تشكيل واختصاصات السلطة التشريعية في العراق
Composition and Competences of the Legislative Authority in Iraq
علي محمد عطا1
1 حاصل على شهادة الماجستير في القانون العام من الجامعة الاسلامية في لبنان
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj69/42
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/69/42
المجلد (6) العدد (9). الصفحات: 669 - 678
تاريخ الاستقبال: 2025-08-07 | تاريخ القبول: 2025-08-15 | تاريخ النشر: 2025-09-01
المستخلص: تبحث هذه الدراسة تشكيل واختصاصات السلطة التشريعية في العراق في ضوء دستور 2005، ضمن إطار الدولة الاتحادية والفصل النسبي بين السلطات. تعتمد الدراسة المنهج الوصفي المقارن لرصد النصوص الدستورية والقانونية وتحليلها، وتفحص البنية الثنائية للسلطة التشريعية (مجلس النواب ومجلس الاتحاد) مع بيان واقع تفعيل كل منهما؛ إذ عالج الدستور تفصيلاً تشكيل مجلس النواب واختصاصاته الرقابية والتشريعية وإقرار الموازنة والتصديق على المعاهدات وتعيين كبار المسؤولين، بينما بقي مجلس الاتحاد غير مُفعّل تشريعياً رغم النص عليه، بما ينعكس سلباً على تمثيل الأقاليم وتحقيق التوازن الاتحادي. كما ترصد الدراسة حدود تدخل المشرّع في تنظيم السلطة القضائية وضمانات استقلالها، وتناقش أثر قوانين العفو العام بوصفها عملاً تشريعياً سيادياً لا يجوز أن يمتدّ إلى التدخل في أحكام القضاء أو تقييد ولايته. تكشف النتائج عن تداخلٍ عملي في الصلاحيات وضعفٍ في أدوات المساءلة البرلمانية تحت ضغط الاستقطاب الحزبي، وتُظهر تعارضات بين بعض المقترحات التشريعية والنصوص الدستورية (لا سيما في التعيينات)، إلى جانب فجوة مؤسسية ناجمة عن عدم تفعيل مجلس الاتحاد. وتوصي الدراسة بإصلاحات دستورية وتشريعية تُفعّل مجلس الاتحاد، وتُدقّق حدود الاختصاص بين السلطات، وتعزّز أدوات الرقابة البرلمانية والشفافية والتواصل مع الجمهور، بما يرسّخ الحوكمة الرشيدة والتوازن بين السلطات في النظام العراقي.
الكلمات المفتاحية: السلطة التشريعية؛ مجلس النواب؛ مجلس الاتحاد؛ دستور 2005؛ الفصل بين السلطات؛ الرقابة البرلمانية؛ استقلال القضاء؛ العفو العام؛ الحوكمة الرشيدة.
Abstract: This study examines the composition and competences of the legislative authority in Iraq under the 2005 Constitution, within the framework of a federal state and a qualified separation of powers. Adopting a descriptive–comparative method to identify and analyze constitutional and legal texts, it reviews the bicameral structure (the Council of Representatives and the Federation Council) and the extent to which each has been implemented. The Constitution sets out in detail the formation of the Council of Representatives and its law-making and oversight powers, approval of the budget, ratification of treaties, and senior appointments, while the Federation Council—though constitutionally mandated—remains unimplemented, weakening regional representation and federal balance. The study also delineates the limits of legislative intervention in organizing the judiciary and the guarantees of judicial independence, and discusses general amnesty laws as sovereign legislative acts that must not encroach upon judicial rulings or restrict the courts’ jurisdiction. The findings reveal practical overlaps of powers and weak parliamentary accountability tools under partisan polarization, as well as conflicts between certain legislative proposals and constitutional provisions (particularly regarding appointments), in addition to an institutional gap caused by the non-activation of the Federation Council. The study recommends constitutional and statutory reforms to operationalize the Federation Council, sharpen the boundaries of competences among the branches, and strengthen parliamentary oversight, transparency, and public engagement, thereby entrenching good governance and checks and balances in Iraq’s political system.
Keywords: Legislative authority; Council of Representatives; Federation Council; 2005 Constitution; separation of powers; parliamentary oversight; judicial independence; general amnesty; good governance.
المقدمة
ذهب المشرع في العراق إلى تنظيم السلطة التشريعية بموجب نصوص دستورية صريحة، ومن خلالها تم بيان كيفية تشكيل السلطة التشريعية، وتحديد الاختصاصات التي تتمتع بها، وقد جاء التنظيم الدستوري للسلطة التشريعية بما يتوافق مع مبدأ الفصل النسبي بين السلطات مع التعاون والتوازن فيما بينهما لما فيه من ضمان لحماية الدولة وتنفيذ السياسة العامة بما يتوافق مع الصالح العام، ولهذا تتولى كل سلطة الرقابة على السلطة الأخرى لضمان احترام القواعد الدستورية والقانونية وعدم مخالفتها.
ولقد أخذ دستور العراق لسنة 2005 بالنظام الفيدرالي (الاتحادي) الذي يقوم على اللامركزية السياسية التي تعني قيام ازدواج في الدستور والسلطة، حيث تتوزع الاختصاصات بين السلطات الاتحادية والمحلية وهذا يعني وجود استقلال نسبي لتلك السلطات على المستوى المحلي، حيث يكون للإقليم دستوراً وتؤسس بموجبه سلطات ثلاث، إذ تتولى السلطة التشريعية المحلية وظيفة التشريع في نطاق الإقليم وهذا ما يسري على السلطتين الأخيرتين كل واحدة في مجال اختصاصها، وهذا الأمر غير مألوف في الدولة الموحدة البسيطة، حيث يوجد دستور واحد وسلطات موحدة وقانون واحد يطبق على كافة مواطنين الدولة.
نظم المشرع العراقي بموجب نصوص دستورية صريحة القواعد التي تنظم تشكيل واختصاصات كل من السلطة التشريعية والسلطة القضائية، وعلى ضوء ذلك قام المشرع بوضع القوانين المختصة المكملة لتنظيم تشكيل السلطتين التشريعية والقضائية مع بيان الاختصاصات التي تتمتع بها كل سلطة من السلطات.
أولاً_ أهمية الدراسة
دراسة اختصاصات السلطة التشريعية لها أهمية كبيرة، سواء على المستوى الأكاديمي أو العملي، للأسباب التالية:
- فهم الدور الدستوري للسلطة التشريعية: دراسة اختصاصات السلطة التشريعية تساعد على فهم دورها الدستوري في النظام السياسي وكيفية تأثيرها على الحكم وصنع القرار، هذا الفهم ضروري لتقييم مدى توازن القوى بين السلطات المختلفة.
- تحليل الأطر القانونية والسياسية: دراسة اختصاصات السلطة التشريعية توفر الأساس لتحليل الأطر القانونية والسياسية التي تعتمد عليها الدولة في تنفيذ سياساتها، وتعتبر هذه الدراسة جزءًا أساسيًا من فهم كيفية تطور الأنظمة السياسية.
- فهم العلاقة بين السلطات: دراسة الاختصاصات تسلط الضوء على العلاقة بين السلطة التشريعية وباقي السلطات (التنفيذية والقضائية)، مما يساعد في فهم توازن القوى في النظام السياسي وكيفية تحقيق الفصل بين السلطات.
ثانياً_ أهداف الدراسة
أهداف دراسة اختصاصات السلطة التشريعية متعددة، وتخدم مجموعة واسعة من الغايات الأكاديمية والسياسية والمجتمعية. فيما يلي أبرز أهداف هذه الدراسة:
- تطوير الفهم القانوني والسياسي: تهدف دراسة اختصاصات السلطة التشريعية إلى توفير فهم معمق للإطار الدستوري والقانوني الذي يحدد صلاحيات البرلمان، وكيفية تفاعله مع السلطات الأخرى.
- تحليل أداء السلطة التشريعية: تساعد الدراسة على تقييم مدى فعالية السلطة التشريعية في أداء مهامها، مثل سن القوانين والرقابة على السلطة التنفيذية، وكيفية تحسين هذه الأدوار.
- دعم عملية الإصلاح السياسي: دراسة اختصاصات السلطة التشريعية تتيح الفرصة لتحديد أوجه القصور في النظام السياسي، مما يمكن أن يؤدي إلى اقتراح إصلاحات دستورية وتشريعية لتحسين أداء السلطة التشريعية.
ثالثاً_ إشكالية الدراسة
قد تبرز الإشكالية في كيفية تحديد السلطة التشريعية لاختصاصاتها بدقة، وهل هناك تداخل مع اختصاصات السلطات الأخرى (التنفيذية والقضائية)، كيف يتم توزيع الصلاحيات وفق الدستور، وما مدى التزام البرلمان بها؟
رابعاً_ منهج الدراسة
إن منهجية الدراسة تعتمد على المنهج الوصفي المقارن كالتالي:
- المنهج الوصفي: تحديد النصوص الدستورية والقانونية والمعلومات الخاصة بموضوع الدراسة ووصفها، وذلك من خلال الرجوع إلى الدستور في دول الدراسة، والكتب الفقهية القانونية التي تناولت هذا الموضوع.
خامساً_ خطة الدراسة
من أجل معالجة الإشكالية قمنا بتقسيم البحث إلى مطلبين، سوف نتناول في المطلب الأول تشكيل السلطتين التشريعية في الدستور العراقي، وذلك من خلال فرعين، سوف نتناول في الفرع الأول يتحدث الفرع الأول عن تشكيل السلطة التشريعية، وفي الفرع الثاني عن اختصاصات السلطة التشريعية.
أما المطلب الثاني فهو بعنوان الحدود التشريعية للسلطة لتشريعية في مواجهة السلطة القضائية وذلك من خلال فرعين، خصصنا الفرع الأول تدخل المشرع في تنظيم السلطة القضائية، أما الفرع الثاني تدخل المشرع بإصدار قانون العفو العام عن الجرائم.
المطلب الأول
تشكيل السلطتين التشريعية في الدستور العراقي
قام المشرع العراقي بتنظيم تشكيل السلطة التشريعية والسلطة القضائية بنصوص دستورية صريحة، نظراً لما تشكله هذه السلطات من أركان لنظام الحكم في العراق، وهذه القواعد الدستورية ملزمة لجميع السلطات والهيئات والأفراد دون استثناء، ويترتب على مخالفتها بطلان التصرف لمخالفة مبدأ الشرعية الدستورية. وبناءً عليه قمنا بتقسيم هذا المطلب إلى فرعين، يتحدث الفرع الأول عن تشكيل السلطة التشريعية، وفي الفرع الثاني عن اختصاصات السلطة التشريعية.
الفرع الأول
تشكيل السلطة التشريعية
نصت المادة (48) من الدستور العراقي الجديد لسنة 2005 على أن السلطة التشريعية تتكون من مجلسين هما مجلس النواب ومجلس الاتحاد ([1])، وبهذا فإن دستور العراق الجديد أخذ بنظام المجلسين، كما هو معمول في الولايات المتحدة الأمريكية وأغلب الدولة الاتحادية.
فبالنسبة لمجلس النواب فقد نظم الدستور العراقي لسنة 2005 والقوانين الأخرى الأحكام المتعلقة به بشكلٍ تفصيلي، حيث أنه يتكون من (275) عضواً بنسبة مقعد واحد لكل مائة ألف نسمة من نفوس العراق، يمثلون الشعب العراقي بأكمله، ويتم انتخابهم من بطريق الاقتراع العام السري المباشر، ويراعي تمثيل سائر مكونات الشعب فيه([2])، على أن يتضمن المجلس ما لا يقل عن الربع من عدد أعضائه من النساء، وجعل مدة العضوية في المجلس(4) سنوات تقويمية تبدأ بأول جلسة له وتنتهي بنهاية السنة الرابعة([3])، مالم يتم حل المجلس بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بناءً على طلب من ثلث أعضائه أو طلب من رئيس الوزراء بموافقة رئيس الجمهورية (أو مجلس الرئاسة في الدورة البرلمانية الأولى).
وحفاظاً على مبدأ الفصل بين السلطات وعدم ازدواجية المناصب ينص الدستور على عدم إمكانية الجمع بين عضوية مجلس النواب وأي عمل أو منصب رسمي آخر، ويعد العضو الذي تقلد منصباً في مجلس الرئاسة أو مجلس الوزراء مستقيلاً من عضوية المجلس([4])، ويبت المجلس في صحة عضوية أعضائه خلال ثلاثين يوماً من تأريخ الاعتراض بأغلبية ثلثي أعضائه، ويمكن الطعن بقرار المجلس أمام المحكمة الإتحادية العليا خلال ثلاثين يوماً من تأريخ صدور القرار، ويكمن الأساس القانوني للطعن في صحة عضوية النائب في قانون الانتخاب الذي حدد شروط المرشح لعضوية هذا المجلس.
هذا ويدعو رئيس الجمهورية مجلس النواب للانعقاد خلال (15) يوماً من تاريخ المصادقة على نتائج الانتخابات النيابية، وتعقد الجلسة الأولى برئاسة أكبر الأعضاء سناً، ثم يتولى المجلس انتخاب رئيس المجلس ونائبيه بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، وتكون جلسات المجلس علنية إلا إذا وجد المجلس ضرورة فأنه يعمد إلى جعلها سرية، ومن الموضوعات التي تدفع المجلس إلى إغلاق جلساته وجعلها سرية كأن يتعلق الموضوع بأمور عسكرية أو أمنية مثلاً فأنها تقتضي السرية. وللمجلس دورة انعقاد سنوية بفصلين تشريعيين أمدهما ثمانية أشهر في السنة، يبدأ أولهما في (1) آذار وينتهي في (30) حزيران، ويبدأ ثانيهما في (1) أيلول وينتهي في (30) كانون الأول من كل سنة. وتجوز الدعوة إلى جلسة استثنائية أو تمديد دورة الانعقاد بما لا يزيد على (30) يوماً. وإذا كان المجلس يناقش الموازنة العامة فإن الفصل التشريعي لا ينتهي إلا بعد الموافقة عليها ([5]).
ويتحقق النصاب القانوني لانعقاد جلسات مجلس النواب (بمقتضى الدستور والنظام الداخلي الخاص به) بحضور الأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، ويتخذ قراراته بالأغلبية البسيطة لعدد الأعضاء الحاضرين في الجلسة، ما لم ينص الدستور على خلاف ذلك، وعند تساوي الأصوات يرجح الجانب الذي صوت معه الرئيس ([6]).
وأما بخصوص مجلس الاتحاد، فأنه يعد الجهاز التشريعي الثاني على مستوى الاتحاد([7])، وقد ذهب المشرع العراقي بشأنه إلى أنه ينظم تكوينه وشروط العضوية فيه واختصاصاته وكل ما يتعلق به بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب([8])، وأن المجلس المذكور يضم ممثلين عن الأقاليم( التي لم تشكل بعد ماعدا إقليم كردستان) والمحافظات غير المنتظمة بإقليم، هذا وقد نص الدستور على أن يؤجل العمل بأحكام المواد الخاصة به إلى حين صدور قرار من مجلس النواب بأغلبية الثلثين وفي الدورة الانتخابية الثانية التي يعقدها بعد نفاذ هذا الدستور([9])، علماً بأنه لم يصار إلى صدور قانون بشأنه وتشكيله لحد الآن.
وتجرى انتخابات مجلس الاتحاد بالتزامن مع انتخابات مجلس النواب، ويجتمع عند اجتماع المجلس المذكور، وتكون دورة انعقاد كلا المجلسين متوافقة، ويحل المجلس عند حل مجلس النواب دون العكس، كما ويدعى مجلس الاتحاد إلى الانعقاد بمرسومٍ جمهوري مع دعوة مجلس النواب خلال خمسة عشر يوماً من تأريخ المصادقة على نتائج الانتخابات، وتعقد الجلسة الأولى برئاسة أكبر الأعضاء سناً لانتخاب الرئيس ونائبه، بعد ذلك ينتخب مجلس الاتحاد رئيساً له ثم نائباً أول ونائباً ثانٍ بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه بالانتخاب السري المباشر([10])، وأن نصاب انعقاد جلساته لا يمكن إن يتحقق إلا بحضور الأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، سيما وان قراراته لا يمكن إن تتخذ إلا بعد تحقق النصاب وتصويت الأغلبية البسيطة عليها مالم يتم النص على خلاف ذلك([11]).
الفرع الثاني
اختصاصات السلطة التشريعية
ذكرنا سلفاً أن السلطة التشريعية تتكون من مجلسين هما مجلس النواب ومجلس وفقاً لنض المادة (48) من الدستور العراقي الجديد لسنة 2005، وجعل الدستور العراقي لك من المجلسين اختصاصات معينة حتى لا يتدخل كل منهما على آخر نذكرها فيما يلي:
أولاً: اختصاصات مجلس النواب.
نصت المادة 61 من الدستور العراقي لسنة 2005 اختصاصات مجلس النواب، والتي تختص بتشريع القوانين الاتحادية والرقابة على أداء السلطة التنفيذية الاتحادية وانتخاب رئيس الجمهورية ([12]) والمصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية والموافقة على تعيين كل من (رئيس وأعضاء محكمة التمييز الاتحادية، ورئيس الادعاء العام ورئيس أركان الجيش ومعاونيه ومن هم بمنصب قائد فرقة فما فوق ورئيس جهاز المخابرات). ([13])
ويختص مجلس النواب العراقي أيضاً بإعفاء رئيس الجمهورية بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه بعد إدانته من قبل المحكمة الاتحادية العليا في حالة: (الحنث عن اليمين الدستورية وانتهاك الدستور والخيانة العظمى). ([14])
ولمجلس النواب أيضاً سحب الثقة من أحد الوزراء بالأغلبية المطلقة، وبعد الوزير مستقيلاً من تاريخ قرار سحب الثقة منه، ولا يجوز طرح موضوع الثقة بالوزير إلا بناء على رغبته أو طلب موقع من خمسين عضواً من أعضاء المجلس إثر مناقشة استجواب موجه إليه، وبناء على طلب مقدم من رئيس الجمهورية أو من خمس أعضاء مجلس النواب طرح موضوع سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء ويقر مجلس النواب سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء بالأغلبية المطلقة أعضائه.([15]).
ويحق لمجلس النواب استجواب مسؤولي الهيئات المستقلة (المفوضية للانتخابات، هيئة النزاهة، المفوضية العليا لحقوق الإنسان) وفقاً للإجراءات المتعلقة بالوزراء، وله إعفائهم بالأغلبية المطلقة، ويبدي المجلس موافقته على إعلان الحرب وحالة الطوارئ بأغلبية الثلثين بناء على طلب مشترك مقدم من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء وكما يقرر المجلس قانون الموازنة العامة للبلاد. ([16])
ثانياً: اختصاصات مجلس الاتحاد:
استناداً إلى الدستور العراقي فإنه قد تم صياغة مقترح قانون خاص بتكوين مجلس الاتحاد مع بيان اختصاصاته وتمت قرأته قراءة أولية من قبل مجلس النواب العراقي ويتضمن هذا المقترح 18 مادة فقط، ويتمتع كذلك مجلس الاتحاد ب (حق الفيتو) كما هو الحال عليه بالنسبة للمجلس الاتحاد الألماني، فله استخدام حق الفيتو بشكل مطلق على القوانين التي نص القانون الأساسي صراحة على (ضرورة) موافقة المجلس الاتحادي عليها، أما القوانين العادية فهي تخضع للفيتو التوقيفي من جانب مجلس الاتحاد الألماني. ([17])
ومن دراسة نص المادة 61/5 أ من الدستور العراقي النافذ لسنة 2005 نلاحظ بأنها تتعارض تماماً وبشكل جلي وواضح مع ما تم إيراده في المقترح المعد لتكوين مجلس الاتحاد، ويظهر وجع التعارض في أن الدستور العراقي ووفقاً للمادة المذكورة أعلاه قد أناط صلاحية تعيين من تم ذكرهم بمجلس النواب فقط دون غيره، لذا لا يجوز سن قانون عادي يصدر من مجلس النواب يتعارض مع النصوص الدستورية. ([18])
المطلب الأول
الحدود التشريعية للسلطة لتشريعية في مواجهة السلطة القضائية
يحرص المشرع العراقي على تقرير مبدأ استقلال القضاء، محاولاً إيجاد الضمانات لتعينه على تأدية مهمته الجليلة على أكمل وجه، وذلك احتراماً لمبدأ الفصل بين السلطات؛ دستور 2005 الدائم لعام 2005 فقد نص على مبدأ فصل السلطات، حيث أكدت المادة (1) أن جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة ونظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني)، في حين نصت المادة (5) أن السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، كما ونصت المادة (47) على أن السلطات الاتحادية تتكون من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أن تمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات.
وبناء عليه قمنا بتقسيم المطلب إلى فرعين، خصصنا الفرع الأول تدخل المشرع في تنظيم السلطة القضائية، أما الفرع الثاني تدخل المشرع بإصدار قانون العفو العام عن الجرائم.
الفرع الأول
تدخل المشرع في تنظيم السلطة القضائية
من الأمور المسلمة في العصر الحديث استقلال القضاء عن السلطة التشريعية وفقاً لمبدأ الفصل بين السلطات، ([19]) ذلك المبدأ الذي أضحى المحور الرئيسي الذي تدور حوله عملية تنظيم السلطات العامة المختلفة في الدولة ككيان سياسي، وينتج عن ذلك أنه لا سلطان على القاضي وهو يؤدي مهمته لغير القانون، وليس لأحد أن يملي عليه سوى ضميره، فإن السلطة التشريعية في موضوع تنظيم السلطة القضائية يجب أن تلتزم بالضوابط والقيود الدستورية والقانونية التي تعتبر من ركائز أي نظام قانوني ومن مسلماته. ([20])
وإذا كانت السلطة التشريعية هي صاحبة الاختصاص في تنظيم السلطة القضائية أي تنظيم المحاكم وبيان درجاتها وهيئاتها واختصاصاتها، فأنه يجب أن يكون القانون هو الإدارة الوحيدة المعترف بها دستورياً ولها القدرة على تحديد أحكام وقواعد التنظيم القضائي وقواعد الاختصاص. ([21])، والعبرة في تحديد المحاكم من عدمها هنا هو المعيار الموضوعي الذي يقوم على أساس عمل المحكمة، فإذا كان عملها هو تطبيق القانون والفصل في نزاع معروض عليها، والحكم بجزاء سواء جنائي أو تأديبي، كانت هذه الوجهة هي جهة قضائية. ولذلك إذا كانت وسيلة إنشائها ليس القانون الصادر عن السلطة التشريعية، كانت محكمة غير شرعية لأنها بعيدة عن الوسيلة الدستورية الشرعية التي منحها الدستور القدرة على إنشاء المحاكم وتحديد اختصاصاتها. ([22]
ومما سبق يتضح أن السلطة التشريعية تنظم القضاء العراقي من خلال إصدار القوانين الخاصة بهذا الشأن، وهي قوانين متعددة تغطي كافة جوانب النظام القضائي وفي مقدمتها شروط القضاء على مختلف أنواعه يمارس اختصاصاته وفقاً لأحكام القوانين الخاصة.
ولكن هذا القول بالإطلاق يترتب عليه خطورة على السلطة القضائية واستقلالها، بمعنى أن هذا النص لا يعني في واقع الأمر إطلاق يد المشرع ي إعادة تنظيم أوضاع السلطة كما يشاء، بل يكون محكوماً بقواعد الدستور التي تكفل استقلالية القاضي وعدم التدخل في شؤون المحاكم، حيث نص الدستور العراقي على أنه (القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون)، وكذلك نص الدستور العراقي نص على أنه (المحاكم مفتوحة للجميع ومصونة من التدخل في شؤونها).
الفرع الثاني
تدخل المشرع بإصدار قانون العفو العام عن الجرائم
العفو العام أو الشامل أو العفو عن الجريمة: هو تجريد الفعل من الصفة الجرمية بحيث يصير له حكم الأفعال التي لم يجرمها الشارع أصلاً. أي إلغاء الجريمة وذلك بخلع الصفة الإجرامية عن الفعل وجعله فعلاً مباحاً. ([23])
وهناك من يرى أن العفو العام هو عمل من أعمال السيادة يقصد به رفع الصفة الجنائية عن جريمة وقعت بطريق التشريع فتمحى الجريمة وتزول كل النتائج المترتبة عليها فلا ترفع عنها دعوى، وإن كانت رفعت فتوقف وإن كان صدر حكم فيعتبر كأنه لم يكن ويوقف تنفيذه، ([24]) بما أن العفو العام لا يصدر إلا بقانون فالسلطة المختصة بإصداره هي السلطة التشريعية هي وحدها صاحبة الصفة في إصدار العفو العام باعتبارها ممثلة للهيئة الاجتماعية ([25])، كما نصت ذلك الفقرة (1) من المادة (153) من قانون العقوبات العراقي حيث جاءت فيها: (العفو العام يصدر بقانون ويترتب عليه انقضاء الدعوى ومحو حكم الإدانة) .
وقد أصدر برلمان كوردستان العراق الذي تشكل بتاريخ 19/ 5/ 1992 قانونين للعفو العام أولهما قانون رقم (4) لسنة 2007 والثاني رقم (2) لسنة 2012 أي خلال عشرين سنة من تشكيل البرلمان، والذي تم المصادقة عليه من قبل رئيس الإقليم في 7/ 6/ 2012 ونشر في جريدة وقائع كوردستان بتاريخ 14/ 6/ 2012 وفي العدد (146) منه. ويتكون هذا القانون من (13) مادة أي أقل من قانون العفو السابق بمادتين، وتضمنت هذه المواد أحكام قانون العفو من حيث المستفيدين منه وغير المستفيدين واللجنة المختصة بتنفيذه.
ولم يستثنى المشرع الكردستاني في هذا القانون جرائم القتل المقترن بالسرقة والتزوير في المحررات الرسمية كما فعل ذلك في القانون رقم (4) لسنة 2007 ولكن استثنى جريمة أخرى لم ترد في القانون السابق وهي جرائم الإتجار بالأودية والمواد الغذائية الفاسدة لخطورة هذه الجرائم وازديادها بشكل ملفت في الآونة الأخيرة في الإقليم.
بالرغم أن السلطة التشريعية له الأحقية في إصدار قانون العفو، إلا أن السلطة القضائية له الاختصاص في تحديد العقوبات وتحديد الفئات التي تنطبق عليهم القانون والفئات التي لا تنطبق عليها، وبالتالي لا يجوز للسلطة التشريعية التدخل في أحكام القضاء أو فرض قيوداً على القاضي.
الخاتمة
في ختام دراسة اختصاصات السلطة التشريعية، نجد أن هذه السلطة تعد ركيزة أساسية في بناء النظام الديمقراطي وضمان توازن القوى بين السلطات المختلفة، وإن دورها في تشريع القوانين ومراقبة الأداء الحكومي يمثل حجر الزاوية في تحقيق الحوكمة الرشيدة وتعزيز الشفافية والمساءلة. مع ذلك، تبرز عدة تحديات تعيق هذه السلطة عن أداء وظائفها بكفاءة، مثل تداخل الاختصاصات مع السلطة التنفيذية، الضغوط السياسية، وضعف آليات الرقابة.
كما تؤكد الدراسة أن تعزيز فعالية السلطة التشريعية يتطلب إصلاحات دستورية وقانونية تعزز استقلاليتها وتزيد من قدرتها على تمثيل مصالح الشعب ومراقبة أداء الحكومة بفعالية، كما أن تعزيز وعي المواطنين بأهمية دور البرلمان وحقوقهم في متابعة أدائه والمشاركة في العملية السياسية يعد عنصراً حيوياً لضمان تطور النظام الديمقراطي.
في النهاية، تعد دراسة اختصاصات السلطة التشريعية خطوة ضرورية لفهم كيفية تطوير نظام حكم يحقق العدالة والمساواة، ويضمن توازناً بين السلطات، ويسهم في بناء دولة قوية تقوم على أسس الديمقراطية والشفافية.
أولاً_ الاستنتاجات:
- تداخل الاختصاصات بين السلطات: من خلال الدراسة، تبيّن أن هناك تداخلًا واضحًا بين اختصاصات السلطة التشريعية والسلطات الأخرى (التنفيذية والقضائية)، مما يؤدي أحياناً إلى تعطيل وظائف البرلمان أو الحد من فعاليته في التشريع والرقابة.
- ضعف آليات الرقابة والمساءلة: على الرغم من أن السلطة التشريعية تمتلك صلاحيات دستورية لمراقبة الحكومة واستجواب المسؤولين، إلا أن فعالية هذه الآليات تتأثر بالضغوط السياسية والحزبية، مما يحد من دور البرلمان في تحقيق المساءلة الحقيقية.
- التحديات السياسية والتأثيرات الخارجية: الدراسة أشارت إلى أن الاختلافات السياسية بين الكتل البرلمانية، إلى جانب التأثيرات الخارجية، تشكل عائقًا أمام تحقيق الاستقلالية المطلوبة للسلطة التشريعية في صنع القرار.
ثانياً_ التوصيات:
- ينبغي العمل على تقوية استقلالية البرلمان من خلال إصلاحات دستورية تضمن فصلًا أكثر وضوحًا بين السلطات، بما يسمح للنواب بأداء دورهم الرقابي والتشريعي بدون تدخلات سياسية أو تأثيرات خارجية.
- من الضروري تطوير آليات رقابية أكثر فعالية مثل تمكين النواب من ممارسة دورهم في استجواب المسؤولين وسحب الثقة عند الحاجة، وذلك لتعزيز الشفافية والمسؤولية.
- يجب تطوير آليات تواصل مستمرة بين النواب والمواطنين لضمان أن تعكس التشريعات والقرارات البرلمانية احتياجات الشعب، ويمكن تحقيق ذلك عبر استحداث وسائل تكنولوجية ومنصات للتواصل المباشر بين البرلمان والمواطنين.
قائمة المصادر والمراجع
ساجد محمد الزاملي، مبادئ القانون الدستور والنظام الدستوري في العراق، ط1، دار نيبور، العراقي، 2014.
مروج هادي، استقلال السلطة التشريعية، دراسة مقارنة، أطروحة دكتوراه، جامعة بغداد، كلية القانون، 2014.
رافع خضر صالح شبر، فصل السلطتين التنفيذية والتشريعية في النظام البرلماني في العراق، ط1، مكتبة السنهوري، بغداد، 2012.
منذر الشاوي، القانون الدستوري (نظرية الدولة)، ج1، ط2، المكتبة القانونية، بغداد، 2007.
سليمان محمد الطماوي، السلطات الثلاث في الدساتير العربية المعاصرة والفكر السياسي الإسلامي، ط9، معهد الدراسات العربية، جامعة الدول العربية، 1996.
أحمد سعيفان، الأنظمة السياسية والمبادئ الدستورية العامة- دراسة مقارنة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، ط1، 2008.
ساجد محمد الزاملي، مبادئ القانون الدستوري والنظام الدستوري في العراق، ط1، دار نيبور، العراق، 2014.
عبد المنعم محفوظ، القضاء الدستوري في العراقي، الطبعة الأولى، بلا دار نشر، 1991.
محمد كامل عبيد، استقلال القضاء، دارسة مقارنة، إصدارات نادي القضاة، 1991.
عادل الطبطبائي، الحدود الدستورية بين السلطتين التشريعية والقضائية، دراسة مقارنة، جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي، 2000.
فخري عبد الرزاق صلبي الحديثي، شرح قانون العقوبات القسم العام، مطبعة أوفسيت الزمان، بغداد، 1992.
أحمد صفوت، شرح القانون الجنائي- القسم العام، مطبعة حجازي، القاهرة.
ثانياً_ القوانين
دستور جمهورية العراق لعام 2005.
النظام الداخلي لمجلس النواب.
Margins:
-
() ساجد محمد الزاملي، مبادئ القانون الدستور والنظام الدستوري في العراق، ط1، دار نيبور، العراقي، 2014، ص45. ↑
-
() المادة (49/أولاً) من دستور جمهورية العراق لعام 2005. ↑
-
() المادة (56/أولاً) من دستور جمهورية العراق لعام 2005. ↑
-
()الفقرة (6) من المادة (49) من الدستور ذاته، وكذلك المادة (15) من النظام الداخلي لمجلس النواب لعام 2006. ↑
-
() المادتين (57 و58) من دستور جمهورية العراق لعام 2005، وكذلك المادة (22/1 و 2) من النظام الداخلي لمجلس النواب لعام 2006. انظر أيضاً: مروج هادي، استقلال السلطة التشريعية، دراسة مقارنة، أطروحة دكتوراه، جامعة بغداد، كلية القانون، 2014، ص 23. ↑
-
() الفقرة (1) من المادة (59) من دستور جمهورية العراق لعام 2005. والمادة (23) من النظام الداخلي لمجلس النواب. ↑
-
()رافع خضر صالح شبر، فصل السلطتين التنفيذية والتشريعية في النظام البرلماني في العراق، ط1، مكتبة السنهوري، بغداد، 2012، ص 119. ↑
-
()المادة (65) من دستور جمهورية العراق لعام 2005. ↑
-
() وهذا ما أكدته المادة (137) من الدستور العراقي لسنة 2005. انظر أيضاً: منذر الشاوي، القانون الدستوري (نظرية الدولة)، ج1، ط2، المكتبة القانونية، بغداد، 2007، ص45- 46. ↑
-
()المواد (83 ـ 85) من التعديل الدستوري المقترح. انظر أيضاً: سليمان محمد الطماوي، السلطات الثلاث في الدساتير العربية المعاصرة والفكر السياسي الإسلامي، ط9، معهد الدراسات العربية، جامعة الدول العربية، 1996، ص234. ↑
-
() وهذا ما أشارت إليه المادة (93) من التعديل الدستوري المقترح . ↑
-
() ساجد محمد الزاملي، المرجع السابق، ص 485. ↑
-
() انظر المادة 61/ أولاً، ثانياً، ثالثاً، رابعاً، خامساً، من الدستور العراقي لسنة 2005. ↑
-
() المادة 61 / خامساً، ب من الدستور العراقي النافذ 2005. ↑
-
() المادة 61/ ثامناً- 3، هـ من الدستور العراقي النافذ 2005. ↑
-
() المادة 62/ أولاً وثانياً من الدستور العراقي النافذ 2005. ↑
-
() أحمد سعيفان، الأنظمة السياسية والمبادئ الدستورية العامة- دراسة مقارنة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، ط1، 2008، ص 55. ↑
-
() ساجد محمد الزاملي، مبادئ القانون الدستوري والنظام الدستوري في العراق، ط1، دار نيبور، العراق، 2014، ص345. ↑
-
() عبد المنعم محفوظ، القضاء الدستوري في العراقي، الطبعة الأولى، بلا دار نشر، 1991، ص238. ↑
-
() محمد كامل عبيد، استقلال القضاء، دارسة مقارنة، إصدارات نادي القضاة، 1991، ص 581 وما بعدها. ↑
-
()عصام عبد الوهاب البرزنجي، الرقابة القضائية على أعمال الإدارة في العراق وأفاق تطورها، المرجع السابق، ص268. ↑
-
() عادل الطبطبائي، الحدود الدستورية بين السلطتين التشريعية والقضائية، دراسة مقارنة، جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي، 2000، ص 111 وما بعدها. ↑
-
() فخري عبد الرزاق صلبي الحديثي، شرح قانون العقوبات القسم العام، مطبعة أوفسيت الزمان، بغداد، 1992، ص 503. ↑
-
() أحمد صفوت، شرح القانون الجنائي- القسم العام، مطبعة حجازي، القاهرة، ص 400. ↑
-
() عباس الحسني، شرح قانون العقوبات العراقي الجديد، المرجع السابق، ص 60. ↑