دور المناهج التعليميّة في ترسيخ الهُويّة والثّقافة العربيّة لدى الطلبة في منطقة المثلث من وجهة نظر المعلمين
شهناز يوسف أنيس حجلة1
1 طالبة دكتوراة في برنامج التعلم والتعليم – كلية الدراسات العليا – جامعة النجاح الوطنية- فلسطين
بريد الكتروني: Shehnaz12@walla.co.il
The Role of Educational Curricula in Strengthening Arab Identity and Culture in Israel from the Teachers’ Perspective
Shahnaz Youssef Anis Hajla¹
¹ PhD Student in the Learning and Teaching Program, Faculty of Graduate Studies, An-Najah National University, Palestine.
Email: Shehnaz12@walla.co.il
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj76/14
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/76/14
المجلد (7) العدد (6). الصفحات: 211 - 235
تاريخ الاستقبال: 2026-05-10 | تاريخ القبول: 2026-05-15 | تاريخ النشر: 2026-06-01
المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى فحص دور المناهج التعليمية في ترسيخ وتعزيز الهوية والثقافة العربية في المدارس العربية في إسرائيل من وجهة نظر المعلمين، وكذلك استكشاف مدى وعيهم بدورهم التربوي في هذا المجال، وكيفية تعاطيهم مع قضية التربية للهوية القومية في ظل التزامهم بالمناهج الرسمية. تنطلق مشكلة البحث من وجود فجوة بين الأهداف التربوية المعلنة للمناهج، وبين واقعها الفعلي الذي يُظهر تهميشًا لمضامين الهوية والثقافة العربية. اعتمدت الدراسة المنهج النوعي الوصفي، من خلال إجراء مقابلات نصف مبنية مع عيّنة قصدية مكوّنة من عشرة معلمين ومعلّمات من تخصّصات مختلفة، تشمل اللغة العربيّة، التاريخ، الجغرافيا، والمدنيّات. وتمّ تحليل البيانات باستخدام أسلوب تحليل المضمون لاستخلاص الفئات والأنماط الرئيسة. أظهرت النتائج أنّ المناهج التعليميّة لا تسهم بشكل كافٍ في تعزيز الهويّة العربيّة، بل تميل إلى تهميشها وإضعاف حضورها الثقافي والتاريخي، في ظلّ هيمنة مضامين تعكس توجّهات السياسة التعليميّة الرسميّة. كما بيّنت النتائج أنّ المعلمين يعانون من حالة من الازدواجيّة بين التزامهم بتطبيق المناهج وبين انتمائهم الثقافي، ممّا يدفع بعضهم إلى تبنّي "ثقافة الصمت"، في حين يسعى آخرون إلى إيجاد توازن من خلال مبادرات فرديّة محدودة. وتخلص الدراسة إلى أنّ المناهج التعليميّة تشكّل أداة مؤثّرة في تشكيل هويّة الطلبة، وأنّ هناك حاجة ملحّة إلى تطوير برامج تربوية بديلة وتعزيز دور المعلّم في دعم الهويّة الثقافيّة العربيّة، بما يسهم في بناء وعي طلابي أكثر ارتباطًا بهويته وتاريخه.
الكلمات المفتاحية: الهويّة العربيّة، المناهج التعليميّة، التعليم العربي في إسرائيل، المعلمون العرب، التربية للهوية.
Abstract: This study aims to examine the role of educational curricula in promoting and reinforcing Arab identity and culture in Arab schools in Israel from teachers’ perspectives. It also seeks to explore teachers’ awareness of their educational role in shaping students’ identity and how they address issues of national identity education within the constraints of officially mandated curricula. The research problem stems from a noticeable gap between the declared educational objectives of the curricula and their actual content, which tends to marginalize Arab cultural and identity components. The study employed a descriptive qualitative research approach, utilizing semi-structured interviews conducted with a purposive sample of ten teachers from various disciplines, including Arabic language, history, geography, and civics. Data were analyzed using content analysis to identify key themes and patterns. The findings reveal that the current curricula do not effectively contribute to strengthening Arab identity; rather, they often marginalize and weaken its cultural and historical presence, reflecting broader official educational policies. Additionally, the results indicate that teachers experience a sense of duality between adhering to official curricular requirements and maintaining their own cultural and national identity. This tension leads some teachers to adopt a “culture of silence,” while others attempt to create a balance through limited individual initiatives. The study concludes that educational curricula play a critical role in shaping students’ identities. It highlights the urgent need to develop alternative educational programs and to empower teachers to actively support and promote Arab cultural identity, thereby fostering a stronger sense of belonging and historical awareness among students.
Keywords: Arab Identity, Educational Curricula, Arab Education in Israel, Arab Teachers, Identity Education.
المقدمة
تواجه الشعوب الأصلانيّة في مختلف أنحاء العالم تحديّات مستمرّة في الحفاظ على هويّتها الثقافيّة في ظلّ هيمنة أنماط سياسيّة وثقافيّة مهيمنة، حيث لا تُعدّ الهويّة مجرد معطى ثابت، بل بناءً اجتماعيًا ديناميكيًا يتشكل عبر تفاعلات القوة والمعرفة والمؤسسات .(Hall, 1996; Castells, 2010) وفي هذا السياق، تلعب المؤسسة التعليميّة دورًا محوريًا في إنتاج الهويّة أو إعادة تشكيلها، من خلال ما تنقله من معارف وقيم ورؤى للعالم (Apple, 2004).
يندرج الفلسطينيون العرب في إسرائيل ضمن هذا الإطار، بوصفهم أقلية قومية نشأت في أعقاب تحولات سياسية كبرى منذ عام 1948، ويعيشون ضمن بنية دولة ذات طابع إثني، الأمر الذي ينعكس على موقعهم الاجتماعي والثقافي وعلى تشكيل هويتهم. وقد أظهرت الأدبيات أن التعليم يشكّل إحدى الأدوات المركزية في إدارة العلاقة بين الدولة والأقلية، حيث يتم توجيه السياسات التعليمية والمناهج الدراسية بما يتماشى مع رؤى الدولة وأهدافها .(Al-Haj, 2002)
وتُعدّ المناهج التعليمية من أبرز آليات هذه العملية، إذ لا تقتصر وظيفتها على نقل المعرفة، بل تتجاوز ذلك إلى بناء الوعي الثقافي وتشكيل الانتماء والهوية لدى الطلبة .(Banks, 2008) ومن منظور التربية متعددة الثقافات، يُفترض أن تعكس المناهج تنوع المجتمع وتدعم هويات جميع مكوناته، بما يعزز العدالة التربوية والانتماء .(Gay, 2018) إلا أن الدراسات النقدية تشير إلى أن المناهج قد تُستخدم أيضًا كأداة لإعادة إنتاج الهيمنة الثقافية، من خلال تهميش روايات وهوية الجماعات الأقل قوة .(Giroux, 1983; Apple, 2004)
وفي حالة التعليم العربي في إسرائيل، تكشف الدراسات عن وجود فجوة بين الدور المأمول للمناهج التعليمية في تعزيز الهوية، وبين واقعها الفعلي، حيث تميل إلى تقديم تمثيل محدود أو انتقائي للهوية العربية، في ظل غياب المشاركة الفعلية للمجتمع العربي في صياغة السياسات التربوية (ميعاري، 2013؛ حاج يحيى، حمودة، وجمهور، 2022). ويؤدي ذلك إلى وضع المعلمين في موقع مركّب، إذ يُطلب منهم من جهة الالتزام بالمناهج الرسمية، ومن جهة أخرى يُتوقع منهم الإسهام في ترسيخ الهوية الثقافية لدى الطلبة.
وعلى الرغم من أهمية هذا الموضوع، تشير المراجعة الأدبية إلى نقص في الدراسات النوعية التي تستكشف تصورات المعلمين وممارساتهم الفعلية في التعامل مع قضايا الهوية داخل الصفوف الدراسية، بوصفهم فاعلين رئيسيين في ترجمة المنهاج إلى ممارسات صفية، خاصة في سياق التعليم العربي في إسرائيل، مما يبرز الحاجة إلى دراسات معمّقة تسلط الضوء على هذا الجانب.
انطلاقًا من ذلك، تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف دور المناهج التعليمية في ترسيخ وتعزيز الهوية والثقافة العربية في المدارس العربية في إسرائيل من وجهة نظر المعلمين، إضافة إلى تحليل وعيهم بدورهم التربوي، وفحص كيفية تعاطيهم مع التوتر القائم بين متطلبات المنهاج الرسمي وتعزيز الهوية القومية.
ولتحقيق ذلك، اعتمدت الدراسة المنهج النوعي، لما يتيحه من فهم معمّق للسياقات الاجتماعية والتربوية، وذلك من خلال إجراء مقابلات نصف مبنية مع عينة قصدية مكوّنة من عشرة معلمين. وتم تحليل البيانات باستخدام تحليل المضمون، بهدف الكشف عن الأنماط الدلالية المرتبطة بتصورات المعلمين وممارساتهم والتحديات التي يواجهونها، بما يسهم في تقديم فهم نقدي أعمق لدور التعليم في تشكيل الهوية في سياقات الأقليات.
مشكلة الدراسة
تُعدّ المناهج التعليمية من أبرز الأدوات التربوية التي تسهم في تشكيل وعي الطلبة وبناء هويتهم الثقافية والقومية، خاصة في المجتمعات التي تعيش في سياقات سياسية وثقافية مركبة. وفي حالة المدارس العربية في إسرائيل، يفترض أن تؤدي المناهج التعليمية دورًا فاعلًا في تعزيز الهوية والثقافة العربية لدى الطلبة، من خلال تضمين مضامين تعكس تاريخهم، ولغتهم، وتراثهم، وانتماءهم القومي.
إلّا أنّ الواقع التربوي يشير إلى وجود إشكاليّة جوهرية تتمثل في ضعف حضور مكوّنات الهويّة العربيّة الفلسطينيّة في هذه المناهج، مقابل هيمنة مضامين أخرى لا تعكس الخصوصيّة الثقافية للمجتمع العربي. كما تشير العديد من المؤشّرات إلى أنّ المناهج التعليمية قد تسهم، بشكل مباشرأوغيرمباشرفي تهميش أو إضعاف الوعي بالهويّة لدى الطلبة.
وتتعمّق هذه الإشكاليّة في ظلّ الدورالمركّب للمعلّم، الذي يجد نفسه بين التزامه بتطبيق المناهج الرسميّة من جهة، ومسؤوليّته التربويّة في ترسيخ الهويّة الثقافيّة والقوميّة لدى طلابه من جهة أخرى، ممّا يخلق حالة من التوتّر أوالازدواجيّة في الممارسة التربويّة.
وعليه، تتحدّد مشكلة الدراسة في محاولة الكشف عن طبيعة دور المناهج التعليمية في ترسيخ الهوية والثقافة العربية في المدارس العربية في إسرائيل، وفهم كيفية إدراك المعلمين لهذا الدور، وآليات تعاملهم مع قضيّة التربية للهوية في ظل القيود التي تفرضها السياسة التعليمية الرسمية.
كيف ينظر المعلمون إلى دور المناهج التعليميّة في ترسيخ وتعزيز الهوية والثقافة العربيّة في المدارس العربيّة في إسرائيل في منطقة المثلث؟
من السؤال المركزي للبحث تنبثق أسئلة البحث الثانويّة التالية:
-
كيف يدرك المعلمون العرب مسؤوليتهم التربوية كوسطاء في تشكيل وبلورة الهوية العربية لدى الطلبة؟
-
كيف يتعاطى المعلمون مع قضية التربيّة للهويّة القوميّة في ظل التزامهم بسياسة وزارة التربية والتعليم وتطبيق مناهجها التعليمية ؟
أهميّة الدراسة
تستمد هذه الدراسة أهميتها من تناولها لموضوع حيوي يتمثل في دور المناهج التعليمية في ترسيخ الهوية والثقافة العربية في المدارس العربية في إسرائيل، في ظل واقع تربوي وسياسي معقد يؤثر بشكل مباشر على تشكيل وعي الطلبة وانتمائهم. وتتجلى هذه الاهمية على مستويين:
الأهميّة النظرية:
تسهم هذه الدراسة في إثراء الأدب التربوي المرتبط بالعلاقة بين المناهج التعليمية وبناء الهوية الثقافية والقومية، خاصّة في سياقات الأقليات، كما تقدم فهمًا أعمق لدور التعليم في تشكيل الوعي الجمعي.
الأهميّة التطبيقية:
تقدّم الدراسة نتائج وتوصيات يمكن أن تفيد صانعي القرار التربوي، ومطوّري المناهج، والمؤسسات التعليمية، في تطوير برامج ومضامين تعليمية أكثر انسجامًا مع خصوصية المجتمع العربي واحتياجاته.
أهداف الدراسة
تهدف هذه الدراسة إلى:
-
التعرّف إلى دور المناهج التعليمية في ترسيخ وتعزيز الهوية والثقافة العربية في المدارس العربية في إسرائيل من وجهة نظر المعلمين.
-
الكشف عن تصوّرات المعلمين العرب تجاه مسؤوليتهم التربوية كوسطاء في تشكيل وبلورة الهوية العربية لدى الطلبة.
-
تحليل كيفية تعاطي المعلمين مع قضية التربية للهوية القومية في ظل التزامهم بسياسة وزارة التربية والتعليم وتطبيق مناهجها التعليمية.
مصطلحات الدراسة
الهوية العربية: تُعرَّف الهوية بأنها بناء اجتماعي وثقافي يعكس مجموعة الخصائص التي تميّز الفرد أو الجماعة، وتشمل اللغة، والثقافة، والتاريخ، والقيم المشتركة، وهي ليست ثابتة بل تتشكل وتتطور عبر التفاعل مع السياقات الاجتماعية والسياسية. وفي هذا الإطار، تُعدّ الهوية العربية تعبيرًا عن الانتماء إلى الثقافة العربية بمكوناتها اللغوية والتاريخية والحضارية (Hall, 1996؛(Castells, 2010 .
إجرائيًا :تُعرّف الهوية العربية في هذه الدراسة بأنها إدراك الطلبة لانتمائهم الثقافي والقومي العربي، كما يتشكل من خلال المناهج التعليمية والممارسات التربوية داخل المدارس العربية.
المناهج التعليمية:
تُعرَّف المناهج التعليمية في الأدبيات التربوية الحديثة بأنها منظومة ديناميكية من الخبرات التعليمية المخططة التي تهدف إلى تطوير معارف المتعلمين ومهاراتهم وقيمهم، ولا تقتصر على المحتوى الدراسي فقط، بل تشمل جميع الخبرات التعليمية التي تقدمها المدرسة داخل الصف وخارجه (Tahirsylaj & Sundberg, 2020 ). كما يُنظر إلى المنهاج بوصفه إطارًا ينظم الأهداف التعليمية والخبرات والتجارب التي تؤثر في تعلم الطلبة وتشكيل وعيهم .(Eilam, 2023)
وفي الاتجاهات الحديثة، يُنظر إلى المنهاج أيضًا باعتباره عملية تفاعلية تركز على المتعلم، حيث يتم تصميمه بما يتلاءم مع حاجاته وخبراته وسياقه الاجتماعي والثقافي، وليس مجرد خطة ثابتة لنقل المعرفة .(Mengistie & Belay, 2020)
إجرائيًا: تُعرّف المناهج التعليمية في هذه الدراسة بأنها المضامين والخبرات التعليمية المعتمدة في المدارس العربية في إسرائيل، كما يتم تقديمها من خلال الكتب الدراسية والممارسات الصفية، وكما يدركها المعلمون ويطبقونها في سياق عملهم التربوي.
التعليم العربي في إسرائيل: يُقصد بالتعليم العربي في إسرائيل الجهاز التعليمي الرسمي الذي يقدّم خدماته للطلاب العرب الفلسطينيين، ويخضع لإشراف وزارة التربية والتعليم، ويعمل ضمن سياسات تربوية مركزية تعكس توجهات الدولة .(Al-Haj, 2002)
إجرائيًا:يُعرّف بأنّه المدارس العربية الرسمية في إسرائيل التي يعمل فيها المعلمون المشاركون في هذه الدراسة.
المعلمون العرب: يُعرَّف المعلمون بأنهم الفاعلون الرئيسيون في العملية التعليمية، والمسؤولون عن تنفيذ المناهج وترجمتها إلى ممارسات تعليمية داخل الصف، كما يلعبون دورًا مهمًا في نقل القيم وتشكيل وعي الطلبة .(Giroux,1988)
إجرائيًا :يُقصد بهم عينة الدراسة المكوّنة من عشرة معلمين ومعلمات من المدارس العربية في إسرائيل، الذين شاركوا في المقابلات.
التربية للهوية: تشير التربية للهوية إلى العملية التربوية التي تهدف إلى تنمية وعي الأفراد بهويتهم الثقافية والاجتماعية، وتعزيز انتمائهم لمجتمعهم، من خلال الممارسات التعليمية والمناهج الدراسية Banks, 2008)؛ (Gay, 2018.
إجرائيًا: تُعرّف بأنها الجهود والممارسات التي يقوم بها المعلمون داخل الصف لتعزيز الهوية العربية لدى الطلبة في سياق العملية التعليمية.
الإطار النظري
أولًا: مفهوم الهويّة
تُعدّ الهوية من المفاهيم الأساسية في العلوم الاجتماعية والتربوية، نظرًا لدورها المحوري في تشكيل وعي الفرد والجماعة. وتُعرّف الهوية اصطلاحًا بأنها مجموعة السمات والخصائص التي تميّز الفرد أو الجماعة عن غيرها، وتشمل الأبعاد الثقافية، واللغوية، والتاريخية، والقيمية (التهوني والصويعي، 2021). كما تُشير إلى عمليّة نفسيّة واجتماعيّة يتم من خلالها انتماء الفرد إلى جماعة معينة وتبنّي خصائصها (إبراهيمي، 2018).
ويؤكد حاج يحيى (2022) أنّ الهويّة تتكوّن من عناصر أساسية مثل اللغة، والدين، والثقافة، والتاريخ، وهي تعبير عن الوعي بالذات والانتماء الاجتماعي. وفي هذا السياق يعرّف أريكسون (Erikson,1968)الهويّة بأنّها بناء ديناميكي يتشكّل عبر التفاعل بين الفرد والمجتمع، ويتأثر بمراحل النمو المختلفة، كما يطرح تاجفل (Tajfel, 1978) مفهوم الهويّة الاجتماعيّة التي تتشكّل من خلال انتماء الفرد إلى جماعات اجتماعيّة، ممّا يؤثّر في إدراكه لذاته وعلاقاته بالآخرين.
ويضيف هال (Hall, 1996) أنّ الهويّة ليست ثابتة، بل هي عمليّة مستمرّة من التشكّل وإعادة التشكّل ضمن السياقات الثقافية والسياسية. وعليه، فإنّ الهويّة الثقافيّة تمثّل الإطار العام الذي يوجّه سلوك الأفراد ويحدّد أنماط تفكيرهم وقيمهم، فلكلّ أمّة من الأمم ثوابت تمثّل القاعدة الأساسيّة لبنائها، وفي طليعة هذه الثوابت تأتي الهويّة باعتبارها المحورالذي تتمركز حوله بقيّة الثوابت، وهي نتيجة للتفاعل بين مجموعة من العوامل الفكريّة والمعرفيّة، التي تحكم سلوك أعضائه، وتوجّه حركتهم، وتحدّد لهم مساراتهم المتعدّدة في الحياة، ووعيهم وطبائعهم، وأمزجتهم، وتصوّراتهم عن الكون والوجود ومعايير السلوك، ونظام القيم واجب الاتّباع (محمد وعبد العزيز، 2023).
ثانيًا: الهوية العربية الفلسطينية في إسرائيل
تشكل الأقلية العربية في إسرائيل جزءًا من الشعب الفلسطيني الذي بقي في وطنه بعد عام 1948، وهي أقلية قومية ذات خصوصية تاريخية وسياسية فقد كانت أغلبيّة في هذه البلاد قبل قيام الدولة وتحوّلت إلى أقليّة. وقد عانت هذه الأقليّة من صراع دائم في قضيّة تعريفها لهويّتها وخاصة أنّ سكّان هذه الأقليّة يعتبرون مواطنين لدولة تعرّف نفسها على أنّها دولة يهوديّة وليست دولة لكل مواطنيها (عرار وحاج يحيى، 2014). وتتميّز هذه الهوية بتركيب معقّد نتيجة تداخل عدة مكونات، منها القومي، والديني، والمدني (حجيرات، 2008).
ويعيش الفلسطينيون في إسرائيل ضمن نظام يوصف بـ”الإثنوقراطي”، حيث لا تتساوى الهوية الوطنية بين جميع المواطنين(أبو أسعد ومحاميد، 2014). وفي هذا الإطار، يشير روحانا (Rouhana, 1997)إلى أنّ الفلسطينيين في إسرائيل يعيشون حالة من التوتر بين انتمائهم القومي العربي ومواطنتهم في دولة ذات طابع إثني
إن قضية هويّة الفلسطينيين العرب في إسرائيل مركّبة ومعقدة ،شأنها في ذلك شأن الشعوب الأصلانيّة الأخرى في دول المستوطنين، وتنبع الإشكاليّات في هويّة أبناء الأقليّة العرب بسبب تكوّنها، فلقد تكوّنت على خلفيّة الصراع العربي الإسرائيلي الذي بدأ قبل قيام الدولة، وأنّ وضع الأقليّة ومكانتها يتأثران من الصراع بين دولة إسرائيل وبين جيرانها العرب.
وعملت هذه الإشكاليّات على تأخير بلورة هويّة أبناء الأقليّة العربيّة، بالإضافة إلى عوامل كثيرة أخرى كالعلاقة بين الأقليّة العربية والأغلبيّة اليهوديّة (حجيرات، 2008).
كما يؤكد الحاج (Al-Haj, 2002) أنّ هويّة العرب في إسرائيل تتشكّل في سياق من التغيّرات الاجتماعيّة والسياسيّة المستمرة، ممّا يؤدي إلى تعدديّة في أنماط الانتماء والهويّة، فقد خضع المواطنون العرب وما زالوا يخضعون للعديد من التغييرات الهامّة في مكانة دولة إسرائيل، ومستوى المعيشة والتعليم، وكذلك في مجالات المجتمع، والإقتصاد، والتعليم، والبنية الأسريّة والثقافة وغير ذلك.
هناك العديد من المركبات التي تصوغ هوية أبناء الأقلية العربية في دولة إسرائيل أبرزها: المركب الدينيّ- الإسلاميّ،المسيحي والدروز، والمركب القوميّ- العربيّ، والمركب الإثني – الفلسطينيّ، والمركب المدنيّ الإسرائيليّ (حجيرات، 2008).
يرى أبناء الأقليّة أنفسهم عبارة عن مزيج من هذه المركّبات الأربعة أو على الأقلّ يحاولون الموازنة بينها، إلّا أنّه في أحيان كثيرة يتفوّق أحد هذه المركّبات على المركبات الأخرى (عراروحاج يحيى، 2014).
ثالثًا: اللغة العربية ودورها في تشكيل الهوية
تُعدّ اللغة عنصرًا أساسيًا في بناء الهوية الهويّة الفرديّة والجماعيّة، وهي نتاج تاريخيّ وثقافيّ يتكوّن ويتغيّر نتيجة الفعاليات الإنسانيّة. إذ تمثل وعاء الثقافة ووسيلة نقل القيم والمعرفة، وكذلك تلعب اللغة دور الوسيط بشكل واع أو لا واع على تجذير مسألة الإنتماء. وتشكل بذلك الرمز الأقوى للإنتماء العرقي أو القومي. (بواردي، 2013). وتشير الدراسات إلى أن اللغة تلعب دورًا مركزيًا في تعزيز الانتماء الجماعي والوعي الثقافي (أمارة، 2020).
وفي السياق ذاته، يوضح كومينس (Cummins,2000) أنّ اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي أداة للتمكين الثقافي والتربوي، وأن تهميش لغة الأم يؤثر سلبًا على هوية المتعلم وتحصيله الأكاديمي .
كما يرى بورديو (Bourdieu,1991) أنّ اللغة ترتبط بالسلطة والهيمنة الثقافية، حيث تعكس البنى الاجتماعية وتساهم في إعادة إنتاجها، وبالتالي فإنّ مكانة اللغة العربية في إسرائيل لا تنفصل عن السياق السياسي والاجتماعي الذي يؤثر في حضورها ودورها.
وتعتبر اللغة العربية بالنسبة للعرب الفلسطينيين في إسرائيل إحدى أبرز المؤشرات الهامة لهويّتهم، فهي المؤشر لهويتهم الثقافيّة والقوميّة والدينيّة، ومع التحوّلات الجيو-سياسيّة يؤكدون على أنها لغة أصلانية من أجل حفظ هويتهم وروايتهم ومن أجل أن تكون العربيّة شريكة في الحيّز العام.
ويطالب المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل الدولة بأن تعترف بالمكانة الرسميّة للغة العربيّة كأمر واقع في المجالات العامة، وليس فقط بشكل قانوني على المستوى المعلن، وكذلك الإعتراف باللغة العربيّة كلغة لمجموعة قوميّة تحمل دلالات ثقافيّة.
على الرغم من الاعتراف الرسمي باللغة العربية كلغة رسمية حتى سنّ قانون القومية عام 2018، الذي ألغى هذه المكانة، إلا أن هذا الاعتراف ظل إلى حد كبير شكليًا، حيث بقي استخدام اللغة العربية في الحيّز العام محدودًا، ولم ينعكس بصورة فعلية في مؤسسات الدولة ومجالات الحياة المختلفة.
حيث كانت اللغة العبريّة هي اللغة الطاغية والسائدة في الحيّز العام، وهي اللغة المعتمدة في البيروقراطيّة الحكوميّة وهي لغة مؤسسات التعليم العالي، ولغة الغالبيّة العظمى لوسائل الإعلام المكتوب والإلكتروني الحكومي في إسرائيل وكذلك لغة سوق العمل بغالبيّته العظمى (أمارة، 2020).
رابعًا: السياسة الرسمية تجاه التعليم العربي في اسرائيل
يخضع جهاز التعليم العربي في إسرائيل لسيطرة الدولة، التي تحدد أهدافه ومضامينه بما يتماشى مع سياساتها العامة (ميعاري، 2013). وتشير الأدبيات إلى أن التعليم يُستخدم كأداة لإدارة العلاقة مع الأقلية العربية (حاج يحيى وأبو عيطة، 2006).
وفي هذا السياق، يوضح أبل (Apple,2004) أنّ المناهج التعليمية ليست محايدة، بل تعكس أيديولوجيات وقيم القوى المسيطرة في المجتمع. كما يرى جيروكس(Giroux,1983) أن التعليم يمكن أن يكون أداة للهيمنة أو للمقاومة، اعتمادًا على كيفية توظيفه.
وعليه، فإن السياسة التعليمية في إسرائيل تسهم في تشكيل مضامين المناهج بما يعكس توجّهات الدولة، وقد يؤدّي ذلك إلى تهميش الهوية الثقافية للأقلية العربية (جانم، 2019). في هذا السياق أشار ميعاري (2013) إلى أنّ المؤسسة الإسرائيليّة لم تعترف بمواطنيها العرب كأقليّة قوميّة بل اعتبرتهم من ناحية رسمية مجموعة من الطوائف أو “الأقليّات” أو “غير اليهود”، وتعاملت معهم على أرض الواقع كأنهم “طابور خامس” أو ” أقليّة معادية” مما يبرّر من وجهة نظرها تطبيق سياسة السيطرة والإقصاء عليهم. والسياسة الرسميّة تجاه التعليم العربي هي جزء لا يتجزأ من سياسة أشمل للتعامل مع الأقليّة العربيّة في إسرائيل.
يقسم جهاز التعليم الإسرائيليّ إلى جهازين: التعليم للوسط اليهودي والذي بدوره يقسم إلى عدة أجهزة ثانوية، وجهاز التعليم العربي، ويعكس هذا التوزيع المبنى الإثني للمجتمع الإسرائيليّ بشرائحه المختلفة، وإنشاء هذا الجهاز جاء ليخدم أهدافًا معيّنة لا تمت بصلة للتعدديّة، وإنّما لخدمة مصالح المجموعة الإثنيّة (اليهوديّة) المسيطرة (أبو أسعد و محاميد، 2014).
ويعدّ جهاز التعليم العربي كأداة لتحكّم الأكثريّة اليهوديّة بالأقليّة العربيّة الفلسطينيّة حيث يقع تحت وطأة وسيطرة الأغلبيّة اليهوديّة،وينعكس هذا التحكم والسيطرة في المبنى التنظيمي لجهاز التعليم وكذلك في أهداف التعليم العربي ومضامينه (ميعاري، 2013).
ويدار الجهاز وفق معايير واعتبارات سياسيّة ليس للعرب طرف فيها. فتتضمن مناهج التعليم المضامين التي تحث على الولاء للدّولة، وأهداف سياسيّة تربويّة تتجاهل قضايا حقوق الإنسان والمواطنين العرب وتعزيز هويّتهم الفلسطينية ممّا يضعفهم من ناحية اقتصاديّة، وإجتماعيّة، وثقافيّة ويؤدّي إلى محو الذاكرة الجماعيّة (حاج يحيى و أبو عيطة، 2006).
ويؤكد أبو عصبة (2012) إلى انعكاس سياسة الدولة في جهاز التعليم، يتجلّى في انعدام وجود قيم تربوية تتأسس على الخصوصية التّاريخيّة، والدّينيّة والقيميّة للعرب داخل إسرائيل، كما أنّ الدّولة منعت وجود مضمون ذلك في مناهج التعليم.
تتبع الدولة نظام أسرلة التعليم كسياسة عامة ضد المواطنين العرب، حيث يتم إفراغ النظام التعليمي العربي من إطاره الوطني، وطمس الهوية الفلسطينية ومقوماتها ودلائلها من المناهج، وبذلك تؤدي إلى إفراغ فكر الجيل الناشيء من ارتباطاته التاريخية والاسلامية والعربية، وهذا بحد ذاته سياسة تجهيل متعمدة ضد ما هو فلسطيني (جانم، 2019).
لجنة متابعة قضايا التعليم العربي
بادرت اللجنة القطريّة لرؤساء السلطات المحليّة العربيّة عام 1984 إلى تشكيل لجنة متابعة قضايا التعليم العربي ،كردّ استراتيجي على سياسة السيطرة والتحكّم والإقصاء التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية تجاه التعليم العربي، والتي تعنى بجميع قضايا التربية والتعليم التي تخص المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل، والتي بدورها بادرت عام 2010 بتأسيس المجلس التربوي العربي كإطار مهني أهلي يجسد الحق الجماعي للمجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل بإدارة ذاتيّة لشؤونه التربويةوالثقافية وكخطوة باتجاه تحصيل الاعتراف بالتعليم العربي كتعليم ذي خاصية قومية وثقافية جماعية، ويطالب المجلس التربوي العربي بتطوير جهاز تربية وتعليم عربي فلسطيني مستقل ثقافيا، وذي خصوصية قومية تدعمه الدولة وتكفل له الموارد اللازمة لتحقيق فرادته اللغوية واستقلاليته التنظيمية. (ميعاري، 2013)
وقد صاغ المجلس التربوي العربي وثيقة توضح أهداف التربية والتعليم للفلسطينيين في إسرائيل وعلى رأس هذه الأهداف “تأصيل الإنتماء لهوية وطنية عربية فلسطينية، معتزة بمنجزها الحضاري ومتواصلة بفاعلية مع عمقها العربي والاسلامي والانساني، تتأسس هذه الهوية على تعزيز اللحمة بين ابناء الشعب الفلسطيني الواحد على قاعدة التعددية والتنوع ، وتعزيز الذاكرة الجمعية والرواية التاريخية الفلسطينية، والتأكيد على الحقوق التاريخية والسياسية للشعب الفلسطيني، واحترام االتعددية الثقافية والدينية والمجتمعية الداخلية لللمجتمع الفلسطيني”.
خامسًا: دور المناهج التعليمية في ترسيخ الهوية
تُعدّ المناهج التعليمية من أهم الأدوات التي تؤثر في تشكيل هوية الطلبة، إذ تسهم في تحديد القيم والمعارف والاتجاهات التي يتعرضون لها داخل البيئة المدرسية (ميعاري، 2013). ومن هذا المنطلق، يفترض أن تعكس المناهج ثقافة المجتمع الذي تنتمي إليه، وأن تعزز شعور الأفراد بالانتماء، من خلال تضمين عناصر الهوية الثقافية والتاريخية واللغوية.
ويُنظر إلى المنهاج التعليمي بوصفه منظومة متكاملة تشمل الأهداف التربوية، والمضامين الدراسية، وطرائق التدريس، والأنشطة الصفية، بحيث يتم تصميمه بما يتلاءم مع خصائص المجتمع واحتياجاته، ويواكب التطورات المعاصرة، ويراعي ميول الطلبة وبيئاتهم المختلفة. كما ينبغي أن يتضمن المنهاج جوهر الثقافة المجتمعية وخصوصياتها، باعتبار أن الهوية تمثل أحد أهم مكونات هذه الثقافة، وأن المناهج التعليمية تُعد وسيلة أساسية في ترسيخ الهوية الجماعية وتعزيز الوعي الثقافي لدى المتعلمين (ميعاري، 2013).
وفي هذا السياق، يؤكد بانكس (Banks, 2008) أن المناهج متعددة الثقافات ينبغي أن تعكس تنوع المجتمع، وأن تسهم في دعم هويات جميع مكوناته، بما يحقق العدالة التربوية ويعزز التماسك الاجتماعي. كما يشير كاستلس (Castells, 2010) إلى أن الهوية تُبنى من خلال مؤسسات اجتماعية متعددة، وعلى رأسها المؤسسة التعليمية، التي تلعب دورًا محوريًا في تشكيل وعي الأفراد وانتماءاتهم.
إلا أن الدراسات تشير إلى وجود فجوة بين هذا الدور المفترض للمناهج التعليمية وبين واقع تطبيقها في المدارس العربية في إسرائيل، حيث لا تعكس هذه المناهج بشكل كافٍ الهوية العربية، بل تميل في كثير من الأحيان إلى تهميشها أو تقديمها بصورة محدودة، الأمر الذي يجعلها أداة في تشكيل وعي الطلبة بما يتماشى مع السياسات الرسمية، بدلًا من تعزيز هويتهم الثقافية (حاج يحيى، حمودة، وجمهور، 2022).
ويأتي ذلك في سياق مجتمع يتسم بالتعددية الثقافية، إلا أن الدولة تتبنى ما يُعرف بـ”الاتجاه المحافظ” في إدارة هذه التعددية، والذي يقوم على توظيفها بما يخدم مصالح الأغلبية، مع تقديم تعريف ضيق للثقافة يقتصر على المظاهر الفولكلورية كالموسيقى والتقاليد، مع إغفال عناصر أساسية مثل اللغة، والتاريخ، والهوية، والرواية التاريخية للأقلية، وهو ما ينعكس بوضوح في السياسات التربوية والمناهج التعليمية (حاج يحيى، حمودة، وجمهور، 2022).
وفي هذا الإطار، تشير الأدبيات إلى أن المناهج التعليمية في المدارس العربية صُممت بما يتوافق مع أهداف الدولة وتوجهاتها، حيث ركّزت على ترسيخ مضامين الثقافة السائدة، مع إضعاف حضور المكونات الثقافية والتاريخية الخاصة بالمجتمع العربي، الأمر الذي يسهم في تهميش الهوية الفلسطينية وتقليص حضورها في وعي الطلبة (جانم، 2019).
وعليه، تعكس المناهج التعليمية في جهاز التعليم العربي سياسة الدولة تجاه الأقلية الفلسطينية، حيث تفتقر إلى تضمين كافٍ للمضامين المرتبطة بالهوية الثقافية والتاريخية، ولا تسهم بشكل فعّال في تزويد الطلبة بالمعرفة والمهارات اللازمة للتفاعل مع ثقافتهم الخاصة أو فهمها في سياقها الأوسع، مما يحدّ من قدرتهم على بناء وعي هوياتي متماسك (حاج يحيى، حمودة، وجمهور، 2022).
وعلى الرغم من الدور النظري الذي يُفترض أن تؤديه المناهج التعليمية في تعزيز الهوية الثقافية، إلا أن الواقع يشير إلى وجود فجوة واضحة بين هذا الدور المأمول والممارسة الفعلية، حيث تتحوّل المناهج في بعض السياقات إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الثقافية، بدلًا من تمكين الهوية الخاصّة بالأقليات. ويبرز هذا التناقض بشكل خاص في السياقات التي تخضع فيها العملية التعليمية لسياسات مركزية، لا تعكس بالضرورة خصوصيّة المجموعات الثقافيّة المختلفة.
سادسًا: المعلم كفاعل تربوي في تشكيل الهوية
يُعدّ المعلم أحد أبرز الفاعلين التربويين في العمليّة التعليميّة، إذ لا يقتصر دوره على نقل المعرفة أو تنفيذ المنهاج، بل يتجاوزه ليشمل تشكيل وعي الطلبة وهويّتهم الثقافيّة والاجتماعيّة. فالمعلّم يُمثّل وسيطًا تربويًا بين النص المنهاجي والواقع الصفّي، حيث يقوم بإعادة تفسير المضامين التعليمية وتكييفها بما يتلاءم مع سياق الطلبة واحتياجاتهم. وفي هذا السياق، يرى جيروكس(Giroux, 1988) أنّ المعلم يمكن أن يكون “مثقفًا نقديًا” يسهم في تمكين الطلبة من فهم واقعهم الاجتماعي والسياسي، وتعزيزوعيهم النقدي تجاه القضايا المرتبطة بهويّتهم.
كما يؤكّد فريير (Freire, 1970) أنّ العملية التعليمية ليست محايدة، بل هي ممارسة اجتماعيّة ذات أبعاد أيديولوجية، ويؤدي فيها المعلم دورًا حاسمًا في إما إعادة إنتاج الواقع القائم أو السعي إلى تغييره. ومن هذا المنطلق، فإنّ المعلم يمتلك إمكانية توظيف ما يُعرف بـ”المنهاج الخفي “Hidden Curriculum – ، من خلال ممارساته الصفية، وتفاعلاته اليومية، واختياراته التربوية، لنقل قيم ومعانٍ تتجاوز ما هو منصوص عليه في الكتب الدراسية .(Apple, 2004)
وفي سياق التعليم العربي في إسرائيل، يكتسب دور المعلم أهمية مضاعفة، نظرًا لوقوعه في موقع مركّب بين التزامه بتطبيق المناهج الرسمية من جهة، ومسؤوليته الأخلاقية والمهنية في تعزيز الهوية الثقافية والقومية لدى طلبته من جهة أخرى. وهذا ما يضعه أمام تحديات مستمرة تتطلب منه إيجاد توازن بين الامتثال للسياسات التعليمية وبين الحفاظ على انتمائه الثقافي، مما يجعله فاعلًا محوريًا في عملية التفاوض على الهوية داخل الفضاء التربوي.
دراسات نقدية لمناهج التعليم في المدارس العربية في إسرائيل
كلّف المجلس التربوي العربي في أواسط 2012 أربعة باحثين مختصين لدراسة مناهج التعليم في أربعة مواضيع أساسية: التاريخ والجغرافيا واللغة العربية والمدنيات.
ومن أهداف هذه الدّراسة الإجابة عن السؤال: هل تنعكس أهداف التعليم العربيّ التي صاغها المجلس التربويّ العربيّ، وبخاصّة تلك المتعلّقة بترسيخ الهويّة الفلسطينيّة في مناهج التعليم للمدارس العربيّة؟(ميعاري، 2013).
ومن أهم النتائج التي تمّ التّوصّل اليها في هذه الدراسة بمّا يتعلق بالسؤال الذي عرضناه سابقا:
أنّ مناهج التعليم في المدارس العربيّة هي أدوات تضعها الوزارة لتنفيذ السياسة التربوية الرسمية تجاه التعليم العربي، فدراسة نقدية لمناهج اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا والمدنيات تشير إلى أنّها تهدف إلى طمس أو إضعاف أو تشويه الذاكرة الجماعية والهوية العربية الفلسطينية لدى الطلاب العرب من خلال افراغ التعليم العربي من القيم والمضامين القومية العربية والوطنية الفلسطينية، واتخامه بالمقابل بالقيم اليهودية والصهيونية، وكل ذلك من أجل خلق إنسان “عربي – إسرائيلي ” بلا هوية حقيقية وبلا ذاكرة جماعية ومقتلع من جذوره التاريخية والقومية والثقافية. (ميعاري، 2013)
كذلك اعتمدنا على دراسة أخرى هدفت البحث عن حضور الثقافة والتراث العربي في المناهج التعليمية في المدارس العربية في اسرائيل في المواضيع التي من المفروض أن تعزز الجانب الثقافي لدى الطالب كاللغة العربية ، التاريخ، الموطن الجغرافيا من خلال تصفح الكتب التدريسية المصادق عليها بالاعتماد على مضمون واهداف المناهج التعليمية لكل موضوع (حاج يحيى، حمودة، و جمهور، 2022).
قامت الدكتورة كوثر جابر من خلال دراسة أجرتها على منهاج اللغة العربية بتحليل محتوى منهاج الأدب العربي المقر من وزارة التربية والتعليم في المراحل المختلفة، لاحظت في المرحلة الابتدائية خاصة تم نقل مبنى منهاج اللغة العبرية في المدارس اليهودية وترجمة مضامينه، ونقل بعض النصوص ومواد التدريس الخاصة به، كذلك فإنّ أهداف المنهاج تركز على الاهتمام بالمعرفة اللغوية، بينما أسقطت بقية جوانب شخصية المتعلم الوجدانية والاجتماعية والوطنية، والتي لها أكبر الأثر على تربيته واعداد المستقبلي. (ميعاري، 2013)
وفي دراسة أخرى تم التوصل أنّ أهداف منهاج اللغة العربية تتمركز حول المعرفة اللغوية، دون ذكر اي شيء يتعلق بتعزيز الهوية والقومية سوى جملة وردت بأهداف تعليم اللغة العربية وهي لا تفي بالمطلوب:” تهدف التربية اللغوية في المدرسة الابتدائية الى تنمية انسان متنور معتز بلغته العربية وانتمائه”.كما لوحظ أن الاهداف تتركز حول تعليم اللغة، أما الادب فيحتوي على نصوص وظيفية هدفها دراسة وسائل النص وتطوير القدرات القرائية واللغوية، ولم يذكر اي شيء يتعلق بالادب الفلسطيني. وكذلك الحال في المرحلة الاعدادية بحيث تفتقر للرموز الفلسطينية وأدب النخبة من الكتاب والشعراء الفلسطينيين (حاج يحيى، حمودة، و جمهور، 2022)
من خلال دراسة أجراها البروفيسور مصطفى كبها على منهاج التاريخ توصل الى نتيجة مفادها الغياب الملحوظ لمضامين تتعلّق بتاريخ العرب الفلسطينيين في إسرائيل انفسهم وبمركبات هويّتهم، أو بالهويّة الفلسطينيّة والعربيّة عامة (ميعاري، 2013).
وفي المقابل تؤكد الدراسة الأخرى على هذه النتيجة حيث توصّل الباحثون إلى أنّ كتب التاريخ التي تعتبر الأداة التنفيذية للمناهج تخلو من وجود مركبات الهوية الفلسطينية لدى الطالب العربي، فهي تخلو من الحضارة والتراث والأحداث التاريخية بالإضافة إلى تهميش الشخصيات الفلسطينيّة البارزة والصور والوثائق التي تعزّز علاقة الطالب مع النصوص التي يقرأها مما يمنع الطالب من تشكيل هوية قومية (حاج يحيى، حمودة، و جمهور، 2022).
وترتكز كتب التاريخ أيضا على تاريخ اليهود وتاريخ الشعب الاسرائيلي وتهمّش تاريخ الشعب الفلسطيني وتتجاهله، وتسعى الى بلورة هويّة بعيدة عن الاسس القوميّة لدى الطلاب العرب في إسرائيل (حاج يحيى، حمودة، و جمهور، 2022).
يشير البروفيسور راسم خمايسي بعد تحليله لمنهاج الجغرافيا الى خلاصة مفادها أنّ منهاج الجغرافيا ينسجم مع جغرافية الإنكار، فهو يهدف إلى محو المشهد العربيّ الفلسطينيّ، إنكار وجوده وإحلال جغرافيا عبريّة صهيونيةّ مطوّرة ومأدلجة مع رسم خريطة عبرية بدل الخارطة العربية.
لذلك فإنّ منهاج الجغرافيا لم يذكر اسم البلاد والمواقع باللغة العربيّة وتجاهل القرى العربيّة المدمّرة والمهجّرة عام 1948(ميعاري، 2013).
وهذا ما أكّدته الدراسة الأخرى ّ أهداف منهاج الجغرافيا تساهم في خلق غربة بين الطالب العربي الفلسطيني وجغرافيته، وانكار لهويته، وتشويه الجغرافيا العربية الفلسطينية، وتغليب وسيطرة الجغرافيا العبرية الصهيونية (حاج يحيى، حمودة، و جمهور، 2022).
كذلك وجدت بأن كتب الجغرافيا التي تدرس للطلاب العرب في إسرائيل هي كتب مترجمة عن كتب باللغة العبرية، والتي حذفت منها المركبات القيمية التي بامكانها أن تساهم في تنمية الهوية الوطنية والانتماء للحيز الجغرافي العربي الفلسطيني.
أشار الدكتور مهند مصطفى في دراسته أن منهاج المواطنة أو المدنيات يهدف الى تنمية الصلة والانتماء والالتزام لدولة اسرائيل، والاعتراف بدولة اسرائيل كدولة ديمقراطية وبالنسبة للهوية فقد تناول المنهاج المواطنين العرب من خلال انتماءاتهم الدينية وليس القومية أو الوطنية، ويعمل كذلك على تغييب العلاقة الوطنية بين العرب داخل الخط الاخضر والعرب في الاراضي المحتلة عام 1967، دون ذكر للانتماء الوطني المشترك بين الجماعتين (ميعاري، 2013).
وتتفق الدراسة الاخرى مع هذه النتائج حيث ذكرت أن منهاج الموطن والمدنيات لا يخصص القدر اللازم من المصداقية فيما يتعلق بتعريف هوية الطالب العربي، وانه يغيب الحق الجماعي للفلسطنيين، وهو الاعتراف بكونهم مجموعة قومية، بالاضافة الى عدم توصيل الرواية التاريخية للعرب. وكذلك وجدت أن كتاب التدريس مترجم من اللغة العبرية مما يستدل أن القيم والمباديء والثقافة العبرية هي التي تعزز وتهمش بذلك المباديء العربية.
ووجود منهاج موحد لموضوع المدنيات للعرب واليهود على حد السواء يسعى الى ترسيخ القيم والافكار التي تلبي اهداف الاكثرية وتجعلها مسيطرة على الاقلية (حاج يحيى، حمودة، و جمهور، 2022).
غلى ضوء نتائج الدراسات التي قامت بتحليل المناهج التعليمية يبدو لنا جليا بأنّ المناهج التعليمية هي ترجمة للسياسة الرسمية للدولة تجاه المواطنين العرب، والتي تهدف الى اضعاف الهوية القومية والوطنية والذاكرة الجماعية للفلسطنيين من جهة واتخامهم بالقيم والمضامين اليهودية والصهيونية من جهة اخرى وبذلك من اجل خلق انسان مقتلع من جذوره التاريخية والثقافية.
وفي ضوء ما سبق من تأطير نظري واستعراض للأدبيات والدراسات ذات الصلة، تسعى الدراسة الحالية إلى فحص دور المناهج التعليمية في ترسيخ الهوية والثقافة العربية في المدارس العربية في إسرائيل من وجهة نظر المعلمين، والكشف عن تصوراتهم وتجاربهم في هذا السياق. ومن أجل تحقيق أهداف الدراسة والإجابة عن أسئلتها، تم اعتماد المنهجية الآتية:
منهجية الدراسة
منهج الدراسة: تمّ اتّباع أسلوب البحث النوعي الوصفي، الذي يهدف إلى فهم تصورات المعلمين وخبراتهم المتعلقة بدور المناهج التعليمية في ترسيخ الهوية والثقافة العربية في المدارس العربية داخل إسرائيل. ويُعدّ هذا المنهج من أكثر المناهج قدرةً على دراسة الظواهر التربويّة والاجتماعيّة بعمق، من خلال التركيز على وصف تجارب المشاركين وتفسيراتهم للواقع التعليمي الذي يعيشونه.
مجتمع البحث: جميع معلمي ومعلمات المدارس العربية في منطقة المثلث.
عيّنة البحث: تمّ اختيار العيّنة بطريقة قصديّة، نظرًا لملاءمتها لطبيعة البحث النوعي الذي يهدف إلى الفهم العميق لتجارب المشاركين، وليس إلى التعميم الإحصائي. شارك في هذا البحث عشرة معلمين تم اختيارهم من ثلاثة مدارس: مدرسة إبتدائية من مدينة مختلطة تقع في منطقة المثلث الجنوبي، ومدرسة إبتدائية وإعداديّة من قرية عربية تقع في منطقة المثلث، حيث كان هناك اختلاف في أعمارهم، وتخصصاتهم، ومناصبهم، وسنوات أسبقيتهم التعليمية، وذلك بهدف إثراء البحث وتناوله من وجهات نظر مختلفة.
اختيارالمعلمين جاء بناءً على تخصّصاتهم والمواضيع التعليميّة التي يدرسونها والتي تتمركز حول المواضيع التي تتناول في المناهج التعليمية موضوع الهوية والثقافة مثل: اللغة العربيّة، التاريخ، الموطن\المدنيات والجغرافيا.
انظر جدول تفاصيل مشاركي البحث:
جدول (1): تفاصيل مشاركي البحث
|
الاسم |
الجنس |
الجيل |
التخصص/المنصب |
الأقدمية |
المدرسة |
|
|
1 |
محمد |
ذكر |
52 |
نائب مدير\لغة عربية |
27 |
مدرسة إبتدائية في مدينة مختلطة |
|
2 |
سامي |
ذكر |
50 |
تاريخ\جغرافيا |
32 |
مدرسة إبتدائية في مدينة مختلطة |
|
3 |
نعمة |
أنثى |
43 |
موطن |
20 |
مدرسة إبتدائية في مدينة مختلطة |
|
4 |
ذهب |
أنثى |
41 |
لغة عربية |
21 |
مدرسة إبتدائية في مدينة مختلطة |
|
5 |
ماجد |
ذكر |
35 |
لغة عربية \تاريخ |
15 |
مدرسة إبتدائية في مدينة مختلطة |
|
6 |
نبال |
أنثى |
49 |
لغة عربية |
24 |
مدرسة إبتدائية في قرية |
|
7 |
رانيا |
أنثى |
35 |
تربية خاصة |
14 |
مدرسة إبتدائية في قرية |
|
8 |
نوال |
أنثى |
43 |
موطن |
22 |
مدرسة إبتدائية في قرية |
|
9 |
أمال |
أنثى |
43 |
تاريخ\مدنيات |
22 |
مدرسة إعدادية في قرية |
|
10 |
نهى |
أنثى |
50 |
لغة عربية |
27 |
مدرسة إعدادية في قرية |
أداة الدراسة
من إجل الإحاطة بجوانب القضية المطروحة والإجابة على أسئلة البحث، تمّ اعتماد أداة المقابلة نصف المبنية، وقد هدفت المقابلات إلى استكشاف تصورات المعلمين وتجاربهم المتعلقة بدور المناهج التعليمية في ترسيخ وتعزيز الهوية والثقافة العربية داخل المدارس العربية في إسرائيل، بالإضافة إلى فهم كيفية تعاطيهم مع قضايا الهوية في ظل التزامهم بالمناهج الرسمية. وقد ساهم هذا النوع من المقابلات في الوصول إلى وصف غني ومعمق لتجارب المعلمين وخبراتهم المرتبطة بالظاهرة المدروسة.
اشتملت المقابلة على مجموعة من الأسئلة المفتوحة التي صُمّمت بما يتلاءم مع أهداف الدراسة وأسئلتها، والتي بدورها أتاحت للمشاركين التعبير بحرية عن آرائهم وتجاربهم الشخصية. تمحورت الاسئلة حول تجارب المعلمين وتصوراتهم تجاه دور المناهج التعليمية في تشكيل الهوية، ووعي المعلمين بدورهم التربوي، ووصف التحديات التي يواجهونها في هذا السياق. وقد أُتيح للمشاركين التوسّع في إجاباتهم، ممّا ساهم بجمع بيانات غنية وعميقة، بالاضافة إلى ذلك أتيحت فرصة للباحثة طرح المزيد من الأسئلة من خلال القسم المفتوح والتي بدورها مكّنت من استيضاح بعض الأمور بشكل أعمق وفتح المجال للحصول على معلومات جديدة حول الموضوع وإثراء البحث.
إجراءات الدراسة
تم تنفيذ هذه الدراسة وفق مجموعة من الإجراءات المنهجية المتسلسلة، على النحو الآتي:
-
تحديد مشكلة الدراسة وأهدافها وأسئلتها: تمّ تحديد مشكلة الدراسة في ضوء الأدب التربوي ذا الصلة، وصياغة أهداف الدراسة وأسئلتها بما يتلاءم مع طبيعة البحث النوعي.
-
اختيار المنهج المناسب:اعتمدت الباحثة المنهج النوعي الوصفي لملاءمته لطبيعة الدراسة التي تهدف إلى فهم تصورات المعلمين وتجاربهم المتعلقة بدور المناهج التعليمية في ترسيخ الهوية.
-
تطوير أداة الدراسة: تمّ إعداد دليل مقابلة نصف مبنيّة، تضمّن مجموعة من الأسئلة المفتوحة المرتبطة بأسئلة الدراسة، بما يتيح للمشاركين التعبير بحريّة عن آرائهم وتجاربهم.
-
اختيار عيّنة الدراسة: تمّ اختيار عيّنة قصدية مكوّنة من (10) معلّمين ومعلّمات من المدارس العربيّة في إسرائيل، من تخصّصات مختلفة مثل اللغة العربية، التاريخ، الجغرافيا، والمدنيات، لضمان تنوّع وجهات النظر.
-
جمع البيانات: تمّ إجراء المقابلات وجاهيًّا وتسجيلها بعد الحصول على موافقة المشاركين، ثمّ تفريغها نصيًّا تمهيدًا لتحليلها.
-
تحليل البيانات: تمّ استخدام أسلوب تحليل المضمون (Content Analysis) حيث جرت عمليّة التحليل عبر مراحل متسلسلة بدأت بقراءة المقابلات قراءة متأنية، ثم ترميز البيانات(Coding)، وتصنيفها إلى فئات ومحاور رئيسيّة، وصولًا إلى استخراج الثيمات (Themes) التي تعبّر عن الأنماط المشتركة في استجابات المشاركين. كما تمّ التأكّد من مصداقية البيانات من خلال مراجعة الإجابات بشكل متكرر، ومقارنتها بين المشاركين لاستخراج الأنماط المشتركة، وصولًا إلى تفسير هذه الثيمات في ضوء الإطار النظري والدراسات السابقة.
-
استخلاص النتائج وتفسيرها: تمّ تحليل النتائج في ضوء الإطار النظري والدراسات السابقة، بهدف الوصول إلى استنتاجات علمية دقيقة.
حدود الدراسة
تنحصر هذه الدراسة بمجموعة من الحدود التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تفسير النتائج:
-
الحدود الموضوعية: تقتصر الدراسة على بحث دور المناهج التعليمية في ترسيخ وتعزيز الهوية والثقافة العربية في المدارس العربية في إسرائيل، من وجهة نظر المعلمين، دون التطرق إلى عوامل أخرى قد تؤثر في تشكيل الهوية، مثل الأسرة أو وسائل الإعلام. ويعود هذا التحديد إلى رغبة الباحثة في التركيز على المنهاج التعليمي بوصفه عنصرًا مركزيًا في العملية التربوية، بما يسمح بإجراء تحليل معمّق لدوره في تشكيل الهوية ضمن السياق المدرسي.
الحدود البشرية: اقتصرت الدراسة على عينة قصدية مكوّنة من عشرة معلمين ومعلمات من المدارس العربية في إسرائيل، وقد تم اختيار هذه العينة نظرًا لملاءمتها لطبيعة البحث النوعي، الذي يهدف إلى الفهم العميق لتجارب المشاركين وتصوراتهم، وليس إلى التعميم الإحصائي، كما أن حجم العينة يتناسب مع طبيعة المقابلات المعمّقة.
-
الحدود المكانية: تم تطبيق الدراسة في عدد من المدارس العربية داخل إسرائيل، وذلك نظرًا لارتباط موضوع الدراسة بالسياق الاجتماعي والثقافي الخاص بالمجتمع العربي داخل إسرائيل، مما يستدعي التركيز على هذه البيئة لفهم الظاهرة في إطارها الواقعي.
الحدود الزمانية: أجريت الدراسة خلال العام الدراسي 2022\2023
الحدود المنهجية: اعتمدت الدراسة على المنهج النوعي الوصفي باستخدام المقابلات نصف المبنية كأداة لجمع البيانات، وتحليلها باستخدام تحليل المضمون. ويُعزى اختيار هذا المنهج إلى ملاءمته لطبيعة الدراسة التي تهدف إلى فهم تجارب المعلمين وتصوراتهم بشكل معمّق، والكشف عن الدلالات والمعاني المرتبطة بموضوع الهويّة، وهي جوانب يصعب تناولها بالأساليب الكميّة.
مؤشّرات صدق الأداة وثباتها
أولًا: المصداقيّة (Credibility) : سعت الباحثة إلى تحقيق ذلك من خلال بناء علاقة تواصل قائمة على الثقة مع المشاركين، وإتاحة المجال لهم للتعبير بحرية عن آرائهم وتجاربهم. كما تمّ استخدام أسئلة مفتوحة ضمن مقابلات نصف مبنية، ممّا ساهم في الحصول على بيانات عميقة وغنيّة. بالإضافة إلى ذلك، تمّ الرجوع إلى بعض المشاركين بعد تحليل المقابلات للتأكّد من دقّة تفسير أقوالهم، وهو ما يعزّز من مصداقية النتائج.
ثانيًا: التحويليّة (Transferability) : تمّ تقديم وصف دقيق لسياق الدراسة وإجراءتها، شمل طبيعة البيئة التعليمية وخصائص المشاركين. هذا الوصف يمكّن القارئ من الحكم على مدى إمكانية تعميم النتائج أو الاستفادة منها في بيئات أخرى قريبة.
ثالثًا: الاعتماديّة (Dependability) : حرصت الباحثة على توثيق جميع مراحل البحث بشكل واضح ومنظم، بدءًا من تصميم الأداة، مرورًا بجمع البيانات، ووصولًا إلى تحليلها. كما تمّ استخدام دليل مقابلة موحد مع جميع المشاركين، مع الحفاظ على تسلسل الأسئلة، ممّا ساهم في تعزيز الاتّساق في جمع البيانات وتحليلها.
رابعًا: التأكيديّة (Confirmability) : اعتمدت الباحثة نقل أقوال المشاركين كما وردت، والاستناد إليها في تفسير النتائج، مع الحرص على عدم فرض تفسيرات ذاتية غير مدعومة بالبيانات. كما تمّ توثيق خطوات التحليل بشكل واضح، بما يسمح بتتبّع كيفية الوصول إلى النتائج.
بهذه الإجراءات، سعت الدراسة إلى تحقيق درجة عالية من الجودة العلمية والمصداقية، بما يعزّز الثقة في نتائجها ويجعلها أكثر دقّة وموضوعيّة.
الاعتبارات الأخلاقية
حرصت الباحثة الالتزام بالاعتبارات الأخلاقية في هذه الدراسة، من خلال إبلاغ المشاركين بهدف الدراسة، والحصول على موافقتهم للمشاركة، مع التأكيد على سريّة بياناتهم واستخدامها لأغراض البحث العلمي فقط.
نتائج الدراسة ومناقشتها
بعد تفريغ المقابلات وقراءتها وترميز المفاهيم الأساسية قمنا بتحديد التصنيفات وحصرها في ثلاثة فئات سأقوم بعرضها من خلال تخطيط جريان، وهو عبارة عن نموذج يبين الفئات الرئيسية لمضمون المقابلات ويعرض العلاقة بين المواضيع التي تم التطرق إليها، وكذلك يبين التخطيط التسلسل الفكري والمنطقي للفئات الرئيسية والثانوية التي تم اشتقاقها من تحليل مضمون المقابلات.
شكل (1): مخطط جريان إجمالي

بعد قراءة المقابلات، تفريغها وتحليل مضمونها، سأقوم بعرض النتائج التي توصلت إليها من خلال تقسيمها إلى ثلاثة فئات رئيسيّة على النحو التاّلي:
-
السياسة العامة نحو جهاز التعليم العربي :” سياسة التجهيل تؤتي أكلُها”
تشير النتائج إلى فاعلية السياسات التعليمية في تحقيق أهدافها، حيث تتبع دولة إسرائيل سياسة التجهيل والتهميش واستبعاد الجانب الثقافي، والقومي ، والتاريخي والتراثي العربي من المناهج، والتي تطبق بواسطة المدرسة والمعلمين الذين يتماشون مع المناهج المفروضة عليهم، والذين هم بمثابة الاداة التنفيذية لسياسة تهميش الثقافة العربية(حاج يحيى، حمودة، وجمهور، 2022).
كذلك تهدف السياسة الرسميّة إلى تسليط الضوء على العلامات والتحصيلات الرقمية والجانب المعرفي ممّا أدّى إلى إمّا تغييب المعلمين عن دورهم في بلورة وترسيخ الهوية والجانب الثقافي واقتصار دورهم على رفع التحصيلات التعليمية لدى طلابهم من خلال بناء خطط وبرامج تعليمية أو اتّباعهم ثقافة الصمت والابتعاد عن كل ما يتعلق بموضوع الهويّة.
معلمون مغيّبون
وهذا ما ظهر جليا من خلال المقابلات التي اجريت مع مجموعة من المعلمين المغيّبين عن الجانب الوطني والثقافي حيث أكّد الاستاذ محمد ذلك بقوله : ” للأسف المدرسة والمعلمين شغلهم الشاغل رفع التحصيلات التعليمية، فكل الخطط التعليمية التي تبني مثلا في موضوع اللغة العربية اهدافها موجهة نحو تأسيس الطالب في القراءة والكتابة وفهم المقروء ولا يذكر ابدا الجانب الثقافي أو القومي أو تعزيز الهوية هذه المصطلحات لا تذكر بتاتا وأنا علمت في مدرسة اخرى بتبنوا نفس النهج”.
وأضافت المعلمة ذهب:” دوري كمعلمة لغة عربية حسب متطلبات الادارة والوزارة رفع التحصيلات التعليمية في موضوع اللغة العربية وانا وزملائي في الطاقم في صراع دائم مع الزمن كيف سنقوم بتغطية المادة المطلوبة في المنهاج؟ كيف سنجهز طلابنا للامتحانات الخارجية، وأنا أدرس في الحقل منذ 20 سنة ولا مرة طرحت قضية التربية للهوية الوطنية أو أي أهداف لا تمت بصلة بجوانب ومركبات اللغة العربية”.
وكذلك يتم تهميش المواضيع كالموطن والتاريخ والجغرافيا والتي من المفروض أن تتناول وتعزز الجوانب الثقافية والتاريخية والوطنية في مضامينها وأهدافها ، ولكن بسبب عدم خضوعها للقياس والتقييم يتم اعتبارها مواضيع فرعية هامشية لا وزن لها وخاصة في المدارس الابتدائية والاعدادية.
وتحدثت المعلمة نعمة عن ذلك موضحة:” أنا ادرّس موضوع الموطن منذ سنوات ولكن هذا الموضوع يعتبر موضوع ثانوي غير مهم في المدرسة لانه ليس من المواضيع التعليمية الاساسية التي يتم فحص تحصيلات الطلاب وتقييمها في الشهادة أو تقييم المدرسة من قبل الوزارة،كثيرا ما يتم استبداله بحصص مواضيع اساسية كاللغة العربية أو الحساب لان المعلمة تحتاج الى اكمال مواد تعليمية تنقص الطلاب، وكذلك في البداية لم يطلب مني بناء خطة سنوية للموضوع كنت ادرس حسب المواضيع المعروضة في الكتاب المدرسي”.
ووافقتها المعلمة نوال هذا الرأي معللة: ” طلب مني في العام الماضي تدريس موضوع الموطن وأنا لا يوجد عندي أي خلفية عن الموضوع فتوجهت لاحدى زميلاتي درست هذا الموضوع سابقا فابتسمت وقالت لي : لا تأخذي الموضوع بهذه الجديّة يمكن أنه تعلمي بس اكم درس منه لا تتعبي حالك وامشي على الكتاب”.
وأورد بعض المعلمين أن هناك تحديّات تواجههم خلال تطبيقهم للمناهج التعليمية تشكل عائقا بينهم وبين تعاطي جانب التربية للهوية الوطنية وهذا ما يحول بين المعلمين والخوض في ذلك ومن هذه التحديات حسب ما ذكرت المعلمة نهى: ” كثافة المنهاج التعليمي تصعب على المعلم الحياد عن طلبات المدرسة والوزارة والتطرق الى مواضيع أخرى كالهوية وتعزيز الجانب الثقافي والانتماء، لا يوجد حصص كافية لذلك”.
وأكدت ذلك زميلتها المعلمة رانيا حيث قالت:” التحديات التي أواجهها تكمن في أنه يجب علّي أن اتقيد بالمنهاج الوزاري لاكساب اللغة ولا املك حصص اخرى والتي من الممكن أن استغلها لتعزيز الهويّة”.
ثقافة الصمت
تطرق بعض المعلمين خلال المقابلات إلى غياب قضية الهوية والثقافة العربيّة من السياسة المدرسية حيث تتبع الادارة ثقافة الصمت، لا يتم مناقشة موضوع التربية للهوية الوطنية ضمن إطار المدرسة خلال جلسات الطواقم أو عند عرض التصور الفكري للمدرسة فهذا بالتالي يلقي بظلاله على المعلمين الذين يطبّقون سياسة المدرسة حسب رؤية المدير.
وقد تطرق المعلم سليم لهذا الجانب قائلا:” يتبع المدير في مدرستنا سياسة الحذر والحيطة خوفا من تجاوز الخطوط الحمراء، لذلك يمتنع عن طرح موضوع الهوية والثقافة بقوله ” ما ليش بالسياسة خلينا بالتعليم”.
وأضاف الاستاذ ماجد مؤكدا ما طرحه زميله: ” برأيي المدير هو بحدد وبوجه معلمينه في المدرسة حول المضامين والمواضيع التي تمرر للطلاب واللي من المهم التركيز عليها، هذه بالاخير سياسة مدرسة واللي بتحدد فيها سلم الأولويات”.
كذلك وضّحت المعلمة ذهب ذلك قائلة:” لا يتم التطرق الى أي موضوع يتعلق “بالسياسة” لا يجرؤ المعلم على الحديث بهذا الموضوع ، واذا فتح النقاش بالصدغة عن طريق طالب يسأل عن أي حدث أو معلومة أو حتى ذكر لكلمة فلسطين أو اي رمز يدخل المعلم في حالة من البلبلة فيغلق النقاش بشكل سريع ولا يفتح المجال لذلك”
وأكدت المعلمة أمال معللة:” للأسف الشديد تتعاطى الادارة والمعلمون مع هذه القضيه بشكل سطحي جدا فعند تصاعد الاحداث في الدولة بين العرب واليهود أو ذكرى مناسبات وطنية يمر مر الكرام يتم التحدث عنه بشكل عام وبتحفظ شديد أو لا يتم التطرق اليه بتاتا، بحكم وجودنا في ظل الاحتلال هناك الكثير من المعلمين يكون لديهم بعض التخوفات من التحدث عن موضوع القومية تحقظا من أن يسبب لهم مشاكل هم في غنى عنها”.
على ضوء ما تم عرضه اعلاه تبين النتائج أن سياسة الدولة الممنهجة تؤتي أكلها وتحقق أهدافها ونلمس ذلك من عدم الوعي لدى المعلمين وتغييبهم عن المشهد القومي والثقافي أو اتخاذهم الصمت خوفا من المس بالمحظور.
-
تهميش وطمس الهوية والثقافة العربية في المناهج التعليمية
تلعب المناهج التعليمية دورا هاما في ترسيخ الهوية الفردية والجماعية لابناء المجتمع، وتهدف الى تعزيز الهوية والذاكرة الجماعية، إلا أن المؤسسة الاسرائيلية عملت على اقصاء وابعاد الذاكرة والهوية العربية الفلسطينية من المشهد التربوي، وذلك من خلال سيطرتها على مضامين ومناهج الدراسة في المدرسة العربية (عرار و ابراهيم، 2022).
وقد نص قانون التعليم الرسمي الاسرائيلي على ان الدولة هي التي تدير المؤسسات الرسمية فيها وتقوم بالاشراف على المناهج، وهي التي تضع أهداف ومضامين هذه المناهج التي تعمل على ترسيخ القيم الاسرائيلية والولاء لدولة اسرائيل وتتجاهل الثقافة الخاصة للاقلية العربية الفلسطينية ولم يعبر عن هويتها بل عمل على طمسها وتهميشها(حاج يحيى و دسوقي، 2022).
وتشير النتائج إلى تراجع تمثيل مكونات الهوية في المناهج، وهذا ما أجمع عليه المبحوثون خلال المقابلات حيث أكدت المعلمة اّمال ذلك معللة :” هناك تغطية وتعتيم على موضوع الهوية والثقافة العربية في المناهج التعليمية، وأنا كمعلمة تاريخ المس هذ الامر، فمنهاج التاريخ لا يعبر عن أي رمز من رموز الثقافة الفلسطينية ولا يذكر أي معلومات مرتبطة بالرواية التاريخية للأقلية العربية “.
وأضافت المعلمة نهى :” المنهاج التعليمي لا يتطرق الى الثقافة والهوية العربية بتاتا ولا تزوده بالوعي الكامل للتعرف على هويته وتعزز انتمائه، فأنا ادرس موضوع الموطن فهو لا يتناول موضوعات تخص مميزات العرب الفلسطينيين في اسرائيل، مميزاتهم ، العادات والتقاليد وتراثهم وانما يركز على التعددية واحترام الثقافات والديانات اكثر”.
وتقول المعلمة نعمة بهذا الصدد:” ان المناهج لا تساهم بتاتا في تعزيز الهوية، يتم تهميش الثقافة الرسمية”.
وتظهر سياسة الطمس والتهميش جليا في موضوع التاريخ كما ذكرنا سابقا من خلال عرضنا للدراسات التي قامت بتحليل مضمون المناهج ، وهذا ما أكده الاستاذ سامي معلم التاريخ قائلا:” حسب رأيي لا يتم اعطاء موضوع الهوية والثقافة العربية حيزا واسعا حيث يقتصر الامر على المناسبات الدينية الاسلامية فقط” ويضيف قائلا:” المنهاج لا يكرس اي اهمية لموضوع الهوية، معظم المواد والمفاهيم التي يتم تدريسها تخص الثقافة الاسرائيلية وتاريخ الشعب اليهودي ولا تتطرق المناهج بأي شكل من الاشكال الى التراث العربي وتاريخ الاقلية العربية في البلاد”.
واستطرد الاستاذ محمد بقوله :” للاسف تساهم المناهج التعليمية في انصهار الهوية العربية داخل المجتمع الاسرائيلي، وذلك لان المناهج التعليمية الرسمية تتجاهل بشكل صارخ الهوية والقومية العربية العريقة وتسلط الاضواء على كيفية الانصهار في المجتمع الاسرائيلي لتكون عربي جيد ومواطن صالح”.
مما تم عرضه اعلاه نلمس أن هناك اجماع من قبل المعلمين حول سياسة الدولة تجاه قضية التربية للهوية القومية والثقافة العربية في المدارس العربية، والتي تهدف إلى تهميش وطمس الهوية العربية الفلسطينية من خلال سياسة ممنهجة باستخدامها للمناهج التعليمية كأدة لتطبيق ذلك.
-
المعلم العربي ما بين تطبيق المناهج التعليمية الرسمية وانتمائه القومي”إزدواجية التّبعيّة”
يعاني المعلم العربي من إزدواجيّة التبعيّة مما يؤدي إلى صراع دائم ما بين انتمائه لجهاز التربية والتعليم وتطبيق سياسته وأهدافه من خلال المناهج التعليمية من اجل الحفاظ على وظيفته ومصدر رزقه وبين انتمائه لهويته وثقافته ودوره في ترسيخ الهوية ونقل الموروث الثقافي والتاريخي للاجيال القادمة.
من خلال المقابلات أعرب بعض المبحوثين عن التحديات التي يواجهونها في عملهم، وألقوا الضوء على الصراع الذي يعيشونه من جهة تطبيق أهداف الوزارة والعمل بما يتماشى مع المنهاج والتقيد بمضامين الكتب الدراسية التي تحددها الوزارة، ومن جهة أخرى رفض سياسة التهميش وطمس الهوية والموروث الثقافي للعرب في اسرائيل.
وفي هذا الصدد انقسم المعلمون إلى فئتين: فئة اتخذت من ثقافة الصمت نهجا لها والتزمت بما تمليه عليهم المناهج التعليمية والسياسة الرسمية، وهذا ما ذكره الاستاذ ماجد قائلا:” اننا نواجه تحديا كبيرا في عملنا ووضعنا حساس جدا في مدرستنا نبتعد عن كل ما يخص موضوع الهوية والوطنية ونركز على التحصيلات العلمية للطلاب في المواضيع الاساسية هدا المطلوب منا وهذا ما نُسأل عنه ويتم حسابنا عليه، ماذا علمّت؟ ما هي تحصيلات طلابك؟ بلانسبة لهويتي وانتمائي احتفظ به لنفسي”.
وتتبع المعلمة نفس النهج حيث قالت معبرة عن موقفها بهذا الشأن:” احنا كمعلمين وضعنا صعب جدا مغلوب على امرنا، نحذر من أي كلمة تخرج لها صلة بموضوع الهوية والانتماء الوطني، يؤلمني جدا اننا لا نستطيع توعية طلابنا وسرد تاريخنا والتطرق الى احداث وتواريخ هامة في حياتنا كشعب فلسطيني مثل يوم الارض وغيره”.
أما الفئة الثانية فقد تسعى وتبذل جهودها من أجل ايجاد الموازنة ما بين تطبيق المنهاج الرسمي المعلن وما بين زيادة الوعي للطلاب بالهوية والثقافة العربية والانتماء الوطني ونقل التاريخ إما بشكل منظم كجزء من سياسة المدرسة من خلال بناء برنامج تربوي ممنهج أو من خلال مبادرات فردية لمعلمين نابعة من ايمانهم بأهمية دورهم بنقل الموروث التاريخي والحضاري وتعزيز الهوية والانتماء للاجيال الناشئة وفي هذا الشأن قال الاستاذ سامي:” أحاول أن اخرج ف كثير من الاحيان عن النص المتداول في كتاب التاريخ وان اجهز مواد خارجية تخدمني في تذويت الاهداف التي اراها مهمة والتي تتعلق بتاريخ الشعب الفلسطيني ومحطات هامة “.
ويصف الاستاذ محمد التحدي الذي يواجهه المعلم قائلا:” التحديات كلها تعود للسياسة العامة للدولة تجاه العرب ولا مجال للخوض بها في هذا الاطار، ولكن كل معلم يحاول بجهده الذاتي الشخصي واحيانا كثيرة دون مشاركة الزملاء في ايجاد التوازن من اجل الحفاظ على ما اكتسب الطالب في البيت من صقل الهوية العربية في شخصيته ونفسه”.
وتطرقت المعلمة نعمة الى أسلوبها في ايجاد الموازنة معللة: ” أنا شخصيا احاول في كل مناسبة تتعلق بالهوية كيوم الارض أو النكبة عرض افلام خاصة ، فبهذه الطريقة يمكن ايصال الرسالة وكذلك من خلال الجولات التعليمية اقوم بالتطرق لهذه القضايا “. واضافت :” نخطط كل عام اسبوع التراث الفلسطيني في مدرستنا بحيث نركز فيه على جوانب عديدة بهدف نقل العادات والتقاليد الخاصة بالشعب الفلسطيني، التعريف بالزي والمأكولات، اسماء البلاد العربية المهجرة وغيرها”.
بناء على ما تم عرضه اعلاه نجد أن هناك محاولات وتجارب لفئة من المعلمين لايجاد التوازن اما بشكل فردي أو في اطار سياسة مدرسة ولكن تظل هذه المبادرات سطحية لا يتعامل مع موضوع التربية الهوية الوطنية والجانب الثقافي بشكل ممنهج وعميق.
يهدف هذا البحث إلى استكشاف دور المناهج التعليمية في ترسيخ وتعزيز الهوية والثقافة العربية في المدارس العربية من وجهة نظر المعلمين، إضافة إلى فحص وعيهم بدورهم في التربية للهوية الوطنية، وكيفية تعاطيهم مع هذه القضية في ظل التزامهم بسياسات وزارة التربية والتعليم.
وقد أظهرت نتائج الدراسة أن المعلمين، لا سيما في التخصصات المرتبطة بالهوية مثل اللغة العربية، والمدنيات، والتاريخ، والجغرافيا، يجمعون على أن المناهج التعليمية الحالية تسهم في تهميش الهوية العربية الفلسطينية، بل وإضعاف حضورها داخل العملية التعليمية. وتتقاطع هذه النتيجة مع ما توصلت إليه دراسة (عرار وحاج يحيى، 2014)، التي أكدت أن جهاز التعليم العربي يعكس سياسات الدولة، من خلال غياب المضامين المرتبطة بالخصوصية التاريخية والثقافية للعرب. كما تتوافق هذه النتيجة مع طرح أبل Apple,2004)) الذي يرى أن المناهج ليست محايدة، بل تعكس علاقات القوة داخل المجتمع، وتُستخدم كأداة لإعادة إنتاج الهيمنة الثقافية.
كما كشفت النتائج عن محدوديّة دور النظام التعليمي الرسمي في تمكين المعلمين من تعزيز الهوية الثقافية لدى الطلبة، نتيجة تركيزه على الجوانب المعرفية والتحصيل الأكاديمي على حساب القيم والانتماء. وتتفق هذه النتيجة مع دراسة (حاج يحيى، حمودة، وجمهور، 2022)، وكذلك مع (Banks, 2008) الذي يؤكد أن غياب التعددية الثقافية في المناهج يؤدي إلى تهميش هويات الأقليات وعدم تمثيلها بشكل عادل داخل النظام التعليمي.
ومن جهة أخرى، أظهرت النتائج وجود حالة من الصراع لدى المعلم العربي، حيث يجد نفسه بين الالتزام بالمناهج الرسمية وبين رغبته في تعزيز الهوية القومية لدى الطلبة. وتتوافق هذه النتيجة مع ما أشار إليه (Giroux, 1988)، الذي يرى أن المعلم ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل فاعل تربوي يواجه ضغوطًا أيديولوجية داخل النظام التعليمي. كما يدعم (Freire, 1970) هذا الطرح، إذ يؤكد أن التعليم في السياقات غير المتكافئة قد يتحول إلى أداة للهيمنة، ما لم يمتلك المعلم وعيًا نقديًا يمكّنه من مقاومة ذلك.
كما أظهرت النتائج تباينًا في مواقف المعلمين، حيث تبنّت فئة منهم موقف الحذر وتجنبت الخوض في موضوع الهوية القومية، فيما حاولت فئة أخرى إيجاد توازن من خلال توظيف “المنهاج الخفي” كوسيلة غير مباشرة لتعزيز الهوية داخل الصف. وتتقاطع هذه النتيجة مع ما طرحه (Jackson, 1968) حول مفهوم المنهاج الخفي، الذي يشير إلى أن المدرسة تنقل قيمًا غير معلنة قد تكون أكثر تأثيرًا من المنهاج الرسمي. كما تؤكد دراسة (عرار وإبراهيم، 2022) أن المعلمين في السياقات المركبة يلجؤون إلى استراتيجيات غير رسمية للحفاظ على هويتهم الثقافية داخل البيئة التعليمية.
إلا أن هذه الجهود الفردية تبقى محدودة التأثير، وهو ما يشير إلى وجود فجوة بين الدور المتوقع من المعلم والقيود البنيوية التي يفرضها النظام التعليمي. وتنسجم هذه النتيجة مع ما أشار إليه (Castells, 2010)، الذي يرى أن الهوية تتشكل ضمن سياقات القوة والمؤسسات، وعلى رأسها التعليم، مما يجعلها عرضة لإعادة التشكيل وفقًا للسياسات السائدة.
وانطلاقًا من ذلك، تؤكد هذه الدراسة أن المناهج التعليمية في السياق المدروس لا تؤدي دورًا محايدًا، بل تسهم في إعادة تشكيل الوعي والهوية بما يتماشى مع البنية السياسية والثقافية المهيمنة، الأمر الذي يضع المعلم أمام تحديات معقدة تتطلب وعيًا نقديًا ومهنيًا عاليًا.
في ضوء النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة، والتي كشفت عن وجود تحديات بنيوية ومهنية تعيق دور المعلمين في تعزيز الهوية الوطنية داخل المدارس العربية، تم في هذا البحث تقديم مجموعة من التوصيات التربوية الهادفة إلى رفع وعي المعلمين بأهمية التربية للهوية الوطنية، وتمكينهم من أداء دورهم بشكل أكثر فاعلية في ظل الواقع التعليمي المركّب الذي يعملون فيه.
اجمالا لما تم عرضه من نتائج وتحليلها في القسم السابق من الدراسة توصي الباحثة بما يلي:
-
رفع الوعي لدى المعلمين بأهمية التربية للهوية القومية والعمل على بلورة هوية وطنية للطلاب من خلال المشاركة بمنتديات واستكمالات وايام دراسية.
-
كشف المدارس والمعلمين على منهاج تعليم الحضارة والتراث (منهج تعليمي الحضارة والتراث للمدارس العربية، 2008)، وحثهم على دراسته بعمق وتطبيقه .
-
اتّباع سياسة المناهج الخفية وبناء برامج تعليمية تربوية في المجالات المختلفة والتي تساهم في خلق اجيال تعتز بانتمائها ووبهويتها القومية وبتاريخ شعبها الفلسطيني.
-
دراسة المواد التعليمية وكتب التدريس وفحص مدى ملاءمتها للثقافة العربية ومدى ملاءمتها لخصائص الطالب العربي واحتياجاته.
-
تشكيل لجان مكونة من معلمين مؤهلين في تخصصات مختلفة ، بناء وحدات تعليمية ومواد في المواضيع المختلفة كاللغة العربية ، التاريخ، المدنيات والجغرافيا هدفها تعزيز الهوية والثقافة العربية.
-
مشاركة المؤسسات التربوية لتجارب أو برامج تعليمية ناجحة طبقت في المدارس تهدف الى تعزيز وترسيخ الهوية والثقافة العربية.
-
مواكبة التحديثات والتجديدات بكل ما يتعلق بالتعديلات على أهداف المناهج التعليمية ومضامينها.
شكل (2): ملخّص البحث من خلال تخطيط رسم جريان

المصادر
أولا: المصادر العربية
-
أبو أسعد، إ.، ومحاميد، هـ. (2014). المنهاج المدرسي وبلورة الهويّة لدى الشبيبة الفلسطينية في جهاز التعليم العربي في إسرائيل. النبراس، 48-79.
Abu As‘ad, I., & Mahamid, H. (2014). The school curriculum and the formation of identity among Palestinian youth in the Arab education system in Israel. Al-Nibras, 48–79.
-
التهوني، م.، والصويعي، ص. (2021). المناهج التعليمية ودورها في ترسيخ الهوية الوطنية. المجلة الليبية العالمية.
Al-Tahouni, M., & Al-Suwai‘i, S. (2021). Educational curricula and their role in consolidating national identity. The Libyan Global Journal.
-
المومني، هـ. ع. (2013). دور منهاج التربية الوطنية في جامعة البلقاء في تعزيز قيم المواطنة لدى الطلبة من وجهة نظر الطلبة. الأردن: جامعة البلقاء التطبيقية.
Al-Momani, H. A. (2013). The role of the national education curriculum at Al-Balqa Applied University in promoting citizenship values among students from the students’ perspective. Jordan: Al-Balqa Applied University.
-
أمارة، م. (2020). لغتي هويّتي: نحو سياسة لغويّة شموليّة لمواجهة تحدّيات اللغة العربيّة في إسرائيل. الأردن، كفر قرع: دار الفكر، دار الهدى.
Amara, M. (2020). My language is my identity: Toward a comprehensive language policy to confront the challenges of the Arabic language in Israel. Jordan, Kafr Qara: Dar Al-Fikr; Dar Al-Huda.
-
بواردي، ب. ح. (2013). تدريس اللغة في المدارس العربية في إسرائيل. العربية لغة في عين العاصفة، 77-87.
Bawardi, B. H. (2013). Language teaching in Arab schools in Israel. Arabic: A Language in the Eye of the Storm, 77–87.
-
جانم، هـ. م. (2019). أثر المناهج التعليمية الإسرائيلية على الهوية الوطنية لدى فلسطينيي الداخل. نابلس: جامعة النجاح الوطنية.
Ghanem, H. M. (2019). The impact of Israeli educational curricula on national identity among Palestinians inside Israel. Nablus: An-Najah National University.
-
حاج يحيى، ق.، وأبو عيطة، م. (2006). دراسات وبحوث في المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل. كفر قرع: دار الهدى.
Haj Yahya, Q., & Abu Aita, M. (2006). Studies and research on Palestinian Arab society in Israel. Kafr Qara: Dar Al-Huda.
-
حاج يحيى، ق. (2022). الثقافة والهويّة العربيّة الفلسطينيّة في إسرائيل. دراسات في الثقافة والهويّة في المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل، 11-29.
Haj Yahya, Q. (2022). Arab Palestinian culture and identity in Israel. Studies in Culture and Identity in Palestinian Arab Society in Israel, 11–29.
-
حاج يحيى، ق.، ودسوقي، ن. (2022). تحدّيات الثقافة العربيّة في المدرسة العربيّة في إسرائيل: عوامل معيقة وعوامل داعمة. في ق. حاج يحيى، دراسات في الثقافة والهوية في المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل (ص ص. 245–281). المعهد الأكاديمي العربي للتربية، الكلية الأكاديمية بيت بيرل: مركز أبحاث اللغة، المجتمع والثقافة العربية.
Haj Yahya, Q., & Dasouqi, N. (2022). Challenges of Arab culture in Arab schools in Israel: Hindering and supporting factors. In Q. Haj Yahya, Studies in Culture and Identity in Palestinian Arab Society in Israel (pp. 245–281). The Arab Academic Institute for Education, Beit Berl Academic College: Center for Research on Language, Society, and Arab Culture.
-
حاج يحيى، ق.، حمودة، ي.، وجمهور، م. (2022). تهميش الثقافة والتراث العربي في مناهج التعليم العربية في إسرائيل. في ق. حاج يحيى، دراسات في الثقافة والهوية في المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل (ص ص. 169–210). الكلية الأكاديمية بيت بيرل: مركز أبحاث اللغة، المجتمع والثقافة العربية.
Haj Yahya, Q., Hamouda, Y., & Jumhour, M. (2022). The marginalization of Arab culture and heritage in Arab educational curricula in Israel. In Q. Haj Yahya, Studies in Culture and Identity in Palestinian Arab Society in Israel (pp. 169–210). Beit Berl Academic College: Center for Research on Language, Society, and Arab Culture.
-
حجيرات، م. (2008). الهوية الجماعية لأبناء الأقلية العربية في دولة إسرائيل. كفر قرع: دار الهدى.
Hujairat, M. (2008). The collective identity of members of the Arab minority in the State of Israel. Kafr Qara: Dar Al-Huda.
-
شحادة، إ. ع. (2014). المغيّبون: قراءة نقدية لكتب المناهج الإسرائيلية في المدارس العربية الثانوية. حيفا: مؤسسة التعاون.
Shehadeh, I. A. (2014). The absent ones: A critical reading of Israeli curriculum textbooks in Arab secondary schools. Haifa: Taawon Foundation.
-
عرار، خ.، وإبراهيم، ف. (2022). التربية للهوية القومية في المدارس العربية. في ق. حاج يحيى، دراسات في الثقافة والهوية في المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل (ص ص. 129–168). المعهد الأكاديمي العربي للتربية، الكلية الأكاديمية بيت بيرل: مركز أبحاث اللغة، المجتمع والثقافة العربية.
Arar, K., & Ibrahim, F. (2022). Education for national identity in Arab schools. In Q. Haj Yahya, Studies in Culture and Identity in Palestinian Arab Society in Israel (pp. 129–168). The Arab Academic Institute for Education, Beit Berl Academic College: Center for Research on Language, Society, and Arab Culture.
-
عرار، خ.، وحاج يحيى، ق. (2014). تدويل التعليم العالي. بيت بيرل: مركز الينبوع.
Arar, K., & Haj Yahya, Q. (2014). Internationalization of higher education. Beit Berl: Al-Yanbou‘ Center.
-
عرفات، ص.، وصرصور، م. (2022). اللغة، والهوية، والثقافة في مرحلة الطفولة المبكرة. في ق. حاج يحيى، دراسات في الثقافة والهوية في المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل (ص ص. 283–298). الكلية الأكاديمية بيت بيرل: مركز أبحاث اللغة، المجتمع والثقافة العربية.
Arafat, S., & Sarsour, M. (2022). Language, identity, and culture in early childhood. In Q. Haj Yahya, Studies in Culture and Identity in Palestinian Arab Society in Israel (pp. 283–298). Beit Berl Academic College: Center for Research on Language, Society, and Arab Culture.
-
محمد، هـ.، وعبد العزيز، أ. (2023، يناير). برنامج مقترح قائم على تدريس منظومة القيم والوعي بالذات في تنمية الهوية الثقافية والأمن التربوي لدى طلاب كلية التربية. مجلة البحث في التربية وعلم النفس، 657-716.
Mohamed, H., & Abdel Aziz, A. (2023, January). A proposed program based on teaching the value system and self-awareness to develop cultural identity and educational security among students of the Faculty of Education. Journal of Research in Education and Psychology, 657–716.
-
وزارة التربية والتعليم، مركز تخطيط وتطوير المناهج التعليمية. (2008). منهج تعليمي: الحضارة والتراث للمدارس العربية. القدس: وزارة التربية والتعليم.
Ministry of Education, Center for Curriculum Planning and Development. (2008). Educational curriculum: Civilization and heritage for Arab schools. Jerusalem: Ministry of Education.
-
ميعاري، م. (2013). العرب الفلسطينيون في إسرائيل والسياسة التربوية الرسمية تجاه التعليم العربي. في م. ميعاري، مناهج التعليم العربي في إسرائيل: دراسات نقدية في مناهج اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا والمدنيات. الناصرة: المجلس التربوي العربي ولجنة متابعة قضايا التعليم العربي.
Miari, M. (2013). Palestinian Arabs in Israel and the official educational policy toward Arab education. In M. Miari, Arab education curricula in Israel: Critical studies of Arabic language, history, geography, and civics curricula. Nazareth: The Arab Pedagogical Council and the Follow-Up Committee on Arab Education Issues.
ثانيا: المصادر الأجنبية
Apple, M. W. (2004). Ideology and curriculum (3rd ed.). Routledge.
Banks, J. A. (2008). An introduction to multicultural education (4th ed.). Pearson.
Bourdieu, P. (1991). Language and symbolic power. Harvard University Press.
Castells, M. (2010). The power of identity (2nd ed.). Wiley-Blackwell.
Cummins, J. (2000). Language, power and pedagogy: Bilingual children in the crossfire. Multilingual Matters.
Erikson, E. H. (1968). Identity: Youth and crisis. W. W. Norton & Company.
Giroux, H. A. (1983). Theory and resistance in education: A pedagogy for the opposition. Bergin & Garvey.
Hall, S. (1996). Who needs identity? In S. Hall & P. du Gay (Eds.), Questions of cultural identity (pp. 1–17). SAGE Publications.
Rouhana, N. N. (1997). Palestinian citizens in an ethnic Jewish state: Identities in conflict. Yale University Press.
Tajfel, H. (1978). Differentiation between social groups: Studies in the social psychology of intergroup relations. Academic Press.
Al-Haj, M. (2002). Identity and ethnicity among Palestinians in Israel. In D. Rabinowitz & K. Abu-Baker (Eds.), Coffins on our shoulders: The experience of the Palestinian citizens of Israel (pp. 95–120). University of California Press.