دور القضاء الدستوري في تكريس الديمقراطية في العراق
The Role of Constitutional Judiciary in Consolidating Democracy in Iraq
سيف عباس مخلف1، أ. د. خالد الخير1
1 الجامعة الإسلامية في لبنان، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم القانون العام.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj66/33
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/66/33
المجلد (6) العدد (6). الصفحات: 484 - 499
تاريخ الاستقبال: 2025-05-07 | تاريخ القبول: 2025-05-15 | تاريخ النشر: 2025-06-01
المستخلص: تتناول هذه الدراسة الدور المحوري الذي يضطلع به القضاء الدستوري، ممثلاً بالمحكمة الاتحادية العليا، في دعم التحول الديمقراطي وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد في العراق بعد عام 2003. وتنطلق من فرضية مفادها أن وجود قضاء دستوري مستقل وفعّال يُعد شرطًا جوهريًا لنجاح أي تجربة ديمقراطية، خاصة في الدول الخارجة من أنظمة استبدادية. تستعرض الدراسة الإطار القانوني والوظيفي للمحكمة، وتُحلل مجموعة من قراراتها المتعلقة بحماية الحقوق الدستورية، السياسية، والاجتماعية، لا سيما حق الملكية والجنسية والمواطنة، كأمثلة على تدخلها لحماية الحقوق والحريات من تغوّل السلطة التشريعية أو التنفيذية. وتُظهر النتائج أن القضاء الدستوري العراقي، رغم التحديات السياسية والتشريعية، يمتلك إمكانات فاعلة في حماية الدستور وضمان توازن السلطات، شريطة تعزيز استقلاله وتحديث الإطار القانوني المنظّم له. وتوصي الدراسة بتقوية الثقافة الدستورية وتعزيز استقلالية المحكمة كمدخل ضروري لترسيخ الديمقراطية وبناء دولة القانون.
الكلمات المفتاحية: القضاء الدستوري، الديمقراطية، المحكمة الاتحادية، الحقوق السياسية، العراق.
Abstract: This study examines the pivotal role of the constitutional judiciary, represented by the Federal Supreme Court, in supporting democratic transformation and entrenching principles of good governance in Iraq after 2003. It is based on the premise that an independent and effective constitutional judiciary is a fundamental condition for the success of any democratic experience, especially in countries transitioning from authoritarian regimes. The study reviews the legal and functional framework of the Court and analyzes a set of its decisions related to the protection of constitutional, political, and social rights—particularly the rights to ownership, nationality, and citizenship—as examples of its intervention to safeguard rights and freedoms from overreach by the legislative or executive branches. The findings show that despite political and legal challenges, Iraq’s constitutional judiciary holds significant potential to uphold the constitution and maintain a balance between powers, provided that its independence is strengthened and its legal framework is modernized. The study recommends enhancing constitutional culture and reinforcing the Court’s independence as essential steps toward democratic consolidation and the rule of law.
Keywords: Constitutional Judiciary, Democracy, Federal Court, Political Rights, Iraq.
المقدمة
تُعدُّ الديمقراطية فكرة ضاربة في القِدم ارتبطت بنشوء المجتمعات البشرية وتطوّر أنظمتها السياسية والاجتماعية وقد خضعت هذه الفكرة عبر التاريخ لتحولات عميقة فرضتها التحديات الواقعية والتغيرات المتلاحقة في بنية الدولة والمجتمع ولم تكن الديمقراطية مفهوماً ساكناً بل جاءت نتاجاً لتراكم نضالي طويل خاضته الشعوب في سبيل انتزاع الحقوق والحريات، وتكريس مبدأ السيادة الشعبية، ومقاومة أشكال الاستبداد كافة، ومع تطورها التاريخي بات يُنظر إلى الديمقراطية المعاصرة بوصفها منظومة متكاملة من القيم والآليات، يتعيّن توافرها لضمان قيام نظام ديمقراطي فاعل ومستقر.
ومن أبرز تلك الآليات وجود دستور ديمقراطي يُكرّس مبادئ الحكم الرشيد، وإجراء انتخابات دورية نزيهة تُمثل إرادة الشعب وتعددية حزبية تضمن تنوّع التمثيل السياسي، واحترام مبدأ التداول السلمي للسلطة، فضلاً عن حماية منظومة الحقوق والحريات العامة التي تُعدّ الركيزة الجوهرية لأي نظام ديمقراطي، كما يتطلب نجاح المشروع الديمقراطي بيئة مؤسساتية وقانونية ملائمة تُمكِّن مؤسسات الدولة من العمل بكفاءة وشفافية، وتضمن خضوع السلطة للقانون والمساءلة، وهو ما يُضفي على الديمقراطية طابعاً واقعياً بعيداً عن الطروحات المثالية.
إن الديمقراطية ليست مجرد مفهوم نظري أو شعارات سياسية بل هي بنية متكاملة من القيم والآليات والمؤسسات تتجلى في ممارسات قانونية وسياسية تتكيّف مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والتاريخية لكل مجتمع، فليست هناك صيغة ديمقراطية واحدة تصلح لجميع الشعوب، بل إنَّ نجاح التجربة الديمقراطية مرهون بمدى قدرتها على التفاعل مع الواقع المحلي وظروفه المتغيرة، وتُعدُّ آليات التحوُّل الديمقراطي مثل اعتماد الخيار الشعبي في اختيار ممثلي السلطة وترسيخ شرعية المؤسسات، وتطبيق مبدأ سيادة القانون، والفصل بين السلطات، والتعددية السياسية، وضمان حقوق الإنسان وحرياته وسائل أساسية لا غاية بحد ذاتها، فهي ليست سوى شروط ضرورية تهيّئ الطريق لبناء نظام ديمقراطي فعّال ومستقر.
وفي السياق العراقي لم ينبثق التحوُّل الديمقراطي عن إرادة داخلية ناضجة أو نتيجة نضال وطني، بل جاء بفعل تدخُّل خارجي مباشر، تمثل في الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، مدعوماً من بعض القوى العراقية المقيمة في الخارج، وقد ترتّب على هذا التدخل حدوث تفكيك شامل لبنية الدولة العراقية، من خلال حلّ مؤسساتها الحيوية، وعلى رأسها الجيش والشرطة، وتفكيك الأجهزة الإدارية والخدمية، وهو ما تسبب في انهيار هيبة الدولة وفتح المجال أمام الفوضى الأمنية والسياسية، كما تمَّ إغفال البُعد المؤسسي في عملية إعادة بناء الدولة، ما جعلها تقوم على أسس مرتبكة، تأثرت بشكل مباشر بمرجعيات القوى الإقليمية والدولية، التي لم تأخذ بنظر الاعتبار الحاجة إلى تعزيز الهوية الوطنية وضمان حقوق المواطنة.
وعلى الرغم من أن العراق تبنّى من الناحية الشكلية عدداً من الآليات الديمقراطية المتعارف عليها، كالدستور، والانتخابات، والتعددية الحزبية، إلا أن هذه المظاهر لم تُترجم إلى ممارسة ديمقراطية حقيقية تحمي حقوق الأفراد وتعزز الانتماء الوطني. وبذلك، ظلَّ المشروع الديمقراطي العراقي يعاني من خلل بنيوي عميق، بسبب غياب الإرادة السياسية الوطنية الموحدة، واستمرار التدخلات الخارجية، وضعف الثقافة الديمقراطية المجتمعية.
أولًا: أهمية البحث
تبرز أهمية دراسة دور القضاء الدستوري في تكريس الديمقراطية في العراق من عدة جوانب:
- التحول الديمقراطي: جاء الدستور العراقي لعام 2005 في سياق إعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية بعد عقود من الحكم الاستبدادي، ومن ثم فإن دراسة دور المحكمة الاتحادية العليا تساهم في فهم مدى تفعيل هذا التحول.
- الرقابة على السلطات: يُعد القضاء الدستوري الأداة الرئيسة لضبط أداء السلطات التشريعية والتنفيذية وضمان التزامها بمبادئ الديمقراطية، كالفصل بين السلطات، وحماية الحقوق والحريات.
- الاستقرار السياسي: في بيئة سياسية مضطربة، يلعب القضاء الدستوري دورًا مهمًا في حسم النزاعات الدستورية وتفسير النصوص الغامضة، مما يعزز الاستقرار ويحول دون الانزلاق نحو الفوضى أو السلطوية.
- ضعف الثقافة الدستورية: يُسلّط البحث الضوء على ضرورة ترسيخ ثقافة احترام الدستور وأحكام القضاء الدستوري، في ظل غياب الوعي الكافي بهذه المؤسسة الحيوية.
ثانياً: أهداف البحث
تهدف الدراسة إلى:
- تحليل الإطار القانوني والوظيفي للمحكمة الاتحادية العليا في العراق.
- بيان مدى مساهمة القضاء الدستوري في ترسيخ قيم الديمقراطية، كالمساواة، وتداول السلطة، وضمان الحقوق.
- تقييم الممارسة الواقعية للقضاء الدستوري من خلال تحليل قراراته وتوجهاته التفسيرية.
- الكشف عن التحديات المؤسسية والسياسية التي تعيق قيام القضاء الدستوري بدوره الديمقراطي الكامل.
- اقتراح حلول لتعزيز استقلال القضاء الدستوري وفعاليته كأداة لترسيخ النظام الديمقراطي.
ثالثًا: إشكالية البحث
تكمن الإشكالية الرئيسة في التساؤل الآتي:
إلى أي مدى استطاع القضاء الدستوري، ممثلاً بالمحكمة الاتحادية العليا في العراق، أن يؤدي دورًا فعّالًا في تكريس المبادئ الديمقراطية وترسيخ دولة القانون؟
رابعًا: منهج البحث
تعتمد الدراسة على مجموعة من المناهج القانونية المتكاملة، أبرزها:
- المنهج التحليلي: لتحليل النصوص الدستورية والقانونية المتعلقة بالقضاء الدستوري وصلاحياته.
- المنهج الوصفي: لوصف الواقع القضائي والمؤسسي للقضاء الدستوري في العراق.
خطة البحث
المطلب الأول: إسهام المحكمة الاتحادية العليا في ضمان الحقوق الدستورية وحمايتها.
الفرع الأول: الإطار الدستوري والقانوني لفرض القيود على الحريات العامة.
الفرع الثاني: تطبيقات الدساتير بفرض قيود على الحريات.
المطلب الثاني: إسهام المحكمة الاتحادية العليا في تعزيز الحقوق السياسية والاجتماعية.
الفرع الأول: دور المحكمة الاتحادية العليا في حماية الحقوق السياسية.
الفرع الثاني: دور المحكمة في حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
المطلب الأول
إسهام المحكمة الاتحادية العليا في ضمان الحقوق الدستورية وحمايتها
تُعد المحكمة الاتحادية العليا في العراق حجر الزاوية في النظام الدستوري، إذ أوكل إليها الدستور مهمة الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، والفصل في النزاعات ذات الطابع الدستوري، وهو ما يجعلها الأداة الأبرز لحماية الحقوق والحريات العامة المقررة بموجب الدستور، وبما أن الحقوق الدستورية تمثل جوهر العقد الاجتماعي وأساس سيادة القانون، فإن أي انتهاك لها أو تقصير في حمايتها من قبل السلطات التشريعية أو التنفيذية يهدد البناء الدستوري بأسره.
وقد أضحت مهمة المحكمة الاتحادية العليا لا تقتصر على مجرد الرقابة الشكلية على النصوص القانونية، بل امتدت لتشمل رقابة موضوعية جوهرها حماية الحقوق الدستورية ومنع السلطات من تجاوز حدودها الدستورية، وذلك من خلال ما تصدره من أحكام وتفسيرات تُعد في جوهرها ضمانات قضائية فعالة، كما أن المحكمة باتت تمثل الملاذ الأخير للمواطنين في مواجهة الانتهاكات الدستورية، مما أكسبها دوراً محورياً في ترسيخ مبدأ المشروعية وصون مبدأ الفصل بين السلطات.([1])
لذا تأتي هذه الدراسة لتسلط الضوء على مدى إسهام المحكمة الاتحادية العليا في العراق في تعزيز حماية الحقوق الدستورية من خلال تحليل نماذج من قراراتها وبيان طبيعة الدور القضائي الذي تنهض به في مواجهة التحديات التي تعترض تطبيق الدستور، وتقييم مدى كفاءتها وفاعليتها في التصدي لتلك الانتهاكات ضمن السياق القانوني والسياسي الذي تعمل فيه. بناء على ذلك سوف نقوم بتقسيم المطلب إلى فرعين، سوف نتحدث في الفرع الأول عن الإطار الدستوري والقانوني لفرض القيود على الحريات العامة ، أما في الفرع الثاني سوف نتحدث عن تطبيقات الدساتير بفرض قيود على الحريات
الفرع الأول
الإطار الدستوري والقانوني لفرض القيود على الحريات العامة
يمكن أن يستند التقييد القانوني للحقوق والحريات إلى جملة من الأسس القانونية، يتصدرها ما تتضمنه الدساتير الوطنية من نصوص تقيد بعض الحريات، أو تحيل تنظيمها إلى التشريع العادي، فضلاً عن ما تنص عليه المواثيق الدولية من قيود مشروعة، عادة ما تُقرّ لحماية مصالح عامة محددة ومعترف بها دولياً.
فعلى صعيد الدساتير، نلاحظ أن العديد منها يتضمن نصوصاً تجيز للدولة فرض قيود قانونية على ممارسة بعض الحريات، سواءً بشكل مباشر من خلال تحديد الأسباب التي تُبرر ذلك التقييد، مثل الحفاظ على أمن الدولة، أو حماية النظام العام، أو مراعاة المصلحة العامة، أو صون الآداب العامة والتقاليد الاجتماعية، أو عبر منح المشرّع العادي سلطة تنظيم ممارسة تلك الحريات بما ينسجم مع تلك الأهداف، ويأتي الدستور العراقي لعام 2005 مثالاً واضحاً في هذا السياق، حيث نص في المادة 36 على أن: «تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والآداب: أولاً: حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل. ثانياً: حرية الصحافة والطباعة والإعلان والنشر. ثالثاً: حرية الاجتماع والتظاهر السلمي»([2]).
ويدل هذا النص على أن ضمان الحريات لا يكون مطلقاً، بل هو مشروط بعدم الإخلال بمفاهيم عامة يحددها القانون كالنظام العام والآداب العامة، وهو ما يفتح المجال أمام السلطة التشريعية والتنفيذية لوضع قيود على تلك الحريات في ضوء تلك المقتضيات، مما يتطلب دوراً رقابياً فعالاً من القضاء الدستوري لضمان التوازن بين حماية الحريات وضوابط تقييدها، كما لا بد من وضع الشروط والإجراءات الواجب اتباعها عند فرض هذه القيود، أمَّا النوع الثاني من القيود فهي من خلال ترك الأمر للتشريع العادي بوضع الضوابط القانونية التي تستوجب ممارسة تلك الحقوق والحريات في حدود القانون([3])، أو في الحالات التي يحددها القانون، أو وفق أحكام القانون، أو وفقاً للقانون([4])، أو وفق الأصول المحددة بالقانون.
ومن المسائل الجديرة بالاهتمام والتأمل، أن النصوص الدستورية التي تقرر الحقوق والحريات العامة، سواء جاءت بصيغة مطلقة لا تحيل تنظيمها إلى التشريعات العادية، أو جاءت بصيغة تفويضية تجيز للمشرع العادي تنظيمها وفرض قيود عليها ضمن حدود معينة، قد لا تكون ذات فعالية قانونية مطلقة في كف يد المشرّع عن انتهاك جوهر هذه الحريات أو التضييق عليها بما يفقدها مضمونها الحقيقي.
فمن الناحية العملية، كثيراً ما يلجأ المشرّع العادي إلى تمرير قيود تمس جوهر الحريات تحت ذريعة التنظيم التشريعي أو حماية النظام العام، حتى في ظل وجود نظم رقابية على دستورية القوانين. إذ أن وجود رقابة دستورية، سواء كانت سياسية أو قضائية، لا يعني بالضرورة تحصين الحريات من التدخلات التشريعية التي قد تأخذ طابعاً تقييدياً أو حتى تعسفياً، خاصة إذا ما افتقرت المحكمة الدستورية أو الجهة الرقابية إلى الاستقلالية أو الجرأة في ممارسة دورها([5]).
ومن هنا، فإن مجرد التنصيص الدستوري على الحريات لا يكفي لضمان حمايتها الفعلية، ما لم يُقترن ذلك بوجود نظام قضائي دستوري فعال، قادر على مراقبة دستورية القوانين بدقة وموضوعية، وعلى التصدي لكل نص تشريعي يتجاوز حدود التنظيم المشروع ويمس جوهر الحق أو الحرية المقررة دستورياً. كما يجب أن يتوافر وعي مجتمعي وقانوني واسع، يضغط باتجاه احترام الحريات وصيانتها، حتى لا تتحول النصوص الدستورية إلى مجرد شعارات لا تجد لها تطبيقاً في الواقع التشريعي والمؤسسي.
في حقيقة الأمر، فإن توصيف بعض الحريات بأنها “مطلقة” لا يعكس دقة علمية أو واقعية؛ ذلك أن جميع الحريات، مهما تعاظمت أهميتها أو سُمّيت بأنها أساسية، تمارس ضمن وسط اجتماعي وتنظيمي يستدعي بالضرورة فرض قيود أو حدود معينة عليها، فالحريات بطبيعتها نسبية، وتتأثر بسياقات المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية، وبما يفرضه من مقتضيات الصالح العام([6]).
وبناءً على ذلك، فإن تقسيم الحريات إلى مطلقة ونسبية يبدو قاصراً، والأجدر أن يُقال إن ثمة حريات “أكثر نسبية” من غيرها، أي أن درجة التنظيم والتقييد تختلف من حرية إلى أخرى بحسب طبيعتها ومدى تماسّها مع النظام العام أو حقوق الآخرين. ومن هذا المنطلق، يتحدد الوضع القانوني الفعلي لأي حرية في ضوء التشريعات التي تصدرها السلطة التشريعية العادية بشأنها، والتي ترسم – عملياً – الحدود التي يمكن للمواطنين أن يمارسوا من خلالها تلك الحريات.
ويُفترض من حيث المبدأ أن لا يُسمح بتقييد أي من الحريات إلا إذا كان ذلك ضرورياً وبالقدر المطلوب لتحقيق مصلحة عامة راجحة، وأن يكون هذا التقييد صادراً عن قانون، أو مستنداً إلى قانون، لا إلى أداة أدنى منه مرتبة. فالقانون هو الوسيلة المشروعة والوحيدة – في النظم الديمقراطية – لتنظيم ممارسة الحقوق والحريات، شريطة ألا يُفضي إلى انتقاص جوهري منها، أو يُسهم في إفراغها من مضمونها الحقيقي.([7])
الفرع الثاني
تطبيقات الدساتير بفرض قيود على الحريات
ومن تطبيقات قيام الدساتير بفرض قيود على الحريات بشكل مباشر ما جاء في المادة 13 من الدستور الإيطالي لعام 1947م التي تنصُّ على أنَّه: لا يسمح بأيِّ قيد آخر على الحرية الشخصية إلا بمقتضى إجراء مسبب صادر من السلطة القضائية، وفي الأحوال وبالطرق المنصوص عليها في القانون. ومن أمثلة الدساتير التي سمحت للمشرع العادي بتقييد الحريات من دون ضوابط ما نجده في دستور جمهورية العراق لعام 1970م في المادة 22/ب،ج والمادة 24. وكذلك فعل دستور العراق لعام 2005م كما في المادة 35/ج. ومن أمثلة الدول الأجنبية ما نجده في فرنسا إذ إنَّ المبدأ السائد منذ إعلان حقوق الإنسان الفرنسي الصادر عام 1789م هو أنَّ تقييد الحريات من اختصاص السلطة التشريعية، فهذه السلطة المختصة أصلاً بتعيين الحدود التي يمارس فيها الفرد حريته([8]).
ذلك لأنَّ التشريع البرلماني بوصفه صادراً من الإرادة العامة، وتحت رقابة الرأي العام، يكون أقدر على تحقيق التوافق بين الحريات في إطار النظام، ولذا فقد نصَّ إعلان الحقوق المذكور في المادة 4 منه على أنَّ ممارسة كل إنسان لحقوقه الطبيعية لا حدود لها إلا تلك التي تضمن للآخرين التمتع بنفس الحقوق، وأضاف أنَّ هذه الحدود لا يبينها إلا القانون([9]).
ونفس الشيء فعل الدستور السويسري لعام 1998م حين نصَّ في المادة 36/1 منه على أنَّه: يجب توافر أساس قانوني لكل تقييد لحقٍّ أساسي، ويجب النص على القيود الهامة في القانون.
أما على صعيد القانون الدولي، فيجدر بنا الإشارة إلى موقفه الواضح من موضوع تقييد الحريات، والذي يتجلى بشكل جلي في المادة 29/2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي نصت على أن:”يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، وذلك بهدف ضمان احترام حقوق الآخرين وسمعتهم، وحماية الأمن القومي والنظام العام والصحة أو الأخلاق العامة في المجتمع الديمقراطي، هذا النص يؤكد مبدأ هاماً، وهو أن ممارسة الحقوق والحريات ليست مطلقة بلا ضوابط، وإنما تخضع لضوابط قانونية واضحة تضمن التوازن بين حرية الفرد وحقوق الآخرين والمصلحة العامة. ويعكس ذلك اعتراف المجتمع الدولي بأن الحريات الشخصية يجب أن تمارس في إطار يحفظ الأمن والنظام ويحمي القيم المجتمعية الأساسية([10]).
وبالتالي، فإن القانون الدولي يعترف بشرعية فرض القيود على الحريات، شرط أن تكون هذه القيود قانونية، أي منصوص عليها في قوانين رسمية، وضرورية لتحقيق أهداف مشروعة ومحددة بدقة، بما يمنع استخدام هذه القيود كأداة لتقييد الحريات بطريقة تعسفية أو مفرطة، ويتجلى هذا الموقف الدولي بوضوح في نصوص الاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية، حيث تنص المادة 9/1 على أن: “لكل فرد الحق في الحرية والسلامة الشخصية، ولا يجوز القبض على أحد أو إيقافه تعسفاً، كما لا يجوز حرمان أي شخص من حريته إلا وفقاً للقانون وبما يتوافق مع الإجراءات القانونية المتبعة([11]).”
وتؤكد هذه المادة على ضرورة أن تكون أي قيود أو حرمان من الحرية محكومة بقواعد قانونية واضحة وإجراءات عادلة بما يضمن حماية الفرد من الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي، ويعكس هذا النص التزام القانون الدولي بضمان التوازن بين حماية الحرية الفردية وضمان الأمن والنظام العام، مع فرض شروط صارمة على تقييد هذه الحقوق، كما نجد هذا المبدأ يتكرر في مواد أخرى من الاتفاقية، مثل المادة 12/3 المتعلقة بحرية التنقل التي تشدد على أن أي قيود على حرية التنقل يجب أن تكون قانونية ومبررة.
وكذلك في المادة 18/3 التي تتعلق بحرية الفكر والضمير والدين، والمادة 19/3 الخاصة بحرية التعبير، والمادة 22/2 التي تتناول حرية التجمع وتكوين الجمعيات، إذ تؤكد هذه المواد جميعها على إمكانية فرض قيود قانونية ومحددة على هذه الحريات، شرط ألا تكون تعسفية أو تخلّ بحقوق الإنسان الأساسية.
ويُبيّن هذا النص بوضوح أن أي تقييد للحقوق والحريات لا بد أن يستند إلى أساس قانوني صارم، وأن يكون مبرراً بحاجات مجتمعية ملحة تتعلق بالحفاظ على المبادئ الأساسية للمجتمع الديمقراطي. كما يشدد على ضرورة تحقيق التوازن بين حماية الحقوق الفردية ومصالح المجتمع ككل، بحيث لا يتم تجاوز الحدود المسموح بها لتقييد الحريات بما يهدد جوهر الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وقد تبنّت الاتفاقيات الإقليمية موقفاً موحداً فيما يتعلق بتقييد الحقوق والحريات، حيث نصّت المادة 8/2 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على أن: لا يجوز للسلطة العامة أن تتدخل في ممارسة هذا الحق إلا إذا كان التدخل منصوصاً عليه في القانون، وكان ضرورياً في مجتمع ديمقراطي للحفاظ على سلامة الوطن، أو الأمن العام، أو الازدهار الاقتصادي للبلاد، أو للحفاظ على النظام، أو لمنع الجرائم، أو لحماية الصحة أو الأخلاق، أو لحماية حرية وحقوق الآخرين.([12])”
ومن جانب آخر، تؤكد المادة 30 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان على أنه: لا يجوز تطبيق القيود التي يمكن بموجب هذه الاتفاقية أن تفرض على التمتُّع وممارسة الحقوق والحريات المعترف بها فيها إلا طبقاً للقوانين التي تُسَنُّ لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة، وللغاية التي من أجلها فرضت تلك القيود.([13])”
ويعكس هذان النصان أهمية وجود أساس قانوني واضح لتقييد الحقوق والحريات، بحيث يتم فرض القيود لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة، وفي إطار تحقيق الغايات المشروعة التي من أجلها فُرضت هذه القيود كما يشددان على ضرورة ضمان أن تكون هذه القيود ضرورية ومتوازنة، بما يحفظ جوهر الحقوق والحريات ولا يهدد المبادئ الأساسية للمجتمع الديمقراطي وحقوق الإنسان.
تأكيداً على الموقف الدولي الموحد بشأن تقييد الحقوق والحريات، نص الميثاق العربي لحقوق الإنسان في المادة 4/أ على أن: “لا يجوز فرض قيود على الحقوق والحريات المكفولة بموجب هذا الميثاق سوى ما ينص عليه القانون ويُعد ضرورياً لحماية الأمن والاقتصاد الوطنيين، أو النظام العام، أو الصحة العامة، أو الأخلاق، أو حقوق وحريات الآخرين([14]).”
وفي السياق ذاته، جاء في المادة 6 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان أن:”لكل فرد الحق في الحرية، ولا يجوز حرمان أي شخص من حريته إلا للدوافع وفي حالات يحددها القانون سلفاً([15]).
وتجسد هذه النصوص الإقليمية مبدأ أساسياً مفاده أن تقييد الحقوق والحريات لا يكون إلا وفقاً لأساس قانوني واضح وبما يحقق الضرورة القصوى لحماية مصالح المجتمع الحيوية مع الالتزام بضمانات قانونية تحول دون الانتهاك التعسفي لتلك الحقوق. كما تشدد على أن أي تقييد لا بد أن يكون متناسباً مع الغرض الذي من أجله فُرض ويخضع لمبدأ الشرعية وضرورة الحماية المتبادلة بين الفرد والمجتمع في إطار احترام الحقوق والحريات الأساسية.
وإنَّ الدساتير سواء العربية منها أو الأجنبية وكذلك الاتفاقات الدولية قد استخدمت عدة صيغ للإشارة إلى التقييد القانوني للحريات، وهذا التنوُّع في الصيغ قد يرتِّب تنوعاً في المعنى المفهوم منها، إذ إنَّ إدراج عبارة وفقاً للقانون، تجعل التقييد الذي تفرضه الأحكام القضائية أو العرف مسوغاً قانوناً في دول القارة العرفي غير المدون كبريطانيا إذا ما أخذنا بالمعنى الموضوعي للقانون، في حين أنَّ عبارة بنص القانون تمنع حدوث هذا الأمر([16]).
وعلى الرغم من أنَّنا نفهم أنَّ الهدف من إدراج هذه الصيغ هو تفادي القيود التحكيمية الواردة على هذه الحريات أي أن تكون هذه القيود مبنية على قاعدة عامة مجردة ومفروضة بتشريع وليس بقرار تنفيذي، إلا أنَّنا نرى ضرورة ثبات الدساتير والمواثيق الدولية على صيغة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، ولا تدع مجالاً لأيِّ جهة بأن تجعلها منطلقاً لها في فرض قيود تعسفية على الحريات.
المطلب الثاني
إسهام المحكمة الاتحادية العليا في تعزيز الحقوق السياسية والاجتماعية
المحكمة الاتحادية العليا بصفته أعلى هيئة قضائية في العراق، يعتبر حماية الحقوق السياسية والاجتماعية من صلاحيتها، لذلك سوف نقوم بتقسيم المطلب إلى فرعين، سوف نتحدث في الفرع الأول عن دور المحكمة الاتحادية العليا في حماية الحقوق السياسية، اما الفرع الثاني سوف نتحدث عن دور المحكمة في حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
الفرع الأول
دور المحكمة الاتحادية العليا في حماية الحقوق السياسية
تُعدُّ الحقوق السياسية من أقدم وأهم الحقوق التي حظيت بعناية خاصة في الفكر الدستوري، لا سيما في صيغته الكلاسيكية، نظراً لارتباطها الوثيق بمفهوم السيادة الشعبية وممارسة الحكم الديمقراطي، ويُقصد بهذه الحقوق، بوجه عام، حق المواطنين في المشاركة الفعلية في إدارة الشؤون العامة للدولة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عبر انتخاب ممثليهم في السلطات التشريعية، أو تولّي المناصب العامة، أو إبداء الرأي في القضايا الجوهرية التي تمس الحياة السياسية للدولة([17]).
وتُشكل هذه الحقوق في المجتمعات الديمقراطية، الوسيلة القانونية التي تمكّن الشعب من التأثير في صنع القرار السياسي، ومن ثم تمثل أحد أبرز أدوات الرقابة الشعبية على السلطة، وضمان عدم انفراد جهة معينة بالتحكم في مصير الدولة بمعزل عن إرادة المواطنين. ومن خلال ممارسة الحقوق السياسية – كحق الانتخاب، وحق الترشيح، وحرية الانتماء الحزبي، والمشاركة في الاستفتاءات العامة – تتحقق مشاركة الأفراد في إدارة دفّة الحكم، ويُكرَّس مبدأ التداول السلمي للسلطة، ويتحقق التوازن بين الحاكم والمحكوم، مما يعكس جوهر الديمقراطية بوصفها نظاماً سياسياً يستند إلى إرادة الأغلبية مع احترام حقوق الأقلية([18]).
لقد مثَّل المجال السياسي أحد أبرز الميادين التي تجلَّت فيها حالات تجاوز السلطة التشريعية وتغوّلها على الحقوق السياسية للمواطنين وذلك تحت ذريعة “تنظيم تلك الحقوق”، على نحو يخالف ما نص عليه الدستور صراحة، ففي العديد من التجارب الدستورية، ولا سيما في الأنظمة التي تمر بمرحلة انتقال ديمقراطي هش، غالباً ما تلجأ السلطة التشريعية إلى تقييد الحق في المشاركة السياسية أو الانتخاب أو الترشح، أو حتى الحق في تأسيس الأحزاب والانخراط فيها، عبر تشريعات قد تبدو في ظاهرها تنظيمية، لكنها في جوهرها تنطوي على مصادرة غير مشروعة لهذه الحقوق أو إفراغها من مضمونها([19]).
ويُعد هذا السلوك التشريعي انتهاكاً صريحاً للمبادئ الدستورية التي تؤكد على ضرورة احترام الحقوق السياسية باعتبارها جوهر الحياة الديمقراطية، وهو ما يستدعي تدخل الرقابة الدستورية ممثلة بالمحاكم الدستورية أو الهيئات القضائية العليا لإعادة التوازن بين سلطات الدولة، وضمان عدم استخدام سلطة التشريع كأداة لتقويض الحريات السياسية التي يكفلها الدستور، لقد تضمَّنت نصوص العديد من الدساتير، سواء في النظم الديمقراطية الراسخة أو تلك الناشئة، تكريساً واضحاً لجملة من الحقوق السياسية التي تُعدُّ من الركائز الأساسية للنظام الديمقراطي.
ومن بين هذه الحقوق ما يتعلق بـحق المواطن في الترشح للمناصب العامة والمشاركة في الانتخابات، سواء ناخباً أو منتخباً، والحق في التعبير عن الإرادة الشعبية من خلال المشاركة في الاستفتاءات العامة، وكذلك الحق في تكوين الأحزاب السياسية والانخراط فيها والعمل ضمن إطارها القانوني، فضلاً عن الحق في الاجتماع والتجمع السلمي لأغراض سياسية، وغير ذلك من الحقوق ذات الصلة بالمجال السياسي.
وتُعد هذه النصوص الدستورية بمثابة الضمانات القانونية العليا التي تقيّد السلطات العامة عند تنظيمها للمجال السياسي، وتُلزمها بضرورة احترام جوهر هذه الحقوق ومقاصدها، وعدم التعسف في تقييدها أو تجريدها من مضمونها الحقيقي. وبالتالي، فإن أيّ قانون أو إجراء يصدر عن السلطة التشريعية أو التنفيذية يمسّ هذه الحقوق يجب أن يكون منسجماً مع المبادئ الدستورية العامة ومراقباً من قبل القضاء الدستوري المختص لضمان احترام إرادة المشرّع الدستوري([20]).
1- دور المحكمة الاتحادية في حماية الحق في الجنسية حق المواطنة:
يُعدُّ الحق في الجنسية، أو ما يُطلق عليه في بعض الأدبيات الدستورية حق المواطنة، من الحقوق السياسية الجوهرية والمقدَّمة من حيث الأولوية والأهمية، لكونه يشكّل الأساس القانوني والشرعي لارتباط الفرد بالدولة. فالجنسية ليست مجرد رابطة قانونية، وإنما هي أيضاً رابطة سياسية وسيادية تعكس انتماء الفرد وولاءه الوطني للدولة، وتُرتّب عليه في المقابل مجموعة من الالتزامات والحقوق([21]).
ومن هذا المنطلق، فإن حق الفرد في حمل جنسية الدولة التي ينتمي إليها يُعتبر المدخل الرئيسي للتمتّع ببقية الحقوق الوطنية والسياسية والمدنية إذ تُبنى عليه مجموعة من الحقوق الدستورية الأخرى منها الحق في الإقامة والاستقرار داخل حدود الدولة والحق في تقلّد الوظائف العامة، والحق في المشاركة في الحياة العامة، سواء من خلال الترشّح للمجالس النيابية أو ممارسة حق التصويت في الانتخابات والاستفتاءات وبهذا تُعدُّ الجنسية بمثابة الوعاء الحاضن للحقوق والواجبات الدستورية وشرطاً لازماً للتمتع بالصفة الدستورية للمواطن، كما أنها الضمانة الأولى للمساواة القانونية بين الأفراد داخل الدولة.
وتتجلّى أهمية هذا الحق بصورة خاصة في الدول التي تنص دساتيرها على تقييد بعض الحقوق السياسية بضرورة حمل جنسية الدولة، مما يعني أن فقدان هذا الحق، أو المساس به من قبل السلطة، يُعدّ انتهاكاً مباشراً لبقية الحقوق المرتبطة به، وهو ما يبرّر خضوع مسائل الجنسية والمواطنة لرقابة القضاء الدستوري في حال نشوء نزاع حول دستورية القوانين المنظمة لها([22]).
وقد أكّدت المواثيق الدولية الأساسية لحقوق الإنسان على الحق في الجنسية بوصفه حقاً أساسياً من حقوق الإنسان لما لهذا الحق من دور محوري في إرساء الهوية القانونية والسياسية للفرد فقد نصَّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 15 على أن: “لكل فرد حق التمتع بجنسية ما، ولا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها”([23])، ويعكس هذا النص إقراراً دولياً صريحاً بحق الإنسان في حمل جنسية تُعرّفه وتربطه بدولة معينة، ويمنع في الوقت ذاته أية ممارسة تعسفية في تجريده من هذا الحق. ولم يقتصر الاعتراف الدولي بهذا الحق على الإعلان العالمي، بل تمَّ تعزيزه بنصوص ملزمة في الاتفاقيات الدولية لا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، حيث نصَّت الفقرة الثالثة من المادة 24 منه على أن: “لكل طفل الحق في أن تكون له جنسية”([24]). وهو ما يؤكد أن الحق في الجنسية لا يُعد امتيازاً، بل ضمانة قانونية ملازمة لكل إنسان منذ ولادته، تكفل له الحماية القانونية، والاعتراف الدولي بشخصيته القانونية.
إنّ ثبوت الجنسية لا يُرتّب فقط التمتع بالحقوق السياسية، بل يمتد أثره ليشمل مجمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مثل الحق في التعليم المجاني، والحق في العمل، والحق في الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، ومن ثمّ فإن حمل الفرد لجنسية الدولة هو الذي يُؤهله لولوج منظومة الحقوق المتكاملة التي تكفلها تلك الدولة لمواطنيها، ويشكّل المدخل الدستوري والقانوني للتمتع الكامل بالمواطنة الفعّالة([25]).
وبما أنَّ الحق في الجنسية يتضمن في جوهره حرية الفرد في تحديد انتمائه القانوني والسياسي، فإنَّ من مقتضيات هذا الحق أن يكون للفرد أيضاً الحرية في تغيير جنسيته، شريطة أن يتم ذلك وفقاً لإجراءات قانونية محددة تكفل إرادته الحرة. وعلى ذات المنوال، فإنَّ له الحق في الاحتفاظ بجنسيته الأصلية، ولا يجوز تجريده منها بصورة تعسفية أو غير مبررة، فحرمان الفرد من جنسيته خلافاً لإرادته يُعد إجراءً مخالفاً لمبادئ العدالة والكرامة الإنسانية، وينطوي على تهديد مباشر لمركزه القانوني، بل ويؤدي إلى انعدام الجنسية، الذي يُعد من أخطر الأوضاع القانونية التي قد يواجهها الإنسان([26]).
وقد استقرت الاجتهادات الفقهية والمواثيق الدولية على اعتبار أنَّ عدم جواز إسقاط الجنسية إلا لأسباب مشروعة وبموجب حكم قضائي هو من المبادئ الأساسية التي تضمن للفرد الأمن القانوني والطمأنينة السياسية، وتُكرِّس الحق في الانتماء إلى دولة ما بوصفه شرطاً لازماً لممارسة الحقوق والحريات الأخرى، إذ إنَّ انعدام الجنسية لا يحرم الفرد من الحماية الدبلوماسية فحسب، بل يجرده أيضاً من الحق في التعليم والعمل والتملك والتقاضي، ويجعله عرضة لانتهاكات متعددة دون ملاذ قانوني أو سياسي فعّال، ومن ثم فإنَّ الأصل في النظام القانوني السليم أن يُقيَّد سحب الجنسية بضمانات موضوعية وإجرائية صارمة، وأن يُعتبر هذا الإجراء استثنائياً لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة، ووفقاً لما تفرضه المصلحة العامة والالتزامات الوطنية، وبما لا يُخل بجوهر الحقوق الإنسانية المكفولة لكل فرد([27]).
منذ نشأتها، اضطلعت المحكمة الاتحادية العليا في العراق بدورٍ بارز وفعّال في حماية الحقوق الدستورية للمواطنين، ومن بينها الحق في الجنسية، الذي يُعد من الحقوق السياسية الجوهرية المتصلة بشخصية الفرد القانونية والسياسية، وهو ما أكسب قرارات المحكمة أهمية خاصة في ترسيخ مبادئ المواطنة ورفع الحيف عن المتضررين من التطبيقات الإدارية أو القضائية غير المنصفة. فقد مثّلت المحكمة الاتحادية العليا ملاذاً دستورياً آمناً لكل من نالهُ ظلم أو انتُهك حقه في الحصول على الجنسية العراقية، من خلال ممارستها لصلاحيتها في الرقابة القضائية على دستورية القوانين والأنظمة والتعليمات، وكذلك في تفسير النصوص القانونية ذات الصلة بحقوق الأفراد([28]).
ومن بين أبرز قراراتها في هذا الشأن ما صدر في الدعوى التي تقدم بها عددٌ من المدّعين إلى السيد وزير الداخلية بصفته الوظيفية مطالبين بمنحهم الجنسية العراقية، استناداً إلى أن والدتهم تحمل الجنسية العراقية. غير أن طلبهم قوبل بالرفض، ما دعاهم إلى تقديم تظلُّم إداري، لم يُبت فيه خلال المدة القانونية، الأمر الذي دفعهم إلى اللجوء إلى محكمة القضاء الإداري للطعن في قرار الرفض الضمني. وقد قضت المحكمة الإدارية برد الدعوى، استناداً إلى أن المدّعين مشمولون بأحكام البند ثانياً من المادة 56 من قانون الجنسية العراقية، التي تنص صراحة على أن: “لا يجوز منح الجنسية العراقية للفلسطينيين حفاظاً على حق عودتهم إلى وطنهم.([29])”
وبعدم قناعة المدّعين بالحكم، تقدَّموا بالطعن أمام المحكمة الاتحادية العليا، التي نظرت في القضية بعين دستورية، واضطلعت بتفسير النص القانوني محل النزاع بما يتوافق مع مبدأ عدم التمييز، وحقوق الإنسان، وروح المواطنة. وقد تضمّنت حيثيات القرار تأكيد المحكمة على أن موضوع الدعوى يتصل بحق أساسي من حقوق الإنسان، هو الحق في الجنسية، وأن تفسير النصوص القانونية ذات الصلة يجب أن يتم بما يراعي الضمانات الدستورية وحقوق الأفراد التي لا يجوز تقييدها إلا وفق مبررات دستورية مشروعة ومحددة بدقة([30]).
ويؤشر هذا القرار بوضوح إلى التوجه الحقوقي للمحكمة الاتحادية العليا في الانتصار للحقوق الدستورية متى ما تعارضت مع تطبيق إداري أو قضائي مجحف، ويُعد مثالاً حيّاً على دور القضاء الدستوري في العراق في إعادة التوازن بين سلطة الدولة وحقوق الأفراد، وترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية في ظل دولة القانون.
الفرع الثاني
دور المحكمة في حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
تُعد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من أهم فروع الحقوق الأساسية التي تُقرّ للفرد بوصفه عضواً في الجماعة الوطنية، وهي تتميز بطابعها المرتبط بتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم. وتشمل هذه الحقوق مجموعة من الامتيازات التي تمكّن الأفراد من تحقيق الرفاه والعدالة وتكافؤ الفرص، والتي يقع على عاتق الدولة واجب السعي لضمانها وتوفيرها، نظراً لطابعها الإيجابي الذي يتطلب تدخل الدولة بوسائل تشريعية ومادية، وتتضمن هذه الحقوق، على سبيل المثال لا الحصر([31])، والحق بتكوين الأسرة، وحق الطفل على أبويه والمجتمع، والحق بالعيش في بيئة نظيفة خالية من الأمراض([32]). ويُعدُّ حق الإنسان في اقتناء الأموال المنقولة والعقارية وتملكها من أهم الحقوق الاقتصادية، وقد ضمن الدستور العراقي هذا الحق بنص المادة 23 التي نصت على التالي:
“أولاً: الملكية الخاصة مصونة، ويُعدّ حق الملكية الخاصة من أبرز الحقوق ذات الطابع الاقتصادي التي كفلتها الدساتير الوطنية، وقد نصّ عليها دستور جمهورية العراق لعام 2005 في المادة 23، مؤكداً على أن “الملكية الخاصة مصونة، ويحق للمالك الانتفاع بها واستغلالها والتصرف بها، في حدود القانون”. ويُشكل هذا النص ضمانة دستورية عليا لحماية الأفراد من أيّ تدخل تعسفي من قبل السلطات العامة، ويقيد مشروعية نزع الملكية بوجود سبب قانوني مشروع، وتعويض عادل ومسبق.
وقد اضطلعت المحكمة الاتحادية العليا بدور محوري في تكريس هذا الحق وصيانته من خلال الرقابة القضائية على دستورية القوانين والقرارات المخالفة له، وأكدت في العديد من أحكامها أن الملكية الخاصة لا يجوز المساس بها أو نزعها إلا وفقاً للضوابط التي يقرّها الدستور. ومن الأمثلة البارزة على ذلك، قرار المحكمة الصادر بتاريخ 2/7/2007، الذي جاء فيه: “حيث إنّ الملكية الخاصة مصونة بموجب المادة 16 من دستور جمهورية العراق لسنة 1970 الملغى، والمادة 23 من دستور العراق لسنة 2005 النافذ، لذا لا يجوز لأيّ تشريع أن يخالف هذا الحكم الدستوري وينزع الملكية دون سبب قانوني مشروع. وبناءً عليه، فإن قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 139 الصادر بتاريخ 15/10/1982، يكون مخالفاً لأحكام الدستور، مما يقتضي الحكم بإلغائه.”
ويُبرز هذا القرار بشكل واضح التزام المحكمة بتطبيق مبدأ سمو الدستور وضرورة إخضاع التشريعات السابقة للنظام الدستوري الجديد، بما يعزز من حماية الحقوق الفردية ويحول دون استمرار آثار قرارات سلطوية تنتهك مبدأ سيادة القانون([33]).
ومن الأمثلة الأخرى التي تؤكد حرص المحكمة الاتحادية العليا على حماية حق الملكية الخاصة، قرارها الصادر بتاريخ 14/9/2009، الذي شكّل تطبيقاً عملياً لمبدأ صيانة الملكية وإعلاءً لقواعد الإجراءات القانونية وضمانات التقاضي، فقد قضت المحكمة في ذلك القرار بـتصديق الحكم الصادر عن المحكمة الأدنى درجة، والمتضمّن إعادة تسجيل العقار المرقم 354/11/الزوية باسم المدعية المميز عليها، وأصدرت حكمها برد الطعن التمييزي المقدم من وزير المالية المميز، موضحة أن الطعن أصبح غير ذي موضوع بعد أن تم تصديق الحكم المميز، الأمر الذي أنهى النزاع موضوعاً وشكلاً.
ولم يقتصر الحكم على ذلك، بل بيّن أيضاً أن وزير المالية لم يكن طرفاً أصلياً في الدعوى، الأمر الذي يُضعف مركزه القانوني في الطعن، كما أن لائحته التمييزية قُدِّمت خارج المدة القانونية المنصوص عليها في المادة 216/1 من قانون المرافعات المدنية العراقي، مما يُخل بشرط من الشروط الإجرائية الجوهرية لقبول الطعن التمييزي.
ويُجسّد هذا القرار مبدأً راسخاً في الفقه الدستوري والقضائي، مفاده أن حماية حق الملكية لا تقتصر على النصوص الدستورية فحسب، بل تمتد لتشمل ضمان احترام الإجراءات القانونية العادلة، وعدم جواز التعدي على حقوق الأفراد عن طريق وسائل غير مشروعة أو بعد انتهاء المدد القانونية المحددة للطعن. ويُعدّ ذلك انعكاساً واضحاً لالتزام المحكمة الاتحادية العليا بالمعايير القانونية في صيانة الحقوق الدستورية، ولا سيما الملكية الخاصة، ضد أية محاولة للمساس بها، سواء من جهة الإدارة أو من خلال الإجراءات القضائية المعيبة ([34]).
ومن المهم التأكيد على أن الملكية الخاصة مصونة دستورياً، ولا يجوز نزعها إلا لتحقيق مصلحة عامة مشروعة وبما يضمن لصاحبها تعويضاً عادلاً ومنصفاً، وذلك وفق ما نصت عليه المادة 23/ثانياً من دستور جمهورية العراق لعام 2005. وقد جسدت المحكمة الاتحادية العليا هذا المبدأ بوضوح من خلال قرارها الصادر في 26/5/2009م، الذي قضى بعدم دستورية قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 800 لسنة 1989م، وذلك لما فيه من تعارض مع مبدأ التعويض العادل الذي يكفله الدستور للمواطنين عند مصادرة أملاكهم أو نزعها.
ويعد هذا القرار من القرارات المفصلية التي تؤكد حرص المحكمة الاتحادية العليا على حماية حقوق الملكية الخاصة وضمانات التعويض العادل، كركيزة أساسية في دولة القانون والديمقراطية، حيث لا يكتفي القضاء الدستوري بحماية الملكية بحد ذاتها، بل يتعدى ذلك إلى ضمان تعويض متوازن يعكس قيمة الحق المنزوع، بما يحقق العدالة والإنصاف. وقد مثل هذا القرار انتصاراً للمواطنين في مواجهة القرارات الإدارية التعسفية، وتعزيزاً لمبدأ سيادة القانون، وركيزة صلبة لحماية الحقوق الفردية في العراق.
لقد أكدت التشريعات العراقية على حماية الملكية الخاصة من النزع التعسفي، إذ نصت المادة 23/ ثانياً من دستور جمهورية العراق لعام 2005 على أنه: “لا يجوز نزع الملكية إلا لأغراض المنفعة العامة مقابل تعويض عادل وينظم ذلك بقانون”، وهو ما يعكس حرص الدستور على تحقيق التوازن بين المصلحة العامة وحقوق الأفراد([35]). كما تضمن قانون الاستملاك رقم 12 لسنة 1981 في المادة 13/ رابعاً تحديد مفهوم التعويض العادل، حيث نص على أن: “تسترشد الهيئة بالأسس والقواعد الواردة في هذا القانون، للتوصل إلى التعويض العادل بتاريخ الكشف والتقدير، وللهيئة الاستعانة بالخبراء إن دعت الحاجة إلى ذلك، وفي حالة إعادة الكشف والتقدير فيتخذ تاريخ الكشف الأول أساساً للتقدير”.
وعليه، فإن القرار الصادر عن مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 800 لسنة 1989، الذي جعل تقدير التعويض يُحسب بتاريخ وضع اليد أو طلب الاستملاك أيهما أسبق، يتعارض مع مفهوم التعويض العادل المنصوص عليه في قانون الاستملاك، إذ أن تحديد تاريخ التقدير بطريقة مخالفة للقانون يؤدي إلى تقليل قيمة التعويض الذي يستحقه المالك، مما يخل بمبدأ العدالة وحماية الحقوق الدستورية للمواطنين، وقد أكدت المحكمة الاتحادية العليا على هذا التناقض، معلنة عدم دستورية هذا القرار، وهو ما يعكس دور القضاء الدستوري في حفظ الحقوق وضمان احترام القوانين التي تنظم تعويضات نزع الملكية، بما يضمن للمواطنين تعويضاً عادلاً ومنصفاً يتناسب مع قيمة ممتلكاتهم الحقيقية ([36]).
وفي مجال حماية حق الملكية في الإرث، أكدت المحكمة الاتحادية العليا العراقية على أهمية الحفاظ على هذا الحق وفقاً لأحكام الدستور والقانون. فقد قضت المحكمة في إحدى قراراتها الهامة المتعلقة بدعوى رفعها مدعٍ يطالب بإلغاء قرار صادر عن مجلس قيادة الثورة المنحل، والذي حرمه من حقه الشرعي في الإرث عن والدته المتوفاة.
وجاء في حيثيات القرار أن الفقرة الثالثة من قرار مجلس قيادة الثورة رقم 221 المؤرخ في 14/10/2001 قد نصّت على حرمان المدعي ن، ش من ورثته بعد وفاتها، عقاباً له على عقوقه لها، مع توزيع حصته على بقية الورثة بحسب استحقاقهم الشرعي، ومع ذلك رأت المحكمة أن هذا القرار مخالف للدستور المؤقت الذي كان نافذاً آنذاك، والذي تبنى في أحكامه الشريعة الإسلامية كمرجعية في تحديد حالات الحرمان من الإرث، ولم تشتمل على عقوق الوالدين كسبب للحرمان.
وبناءً على اختصاص المحكمة الاتحادية العليا المنصوص عليه في الفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005، والخاص بالفصل في المنازعات المتعلقة بشرعية القوانين والقرارات، قررت المحكمة إلغاء الفقرة الثالثة من قرار مجلس قيادة الثورة المشار إليه، وإعادة الحق الشرعي للمدعي في الحصول على نصيبه من إرث والدته وفقاً لأحكام الشرع والقانون، ويُعد هذا القرار تجسيداً واضحاً لدور المحكمة الاتحادية في حماية الحقوق الدستورية للمواطنين، وضمان عدم تعرّضها لأي قرارات أو قوانين تتعارض مع الدستور، مما يعزز سيادة القانون والعدالة في النظام القضائي العراقي….([37]).
الخاتمة
في خضم التحولات السياسية والدستورية التي شهدها العراق بعد عام 2003، برزت الحاجة الملحة إلى مؤسسات ضامنة لتكريس الديمقراطية والحفاظ على مبدأ سيادة الدستور، وكان للقضاء الدستوري ممثلاً بالمحكمة الاتحادية العليا دور محوري في هذا السياق. وقد بيّنت الدراسة أن هذا الدور يتسم بالتعقيد والتداخل بين القانون والسياسة، وأن فعالية المحكمة في حماية النظام الديمقراطي تتوقف على مدى استقلالها، ووضوح اختصاصاتها، والتزام الفاعلين السياسيين بأحكامها.
وبالرغم من وجود إطار دستوري يُمكّن المحكمة من أداء وظائفها بفعالية، إلا أن التطبيق العملي كشف عن جملة من التحديات القانونية والسياسية، أبرزها الغموض الدستوري، وتأخير تشكيل المحكمة، ومحاولات التأثير على قراراتها. ومع ذلك، فإن بعض قرارات المحكمة الاتحادية أظهرت قدرة على مواجهة الضغوط وتكريس مبادئ الديمقراطية، مما يؤكد على أهمية تحصين القضاء الدستوري ليكون فاعلاً في مسار بناء دولة القانون والمؤسسات.
أولاً_ الاستنتاجات
- القضاء الدستوري يُمثل ركيزة أساسية في النظام الديمقراطي، من خلال دوره في الرقابة على دستورية القوانين والفصل في النزاعات الدستورية.
- المحكمة الاتحادية العليا في العراق تعاني من فجوات تنظيمية وتشريعية، أبرزها عدم اكتمال تشكيلة قضاتها وضعف الإطار القانوني الذي ينظم عملها، مما أثر سلباً على فعاليتها.
- بعض قرارات المحكمة الاتحادية ساهمت في حماية العملية الديمقراطية، خاصة ما يتعلق بآليات تشكيل البرلمان، ودستورية القوانين الانتخابية، مما يدل على إمكانات كامنة في المؤسسة.
- تداخل القضاء الدستوري مع المشهد السياسي قلّل من استقلاليته أحيانًا، حيث ظهرت تأثيرات حزبية وطائفية في طريقة التعامل مع أحكامه أو آليات تعيين قضاته.
- غياب ثقافة دستورية لدى عدد من النخب السياسية أدى إلى تجاهل قرارات المحكمة أو محاولة تسييسها، مما يهدد مبدأ سيادة القانون ويفرغ القضاء الدستوري من مضمونه الديمقراطي.
ثانياً_ المقترحات
- إعادة النظر في القانون المنظم للمحكمة الاتحادية العليا، من خلال إصدار تشريع يحدد آليات التعيين، والاختصاصات، وطريقة العمل بشكل دقيق، لضمان الاستقلال والفعالية.
- تعزيز الثقافة الدستورية لدى النخب السياسية والمجتمع، عبر برامج تعليمية وتوعوية تُبرز أهمية القضاء الدستوري كأداة لحماية الديمقراطية والحقوق الأساسية.
- تحصين المحكمة من الضغوط السياسية والطائفية، وذلك عبر اعتماد آليات تعيين شفافة للقضاة، وإشراك جهات أكاديمية وقضائية مستقلة في العملية، لضمان كفاءة واستقلالية الأعضاء.
قائمة المصادر والمراجع
أمين عاطف صلبيا، دور القضاء الدستوري في إرساء دولة القانون، المؤسسة الحديثة للكتاب، بيروت، 2002.
دستور العراق 2005.
عدنان عاجل عبيد، الطبيعة القانونية للقضاء الدستوري، مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، العدد الثاني، ط8، بغداد، 2016.
محمد إبراهيم درويش، الحقوق والحريات في عالم متغير، المجلة العربية للعلوم السياسية، مركز الدراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 27، 2010.
وسيم حسام الدين الأحمد، المحاكم الدستورية العربية والأجنبية، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2012.
محمود عاطف البنا، حدود سلطة الضبط الإداري، مجلة القانون والاقتصاد، القاهرة، العدد 1، السنة 48.
عصام سليمان، صلاحية المجلس الدستوري في تفسير القانون، محضر جلسة العصف الفكري الأولى، مجلة الحقوق والعلوم السياسية، الجامعة اللبنانية، العدد السابع، 2017.
سارة جليل الجبوري، القضاء الدستوري في الوطن العربي، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 2016.
مروج هادي الجزائري، الحقوق المدنية والسياسية وموقف الدساتير العراقية منها، أطروحة دكتوراه مقدمة إلى كلية القانون، جامعة بغداد، 2015.
شعبان أحمد رمضان، الحماية الدستورية لحقوق الإنسان، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006، ص45.
إسماعيل عصام نعمة، حول تفعيل القضاء الدستوري، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2007.
سحر محمد نجيب، التنظيم الدستوري لضمانات حقوق الإنسان وحرياته، أطروحة دكتوراه في القانون العام، كلية القانون، جامعة الموصل، 2003.
مدحت المحمود، القضاء في العراق، دراسة استعراضية للتشريعات القضائية في العراق ، ط1، مطبعة العدالة، بغداد، 2010.
منذر عبد الحسين الفضل، مبدأ استقلال السلطة القضائية وإهدار حق التقاضي في العراق، بحث منشور في مجلة الوعي، المنظمة العراقية لتنسيق حقوق الإنسان، العدد 26، 2006.
عبد الحسين شعبان، النظام القضائي في العراق، ورشة عمل حول مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا، بحث مقدم إلى المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة، بيروت، 20069.
عاطف سالم عبد الرحمن، دور القضاء الدستوري في الإصلاح السياسي والاجتماعي، دار النهضة العربية، القاهرة، 2010-2011.
علي يوسف الشكري، المحكمة الاتحادية العليا في العراق بين عهدين، ط1، مكتبة الذاكرة للتوزيع والنشر، بغداد-العراق، 2016.
علي هادي عطية الهلالي، المستنير من التفسير أحكام الدساتير، منشورات الحلبي، بيروت – لبنان، ط1، 2016.
سهيل حسين الفتلاوي، حقوق الإنسان، دار الثقافة، عمان، 2000.
ثانياً__ المواثيق الدولية
إعلان حقوق الإنسان الفرنسي الصادر عام 1789.
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948.
العهد الدولي الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966.
الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لعام 1958.
الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان1978.
الميثاق العربي لحقوق الإنسان1997.
الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان1986.
ثالثاً _ القرارات القضائية
قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية رقم 5/ اتحادية /2007 في 2/7/2007.
قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية رقم 115/ اتحادية / تمييز /2009 في 14/9/2009م.
قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية رقم 21/اتحادية/2009 في 26/5/2009.
قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية رقم 11/اتحادية/2006م، غير منشور.
Margins:
-
() أمين عاطف صلبيا، دور القضاء الدستوري في إرساء دولة القانون، المؤسسة الحديثة للكتاب، بيروت، 2002، ص114. ↑
-
() المادة 36 من دستور العراق 2005. ↑
-
() المادة 29 من دستور الإمارات العربية المتحدة لعام 1971م التي نصت على أنَّ: حرية التنقل والإقامة مكفولة للمواطنين في حدود القانون. ↑
-
() نصت المادة 35-ج من دستور العراق 2005م على أنَّ: للمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي أصابه وفقاً للقانون. ↑
-
() عدنان عاجل عبيد، الطبيعة القانونية للقضاء الدستوري، مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، العدد الثاني، ط8، بغداد، 2016، ص 541. ↑
-
() محمد إبراهيم درويش، الحقوق والحريات في عالم متغير، المجلة العربية للعلوم السياسية، مركز الدراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 27، 2010، ص133. ↑
-
() وسيم حسام الدين الأحمد، المحاكم الدستورية العربية والأجنبية، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2012، ص7 ↑
-
() المادة 4 من إعلان حقوق الإنسان الفرنسي الصادر عام 1789. ↑
-
() محمود عاطف البنا، حدود سلطة الضبط الإداري، مجلة القانون والاقتصاد، القاهرة، العدد 1، السنة 48، ص 51-52. ↑
-
() المادة 29/2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948. ↑
-
() المادة 9/1 من العهد الدولي الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966. ↑
-
() المادة 8/2 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لعام 1958. ↑
-
() المادة 30 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان1978. ↑
-
() الميثاق العربي لحقوق الإنسان1997. ↑
-
() الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان1986. ↑
-
() عصام سليمان، صلاحية المجلس الدستوري في تفسير القانون، محضر جلسة العصف الفكري الأولى، مجلة الحقوق والعلوم السياسية، الجامعة اللبنانية، العدد السابع، 2017، ص 81. ↑
-
() سارة جليل الجبوري، القضاء الدستوري في الوطن العربي، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 2016، ص770. ↑
-
() مروج هادي الجزائري، الحقوق المدنية والسياسية وموقف الدساتير العراقية منها، أطروحة دكتوراه مقدمة إلى كلية القانون، جامعة بغداد، 2015، ص82. ↑
-
() شعبان أحمد رمضان، الحماية الدستورية لحقوق الإنسان، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006، ص45. ↑
-
() غازي فيصل مهدي، المحكمة الاتحادية العليا ودورها في ضمان المشروعية، مرجع سابق، ص45. ↑
-
() إسماعيل عصام نعمة، حول تفعيل القضاء الدستوري، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2007، ص321. ↑
-
() سحر محمد نجيب، التنظيم الدستوري لضمانات حقوق الإنسان وحرياته، أطروحة دكتوراه في القانون العام، كلية القانون، جامعة الموصل، 2003، ص41. ↑
-
() الإعلان العالمي لحقوق الإنسان1948. ↑
-
() العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966. ↑
-
() مدحت المحمود، القضاء في العراق، دراسة استعراضية للتشريعات القضائية في العراق ، ط1، مطبعة العدالة، بغداد، 2010، ص76. ↑
-
() منذر عبد الحسين الفضل، مبدأ استقلال السلطة القضائية وإهدار حق التقاضي في العراق، بحث منشور في مجلة الوعي، المنظمة العراقية لتنسيق حقوق الإنسان، العدد 26، 2006، ص14. ↑
-
() عبد الحسين شعبان، النظام القضائي في العراق، ورشة عمل حول مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا، بحث مقدم إلى المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة، بيروت، 2006، ص9. ↑
-
() عاطف سالم عبد الرحمن، دور القضاء الدستوري في الإصلاح السياسي والاجتماعي، دار النهضة العربية، القاهرة، 2010-2011، ص9. ↑
-
() علي يوسف الشكري، المحكمة الاتحادية العليا في العراق بين عهدين، ط1، مكتبة الذاكرة للتوزيع والنشر، بغداد-العراق، 2016، ص 183. ↑
-
() علي هادي عطية الهلالي، المستنير من التفسير أحكام الدساتير، منشورات الحلبي، بيروت – لبنان، ط1، 2016، ص 80. ↑
-
() سحر محمد نجيب، التنظيم الدستوري لضمانات حقوق الإنسان وحرياته، مرجع سابق، ص 38 – 40. ↑
-
() سهيل حسين الفتلاوي، حقوق الإنسان، دار الثقافة، عمان، 2000، ص 62. ↑
-
() قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية رقم 5/ اتحادية /2007 في 2/7/2007. ↑
-
() قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية رقم 115/ اتحادية / تمييز /2009 في 14/9/2009م. ↑
-
() المادة 23/ ثانياً من دستور جمهورية العراق لعام 2005. ↑
-
() قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية رقم 21/اتحادية/2009 في 26/5/2009. ↑
-
() قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية رقم 11/اتحادية/2006م، غير منشور. ↑