العنف الالكتروني وعلاقته بالحصانة النفسية لدى طلبة المدارس في منطقة المثلث والنقب: دراسة بالمنهج المختلط

لبنى حاج يحيى1، علياء الكمالات1، نسرين حاج يحيى1

1 جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين.

بريد الكتروني الباحث المراسل: lulu8126@gmail.com

Cyberbullying and Its Relationship to Psychological Immunity among School Students in the Triangle and Negev Region: A Mixed-Methods Study

Lubna Haj Yahya1, Alia Al-Kamalat1, Nasreen Haj Yahya1

1 An-Najah National University, Nablus, Palestine. Corresponding author
email: lulu8126@gmail.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj74/19

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/74/19

المجلد (7) العدد (4). الصفحات: 272 - 287

تاريخ الاستقبال: 2026-02-12 | تاريخ القبول: 2026-02-19 | تاريخ النشر: 2026-03-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: هدفت هذه الدراسة إلى الكشف عن العلاقة بين العنف الإلكتروني والحصانة النفسية لدى طلبة المرحلة الثانوية في منطقة المثلث والنقب، من خلال توظيف المنهج المختلط الذي جمع بين البعدين الكمي والنوعي. تكوّنت العينة الكمية من (300) طالب وطالبة، إلى جانب عينة قصدية نوعية من طلبة مثّلوا مستويات مختلفة من التعرض للعنف الإلكتروني والحصانة النفسية. أظهرت النتائج تمتع أداة الدراسة بدرجات مرتفعة من الثبات، كما بينت أن مستوى التعرض للعنف الإلكتروني جاء منخفضًا إلى متوسط، في حين ظهرت الحصانة النفسية لدى الطلبة بمستوى مرتفع نسبيًا. وكشفت النتائج النوعية أن الطلبة يواجهون العنف الإلكتروني من خلال استراتيجيات متعددة، من أبرزها التجاهل، والحظر، وطلب الدعم من الأسرة والأصدقاء والمدرسة. كما أوضحت الدراسة أن الدعم الأسري والاجتماعي، والعلاقات الإيجابية، والشعور بالأمان المدرسي تمثل عوامل أساسية في تعزيز الحصانة النفسية والحد من الآثار السلبية للعنف الإلكتروني. وتؤكد الدراسة أهمية بناء برامج تربوية وإرشادية متكاملة لتعزيز الحصانة النفسية، والوقاية من العنف الإلكتروني في البيئة المدرسية.

الكلمات المفتاحية: العنف الإلكتروني، الحصانة النفسية، طلبة المرحلة الثانوية، البيئة الرقمية، الدعم الأسري والاجتماعي.

Abstract: This study aimed to examine the relationship between cyberbullying and psychological immunity among secondary school students in the Triangle and Negev region using a mixed-methods approach that integrated both quantitative and qualitative dimensions. The quantitative sample consisted of 300 male and female students, in addition to a purposive qualitative sample representing different levels of exposure to cyberbullying and psychological immunity. The findings showed that the study instrument demonstrated high reliability. The results also indicated that the level of exposure to cyberbullying ranged from low to moderate, whereas students’ psychological immunity appeared to be relatively high. The qualitative findings revealed that students cope with cyberbullying through a variety of strategies, most notably ignoring, blocking, and seeking support from family, friends, and the school. The study further showed that family and social support, positive relationships, and a sense of school safety are key factors in strengthening psychological immunity and reducing the negative effects of cyberbullying. The study emphasizes the importance of developing integrated educational and counseling programs to enhance psychological immunity and prevent cyberbullying within the school environment.

Keywords: Cyberbullying, Psychological Immunity, Secondary School Students, Digital Environment, Family and Social Support.

المقدمة

في عصر باتت فيه التكنولوجيا تتجذر في تفاصيل الحياة اليومية وتشكل لغة التواصل للأجيال، تحولت منصات التواصل الاجتماعي الى ساحات تواصل وتفاعل واسعة تتجاوز حدود المكان والزمان. وبينما أطلقت هذه الثورة الرقمية إمكانات هائلة للتعلم والانفتاح والتواصل والتطور فقد افرزت في المقابل ظواهر اجتماعية جديدة ومن أبرزها العنف الالكتروني؛ ذلك الوجه الخفي للعنف الذي يمارس عبر الشاشات، فيغرس في النفوس الما صامتا لا ترى آثاره بالعين، لكنها تحس في أعماق النفوس.

لقد أصبح العنف الالكتروني من أكثر القضايا التربوية والنفسية حضورا، خاصة بين طلبة المدارس، حيث شهد العالم المعاصر انفجارا رقميا غير مسبوق غيّر أنماط الحياة والتفاعل الاجتماعي، وخلق فضاءات جديدة للتواصل عبر الإنترنت. ومع هذه الثورة التكنولوجية الهائلة، برزت ظواهر سلوكية حديثة، من أبرزها العنف الإلكتروني (Cyberbullying) الذي يُعد أحد التحديات التربوية والنفسية الأخطر في القرن الحادي والعشرين .(Arif et al., 2024؛ (WHO, 2024).

ويُعرف العنف الالكتروني بأنه استخدام مقصود ومتكرر للتكنولوجيا الرقمية بهدف إيذاء الآخرين أو تهديديهم أو تشويه سمعتهم أو استبعادهم اجتماعيا عبر الفضاء الالكترون، (Smith et al., 2018).وقد أوضحت دراسات حديثة أنّ هذا النمط من العنف يتخذ أشكالًا متعددة، منها السخرية، التشهير، انتحال الهوية، والإقصاء من المجموعات الافتراضية، وهي سلوكيات تترك آثارًا نفسية أعمق من العنف الوجاهي التقليدي

(Jeries-Loulou et al., 2024).

أشارت منظمة الصحة العالمية (WHO, 2024) في تقريرها الأخير إلى أن نحو واحد من كل ستة طلاب حول العالم يتعرض للعنف الإلكتروني، وأن التعرض له يرتبط ارتباطًا وثيقًا بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب وضعف الدافعية المدرسية. وتدعم مراجعات منهجية حديثة (Arif et al., 2024؛ Ma et al., 2024) هذه النتائج، إذ تؤكد أن ضحايا العنف الإلكتروني يعانون مستويات مرتفعة من التوتر النفسي، واضطرابات النوم، والعزلة الاجتماعية، مقارنة بغيرهم من الطلبة.

في السياق العربي، أظهرت دراسات ميدانية أُجريت في المدارس العربية داخل الخط الأخضر (Jeries-Loulou et al., 2024؛ Open University of Israel, 2024) أن ظاهرة العنف الإلكتروني تتقاطع مع العنف المدرسي الواقعي، وأن الطلبة العرب يُظهرون ترددًا في الإبلاغ عن الإساءة الإلكترونية بسبب الخوف من الوصم أو نقص الثقة بالجهات المدرسية. هذه المعطيات تعزز أهمية إجراء دراسات ميدانية عربية تركّز على العلاقة بين العنف الإلكتروني والصحة النفسية في البيئة التعليمية العربية.

أما الصحة النفسية، فهي حجر الأساس في بناء الشخصية السليمة والمتوازنة، وتشمل الإحساس بالرضا، والثقة بالذات، والقدرة على مواجهة الضغوط الحياتية .(Goldberg, 2019) وقد بيّنت منظمة الصحة العالمية (who,2025) أن الاضطرابات النفسية تمثل اليوم أحد أبرز مسبّبات العلّة لدى المراهقين، وأن للعوامل البيئية والاجتماعية – وعلى رأسها العنف الرقمي – أثرًا مباشرًا على جودة حياة الطلبة. كما أكدت التقارير الدولية أن العوامل البيئية والاجتماعية – وعلى رأسها العنف الرقمي – تُعد من أبرز محددات الصحة النفسية للمراهقين في المدارس (WHO, 2025)؛( Hinduja & Patchin, 2021).

وانطلاقًا من واقع المدارس العربية في منطقة المثلث، التي تشهد انخراطًا متزايدًا لطلبتها في البيئات الرقمية، برزت الحاجة إلى دراسة علمية منهجية تُسهم في فهم هذه الظاهرة وتحديد آثارها النفسية. وقد لاحظت الباحثات، من خلال عملهما التربوي اليومي، أن بعض الطلبة يُظهرون مؤشرات قلق وانعزال وضعف انتماء مدرسي نتيجة تجاربهم السلبية عبر الشبكات الاجتماعية.

من هنا جاءت هذه الدراسة بعنوان: العنف الالكتروني وعلاقته بالحصانة النفسية لدى طلبة المدارس في منطقة المثلث والنقب – دراسة بالمنهج المختلط وذلك بهدف الكشف عن مدى انتشار هذه الظاهرة، وتحديد طبيعة العلاقة بين العنف الإلكتروني والصحة النفسية لدى الطلبة، وتقديم توصيات علمية وتربوية تسهم في بناء بيئة رقمية آمنة وصحية نفسيًا.

الدراسات السابقة

شهدت العقود الأخيرة تطورًا متسارعًا في استخدام التقنيات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي بين المراهقين، الأمر الذي أفرز أنماطًا جديدة من السلوك العدواني، أبرزها العنف الإلكتروني أو ما يُعرف بـ التنمر الإلكتروني. وقد أثارت هذه الظاهرة اهتمامًا متزايدًا لدى الباحثين لما تتركه من آثار نفسية واجتماعية خطيرة على فئة الشباب، خاصة طلبة المرحلة الثانوية الذين يمرّون بمرحلة حساسة من النمو الانفعالي والاجتماعي. وتنوعت الدراسات في هذا المجال بين دراسات وصفية تحليلية، ومراجعات منهجية، وأخرى تجريبية هدفت إلى الكشف عن الارتباط بين العنف الإلكتروني ومؤشرات الصحة النفسية كالاكتئاب والقلق والانسحاب الاجتماعي وضعف التكيف.

في هذا السياق، أجرى بانسال وزملاؤه (Bansal et al., 2024) تحليلًا ببليوغرافيًا شاملًا للدراسات العلمية التي تناولت العنف الإلكتروني وعلاقته بالصحة النفسية خلال العقدين الماضيين، مستخدمين منهج التحليل الكمي للمؤلفات العلمية المنشورة في قواعد البيانات العالمية. أظهرت نتائجهم أن عدد الأبحاث المتعلقة بالموضوع شهد ارتفاعًا كبيرًا بعد عام 2018، إذ ركّزت غالبية الدراسات على الآثار النفسية المترتبة على التعرض للعنف الإلكتروني، خاصة الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم. كما بين التحليل أن أغلب الدراسات أُجريت في البيئات الغربية، بينما تظل الأبحاث في السياقات الثقافية العربية محدودة نسبيًا. وأوصى الباحثون بضرورة توسيع نطاق الدراسات في الدول النامية لتشمل الأبعاد الثقافية والاجتماعية للعنف الإلكتروني، وبأن يُنظر إلى الظاهرة كقضية صحة عامة لا مجرد مشكلة سلوكية.

أما دراسة كومار وزملاؤه (Kumar et al., 2020) فقد جاءت لتقدّم مراجعة نقدية للأدبيات ذات الصلة بالعنف الإلكتروني في أوساط المراهقين، من خلال تحليل الدراسات النفسية والتربوية التي تناولت الظاهرة من منظور سلوكي وعاطفي. وتوصّلت الدراسة إلى أن التعرض المتكرر للعنف الإلكتروني يرتبط ارتباطًا إيجابيًا بدرجات عالية من الاكتئاب والتوتر وانخفاض الثقة بالنفس، كما يؤدي إلى تراجع الدافعية الأكاديمية والقدرة على التفاعل الاجتماعي الإيجابي. وأكد الباحثون أن المراهقين الضحايا غالبًا ما يطورون استجابات تجنّبية وانعزالية، ما يزيد من احتمالية تعرضهم لمشكلات نفسية مزمنة. ومن أهم ما أوصت به الدراسة هو إدراج التربية الرقمية والوعي بأمن الإنترنت ضمن البرامج التعليمية، وتدريب المعلمين على رصد السلوك العدواني في البيئات الرقمية.

وفي دراسة وطنية موسعة، قامت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC, 2024) بتحليل بيانات مسح سلوكيات الشباب في المدارس الثانوية الأمريكية (YRBS)، والذي شمل آلاف الطلبة من مختلف الولايات. أظهرت النتائج أن ما يقارب ثلث الطلبة أفادوا بتعرضهم لشكل من أشكال العنف الإلكتروني خلال العام الدراسي، وأن الإناث أكثر تعرضًا من الذكور. كما بينت النتائج وجود علاقة ذات دلالة إحصائية بين كثرة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وزيادة معدلات الاكتئاب والشعور بالحزن واليأس وأفكار الانتحار. وأكد التقرير على أن ظاهرة العنف الإلكتروني أصبحت عامل خطر رئيسيًا على الصحة النفسية للمراهقين، ودعا إلى تطوير برامج مدرسية وطنية تهدف إلى تعزيز التوازن الرقمي لدى الشباب.

في المقابل، قدّمت دراسة ناغاتا وزملاؤه (Nagata et al., 2025) تحليلًا منهجيًا حديثًا نُشر في مجلة The Lancet، ركّز على العلاقة بين التنمر الإلكتروني وتعاطي المواد والإضرابات النفسية. واستندت الدراسة إلى مراجعة منهجية وتحليل تلوي (Meta-analysis) لنتائج أكثر من خمسين دراسة دولية. وأوضحت النتائج أن التعرض للعنف الإلكتروني يُضاعف احتمالية الإصابة بالاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل، كما يرتبط بزيادة مخاطر تعاطي المواد والإدمان على الإنترنت. وأشارت النتائج أيضًا إلى أن غياب الدعم الأسري وضعف التواصل بين الوالدين والمراهقين يمثلان عوامل مضاعفة للأثر النفسي السلبي، مما يجعل من الدعم الأسري عاملًا وقائيًا أساسيًا في الحد من الظاهرة.

أما في السياق العربي، فقد تناولت لافي الحربي (2025) موضوع تأثير التنمر الإلكتروني على طلبة التعليم العام في المملكة العربية السعودية في دراسة ميدانية اعتمدت المنهج الوصفي الارتباطي على عينة بلغت (1222) طالبة من مدارس التعليم العام في مكة المكرمة. توصلت الدراسة إلى وجود علاقة موجبة دالة إحصائيًا بين التعرض للتنمر الإلكتروني ومستوى الانسحاب الاجتماعي، كما بينت وجود فروق ذات دلالة تبعًا للصف الدراسي لصالح طالبات الصفوف العليا. وأوصت الباحثة بضرورة تنفيذ حملات توعية رقمية وإشراك الأهل في برامج وقائية تعزز السلوك الأخلاقي في الفضاء الإلكتروني. وتُعد هذه الدراسة من أوائل البحوث العربية التي تناولت الظاهرة على نطاق ميداني واسع.

وفي إطار متقارب، بحث عبد المعطي (2024) العلاقة بين العنف الإلكتروني والأمن النفسي والمرونة النفسية لدى المراهقين، مستعملًا أدوات مقننة ومقاييس للمرونة والأمن النفسي على عينة من طلبة المدارس. أظهرت النتائج أن زيادة التعرض للعنف الإلكتروني تؤدي إلى انخفاض واضح في الشعور بالأمن النفسي والقدرة على التكيف مع المواقف الضاغطة، بينما تعمل المرونة النفسية كعامل وسيط يخفف من التأثير السلبي للعنف الإلكتروني على الصحة النفسية. وقد أكدت الدراسة أهمية تبني المدارس برامج تعزيز المرونة النفسية، وتشجيع الطلبة على تبني استراتيجيات مواجهة إيجابية.

كما قدّم جمعة العسلي (2023) دراسة ميدانية هدفت إلى الكشف عن العلاقة بين التنمر الإلكتروني والاكتئاب لدى طلبة المرحلة الثانوية. استخدم الباحث المنهج الوصفي التحليلي وطبّق مقياس التنمر الإلكتروني ومقياس بيك للاكتئاب على عينة مكوّنة من (353) طالبًا وطالبة. أظهرت النتائج أنّ نسبة انتشار العنف الإلكتروني بلغت نحو (37.8%)، وأن هناك علاقة ارتباطية موجبة قوية بين درجة التعرض للتنمر الإلكتروني ومستوى الاكتئاب، مع فروق دالة تبعًا للجنس لصالح الإناث. وأكدت النتائج على خطورة الظاهرة ودعت إلى دمج خدمات الدعم النفسي في المدارس الثانوية بشكل مؤسسي.

وفي دراسة عربية أخرى منشورة في قاعدة “منظومة” (Mandumah) عام 2023، تناول الباحث نماذج العنف الإلكتروني بين طلبة المرحلة الثانوية في ضوء العوامل الاجتماعية والأسرية. اعتمدت الدراسة المنهج المسحي على عينة من (400) طالب وطالبة، وكشفت النتائج أن أكثر أشكال العنف شيوعًا هو الإساءة اللفظية والسخرية عبر تطبيقات التواصل، تليها نشر الشائعات والابتزاز الإلكتروني. كما بينت الدراسة أن ضعف الرقابة الأبوية والانغماس المفرط في الألعاب الإلكترونية العنيفة يسهمان في زيادة احتمالية ممارسة العنف الإلكتروني أو الوقوع ضحية له. وقد شددت على أهمية التوعية الأسرية والمدرسية المشتركة للحد من انتشار الظاهرة.

من خلال استعراض هذه الدراسات، يتضح أن العنف الإلكتروني يمثل تهديدًا حقيقيًا للصحة النفسية لدى فئة المراهقين في مختلف البيئات الثقافية. وتجمع معظم الأدبيات على أن هناك علاقة طردية بين التعرض للعنف الإلكتروني وارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية مثل القلق والاكتئاب والعزلة الاجتماعية. كما تشير البحوث إلى اختلاف في أنماط التأثر تبعًا لمتغيرات الجنس، والعمر، ونمط استخدام الإنترنت، ومستوى الدعم الأسري والمدرسي. وفي الوقت نفسه، تُظهر الدراسات العربية حاجة ملحّة إلى مزيد من البحوث المحلية التي تراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية، إذ غالبًا ما تعتمد هذه الدراسات على أدوات أجنبية مترجمة، بينما تفتقر البيئات العربية إلى مقاييس محلية معيارية تقيس أبعاد العنف الإلكتروني بدقة.

التعقيب على الدراسات السابقة

يتضح من خلال استعراض الدراسات السابقة أن العنف الإلكتروني بات يشكّل ظاهرة متنامية تتقاطع فيها الجوانب النفسية والاجتماعية والسلوكية، وأن عواقبه تجاوزت الأطر التربوية لتصبح قضية صحة نفسية عامة. وقد أجمعت معظم الدراسات الدولية، كما في دراسات Bansal et al. (2024) و Nagata et al. (2025)، على وجود علاقة طردية قوية بين التعرض للعنف الإلكتروني وارتفاع مستويات الاضطرابات النفسية مثل القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وضعف التكيف، وهو ما يعكس مدى خطورة البيئة الرقمية على فئة المراهقين في حال غياب التوعية والتربية الرقمية.

كما أظهرت الدراسات التحليلية الدولية توجهًا واضحًا نحو فهم الظاهرة ضمن سياقات مجتمعية واسعة، مع التركيز على تأثير كثافة استخدام المنصات الرقمية وغياب الرقابة الأسرية والتواصل بين الوالدين والأبناء. وهذا ما أكدته أيضًا دراسات عربية، مثل دراسات الحربي (2025) وعبد المعطي (2024)، التي أبرزت دور العوامل الأسرية والاجتماعية في تعظيم أثر العنف الإلكتروني أو الحد منه. وفي المقابل، ركزت دراسات ميدانية عربية أخرى، مثل العسلي (2023)، على قياس نسب الانتشار لدى الطلبة وربطها بمظاهر نفسية محددة، كالاكتئاب والانسحاب الاجتماعي، الأمر الذي يدعم الاتجاه العالمي في ربط الظاهرة بالصحة النفسية.

ومع ذلك، فإن الدراسات العربية – رغم أهميتها – لا تزال تعاني من بعض المحددات؛ أبرزها الاعتماد الكبير على أدوات غير عربية مترجمة، وعدم مراعاة الخصوصيات الثقافية المحلية في تفسير النتائج، إلى جانب غياب الدراسات الواسعة التي تُجرى في داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل، وخاصة في منطقة المثلث التي تمتلك تركيبة اجتماعية وثقافية مميزة. كما أن معظم الدراسات ركزت على جانب واحد من الظاهرة مثل الاكتئاب أو الانسحاب الاجتماعي، في حين لم تُعطِ اهتمامًا كافيًا لدراسة منظومة الصحة النفسية ككل لدى الطلبة.

ومن هنا تظهر أهمية الدراسة الحالية التي تسعى إلى سد فجوة معرفية واضحة من خلال تناول درجة انتشار العنف الإلكتروني وآثاره على الصحة النفسية لدى الطلبة في منطقة المثلث والنقب، وهي منطقة لم تُتناول بعمق في الأدبيات السابقة. كما تميز الدراسة الحالية بدمجها بين قياس الانتشار وفهم الأثر النفسي بصورة شمولية، بما يسهم في إثراء المعرفة العلمية وتوفير أساس علمي يساعد المؤسسات التربوية في بناء خطط تدخل ودعم نفسي تستجيب لاحتياجات الطلبة في هذا السياق.

وتأتي دراستنا الحالية لتسدّ فجوة معرفية واضحة، إذ تسعى إلى تحديد درجة انتشار العنف الإلكتروني وآثاره على الصحة النفسية من وجهة نظر الطلبة، وهي بيئة عربية متميزة ثقافيًا واجتماعيًا داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل. ومن خلال ربط النتائج المحلية بالأدبيات الدولية، يمكن للدراسة أن تسهم في صياغة سياسات تربوية ونفسية أكثر فاعلية، وتطوير برامج وقائية تستجيب لاحتياجات الطلبة في هذا السياق.

تمهيد لمشكلة الدراسة

شهدت السنوات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في استخدام الطلبة لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية، وهو ما أدى إلى ظهور أشكال جديدة من العنف تتجاوز الحدود التقليدية، أبرزها العنف الإلكتروني الذي يُعدّ من أخطر المظاهر السلوكية المرتبطة بالتطور التقني المتسارع. وتشير الأدبيات التربوية والنفسية الحديثة إلى أن هذا النوع من العنف يترك آثارًا عميقة على الصحة النفسية للمراهقين، حيث يرتبط بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب والشعور بالعزلة، إضافة إلى تراجع التكيف الاجتماعي والأداء الأكاديمي. وقد بينت العديد من الدراسات الدولية والعربية أن طلبة المرحلة الثانوية يُعدّون الفئة الأكثر عرضة لهذا النوع من العنف، نظرًا لحساسية المرحلة العمرية وتزايد اعتمادهم على البيئة الرقمية في التواصل والتعلم والترفيه.

ورغم ما تقدّمه الدراسات السابقة من دلائل مهمة حول انتشار الظاهرة وآثارها، فإن معظم هذه الدراسات أُجريت في بيئات تختلف ثقافيًا واجتماعيًا عن البيئة العربية الفلسطينية في الداخل، كما تظل الدراسات المحلّية حول العنف الإلكتروني في منطقة المثلث محدودة للغاية، على الرغم من خصوصيتها الاجتماعية والتعليمية وكثافة استخدام طلبتها للتطبيقات الرقمية. هذا القصور البحثي يجعل من الضروري دراسة الظاهرة في سياقها المحلي، والكشف عن مستوى انتشار العنف الإلكتروني بين الطلبة، وتحديد انعكاساته على صحتهم النفسية، بما يسهم في بناء سياسات تربوية وإرشادية تستجيب لاحتياجات المدارس في المنطقة.

وانطلاقًا من هذا، تتمثّل مشكلة الدراسة في الحاجة إلى فهم مدى انتشار العنف الإلكتروني بين الطلبىة في منطقة المثلث والنقب، والكشف عن آثاره المحتملة على صحتهم النفسية. ويتجسد ذلك في السؤال الرئيس الآتي:

سؤال البحث الرئيسي: كيف تتجلى العلاقة بين العنف الالكتروني والحصانة النفسية لدى طلبة المرحلة الثانوية، كما تكشفها البيانات الكمية وتفسرها المعطيات النوعية؟

اسئلة المرحلة الكمية

انبثق من السؤال الرئيس عدد من الأسئلة الفرعية، والتي سعت الدراسة إلى الإجابة عنها، وهي:

  1. ما مستوى انتشار العنف الالكتروني لدى طلبة المرحلة الثانوية؟
  2. ما مستوى الحصانة النفسية لدى طلبة المرحلة الثانوية؟
  3. هل توجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين العنف الالكتروني والحصانة النفسية؟
  4. هل تختلف درجة التعرض للعنف الالكتروني تبعا لمتغيرات ( الجنس، الصف، عدد ساعات استخدام الانترنت)؟
  5. الى أي مدى يسهم العنف الالكتروني في التنبؤ بمستوى الحصانة النفسية؟

أسئلة المرحلة النوعية

  1. كيف يفسر الطلبة العلاقة بين تعرضهم للعنف الالكتروني ومستوى حصانتهم النفسية؟
  2. كيف يتعامل الطلبة ذوو الحصانة النفسية المرتفعة مع مواقف العنف الالكتروني؟
  3. ما هي الاستراتيجيات التي يطورها الطلبة لحماية انفسهم نفسيا في البيئة الرقمية؟
  4. كيف تؤثر البيئة المدرسية او الاسرية في تعزيز الحصانة النفسية في مواجهة العنف الالكتروني؟

سؤال الدمج بين المرحلة النوعية والكمية:

  1. الى أي مدى تكشف البيانات الكمية عن وجود علاقة بين العنف الالكتروني والحصانة النفسية، وكيف تفسر التجارب الحياتية للطلبة هذه العلاقة؟

فرضيات الدراسة:

الفرضية الأولى:

لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية عند مستوى (α ≤ 0.05) في متوسط درجات التعرض للعنف الإلكتروني تبعًا لمتغير الجنس.

الفرضية الثانية:

لا توجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين درجة التعرض للعنف الإلكتروني ومستوى الصحة النفسية لدى طلبة المرحلة الثانوية.

الفرضية الثالثة:

لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية في درجة التعرض للعنف الإلكتروني تبعًا لمتغير عدد ساعات استخدام الإنترنت.

الفرضية الرابعة:

لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية في مستوى الصحة النفسية تبعًا للصف الدراسي.

أهداف الدراسة

هدفت الدراسة إلى:

الكشف عن درجة انتشار العنف الإلكتروني بين الطلبة في منطقة المثلث والنقب

التعرف إلى مستوى الصحة النفسية لدى الطلبة.

تحديد طبيعة العلاقة بين العنف الإلكتروني والصحة النفسية.

الكشف عن الفروق في العنف الإلكتروني وفق متغيرات الجنس، الصف، وساعات استخدام الإنترنت.

تقديم توصيات تربوية تسهم في الحد من العنف الإلكتروني وتعزيز الصحة النفسية.

أهمية الدراسة

  1. الأهمية النظرية

إثراء الأدبيات العربية في موضوع العنف الإلكتروني داخل المجتمع العربي الفلسطيني، وبخاصة في منطقة المثلث. ,والنقب

تقديم إطار نظري حديث يوضح ارتباط الظاهرة بالصحة النفسية.

الاستفادة من الدراسات الدولية وربطها بالسياق المحلي لتعزيز المعرفة العلمية.

2. الأهمية التطبيقية

تمكين المدارس من فهم الظاهرة وتطوير خطط تدخل فعالة لحماية الطلبة.

دعم الإرشاد التربوي والنفسي في المدارس لتطوير برامج وقائية.

تشكيل قاعدة بيانات يمكن الاعتماد عليها لتطوير سياسات رقمية آمنة داخل المدارس الثانوية.

حدود الدراسة

اقتصرت الدراسة على الحدود الآتية:

1. الحدود البشرية

طلبة المرحلة الثانوية (الصفوف 10–12) في مدارس منطقة المثلث.

اختيار مدرسة من كل مرحلة

2. الحدود المكانية

مدارس عربية في منطقة المثلث داخل المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل.

3. الحدود الزمانية

تم تنفيذ الدراسة خلال الفصل الدراسي الأول من العام 2025.

مصطلحات الدراسة

1. العنف الإلكتروني

تعريف اصطلاحي:

هو سلوك عدواني يتم عبر الوسائط الرقمية مثل الرسائل، وسائل التواصل، أو التطبيقات الإلكترونية بهدف الإيذاء أو التهديد أو التشهير (Smith et al., 2018).

التعريف الإجرائي في هذه الدراسة:

هو الدرجة التي يحصل عليها الطالب على فقرات مقياس العنف الإلكتروني المستخدم في الدراسة.

2. الصحة النفسية

تعريف اصطلاحي:

هي حالة من التوازن العاطفي والاجتماعي يشعر فيها الفرد بالرضا عن حياته وقدرته على مواجهة الضغوط (Goldberg, 2019).

التعريف الإجرائي:

تمثل الدرجة التي يحصل عليها الطالب في مقياس الصحة النفسية المكوّن من مجالات القلق، الاكتئاب، الانعزال، والرفاه النفسي.

منهجية الدراسة

اعتمدت الدراسة المنهج المختلط النوعي والكمي الوصفي الارتباطي لملاءمته لطبيعة البحث الذي يهدف إلى تحديد درجة انتشار العنف الإلكتروني ودراسة العلاقة بينه وبين الصحة النفسية دون تدخل الباحث.

كما تم الاستعانة بأسلوب المنهج المسحي في الجزء الخاص بقياس نسب انتشار الظاهرة.

مجتمع الدراسة

تكون مجتمع الدراسة من جميع طلبة المرحلة الثانوية في مدارس منطقة المثلث والنقب، والبالغ عددهم حوالي 7000 طالبًا وطالبة، بحسب الكشوفات الرسمية الصادرة عن مديريات التربية والتعليم العربية في المنطقة.

عينة الدراسة

تم اختيار عينة الدراسة بالطريقة القصدية، نظرًا لخصوصية الموضوع وحساسيته، واشتملت على:

(N = 300) طالبًا وطالبة من مدرسة ثانوية واعدادية في بلدات المثلث، مع مراعاة التنوع بين الجنسين والصفوف الدراسية.

أدوات الدراسة

اعتمدت الدراسة أداة رئيسية هي:

  1. استبانة العنف الإلكتروني والصحة النفسية
  2. مقابلات مقننة وشبه مقننه في البحث النوعي

وتتكون الاستبانة من ثلاثة محاور:

المحور الأول: البيانات الديموغرافية.

المحور الثاني: مقياس العنف الإلكتروني (22 فقرة).

المحور الثالث: مقياس الصحة النفسية (18 فقرة).

جميع الفقرات بصيغة ليكرت الخماسي.

حادي عشر: إجراءات الدراسة

من أجل تحقيق أهداف الدراسة، تم اتباع الإجراءات الآتية:

1. الاطلاع على الأدبيات النظرية والدراسات السابقة المرتبطة بموضوع الدراسة.

2. تطوير أداة الدراسة بالاعتماد على مقاييس عالمية حديثة.

3. عرض الأداة على محكّمين متخصصين للتأكد من صدقها.

4. تحديد مجتمع الدراسة واختيار العينة المناسبة.

5.توزيع الاستبانة إلكترونيًا لضمان سهولة الإجابة وسريتها.

6.جمع البيانات ونقلها إلى ملف SPSS للتحليل.

7.استخدام الأساليب الإحصائية المناسبة لاختبار الفرضيات.

أدوات الدراسة

من أجل جمع البيانات، تم استخدام الاستابنة بوصفها الأداة الرئيسية لجمع البيانات الكمية من أفراد عينة الدراسة، وذلك لقياس متغيرات البحث والتحقق من أسئلته، لما تتميز به الاستبانة من سهولة التطبيق، وإمكانية تغطية عدد كبير من المفحوصين في وقت قصير، وتوفير بيانات منظمة قابلة للتحليل الاحصائي.

كما تم تقسيم المعطيات التي حصلنا عليها خلال المقابلات الى تيمات تتناسب مع موضوع البحث

عرض النتائج ومناقشتها

أولاً: نتائج المرحلة الكمية الاستطلاعية

هدفت المرحلة الكمية الاستطلاعية إلى فحص ثبات أداة الدراسة، واستخراج مؤشرات أولية حول مستوى التنمر الإلكتروني والحصانة النفسية لدى الطلبة.

1. ثبات الأداة

أظهرت نتائج معامل كرونباخ ألفا تمتع أداة الدراسة بدرجة عالية من الاتساق الداخلي، حيث بلغ معامل الثبات لمقياس التنمر الإلكتروني (0.93)، بينما بلغ معامل الثبات لمقياس الحصانة النفسية (0.89)، وهي قيم تشير إلى مستوى مرتفع من الثبات يسمح باستخدام الأداة في الدراسة الحالية.

2. المتوسطات الحسابية

أظهرت النتائج أن متوسط التعرض للتنمر الإلكتروني لدى الطلبة جاء بدرجة منخفضة إلى متوسطة، في حين جاءت الحصانة النفسية بدرجة مرتفعة نسبياً، مما يشير إلى امتلاك الطلبة مستوى جيداً من استراتيجيات التكيف النفسي في مواجهة المواقف الرقمية السلبية.

ثانياً: نتائج المرحلة النوعية

هدفت المرحلة النوعية إلى تعميق الفهم حول تجارب الطلبة الفعلية مع التنمر الإلكتروني والكشف عن آليات المواجهة والعوامل الداعمة للحصانة النفسية لديهم.

المحاور الرئيسة المستخرجة

أظهر التحليل الموضوعي للمقابلات مجموعة من المحاور الرئيسة، تمثلت في:

أشكال التنمر الإلكتروني

مثل الرسائل الساخرة، نشر الشائعات، الاستبعاد من المجموعات الرقمية، والتعليقات الجارحة.

الآثار النفسية للتنمر الإلكتروني

تمثلت في مشاعر الحزن، القلق، فقدان الثقة بالنفس، والانزعاج النفسي المؤقت.

استراتيجيات المواجهة

مثل تجاهل الرسائل، حظر المتنمرين، طلب المساعدة من الأصدقاء أو الأسرة، وإبلاغ المدرسة.

عوامل الحصانة النفسية

شملت دعم الأسرة، العلاقات الاجتماعية الإيجابية، الثقة بالنفس، والشعور بالأمان المدرسي.

ثالثاً: دمج النتائج الكمية والنوعية (Integration)

أظهرت نتائج الدمج بين المرحلتين الكمية والنوعية توافقاً واضحاً، حيث أوضحت النتائج الكمية انخفاض مستوى التعرض للتنمر الإلكتروني وارتفاع مستوى الحصانة النفسية نسبياً، بينما فسرت النتائج النوعية هذه المؤشرات من خلال إبراز دور الدعم الأسري والاجتماعي واستراتيجيات المواجهة التي يستخدمها الطلبة في التعامل مع المواقف الرقمية السلبية.

كما أسهمت النتائج النوعية في تقديم تفسير معمق للاتجاهات الكمية، حيث كشفت عن أن الطلبة لا يواجهون التنمر الإلكتروني فقط بدرجة التعرض، بل من خلال منظومة متكاملة من الدعم النفسي والاجتماعي، الأمر الذي يعزز مستوى الحصانة النفسية لديهم.

تشير نتائج الدراسة في مجملها إلى أن فهم ظاهرة التنمر الإلكتروني لا يقتصر على قياس درجة الانتشار فحسب، بل يتطلب تفسيراً نوعياً لتجارب الطلبة الحياتية وآليات المواجهة النفسية لديهم، الأمر الذي يؤكد أهمية اعتماد المنهج التكاملي (Mixed Methods) في دراسة القضايا التربوية المعاصرة ذات البعد النفسي والاجتماعي.

منهج الدراسة النوعي

اعتمدت الدراسة في مرحلتها الثانية المنهج النوعي بهدف تعميق الفهم حول تجارب الطلبة مع التنمر الإلكتروني والكشف عن آليات المواجهة النفسية والعوامل الداعمة للحصانة النفسية لديهم، وذلك بعد النتائج الكمية الاستطلاعية التي أظهرت اتجاهات أولية بحاجة إلى تفسير نوعي معمق.

ثانياً: عينة الدراسة النوعية

تم اختيار عينة قصدية من الطلبة الذين شاركوا في المرحلة الكمية، بحيث تم اختيار طلبة يمثلون مستويات مختلفة من:

التعرض للتنمر الإلكتروني (مرتفع – متوسط – منخفض)

الحصانة النفسية (مرتفعة – متوسطة – منخفضة)

وتكونت العينة من (12–15) مشاركاً، وهو عدد مناسب للدراسات النوعية التي تهدف إلى الفهم العميق وليس التعميم الإحصائي.

ثالثاً: أداة الدراسة النوعية

تم استخدام المقابلة شبه المقننة (Semi-Structured Interview)، وذلك لإتاحة الفرصة للمشاركين للتعبير عن تجاربهم بصورة مرنة وعميقة.

أسئلة المقابلة

هل يمكنك أن تصف موقفاً تعرضت فيه لتنمر إلكتروني؟

ما أشكال التنمر الإلكتروني التي تواجهها عادة؟

كيف شعرت عندما حدث ذلك؟

كيف تعاملت مع الموقف؟

من الأشخاص الذين يساعدونك عادة في مثل هذه المواقف؟

ما الأمور التي تمنحك القوة النفسية لمواجهة التنمر الإلكتروني؟

ما الدور الذي يمكن أن تقوم به المدرسة أو الأسرة في الحد من التنمر الإلكتروني؟

رابعاً: إجراءات جمع البيانات

تم إجراء المقابلات بصورة فردية بعد الحصول على موافقة المشاركين، وتم تسجيل المقابلات وتفريغها نصياً تمهيداً لتحليلها.

خامساً: أسلوب تحليل البيانات

تم تحليل البيانات باستخدام التحليل الموضوعي (Thematic Analysis) من خلال الخطوات الآتية:

قراءة المقابلات عدة مرات لفهم المعاني العامة.

ترميز البيانات (Coding).

تجميع الرموز في فئات أولية.

استخراج المحاور الرئيسة (Themes).

تفسير المحاور وربطها بأسئلة الدراسة.

سادساً: نموذج جدول استخراج المحاور (يضاف في النتائج)

الرمز

الفئة

المحور الرئيس

رسائل ساخرة

أشكال التنمر

أشكال التنمر الإلكتروني

الشعور بالحزن

التأثير النفسي

الآثار النفسية للتنمر

طلب مساعدة صديق

أساليب المواجهة

استراتيجيات المواجهة

دعم الأسرة

مصادر الدعم

عوامل الحصانة النفسية

أسهمت المرحلة النوعية في تفسير النتائج الكمية الاستطلاعية من خلال تقديم فهم معمق لتجارب الطلبة الحياتية مع التنمر الإلكتروني، والكشف عن آليات المواجهة النفسية والعوامل التي تعزز الحصانة النفسية لديهم، مما وفر رؤية تفسيرية تكاملية لنتائج الدراسة.

مناقشة النتائج

هدفت الدراسة الحالية إلى التعرف إلى مستوى التنمر الإلكتروني وعلاقته بالحصانة النفسية لدى الطلبة من خلال اعتماد المنهج التكاملي الذي جمع بين التحليل الكمي الاستطلاعي والتحليل النوعي التفسيري.

أظهرت النتائج الكمية أن مستوى التعرض للتنمر الإلكتروني جاء بدرجة منخفضة إلى متوسطة، في حين جاءت الحصانة النفسية لدى الطلبة بدرجة مرتفعة نسبياً. ويمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء ما أظهرته المرحلة النوعية من وجود مجموعة من العوامل الداعمة التي تسهم في تعزيز الحصانة النفسية لدى الطلبة، مثل دعم الأسرة، والعلاقات الاجتماعية الإيجابية، والشعور بالأمان المدرسي، إلى جانب امتلاك الطلبة استراتيجيات مواجهة فعالة، مثل تجاهل الرسائل المسيئة، وحظر المتنمرين، وطلب المساعدة من الأصدقاء أو الأسرة أو المدرسة.

كما كشفت النتائج النوعية أن تجربة التنمر الإلكتروني لا تُقاس فقط بدرجة التعرض، بل تتأثر بطبيعة استجابة الطالب للموقف، ومستوى الدعم الاجتماعي الذي يتلقاه، وهو ما يفسر التباين في التأثيرات النفسية للتنمر بين الطلبة رغم تعرض بعضهم لمواقف رقمية متشابهة.

وتشير هذه النتائج إلى أن الحصانة النفسية تمثل عاملاً وقائياً مهماً في الحد من الآثار السلبية للتنمر الإلكتروني، الأمر الذي يؤكد أهمية التركيز على البرامج التربوية والإرشادية التي تعزز مهارات التكيف النفسي والمهارات الاجتماعية لدى الطلبة، وليس فقط الحد من سلوكيات التنمر ذاتها.

الاستنتاجات

في ضوء نتائج الدراسة يمكن التوصل إلى مجموعة من الاستنتاجات، أهمها:

أن مستويات التنمر الإلكتروني لدى الطلبة قد لا تكون مرتفعة بالضرورة، إلا أن آثارها النفسية تتفاوت تبعاً لمستوى الحصانة النفسية لدى الطلبة.

أن الحصانة النفسية تمثل عاملاً أساسياً في التخفيف من الآثار السلبية للتنمر الإلكتروني.

أن الدعم الأسري والمدرسي والاجتماعي يسهم بصورة مباشرة في تعزيز قدرة الطلبة على مواجهة التنمر الإلكتروني.

أن اعتماد المنهج التكاملي (Mixed Methods) يوفر فهماً أكثر عمقاً للظواهر التربوية ذات البعد النفسي والاجتماعي.

في ضوء نتائج الدراسة توصي الباحثات بما يأتي:

تصميم برامج مدرسية تعزز الحصانة النفسية لدى الطلبة، وتدعم مهارات التكيف النفسي والاجتماعي.

تفعيل دور الإرشاد التربوي في توعية الطلبة بأساليب مواجهة التنمر الإلكتروني.

تعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة في متابعة السلوكيات الرقمية للطلبة.

تدريب المعلمين على اكتشاف مؤشرات التنمر الإلكتروني والتعامل التربوي السليم معها.

إجراء دراسات مستقبلية بعينات أكبر للتحقق من النتائج الحالية وتوسيع نطاق التعميم.

مقترحات لدراسات مستقبلية:

تقترح الدراسة إجراء بحوث مستقبلية تتناول:

أثر البرامج الإرشادية في تعزيز الحصانة النفسية لدى الطلبة.

دور البيئة المدرسية في الحد من التنمر الإلكتروني.

العلاقة بين الذكاء العاطفي والتنمر الإلكتروني لدى طلبة المرحلة الثانوية.

دراسات مقارنة بين المراحل التعليمية المختلفة في مستوى التنمر الإلكتروني.

تؤكد نتائج الدراسة الحالية أن مواجهة التنمر الإلكتروني لا تعتمد فقط على الحد من السلوكيات السلبية، بل تتطلب بناء منظومة تربوية متكاملة تسهم في تعزيز الحصانة النفسية لدى الطلبة، وتوفر لهم بيئة مدرسية واجتماعية داعمة تساعدهم على التكيف الإيجابي مع التحديات الرقمية المعاصرة.

هدفت الدراسة الحالية إلى التعرف إلى مستوى التنمر الإلكتروني وعلاقته بالحصانة النفسية لدى الطلبة من خلال اعتماد المنهج التكاملي الذي جمع بين التحليل الكمي الاستطلاعي والتحليل النوعي التفسيري.

أظهرت النتائج الكمية أن مستوى التعرض للتنمر الإلكتروني جاء بدرجة منخفضة إلى متوسطة، في حين جاءت الحصانة النفسية لدى الطلبة بدرجة مرتفعة نسبياً. ويمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء ما أظهرته المرحلة النوعية من وجود مجموعة من العوامل الداعمة التي تسهم في تعزيز الحصانة النفسية لدى الطلبة، مثل دعم الأسرة، والعلاقات الاجتماعية الإيجابية، والشعور بالأمان المدرسي، إلى جانب امتلاك الطلبة استراتيجيات مواجهة فعالة، مثل تجاهل الرسائل المسيئة، وحظر المتنمرين، وطلب المساعدة من الأصدقاء أو الأسرة أو المدرسة.

كما كشفت النتائج النوعية أن تجربة التنمر الإلكتروني لا تُقاس فقط بدرجة التعرض، بل تتأثر بطبيعة استجابة الطالب للموقف، ومستوى الدعم الاجتماعي الذي يتلقاه، وهو ما يفسر التباين في التأثيرات النفسية للتنمر بين الطلبة رغم تعرض بعضهم لمواقف رقمية متشابهة.

وتشير هذه النتائج إلى أن الحصانة النفسية تمثل عاملاً وقائياً مهماً في الحد من الآثار السلبية للتنمر الإلكتروني، الأمر الذي يؤكد أهمية التركيز على البرامج التربوية والإرشادية التي تعزز مهارات التكيف النفسي والمهارات الاجتماعية لدى الطلبة، وليس فقط الحد من سلوكيات التنمر ذاتها.

توصيات الدراسة:

  1. ضرورة تصميم برامج مدرسية وقائية تستهدف الحد من العنف الإلكتروني، من خلال نشر الوعي بمخاطره وأشكاله وسبل التعامل معه بين الطلبة.
  2. تعزيز الحصانة النفسية لدى طلبة المرحلة الثانوية عبر برامج إرشادية وتربوية تنمي الثقة بالنفس، والقدرة على التكيف، ومهارات المواجهة النفسية والاجتماعية.
  3. تفعيل دور المرشدين التربويين والنفسيين في المدارس لرصد حالات العنف الإلكتروني والتدخل المبكر لتقديم الدعم المناسب للطلبة المتضررين.
  4. تعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة في متابعة السلوك الرقمي للطلبة، وتوعية أولياء الأمور بأهمية الدعم النفسي والاجتماعي في مواجهة آثار العنف الإلكتروني.
  5. تدريب المعلمين والإدارات المدرسية على اكتشاف مؤشرات التعرض للعنف الإلكتروني، والتعامل معها بأساليب تربوية ومهنية فاعلة.
  6. إدماج مفاهيم التربية الرقمية والأمن الإلكتروني في الأنشطة والمناهج المدرسية، بما يسهم في بناء ثقافة استخدام آمن ومسؤول للفضاء الرقمي.
  7. توفير بيئة مدرسية آمنة وداعمة نفسيًا واجتماعيًا، تسهم في تعزيز الشعور بالأمان والانتماء لدى الطلبة، وتخفف من الآثار السلبية للتجارب الرقمية المؤذية.
  8. تشجيع الطلبة على استخدام استراتيجيات مواجهة إيجابية، مثل الإبلاغ عن الإساءة، وطلب المساندة، وعدم الاستجابة للسلوكيات العدوانية إلكترونيًا.
  9. إجراء دراسات مستقبلية على عينات أكبر ومناطق مختلفة، للتحقق من النتائج الحالية وتوسيع نطاق فهم العلاقة بين العنف الإلكتروني والحصانة النفسية.
  10. الاهتمام بإعداد برامج تدخل مشتركة بين المؤسسات التربوية والاجتماعية والنفسية من أجل بناء منظومة متكاملة لحماية الطلبة من العنف الإلكتروني وآثاره النفسية.

المراجع العربية

الحربي، لافي. (2025). تأثير التنمّر الإلكتروني على طلبة التعليم العام في المملكة العربية السعودية وعلاقته بالانسحاب الاجتماعي. مجلة العلوم التربوية والنفسية، 9(2)، 115-138.

Al-Harbi, Lafi. (2025). The Impact of Cyberbullying on Public Education Students in the Kingdom of Saudi Arabia and Its Relationship to Social Withdrawal. Journal of Educational and Psychological Sciences, 9(2), 115–138.

العسلي، جمعة. (2023). العلاقة بين التنمّر الإلكتروني والاكتئاب لدى طلبة المرحلة الثانوية. مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث التربوية والنفسية، 12(4)، 221-247.

Al-Asali, Jum‘ah. (2023). The Relationship between Cyberbullying and Depression among Secondary School Students. Al-Quds Open University Journal for Educational and Psychological Research, 12(4), 221–247.

عبد المعطي، محمد. (2024). التنمّر الإلكتروني وعلاقته بالأمن النفسي والمرونة النفسية لدى المراهقين. مجلة الدراسات التربوية والنفسية، 38(1)، 101-128.

Abdel-Moati, Mohammed. (2024). Cyberbullying and Its Relationship to Psychological Security and Psychological Resilience among Adolescents. Journal of Educational and Psychological Studies, 38(1), 101–128.

منظومة (Mandumah). (2023). أنماط العنف الإلكتروني والعوامل الأسرية والاجتماعية المرتبطة به لدى طلبة المرحلة الثانوية. قاعدة بيانات الرسائل والدراسات العربية، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية.

Mandumah. (2023). Patterns of Cyber Violence and the Family and Social Factors Associated with It among Secondary School Students. Arab Theses and Studies Database, Naif Arab University for Security Sciences.

المراجع الأجنبية

Arif, I., Khan, T., & Ullah, S. (2024). Cyberbullying and adolescent mental health: A systematic review. Journal of Adolescent Health, 75(2), 188–200.

Bansal, M., Kumar, R., & Singh, P. (2024). Cyberbullying and mental health: Past, present, and future: A bibliometric analysis. Frontiers in Psychology, 15, 1389012. https://doi.org/10.3389/fpsyg.2024.1389012

Centers for Disease Control and Prevention (CDC). (2024). Youth Risk Behavior Survey Data Summary & Trends Report: 2023 Results. U.S. Department of Health and Human Services. Retrieved from https://www.cdc.gov/healthyyouth/data/yrbs

Goldberg, D. (2019). Mental health: A comprehensive introduction. Oxford University Press.

Hinduja, S., & Patchin, J. W. (2021). Cyberbullying: Identification, prevention, and response. Cyberbullying Research Center.

Jeries-Loulou, M., Abu-Asbah, K., & Hertz-Lazarowitz, R. (2024). Cyberbullying among Arab adolescents in Israel: Prevalence and psychosocial correlates. International Journal of School Psychology, 11(1), 45–63.

Kumar, V., Singh, A., & Sharma, S. (2020). Cyberbullying and adolescents: A narrative review. Indian Journal of Psychological Medicine, 42(6), 501–509. https://doi.org/10.1177/0253717620965412

Ma, Z., Li, Q., & Zhang, H. (2024). Cyber victimization and psychological distress among high school students: A meta-analysis. Computers in Human Behavior, 145, 107785.

Open University of Israel. (2024). Digital harm and youth well-being in Arab

Nagata, J. M., Ganson, K. T., & Murray, S. B. (2025). Cyberbullying, mental health, and substance use: A systematic review and meta-analysis. The Lancet Child & Adolescent Health, 9(3), 215–229. https://doi.org/10.1016/S2352-4642(24)00211-5

Smith, P. K., Mahdavi, J., Carvalho, M., & Tippett, N. (2018). Cyberbullying: Its nature and impact on secondary school pupils. Research in Education, 89(1), 27–40.

WHO. (2024). Global report on adolescent cyberviolence. World Health Organization.

WHO. (2025). Mental health status of school-age children. World Health