمبر 2019م، تشير فقط إلى أنه قام بعملية “خداع استراتيجي” نتج عنها تغيير شكلي فقط، والطرف المناوئ للسيسي ربما أيقن أنه تم احتواؤه فقط بعد 20 سبتمبر 2019م، ولم يتحصل على أشياء حقيقة إلى الآن ولم يتم الوفاء بالكامل بما تم التوافق عليه في أعقاب 20 سبتمبر 2019م، واتضح له أنه لن يتحصل على شيء مستقبلاً، إلا المشاركة الصورية التي عمل عليها السيسي في ديسمبر 2019م.

وكانت هناك وعود لم يف بها السيسي، منها أن يكون الفريق سامي عنان حراً بمعني الكلمة، ولكن الفريق عنان يقبع تحت الإقامة الجبرية منذ خروجه من المعتقل وعند طلبه لحضور جنازة الرئيس الأسبق حسني مبارك تم رفض طلبه، وكانت هناك وعود بتعيين نائب للسيسي يكون شخصية عسكرية توافقيه ولكن هذا لم يحدث إلى الآن، ولا يزال نظام السيسي يمارس نفس السياسات والممارسات التي يتبعها سواء بالنسبة لطريقة إدارة ملف سيناء أو الغاز أو تيران وصنافير وملف سد النهضة وبالتالي لا يوجد أي تغيير في فلسفة حكمه.

فالسيسي ماض في طريقة الذي يسير عليه منذ يوليو 2013م، وهو السعي نحو السيطرة، وأن تصبح كل المؤسسات تحت قبضته، كما أن المجموعات المناوئة بالفعل لم ولن تأخذ شيء حقيقي وملموس، بعد 20 سبتمبر 2019م، فالاتفاق الذي كان ملخصه هو المشاركة الفعلية في الحكم كون المؤسسة العسكرية شريكة مشاركة فعليه في الحكم لن يحدث.

ما زال الطرف المناوئ للسيسي، بعد تيقنه من عدم حصوله على شيء ملموس، لديه أدوات وإمكانيات في المواجهات الحتمية، التي ربما ستحدث مستقبلاً، فالطرف المناوئ لدية أوراق أخري من أمثال نموذج محمد على، ويمكن أن يتم استخدامها في الجولات المقبلة، بالإضافة إلى أن ذلك الطرف له تواصل مع دولة مبارك، التي لها ثأر بالأساس مع دولة السيسي، لأنها حلت مكانها وأخذت منها الامتيازات والصلاحيات، ولها مصلحة في تخفيض حدة سيطرة السيسي على الحكم، أو حتى خروجه من الحكم بشكل نهائي، لكي تعود لها امتيازاتها ونفوذها.

وكذلك أيضاً فإن الطرف المناوئ للسيسي تمدده الخارجي موجود ولكن ليس قوياً، فهو عبارة عن العلاقات الشخصية لبعض قيادات ذلك الطرف بقيادات عسكرية أجنبية ربطتهم علاقة في فترة توليهم مناصبهم العسكرية ماضياً، ولكن بطبيعة الحال ليست كعلاقات وتشابكات السيسي الخارجية وتحديداً مع كل من الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، إسرائيل تكلمنا كثيراً سابقاً عن محمد على، للإجابة على السؤال الهام، هل محمد على كان يتم تحريكه من قبل الطرف المناوئ للسيسي، أم كان محمد على يتحرك من تلقاء نفسه؟ والقاعدة بناء على ما تم ذكره سابقاً، فإن من يرغبون في التغيير يتتبعون الوضع العام، وبالطبع حالة محمد على أربكت نظام السيسي، وكان من المنطقي التواصل معه من أجل تحقيق بعض الأهداف من قبل الطرف المناوئ للسيسي، وكما ذكرت سابقاً، فإن الطرف المناوئ داخل الجيش وداخل جهاز المخابرات العامة، يعلمون جيداً أن السيسي ليس مبارك 2011م، وأن السيسي لديه الكثير من الإمكانيات والقدرات

فالطرف المناوئ كان يعلم مدى قوة السيسي، لذلك لم يعمل على أن تكون المعركة في بدايتها معركة صفرية، ولكن كان يضع استراتيجية للمعركة على ان تكون ضغطاً في البداية، لكي يتحصلوا على بعض أهدافهم، التي منها المشاركة الفعلية في الحكم، وأن يكون وضع الجيش كأيام حكم حسني مبارك، وتقليص أدوار بعض الشخصيات التي يعتمد عليها السيسي ومنها اللواء عباس كامل، والعميد محمود السيسي، اللواء مصطفي الشريف.

وقد وقف الباحث على معلومات مهمة تقول إن محمد على تم إخراجه من قبل الطرف المناوئ من قبل عام ونصف، من أجل تنفيذ خطة 20 سبتمبر 2019م، وهذا قد يفسر تأكيدات محمد على لكل الأطراف المدنية التي تواصلت معه، أن السيسي نهايته الفعلية ستكون يناير 2020م، ولكن تفهم السيسي للخطر الذي أصبح عليه بعد 20 سبتمبر 2019م، واجتماعه بالأطراف المناوئة له بعد رجوعه من الولايات المتحدة الأمريكية آخر سبتمبر 2019م، بوساطة من المشير حسين طنطاوي وبإيعاز من محمد بن زايد، دفع تلك الأطراف للتوقف عن اتخاذ إجراءات أخري كانت قد اتُفق على تنفيذها،

وبعد حراك 20 سبتمبر أيقن السيسي أن هناك خطراً داخل المؤسسات العسكرية لذلك عمل على احتواء تلك الأطراف، واتخذ عدة إجراءات لبناء توافقات مع هذه الأطراف

الخاتمة

تتضمن و بعد تدخل الجيش، في 3 يوليو / تموز 2013، تم تكليف رئيس المحكمة الدستورية العليا بتولي السلطة السياسية لحين استكمال خارطة الطريق التي أعلن عنها وزير الدفاع، عبد الفتاح السيسي، في إعلان عزل الرئيس محمد مرسي، والتي كتابة دستور جديد ومن ثم عقد انتخابات برلمانية ورئاسية، وخلال عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور وصلت الأدوار غير التقليدية للمؤسسة العسكرية الدرجات عالية مقارنة بالعهود السابقة، كما أن حدة الاستقطاب السياسه الم تنته، بل تفاقمت بشكل كبير بسبب رفض قوى الإسلام السياسي عزل الرئيس محمد مرسي، وكذلك بسبب رفض جزء من التيارات المدنية ترشح المشير عبد الفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية، وانتهت المرحلة الانتقالية الثانية بكتابة دستور جدد حافظ على امتيازات المؤسسة العسكرية، وانتخاب المشير السيسي رئيسا للجمهورية، مع تأجيل عقد الانتخابات البرلمانية . استطاع المشير عبد الفتاح السيسي أن يصل إلى رئاسة الجمهورية عبر انتخابات محسومة النتائج لصالحه، بسبب غياب المنافسة لرفض العديد من الرموز السياسية خوض المنافسة إما بسبب رفض العملية السياسية أو بسبب تأييد ترشح المشير السيسي، ولذلك لم يحظ المرشح المنافس، حمدين صباحي،، ولقد كانت المؤسسة العسكرية راضية عن وصوا السيسي لرئاسة الجمهورية، وذلك لوجود مستويات كبيرة من الثقة بين الرئيس الجديد والمؤسسة التي خرج منها، بخلاف ما كانت عليه الحال أثناء الرئيس السيسي، تم تأجيل عقد الانتخابات البرلمانية لأكثر من عام، وقد كان الرئيس خلال فترة غياب البرلمان يمارس سلطات التشريع، وقام بإصدار مئات القوانين . كما أن البرلمان الجديد كان على علاقة وطيدة المؤسسة العسكرية حيث قام بالموافقة على زيادة المعاشات العسكرية لأكثر من مرة في فترة قصيرة . وقد تصاعدت الأدوار غير العسكرية وخاصة الأدوار الاقتصادية لدرجات غير مسبوقة خلال أول عامين للرئيس السيسي في الحكم، كما أن هناك حالة من عدم الرضا عن السياسي والاقتصادي للنظام الحالي، بسبب استمرار غلق المحال العام، وتشويه العديد من التيارات السياسية المعارضة، وخاصة رموز ثورة 25 يناير / كانون الثاني 2011، مع تدني الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار بشكل كبير، وقد سبب هذا الوضع تراجع نسب المشاركة السياسية بشكل ملحوظ الإحساس المواطنين بأن تغييرا لم يحدث طوال السنوات الماضية . وفيما يلي سنقوم بعرض ما توصلت إليه الدراسة من نتائج، وما يوصي به الباحث من أجل تطوير الدراسة في حقل العلاقات المدنية – العسكرية بشكل عام، وفي العلاقات المدنية – العسكرية في مصر بشكل خاص.

المصادر

  1. فهمي، أحمد، مصر 2013 : دراسة تحليلية لعملية التحول السياسي في مصر، مركز البحوث والدراسات، الرياض، 2012 )
  2. مارشال، شانا، القوات المسلحة المصرية وتحديد الإمبراطورية الاقتصادية، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، بيروت، 2015 )
  3. مجموعة مؤلفين، الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة، ( مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005 ) .
  4. مجموعة مؤلفين، لماذا انتقل الآخرون إلى الديمقراطية وتأخر العرب ؟، ( مرکز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2012.
  5. معوض، نازلي ( محرر )، الخبرة السياسة المصرية في مائة عام، ( مركز البحوث والدراسات السياسية، مصر 2013
  6. أسامة عبد خلف، الدستور والتعديل الدستوري في الدول العربية، قراءة في تعديلات الدستور المصري، مجلة جامعة بغداد العدد 200، لعام 2012 م
  7. سيف عبد الفتاح، المرحلة الانتقالية – قراءة في المشهد المصري، دار البشير والعلوم، الطبعة 1، مركز الحضارة للدراسات السياسية، القاهرة – مصر، 2014 م .
  8. . ميلر ، لوريل إي، مارتيني، جيفري، التحول الديمقراطي في العالم العربي
  9. هاشم، احمد الجيش والدولة في مصر : تشابك المدني والعسكري ؛ محمود محمد ( مركز الجزيرة للدراسات، قطر 2015
  10. هلال ؛ علي الدين (محرر) عودة الدولة : تطور النظام السياسي في مصر بعد 30 يونيو ( الهيئة المصريه العامه للكتاب مصر 2015
  11. ولد داده احمد (محرر) التطور الديمقراطي في مصر قضايا ومناقشات ( مكتبة نهضة الشرق ؛ مصر 2014

تقارير

  1. مركز جنيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة، حكم القطاع الامني في مصر : العلاقات المدنية العسكرية تحت المجهر 2014
  2. منتدى البدائل العربي للدراسات ؛أستدعاء الجيش الى السياسة دور الوسيط الضامن ؛ 2013
  3. الهيئة العامة للاستعلامات الطريق الى الجمهورية الثالثة:عام من تاريخ مصر 2014

رسائل جامعية

  1. ابو بكر،هاجر ايهاب دور المؤسسة العسكرية في ادارة المرحلة الانتقالية في مصر 11فبراير 2011الى 30يونيو 2012)(رسالة ماجستير غير منشورة ) العلوم السياسية؛ جامعة القاهرة 2015

الدوريات والمجلات

  1. ابراهيم حسنين توفيق “فجوة الانجاز وازمة الشرعية السياسية ” مجلة الديمقراطية (العدد51 اغسطس/اب 2013
  2. إبراهيم حسنين توفيق ؛ معوقات التحول الديمقراطي في مصر ؛ مجلة الديمقراطية العدد 55. مايو /ايار 2014
  3. البرعي ؛ نجاد ” الاستفتاء على الدستور والرئيس الجديد ” مجلة الديمقراطية ( العدد 45مارس / اذار 2012
  4. سلامه معتز ؛ الدور السياسي للنخبة العسكرية في مصر الثورة 2014
  5. يونس محمد عبد اللة ” تحولات وظيفية: تصاعد الادور غير العسكرية ( مجلة اتجاهات الاحداث) العدد 12 مارس / اذار 2016
  6. ثورة الغلابة نوفمبر 2016 ( المعهد المصري للدراسات)

Margins:

  1. مارشال . شانا القوات المسلحه المصرية وتحديد النظام الساسي وفق التغيرات النظام في مصر

  2. مصدر سابق

  3. اسامه عبد خلف الدستور والتعديلات في مصر قراءة التعديل الدستور في مصر مجلة جامهة بغداد العدد 200 لعام 2012

  4. هاشم . احمد الجيش والدولة في مصر تشابك المدني العسكري الجزيرة للدراسات قطر 2015

  5. علي الدين. دستور مصر وفق التظام السياسي الجديد عام 2012 اكوين الدوله ص 89 الى 122

  6. 2015ابو بكر . هاجر دور الجيش في تكوين النظام الساسي العلوم السياسية جامعة القاهره

  7. ابراهيم حسنين توفيق معوقات التحول السياسي والديمقراطي في مصر مجلع الديمقراطية العدد 55مايو /ايار 2014

  8. حسن صلاح الدين , مذكرات الفريق سامي عدنان عن اسرار ثورة 25 يناير , بوابة الوطن الالكترونية , القاهرة

  9. مصدر سابق

  10. زكي انس انتخابات مصر في الرسائسة //الجزيرة نت 20 مايو 2013

  11. طارق فهمي , الحكم المدني في مصر عصر التغير النظام السياسي ص 34

  12. عمر عزالدين ادارة العلاقات العامة المدنية والعسكرية في مصر //المعهد المصري للدراسات السياسة الستراتيجية 7 مارس 2025

  13. المركز العربي للابحاث والدراسات السياسية ,,الاومة المصرية مخاض الديمقراطية العصر ,, 12 ديسمبر / كانون الثاني

  14. احمد زكي الدراسات القاتونيه حول الصراع البرلمان والتدخل العسكري اتخاذ القرار ص 90 الى 148

  15. عزمي خليفة ,الدور السياسي الجديد للجيش المصري , المركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية القاهرة

  16. دياب خالد 2014 التداعيات الاقليمية لثورة30 يونير , مركز الاهرام للدراسات السياسية القاهرة

  17. ربيع عمرو رئيس الجمهوريم في الدستور المصري , مركو الاهرام للدرستن السياسية والاستراتيجية , القاهرة

  18. زيد هاني مرسي والاخوان , موقع الوطن اونلاين , القاهرة

  19. ابراهيم حسنين ,, الازمة السياسية وعثر المسارات الثورة ,, المجلة الديمقراطية ص 14

  20. العناني خليل , الاخوان المسلمون اشكالية الدمج والاعتدال , المجلة الديمقراطية ص 117

  21. محمد هاشم , الدور السياسي للموسسة العسكرية المصرية في ظل التحولات السياسية ,رسالة ماجستير غير منشورة ’ جامعة القاهرة

  22. ثامر عزت’ الفترة الانتقالية في النظام السياسي المصري بعد عام 2011 اثره العسكري رساله ماجستير جامعة لبنان , رساله غير منشوره

  23. يوسف معتز , الدور السياسي للنخبة العسكرية في مصر الثورة 2014

  24. اسامه عبد خلف , الدستور والتعديل الدستوري في الدول العربية , قراءة في تعديلات الدستور المصري ,مجلة جامعة بغداد العدد 200 لعام 2012

  25. سيف عبد الفتاح , المرحلة الانتقالية – قراءة في المشهد المصري , دار البشري والعلوم , الطبعة 1 مركز الحضارة للدراسات السياسية , القاهرة مصر 2014

  26. عليوي محمد طة , مصر على عتاب الجمهورية الثانية , التغيرات الدستورية قبل الثورة 25 يناير وبعدها الجدل الدستور في المرحلة الانتقالية في مصر , المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات 2014

  27. مصدر سابق

  28. مصدر سابق

  29. دستور جمهورية مصر 2014 مادة 201 الى 209

  30. زكي انس انتخابات مصر 2014 الرئاسة , الجزيرة نت 20 مايو 2024

  31. بروكس , فهم التحولات في العلاقات العسكرية المصرية , المرجع السابق ص 22 الى 40

  32. اعادة مصر الى الجمهورية الاولى , مركز كارنجي 6 فبراير 2014

  33. ثورة الغلابة نوفبمر 1016 ( المعهد المصري للدراسات )

  34. يونس محمد عبدلله ,تحولات وظيفية / تصاعد الادوار غير العسكرية ( مجلة اتجاهات الاحداث ) العدد 12 مارس /اذار 2016