الهوية السردية في رواية "هديل سيدة حرة": تشكُّل الذات بين ثقل التاريخ وحرية التخييل

Narrative Identity in the Novel Hdeel, a Free Lady: The Formation of the Self Between the Weight of History and the Freedom of Imagination

خولة أخاطو1

1 باحثة في سلك الدكتوراه، جامعة عبد المالك السعدي، مارتيل، المغرب

بريد الكتروني: khaoulaakhatou2@gmail.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj73/21

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/73/21

المجلد (7) العدد (3). الصفحات: 303 - 321

تاريخ الاستقبال: 2026-02-12 | تاريخ القبول: 2026-02-19 | تاريخ النشر: 2026-03-01

Download PDF

المستخلص: تتناول هذه الدراسة تشكُّل الهوية السردية في رواية «هديل سيدة حرة» للروائي المغربي البشير الدامون، عبر مساءلة العلاقة المتوترة بين سلطة الوثيقة التاريخية وحرية التخييل داخل فضاء الرواية التاريخية. وتنطلق من سؤال مركزي: كيف تتبلور هوية الذات سردياً وهي تتأرجح بين العينية بوصفها ثباتاً وإرثاً تاريخياً وجماعياً، والإنيّة بوصفها قدرة على الاختيار والتحوّل والمسؤولية؟. وبالاستناد إلى المنظور التأويلي عند بول ريكور، تُحلّل الدراسة الهوية السردية بوصفها بناءً دينامياً يتولّد من توتر مستمر بين قطبي الثبات والتحول، وتبرز دور الحبكة كآلية تخييلية تُعيد تنظيم شتات الوقائع التاريخية في نسيج دالّ يتجاوز التوثيق إلى إنتاج المعنى. تطبيقياً، تتتبع الدراسة تجليات العينية في هوية البطلة عبر الهجنة الثقافية (عربية–قشتالية)، وجرح الذاكرة الجمعية المرتبط بسقوط غرناطة والتهجير، والموروث الأسطوري المتمثل في “الحمامة المنتظرة” التي تنقلب من وعد خلاص إلى عبء وجودي. وفي المقابل، ترصد تجليات الإنيّة عبر مسارات تصاعدية تبدأ بـالاختيار الأخلاقي الذي يخترق منطق الثأر، ثم تتجسد في الحب والأمومة بوصفهما فضاءين للتحرر من أدوار الحرب، لتبلغ ذروتها في المساءلة النقدية للأسطورة والتحول من التلقي السلبي إلى الفاعلية التأويلية. وتخلص الدراسة إلى أن الرواية تقدّم الهوية بوصفها صيرورة سردية مفتوحة تتشكل عبر التفاعل بين ثقل التاريخ وحرية الذات، بما يؤسس لهوية مركّبة تنتصر للفعل الإنساني في مواجهة الجبر التاريخي.

الكلمات المفتاحية: الهوية السردية، هديل سيدة حرة، البشير الدامون، العينية والإنية، التخييل التاريخي.

Abstract: This study investigates the formation of narrative identity in Hdeel, a Free Lady by the Moroccan novelist Bachir Dammoun, by examining the tension between the authority of historical documentation and the freedom of literary imagination within the space of historical fiction. It addresses a central question: how does the self’s identity take shape narratively while oscillating between idem-identity, understood as stability and inherited collective history, and ipse-identity, understood as the capacity for choice, transformation, and responsibility?. Drawing on Paul Ricœur’s hermeneutic perspective, the study conceptualizes narrative identity as a dynamic construct emerging from the ongoing tension between permanence and change, highlighting the role of plot as an imaginative mechanism that reorganizes dispersed historical facts into a meaningful narrative fabric that moves beyond mere documentation toward the production of interpretation and meaning. On the applied level, the study traces manifestations of idem-identity through the heroine’s hybrid heritage (Arab–Castilian), the wound of collective memory associated with the fall of Granada and forced displacement, and the inherited myth of the “waiting dove,” which shifts from a promise of salvation into an existential burden. Conversely, it examines manifestations of ipse-identity through ascending trajectories that begin with ethical choice that disrupts the logic of vengeance, then unfold through love and motherhood as spaces of liberation from war-imposed roles, culminating in a critical interrogation of the myth and a shift from passive reception to interpretive agency. The study concludes that the novel presents identity as an open-ended narrative process of becoming, shaped through the interplay between the weight of history and the freedom of the self, thereby constructing a complex identity that affirms human agency in the face of historical determinism.

Keywords: Narrative Identity, Hdeel, a Free Lady, Bachir Dammoun, Idem and Ipseity, Historical Fiction.

  • مقدمة: التخييل التاريخي كفضاء لتشكل الهوية

تتشكل الرواية التاريخية بوصفها جنساً أدبياً مركباً في حيز إشكالي يقيم على الحدود الدقيقة بين سلطة الوثيقة التاريخية وحرية المتخيّل الأدبي، فهي لا تكتفي باستدعاء الوقائع من أعماق الماضي بل تنخرط في حوار نقدي جذري معها، محولة إياها إلى مادة سردية خصبة “تشتبك مع أسئلة وجودية عميقة”[1]، يأتي في طليعتها سؤال الهوية بوصفه إشكالا مركزيا يتجاوز الزمن التاريخي المحدود إلى أبعاد أنطولوجية أوسع. فالهوية في هذا السياق ليست معطى جوهريا سابقا أو كيانا ثابتا بل هي عملية تشكل دينامية ومستمرة، تتبلور عبر الفعل السردي الذي يعد “الوسيط بين ما يمكن أن يصاغ نظريا في مفاهيم تجرد التجربة وتُعمّمها، وبين ما يحضر في الفعل الإنساني”[2]، وهذا يعني أن السرد يجسد المفاهيم المجردة في وقائع حية، ويستخلص المعاني الكونية من التجارب الفردية مشكلا بذلك الجسر الرابط بين تجريد الفكر وواقعية التجربة.

لقد تجاوزت الرواية التاريخية الحديثة في وعيها النظري والممارسة الإبداعية مرحلة “تسريد التاريخ” البسيطة التي تخضع التخييل لسلطة الوثيقة، لتنفتح على آفاق أرحب في “تأريخ السرد” حيث يصبح المتخيل أداة فاعلة “لاستعادة ما ضاع أو ما طمسته صروف الدهر والتباعد الثقافي”[3]. تكمن أهمية هذا الانزياح الجوهري في كونه يتعامل مع التوتر الأصيل بين صلابة الحدث التاريخي وثباته من جهة، وسيولة الوعي الفردي والجماعي الباحث عن ذاته في متاهات الماضي من جهة أخرى، وذلك عبر “محاولة لا تتوقف لبعث الروح في واقع ولى إلى الأبد”[4]، وهكذا يتحول الخبر المجرد إلى حكاية حية حاملة للقيمة والدلالة ومولدة لمعنى وجودي قابلا للإحساس والتأويل.

انطلاقا من هذه الرؤية النقدية تتمحور إشكالية هذا البحث حول آليات بناء الهوية السردية للشخصية التاريخية في رواية “هديل سيدة حرة” للمبدع المغربي البشير الدامون، لا بوصفها كيانا منجزا ومحصورا في إطار الماضي وحسب، بل بوصفها صيرورة متولدة وحركية تتأرجح بين ثنائية فلسفية حاسمة قدمها بول ريكور، بين العينية التي “تشير إلى جانب الثبات والتماثل والاستمرارية في الذات، والإنيّة التي تجسد قدرة الذات على الاختلاف والانزياح واتخاذ المبادرة الحرة عبر تعاقب الزمن”[5]. فالهوية في هذا السياق التأويلي هي علاقة معقدة تتشكل عبر الزمن وتتجلى في فعل السرد ذاته، حيث إن “الهوية السردية تشكل الجسر الذي يصل الإنسان المتكلم والفاعل المتألم بالإنسان الأخلاقي الذي يتحمل تبعة عمله”[6]، أي أن هوية الشخصية كما تتجلى في النص الروائي التاريخي هي نتاج حبكة فنية بارعة، تدمج عناصر متفرقة من الأحداث والتجارب والمشاعر في كلية متماسكة وذات دلالة، مما يمكن الذات من أن تعرف من خلال القصة التي ترويها أو تروى عنها.

بناء على هذا التأسيس النظري، لا يقتصر دور السرد التاريخي التخييلي على مجرد استعادة الوقائع وتوثيقها في خطاب تسجيلي، بل تتجلى مقدرته الفنية في صياغة الحبكة التي تعمل بمنزلة البوتقة التوليدية التي تصهر فيها العناصر التاريخية الخام، لتحولها إلى دلالات هوياتية حية تتخطى حدود الزمن المادي وتخلق معنى وجوديا قابلا للإحساس والتأويل. فالحبكة بوصفها عملية تأويلية نشطة تفوق كونها ترتيبا زمنيا للأحداث، لتكون “تأويل ما تم إنجازه في الماضي من أجل فهم الذات في الحاضر في أفق استشراف مآلها”[7]، وهكذا يتخطى السرد من خلال آلية الحبكة المحكمة كونه سجلا للأحداث المنقضية، ليصير فضاء توليديا تستعيد فيه الذات فردية كانت أم جماعية كينونتها عبر نسج علاقة دينامية حميمة بين أبعاد الزمن الثلاثة: الماضي يؤول ليفهم الحاضر، والحاضر يشرع له ليتشكل المستقبل. يسعى هذا البحث إلى تبين تجليات هذه الآلية ومخرجاتها في تشكيل الهوية السردية للبطلة محللاً الكيفية التي يحقق بها الخطاب الروائي مصالحة إبداعية بين ثقل التاريخ وحرية التخييل، وبين دعاوى العينية وإمكانات الإنية في بناء ذات تاريخية حية ومتخيلة.

  • بناء الهوية السردية في الرواية التاريخية: من العينية الموروثة إلى الإنية المختارة

لا يختزل مفهوم الهوية حسب المنظور السردي المعاصر في جوهر ثابت أو كيان مكتمل سلفا، بل يفهم بوصفه بناء ديناميا ومستمرا، يتبلور عبر الوساطة القصصية التي تؤلف شتات التجربة في حبكة ذات معنى. وهي في هذا السياق النظري تشكل الحل الوسيط للإشكال الفلسفي المتعلق بديمومة الذات عبر تعاقب الزمن، كما يوضح ذلك بول ريكور فالهوية السردية “هي التي تجعل من حياة الشخص قصة واحدة متماسكة، وهي تمثل بذلك التوسط الضروري بين قطبي العينية والإنية مما يجعلها الحل الوسيط للإشكالية التي تطرحها ديمومة الذات عبر الزمن”[8]. فالسرد من خلال قدرته الفريدة على إدماج عدم الانسجام الناجم عن الأحداث الطارئة والتحولات المصيرية ضمن انسجام المحكي الموحد، يمنح الذات استمراريتها التاريخية والوجودية، ومن ثم تتحول الهوية السردية إلى تلك المساحة المتخيلة حيث يلتقي الوثائقي بالتخييلي وتصير “الشاهد الوحيد على وجود خبرة إنسانية قابلة للتمثيل والتبليغ”[9].

سيميائياً، لا يقتصر دور السرد على كونه حاملا سلعيا للأحداث وحسب، بل هو “الوسيط بين ما يمكن أن يصاغ نظريا في مفاهيم تجرد التجربة وتعممها، وبين ما يحضر في الفعل الإنساني”[10]، وهذا الوسيط السيميائي بالغ الأهمية هو الذي يمكن الذات من فهم ذاتها، لا بشكل حدسي مباشر، بل من خلال العلامات والرموز والحكايات التي تنتجها وتتلقاها في عملية تفاعلية معقدة. ولتجلية هذا المفهوم المركب يقتضي التمييز التحليلي بين نمطين متكاملين – وإن بديا متناقضين ظاهرياً – للوجود يطرحهما ريكور في إطار فلسفته السردية.

فالهوية بوصفها عينية تشير إلى بعد الثبات والتماثل في الشخصية الذي يتجسد فيما يعرف بالطبع أو الطباع الثابتة، ويعرف بأنه “مجموعة السمات المميزة التي تمكننا من التعرف الدائم على كائن إنساني باعتباره هو ذاته”[11]، وفي الإطار الروائي التاريخي تمثل العينية الإرث الثقافي والحضاري الذي يحمله البطل من محيطه الاجتماعي والتاريخي كالانتماء العقدي العميق، والموقع في البنى السياسية والاجتماعية المعقدة، والإكراهات الثقافية الموروثة. إنها الهوية التي تبحث عن الاستمرارية والتشابه مع ماضي الذات وغالباً ما يكون “الطبع موروثا… حاصل الولادة والعيش مع الناس والقبول بما يحيط بنا”[12]. وهي في نص “هديل سيدة حرة” تتجسد في الأطر المسبقة التي تحدد مسار البطلة وتشكل الأفق الذي تتحرك ضمنه كلقب السيدة الحرة الذي يحمل دلالات متعددة، ونسبها الأرستقراطي المركب، وموقعها الاستراتيجي في شبكة التحالفات السياسية عبر الزواج، مما يشكل القيد العيني الذي يحيط بمسيرتها ويحدد إمكانات حركتها الوجودية.

أما الهوية بوصفها إنية فتمثل على النقيض من ذلك بعد القصدية والحرية والمسؤولية الأخلاقية، هي قدرة الذات على الانزياح عن النمط المتوقع والمألوف، وعلى اتخاذ المبادرات الحرة التي تنبع من إرادتها الخاصة ورؤيتها الأخلاقية المستقلة. فالإنية هي “القدرة على تحمل مسؤولية ما يقوم به الفرد، كما تشمل قدرته على تحمل تبعات أحكامه الأخلاقية”[13]. وفي الرواية التاريخية تبرز الإنية في تلك اللحظات الفاصلة والمصيرية حيث يقرر البطل التاريخي الخروج عن المسار المحتوم والمنتظر، معتمدا على ضميره الشخصي وتصوره الأخلاقي الفريد، سواء أكان ذلك في الوفاء بوعد شخصي، أم اختيار العفو على الانتقام، أو تبني موقف أخلاقي يتعارض مع المنطق السائد، إنها رحلة البحث عن “الخلاص، ما يعني التخلص مما تعلمه المرء من محيطه ومما ورثه بغاية استعادة أنا مستقلة”[14]. وفي الرواية موضوع الدراسة تتجلى هذه الإنية في الخيارات الأخلاقية المعقدة التي تتخذها البطلة هديل، وفي علاقاتها الحميمة التي تعيد تعريفها لذاتها وتشكل وعيها الجديد، وفي تأويلها الشخصي العميق وإعادة إنتاجها للموروث الأسطوري والديني بأدواتها التفسيرية الخاصة.

وعليه لا تنحاز الهوية السردية إلى أي من القطبين انحيازا حاسما، بل تولد من فضاء التوتر الحيوي بينهما، إنها الجسر الخلاق الذي يربط بين ثقل ما ورثناه (العينية) وحرية ما نختاره (الإنيّة)، وهذا الربط لا يتم في الفراغ النظري بل في بوتقة المحكي السردي، الذي يتحول من مجرد وسيط ناقل إلى فاعل تأويلي جوهري يعيد تشكيل المادة التاريخية ويحملها أبعادا إنسانية ووجودية غائبة في السجلات الوثائقية. فالشخصية السردية “لا تحيل على مرجع خارجي، بل هي وحدة دلالية قابلة للتحليل… وبذلك يمارس السرد دوره في ملء الفجوات التي يتركها التاريخ الرسمي”[15]، فالسرد إذن هو الفضاء التأويلي الذي يتحول فيه الاسم التاريخي الجامد إلى كيان إنساني نابض حامل لأبعاد الوجع والشك والرغبة والحرية، مجيبا بذلك عن دعوة الهوية الدائمة للتعرف على الذات عبر حكاية تروى أو تروى عنها، في سعي لا ينتهي نحو التشكل في مواجهة التشظي وبناء المعنى من رحم فوضى التجربة والزمن.

  • الحبكة في الرواية التاريخية: من شتات الوثيقة إلى تماسك الهوية السردية

إذا كانت الأحداث التاريخية في الأرشيفات والمدونات تبدو مشتتة وفاقدة للمعنى المباشر والواضح، فإن الحبكة تعد الآلية السردية الحاسمة التي تحول هذا الشتات الواقعي إلى بنية دالة متماسكة. الحبكة في الرواية التاريخية ليست مجرد ترتيب زمني بسيط للأحداث، بل هي عملية إبداعية عميقة تتمثل في “تجميع وتنظيم مجموعة من الأحداث تعود إلى شخص بعينه، إنها تنظمها وفق غايات بعينها”[16]. إنها صياغة الانسجام من عدم الانسجام، أي العملية الخلاقة التي تجمع الأحداث العرضية والمفاجئة والمتناثرة وتربطها في تسلسل منطقي وغائي يولد المعنى والدلالة.

تؤدي الحبكة وظيفتين أساسيتين في بناء الهوية السردية داخل النص التاريخي التخييلي، تتجلى الأولى في رتق الصدوع الزمنية وإنتاج المعنى الوجودي، فالحبكة تعمل على خلق انسجام عميق بين لحظات الماضي والحاضر والمستقبل، وبدون هذه الآلية الإبداعية تبقى الأحداث التاريخية “متناثرة لا يجمعها معنى أي عاجزة عن استيعاب معيش حياتي يعود إلى شخص بعينه”[17]. إنها تسمح بتحويل الزمن الكرونولوجي (التاريخي) المجرد إلى زمن سيكولوجي، وهو ما يجعل القارئ يعيش التجربة من الداخل ويتفاعل معها وجدانياً. إنها الآلية التي تمنح العينية التاريخية روح الإنية الإنسانية، فبدونها تظل الشخصية مجرد تمثال شمعي جامد، وبواسطتها تتحول إلى كائن سردي نابض بالحياة والمشاعر.

أما الوظيفة الثانية فتكمن في تحويل الأشباح التاريخية إلى كائنات من لحم ودم، إذ يميل الخطاب التاريخي التوثيقي غالبا إلى تقديم شخصيات مجردة ومبتورة الأبعاد، بينما يقوم الروائي عبر الحبكة بإعادة بعث الحياة فيها بشكل خلاق، فـ”المؤرخون يخلقون شخصيات تقتل شخصيات التاريخ… أما الروائيون فيخلقون أشخاصا من لحم وعظم”[18]. هذا اللحم والعظم التخييلي هو المضاف الإبداعي الذي يملأ فراغات الأرشيف ويكشف عن المسكوت عنه والمهمش، ساردا التفاصيل الإنسانية “التي تمد الشخصية بنفس إنساني غيبه البحث التاريخي”[19]. إن الحبكة تسمح للرواية التاريخية بأن تتجاوز مجرد سرد ما وقع فعلا لتستكشف ما كان ممكنا أن يقع، وبذلك تصبح الهوية السردية “تصرفا حرا في زمنية إنسانية قابلة للتشكل”[20].

وبهذا فإن الحبكة هي الأداة الإبداعية التي توفق بين متطلبات الصدق الفني وضرورات التوثيق التاريخي، وتكشف المسكوت عنه والمهمش في السرديات الرسمية، وتحقق ترهينا خلاقا للماضي بربط أحداثه بأسئلة الحاضر المصيرية، محولة التاريخ إلى ذاكرة مفتوحة وحية تحاور القارئ وتدفعه لإعادة اكتشاف ذاته وهويته. إنها الحضن السردي الدافئ الذي يحمي الذات من التلاشي في فوضى الزمان، وهي الجسر الإبداعي الذي يربط بين حقيقة التاريخ وأمل التخييل بين واقع الماضي وطموح المستقبل.

  • مقاربة تطبيقية: تمثّلات الهوية السردية في “هديل سيدة حرة” بين الموروث والاختيار
  • الأنوثة والسلطة في زمن التمزق: السيدة الحرة من التاريخ إلى التخييل

تتجاوز رواية «هديل سيدة حرة» للمبدع المغربي البشير الدامون استحضار السيرة التاريخية المجردة لتؤسس فضاء سرديا مكثفا تندمج فيه الوقائع التاريخية الثابتة مع تشظيات الذات الواعية، فهي تقدم شخصية السيدة الحرة (عائشة بنت علي بن راشد) الحاكمة الفعلية لمدينة تطوان في النصف الأول من القرن السادس عشر، ليس بوصفها أيقونة تاريخية مغلقة بل ككائن روحي معقد، يواجه مصيره في زمن التمزق الحضاري بين سقوط الأندلس والصراعات الداخلية في المغرب. تبرز الرواية منذ بداياتها هوية البطلة الهجينة فهي ابنة أمير شفشاون المنحدر من سلالة الشيخ عبد السلام بن مشيش، ووالدتها مسيحية إسبانية اعتنقت الإسلام لاحقا “أنا الحرة، عربية مغربية قشتالية سليلة زواج عربي إسباني بين أمير إمارة شفشاون بعدوة المغرب، وسيدة قشتالية من عدوة الأندلس.”[21].

تنساب الحكاية عبر مسارات متوازية، تبدأ بزواجها السياسي من حفيد المنظري قائد تطوان في سن الثامنة عشر، في إطار تحالف استراتيجي بين شفشاون وتطوان لمواجهة الغارات الأوروبية على الثغور المغربية. يمهد هذا الزواج لصعودها إلى واجهة الأحداث حيث أظهرت كفاءة قيادية نادرة في إدارة شؤون الحكم خلال فترات غياب زوجها، لتتوج مسيرتها بالانتقال إلى موقع القيادة الفعلية بعد وفاته، فتتسلم مقاليد الحكم في تطوان وتخوض بنفسها مواجهات دامية ضد الهجمات الإسبانية والبرتغالية.

تأخذ الأحداث منحى آخر حين يتخذ السلطان أحمد الوطاسي قرارا بالزواج منها وتعيينها والية على تطوان لمدة تقارب العشرين سنة، وهو ما مثل تحولا نوعيا في موقعها السياسي والعسكري. وقد ساهمت عدة دعائم في تقوية جهادها البحري فهي سليلة حاكم، وزوجة سلطان، وأخت الصدر الأعظم للدولة الوطاسية. هذه المحطات التاريخية تشكل النواة الصلبة التي تبني عليها الرواية استعارتها الكبرى عن السلطة والأنوثة والتحول من الدور الاجتماعي التقليدي إلى موقع القيادة والمسؤولية، وذلك من خلال لغة سردية تمتزج فيها الشاعرية بالتحليل النفسي، لتتحول الرواية إلى مرثية إنسانية شاملة لا لحياة فرد استثنائي فحسب، بل لعصر بأكمله تميز بالاضطراب والتناحر. يتجلى هذا العمق عبر استحضار الأجواء التاريخية للقرن السادس عشر بكل تعقيداته، حيث تتداخل النزاعات بين القوى المحلية الوطاسية والسعدية مع التهديدات البحرية الأوروبية المتصاعدة، في خليط تاريخي تتحرك فيه الشخصية الرئيسة بين ضرورات السياسة ونداءات الذات.

وهكذا لا تقدم الرواية مجرد سرد تاريخي، بل تخلق نسقا سرديا متخيلا حيث يصير الماضي المستند إلى الإطار التاريخي الموثق استعارة حية لتأمل إشكاليات السلطة والهوية في مواجهة آلة التاريخ. بذلك تؤسس الرواية لخطاب روائي راق قادر على تحويل الإطار التاريخي إلى نسيج سردي ثمين، يضيء مناطق الظل في الذاكرة الجمعية، ويطرح سؤال الحرية في قلب الشبكة المعقدة من التحالفات والتحديات.

الرواية في جوهرها، لا تستعيد حدثا تاريخيا مفردا بل تعيد تشكيل سيرة ذاتية مركبة، تضع في بؤرتها صراع الهوية بين الالتزام بالدور الاجتماعي والسياسي (العينية)، والسعي نحو تحقيق الذات والحرية (الإنيّة) في عالم يمزقه التصدع والحروب، لتقدم في النهاية نموذجا أدبيا متميزا يزاوج بين عمق الرؤية التاريخية ورقة التخييل الفني في عمل يضع البشير الدامون من خلاله لبنة أصيلة في صرح الرواية التاريخية المغربية المعاصرة.

  • تجليات العينية في هوية هديل: ثقل الموروث وحتمية الانتماء

تشكل العينية في رواية “هديل سيدة حرة” الإطار المرجعي الثابت الذي يحيط بالذات ويحدد نقطة انطلاقها الوجودية، باعتبارها بعد الثبات والتماثل في الهوية الذي ” يمكن الفرد من التعرف على ذاته ككيان مستمر عبر الزمن، وهو غالبا ما يكون موروثا ناتجا عن الولادة والعيش المشترك والقبول بما يحيط بنا”[22]. تبرز الرواية هذا البعد من خلال طبقات مركبة ومتشابكة تبدأ بالموروث التاريخي الموضوعي الذي يتجلى في ثلاث محددات أساسية تشكل معا نواة العينية: الهوية الهجينة للبطلة هديل بوصفها تركيبا بيولوجيا-ثقافيا مفروضا، والإرث الاجتماعي والسياسي بوصفه موقعا طبقيا-وظيفيا محتوما، والحدث التاريخي المؤسس للذاكرة الجمعية والمتمثل في سقوط غرناطة (1492م) وما تبعه من تهجير واضطهاد للمسلمين واليهود من الأندلس بوصفه رحما تاريخيا جماعيا تنتقل عبره الذاكرة وتتشكل الهوية.

  • العينية كإرث موضوعي: بين الهوية الهجينة وقيود السلالة وجرح الذاكرة الجمعية
  • الهوية الهجينة كحتمية عينية:

تقدم الرواية هوية البطلة “الحرة” منذ بداية السرد كمعادلة وجودية مركبة، تعلن عنها بنفسها في خطاب افتتاحي دال: “أنا الحرة، عربية مغربية قشتالية سليلة زواج عربي إسباني بين أمير إمارة شفشاون بعدوة المغرب، وسيدة قشتالية من عدوة الأندلس”[23].

هذا الإعلان ليس مجرد وصف سطحي للنسب بل هو تشريح لعينية مركبة تتقاطع عندها انتماءات متصارعة، فالنسب العربي المغربي يحيل إلى الإسلام والسلطة السياسية والجغرافيا الأم (شفشاون)، بينما النسب القشتالي يمثل الوجه الآخر: المسيحية، والعدو التاريخي، والأرض المفقودة (الأندلس)، هذه الهجنة ليست نتاج خيار فردي بل هي ثمرة زواج سياسي يهدف إلى خلق تحالفات استراتيجية مما يجعلها إرثا بيولوجيا وحضاريا لا فكاك منه.

يمكن النظر إلى هذه الهجنة كأساس للصراع الهوياتي الداخلي الذي يطبع شخصية الحرة على مدار أحداث الرواية، حيث تتحول هويتها إلى مجال صراع بين انتماءين متعارضين لم تختر أيا منهما، وهذا ما يتناغم مع تحليل عبد الفتاح كيليطو لظاهرة الاغتراب والصراع بين الانتماءات في النصوص السردية، حيث يلاحظ أن “الاغتراب مرادف هنا للتّجدّد… الابتعاد لا يعني النسيان، والاغتراب يواكبه شعور حاد بالحنين إلى الماضي”[24]، فشخصية الحرة رغم ابتعادها الظاهري عن بعض أبعاد هويتها الموروثة، تظل محملة بشعور حاد بالحنين والارتباط بالماضي الذي لا تستطيع التحرر منه كليا، مما يجعل من هويتها فضاء دائم التوتر بين الانتماءات المتعددة.

وهكذا تولد الشخصية حاملة في كينونتها بذرة صراع هوياتي لم تشارك في صنعه، محولة هويتها إلى ساحة معركة عينية تحدد مسبقا إمكانات حركتها وتطلعاتها. هذا التوتر يتجسد بوضوح في مواجهتها مع الجندي المسيحي “مانولو” الذي يناديها بـ”يا بنت الكاثوليكية، قولي لوالدك إنه ليس سوى مسلم وضيع”[25]، هنا تستدعى هويتها القشتالية لمحاولة تفكيك انتمائها الإسلامي مما يجسد الصدام الداخلي الذي تعيشه بسبب هذه العينية المزدوجة.

  • الموروث السياسي والاجتماعي كعينية مفروضة: قيود السلالة وإكراهات المكانة

تتجاوز العينية مفهوم الهجنة البيولوجية والثقافية لتشمل البنى الاجتماعية والسياسية المتوارثة التي ترثها البطلة وتقيد بها وتتحمل تبعاتها لتشكل الإطار الحتمي لوجودها وكينونتها، فهي بوصفها ابنة أمير شفشاون وحفيدة الشيخ الصوفي عبد السلام بن مشيش، تتحمل إرثا ثقيلا يجمع بين الشرعية السياسية الدنيوية والسلطة الرمزية الروحية. هذا التركيب المركب يضعها في موقع وريثة لشرعيتين متداخلتين تفرضان عليها منظومة معقدة من التوقعات والالتزامات المسبقة، إذ يتحول النسب من مجرد علاقة بيولوجية إلى حامل لتاريخ جماعي وهموم مصيرية، كما يتضح في خطاب والدها الذي يحث على الجهاد والتضحية: “نحن لا ندين لهذه الحياة إلا بموت واحد. فليكن موتا كريما”[26]، وهكذا تصبح الذات وعاء لاستمرارية سرديات كبرى تتجاوز إرادتها الفردية، وتحدد مسارها ضمن أطر عينية صلبة تسبق أي اختيار شخصي.

يتعمق هذا الإطار العيني لاحقاً عبر مؤسسة الزواج التي تتحول من فعل اختياري ذاتي إلى ضرورة استراتيجية تاريخية، تتحول فيها الذات إلى أداة ضمن حسابات التحالفات الكبرى. فزواجها من القائد المنظري حاكم تطوان لا ينبني على الاختيار العاطفي الشخصي، بل هو تحالف تفرضه ضرورة توحيد الجبهات في مواجهة الأعداء، كما تعرفه هي نفسها: “هربت من الموت أحتمي بمن يهرب من الموت، لنضم خوفنا وهروبنا فقد نشد من عضدنا”[27]، وهكذا يتحول الزواج من رابط حميمي إلى ملاذ تجتمع فيه الهواجس والمخاطر، وإلى آلية عينية لتعزيز التماسك في مواجهة تهديد خارجي مشترك. إنه تحالف تفرضه إكراهات البقاء في سياق سياسي وعسكري مهدد، تختزل فيه الذات الأنثوية إلى وظيفة ضامنة للاستمرارية وموطدة للتحالف.

وبالتالي تتحول الذات إلى عنصر في سلم المواقع السياسية حيث تقاس قيمتها بما تمثله من رموز نسبية وما يمكن أن توفره من مكاسب تحالفية، ويظل هذا القيد حاضرا بقوة حتى في أكثر الطقوس افتراضاً للخصوصية، كالتهيئة للزواج حيث تتجلى الأوامر الاجتماعية ممثلة في صوت العمة التي تذكرها وتهيئها لدور الزوجة الحليفة: “إن الرجل المتوجهة إليه قائد شجاع، وأمير من سلالة الأمراء المجاهدين المدافعين عن الأرض والعرض… عليك أن تقدريه وتكوني مخلصة مستجيبة لرغباته”[28]، هذه الوصية لا تترك متسعا للرغبة الفردية أو الاختيار الشخصي، فالإخلاص والتقدير والاستجابة تصبح واجبات مفروضة تنبثق من الموقع الاجتماعي للرجل بصفته قائدا وأميرا ومجاهدا أي من عينيته التاريخية والوظيفية. بل إن الخضوع لهذا الدور المفروض يبدأ حتى قبل إتمام الزواج خلال رحلة العرس نفسها التي تجري في ظروف تعكس طبيعة التحالف القائم على المخاطرة المشتركة، تبينها هواجس الأب الذي ” خاف أن يتعرض موكبي لهجوم من الأعداء، ما أكثرهم، فرنجة وقطاع طرق ومتصارعين على الحكم”[29]. وهكذا تشكل هذه الشبكة المعقدة من الإكراهات الموضوعية (الاجتماعية والسياسية والعسكرية) ما يشبه القفص العيني الذي تولد فيه الذات، وتتحرك محددة المسارات سلفا، محملة بتوقعات جاهزة، ومختزلة في أدوار ووظائف تسبق أي إمكانية لصوغ اختياراتها الذاتية والحرة.

  • الجرح النابض في الذاكرة الجمعية: سقوط غرناطة وتشكل هوية الاضطهاد

يعلو على هذه المحددات الفردية والعائلية حدث تاريخي يؤسس الوعي الجمعي ويصبغ الهوية بصبغة الاضطهاد والقلق الوجودي، والمتمثل في سقوط غرناطة وما تبعه من تهجير مأساوي واضطهاد للمسلمين واليهود. لا يكتفي النص باستحضار هذه اللحظة التاريخية بوصفها حدثا من الماضي بل يعيد تشكيلها كجرح نابض في الذاكرة الجمعية، فمن خلال خطاب “الحُرّة” أم أبي عبد الله الصغير التي تلوم ابنها على ضياع المملكة، يقدم السقوط باعتباره فشلا ذكوريا ووصمة عار جماعية: “أيها الصغير، استهنت بنصائحي لأنني امرأة، فلماذا تبكي كالنساء مدينة لم تعرف كيف تحافظ عليها كالرجال؟”[30]، هذا الاسترجاع لا يروي الهزيمة العسكرية فحسب، بل يؤسس لسردية جماعية مشتركة قوامها الفقدان والهزيمة والترقب الدائم للانتقام مما يضفي على الحدث بعدا نفسيا واجتماعيا عميقا.

وهكذا لا ترث البطلة اسم “الحرة” فحسب، بل ترث عبء هذه السردية الجمعية القائمة على الصدمة والانتظار الانتقامي، حيث يصير الموريسكيون ومن ينتمي إليهم بنسب الدم أو بمصير الاضطهاد المشترك، جماعة تحمل هوية عينية ملحة قوامها التهجير والخوف والترقب، ليتحول الصراع الديني والسياسي مع النصارى من مناورة في سياق تاريخي إلى محدد وجودي مصيري، يشكل الخلفية الثابتة التي تنطلق منها وتتحرك داخلها كل اختيارات الفرد والجماعة. الأمر الذي يتوافق مع التحليل السوسيولوجي لدور الدين في تشكيل هوية الجماعات المضطهدة حيث ينتج التدين “ديناميات القلق واليقين التي تصبح محركا مركزيا للهوية الجماعية […] فيصير إطارا رمزيا وجوديا يشكل وعي الجماعة ويحرك سردياتها التاريخية المشتركة”[31]، فالصراع الديني هنا لم يعد مجرد خلاف عقائدي، بل تحول إلى هوية مقاومة وجودية توحد الجماعة الموريسكية في مواجهة الاضطهاد والتهجير، مما يجعل من اسم “الحرة” ووصيتها إرثا هوياتيا جماعيا يعيد إنتاج نفسه عبر الأجيال. هذا الحدث المؤسس يخلق ذاكرة جمعية ترى في كل مواجهة لاحقة مع النصارى استمرارا لنفس الصراع، كما يتجلى في هجرة الأندلسيين إلى المغرب ومعاناتهم التي يستحضرها النص بوقعها المأساوي حيث “توالى تهجير وترويح من تبقى من سكان الأندلس، وكثرت الغارات على المهجرين وتجريدهم مما يحملونه، وقتلهم وسبي نسائهم حين يصلون إلى عدوة المغرب”[32].

تتعمق هذه الهوية العينية المرتكزة على الصدمة من خلال استحضار ذكريات العنف المادي والرمزي الذي لا ينتهي، كوصف مشاهد الإبحار حيث تسفك ” دماء كثيرة والأرض لا ترتوي، لا ترتوي… يظهر أنها لن ترتوي أبداً”[33]، هذه الصورة القوية لا توثق للعنف التاريخي وحسب بل تجسده كحالة دائمة وقدر لا فكاك منه، كما يتحول المفتاح الذي يسلمه خَيْرُون للبطلة من أثر مادي إلى استعارة بالغة الدلالة عن الهوية المفقودة والذاكرة المغتصبة “احتفظي لي بهذا المفتاح… لنحتفظ بالمفاتيح فعلى الأقل لنفتح بها ذاكرتنا”[34]، ليؤكد بذلك أن الهوية العينية في الرواية هي هوية التشرد والافتقاد حيث يصبح الحنين ذاته إرثا ثقيلا.

وبذلك، لا تظهر العينية في الرواية كخلفية ساكنة بل كقوة فاعلة ومحددة تشكل الإطار الحتمي الذي تنطلق منه الذات، إنها شبكة معقدة من الموروثات البيولوجية والاجتماعية والتاريخية الراسخة، التي تخلق توترا أساسيا في حياة الشخصية بين ما هو مسلم به ومفروض (العينية) وبين مسعاها الدؤوب نحو فسحة من الاختيار والتحرر (الإنيّة)، فتغدو ذاكرة سقوط غرناطة والتهجير هي الرحم التاريخي الذي تولد منه هذه الهوية وتتشكل في كنفه.

  • الأسطورة كعينة جمعية متوارثة: الحمامة المنتظرة بين إكراه الوعد وعبء الانتظار

تتشكل الذاكرة الجمعية في رواية “هديل سيدة حرة” من خلال عناصر أسطورية متوارثة، يأتي في مقدمتها رمز الحمامة المنتظرة الذي يشكل محورا أساسا في الوعي الجمعي، حيث تنتقل هذه الرؤية الأسطورية إلى البطلة عبر جدتها من أبيها فقد دأبت عند لقياها على ترتيل وصيتها المقدسة “منذ الأزل وأسلافنا من بني دمنا يحدثون عن حمامة الحمائم المنتظرة، يقولون إنها يوم تظهر من على قمم الجبال… وتتكلم وتنطق دررا، تتوقف شروط الحروب عن افتراس فرح القلوب، ويكفّ انتماؤنا عن حرقنا، يعم الدنيا نور رباني وينثر الحب”[35]، لتصاغ كحكاية مقدسة تتجاوز الزمن الفردي إلى زمن الجماعة.

هذه الحمامة ليست مجرد رمز سطحي للسلام، بل هي نبوءة خلاص جماعية تشكل نظاما دلاليا متكاملا. إنها تمثل الوعد العيني، الحلم المشترك الذي يمنح المعنى للمعاناة التاريخية ويعد بنهاية التاريخ العنيف، ويمكن تحليل هذه الأسطورة عبر عدة مستويات:

+ المستوى الزمني: تتجاوز الأسطورة الزمن التاريخي المحدود إلى زمن أسطوري لا نهائي “منذ الأزل”، مما يخلق إحساسا بالاستمرارية الجمعية التي تربط الأجيال بعضها ببعض. هذا البعد الزمني الممتد يعطي للجماعة إحساسا بالخلود رغم التهديدات التاريخية التي تواجهها.

+ المستوى الوظيفي: تمثل الأسطورة آلية نفسية للتعامل مع الصدمة التاريخية، ففي ظل واقع الاضطهاد والتهجير تقدم الحمامة المنتظرة أفقا من الأمل والتعويض الرمزي عن المعاناة اليومية، الأمر الذي يؤكده الخال في الرواية موضحا هذه الوظيفة: “ما عرف عن جدتك سوى أنها امرأة حكيمة، وحكمة الحكيم تصدق ولو بعد زمن”[36].

+ المستوى الأنطولوجي: تحدد الأسطورة هوية الجماعة كجماعة منتظرة، كجماعة مصيرها مرتبط بتحقيق النبوءة، وهذا ما يجعل من انتظار الحمامة ليس مجرد فعل سلبي بل هو عنصر جوهري في تعريف الذات الجمعية.

وجود هذه الأسطورة في ذاكرة البطلة يجعلها حاملة لوعد لم تصغه، وهو ما يضيف طبقة أخرى من العينية: الالتزام بأمل لم تختره، والانتماء إلى سردية جمعية تتجاوز إرادتها الفردية.

يتحول هذا الوعد الجمعي مع تقدم الأحداث في الرواية إلى عبء وجودي على كاهل البطلة، فالجدة حارسة الأسطورة تموت وهي تنتظر، وتورث هذا الانتظار لحفيدتها مصرحة: “وإذا ما قدر لي الموت قبل حضور الحمامة، فاعلمي أن قلبي يحدثني بأنك خليفتي في الانتظار…”[37]، هنا تتحول الذاكرة الجمعية (العينية) إلى وصية فردية ملزمة، حيث تختزل مهمة الذات في كونها خليفة في انتظار حلم ليست مصدره. هذا الانتقال من المستوى الجمعي إلى المستوى الفردي يخلق توترا وجوديا عميقا عند البطلة، يمكن تحليله من خلال المحاور الآتية:

+ صراع الالتزام والحرية: تجد البطلة نفسها مقيدة بوصية لم تخترها حيث يصبح انتظار الحمامة ليس خيارا شخصيا بل قدرا موروثا، هذا ما يعبر عنه في كلمات الجدة: “كوني سيدة حرة، ثابري على حلمك… لا يرجى خير ممن لا يعرف قدر الأحلام”[38]، المفارقة هنا أن الدعوة إلى الحرية تأتي في إطار وصية ملزمة، مما يخلق تناقضا بين المضمون الحر للرسالة والشكل الإلزامي لإيصالها.

+ أزمة الانتظار والفعل: مع تعاقب الأحداث التاريخية المؤلمة تبدأ البطلة في التساؤل عن جدوى الانتظار السلبي، السؤال الذي توجهه لاحقا “أين كانت حمامتك منذ البداية؟”[39] يكشف عن هذا التوتر العميق بين استيعابها للأسطورة كإرث عيني، ومطالبتها إياها بأن تتحمل مسؤوليتها الفردية (الإنية) عن طول غيابها.

+ تحول الأسطورة من أمل إلى عبء: في مراحل متقدمة من الرواية تتحول الحمامة من رمز للأمل إلى مصدر للإحباط والاتهام، وتعبر البطلة عن هذا التحول بقولها: “أمضيت عمري مطوقة بزوابع من الهلاك، وأنت بعيدة قريبة مني، تركبين الريح وتطلين علي غير مبالية… تهذين بهديلك، ولا يوما هديتني أو واسيتني… لم يكن كلامك سوى لغو…”[40].

+ الصراع بين العينية والإنية: تمثل هذه التجربة صراعا نموذجيا بين الهوية العينية الموروثة والهوية الإنية المختارة. فمن ناحية، ترث البطلة نظاما رمزيا كاملا (الأسطورة، الوعد، الانتظار)، ومن ناحية أخرى، تطالب بحقها في مراجعة هذا الموروث ومساءلته وإعادة صياغته وفق خبرتها الذاتية.

الأسطورة كجزء من العينية، تقدم الوعد ولكنها تؤجل التحقيق، تخلق الأمل ولكنها تفرض الانتظار، مما يضع الذات في موقف سلبي يتحدى قدرتها على المبادرة، هذا ما يخلق الأزمة الوجودية التي تعيشها البطلة: كيف تكون حرة في إطار وصية ملزمة؟ كيف تخلق هويتها الفردية في ظل سردية جمعية مسيطرة؟

  • الإنية بين التحرر وإعادة التشكيل: من الموروث إلى صنع الذات

إذا مثلت “العينية” قيود الموروث التاريخي والاجتماعي فإن “الإنيّة” تجسد قدرة الذات الحرة على الاختراق والتجاوز وإعادة التشكيل، إنها “القدرة على تحمل مسؤولية ما يقوم به الفرد، كما تشمل قدرته على تحمل تبعات أحكامه الأخلاقية”[41]، وهي التي تمكّن الذات من الانزياح عن الطبع الموروث بحثا عن “خلاص… بغاية استعادة أنا مستقلة”[42]. تتجلى هذه الإنيّة في رواية “هديل سيدة حرة” عبر ثلاث مسارات مترابطة: اتخاذ خيارات أخلاقية تتجاوز منطق التاريخ الجمعي كالرحمة وقرار العفو عن الأسرى، وبناء الذات عبر علاقات حميمة كالحب والأمومة تُعيد من خلالها البطلة تعريف وجودها خارج إطار الحرب، وإعادة تفسير الموروث الأسطوري حيث تنتقل الذات من الانتظار السلبي للحمامة المنتظرة إلى موقع المساءلة النقدية، لتشكل هذه المسارات المتتالية خط ارتقاء الذات من التلقي السلبي للهوية الجاهزة نحو المشاركة الفاعلة في صوغ قيمها وإعادة تشكيل عالمها الرمزي والوجودي.

  • الإنية في مواجهة قانون الحرب: من ثأر العينية إلى تشريع الرحمة في زمن الانتقام

بعد الموت المروّع لحبيبها “خَيْرُونَ” تغمر البطلة موجة عاتية من الغضب والرغبة في الثأر، وهي استجابة تتوافق تماما مع العينية الجمعية القائمة على قانون “العين بالعين” في مجتمع تغذيه الحروب المستمرة، فهي تأمر في ساعة الألم بلهجة حازمة “ليتمزقوا ألما فلن يعوّض ذلك آلامنا. حلقي أو تيهي أو حطي أو ارحلي… اشحذوا سيفي، بيدي سأقْتص وأقطف ما أشاء من لحمهم”[43].

غير أن هذه النزعة الانتقامية الأولية سرعان ما تتحول إلى قرار أخلاقي مناقض وجذري، فبعد صراع داخلي مرير تأتي لحظة التحول: “أبعدوا الأسرى من أمامي… دعوهم في أمان”[44]، هذا الأمر المفاجئ ليس ضعفاً بل هو تأسيس لقانون أخلاقي شخصي (إني) فوق قانون الحرب الجمعي (عيني)، إنه اختيار يتضمن وعياً بأن الانتقام لن يعيد المفقود بل سيُديم دوامة العنف الموروثة، فالرحمة هنا تصبح فعل مقاومة لمنطق تاريخي قاس، وهي لحظة تحرر كامل للذات من إملاءات الطبع الجماعي الثأري.

تتجلى إنيّة البطلة أيضا في مواقفها التي تتخطى الحدود الدينية المتصلبة لعصرها، فعندما تنتحر “سارة” اليهودية حاملةً جنينها نتيجة اغتصابها وهجرتها، تتدخل البطلة لتأكيد حقها في دفن كريم، بل وتقبل بتوصيف الفقيه لها بأنها “شهيدة”[45]، وهو لقب يحمل حمولة دينية إسلامية كبيرة مما يمثل اعترافا بإنسانيتها وتضحيتها في تجاوز لانتماءها الديني المختلف.

يتجلى هذا التسامح كذلك في تعاملها الإنساني مع الأسيرات المسيحيات اللواتي سباهن رجالها رغم كونهن ينتمين إلى الطرف المعادي تاريخيا، فهي تنظر إليهن لا كغنائم حرب أو رموز للعدو بل كنساء مضطهدة، “كانت النساء يبكين قتلاهن وحالتهن وحال أطفالهن… حزن كبير يصبغ وجوههن، كأنهن في المحشر”[46]، هذا الموقف لا ينفي واقع الصراع التاريخي بوصفه إطارا عينيا حاسما، لكنه يؤسس لمعيار أخلاقي شخصي يتعالى على منطق العداوة الراسخ، كاشفا عن قدرة الإنيّة على إعادة تعريف العلاقة مع الآخر بناء على المشترك الإنساني الأعمق الذي يتجاوز حدود الهوية الجامدة.

  • الحب والأمومة كمساحات إنية لبناء الذات في زمن الحرب:

تتحوّل العلاقات الحميمة في رواية “هديل سيدة حرة” سواء في شكلها العاطفي (الحب) أو البيولوجي (الأمومة) إلى فضاءات سردية تُعيد من خلالها البطلة بناء ذاتها، في مواجهة النسق الثقافي والسياسي الذي يُجيِّش الوجود نحو الحرب والفناء، لا تقتصر هذه العلاقات على بعدها النفسي أو الاجتماعي فحسب، بل تتحوّل إلى ممارسات وجودية تقاوم بها الإنيّة بوصفها الجانب المتحول والاختياري للهوية ضغوط العينية المتمثلة في الأدوار الثابتة والإيديولوجيات السائدة. وهنا يصبح الحب والأمومة فعلين ثوريين، فالأول يختبر الذات في فضاء الخصوصية والرغبة، والثاني يوجهها نحو الاستمرارية والتجدد في بيئة تحاصرها ثقافة الموت.

تتجلى ذروة هذا التحرر في علاقتها بـ “خَيْرُونَ” التي تتخطى كليا الإطار التقليدي للعلاقة العاطفية لتصير مظهرا من مظاهر الاحتجاج الوجودي، ففي مجتمع يمجد الشهادة ويضفي المشروعية على العنف بوصفه وسيلة للبقاء أو للدفاع عن الهوية تعلن “هديل” اختيارها العكسي، اختيار الحياة عبر الحب، فقولها: “أن نموت من فرط الشوق والحب أجل من أن نفنى من فرط الحرب”[47]، ليس مجرد تعبير انفعالي بل هو إعادة صياغة فلسفية لمفهوم الموت ذاته، فـ”الموت من فرط الشوق” هو موت اختياري نابع من امتلاء الذات واشتعال رغباتها، أي أنه موت يتحقق داخل دائرة الحياة واللذة، بينما “الفناء من فرط الحرب” هو موت مفروض من الخارج تمليه آلة العنف الجماعي وتسلب الذات إرادتها، هذا التمييز يجسد جوهر “الإنيّة” في قدرة الذات على خلق قيمها خارج النسق الجمعي المهيمن.

تتحوّل العلاقة مع “خَيْرُونَ” إلى فضاء رمزي تستعيد فيه الذات بعدها الإنساني المتجرد من الألقاب والأدوار المسبقة، فهي في هذا الفضاء ليست الحاكمة ولا ابنة الأمير ولا أرملة المنظري بل هي امرأة بسيطة تهمس له: “انسَ أنني الحاكمة”[48]، هذا التجريد الطوعي من الهويات الاجتماعية الثابتة يشكل لحظة تحرر سردية حاسمة، فالهوية هنا لا تفرض من الخارج بل تبنى من الداخل عبر علاقة ثنائية تقوم على الاعتراف المتبادل. في هذا الفضاء الحميمي تتحول اللغة نفسها، فبينما تهيمن لغة الأوامر والتوجيهات العسكرية على خطابها العام، نجد خطابها الخاص مع حبيبها مفعما بلغة الجسد والهمس والعطر، كما في وصفها لليلة لقائهما: “كان عطري يفوح كالنعناع البري، وقلبي يخفق كطائر حبيس”[49]، هذا الانزياح اللغوي ليس بريئاً بل هو تعبير عن انزياح هوياتي انتقلت فيه البطلة من فضاء عمومي وجماعي إلى فضاء خاص وفردي، مؤكدة أن الذات قادرة على امتلاك لغات متعددة وبالتالي هويات مرنة.

أما خيار الأمومة فيمثل تحديا وجوديا مزدوجا جسديا وثقافيا، ففي مجتمع تحكمه إكراهات الحرب وتوجه فيه طاقات النساء نحو خدمة المعارك كتمريض الجرحى، وتجهيز المؤن، والحث على القتال، تعلن هديل رغبتها الصريحة في الإنجاب قائلة “وهبني من لدنك تحقيق أحلامي، وحلم المرأة الكبير الذي لم يمت فيّ رغم كل مسالك الحروب… أن أكون أما”[50]، هذا التوق لا يعكس فقط غريزة بيولوجية بل هو قرار أخلاقي يواجه خطرين، خطرا ماديا يتمثل في تعريض نفسها وجنينها لمخاطر العنف المتفشي، وخطرا رمزيا يتمثل في تحدي النموذج الثقافي الذي قد يرى في الأمومة انشغالا عن الواجب الأعلى المتمثل في الدفاع عن الأرض والعقيدة. وهنا تظهر الإنيّة كقدرة على الالتزام بالمستقبل رغم ضغوط الحاضر، فالأمومة هي وعد بالاستمرارية، وهي تجسيد لمبدأ الوفاء بالوعد الذي يراه بول ريكور جوهر الهوية الشخصية. إنها تختار أن تخلق حياة جديدة في زمن يكرس نفسه للموت وبذلك تؤسس لاستمرارية زمنية تتجاوز زمن الحرب الآني.

ويعكس هذا الخيار أيضا صراعا عميقا مع الذاكرة الجمعية والخطاب الديني السائد الذي يقدس نموذج الشهيد والمجاهد، فيصبح حلم الأمومة تمردا على تأليه الموت وتأكيدا على قدسية خلق الحياة. وتذهب الرواية إلى أبعد من ذلك، فتجعل من غياب إمكانية الأمومة بسبب ظروف الحرب وموت الحبيب أرضية لرمزية أعمق، إذ يتحول مشهد دفنها “ساق خَيْرُونَ المقطوعة”[51] في قبر منفصل إلى شهادة على تشظي الجسد والهوية في زمن الحرب، وإلى طقس بديل لقبر رمزي للاتحاد الذي لم يتحقق والحياة التي لم تولد، فالقبر هنا يصير أرشيفا للرغبة المحبطة وشاهدا على استحالة اكتمال الهوية في زمن التشظي.

غير أن هذه العلاقات الحميمة لا تخلو من التناقض والهشاشة مما يضفي على الهوية السردية للبطلة طابعا دراميا ومعقدا، فالحب ينتهي بمأساة مقتل “خَيْرُون” والأمومة تبقى حلما مؤجلا، لكن مجرد اختيارها لهذه المسارات ولو انتهت إلى الفشل أو التأجيل يشكّل بحد ذاته انتصارا للإنية، فالهوية السردية كما يطرحها بنكراد لا تقاس بتحقيق الغايات فقط بل بقدرة الذات على السرد والاختيار وإنتاج المعنى، إن هوية الفاعل “تكون سردية في اللحظة التي يتوقف فيها على أن يكون منفذا لبرامج سابقة، إنه من خلال المحكي يُسرب ما ارتضاه لنفسه وما تنكر له.[52]” وهكذا تظهر “هديل” أن الهوية ليست حصيلة الموروث أو الدور الاجتماعي فحسب، بل هي أيضا نتاج تلك المساحات الحميمة حيث تختبر الذاتية في أعمق تجلياتها، في الحب الذي يحرر الجسد وفي الحلم بالأمومة الذي يحرر المستقبل. وهذا ما يجعل من علاقاتها الحميمة نصوصا فرعية داخل النص الروائي الكبير، تعيد كتابة تاريخ الذات بعيدا عن صخب المعارك وصراخ الخطابات الكبرى، وتؤسس لهوية سردية مرنة قادرة على احتواء التناقض بين قوة الحاكمة وهشاشة المرأة، وبين واجب المقاومة وحق التوق إلى السلام الشخصي.

  • إعادة تفسير الموروث الأسطوري: من التلقي السلبي إلى المساءلة النقدية

يبلغ تجلي “الإنيّة” في النص ذروته التعبيرية حين تتخذ البطلة موقفا نقديا جذريا من صميم الموروث الأسطوري العيني أي أسطورة الحمامة المنتظرة، فبعد أن ظلت هذه الأسطورة تشكل الوعد الجمعي الذي يمنح المعاناة التاريخية أفقا تعويضيا، وتحولت عبر وصية الجدة إلى عبء وجودي ينتقل بالأمانة لا بالاختيار، تفجر وعي البطلة في لحظة اليأس المطلق إثر فاجعة مقتل حبيبها خَيْرُونَ، فهي لا تكتفي هنا بتسجيل خيبة الأمل بل ترفع سؤالا وجوديا صادما تخاطب به الجدة حارسة الأسطورة، أو الأسطورة ذاتها: “أجيبيني يا جدتي، أين كانت حمامتك منذ البداية… أم أنها ليست سوى حمالة لما يحمله الإنسان، من ضعف وضغينة، ومتعة الفرجة على الاقتتال؟”[53] .

يحمل هذا الاستفهام الاستنكاري طبقات متعددة من الانزياح الإنيّ العميق، يمكن تفكيكها على النحو الآتي:

  • أولا: مساءلة سلطة الأسطورة وتفكيك قداستها

لم تعد الأسطورة في هذا السياق حقيقة مطلقة مسلما بها بل تتحول إلى موضوع قابل للمساءلة والنقد، حيث تمارس الذات (الإنيّة) حقها في التشكيك بوصفها فعلا وجوديا رافضة دور المُنتظِر السلبي الذي يظل رهين وعد غائب، لتتجاوز ذلك إلى مطالبة الحمامة (أو النظام الرمزي الذي تمثله) بأن تتحمّل مسؤوليتها التاريخية عن طول الغياب وعن استمرار المعاناة الإنسانية، هذا الموقف يزيح الأسطورة من موقع المقدَّس غير القابل للمساءلة إلى موقع المدين الذي يُحاسَب على وعوده.

  • ثانيا: قلب مركزية الخلاص ونقل الثقل من الخارج إلى الداخل

يتجلى وعي البطلة النقدي الأعمق في اتهامها للحمامة بأنها قد لا تكون أكثر من حمالة تعكس ضعف البشر وضغائنهم لا خلاصهم، في هذه اللحظة الجدلية تنقل البطلة مركز الثقل من الغياب الأسطوري (غياب المنقذ الخارجي) إلى العجز الإنساني (ضعف البشر أنفسهم)، فالخلاص وفق هذا المنطق النقدي الجديد، لا يمكن أن يأتي من كائن متعالي منتظر بل يظل رهيناً بقدرة الذات الجمعية على تجاوز ضعفها وضغائنها. ليمثل هذا الوعي، قلبا جذريا لنموذج الخلاص ذاته: من انتظارية سلبية تعلق الأمل على الغائب، إلى وعي نقدي نشيط يكتشف أن الحمامة المنتظرة قد تكون مجرد مرآة يعكس فيها الإنسان ضعفه.

وبهذا يكتمل مسار الإنيّة في نسقه التصاعدي، فبعد أن تمرنت الذات على الفعل الأخلاقي الفردي المتمثل في قرار العفو عن الأسرى رغم جرحها الشخصي ومنطق الثأر السائد، وبعد أن اختبرت الفعل الوجودي في الحب بوصفه احتفاء بالحياة والتوق إلى الأمومة بوصفه وعدا بالاستمرارية، تبلغ الإنية الفعل النقدي المؤسس المتمثل في مساءلة الموروث نفسه. إنها رحلة الذات من موقع المتلقي السلبي للضرورات والقيم الموروثة (العينية)، إلى موقع الفاعل النشيط الذي لا يكتفي بممارسة أخلاقه واختيار عواطفه، بل يمضي إلى ممارسة حقه في نقد الأسس التي تقوم عليها تلك الموروثات، لتثبت الذات قدرتها على الحفاظ على استقلاليتها الفكرية والوجودية وسط كم هائل من الإملاءات التاريخية والاجتماعية، مؤكدة أن الهوية السردية ليست مجرد حصيلة لما ورثته، بل هي أيضا ما استطاعت أن تنتقده وتتجاوزه وتعيد تشكيله بوعيها الحر.

  • الحبكة كآلية لتوليد الهوية السردية: من فوضى التاريخ إلى بناء الذات

إذا كانت العينية تقدّم المادة الخام للإرث التاريخي، والإنيّة تقدّم دينامية الذات الفاعلة، فإن الحبكة تمثل الآلية السردية الحاسمة التي تصهرهما معا لخلق هوية قابلة للفهم والتأويل، فالحبكة هي عملية “تجميع وتنظيم مجموعة من الأحداث تعود إلى شخص بعينه، إنها تنظمها وفق غايات بعينها”[54]. في رواية “هديل سيدة حرة”، لا تقتصر الحبكة على ترتيب الأحداث التاريخية ترتيبا زمنيا، بل تقوم بعملية تحويل جذرية، تنتقل بها من فوضى التاريخ إلى انتظام القصة، ومن الزمن الخارجي الموضوعي إلى الزمن الداخلي الذاتي.

  • تنظيم الأحداث التاريخية المتناثرة كآلية لبناء الهوية:

لا تتبع الرواية تسلسلا تاريخيا صارما للأحداث العسكرية والسياسية التي شهدها شمال المغرب خلال القرن السادس عشر، بل تُخضع هذه الأحداث لإيقاع الزمن الداخلي للبطلة، فزمن الرواية هو زمن الذاكرة والتذكر، وزمن الانتظار الطويل على الجبل، وزمن الحلم المتكرر بالحمامة، وزمن الحزن على خَيْرُونَ، وزمن الحب القصير معه الذي لم يكتمل، وحتى المعارك التاريخية الكبرى مثل معركة ترغة البحرية، لا تُروى لذاتها أو لتفاصيلها، بل كمحطات مؤثرة في تشكيل الوعي الداخلي للبطلة، فهي تخلق الجرح النفسي، تغذي الخوف الوجودي، وتسلب الأحباب، مما يحوّلها إلى معان شخصية عميقة، لتتحول الكتابة الروائية بهذا المعنى من توثيق للأحداث إلى تشييد لوجود شعوري تسبح فيه الذاكرة وتنتقي وتؤلف.

هكذا تتحول التواريخ المجردة إلى مشاعر إنسانية، والأحداث الخارجية إلى انطباعات ذاتية، فتصبح المعاناة التاريخية تجربة شخصية عميقة، وهذا ما يحقق الدور المركزي للحبكة في جعل الأحداث قادرة على “استيعاب معيش حياتي يعود إلى شخص بعينه”[55]، فالحبكة هنا هي الجسر الذي يصل بين الواقع التاريخي والتجربة الذاتية محققة بذلك ما يسميه بول ريكور باندماج الآفاق بين زمن العالم وزمن الذات.

تأخذ الحبكة أحداثا تاريخية متناثرة ومتباينة كحصارات المدن، وغارات القراصنة، وتهجير الموريسكيين، وتحالفات القبائل، والصراعات الداخلية بين السلاطين، والزيجات السياسية، والاغتيالات والتسميم… وتنسجها في نسيج سيرة ذاتية واحدة تركز على محورية التجربة الداخلية للبطلة، لتنجح الحبكة بهذا في تحويل الزمن التاريخي إلى زمن سردي حيث تصبح الأحداث التاريخية جزءاً من مسار الشخصية وتطورها النفسي والأخلاقي.

تتجلى هذه الآلية في النص عبر سلسلة من المشاهد المؤسسة، حيث لا ترد الأحداث الكبرى مجردة من حمولتها الوجدانية، بل تنغرس في الذاكرة الشخصية للبطلة، فتشكل وعيها وهويتها عبر مسار تصاعدي يمتد من الطفولة إلى النضج، والمقاطع الآتية تستقرئ أبرز هذه التجليات متتبعة مسار تحول الوقائع الموضوعية إلى تجارب ذاتية عميقة:

أولا: تشكل وعي البطلة بالحرب

يؤسس النص منذ افتتاحه لوعي البطلة بالحرب عبر مشهدين متلازمين: الأول يستعيد لحظة اقتحام الماء دار الإمارة، حيث: “داهم الماء الغرفة التي أحتمي بسقفها في دار الإمارة… امتلات ساحة القصبة بحمولات الجرحى… القائد عرفة يمنع النساء والأطفال من الاقتراب. تسللت إلى المارستان وأنا أستجدي شجاعة بين زعيق المحتضرين”[56]، لا يقدم المشهد تفاصيل عن المعركة أو أطرافها بل ينقل الأثر النفسي المباشر واصفا الخوف الأول، والتسلل الخجول، ومواجهة الموت لأول مرة. والثاني يعمق هذا التشكيل المبكر للوعي ويصف جنازة جماعية: “رجل جريح بجسده يرتعش، … أجساد ممدّدة هنا وهناك. … كان وجها مشطورا وملامح غيّبها الدم “[57]، لتتشكل هنا علاقة البطلة الأولى بالموت والدم، علاقة سترافقهما طوال حياتها.

ثانيا: استحضار مأساة التهجير الأندلسي عبر العيون الأنثوية

تتكرر في الرواية مشاهد وصول قوافل المهجرين من الأندلس، لكن السرد لا يقدمها كإحصاءات ديموغرافية، بل من خلال تفاصيل إنسانية صارخة: “وصلت قافلة من المهجرين من الأندلس لا يحملون إلا ما يقيم العري، رجالهم قُتِلوا، ونساؤهم اغتصبن والصغيرات والصغار تمّ سبيهم في الأندلس”[58]، يتعمق المشهد حين تصف الراوية ما رأته بعينيها من اغتصاب للأم وابنتيها: “أمام عينيها كانت تحدث الفظائع، جندي مسيحي يمسك بالأم من رقبتها ويغمى عليها، بينما زميلاه ينقضّان على ابنتيها الصغيرتين، الكبرى لا يتجاوز عمرها اثنتي عشرة سنة، الأم تئن والابنة الصغرى تصرخ”[59]، لتتحول المأساة الجماعية هنا إلى جرح بصري لا يندمل يساهم في بناء وعي البطلة بالوحشية الإنسانية ويهز إيمانها بالعدالة.

ثالثاً: معركة ترغة البحرية بين التاريخي والوجودي

تمثل معركة ترغة نقطة تحول كبرى في حياة البطلة إذ تفقد فيها حبيبها خَيْرُونَ، لا يهتم السرد بتفاصيل الحرب بل يركز على لحظة الانفجار التي تمزق المركب: “انفجرت كرة نار غير بعيد عن المركب فزعزعتنا وكستنا بتلال من الماء… هذا ما تبقى من خَيْرُونَ الذي احترق. وماذا تبقى مني أنا؟ تأكدت من بقايا ساق الرجل… لم يسعفني غثياني في أن أفقد وعيي”[60]، ليتحول المشهد من معركة بحرية إلى تأمل وجودي في التلاشي والبقاء، ويتجسد هذا التأمل في طقس دفن الساق المبتورة: “قرب مدفن زوجي المنظري حفرت قبرا لصيقا، دفنت الساق المقطوعة ووضعت عليها شاهدا…وجود قبر لساق خَيْرُونَ أفضل من غياب كلي”[61]، ليتحول القبر هنا إلى شاهد على تشظي الهوية في زمن الحرب.

رابعاً: حصار شفشاون وتحولاته الرمزية

يتكرر مشهد الحصار واللجوء إلى الجبل في أكثر من موضع فيصبح طقسا وجوديا يعيد تشكيل الذاكرة الجمعية، في المرة الأولى تهرب النساء والأطفال إلى الجبل خوفا من العدو: ” نواصل الصعود كقافلة موتى انبعثت فيهم الروح، نتشبث بالأحجار وشقوقها بقوة مخافة أن نعود إلى الموت ثانية”[62]، ويكتمل المشهد بلجوء النساء إلى “غار الولي سيدي المخفي” حيث تتعدد لغات التضرع بـ: ” العربية، والقشتالية، والعبرية والبرتغالية والأمازيغية”[63]، ليتحول الحصار العسكري هنا إلى لحظة هوياتية جامعة تلتقي فيها لغات متعددة في ابتهال واحد. وفي المرة الثانية، وبعد سنوات تعود البطلة إلى الجبل وحيدة منهزمة: “سأصعد إلى أعلى قمة في الجبل لأترقب الحمامة “[64]، يتكرر المشهد لكن مع تحول دلالي، فلم يعد هروبا جماعيا بل بحثا فرديا عن الخلاص.

خامساً: تشظي التحالفات السياسية في المرآة الذاتية

تتحول الأحداث السياسية الكبرى كالتحالفات والزيجات الاستراتيجية إلى تجارب وجودية من خلال انعكاسها في وعي البطلة، فزواجها من المنظري الذي تم في إطار تحالف بين شفشاون وتطوان، لا يُروى كخبر سياسي بل من خلال مشاهد الرحلة المحفوفة بالمخاطر: “تم اختيار ليلة غير مقمرة لرحيلنا… كمن يتسلل خرجنا قلب الليل”[65]، وتتكثف مشاعر الوداع في صرخة الأب: “ابنتي الوحيدة ما زفت زفة عروس خارجة من دار أبيها”[66]، ليتحول التحالف السياسي إلى تجربة وجودية من الخوف والترقب والحنين. وبعد مقتل المنظري وزواجها من السلطان أحمد الوطاسي تتكرر الآلية نفسها فيتحول الصراع السياسي بين الوطاسيين والسعديين إلى مأساة شخصية حين يُقتل السلطان مسموما مع أربعين من أسرته: “زوجي السلطان أحمد الوطاسي قتله مسلمون منافسون”[67].

سادسا: حضور الأموات في الحاضر السردي

تمتاز الرواية باستحضار الشخصيات الراحلة عبر ذاكرة البطلة فيتحول الموت إلى حضور دائم يشكل وعيها، حيث يظهر الوالد متوكئا على حائط المارستان يحث على الجهاد: “بباب المارستان يصرخ والدي وهو يتوكأ على حائط في تعب، يحث الرجال والنساء على الاستعداد للجهاد… للموت”[68]، و تظهر الجدة حاملة وعد الحمامة: “يا بنيتي، إذا ما قدر لي الموت قبل حضور الحمامة، فاعلمي أن قلبي يحدثني بأنك خليفتي في الانتظار”[69]، والخال مرتين يهرول بين الجرحى ثم يرفع عينيه قائلاً: “السماء تقطع نورها، لأنها لا ترغب في النظر إلى ما يخلّفه البشر في حروبهم المجنونة”[70]، هكذا يصبح الماضي حياً في الحاضر والأموات شركاء في تشكيل الهوية.

تنجح الحبكة بهذا في تحويل الوقائع التاريخية إلى نسيج سردي متماسك، حيث لا تكون الأحداث مجرد تواريخ جامدة بل جزء عضويا من مسار شخصية تتطور وتتغير وتتألم وتحلم. يؤكد النص أن الإنسان لا يعي تاريخه حقا إلا عندما يحوله إلى قصة قادرة على استيعاب معاناته وأسئلته وأحلامه، وأن الذاكرة الشخصية هي المرشح الأعمق لفهم حركة التاريخ الكبرى.

  • توليف التناقض في هوية سردية: الحبكة بين لغة الجسد الصادمة ولغة الروح الحالمة

لا تقتصر الحبكة في رواية “هديل سيدة حرة” على تنظيم الأحداث فحسب، بل تمتد لتشتغل على مستوى اللغة والأسلوب لخلق هوية سردية مركبة ومعقدة، من خلال توليف تناقضات أسلوبية عميقة تعكس الازدواجية الوجودية التي تعيشها البطلة، فقد وظف النص لغتين متباينتين ظاهريا لرسم الوجود المزدوج للبطلة وواقعها المتناقض، لغة الشعر والاستعارة والمجاز التي تصور عوالم الحلم والروح، ولغة الجسد الصادمة التي ترسم فظاعة الواقع.

تتجلى اللغة الشعرية في لحظات الحب والخلاص، كما في وصفها لعلاقتها بخيرون: “سهمك يا خَيْرُونُ يرمم ويهوّن المشي على الفحم الساخن”[71]، أو في استحضار أسطورة الحمامة المنتظرة: “حين تظهر للعيان، من على قمم الجبال… وتتكلم، وتنطق دررا، تتوقف شرور الحروب عن افتراس فرح القلوب”[72].

في المقابل، تبرز لغة الجسد المادي في مشاهد العنف والموت والدمار بكل وضوحه البشع والموحش، كوصف جثث القتلى: “بقايا جثة معجونة بالدم والسواد… أشلاء لحم معجونة مع بعضها ومع قطع من الخشب”[73]، أو تأمل أهوال الحرب: “دماء كثيرة تُسفك والأرض لا ترتوي، لا ترتوي… يظهر أنها لن ترتوي أبداً”[74].

هذا التناقض الأسلوبي ليس عشوائيا أو اعتباطيا، إنه تمثيل لغوي دقيق للازدواجية الوجودية التي تعيشها البطلة، فهي تقطن في عالمين متوازيين: عالم الروح والحلم والأمل حيث تتجلى “الإنيّة” الحالمة، وعالم الدم والحرب والواقع القاسي حيث تفرض “العينية” التاريخية المادية حضورها، فتنسج الحبكة هذين الخيطين معا في نسيج سردي واحد، لا لإلغاء التناقض أو تجاوزه، بل لإبراز تعايشهما المؤلم، فتنكشف من خلاله تعقيدات التجربة الإنسانية في ظروف تاريخية صارخة.

يمتد هذا التوليف ليشمل بناء الشخصية ذاتها، حيث تدمج الحبكة صورتين متناقضتين للبطلة في كيان سردي واحد لا يقبل الاختزال. الصورة الأولى تقدم القائدة الصلبة الحازمة، ابنة الأمير والحاكمة التي تقف على ظهر المركب في خضم المعركة وتصدر الأوامر وتواجه الأعداء وتتحمل مسؤوليات الحكم والإدارة في زمن الحرب، أما الصورة الثانية فتكشف عن المرأة الهشة العاشقة، التي ترتمي باكية على قبر حبيبها، وتتوق إلى الحب والأمومة، وتتألم من الخيانة وتشكك في الموروث، فتظهر الحبكة تناوب هاتين الصورتين وتبادلهما دون أن تلغي إحداهما الأخرى، مما يخلق وحدة سردية دينامية تعكس تعقيد الهوية الإنسانية التي لا يمكن اختزالها في دور واحد أو صورة أحادية، ففي مشهد واحد قد تجمع البطلة بين قسوة القرار العسكري وحنان الأمومة، أو بين صرامة الحكم ورقة المشاعر.

وبهذا تكون الحبكة قد نجحت في تحويل فوضى التاريخ المتناثر (أحداث متشظية، وقائع متناثرة، أزمنة متداخلة) إلى نظام القصة المتماسك (سيرة متماسكة، شخصية متطورة، معنى متولد)، محولة الوقائع الخارجية إلى تجربة داخلية، والأحداث العامة إلى مصير شخصي، والتناقضات الوجودية إلى وحدة سردية قادرة على احتضان التعقيد الإنساني، مؤكدة بذلك أن الهوية لا تنبني عبر إلغاء التناقضات، بل عبر توليفها في نسق سردي يتسع لها جميعا، مما يجعل من رواية “هديل سيدة حرة” نموذجا لآلية الحبكة في توليد المعنى الإنساني من رحم التاريخ والفوضى.

خاتمة:

في ختام هذه المقاربة التحليلية لرواية “هديل سيدة حرة”، يتأكد أن النص الروائي يقدم مختبراً سردياً فريداً لتشكل الهوية في لحظة تاريخية استثنائية من التمزق الحضاري والتحولات الكبرى. فإذا كانت الرواية تستعيد شخصية السيدة الحرة بوصفها نموذجا للمرأة الحاكمة في سياق صراعي معقد، فإنها لا تكتفي بتأريخ سيرتها، بل تعيد بناء ذاتها سرديا عبر آليات تخييلية تنقلها من أيقونة تاريخية جامدة إلى كيان وجودي نابض بالأسئلة والتناقضات.

لقد مثلت البطلة في هذا البناء مسرحا تتجلى فيه ثنائية العينية والإنيّة، لا كقطبين متصارعين يحاول أحدهما إلغاء الآخر، بل كقطبين متجاذبين ينتج عن تفاعلهما الدائم توتر بنّاء تتبلور عبره الهوية السردية في مسارها المتواصل.

كشفت الدراسة أن العينية بمحدداتها المتعددة من هوية هجينة موروثة، وإرث سياسي واجتماعي ثقيل، وذاكرة جمعية مكلومة بسقوط الأندلس، وأسطورة متوارثة بوصفها وعدا وعبء لا تشكل سجنا محكما يستعبد الذات ويسلبها حريتها، بل تتحول إلى أرضية صلبة تنطلق منها البطلة لتبني مسارها الإنيّ. فمن رحم الانتماء القسري إلى ثقافتين متنازعتين، ومن قلب الأدوار الاجتماعية المفروضة، ومن تحت وطأة الصدمة التاريخية، تبدأ الذات في اختراق الموروث عبر أفعال تحررية متدرجة ومتصاعدة، إذ يبدأ المسار بالاختيار الأخلاقي الذي يخرق قانون الثأر الجمعي عبر العفو عن الأسرى، ليتحول بعدها إلى الفعل الوجودي في الحب الذي يحتفي بالحياة في مواجهة ثقافة الموت، ثم إلى التوق إلى الأمومة الذي ينتصر للاستمرارية على الفناء، ليبلغ الذروة في المساءلة النقدية للأسطورة ذاتها، حيث تتحول البطلة من متلقية سلبية لوعد الحمامة المنتظرة إلى فاعلة ناقدة تسائل غياب الخلاص وتكتشف أن المنقذ الحقيقي كامن في قدرة البشر على تجاوز ضعفهم لا في كائن متعال منتظر.

أبانت المقاربة أن الحبكة السردية تؤدي دورا مركزيا في توليف هذه العناصر المتقابلة في بنية دالة متماسكة، فهي التي تحول الوقائع التاريخية المتناثرة كحصارات المدن، وتهجير الموريسكيين، ومعارك البحر، وتحالفات السلاطين، والاغتيالات السياسية إلى تجارب وجودية مكثفة تنغرس في الذاكرة الشخصية للبطلة وتعيد تشكيل وعيها، عبر تنظيم الأحداث وفق إيقاع الذاكرة الداخلي لا وفق التسلسل التاريخي الصارم. وهي التي تؤلف بين التناقضات الأسلوبية العميقة، ممثلة في لغة الجسد الصادمة التي ترسم فظاعة الواقع، ولغة الشعر والحلم التي تصور عوالم الروح والخلاص، لتخلق هوية لا تلغي التناقض بل تحتضنه، مؤكدة أن التعقيد الإنساني لا يُختزل في صورة واحدة. ومن ثم، تنجح الحبكة في تحويل فوضى التاريخ إلى نظام القصة، والأحداث العامة إلى مصير شخصي، والزمن الموضوعي إلى زمن ذاتي محكي. لتغدو بذلك فعلا خلاصيا يعيد الاعتبار للإنسانيات المسلوبة ويدرج المهمشين ( النساء، الضحايا، المهجرين ) في سجل الذاكرة الجمعية من جديد.

تكمن قيمة النموذج الذي تقدمه هديل سيدة حرة في أنها لا تختار قطيعة جذرية مع الموروث، ولا تستسلم لثقله فتذوب فيه، بل تنتزع من داخله مساحتها الخاصة عبر أفعال تحررية تراكمية. إنها تذكرنا بأن التحرر الحقيقي لا يتجلى في قطيعة جذرية شاملة، بل في تراكم واع من الخيارات الفردية التي تعيد تشكيل الموروث وتؤسس لذات قادرة على الفعل في صميم الجبر، وأن الهوية ليست نقطة وصول نبلغها مرة واحدة، بل هي مسار لا ينتهي من التفاوض بين ما ورثنا وما نختار، بين ما فرض علينا وما ننتزعه لأنفسنا. وهذا ما يجعل من رواية الدامون عملا يتجاوز حدود التاريخ إلى فلسفة الوجود، ومن شخصية هديل نموذجا إنسانيا يؤكد أن الفعل الإنساني يمكنه دوما أن ينتصر على الجبر التاريخي، وأن الحرية تظل ممكنة حتى في أحلك لحظات الإكراه.

وهكذا، تظل “هديل سيدة حرة” شاهداً على قدرة الرواية التاريخية على تجاوز التوثيق إلى الخلق، وعلى تحويل المادة التاريخية الجامدة إلى طاقة سردية حية تخاطب الوجدان وتثير الأسئلة. وهي تؤكد، في النهاية، أن الإنسان لا يعي تاريخه حقاً إلا عندما يحوله إلى قصة، وأن الذاكرة لا تظل حية إلا عندما تروى، وأن المستقبل لا يُبنى إلا على جسر يمتد بين ضفتي الماضي والحاضر. ممثلة بذلك إضافة نوعية للمشروع الروائي المغربي المعاصر بقدرتها على المزج بين عمق الرؤية التاريخية وحداثة الأدوات السردية، وبين راهنية القضايا الوجودية (الهوية، الحرية، الذاكرة، العلاقة بالآخر) وخصوصية التجربة المحلية، في زمن عربي يعيش مخاض الهوية وعسر التحولات.

قائمة المراجع

أولاً: المصادر باللغة العربية

1. عبد الله إبراهيم، السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 2، 2000.

2. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015،

3. سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، ط 1، 2023.

4. عبد الفتاح كيليطو، الحكاية والتأويل: دراسات في السرد العربي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2005.

5. عبد الغني عماد، سوسيولوجيا الهوية: جدليات الوعي والتفكك وإعادة البناء، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2017.

ثانياً: المصادر المترجمة

6. بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2005.

7. بول ريكور، الزمان والسرد – الجزء الثالث: الزمان المروي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ط 1، 2006.

Margins:

  1. سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، ط 1، 2023، ص 31.

  2. المرجع السابق نفسه، ص 23.

  3. المرجع السابق نفسه، ص 30.

  4. المرجع السابق نفسه، ص 68.

  5. بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2005، ص 51-52.

  6. بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2005، ص 32.

  7. سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، ط 1، 2023، ص 47.

  8. بول ريكور، الزمان والسرد – الجزء الثالث: الزمان المروي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ط 1، 2006، ص 444.

  9. سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، ط 1، 2023، ص 24.

  10. المرجع السابق نفسه، ص 23.

  11. المرجع السابق نفسه، ص 37.

  12. المرجع السابق نفسه، ص 38.

  13. المرجع السابق نفسه، ص 41.

  14. سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، ط 1، 2023، ص 42.

  15. عبد الله إبراهيم، السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 2، 2000، ص 13.

  16. المرجع السابق نفسه، ص 46.

  17. سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، ط 1، 2023، ص 46.

  18. المرجع السابق نفسه، ص 50.

  19. المرجع السابق نفسه، ص 56.

  20. المرجع السابق نفسه، ص 50.

  21. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 7.

  22. سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، ط 1، 2023، ص 37-38.

  23. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 7.

  24. عبد الفتاح كيليطو، الحكاية والتأويل: دراسات في السرد العربي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2005، ص 20.

  25. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 35.

  26. المرجع السابق نفسه، ص 14.

  27. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 76.

  28. المرجع السابق نفسه، ص 72.

  29. المرجع السابق نفسه، ص 73.

  30. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 7.

  31. عبد الغني عماد، سوسيولوجيا الهوية: جدليات الوعي والتفكك وإعادة البناء، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2017، ص 28.

  32. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 62.

  33. المرجع السابق نفسه، ص 47.

  34. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 114.

  35. المرجع السابق نفسه، ص 9.

  36. المرجع السابق نفسه، ص 46.

  37. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 46.

  38. المرجع السابق نفسه، ص 10.

  39. المرجع السابق نفسه، ص 102.

  40. المرجع السابق نفسه، ص 181.

  41. سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، ط 1، 2023، ص 41.

  42. المرجع السابق نفسه، ص 42.

  43. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 149.

  44. المرجع السابق نفسه، ص 151.

  45. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 88.

  46. المرجع السابق نفسه، ص 109.

  47. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 117.

  48. المرجع السابق نفسه، ص 120.

  49. المرجع السابق نفسه، ص 121.

  50. المرجع السابق نفسه، ص 87.

  51. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 138.

  52. سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، ط 1، 2023، ص 46.

  53. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 102.

  54. سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، ط 1، 2023، ص 46.

  55. المرجع السابق نفسه، الصفحة نفسها.

  56. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 14.

  57. المرجع السابق نفسه، الصفحة نفسها.

  58. المرجع السابق نفسه، ص 57.

  59. المرجع السابق نفسه، ص 59.

  60. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 136-138.

  61. المرجع السابق نفسه، ص 148.

  62. المرجع السابق نفسه، ص 20.

  63. المرجع السابق نفسه، ص 30.

  64. المرجع السابق نفسه، ص 177.

  65. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 73.

  66. المرجع السابق نفسه، ص 74.

  67. المرجع السابق نفسه، ص 180.

  68. المرجع السابق نفسه، ص 15.

  69. المرجع السابق نفسه، ص 46.

  70. المرجع السابق نفسه، ص 14-15.

  71. البشير الدامون، هديل سيدة حرة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2015، ص 116.

  72. المرجع السابق نفسه، ص 9.

  73. المرجع السابق نفسه، ص 135.

  74. المرجع السابق نفسه، ص 47.