دور المحكمة الجنائية الدولية في الحد من جرائم العدوان
علي حسين علي الخزرجي1، أ.د. عادل خليفة1
1 الجامعة الإسلامية في لبنان.
The Role of the International Criminal Court in Limiting Crimes of Aggression
Ali Hussein Ali Al-Khazraji¹, Prof. Dr. Adel Khalifa¹
1 Islamic University of Lebanon.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj75/75
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/75/75
المجلد (7) العدد (5). الصفحات: 1363 - 1379
تاريخ الاستقبال: 2026-04-15 | تاريخ القبول: 2026-04-22 | تاريخ النشر: 2026-05-01
المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى بيان دور المحكمة الجنائية الدولية في الحد من جرائم العدوان، باعتبارها من أخطر الجرائم الدولية التي تهدد السلم والأمن الدوليين وتمس سيادة الدول وسلامتها الإقليمية واستقلالها السياسي. وتتناول الدراسة الإطار المفاهيمي للجريمة الدولية في القانون الدولي الجنائي، من خلال بيان مفهومها وخصائصها وأركانها، ثم تنتقل إلى تحليل جريمة العدوان وفق النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما بعد تعديلات كمبالا التي أسهمت في تحديد مفهوم الجريمة وصورها وشروط قيام المسؤولية الجنائية الفردية عنها. اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي والتحليلي، من خلال تحليل النصوص القانونية الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها نظام روما الأساسي، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314، مع توظيف المنهج النقدي لتقييم فاعلية المحكمة الجنائية الدولية في مواجهة جريمة العدوان. وقد خلصت الدراسة إلى أن إدراج جريمة العدوان ضمن اختصاص المحكمة يمثل تطوراً مهماً في مسار العدالة الجنائية الدولية، إلا أن ممارسة المحكمة لهذا الاختصاص ما تزال مقيدة بجملة من العوائق القانونية والسياسية، وفي مقدمتها تأثير مجلس الأمن، وصعوبة تنفيذ أوامر القبض، وعدم تعاون بعض الدول مع المحكمة. وتوصي الدراسة بضرورة تعزيز استقلال المحكمة الجنائية الدولية، والحد من التأثير السياسي في عملها، ولا سيما فيما يتعلق بدور مجلس الأمن، إلى جانب إنشاء آليات تنفيذية أكثر فاعلية لضمان تنفيذ قراراتها وأحكامها. كما تؤكد الدراسة أهمية تطوير الإطار القانوني الدولي بما يضمن مساءلة مرتكبي جرائم العدوان، ويعزز حماية السلم والأمن الدوليين.
الكلمات المفتاحية: المحكمة الجنائية الدولية، جريمة العدوان، القانون الدولي الجنائي، نظام روما الأساسي، مجلس الأمن، المسؤولية الجنائية الدولية.
Abstract: This study aims to examine the role of the International Criminal Court in limiting crimes of aggression, as one of the most serious international crimes threatening international peace and security and violating the sovereignty, territorial integrity, and political independence of states. The study addresses the conceptual framework of international crime in international criminal law by clarifying its definition, characteristics, and elements. It then analyzes the crime of aggression under the Rome Statute of the International Criminal Court, particularly after the Kampala Amendments, which contributed to defining the crime, its forms, and the conditions for establishing individual criminal responsibility. The study adopts the descriptive and analytical methods by analyzing relevant international legal texts, foremost among them the Rome Statute and United Nations General Assembly Resolution No. 3314. It also employs a critical approach to assess the effectiveness of the International Criminal Court in confronting the crime of aggression. The study concludes that the inclusion of the crime of aggression within the jurisdiction of the Court represents an important development in the course of international criminal justice. However, the Court’s exercise of this jurisdiction remains restricted by several legal and political obstacles, most notably the influence of the Security Council, the difficulty of enforcing arrest warrants, and the lack of cooperation by some states with the Court. The study recommends strengthening the independence of the International Criminal Court and limiting political influence over its work, especially with regard to the role of the Security Council. It also calls for the establishment of more effective enforcement mechanisms to ensure the implementation of the Court’s decisions and judgments. Furthermore, the study emphasizes the importance of developing the international legal framework in a manner that ensures accountability for perpetrators of crimes of aggression and enhances the protection of international peace and security.
Keywords: International Criminal Court, crime of aggression, international criminal law, Rome Statute, Security Council, international criminal responsibility.
تعد جريمة العدوان من أكثر المواضيع جدلاً في القانون الدولي العام عموماً والقانون الدولي الجنائي خصوصاً، وذلك لاختلاف هذه الجريمة وخطورتها على المجتمع الدولي، لما لها من تداعيات تهدد السلم والأمن الدوليين، وكون القانون الدولي هو الحامي الأول لحقوق والسيادة من أي اعتداء على حقوقها، فقد تناول جريمة العدوان بشكل جدي لاعتبار هذه الجريمة التهديد الحقيقي لسلامة والسيادة الدول، والتي ماتزال تعد من أكبر المشكلات التي تواجه العالم بأسره بالرغم من التطور الكبير الذي طال القانون الدولي.
إن ظهور جريمة العدوان ليس بجديد فهذه الجريمة موجودة منذ آلاف السنين، إذ كانت الامبراطوريات القديمة تمارس هذه الجريمة بشكل مستمر لأن في ذلك الزمن كان القانون الذي يحكم الأرض هو للدولة القوى، ولكن على مر السنين حاولت المجتمعات الدولية للحد من هذه الجريمة من خلال القوانين والأعراف التي تحافظ على سيادة الدول وخصوصاً بعد الحرب العالمية الأولى والثانية إلى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، والتي حددت مفهوم الجريمة بشكل شامل إضافة إلى انها تقوم بملاحقة الأفراد الطبيعيين الذين ارتكبوا هذه الجريمة ومحاكمتهم.
إلا أنه ورغم التأييد الكبير من قبل غالبية الدول لإدراج هذه الجريمة ضمن اختصاص المحكمة، كان هناك خلاف في الرأي حول إدراج جريمة العدوان ضمن اختصاص المحكمة، لا بل حاولت بعض الدول استبعادها من دائرة اختصاصها. ويرجع الخلاف حول جريمة العدوان إلى عدم وجود تعريف لهذه الجريمة متفق عليه، على الرغم أن التعريف الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 3314، أيدته غالبية الدول ولكن لم يتم اعتماده كتعريف لجريمة العدوان في مؤتمر روما الدبلوماسي عام .1998 حيث رأت الوفود ضرورة البحث عن تعريف آخر لجريمة العدوان خارج إطار قرار الجمعية العامة، ومن جهة أخرى يرجع الخلاف للطبيعة المزدوجة للمسؤولية الناتجة عن جريمة العدوان، حيث تنشأ عن ارتكابها مسؤوليتان، مسؤولية الدولة عن ارتكاب جريمة العدوان ومسؤولية الفرد عن ارتكاب هذه الجريمة.
أولاً_ أهمية البحث
تأتي أهمية هذا البحث من خلال تعريف جريمة العدوان للحد منها ومحاكمة مرتكبيها إضافة للخطورة التي تشكلها الجريمة على المجتمع الدولي ككل لما لها من تهديد مباشر على استقرار الشعوب، فكل القوانين والأعراف الدولية والمنظمات الدولية تهدف إلى وقف أي تهديد يمس سلامة و أمن المجتمع الدولي، ومن خلال تركيز الجهود لتعريف جريمة العدوان وإعطاء صورة واضحة عنها والحد منها.
ثانياً_ أهداف الدراسة
تهدف هذه الدراسة إلى بيان مفهوم جريمة العدوان وتطورها في القانون الدولي، وتحليل الأساس القانوني لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية بها، فضلاً عن تقييم دور المحكمة في الحد من هذه الجريمة، مع تسليط الضوء على أبرز التحديات التي تواجهها واقتراح سبل تعزيز فاعليتها.
ثالثاً_ إشكالية البحث
على الرغم من الجهود الدولية للتصدي لجريمة العدوان قبل وبعد إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، لا تزال جريمة العدوان تشكل تحديا كبيرا للسلم والأمن الدوليين، لذلك كانت الإشكالية الرئيسية التالية: ما هي القواعد القانونية التي تقوم عليها جريمة العدوان؟ وما دور المحكمة الجنائية في معالجتها؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية عدداً من الأسئلة الفرعية التالية:
-
ما هي ماهية الجريمة الدولية وفقاً للقانون الجنائي الدولي؟
-
ما هي أركان جريمة العدوان؟ وماهي أهم الصور التي تتجلى من خلالها؟
رابعاً_ منهج الدراسة
تعتمد هذه الدراسة على المنهج التحليلي من خلال دراسة النصوص القانونية الدولية ذات الصلة، ولا سيما نظام روما الأساسي وتعديلاته، كما تستند إلى المنهج الوصفي لعرض الإطار المفاهيمي لجريمة العدوان، مع الاستعانة بالمنهج النقدي لتقييم دور المحكمة والوقوف على أوجه القصور والتحديات التي تواجهها.
خامساً_ خطة البحث
المبحث الأول: ماهية الجريمة الدولية في القانون الدولي الجنائي.
المطلب الأول: مفهوم الجريمة الدولية.
المطلب الثاني: مفترضات الجريمة الدولية في القانون الجنائي الدولي.
المبحث الثاني: جريمة العدوان وفق النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (الأركان، الصور).
المطلب الأول: جريمة العدوان وأركانها.
المطلب الثاني: جريمة العدوان وصورها.
ماهية الجريمة الدولية في القانون الدولي الجنائي
الجريمة الدولية تتمحور من حيث أحكامها وأنواعها أساساً حول وضع دراسة تفصيلية لكل من مفهوم الجريمة الدولية وذلك من خلال التعريفات التي عني بها الفقه، ومحاولات تحديدها من قبل المواثيق والاتفاقيات الدولية، مع معالجة لمختلف المبادئ التي تحكم الجريمة الدولية، وكذا التصنيفات التي يمكن أن تحكمها، مع تبيان الأشخاص المرتكبين لمثل هذا النوع من الجرائم، إما أفراد بصفتهم الرسمية كأعضاء في الدولة، أو بصفتهم الخاصة، وبناءً على ذلك تم تقسيم المبحث إلى مطلبين، المطلب الأول: مفهوم الجريمة الدولية، أما المطلب الثاني مفترضات الجريمة الدولية في القانون الجنائي الدولي.
مفهوم الجريمة الدولية
رغم الأهمية العلمية والعملية التي يحتويها موضوع دراسة الجريمة الدولية، لا يوجـد لحد الآن تعريف موحد للجريمة الدولية على الصعيدين الفقهـي والاتفاقي، فعلى الصعيد الفقهي هناك اختلاف بين الفقهاء عند تعريفهم للجريمة الدولية، أما على الصعيد الاتفاقي فإن الوثائق الدولية ذات الصلة من معاهدات وقرارات صادرة عن المنظمات دولية لا تعرف الجرائم الدولية، بل تكتفي بتعداد الجرائم التي تنطبق عليها القواعد القانونية الواردة فيها([1]). في ظل هذا الاختلاف يكون مناسباً عرض بعض تعريفات الجريمة الدولية التي ذكرها فقهاء القانون الدولي الجنائي أولاً ثم الحديث عن الطبيعة الذاتية للجريمة الدولية.
أولاً: تعريف الجريمة الدولية في الفقه الغربي:
إن نطاق القانون الدولي الجنائي قاصر فيما يتعلق بتعريف موحد للجريمة الدولية، الأمر الذي فتح باب الاجتهاد في هذه الجزئية على مصراعيه أمام الفقه الدولي الجنائي وسنورد بعضاً من هذه التعاريف، فمن التعريفات في هذا الشأن أن الجريمة الدولية ” اعتداء على مصلحة يحميها القانون الوطني، ويختص القانون الجزائي بالنص عليها وبيان أركانها والجزاء المقرر لفاعلها.
أما الفقيه بيلا فيعرف الجريمة الدولية على أنها: فعل أو ترك تقابله عقوبة تعلن و تنفذ باسم المجموعة الدولية”، ويظهر بأن “بيلا” ينادي بالمسؤولية الجنائية المزدوجة للفرد والدولة عن الجريمة الدولية([2])، اما الفقیه كرافن فعرف الجريمة الدولية على أنها: تلك الأفعال التي تتعارض مع احكام القانون الدولي ويترتب عليها المسؤولية الدولية وهي لا تكون إلا بالنسبة للأفعال ذات الجسامة الخاصة التي تحدث اضطراباً وإخلالاً بالأمن العام للمجموعات الدولية، كما عرف الجريمة الدولية الأستاذ “رایت” بأنها: التصرف الذي يرتكب بنية انتهاك تلك المصالح التي يحميها القانون الدولي، ولمجرد العلم بانتهاكه تلك المصالح، مع عدم كفاية ممارسة الاختصاص القضائي الجنائي الأعبلاي للدولة في العقاب عليه، ويعرف “دوتريكورت” الجريمة الدولية بأنها: “تلك الأفعال التي إذا ارتكبتها الدولة أو سمحت بها، تعتبر مخالفات جسيمة للقانون الدولي، تستوجب المسؤولية الدولية.
أما عن الفقيه “سبيروبوليس” مقرر لجنة القانون الدولي فقد عرف الجريمة الدولية بأنها: “الأفعال التي ترتكبها الدولة، أو تسمح بارتكابها مخالفة بذلك القانون الدولي وتستتبع المسؤولية الدولية، أو هي كل مخالفة للقانون الدولي تقع من فرد مسؤول أخلاقيا إضرارا بالأفراد أو المجتمع الدولي بناءً على طلب الدولة أو رضائها أو تشجيعها، ويكون من الممكن مساءلته جنائيا بناء على هذا القانون”، أما عن الفقيه “بلاوسكي” فقد عرف الجريمة الدولية بأنها: “تصرف غير مشروع معاقب عليه بمقتضى القانون الدولي، لإضراره بالعلاقات الانسانية في الجماعة الدولية، هذا ويتضمن التعريف توضيحاً لأركان الجريمة الدولية، والتي تمثل الأركان العامة لها على النحو الآتي:
أ-الجريمة الدولية سلوك غير مشروع، أي فعل أو امتناع يمثل الجانب المادي لها أو المظهر الخارجي، وهذا السلوك هو الذي يكون ماديات الجريمة سواء اقترن بنتيجة في جرائم الضرر، أو كان مجرد تهديد بخطر لايتطلب القانون فيه تحقق نتيجة معينة مثل المحاولة أو التحريض، بمعنى أن السلوك المجرد يحقق الركن المادي، وهذا السلوك غير مشروع، وهو يكون كذلك إذا كان القانون الدولي الجزائي يحرمه، فيضفي عليه بهذا التجريم مخالفته لهذا القانون، ولا يشترط لكي يعتبر السلوك جريمة دولية أن يكون محظوراً أيضاً في القانون الداخلي.
ب– الجريمة سلوك غير مشروع صادر من فرد لديه حرية في الاختيار أي مسؤول أخلاقياً، وهذا العنصر هو الذي يحقق من الجريمة ركنها المعنوي، ويعبر عن الحالة النفسية بين السلوك ومن صدر عنه، وهذه تكون في صورة قصد مما يجعل الحريمة قصدية، أو تكون في صورة خطأ غير مقصود، فتكون الجريمة غير قصدية([3]).
ج-الجريمة الدولية سلوك ذات عنصر دولي، أي تكون قد وقعت بناء على طلب الدولة أو تشجيعها أو رضائها، أو تمثل اعتداء على المجتمع الدولي.
د– أن يكون السلوك معاقباً عليه طبقاً للتشريع الدولي.
كما نرى أن طبيعة الجريمة الدولية لا تختلف عن الجرائم التي يقررها القانون الوطني الجزائي، لأنها كالوطنية تمس بمصالح جديرة بالحماية الجزائية، سواء كانت مصالح لدولة معينة أم مصالح المجتمع الدولي بأسره، ذلك أن القواعد التي تحكم الجريمة الدولية من حيث التجريم، والجزاء والمسؤولية الجزائية الفردية وإجراءات المحاكمة ذات طبيعة جزائية واحدة.
ثانياً: ذاتية الجريمة الدولية
رغم وجود توافق وحدة طبيعية بين الجرائم الدولية والجرائم الوطنية، بما يتعلق بخصائص كل منهما إلا أن الجريمة الدولية تتمتع بخاصية ذاتية تميزها عن غيرها من تلك الجرائم (الداخلية، والسياسية والعالمية) وتتجلى هذه الذاتية بالأوجه التالية:
-
ذاتية الجريمة الدولية إزاء الجريمة الداخلية:
الجريمة الداخلية يتكفل بالنص عليها القانون الوطني أو القوانين المكملة له، وهي تنطوي على مساس بمصلحة داخلية يحميها هذا القانون، وترتكب باسم الفاعل ولحسابه، ويوقع الجزاء عليه عند ثبوت مسؤوليته عنها وذلك باسم المجتمع الوطني، أما الجريمة الدولية، فإن النص الدولي الجزائي هو الذي يتكفل بتجريمها والجزاء عليها، وبصرف النظر أن يكون متفقاً مع القانون الداخلي أو مختلفاً عنه([4])، وتختلف بعض أسباب التبرير والإباحة للجريمة الدولية عن نظيرتها الجريمة الداخلية، ولكنهما تتفقان في استلزامهما ركناً معنوياً لانعقاد مسؤولية الجاني.
كذلك فالعقاب في الجريمة الدولية يوقع باسم المجتمع الدولي عن طريق المحاكم الدولية الخاصة (مثل المحكمة الجنائية الخاصة بلبنان المنشأة بقرار مجلس الأمن تاريخ 2006/3/29، ومحكمة ((نورمبرغ)) وطوكيو في الماضي أو محاكم يوغسلافيا ورواندا)، أو الدائمة (كالمحكمة الجنائية الدولية المنشأة بنظام روما 1998)، أو المحاكم الوطنية عندما تتولى محاكمة المتهم بجريمة دولية طبقاً للقانون الدولي، أو تطبيقاً لنصوص القانون الداخلي.
ب- ذاتية الجريمة الدولية إزاء الجريمة السياسية:
الجريمة السياسية الداخلية ينص عليها القانون الوطني وتتميز بكون الدافع إلى ارتكابها ذات صفة سياسية يستهدف تغيير شكل الحكم أو النظام السياسي القائم في البلاد، أو تقع على الحقوق السياسية العامة، أو الفردية ما لم يكن الفاعل قد انقاد لدافع أتاني دنيء، وقد خصها التشريع الجزائي الداخلي بقواعد تختلف عن تلك التي تخضع لها الجريمة العادية، وذلك بالنظر الى الاختلاف الواضح بين الإجرام السياسي والإجرام العادي.
فأولهما لا ينطوي على إهدار صارخ للقيم والأخلاق السائدة، كما هو الحال بالنسبة للإجرام العادي، كما أن الصفة الإجرامية للجاني لا تتوافر للناشط السياسي إلا اذا أحقق هي تحقيق غايته، وأما اذا أفلح في نشاطه وثورته صار بطلاً ومنقذاً، ورائداً من رواد الإصلاح في تاريخ وطنه. من أجل ذلك تقرر وضع عقوبات أخف، وأرحم من العقوبات العادية للمجرمين السياسيين تستعبد منها عقوبة الإعدام والأشغال.
أما الجريمة الدولية فقد اتضح أنها تمس بالمجتمع الدولي ويقررها القانون الدولي الجزائي وتنطوي على خرق للنظام العام الدولي، ولا ينص القانون الدولي على جرائم سياسية ولا يضع لها معاملة خاصة لمرتكبها وهي تحاكم أمام القضاء الدولي أو الوطني بحسب الأحوال واذا ما ارتبطت الجريمة الدولية بجرائم أخرى ذات طبيعة وطنية سياسية اعتبر مرتكبو تلك الجرائم مجرمين عاديين في جرائم داخلية، وفاعلين ماديين للحريمة الدولية، ويسأل الذين أمروا بارتكاب الجريمة الدولية بوصفهم مسهمين في كل من الجريمتين الدولية والداخلية.
ج- ذاتية الجريمة الدولية إزاء الجريمة العالمية:
يقصد بالجريمة العالمية تلك التي ينظمها ما يسمى اصطلاحاً قانون العقوبات العالمي، وهي جريمة تنطوي على عدوان على القيم البشرية والأخلاقية الأساسية السائدة في دول العالم كافة، بخاصة اذا كانت لا تضر بدولة معينة فقط، وإنما أيضاً بمصالح عدة دول، مثل الاتجار غير المشروع بالمخدرات، وتزييف النقود والعملات المتداولة وطنياً أو عالمياً، والقرصنة والاعتداء على وسائل المواصلات الدولية، ونشر المطبوعات المخلة بالآداب، والإرهاب والاتجار بالأعضاء البشرية والمواد النووية وغسيل الأموال([5]).
حيث تتميز الجريمة العالمية عن الجريمة الدولية بأنها لا تنطوي على عنصر دولي، ولا تعتبر ماسة بالنظام العام للقانون الدولي، كما تتميز الجريمة العالمية بأن مرتكبيها قد يزاولون نشاطهم في عدة دول غير أنها لا تعتبر جريمة دولية بل عادية ولو ورد النص عليها في اتفاقية أو معاهدة، إضافة إلى أن انتشارها بين عدة دول لا ينفي عنها أنها جريمة داخلية يعاقب عليها قانون دولة مكان إقليمها، وتختص بالعقاب على الجريمة العالمية المحاكم الوطنية ويطبق عليها القانون الوطني، هذا ويسود المجتمع الدولي اتجاه واضح نحو تقرير عالمية حق العقاب بالنسبة لهذه الفئة الخطيرة من الجرائم، والتي لا يقتصر ضررها على دولة بعينها وإنما يعم الضرر الناجم عنها على عدة دول فهذه الجرائم تفترض ضرورة مكافحتها التسليم بإمكان محاكمة مرتكبها أينما وجد بصرف النظر عن جنسية الجاني أو المجني عليه أو محل وقوع الجريمة، وفي هذا خروج على مبدأ إقليمية القانون الوطني الجزائي، وهو خروج تفرضه ضرورات مكافحة هذا الإجرام العالمي.
مفترضات الجريمة الدولية في القانون الجنائي الدولي
يقصد بأركان الجريمة مجموعة الأجزاء التي تشكل منها الجريمة، أو كل الجوانب التي ينطوي عليهـا بنيان الجريمـة، أو التي يترتب على وجودها في مجموعها وجود الجريمة ويترتب على انتقائها أو انتفاء أحدها انتقاء الجريمة، وقد كانت أركان الجريمة محل خلاف بين الفقهاء على الصعيدين الداخلي والدولي، فقد ظهرت في نطاق القانون الجنائي الداخلي عدة آراء في هذا الصدد([6]).
أولاً: الشرط المسبق:
تقرر مبدأ شرعية النص الدولي للتجريم والجزاء في نظام روما للمحكمة الدولية الجزائية في نصين متتالين، وردا في الباب الثالث منه الخاص بالمبادئ العامة للقانون الجنائي، وذلك في المادتين(22) و(23)، فنص نظام المحكمة على الشق الأول من مبدأ شرعية النص على التجريم الدولي بقوله “لا جريمة إلا بنص” وأضاف أنه “لا يسأل الشخص جنائيا بموجب هذا النظام الأساسي، ما لم يكن السلوك المعني وقت وقوعه يشكل جريمة في اختصاص المحكمة” (م 1/22 ).
أما الشق الثاني من الشرعية الجزائية وهو الجزاء، فقد ورد النص على أنه ” لا عقوبة إلا بنص” وأنه “لايعاقب أي شخص أدانته المحكمة إلا وفقا لهذا النظام الأساسي”. ولا شك أن النظام بنصه على قاعدة شرعية النص الدولي للتجريم والجزاء في مقدمة الباب الثالث من النظام، والخاص (بالمبادئ العامة للقانون الجنائي)، إنما يكون قد عبر عن رغبة المجتمع الدولي في ترجيح الشرعية النصية على العرفية، والتي قاعدة عالمية تعتمدها التشريعات كافة وارتفعت بها الى مصاف المبادئ ذات القيمة الدستورية. وأكدت قوانين العقوبات عليها.
ثانياً: الركن المادي:
ينصرف الركن المادي إلى ماديات الجريمة، أي المظهر التي تظهر فيه إلى العالم الخارجي، ويتدخل القانون من أجله بتوقيع العقاب، إذ بغير ماديات ملموسة لا يتحقق العدوان على الحقوق التي يحميها القانون ويترتب على ذلك، أن القانون الجنائي لا يعتد بالنوايـا وحدها إذا لم تفضِ إلى سلوك خارجي ملموس يعد انعكاساً للإرادة، تبعاً للواقع من ناحية أن الإنسان وحده هو الذي يتصور أن يكون فاعلاً للجريمة، لأنها لا تعدو أن تكون سلوكاً إرادياً يعتد به القانون.
فالقانون الدولي الجنائي يفترض حتى تقوم الجريمة الدولية وجود تصرف إنساني متمثل في شكل فعل أو امتناع عن فعل، وهذا التصرف هو الذي يمنح الإرادة الكامنة داخل مرتكبه تجسيداً ملموساً وواقعياً في العالم الخارجي، فالإرادة الداخلية وحدها دون مظهر خارجي لا تهم القانون الدولي الجنائي، ولا يمكن لهذا الأخير أن يقرر المسؤولية لشخص ما بسبب أفكاره ومعتقداته الداخلية، إذ أنه من الثابت أن حياة الفرد الداخلية لا تقع تحت طائلة القانون([7]).
كما أن المظهـر المـادي الملموس هو الذي يجعل الجريمة تحدث الاضطراب في المجتمع، أما النوايا التي لا تتجسد في أفعال مادية موجهة إلى ارتكاب الجرائم، فإن القانون لا يعتد بها لأنها لا تؤثر في المصالح التي يحميها القانون، ولذلك فإن الجرائم لا تقوم بمجرد أفكار ومعتقدات أو تصميمات حبيسة لم تخرج بعد إلى العالم الخارجي في صورة سلوك، ولكن متى ما تم التعبير عن هذه الأفكار والمعتقدات في صورة سلوك فإنه سيكون محلاً للعقاب. هذا ويتكون الركن المادي للجريمة الدولية على غرار الجريمة الداخلية على ثلاثة عناصر هي السلوك والنتيجة والعلاقة السببية.
أ-السلوك: هو الفعل الصادر عن الجاني سواء أكان إيجابياً أم سلبياً، ويترتب عليه ضرر يوجب فرض العقاب. ويتحقق السلوك الإيجابي في القيام بفعل يحظره القانون ويؤدي إلى قيام الجريمة، مثال ذلك ما نصت عليه المادة (6) من النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية في القيام بارتكاب أي فعل من الأفعال التي تؤدي إلى ارتكاب جريمـة الإبادة الجماعية كقتل أفراد جماعة. فالسلوك هنا إيجابي متمثل بالقيام بفعل يحظره القانون الدولي الجنائي.
كما أنه يتصور ارتكاب جريمة ايجابية بالامتناع، بشرط وجود التزام قانوني أو تعاقدي بالتدخل لإنقاذ المجني عليه. إذ يمكن أيضـاً أتكاب جريمـة ايجابية بأسلوب سلبي في القانون الدولي الجنائي، والمثال على ذلك امتناع الدولة عن توفير الأغذية والمستلزمات الطبية للأسرى فيؤدي ذلك إلى وفاتهم، مما يترتب عليه ارتكاب جريمة حرب، حيث يوجد التزام يفرضه القانون الدولي بموجب اتفاقية جنيف لعام 1949 بشأن معاملـة الأسرى على أطراف النزاع بتوفير المستلزمات الطبية والغذائية للأسرى.
فإذا امتنعت الدولة عن تنفيذ هذا الالتزام وأدى ذلك إلى وفاة الأسرى أو قسم منهم، كنا أمام جريمة إيجابية ارتكبت عن طريق الامتناع. إذاً فالسلوك السلبي فلا يختلف جوهره في القانون الدولي الجنائي عن نظيره في القانون الجنائي الداخلي، فهو يتمثل بإحجام الدولة عن طريق الأشخاص الذين يعملون لحسابها عن القيام بعمل يستوجب القانون إتيانه. كامتناع الدولة عن منع العصابات المسلحة في استخدام أراضيها للإغارة على إقليم دولة أخرى، ومن هنا يتسم السلوك بالسلبية لأنه يمثل في إحجام الدولة عما كان يجب عليها القيام به.
ب- النتيجة: هي التغيير في الأوضاع الخارجية التي كانت على نحو معين قبل ارتكاب الفعل ثم أصبحت على نحو آخر بعده، وهذا التغيير المادي من وضع إلى آخر يطلق عليه النتيجة، باعتبارها أحد عناصر الركن المادي للجريمة. وهذا التغيير في العالم الخارجي هو نتيجة لما يحدثه الفعل من اعتداء على المصالح التي يحميها القانون الدولي الجنائي وتهديد للنظام العام الدولي.
فالنتيجـة فـي جريمة العدوان مثلاً تتمثل بالاعتداء على الـحـق المـحمـي بموجب القانون الدولي، وتتمثل بالاعتداء على حقوق الدولة الأساسية في احترام سلامتها الإقليمية واستقلالها السياسي باعتبارهما مستمدين مـن الـحـق الأسمى للدول، وهو حق السيادة الذي يعني حق تملكه الدولة وتمارسه تجاه تصرفات دول أو كيانات دولية أخرى، فتقبل أو ترفض بموجبه تلك التصرفات، التي تمس كيانها وتهدد وجوده بشكل مباشر أو غير مباشر.
بذلك تكون السيادة بأن تصبح الدولة صاحبة الأمر والنهي على إقليمها وسكانها ومواردها، وعدم خضوعها لأية سلطة أو لأي كيان دولي. وهذا يعني أن للسيادة مظهرين السيادة الداخلية، وتعني استئثار الدولة بتنظيم شؤون الأقاليم الداخلية وممارسة الاختصاصات دون الخضوع لأي سلطة أخرى. والسيادة الخارجية والتي يراد بها امتلاك الدولة لزمام حريتها في تعاملها الدولي في مجال العلاقات الدولية وعدم خضوعها لأي سلطة أخرى وذلك في الحدود التي يرسمها القانون.
ج- العلاقة السببية: ويقصد بها وجود صلة بين السلوك والنتيجة، بمعنى إثبات أن الأخيرة ما كانت لتحدث في العالم الخارجي مالم يتم ارتكاب عمل معين أو الامتناع عن عمل محدد. بقي أن نشير أخيرا أن الركن المادي قد يتخذ صورتين أخريين هما الشروع والمساهمة الجنائية، وهما صورتان ويعاقب عليهما القانون الدولي الجنائي أيضاً فهناك نصـوص في القانون الدولي الجنائي تحرم الشروع في الجريمة الدولية وأخرى تعاقب على المساهمة الجنائية([8]).
ثالثاً: الركن المعنوي للجريمة
جريمة حرب الاعتداء جريمة مقصودة، يتخذ فيها الركن المعنوي صورة القصد الجنائي، فلا تقع هذه الجريمة إذا ارتكب فعل العدوان بخطأ غير مقصود، والقصد المطلوب بشأنها هو القصد العام فقط، فلا يشترط بالنسبة لها ضرورة توافر قصد خاص، ويتكون القصد العام من علم وإرادة: علم بعناصر الجريمة وإرادة تتجه إلى تحقيق مادیاتها، أو على الأقل قبول تحقيقها، فيجب أن يعلم الجاني أن فعل العدوان فعل غير مشروع، وأن من شأنه المساس بسيادة الدولة المعتدى عليها أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أي أن من شأنه الاعتداء وإنهاء العلاقات السلمية والودية بين الدول، فإذا كان لا يعلم بذلك لا يتوافر العلم وينتفي التصد الجنائي، ولا تقع جريمة حرب الاعتداء، ويستوي في مجال القانون الدولي الجنائي أن ينصب عدم العلم أي الجهل، أو الغلط على قواعد ذلك القانون أي على الصفة غير المشروعة لفعل العدوان أم على الوقائع التي يتكون منها فعل العدوان.
ويجب أيضا، لتوافر القصد الجنائي، أن تتجه إرادة الجاني إلى فعل العدوان في ذاته أي إلى المساس بالسيادة أو إلى إنهاء العلاقات السلمية([9]).
أما قصد الاضرار في الجرائم الدولية، فإنه يتخذ من المصالح الأساسية هدفاً له بحيث إنه يتجه الجاني بسلوكه الاجرامي تجاه للمجتمع الدولي، مصلحة دولية معينة بطريقة مباشرة، وإذا كان المتعارف عليه داخلياً أن الجريمة تنقسم الى عمدية، وغير عمدية بحسب القصد الجنائي فانه من غير المنطقي أن تقع جريمة دولية بطريق الخطأ أو الاهمال، ونری عدم اعطاء فرصة لمرتكب الجريمة الدولية، لنفي قيام الركن المعنوي بزعم تخلف القصد الجنائي لديه بانه كان يجهل العلم بالقانون المجرم لهذه الجريمة الدولية التي اقترفها، في حالة النص عليها في تشريع الدولة التي ينتمي اليها خصوصا بعد التطور الهائل الذي حصل في المجتمع الدولي على صعيد الاتصالات وشبكات الاعلام([10]).
إذن فالقصد الجنائي هو العلم بالوقائع التي ستحصل، واتجاه الإرادة الأحداث هذه الوقائع، أي العلم والإرادة هم أساس القصد الجنائي، إذ أن القانون الدولي الجنائي يتطلب وجوب علم الجاني بالوقائع الإجرامية التي تتكون منها الجريمة لقيام القصد الجنائي، حيث ذكر ذلك في محكمة نورمبرج بل زادت تشدداً باشتراط ضرورة توافر العلم الحقيقي بكل العناصر المكونة للجريمة لقيام القصد الجنائي، كما أكدت على أن الجهل والغلط في الوقائع المكونة للجريمة ينفي القصد الجنائي، وللقصد الجنائي حالتان قصد احتمالي وقصد مباشر، وأن القانون الدولي الجنائي في كلتا حالتي القصد الجنائي أي عند توافر احدهما لدى الجاني عند قيامه بعمل ما، فانه يتحمل المسؤولية الجنائية الدولية كاملة لكون أن القانون الدولي يختلف عن القانون الداخلي، وذلك لكون اغلب قواعد القانون الدولي هي بالأساس قواعد عرفية، فلا يوجد تحديد واضح للجرائم الدولية من عناصرها وأركانها، فحتى لو كان لدى الجاني قصد احتمالي في قيامه بعمل ما فانه يتحمل المسؤولية، فمثلا القصد الجنائي الاحتمالي في جرائم الحرب هو عند في أطلاق صاروخ بقصد تدمير مستشفى دون أن تنصرف النية لقتل من فيها من مرضى وجرحى لكن من المتوقع أن يكون هناك جرحی ومرضى ولم يثن الفاعل شيء عن ذلك، فهنا تقام ضده المسؤولية الجنائية أما القصد المباشر لنفس قيام شخص بإطلاق صاروخ على مستشفى لغرض تدميرها وقتل من فيها، علماً أن هناك جرائم لا يتصور فيها القصد الاحتمالي، كجرائم القرصنة، وأخذ الرهائن والارهاب الدولي([11]).
بينما توصف إرادة الجاني بأنها غير عمدية إذا ما اتجهت إلى ارتكاب الفعل وحده دون قصد تحقيق النتيجة الجرمية، وتسمى ب (الخطأ غير العمدي)، ويكون له صورتان الخطأ مع التوقع والخطأ مع عدم التوقع أو كما يسميها البعض الخطأ الواعي والخطأ غير الواعي، ففي الأولى يريد الفاعل الفعل الذي يؤدي إلى الجريمة، ولا يريد تحقيق النتيجة، فهو كان يتوقع حدوث هذه النتيجة كاثر لفعله ولكن تقديره الخاطئ للأمور أدى إلى حدوثها، مع أنه كان يسعى إلى عدم حدوثها، أما في الحالة الثانية فيريد الفاعل الفعل ولا يريد النتيجة كذلك ولكنه في هذه الحالة لم يكن يتوقع اصلاً هذه النتيجة كأثر لفعله ولكن كان في استطاعته ومن واجبه توقع هذه النتيجة، وبسبب طبيعتها الخاصة وأوضاع مرتكبيها فإن معظم الجرائم الدولية ترتكب عمداً الا أن ذلك لا يستبعد أمكانية وقوع بعضها عن طريق الخطأ على سبيل المثال تقوم الطائرات العسكرية خطأ بقصف منشآت مدنية مما يترتب مـوت وهلاك الكثير من السكان المدنيين والأعيان المدنية.
رابعاً: الركن الدولي:
الركن الدولي هو الذي يميز الجريمة الدولية عن الجريمة الجنائية الداخلية، ويقوم الركن الدولي في الجرائم الدولية الخاضعة للقانون الدولي الجنائي على عنصرين:
العنصر الأول: هو العنصر الشخصي والمقصود به صفة مرتكبها، فالجريمة الدولية الخاضعة للقانون الدولي الجنائي هي كما ذكرنا تلك التي يرتكبها شخص طبيعي يتصرف باسم أو لحساب دولة أو منظمة أو جهة غير حكومية أو تشجيع منها، أما إذا كان مرتكب الجريمـة يعمل لحسابه الخاص فإن الأمر يتعلق بجريمة ذات طابع دولي.
العنصر الثاني: العنصر الموضوعي والمقصود به المصالح التي يشكل الاعتداء عليها جريمة. ويتمثل في أن المصلحة المعتدى عليها مشمولة بالحماية الدولية، فالجريمة الدولية تعتدي على مصالح يحميها القانون الدولي الجنائي وفي مقدمتها (حقوق الأنسان)، وهذه المصلحة مشمولة بالحماية الدولية والاعتداء عليها يشكل إخلالاً بالنظام العام الدولي. أما إذا كان الاعتداء قد تم على مصلحة محمية بالقانون الجنائي الداخلي، فإن الأمر يتعلق إما بجريمة داخلية إذا كانت هذه المصالح نهم دولة واحدة، وإما بجريمة داخلية ذات طابع دولي خاضعة للقانون الجنائي الدولي إذا كانت تلك المصالح تهم عدداً محدوداً من الدول.
إذاً فإضفاء الصفة الدولية على جريمـة خاضعة للقانون الدولي الجنائي يتطلب توافر شرطين أساسيين: أولهما من ناحية وجوب أن تشكل هذه الجريمة اعتداءً على مصالح يحميها القانون الدولي الجنائي، أي مصالح تهم الجماعة الدولية بأسرها، ومن ناحية أخرى يجب أن ترتكب باسم ولحساب دولة أو منظمة أو جهة غير حكومية (غير تابعة للدولة).
جريمة العدوان وفق النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية( الأركان، الصور)
لقد نص نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية صراحة على اعتبار جرائم العدوان من عداد الجرائم الدولية، وأنها حال اتفاق الأطراف على تعريف العدوان وصوره، فسوف يعاقب بالعقوبة المقررة لهذه الجريمة. وتضمن المؤتمر الاستعراضي في (كمبالا) وضع هذا التعريف وصور الجريمة من قبل الأطراف في بتاريخ 2011/5/11، ويرى دكتورنا (سمير عالية) أن تعبير العمل العدواني يفضل تعبير العدوان، لأن الأول أقرب إلى المقصود منه([12]). بناءً عليه سنتناول الأركان التي تتكون منها جريمة العدوان في المطلب الأول، كما سنوضح صور هذه الجريمة بعد ما تم الوصول إلى تعريف لها في المطلب الثاني.
جريمة العدوان و أركانها
اعتمد التعديل الوارد على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على الأركان المتفق عليها في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3314)، إذ ” تفترض هذه الجريمة شرطاً مسبقاً أو عنصراً مفترضاً قوامه صفة في الجاني بأنه من كبار مسؤولي الدولة أو الحكومة واضعي السياسة العامة العدائية للدول الأخرى ([13])، إضافة الى الأركان الخاصة وهي: مادي، ومعنوي، ودولي”. وسنوضح هذه المفترضات أو الأركان وفقاً لما يلي:
1- الشرط المسبق:
تتميز جريمة العدوان عن غيرها من الجرائم الدولية المدرج في اختصاص المحكمة أنها من جرائم الفاعل الموصوف، بحيث لا يمكن أن يرتكب جريمة العدوان إلا شخص له وضع يمكنه من التحكم في الوضع السياسي والعسكري الدولة أو من توجيه هذا العمل. ويتمثل أصحاب السلطة أو النفوذ السياسي أو العسكري بكبار مسؤولي الدولة أو الحكومة من المدنيين أو العسكريين، حيث أشار نص تعريف العدوان المدمج في المادة (8) من نظام المحكمة بقوله ” إنه لأغراض هذا النظام الأساسي، تعني جريمة العدوان قيام شخص – أياً كان موقعه – بالتحكم في العمل السياسي أو العسكري للدولة أو من توجيه هذا العمل – بتخطيط أو إعداد أو بدء أو تنفيذ عمل عدواني، مما يشكل بحكم طابعه وخطورته ونطاقه انتهاكاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة “.
2- الركن المادي لجريمة العدوان:
يتمثل الركن المادي لجريمة العدوان بارتكاب أي فعل مادي محظور دولياً، والذي يرتكب من طرف أي شخص ويسبب اضطراباً في المجتمع الدولي، ويصيب المصالح الدولية أو يعرض السلم والأمن الدوليين للخطر والذي يعتبر عدوانا. ويشمل هذا الركن على الفعل والنتيجة والعلاقة السببية بينهما:
1-الفعل: يراد بالفعل بصورة عامة كأحد عناصر الركن المادي لجريمة العنوان السلوك الإجرامي في جريمة العدوان الخاص بالدولة والخاص بالفرد. ويتمثل الفعل في سلوك دولة أو مجموعة دول، ويظهر بإحدى صورتين إيجابية أو سلبية، ويتمثل السلوك الإيجابي بقيام الدولة باستخدام القوة بقصد تحقيق نتيجة، يحظر القانون الدولي الجنائي أو العرف الدولي حدوثها. أما السلوك السلبي، فيتمثل في امتناع الدولة عن القيام بعمل يأمر القانون بإتيانه، مما يترتب عليه عدم تحقيق نتيجة بأمر القانون بتحقيقها.
طبقاً لأحكام المادة (8) من نظام روما الأساسي يقوم الركن المادي لجريمة العدوان فيما يتعلق بالصورة الإيجابية على فعل العدوان ويأخذ الأشكال التالية:
-
إلقاء القنابل واستخدام الأسلحة من قبل دولة ضد دولة أخرى.
-
الهجوم المسلح والغزو والاحتلال والضم من قبل قوات مسلحة لدولة ما ضد إقليم دولة أخرى.
-
ضرب حصار على موانئ دولة ما على سواحلها من قبل القوات المسلحة الدولة أخرى.
-
قيام قوات مسلحة لدولة بهجوم على القوات البرية، البحرية، الجوية لدولة ما.
-
قيام دولة ما باستعمال قواتها المسلحة الموجودة داخل الايم دولة أخرى بموافقة الدولة المضيفة، بوجه يتعارض مع الشروط التي ينص عليها الاتفاق أو أي تمديد لوجودها في الأقاليم المذكورة ما بعد نهاية الاتفاق.
-
قيام دولة بوضع إقليمها تحت تصرف دولة أخرى لارتكاب فعل العدوان على دولة ثالثة.
-
القيام بعدوان بإرسال عصابات مسلحة أو مرتزقة من طرف دولة ما.
-
أما بالنسية لسلوك الفرد المجرم قانوناً، والذي يعتبر جريمة العدوان وفقاً للتعديل المقرر بموجب (كمبالا) يتمثل هذا السلوك، فيما يلي([14]):
-
قيام مرتكب الجريمة بتخطيط فعل عدواني أو بإعداده أو بدئه أو تنفيذه.
-
كون مرتكب الجريمة شخص في وضع يمكنه التحكم فعلاً في العمل السياسي أو العسكري الدولة التي ارتكبت العمل العدواني أو من توجيه هذا العمل.
-
ارتكاب العمل العدواني المتمثل في استعمال القوة من جانب دولة ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي أو بأي صورة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة.
-
العمل العدواني يشكل بحكم طابعه وخطورته ونطاقه انتهاكاً واضحا لميثاق الأمم المتحدة.
-
كون مرتكب الجريمة مدركا للظروف الواقعية التي اثبت هذا الانتهاك الواضح لميثاق الأمم المتحدة.
-
أن تكون جريمة العنوان تنطوي على الخطورة أو الجسامة بمقارنتها أو مساومتها بحرب معلنة أو غير معلنة([15]).
3- الركن المعنوي لجريمة العدوان
تعتبر جريمة العدوان من الجرائم القصدية التي يشترط لقيامها توافر القصد الجنائي، فلا تقع هذه الجريمة إذا ارتكبت فعل العنوان بخطأ غير مقصود، وتوافر القصد الجنائي يعني أن من يأمر بهذه الجريمة يعلم أنه بعمله هذا يعتدي على سيادة دولة أخرى وأنه يريد هذا الاعتداء، فإن كان يجهل ذلك أو قام بعمله جبراً فلا عدوان عليه.
يراد بالقصد الجنائي عموماً انصراف إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريمة مع علمه بتوافر عناصرها القانونية، وفي إطار جريمة العدوان فإن القصد الجنائي يتمثل في نية المساس بالمصلحة الدولية أي الإخلال بالسلم والأمن الدوليين. ويجب توفر عنصرين في القصد الجنائي وهما العلم والإرادة، فالعلم أن يكون الجاني على علم وقت ارتكابه السلوك المادي لهذه الجريمة، أما الإرادة فتطلب أن يكون الجاني حراً ومختاراً بعيدا عن أي إكراه أو غلط في ارتكابه للركن المادي لهذه الجريمة، فإذا انتفت الإرادة إليه انتقى القصد الجنائي ولم تقم الجريمة في حقه، ويجب أن يكون للجاني إرادة في تحقيق نتيجة إجرامية الجريمة العدوان. إذ لا تقوم جريمة العدوان إن قامت الدولة باستخدام القوات المسلحة بقصد الدفاع عن النفس أو التدخل العسكري حماية للإنسانية من أجل ممارسة حقها في تقرير المصير، والقصد المطلوب بشأن جريمة العدوان هو القصد الجنائي العام، فلا بشرط توافر القصد الجنائي الخاص أيضا. ويتكون القصد العام من علم وإرادة، علم بعناصر الجريمة أي علم الجاني بأن الفعل الذي سيقوم به غير مشروع ومن شأنه أن يؤدي إلى الاعتداء على سيادة دولة أخرى أو يمس استقلالها السياسي أو سلامتها الإقليمية أو أنه يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة، وأن يعلم الجاني أيضا أن الفعل الذي سيقوم به يؤدي إلى إنهاء العلاقة السلمية الودية بين دولته والدولة المعتدى عليها.
4- الركن الدولي لجريمة العدوان
يقصد به وجوب وقوع فعل العدوان باسم الدولة أو بناء على خطتها أو برضاها، وأن تصدر الأوامر المتضمنة شن الهجوم العسكري من السلطات العليا فيها، وقد يتخذ هذا الهجوم في صورة مباشرة أو غير مباشرة. ويعتبر هذا الركن العامل الأساسي للتمييز بين الجريمة الداخلية والجريمة الدولية. لا ريب أن جريمة العدوان جريمة دولية بطبيعتها نظراً لأنها غالبا ما تنشأ بين دولتين فأكثر، وبناءً على ذلك لا تعتبر جريمة حرب اعتداء باعتبارها جريمة دولية إذا تخلف ركنها الدولي، كما ولا يشترط لتوافر الركن الدولي أن تكون الدولة أو الدول المعتدية والدولة أو الدول المعتدى عليها دولاً ذات سيادة كاملة، إذ يتوافر هذا الركن وتقع جريمة حرب الاعتداء إذا وقع فعل العدوان بين دول ناقصة السيادة على أخرى كاملة السيادة أو من دولة كاملة السيادة على أخرى ناقصة السيادة([16])، وهو ما تم تأكيده في المؤتمر الاستعراضي والنص على أركان جريمة العدوان باشتراط: ارتكاب العمل العدواني المتمثل في استعمال القوة المسلحة من جانب دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي أو بأي صورة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة.
فمتى توافرت هذه الأركان تقوم جريمة العدوان، حيث تعتمد المحكمة الجنائية أساساً العدوان والمعاقبة عليه على نظامها الأساسي، وعلى أركان الجرائم التي صادقت عليها، كما تطبق أيضاً المعاهدات الواجبة التطبيق ومبادئ القانون الدولي وقواعده.
جريمة العدوان وصورها
تنقسم صور جريمة العدوان إلى العدوان المسلح الذي قوامه استخدام القوة المسلحة من قبل دولة أو مجموعة دول بصورة مباشرة أو غير مباشرة، والعدوان غير المسلح الذي يتم بوسائل غير عسكرية كالضغوط الاقتصادية، أو أعمال الدعاية الأيديولوجية الهدامة، وغيرها من السياسات التي قد تحقق هدف الاعتداء المصلح ذاته، بل وربما بصورة أشد قوة وأكثر خطورة.
1- العدوان المسلح
قد يتخذ العدوان المسلح إحدى الصورتين فهو إما أن يكون عدواناً مسلحاً مباشراً أو عدواناً مسلحاً غير مباشر ومعيار التمييز بينهما هو طبيعة القوات المستخدمة في مباشرة أعمال العدوان كما سنرى.
أ -العدوان المسلح المباشر: مما لا شك فيه أنه يصعب حصر وسائل وأشكال جريمة العدوان نظرا للتطور التكنولوجي السريع في الأسلحة والمعدات الحربية، لذلك ستدرج الصور التي جاء بها القرار رقم 3314 باعتباره التعريف المعمول به في تعديل نظام روما لتبيان أشكال جريمة العدوان المسلح المباشر المحددة وفق المادة ( 8 مكرر ) من الأركان التي نصت على أن صور العمل العدواني في الصور التي جاءت في الفترة الثانية من التعريف. إن أول هذه الصور هو غزو إقليم دولة من طرف دولة أخرى بقواتها المسلحة ولو بدون إعلان حرب وهو العمل السريع والخاطف الذي تقوم به دولة ضد دولة أخرى، وذلك بتسيير جيوشها المقاتلة داخل إقليم دولة معينة بقصد تحقيق هدف معين([17]).
كما يعد عملا عدوانياً ما ينتج من الهجوم أو الغزو من احتلال، وذلك عندما تتمكن القوات المعتدية من اقتحام الدولة المعتدى عليها، وهزيمة قواتها التي تصدت العدوان ثم الهيمنة على الإقليم أو جزء منه، وإقامة سلطة عسكرية للمحتل محل سلطة الحكومة الشرعية، والاحتلال يقوم على أساس له حالة فعلية أكثر منها حالة قانونية.
كذلك ويعتبر عملاً عدوانياً ايضاً، إذا تجاوزت الدولة المعتدية حالة الاحتلال ولجأت بإرادتها المنفردة إلى تقرير ض الإقليم المحتل، أو جزء منه إلى إقليمها واعتباره جزة لا ينفصل عنه، وأشارت المادة ( 8 مكررة ) من قرار تعريف العدوان، على أنه يعتبر عدواناً: “قيام القوات المسلحة لدولة ما بمهاجمة القوات المساحة البرية أو البحرية أو الجوية أو الأسطولين البحري والجوي الدولة أخرى “.
لقد خصت هذه الصورة الفقرة (د) من التعريف بأن العدوان الذي تقوم به دولة ضد الأسطول البري أو العسكري أو التجاري الدولة ما، ولا يشترط النص أن يكون الهجوم على إقليم دولة معينة بل من الممكن أن يكون في أعالي البحار كما لا يكون على إقليم دولة أخرى، مثل العدوان الذي قام به السلاح الأمريكي للطائرات من ضرب للطائرات الليبية.
إضافة لذلك من صور العنوان المسلح العاشر التي أشارت إليها نص المادة ( 8 مكررة) الفقرة الثانية من قرار تعريف العنوان : “قيام حواله ما باستعمال قواتها المسلحة الموجودة داخل إقليم دولة أخرى بموافقة الدولة المضيفة، على وجه يتعارض مع الشروط التي ينص عليها الإنفاق، أو أي تمديد لوجودها في الإقليم المذكور إلى ما بعد نهاية الاتفاق”.
أيضاً من أعمال العنوان المسلح المباشر التي أشارت إليها نص المادة ( 8 مكررة ) الفقرة الثانية (ب) من قرار تعريف العدوان :” قيام القوات المسلحة لدولة ما بقصف إقليم دولة أخرى بالقنابل، أو استعمال دولة ما أية أسلحة ضد إقليم دولة أخرى، وتشمل هذه الحالة ضرب مواقع أو أهداف معينة أو مناطق محددة في الدولة بقنابل أو عن طريق استعمال أي أسلحة أخرى مشابهة، أشارت المادة (8 مكررة) الفقرة الثانية (ج) من قرار تعريف العدوان إلى أنه يعتبر عدواناً: “ضرب حصار على الموانئ دولة ما أو على سواحلها من قبل القوات المسلحة الأخرى”. ويتوافر فعل العنوان في هذه الحالة من مجرد حصار فقط، دون أن تصاحبه أعمال عسكرية أخرى. والحصار هو تطويق القوات المسلحة لدولة، الميناء أو الشواطئ لدولة أخرى من جميع الجهات، والتحكم التام في الدخول والخروج منه.
أخيراً إن آخر صور العدوان المسلح المباشر التي أشارت إليها المادة ( 8 مكررة ) الفقرة الثانية (و) من قرار تعريف العدوان: “سماح دولة ما وضعت إقليمها تحت تصرف، دولة أخرى بأن تستخدمه هذه الدولة الأخرى لارتكاب عمل عدواني هدد دولة ثالثة.
ب– العدوان المسلح غير المباشر:
بعد أن حظر قرار تعريف العدوان في المادة (8 مكررة) الفقرة الثانية، العنوان المسلح بجميع صوره وأشكاله، عاد ليؤكد بصورة صريحة على حظر العنوان المسلح غير المباشر وذلك في إطار نفس المادة (ز) والتي اعتبرت من قبيل العدوان: “ارسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة من جانب دولة ما أو باسمها تقوم مند دولة أخرى بأعمال من أعمال القوة المسلحة تكون من الخطورة بحيث تعادل الأعمال، أو اشتراك الدولة بدور ملموس في ذلك([18]).
2- العدوان غير المسلح
تغيرت الأساليب التي تستعملها الدول من أجل تحقيق أهدافها ولم يعد اللجوء إلى القوة المسلحة الوسيلة الأبرز للعدوان بل ظهرت أشكال جديدة منها العدوان الاقتصادي إذ يعد اللجوء إلى الضغوطات الاقتصادية أهمها، أو قد يكون عدواناً يستهدف الفكر والنيل من مشاعر المخاطبين وهو عدوان أيديولوجي أو باستخدام الوسائل الحديثة في الاتصالات التي خلقت قضاة افتراضيا وهو ما يسمى بالحرب الإلكترونية.
-
العدوان الاقتصادي: يعرف العنوان الاقتصادي بأنه: التدابير الاقتصادية المتخذة من قبل دولة لأغراض سياسية موجهة ضد الاستقلال السياسي الدولة أخرى، بفرض السيطرة عليها وحرمانها من منابع ثرواتها الاقتصادية الضرورية لبناء اقتصادها. ويعتبر العنوان الاقتصادي مخالفة للموص المعاهدات والمواثيق الدولية. باعتبار أن العدوان الاقتصادي يحمل نفس خصائص العدوان المسلح، ويميزه فقط بعدم استخدام القوة بصوره، فقد جاء في إعلان المبادئ للقانون الدولي التي تحكم علاقات الصداقة والتعاون بين الدول أن الجمعية العامة تؤكد الالتزام الملقي على عاتق الدول بالامتناع في العلاقات الدولية من اللجوء إلى إجراءات السرية عسكرية كانت أم سياسية، وقد يكون العدوان الاقتصادي أكبر تأثيراً من العدوان المسلح إذا طال أمده:.
-
جريمة الدعاية الإعلامية لحرب الاعتداء: تعرف الدعاية الحرب الاعتداء بأنها : “اللجوء إلى ضغوط منظمة للتأثير في عقلية الشعب أو القادة باتجاه نزاع دولي مسلح([19])، وهي تمثل عدوان غير مباشر يتسم بطابعه الفكري، وقد تستغل وسائل الإعلام في الدعاية للحرب العدوانية، بأن نوجه الجمهور وتعبي الرأي العام ضد السلام، وبث روح العداوة بين الشعوب وتوجيهه صوب الحروب العدوانية.
كما وكانت الدعاية لحرب الاعتداء في السابق مشروعة ولا يوجد أي تشريعات أو معاهدات دولية تحزم هذا العدوان، غير أن المجتمع الدولي اتجه منذ عهد عصبة الأمم إلى حظرها نظراً لخطورتها وتأثيرها على مستقبل السلام العالمي. وقد كان للأمم المتحدة دور فعال في تحريم العنوان الفكري، وذلك عن طريق إصدار القرارات التي تدعوا وتدين مثل هذا العدوان، أو أي شكل آخر من أشكال هذا العدوان سواء بالوسائل المسموعة أو المقروءة.
فقد تم وضع المبادئ الأولى بصورة حقيقة لجريمة العدوان بعد محاكمات (نورمبرغ وطوكيو)، كما تم تقنينها على أساس جريمة دولية، بعد مناداة عديدة من قبل الفقهاء ومجهودات جباره بذلتها الدول من أجل ذلك وتقرر تعريفها بصورة جلية بعد إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة، وتعتبر جريمة العدوان من أخطر الجرائم الدولية وأكثرها جسامة ومساسا بالسلم والأمن الدوليين، وهي موضع اهتمام المجتمع الدولي ككل من خلال ما خلفته هذه الجريمة من آثار سلبية ومادية عبر التاريخ، ويؤكد ذلك ما مرت به هذه الجريمة من تطور وبحث من أجل تحديد تعريف لها وضبط أحكام مكافحتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ونشأة هيئة الأمم المتحدة.
لقد أثار موضوع تعريف العدوان جدلاً كبيراً، وبعد ظهور الأمم المتحدة ظهر اتجاهين، الاتجاه الأول المعارض لتعريف العدوان والذي تزعمته الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة رأى أهمية عدم الخوض في تعريف العدوان، وترك الأمر لتقدير مجلس الأمن الدولي، ورأى الاتجاه الثاني بزعامة روسيا ضرورة من المنوي وضع تعريف للعدوان، وتم التوصل في الأخير إلى إدراج جريمة العدوان في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية عن طريق التوصل إلى اتفاق حول التعريف وأصبحت واحدة من الجرائم الدولية التي تدخل في اختصاص المحكمة منذ كانون الأول 2017، أي اتخذت جمعية الدول الأطراف في نظام روما قراراً بتفعيل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية على جريمة العدوان.
أولاً_ النتائج
1- تمكن المجتمع الدولي من التوصل إلى تعريف نهائي لجريمة العدوان، بعد سنوات طويلة من العمل المستمر منذ الحرب العالمية الثانية، فلم تتوقف الجهود الحثيثة للتوصل إلى هذا المنجز الذي انتظرته البشرية منذ عقود.
2_ تعتبر المحكمة الجنائية الدولية صاحبة الدور الأكبر في التوصل إلى تعريف جريمة، فمنذ إنشائها وهي تحاول التوصل إلى تعريف هذه الجريمة وضمها إلى الجرائم الدولية لكي تتمكن من ملاحقة مرتكبيها.
-
يلعب مجلس الأمن دوراً مؤثراً في تفعيل اختصاص المحكمة، الأمر الذي يضفي بعداً سياسياً على عملها.
-
إن ممارسة المحكمة لاختصاصها في جرائم العدوان تخضع لقيود قانونية وسياسية، مما يحدّ من فاعليتها العملية.
ثانياً_ التوصيات
1- يجب إبعاد أي معوقات أما المحكمة الجنائية الدولية لكي يتسنى لها ممارسة دورها القضائي في مكافحة وملاحقة جريمة العدوان من خلال تعديل الفقرة(6) من المادة(15) مكرر من النظام الأساسي للمحكمة.
2- إنشاء جهاز تنفيذي للمحكمة الجنائية الدولية لتنفيذ القرارات والأحكام الصادرة عنها بسبب عدم تعاون الأطراف وغير الأطراف في القبض على المتهمين وتسليمهم إلى المحكمة، إذ تعد هذه المشكلة من أكبر المشاكل التي تعيق عمل المحكمة.
3_ إعادة النظر في دور مجلس الأمن بما يضمن عدم عرقلة عمل المحكمة وتحقيق العدالة الدولية بصورة أكثر فاعلية.
أبو رجب، محمد صالح. (2011). المسؤولية الجنائية الدولية للقادة. القاهرة، مصر: دار النهضة العربية للنشر والتوزيع.
Abu Rajab, Mohammed Saleh. (2011). The International Criminal Responsibility of Leaders. Cairo, Egypt: Dar Al-Nahda Al-Arabiya for Publishing and Distribution.
الدراجي، إبراهيم زهير. (2002). جريمة العدوان ومدى المسؤولية القانونية الدولية عنها. أطروحة دكتوراه، كلية القانون، جامعة عين شمس، القاهرة، مصر.
Al-Darraji, Ibrahim Zuhair. (2002). The Crime of Aggression and the Extent of International Legal Responsibility for It. PhD Dissertation, Faculty of Law, Ain Shams University, Cairo, Egypt.
السعدي، عباس هاشم. (2002). مسؤولية الفرد الجنائية عن الجريمة الدولية. الطبعة الأولى. الإسكندرية، مصر: دار المطبوعات الجامعية.
Al-Saadi, Abbas Hashim. (2002). Individual Criminal Responsibility for International Crime. 1st ed. Alexandria, Egypt: Dar Al-Matbouat Al-Jami’iya.
سرور، طارق. (2006). الاختصاص الجنائي العالمي. القاهرة، مصر: دار النهضة العربية.
Sorour, Tarek. (2006). Universal Criminal Jurisdiction. Cairo, Egypt: Dar Al-Nahda Al-Arabiya.
عالية، سمير. (2022). القانون الدولي الجزائي: نظام المحكمة الجنائية الدولية. الطبعة الأولى. بيروت، لبنان: منشورات الحلبي الحقوقية.
Alia, Samir. (2022). International Criminal Law: The Statute of the International Criminal Court. 1st ed. Beirut, Lebanon: Al-Halabi Legal Publications.
عبد الغني، محمد عبد المنعم. (2007). الجرائم الدولية: دراسة في القانون الجنائي الدولي. الطبعة الأولى. الإسكندرية، مصر: دار الجامعة الجديدة للنشر.
Abdel Ghani, Mohamed Abdel Moneim. (2007). International Crimes: A Study in International Criminal Law. 1st ed. Alexandria, Egypt: Dar Al-Jami’a Al-Jadida for Publishing.
القهوجي، علي عبد القادر. (2001). القانون الدولي الجنائي: أهم الجرائم الدولية والمحاكم الدولية الجنائية. بيروت، لبنان: منشورات الحلبي الحقوقية.
Al-Qahwaji, Ali Abdel Qader. (2001). International Criminal Law: The Most Important International Crimes and International Criminal Courts. Beirut, Lebanon: Al-Halabi Legal Publications.
خليل، ضاري محمود. (2000). المبادئ الجنائية العامة في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. مجلة دراسات قانونية، بيت الحكمة، السنة الأولى، العدد (2)، بغداد، العراق.
Khalil, Dhari Mahmoud. (2000). General Criminal Principles in the Statute of the International Criminal Court. Legal Studies Journal, Bayt Al-Hikma, 1st year, Issue (2), Baghdad, Iraq.
حمدي، صلاح الدين أحمد. (2014). العدوان في ضوء القانون الدولي العام. بيروت، لبنان: منشورات زين الحقوقية.
Hamdi, Salah El-Din Ahmed. (2014). Aggression in Light of Public International Law. Beirut, Lebanon: Zain Legal Publications.
المواثيق والاتفاقيات الدولية
الأمم المتحدة. (1948). اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، اعتمدت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 260 (د-3)، بتاريخ 9 كانون الأول/ديسمبر 1948، ودخلت حيز النفاذ في 12 كانون الثاني/يناير 1951.
United Nations. (1948). Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide, adopted by United Nations General Assembly Resolution 260 (III) on 9 December 1948, entered into force on 12 January 1951.
الأمم المتحدة. (1998). نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، اعتمد في روما بتاريخ 17 تموز/يوليو 1998، ودخل حيز الن/فاذ في 1 تموز/يوليو 2002.
United Nations. (1998). Rome Statute of the International Criminal Court, adopted in Rome on 17 July 1998, entered into force on 1 July 2002.
Margins:
-
() سمير عاليه، القانون الدولي الجزائي- نظام المحكمة الجنائية الدولية، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، 2022، ص63. ↑
-
() منتصر سعيد حمودة، المحكمة الجنائية الدولية – النظرية العامة للجريمة الدولية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2006، ص17. ↑
-
() فتوح الشاذلي، القانون الجنائي الدولي، الكتاب الأول، درار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، مصر، 2001، ص 252-253. ↑
-
() سمير عالية، القانون الدولي الجزائي- نظام المحكمة الجنائية الدولية، المرجع السابق، ص68. ↑
-
() طارق سرور، الاختصاص الجنائي العالمي, دار النهضة العربية, القاهرة، 2006، ص109. ↑
-
() ابراهيم زهير الدراجي، جريمة العدوان ومدى المسؤولية القانونية الدولية منها، أطروحة دكتوراه، كلية القانون، جامعة عين شمس، 2002، ص120. ↑
-
() سفيان حمروش، النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، رسالة ماجستير، كلية الحقوق والعلوم الإدارية، جامعة الجزائر، الجزائر، 2003، ص 161- 163. ↑
-
() الفقرة (4) من المادة (3) من اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، والتي تعاقب على محاولة ارتكاب الإبادة. ↑
-
() علي عبد القادر القهوجي، علي عبد القادر القهوجي، القانون الدولي الجنائي، بيروت، لبنان، منشورات الحلبي الحقوقية، ط1، 2001، ص58. ↑
-
() عبد الجبار رشيد الجميلي، جرائم الإرهاب الدولي في ضوء اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ط1، منشورات الحلبي، لبنان، 2015، ص 45. ↑
-
() ياسر علي حمدان الجبوري، المحاكم الجنائية الوطنية ذات الطابع الدولي، ط (1)، المؤسسة الحديثة للكتاب، لبنان، 2016، ص 85. ↑
-
() سمير عالية، القانون الدولي الجزائي- نظام المحكمة الجنائية الدولية، المرجع السابق، ص165. ↑
-
() شريف سيد كامل، اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 2006، ص 64. ↑
-
() المادة (8/أ) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998. ↑
-
() محمد صالح أبو رجب، المسؤولية الجنائية الدولية للقادة، دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2011، ص441. ↑
-
() محمد عبد المنعم عبد الغني، الجرائم الدولية- دراسة في القانون الجنائي، دار الجامعة الجديدة للنشر، مصر، 2007، ص723. ↑
-
() صلاح الدين أحمد حمدي، العدوان في ضوء القانون الدولي العام، منشورات زين الحقوقية، بيروت، لبنان، 2014، ص104. ↑
-
()المادة ( 8 ) الفقرة الثانية من قرار جمعية الدول الأطراف لتعريف العدوان رقم : 6.Res / RC لعام 2010. ↑
-
()عباس هاشم السعدي، مسؤولية الفرد الجنائية عن الجريمة الدولية، الطبعة الأولى، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، مصر،2002، ص75. ↑