المكتبات ودورها في النهضة العلمية في عصر الدولة الأموية في الأندلس (138 – 422هــ)
د. حامد إبراهيم الاحيدب قادم1، د. محمد رحمة الله أحمد النعيم2
1 أستاذ مشارك، جامعة الدلنج ، كلية التربية، السودان.
2 أستاذ مشارك، جامعة سنار، كلية التربية، السودان.
Libraries and Their Role in the Scholarly Renaissance during the Umayyad Era in al-Andalus (138–422 AH)
Dr. Hamed Ibrahim Al-Ahaidab Qadim¹, Dr. Mohammed Rahmatullah Ahmed Al-Naim²
¹ Associate Professor, Faculty of Education, University of Dalanj, Sudan.
2 Associate Professor, Faculty of Education, University of Sennar, Sudan.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj78/2
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/78/2
المجلد (7) العدد (8). الصفحات: 9 - 20
تاريخ الاستقبال: 2026-07-05 | تاريخ القبول: 2026-07-15 | تاريخ النشر: 2026-08-01
المستخلص: تناولت هذه الدراسة موضوع المكتبات ودورها في النهضة العلمية في عهد الدولة الأموية في الأندلس، بوصفها أحد أهم المرتكزات الحضارية التي أسهمت في ازدهار الحياة الفكرية والعلمية. وهدفت الدراسة إلى إبراز نشأة المكتبات وتطورها، سواء كانت مكتبات عامة أو خاصة، مع التركيز على الجهود التي بذلها الخلفاء الأمويون—ولا سيما الخليفة الحكم المستنصر—في جمع الكتب وتشجيع حركة التأليف والترجمة. اتبعت الدراسة منهج البحث التاريخي التحليلي. وتوصلت الى عدة نتائج أهمها: أن انتشار المكتبات العامة والخاصة في مختلف مدن الأندلس قد أسهم في توسيع قاعدة المعرفة، حيث لم تعد الثقافة حكرًا على النخبة، بل أصبحت متاحة لشرائح واسعة من المجتمع، مما أدى إلى ازدهار الحركة العلمية بشكل ملحوظ، وأن رعاية الخلفاء الأمويين للكتب والمكتبات – خاصة في عهد الحكم المستنصر – قد أدت إلى تكوين مكتبات ضخمة تضم مئات الآلاف من الكتب، الأمر الذي وفّر بيئة علمية غنية ساعدت على الإنتاج الفكري والتأليف، إضافة الى عدد من النتائج. نوصي الدراسة ب تعزيز الدراسات المقارنة بين دور المكتبات في الأندلس ونظيراتها في الحضارات الأخرى، لإبراز خصوصية التجربة الأندلسية وأثرها في انتقال المعرفة إلى أوروبا خلال العصور الوسطى.
الكلمات المفتاحية: الأندلس، الأموية، المكتبات، العلمية، الكتب.
Abstract: This study addresses libraries and their role in the scientific renaissance during the Umayyad period in al-Andalus, considering them one of the most important civilizational pillars that contributed to the flourishing of intellectual and scientific life. The study aims to highlight the emergence and development of libraries, whether public or private, with a focus on the efforts made by the Umayyad caliphs—particularly Caliph al-Hakam II—in collecting books and encouraging authorship and translation. The study adopts a historical-analytical research methodology. It reaches several key findings, most notably that the spread of public and private libraries across various cities of al-Andalus contributed to expanding the base of knowledge, as culture was no longer confined to the elite but became accessible to wider segments of society, leading to a remarkable growth in scientific activity. Furthermore, the patronage of books and libraries by the Umayyad caliphs—especially during the reign of al-Hakam II—resulted in the establishment of vast libraries containing hundreds of thousands of volumes, thereby creating a rich intellectual environment that supported scholarly production and authorship, in addition to other findings. The study recommends strengthening comparative research on the role of libraries in al-Andalus and their counterparts in other civilizations, in order to highlight the uniqueness of the Andalusian experience and its impact on the transmission of knowledge to Europe during the Middle Ages.
Keywords: Al-Andalus, the Umayyads, libraries, scholarship, books.
مقدمة:
تُعدّ المكتبات في عصر الدولة الأموية في الأندلس من أبرز مظاهر الازدهار الحضاري والعلمي، إذ لم تقتصر وظيفتها على حفظ الكتب وصيانتها، بل تجاوزت ذلك لتكون مراكز إشعاع فكري ومنابر للعلم والمعرفة. فقد شهدت الأندلس، ولا سيما في عهد خلفائها الأقوياء مثل عبد الرحمن الناصر والحكم المستنصر بالله، نهضة علمية واسعة كان للمكتبات دور محوري في تحقيقها، حيث أُنشئت المكتبات العامة والخاصة، وزُوّدت بآلاف المؤلفات في مختلف العلوم والمعارف. وقد أسهمت هذه المكتبات في تنشيط الحركة العلمية من خلال توفير مصادر المعرفة للعلماء وطلاب العلم، وتشجيع التأليف والترجمة والنسخ، فضلاً عن احتضانها لحلقات الدرس والمناظرات العلمية. كما ارتبط ازدهار المكتبات بازدهار صناعة الكتاب، واهتمام الدولة بجمع الكتب من مختلف أقطار العالم الإسلامي، مما جعل من الأندلس مركزًا علميًا بارزًا في العالم آنذاك. وعليه، تهدف هذه الدراسة إلى إبراز دور المكتبات في دعم النهضة العلمية في عصر الدولة الأموية في الأندلس، من خلال تسليط الضوء على نشأتها، وتطورها، ووظائفها العلمية والثقافية، وأثرها في ازدهار الحياة الفكرية، بما يعكس أهمية هذه المؤسسات في بناء الحضارة الإسلامية وترسيخ دعائم العلم والمعرفة.
لمحة مختصرة عن عهد الدولة الأموية في الأندلس:
تقع بلاد الاندلس في شبه جزيرة ايبريا في جنوب غرب أوربا، وقد مرت بمراحل تاريخية متعددة قبل دخول المسلمين، وكان القوط الغربيون آخر من حكمها قبل الفتح الإسلامي. فتح المسلمون بلاد الأندلس في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك (86 – 96هــ)، على يد موسى بن نصير وقائده طارق بن زياد وكان ذلك سنة 92هــ/711م(1)، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الأندلس ولاية إسلامية تتبع للدولة الأموية في الشرق، وعرفت الفترة التي تلت الفتح ب(عصر الولاة في الأندلس)، وذلك لأن الأندلس ولاية ضمن ولايات الدولة الإسلامية الأموية، وعليها حاكم (والٍ) أموي يتم تعيينه من قبل الخليفة الأموي في دمشق(2. واتخذ المسلمون من قرطبة عاصمة للأندلس، بعد أن كانت العاصمة هي اشبيلية في أول عامين من الفتح.(3) وفي سنة 132هــ/750م سقطت الدولة الأموية في الشرق على يد العباسيين. وقد أخذ العباسيون بعدَ قيام دولتهم، بمُلاحقة بني أمية وقتلهم، ولذلك فرَّ الكثير منهم بعيدًا، محاولين النجاة بأنفسهم. وقد كان من بين هؤلاء عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك، الذي فرَّ إلى الأندلس، وأعلنَ استقلاله بها .وقد تمكَّن الأمويون من البقاء بهذه الطريقة؛ فأسسوا دولتهم الجديدة في الأندلس، وظلُّوا يحكمونَها زهاء ثلاثة قرون. عُرف عبدُ الرحمٰن بن مُعاوية ب)عبدُ الرحمٰن الدَّاخل(، ومُنذُ أن تسلَّم الحُكم دخل المُسلمون في الأندلُس في عهدٍ جديدٍ قائمٍ على أُسسٍ سياسيَّة بعيدةٍ عن العُنصُريَّة والقَبليَّة، من واقع تحجيم نُفوذ زُعماء القبائل، وإحلال سُلطة الدولة، مُمَثَّلَةً في الأمير، محل سُلطة القبائل، وبدأت الأندلُس تسير في طريق اكتساب الحضارة. أضحى الأندلُس بلدًا إسلاميًّا مُستقلًّا عن الخِلافة العبَّاسيَّة في المشرق، بعد أن كان خاضعًا لِمركز الخِلافة في العهد الأُموي. وقد مرت الدولة الأموية في الأندلس بمرحلتين، المرحلة الأولى: هي عصر الأمارة الأموية، واستمرت منذ دخول عبدالرحمن الداخل الى الأندلس سمة 138هــ وانفصاله عن مركز الدولة الإسلامية في الشرق حتى سنة 316هــ(4) ، وسمي بعصر الأمارة لأن الحكام الأمويين في الأندلس تحرجوا من اتخاذ لقب الخليفة لأسباب عديدة منها الحرص على عدم تعدد الخلافة الاسلامية لقدسيتها عند المسلمين، فأطلقوا على أنفسهم لقب أمراء، وأشهر أمراء هذه الحقبة: عبدالرحمن الداخل، والحكم الأول، وعبدالرحمن الأوسط. والمرحلة الثانية: هي مرحلة عصر الخلافة الأموية في الأندلس، وتبدأ من سنة 316هــ عندما أعلن عبدالرحمن الناصر نفسه خليفة في الأندلس(5) واستمرت حتى سقوط الخلافة الأموية سنة 422هــ.(6) وقد تميزت الدولة الأموية في الأندلس بنشاط تِجاري وثقافي وعِمراني ملحوظ، حتى أصبحت قرطبة أكثرَ مدن العالم اتساعًا في ذلك العصر، كما شهدت تشييد الكثير من روائع العِمارة الإسلامية في الأندلس، ومنها الجامع الكبير في قرطبة.(7) كما شهدت فترة حكم الأمويين نهضة في التعليم العام، جعلت عامة الشعب يجيدون القراءة والكتابة في الوقت الذي كان فيه عِلْيَةُ القوم في أوروبا لا يستطيعون ذلك. كما شهدت الأندلس في عهدهم تطوراً كبيراً في الجانب السياسي والإداري والعسكري.(8)
بداية تأسيس المكتبات وتطورها في العصر الأموي:
ازدهرت حضارة الأندلس ازدهاراً عظيماً إبان الحكم الأموي للبلاد، فقد اشتهرت الأسرة الأموية بحب العلم إكبار العلماء، ويظهر واضحاً منذ أن وطأت أقدامهم أرض الأندلس، فكان عبدالرحمن الداخل (138 – 172هــ) معروفاً باتساع ثقافته وعلمه، واستطاع بفضل ألمعيته وذكائه أن يحدث عملاً معمارياً جميلاً في مدينة قرطبة، فشيد المباني الضخمة، وأقام القصور، واهتم بنشر العلم فأنشأ المدارس والمعاهد التعليمية، واهتم بنشر الثقافة الإسلامية فأنشأ المساجد ودور العبادة، حتى غدت قرطبة مهداً للحياة الراقية، ومصدراً للعلم والحضارة، وموطناً للفلاسفة والشعراء، وموئلاً للعلماء والمفكرين، ومركزاً للفنون والآداب، وبلغت تطوراً عمرانياً لا مثيل له في ذلك الوقت.(9) فقد شهدت الأندلس في العصر الأموي ازدهارًا علميًا وثقافيًا جعلها من أبرز مراكز الحضارة في العالم الوسيط، ولم يكن هذا الازدهار نتيجة لعامل واحد، بل هو حصيلة منظومة متكاملة من الرعاية السياسية، والنشاط العلمي، والبنية الثقافية التي كان من أهم عناصرها المكتبات. فقد تحولت المكتبات من مجرد أماكن لحفظ الكتب إلى مؤسسات علمية فاعلة، أسهمت في إنتاج المعرفة ونشرها، وشكلت بيئة حاضنة للعلماء. وقد أسهم الاستقرار السياسي النسبي الذي تحقق في عهد الأمراء ثم الخلفاء الأمويين في تهيئة الظروف الملائمة لازدهار الحركة العلمية والثقافية، الأمر الذي انعكس في تنامي النشاط الفكري وازدهار مختلف العلوم والمعارف.(10) كما لعب الخلفاء والأمراء الأمويون دورًا مهمًا في تشجيع العلم ورعاية العلماء، فعملوا على إنشاء المكتبات وجمع الكتب من المشرق الإسلامي، وأتاحوا للعلماء بيئة علمية خصبة ساعدت على الإبداع الفكري.
مرّت المكتبات في الأندلس بمراحل تطور تدريجية ارتبطت بتطور الدولة الأموية نفسها. ففي مرحلة التأسيس الأولى في عهد عبد الرحمن الداخل، لم تكن المكتبات قد اتخذت شكلها المؤسسي، بل اقتصرت على مجموعات محدودة من الكتب لدى الأمراء وبعض العلماء، في ظل انشغال الدولة بتثبيت أركانها(11) والواقع أن أغلب الحكام الأمويين في الأندلس كانوا محبين للعلوم والآداب مهتمين ينسر نور المعرفة، وقد أسسوا مكتبات رائعة سار بذكرها الركبان، فقد أسس عبدالرحمن الأوسط (206 – 238هــ) مكتبة فخمة في قرطبة، وأرسل الى المشرق عباس بن ناجح ليلتمس بعض الكتب ويستنسخها.(12) وفي عصر الأمير محمد الأول (238 – 273هــ) أُنشئت مكتبة ملوكية في قرطبة وذلك إمتداداً لسيرة الأمراء الأمويين في حب الكتب والعلم، فكانت تسمى في بادئ عهدها بالمكتبة الملكية، وقد وُصفت بأنها أحسن ما فب مدينة قرطبة في عهد محمد الأول.(13) ومع تطور الدولة الأموية في الأندلس وازدياد قوتها، ولاسيما بعد إعلان الخلافة في عهد عبدالرحمن الناصر لدين الله سنة 316هـ/929م، شهدت الأندلس مرحلة من الاستقرار والقوة، انعكست على الحياة الثقافية، حيث بدأ الاهتمام بجمع الكتب يتزايد، وأصبحت هناك نواة لمكتبات أكثر تنظيمًا. وقد ساعدت العلاقات مع المشرق الإسلامي في تزويد الأندلس بالكتب، خاصة من بغداد، مما أدى إلى تنوع المعارف(14) كما شهدت الأندلس في تلك الفترة نهضة فكرية واسعة، تمثلت في انتشار التعليم، وكثرة حلقات العلم في المساجد، وازدهار حركة التأليف والترجمة، إضافة إلى ظهور طبقة من العلماء في مختلف مجالات المعرفة مثل الفقه والحديث واللغة والأدب والطب والفلك والفلسفة. وقد ساعدت هذه العوامل على تحويل مدن الأندلس، وعلى رأسها قرطبة، إلى مراكز علمية يقصدها الطلاب والعلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي(15) فاهتم الخليفة عبدالرحمن الناصر بمكتبة القصر الملكية، وزودها بكل ما هو نفيس من الكتب. وقد نتج عن هذا الازدهار الفكري ظهور حركة علمية نشطة شملت مختلف العلوم الشرعية والعقلية، وأسهمت في بناء حضارة أندلسية متميزة كان لها أثر كبير في نقل المعرفة إلى أوروبا في العصور الوسطى. ولذلك فإن دراسة تطور الحياة الفكرية في الأندلس في العصر الأموي تمثل مدخلًا مهمًا لفهم طبيعة الحضارة الأندلسية ودورها في التاريخ الثقافي للعالم الإسلامي. وقد بلغت الحركة العلمية ذروتها في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، الذي عُرف باهتمامه الكبير بالكتب والمكتبات، حتى أصبحت مكتبة قرطبة من أعظم مكتبات العالم الإسلامي في ذلك العصر.(16)
ازدهار المكتبات في عهد الخليفة الحكم المستنصر:
تميز عصر الحكم المستنصر (350 – 366هــ/961 – 976م) بظاهرة من ألمع الظواهر في تاريخ الدولة الأندلسية، هي ازدهار العلوم والآداب أعظم ازدهار، وإنشاء المكتبة الأموية العظيمة، التي كانت بضخامتها ، وتنوع محتوياتها، من أعظم مكتبات العصور الوسطى. وقد وصلت الحركة الأدبية والثقافية ذروتها في عهده، ويرجع ذلك قبل كل شيء الى شخصية الحكم نفسه، والى صفاته العلمية الممتازة، التي نوه بها أكثر من مؤرخ أندلسي، وإلى شغفه العظيم بجمع الكتب، وهو شغف كان له أكبر الأثر في ملئ خزائن الأندلس بنفائس الكتب، من كل فن ومن كل قطر من أقطار العالم الإسلامي.(17) وقد أشاد المؤرخون بصفات الحكم العلمية، وتقدمه في العلوم الشرعية، وعنايته بتحقيق الأنساب وتأليف قبائل العرب، واستدعاء رواة الحديث من جميع الآفاق، وايثار مجالس العلماء، وشغفه بجمع الكتب بصورة لم يُسمع بها.(18) وكان الحكم يرسل الى أكابر العلماء المسلمين من كل قطر بالصلات الجزيلة، للحصول على النسخ الأولى من مؤلفاتهم، وكان له عملاء في بغداد والقاهرة ودمشق وغيرها، مكلفون بنسخ الكتب أو شرائها، مهما بلغ ثمنها، وكثيراً ما كانت تنتهي اليه مؤلفات المشرق قبل أن يقرأها أهلها هناك. فيُروى على سبيل المثال أن الخليفة الحكم ما كاد يعلم ان عالم العراق أبا الفرج الأصفهاني يشتغل بتأليف كتابه الأغاني حنة أرسل اليه ألف دينار من الذهب العين وطلب منه أن يبعث به اليه قبل ظهوره بالمشرق ففعل ذلك وأرسل اليه نسخة حسنة منقحة قبل أن يقرأها أحد في المشرق، ويقال أن أبا الفرج كان موالي بني أمية وهذا مما يجعله يجيب طلب الحكم الى طلبه.(19) وأرسل اليه أبوالفرج الأصفهاني أيضاً كتاباً ألفه في أنساب قومه من بني أمية، يشيد فيه بمجدهم ومآثرهم، فجدد له الحكم الصلة الجزيلة(20) وفعل الحكم مثل ذلك مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي، إذ بعث اليه بمبلغ جليل ليحصل على النسخة الأولى من شرحه لمختصر ابن عبدالحكم.(21) وفعل ذلك مع محمد بن القاسم بن شعبان بمصر، ومحمد بن يوسف الوراق الذي صنف له كتاباً ضخماً في مسالك افريقيا وممالكها،، وكذلك فعل مع أبو عبدالله محمد بن يحيى بن مفرج.(22) وأهدى اليه أبوعبدالله الخشني بعض كتبه، ومنها كتاب (القضاة) أو (قضاة قرطبة) كما أهدى اليه مطرف بن عيسى الغساني كتابه المسمى ب(المعارف في اخبار كورة ألبيرة)، كما أهدى اليه كثير من العلماء في ذلك العصر مؤلفاتهم، تيمناً برعايته للعلم والعلماء.(23) وكان الحكم المستنصر يعين هؤلاء الكتاب بالمال على كتابة مؤلفاتهم، كما كان لا يتردد في مساعدتهم من الناحية العلمية بإعادتهم ما يحتاجون اليه من مصادر، فقد أرسل الى الكاتب المصري أبي سعيد عبدالرحمن بن يونس صاحب كتاب (تاريخ مصر والمغرب) كتاباً استعان به هذا المؤرخ في تصنيف كتابه فيما يختص بالأندلس.(24) كان من نتائج هذه الهمة العلمية أن تكون في القصر الملكي بمدينة الزهراء مكتبة علمية ضخمة يُقدر ما حوته من الكتب بنحو أربعمائة ألف مجلداً في شتى العلوم المختلفة، وهنالك اختلاف في تقدير محتويات المكتبة الأموية العظيمة، فقدرها البعض الآخر بنحو ستمائة ألف مجلد.(25) ولا شك أن اهتمام الحكم بجمع الكتب كان مصحوباً أيضاً باجتذاب العلماء ومجالستهم وتشجيعهم، فكان محباً للعلماء، مكرماً لهم، فكان يبعث في استقدامهم من المشرق، ويرحب بهم ويكرم وفادتهم، ويرفع منازلهم عنده، ومن العلماء الذين ظهروا في بلاطه أو قعدوا للتدريس في جامع قرطبة العالم اللغوي أبا علي القالي الذي وفد الى الأندلس في أيام الخليفة عبدالرحمن الناصر سنة 330هــ، وأصله من العراق، وقد نال هذا العالم حظوة عظيمة في عصري الناصر وابنه الحكم المستنصر، الذي أسبغ عليه رعايته، وقربه اليه، وألف كتب تحت كنفه، وأورث أهل الأندلس علمه.(26)
وكان للحكم طائفة من مهرة الوراقين في الشرق الإسلامي، في دمشق وبغداد والقاهرة، ينقبون له عن الكتب، ويحصلون منها على النفيس والنادر، فكان يبعث في شراء الكتب الى الأقطار رجالاً من التجار، ويزودهم بالأموال الطائلة لشرائها، حتى جلب منها الى الأندلس ما لم يعهدوه من قبل(27)، كما كانت له في بلاطه طائفة أخرى من البارعين الحذاق في نسخ الكتب، وتحقيقها، وتجليدها، وتصنيفها، وبذل في هذا السبيل من الجهود والأموال ما لم يُسمع به، واجتمع لديه من نفائس الكتب في مختلف العلوم، ما لم يجتمع لأحدٍ قبله. ولما ضاقت أبهاء القصر الخليفي، عن استيعاب العدد العظيم من الكتب الواردة إليها باستمرار، أنشأ الحكم على مقربة من القصر صرحاً عظيماً خاصاً بالمكتبة، افتن المهندسون في ترتيبه وتنسيقه، وإنارة أبهائه، ويذكر المؤرخون أن الحكم قد ملأ الأندلس بجميع كتب العلوم، وكان على خزانة العلوم بقصر بني امية في عهد الحكم فتىً يدعى (تليداً)، وكانت عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، في كل فهرسة خمسون ورقة، ليس فيها إلا ذكر اسم الدواوين فقط.(28) وعهد الخليفة الحكم المستنصر بإدارة المكتبة الأموية الى أخيه عبدالعزيز، وعهد بالإشراف على جامعة قرطبة وأساتذتها الى أخيه المنذر.(29) وإلى جانب هذا الشغف بالكتب والثقافة العالية، كان التعليم في عهد الحكم يجوز نهضة عظيمة، وكان أبناء الشعب جميعاً يعرفون القراءة والكتابة، هذا بينما أرفع الناس مكانة في أوربا – خلا رجال الدين – لا يعرفون الكتابة والقراءة. وأسس الخليفة الحكم عدداً من المدارس يتعلم فيها الفقراء مجاناً. أما جامعة قرطبة فقد كانت يومئذً من أشهر جامعات العالم، وكان مركزها في المسجد الجامع، وتدرس في حلقاتها مختلف العلوم، وكان يدرس الحديث أبوبكر بن معاوية القرشي، ويملي أبوعلي القالي ضيف الأندلس دروسه عن العرب قبل الإسلام، وعن لغتهم وشعرهم وأمثالهم، وكان ابن القوطية يدرس النحو، وكان يدرس باقي العلوم أساتذة من أعلام العصر، وكان الطلبة يعدون بالآلاف. وكان الحكم يسبغ رعايته على سائر العلماء من مختلف الملل والنِحل، مسلمين كانوا او غير مسلمين، . ومن شواهد هذه الرعاية أن الأسقف العالم ريثموندو الإلبيري المسمى باسمه العربي (ربيع بن زيد) كان أثيراً لديه متمتعاً برعايته، لتبحره في علم الفلك، والعلوم الفلسفية، وهي من الدراسات التي يعني بها الحكم، وكان هذا الحبر القرطبي عالماً مبرزاً، متمكناً من الآداب العربية واللاتينية، وكان الخليفة الناصر والد الحكم يقدر علمه ومواهبه، ويحبوه بعطفه ورعايته، بالرغم من نصرانيته، وكان يشغل مكانة هامة في القصر.(30)
وهكذا، يمكن القول إن تأسيس المكتبات في العصر الأموي انتقل من الطابع الفردي المحدود إلى الطابع المؤسسي المنظم، وهو ما كان له أثر مباشر في النهضة العلمية.
المكتبات الخاصة في الأندلس:
ولم يكن هذا الشغف بجمع الكتب قاصراً على الأمراء والخلفاء، فقد عنى كثيراً من كبراء العصر وعلمائه بإنشاء مكتبات خاصة زاخرة بنفائس الكتب. فكانت توجد في قواعد الأندلس الأخرى عدا مكتبة قرطبة العظيمة زهاء سبعين مكتبة أخرى. وهذا وحده يكفي للدلالة على مدى التقدم العظيم الذي بلغته الحركة الفكرية والأدبية في الأندلس، في هذا العصر الزاهر. فالمكتبات الخاصة يقصد بها المكتبات التي تخص أفراد معينين، أنشأوها على نفقتهم الخاصة ولفائدتهم ولمصلحتهم الشخصية، ، فقد درج القوم بالأندلس على حب الكتب، والاهتمام بجمعها وإنشاء مكتبات خاصة بهم للتباهي بها، حتى يُقال بين الناس في الحي أو البلدة أن فلاناً عنده خزانة كتب جيدة، عامرة نحوي كتباً نادرة. ويرجع البعض ذلك الى أن حب التملك غريزة فطرية في الانسان، وحيثما توجد كتابة وكتب توجد تجد نلك الغريزة مجالها للانطلاق، ومن اجل ذلك ظهرت المكتبات الخاصة في الدولة الإسلامية منذ وقت مبكر(31)، كما ساعد على نمو هذه الظاهرة وانتشارها بصورة كبيرة الناس في الأندلس انتشار استعمال الورق، ورخص ثمنه، وهبوط أثمان الكتب، نتيجة لرخص المواد التي تصنع منها، ولرخص أجور النسخ والتجليد.(32) هذا بالإضافة الى الأجواء الفكرية والسياسية السائدة، حيث كانت البلاد تزخر برقي حضاري وخاصة المدن الكبرى مثل قرطبة، علاوة على تشجيع الحكام للعلم، والتوسع فيه على نطاق أكبر، وكان الحكام أنفسهم مثلاً يُحتذى به في حب الكتب والاهتمام بها وجمعها.(33) وكانت سوق الكتب في قرطبة من أشهر الأسواق وأحفلها بالحركة، بل لقد سرى هذا الشغف باقتناء الكتب الى النصارى واليهود أنفسهم، وكان الكثير منهم يجيدون اللغة العربية، ويتذوقون ثمرات التفكير العربي، من أدب وشعر وفلسفة وغيرها. وكان من أشهر هؤلاء الطبيب اليهودي حسداي، طبيب الحكم الخاص، وفي ظله وتحت رعايته كتب يهود قرطبة باللغة العربية، وألفوا بها مختلف الكتب، وكان من أشهر المكتبات الأندلسية الخاصة فيما بعد، مكتبة يوصف بن إسماعيل بن نغرالة اليهودي، وزير باديس أمير غرناطة.(34) وهنالك نماذج كثيرة لأصحاب المكتبات الخاصة من الرجال والنساء في الأندلس في تلك الفترة، ولكن نكتفي بذكر مثالين لذلك، فمن الذين كانت لهم همة عالية في جمع الكتب وإنشاء مكتبة خاصة به، القاضي أبو المطرف عبدالرحمن بن فطيس (348 – 402هــ) فقد كان حسن الحظ، جيد الضبط، جمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من أهل عصره، بالأندلس، مع سعة الرواية والحفظ والدراية، وكان له ستة وراقين ينسخون دائماً وكان قد رتب لهم على ذلك راتباً معلوماً، وكان متى علم بكتاب حسن عند أحد الناس طلبه للابتياع منه وبالغ في ثمنه فإن قدر علة ابتياعه، والا انتسخ منه ورده اليه، وبلغ من كثرة كتبه ان أهل قرطبة اجتمعوا لبيع كتبه مدة عام كامل في مسجده، وإنه اجتمع فيها من الثمن أربعون ألف دينار.(35) وشغف النساء المثقفات كذلك بجمع الكتب، وإنشاء المكتبات، ومن أشهر هؤلاء عائشة بنت أحمد بن قادم، وكانت من أبرع نساء عصرها، علماً وأدباً وشعراً، وكانت حسنة الخط، تكتب المصاحف والدفاتر، وتجمع الكتب، وكانت خزانة كتبها من أغنى وأقيم المكتبات الخاصة، ولها غنىً وثروة تعينها على المروءة.(36) وكانت سوق الكتب في قرطبة من أشهر الأسواق وأحفلها بالحركة، بل لقد سرى هذا الشغف باقتناء الكتب الى النصارى واليهود أنفسهم، وكان الكثير منهم يجيدون اللغة العربية، ويتذوقون ثمرات التفكير العربي، من أدب وشعر وفلسفة وغيرها. وكان من أشهر هؤلاء الطبيب اليهودي حسداي، طبيب الحكم الخاص، وفي ظله وتحت رعايته كتب يهود قرطبة باللغة العربية، وألفوا بها مختلف الكتب، وكان من أشهر المكتبات الأندلسية الخاصة فيما بعد، مكتبة يوصف بن إسماعيل بن نغرالة اليهودي، وزير باديس أمير غرناطة.(37) ورغم من أن هذه المكتبات تعتبر خاصة لأنها ملك لأفراد، إلا إنه كان يباح دخول جُل هذه المكتبات للناس جميعاً للقراءة والبحث والاطلاع والتثقيف.(38)
ولما سقطت الخلافة الأموية في قرطبة، وانقسمت الأندلس الى دويلات صغيرة تحت حكم أمراء فيما يُعرف بدويلات الطوائف، وأصبح هنالك حكام كثيرون في مختلف الأصقاع اهتم كثير منهم بالعلوم والآداب والكتب والمكتبات، مثل المظفر بن الأفطس حاكم بطليوس، فقد كان كثير الأدب محباً للعلم، جماعاً للكتب، له مكتبة عظيمة، فلم يكن من أمراء الطوائف من يفوقه في الأدب والمعرفة.(39)
ازدهار صناعة النسخ والأدوات الكتابية:
وقد كثرت المكتبات في الأندلس في عصر الأمويين، وأصبحت صناعة النسخ من الصناعات الزاهرة في تلك الحقبة، وقد اشتغل فيها النساء بصفة خاصة، واشتهرت الكثيرات منهن بجودة الخط، ودقة النسخ حتى طُلبت منسوخاتهن بالاسم، وكانت نسخ القرآن التي تكتبها الأندلسيات مضرب المثل في الدقة والجمال. وتنافس الناس في اقتناء الكتب حتى أصبحت تُشترى لاستكمال مظهر الرقي والترف، فكانت المكتبة جزءاً من مركز الرجل الاجتماعي. ونتيجة لذلك نهضت صناعة الورق نهضة كبرى، واشتهرت بلاد أندلسية بورقها الجيد مثل بلنسية وطرطوشة وشاطبة، وكان الورق الشاطبي مشهوراً في العالم الإسلامي كله، وبلغ من جودته أن بعض الوثائقيين كانوا لا يكتبون الوثائق الا عليه، وإلى جانب جودة نوعه اشتهر برخص ثمنه، وقد عرف عرب الأندلس صنفي الورق اللذين عرفا في العصور الوسطى وهما: الكاغد وهو ورق عادي، والرقاق وهو ما يعرف بالبارشمان، وهو ورق متين سميك يقارب القماش في متانته مع الاحتفاظ بصلابة الورق، وقد وصلت الرقاق الشاطبية الى كافة نواحي أوربا، وطلبتها البابوية لكتابة الأناجيل والوثائق الخاصة بالكنيسة، ثم قلد الايطاليون صناعتها بعد ذلك.(40) ولم تنفرد صناعة الورق وحدها بالتقدم، بل تقدمت كذلك كل أدوات الكتابة من حبر وأقلام وشمع للأختام سكاكين لقطع الأقلام وما الى ذلك، وقد نبغ الأندلسيون في صناعة الأحبار، و عرفوا المعدني والنباتي والمطبوخ وغير المطبوخ والبسيط والمركب منها، وعرفوا أقلام الغاب، ويسمونه الأنبوب وريش الطيور، بل صنع بعضهم أقلام حبر، أي أقلاماً تملأ بالحبر وتُصنع بهيئة محكمة بحيث يحملها صاحبها معه، ويكتب بها متى شاء، وتفننوا في صنع المحابر من الزجاج والبلور والرخام، وكانوا يزخرفون المحابر ويكتبون عليها اسم صاحبها بالحفر مع بعض الشعر أحياناً، واشتهروا بمحابر محكمة الصنع تُعمل على هيئة الخنجر في قرابه، لتوضع في حزام الثوب مع أقلامها وأنواع غيار التجفيف. ونشأت في قرطبة وغيرها من بلاد الأندلس أسواق الرقاقين الى جانب أسواق الوراقين، فأما الوراق فهو تاجر الكتب أي المخطوطات في ذلك العصر، وكان المفروض في الوراق ان يكون عالماً بالكتب وأقدارها وخطوطها بحيث يستطيع تلبية حاجات عملائه، وفي العادة تجد الوراق من أهل الأدب لكثرة مزاولته النظر في الكتب. واما الرقّاق فهو تاجر الأدوات الكتابية، وفي بعض البلاد العربية يسمى دكان الرقّاق بالقرطاسية، أي التي تبيع القراطيس والأقلام والكراسات والأحبار.(41)
أثر المكتبات في تطور النهضة الحضارية والعلمية:
وبلغت المكتبات في الأندلس درجة عالية جداً من التقدم، وذلك نتيجة طبيعية للحضارة التي أوجدها الإسلام هناك، وقد تغالى أهل الأندلس في اقتناء الكتب وفي تجليدها وفي وزخرفتها، والواقع ان حضارة الإسلام في الأندلس قد نافست حضارة الإسلام في الشرق الإسلامي، وبلغ من عظمة قرطبة وازدهارها وخاصة إبان العهد الأموي في الأندلس إنها كانت أعظم مدينة في أوربا كلها وتأتي على قدم المساواة مع القسطنطينية وبغداد إبان عزهما، وقد بلغ عدد مساجدها ألف وستمائة مسجد، وبها ستمائة حمام، وثمانون ألف قصر، وبلغ عدد سكانها مليوني نسمة، وكان بالربض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي.(42) وقد كانت شوارعها مبلطة، تُنار ليلاً بالمصابيح ويستضيء الناس بسروجها ثلاثة فراسخ لا ينقطع عنهم الضوء، وهذا شيء لم يحدث في أوربا الا في العصور الحديثة، ولم تكن قرطبة وحدها بهذا الرقي الحضاري إنما هي نموذج لما كانت عليه بقية المدن الأندلسية، لذلك لا غرابة ان انتشرت المكتبات في جميع أنحاء البلاد، وكثر عشاقها، وكثر التأليف والمؤلفون ولا سيما إنه وُجد حكام شجعوا العلم وهم أنفسهم كانوا مثلاً عالياً في حب الكتب وجمعها والاهتمام بها.(43) والواقع أن الثقافة الإسلامية والتربية الإسلامية انتشرت في الأندلس الى درجة جعلت بعض المؤرخين يقولون بأن الناس في الأندلس أصبحوا قادرين على الكتابة والقراءة، بل قالوا ان كل فرد في الأندلس تقريباً يعرف الكتابة والقراءة، وقد انتقلت الثقافة الإسلامية الى المستعربين الأسبان وهم الأسبان النصارى الذين أقاموا في البلاد الإسلامية وعاشوا تحت ظل الحكم الإسلامي، فقد سرت اليهم العادات الإسلامية، وتعلموا اللغة العربية وكتبوا بها بل واقتنوا مكتبات عربية. ويبدو ذلك واضحاً من نص يروى عن الكاتب النصراني المتعصب ألفارو قال:(أن أخواني المسيحيين يدرسون كتب فقهاء المسلمين وفلاسفتهم لا لتفنيدها بل لتعلم أسلوب عربي بليغ، وا أسفاه، إنني لا أجد اليوم علمانياً يُقبل على قراءة الكتب الدينية أو الانجيل، بل أن الشباب المسيحي الذين يمتازون بمواهبهم الفائقة أصبحوا لا يعرفون علماُ ولا أدباً ولا لغة الا العربية، ذلك إنهم يقبلون على كتب العرب في نهم وشغف، ويجمعون منها مكتبات ضخمة تكلفهم الأموال الطائلة في الوقت الذي يحتقرون الكتب المسيحية ويحتقرونها …).(44)
لم يكن تأثير المكتبات في الأندلس مقتصرًا على الإطار المحلي أو الإسلامي، بل تجاوز ذلك ليشمل أوروبا، حيث أسهمت هذه المكتبات بدور جوهري في نقل العلوم والمعارف، وشكّلت أحد أهم الجسور الحضارية بين الشرق الإسلامي والغرب الأوروبي. ويُعد هذا التأثير من أبرز مظاهر التفاعل الحضاري في العصور الوسطى، إذ ساعد على إخراج أوروبا من حالة الركود الفكري التي كانت تعيشها إلى مرحلة جديدة من الوعي العلمي. لقد كانت أوروبا في العصور الوسطى تعاني من محدودية في مصادر المعرفة، حيث اقتصرت الثقافة على الأديرة والكنائس، وكانت الكتب نادرة ومحصورة في نطاق ضيق. وفي هذا السياق، برزت الأندلس بوصفها مركزًا علميًا متقدمًا، تمتلك مكتبات ضخمة تحتوي على مؤلفات في مختلف العلوم، وهو ما جعلها مقصدًا للعلماء الأوروبيين الذين سعوا إلى الاطلاع على هذا التراث العلمي(45) وقد تم انتقال هذا التأثير عبر عدة قنوات، كان أبرزها حركة الترجمة التي نشطت في المدن الأندلسية، خاصة طليطلة بعد سقوطها في أيدي المسيحيين. فقد تحولت هذه المدينة إلى مركز لترجمة الكتب العربية إلى اللاتينية، حيث قام مترجمون أوروبيون بالاستفادة من محتويات المكتبات الأندلسية، ونقلوا منها مؤلفات في الطب والفلسفة والفلك والرياضيات.(46) ولم تكن هذه الترجمات مجرد نقل حرفي، بل كانت عملية تفاعل معرفي، حيث أدت إلى إدخال مفاهيم علمية جديدة إلى الفكر الأوروبي. فقد تعرّف الأوروبيون من خلال هذه الكتب على أعمال علماء مسلمين، كما اطلعوا على التراث اليوناني الذي كان محفوظًا في المكتبات الإسلامية، وهو ما أسهم في توسيع آفاقهم الفكرية. وكذلك لم تكن المكتبات مجرد مصدر للكتب، بل كانت وسيطًا حضاريًا نقل المعرفة بين الحضارات. فقد احتوت على مزيج من العلوم الإسلامية واليونانية والفارسية، مما جعلها تمثل خلاصة التراث الإنساني في ذلك الوقت. وعندما انتقلت هذه المعرفة إلى أوروبا، لم تنتقل بوصفها معرفة إسلامية فقط، بل بوصفها معرفة إنسانية شاملة(47) وقد أدى هذا الدور الوسيط إلى خلق تفاعل حضاري، ساعد على تطوير الفكر الأوروبي، وأدى إلى ظهور حركة علمية جديدة.
خاتمة:
في ختام هذه الدراسة، يمكن القول أن المكتبات في عصر الدولة الأموية في الأندلس لم تكن مجرد مخازن للكتب، بل كانت مؤسسات علمية وثقافية أسهمت بفاعلية في صناعة النهضة الفكرية والحضارية. فقد أدّت دورًا محوريًا في حفظ التراث الإنساني، ونشر المعرفة، وتشجيع حركة التأليف والترجمة، مما ساعد على ازدهار مختلف العلوم من فقه وأدب وطب وفلك وغيرها. كما أسهمت هذه المكتبات، سواء كانت عامة أم خاصة، في خلق بيئة علمية نشطة احتضنت العلماء ووفّرت لهم مصادر المعرفة، الأمر الذي انعكس إيجابًا على تطور الحياة الفكرية في الأندلس. ولم يقتصر تأثير هذه المكتبات على الداخل الأندلسي فحسب، بل امتد أثرها إلى أوروبا، حيث كانت جسراً لنقل العلوم والمعارف، وأسهمت في إيقاظ الحركة العلمية فيها خلال العصور الوسطى. ويؤكد ذلك أن ازدهار المكتبات كان أحد أبرز مظاهر القوة الحضارية للدولة الأموية، ودليلًا على وعي حكّامها بأهمية العلم والمعرفة في بناء الدولة. وعليه، يمكن القول إن المكتبات شكّلت ركيزة أساسية في النهضة العلمية بالأندلس، وأن دراستها تكشف عن عمق الإسهام الحضاري الإسلامي في مسيرة الإنسانية، مما يستدعي مزيدًا من البحث والاهتمام لإبراز هذا الدور وإحيائه في الذاكرة العلمية المعاصرة.
النتائج:
1/ أسهم انتشار المكتبات العامة والخاصة في مختلف مدن الأندلس في توسيع قاعدة المعرفة، حيث لم تعد الثقافة حكرًا على النخبة، بل أصبحت متاحة لشرائح واسعة من المجتمع، مما أدى إلى ازدهار الحركة العلمية بشكل ملحوظ.
2/أدت رعاية الخلفاء الأمويين للكتب والمكتبات – خاصة في عهد الحكم المستنصر – إلى تكوين مكتبات ضخمة تضم مئات الآلاف من الكتب، الأمر الذي وفّر بيئة علمية غنية ساعدت على الإنتاج الفكري والتأليف.
3/ ساهمت المكتبات في تنظيم العمل العلمي من خلال توظيف النساخ والمترجمين والمجلدين، مما أدى إلى تطور صناعة الكتاب ونقل العلوم من الحضارات الأخرى إلى الأندلس
4/أصبحت المكتبات مراكز جذب للعلماء وطلاب العلم من داخل الأندلس وخارجها، وأسهمت في خلق بيئة علمية نشطة قائمة على البحث والمناظرة والتدريس.
5/ لعبت المكتبات دورًا مهمًا في انتقال المعرفة إلى أوروبا، حيث وفد إليها الأوروبيون للاطلاع على العلوم الإسلامية، مما أسهم في تمهيد الطريق لنهضتهم العلمية لاحقًا.
6/ عكست كثرة المكتبات وشغف الحكام والعلماء بجمع الكتب مستوى التقدم الحضاري في الأندلس، وكان ذلك من أبرز العوامل التي جعلت العصر الأموي فيها عصر ازدهار علمي وثقافي متميز.
التوصيات:
1/ ضرورة إحياء التراث العلمي المرتبط بالمكتبات الأندلسية من خلال تحقيق المخطوطات ونشرها رقمياً، بما يسهم في إعادة توظيف هذا الإرث في الدراسات المعاصرة وربطه بمسارات البحث العلمي الحدي.
2/ تعزيز الدراسات المقارنة بين دور المكتبات في الأندلس ونظيراتها في الحضارات الأخرى، لإبراز خصوصية التجربة الأندلسية وأثرها في انتقال المعرفة إلى أوروبا خلال العصور الوسطى.
3/ الاهتمام بإنشاء قواعد بيانات علمية متخصصة تُعنى بتاريخ المكتبات الإسلامية، مع التركيز على مكتبات العصر الأموي في الأندلس، لتسهيل وصول الباحثين إلى المعلومات والمصادر .
4/ تشجيع المؤسسات الأكاديمية على إدماج موضوع المكتبات الأندلسية ضمن المناهج الدراسية، لما له من دور في تنمية الوعي بتاريخ الحضارة الإسلامية وإسهامها في النهضة العلمية.
5/ دعم البحوث متعددة التخصصات التي تربط بين تاريخ المكتبات والعلوم الأخرى كعلم المخطوطات، وعلم المعلومات، والتاريخ الثقافي، بما يساهم في تقديم رؤية شاملة لدور المكتبات في ازدهار الحياة العلمية في الأندلس.
المصادر والمراجع:
أولًا: المصادر التراثية
- ابن الأبّار، أبو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي البلنسي. (1985). الحُلّة السِّيَراء (تحقيق حسين مؤنس، ط2، ج2). القاهرة: دار المعارف، صص 101–102.
Ibn al-Abbar, Abu Abd Allah Muhammad ibn Abd Allah al-Quda‘i al-Balansi. (1985). Al-Hulla al-Siyara [The Resplendent Garment] (Husayn Mu’nis, Ed., 2nd ed., Vol. 2). Cairo: Dar al-Ma‘arif, pp. 101–102. [In Arabic]
- ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري. (1997). الكامل في التاريخ (تحقيق عمر عبد السلام تدمري، ط1، ج4). بيروت: دار الكتاب العربي، ص 562.
Ibn al-Athir, Izz al-Din Abu al-Hasan Ali ibn Abi al-Karam Muhammad ibn Muhammad ibn Abd al-Karim al-Shaybani al-Jazari. (1997). Al-Kamil fi al-Tarikh [The Complete History] (Umar Abd al-Salam Tadmuri, Ed., 1st ed., Vol. 4). Beirut: Dar al-Kitab al-Arabi, p. 562. [In Arabic]
- ابن بشكوال، أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود الأنصاري الخزرجي القرطبي. (1989). الصلة في تاريخ أئمة الأندلس (تحقيق إبراهيم الأبياري، ج1). القاهرة: دار الكتاب المصري؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني، صص 298، 654.
Ibn Bashkuwal, Abu al-Qasim Khalaf ibn Abd al-Malik ibn Mas‘ud al-Ansari al-Khazraji al-Qurtubi. (1989). Al-Sila fi Tarikh A’immat al-Andalus [The Continuation: A History of the Scholars of al-Andalus] (Ibrahim al-Abyari, Ed., Vol. 1). Cairo: Dar al-Kitab al-Misri; Beirut: Dar al-Kitab al-Lubnani, pp. 298, 654. [In Arabic]
- ابن حزم الأندلسي، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد. (1962). جمهرة أنساب العرب (تحقيق وتعليق عبد السلام محمد هارون). القاهرة: دار المعارف، ص 92.
Ibn Hazm al-Andalusi, Abu Muhammad Ali ibn Ahmad ibn Sa‘id. (1962). Jamharat Ansab al-Arab [A Compendium of Arab Genealogies] (Abd al-Salam Muhammad Harun, Ed.). Cairo: Dar al-Ma‘arif, p. 92. [In Arabic]
- ابن الخطيب، لسان الدين محمد بن عبد الله السلماني. (2003). أعمال الأعلام (تحقيق سيد كسروي حسن). بيروت: دار الكتب العلمية، ص 139.
Ibn al-Khatib, Lisan al-Din Muhammad ibn Abd Allah al-Salmani. (2003). A‘mal al-A‘lam [Deeds of Notable Figures] (Sayyid Kisrawi Hasan, Ed.). Beirut: Dar al-Kutub al-Ilmiyya, p. 139. [In Arabic]
- ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. (1992). كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر (ج4). بيروت: مكتبة لبنان، صص 146، 418.
Ibn Khaldun, Abd al-Rahman ibn Muhammad. (1992). Kitab al-Ibar wa-Diwan al-Mubtada’ wa-l-Khabar [The Book of Lessons and the Record of Beginnings and Events in the History of the Arabs, Persians, Berbers, and Their Powerful Contemporaries] (Vol. 4). Beirut: Maktabat Lubnan, pp. 146, 418. [In Arabic]
- ابن عذاري المراكشي، أبو العباس أحمد بن محمد. (2013). البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب (تحقيق بشار عواد معروف ومحمود بشار عواد معروف، ط1، ج1–2). تونس: دار الغرب الإسلامي؛ ج1، ص 184؛ ج2، صص 24، 297.
Ibn Idhari al-Marrakushi, Abu al-Abbas Ahmad ibn Muhammad. (2013). Al-Bayan al-Mughrib fi Ikhtisar Akhbar Muluk al-Andalus wa-l-Maghrib [The Amazing Exposition in Summarizing the History of the Kings of al-Andalus and the Maghreb] (Bashshar Awwad Ma‘ruf & Mahmud Bashshar Awwad Ma‘ruf, Eds., 1st ed., Vols. 1–2). Tunis: Dar al-Gharb al-Islami; Vol. 1, p. 184; Vol. 2, pp. 24, 297. [In Arabic]
- ابن سعيد الأندلسي، علي بن موسى. (1953). المغرب في حُلى المغرب (تحقيق زكي محمد حسن، وشوقي ضيف، وسيدة إسماعيل كاشف، ج1). القاهرة: مطبعة جامعة فؤاد الأول، ص 324.
Ibn Sa‘id al-Andalusi, Ali ibn Musa. (1953). Al-Mughrib fi Hula al-Maghrib [The Book of the Maghreb on the Adornments of the Maghreb] (Zaki Muhammad Hasan, Shawqi Dayf, & Sayyida Ismail Kashif, Eds., Vol. 1). Cairo: Fuad I University Press, p. 324. [In Arabic]
- المقري التلمساني، شهاب الدين أحمد بن محمد. (1998). نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب (تحقيق إحسان عباس، ج1–3). بيروت: دار صادر؛ ج1، صص 198، 201، 371؛ ج2، ص 418؛ ج3، ص 380.
Al-Maqqari al-Tilimsani, Shihab al-Din Ahmad ibn Muhammad. (1998). Nafh al-Tib min Ghusn al-Andalus al-Ratib wa-Dhikr Waziriha Lisan al-Din Ibn al-Khatib [The Fragrant Breath from the Moist Branch of al-Andalus and the Account of Its Vizier, Lisan al-Din Ibn al-Khatib] (Ihsan Abbas, Ed., Vols. 1–3). Beirut: Dar Sadir; Vol. 1, pp. 198, 201, 371; Vol. 2, p. 418; Vol. 3, p. 380. [In Arabic]
ثانيًا: المراجع الحديثة
- جرونباوم، جوستاف فون. (1960). حضارة الإسلام (ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد، مراجعة عبد الحميد العبادي). القاهرة: د.ن.، صص 81–82.
von Grunebaum, Gustave E. (1960). Hadarat al-Islam [Civilization of Islam] (Abd al-Aziz Tawfiq Jawid, Trans.; Abd al-Hamid al-Abbadi, Rev.). Cairo: Publisher not identified, pp. 81–82. [Arabic translation]
- الحلوجي، عبد الستار عبد الحق. (1982). لمحات من تاريخ الكتب والمكتبات. القاهرة: دار الثقافة، ص 39.
Al-Halwaji, Abd al-Sattar Abd al-Haqq. (1982). Glimpses from the History of Books and Libraries. Cairo: Dar al-Thaqafa, p. 39. [In Arabic]
- حمادة، محمد ماهر. (1970). المكتبات في الإسلام: نشأتها وتطورها ومصائرها. بيروت: مؤسسة الرسالة، صص 86، 96.
Hamada, Muhammad Mahir. (1970). Libraries in Islam: Their Origins, Development, and Destinies. Beirut: Mu’assasat al-Risala, pp. 86, 96. [In Arabic]
- دياب، حامد الشافعي. (1998). الكتب والمكتبات في الأندلس (ط1). القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، صص 101–103.
Diab, Hamid al-Shafi‘i. (1998). Books and Libraries in al-Andalus (1st ed.). Cairo: Dar Quba for Printing, Publishing, and Distribution, pp. 101–103. [In Arabic]
- ريبيرا، خوليان. (1958، مايو). المكتبات وهواة الكتب في إسبانيا الإسلامية. مجلة معهد المخطوطات العربية، 4(1)، 54.
Ribera, Julián. (1958, May). Libraries and bibliophiles in Muslim Spain. Journal of the Institute of Arabic Manuscripts, 4(1), 54. [In Arabic]
- سالم، السيد عبد العزيز. (1997). تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس. الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، صص 295، 313–315.
Salem, Al-Sayyid Abd al-Aziz. (1997). The History of Muslims and Their Monuments in al-Andalus. Alexandria: Mu’assasat Shabab al-Jami‘a, pp. 295, 313–315. [In Arabic]
- العبادي، أحمد مختار. (1996). دراسات في تاريخ المغرب والأندلس. الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، ص 56.
Al-Abbadi, Ahmad Mukhtar. (1996). Studies in the History of the Maghreb and al-Andalus. Alexandria: Mu’assasat Shabab al-Jami‘a, p. 56. [In Arabic]
- العبادي، أحمد مختار. (1998). في التاريخ العباسي والأندلسي. بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر، ص 420.
Al-Abbadi, Ahmad Mukhtar. (1998). Studies in Abbasid and Andalusian History. Beirut: Dar al-Nahda al-Arabiyya for Printing and Publishing, p. 420. [In Arabic]
- عنان، محمد عبد الله. (1997). دولة الإسلام في الأندلس (ط4، ج1–2). القاهرة: مكتبة الخانجي؛ ج1، صص 71، 135؛ ج2، صص 504–507.
Anan, Muhammad Abd Allah. (1997). The State of Islam in al-Andalus (4th ed., Vols. 1–2). Cairo: Maktabat al-Khanji; Vol. 1, pp. 71, 135; Vol. 2, pp. 504–507. [In Arabic]
- كرد علي، محمد. (2017). الإسلام والحضارة العربية (ج1). القاهرة: مؤسسة هنداوي، ص 256.
Kurd Ali, Muhammad. (2017). Islam and Arab Civilization (Vol. 1). Cairo: Hindawi Foundation, p. 256. [In Arabic]
- لوبون، غوستاف. (2021). حضارة العرب (ترجمة عادل زعيتر). القاهرة: مؤسسة هنداوي للنشر والثقافة، صص 410، 412.
Le Bon, Gustave. (2021). The Civilization of the Arabs (Adil Zu‘aytir, Trans.). Cairo: Hindawi Foundation for Publishing and Culture, pp. 410, 412. [Arabic translation]
- مؤنس، حسين. (1992). تاريخ المسلمين في الأندلس. القاهرة: دار الرشاد، صص 289، 328.
Mu’nis, Husayn. (1992). The History of Muslims in al-Andalus. Cairo: Dar al-Rashad, pp. 289, 328. [In Arabic]
- مؤنس، حسين. (1997). معالم تاريخ المغرب والأندلس. القاهرة: دار الرشاد، صص 210، 384–385.
Mu’nis, Husayn. (1997). Landmarks in the History of the Maghreb and al-Andalus. Cairo: Dar al-Rashad, pp. 210, 384–385. [In Arabic]