Article 8

التحديات التعليمية لطلاب المرحلة الإعدادية في ظل الانتقال من التعلم عن بُعد أثناء الحرب إلى التعليم الوجاهي

كوثر عنبوسي1

1 دكتوراه التعليم والتعلم، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين

بريد الكتروني: kawther71@walla.co.il

اشراف د. محمد طالب دبوس

Educational Challenges Facing Lower Secondary Students in the Transition from Wartime Remote Learning to Face-to-Face Education

Kawthar Anbousi¹

¹ PhD in Teaching and Learning, An-Najah National University, Nablus, Palestine.
Email: kawther71@walla.co.il. Supervised by Dr. Mohammed Taleb Dabbous.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj710/8

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/710/8

المجلد (7) العدد (10). الصفحات: 140 - 160

تاريخ الاستقبال: 2026-09-05 | تاريخ القبول: 2026-09-15 | تاريخ النشر: 2026-10-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: هدفت الدراسة إلى استكشاف التحديات التي يواجهها طلبة المرحلة الإعدادية في استعادة مهارات العلوم المخبرية بعد انتقالهم من التعلم عن بُعد خلال الحرب إلى التعليم الوجاهي. اعتمدت الدراسة منهجاً نوعياً بتصميم دراسة الحالة في مدرسة الأندلس الإعدادية بمدينة باقة الغربية، واختيرت عينة قصدية من 15 طالباً و5 معلمي علوم. جُمعت البيانات بالمقابلات نصف المنظمة والملاحظة الميدانية، مع الاستعانة بمجموعات التركيز والوثائق، وحُللت تحليلاً موضوعياً عبر ترميز الاستجابات والسلوكيات. أظهرت النتائج فجوة بين مشاهدة التجارب رقمياً والقدرة على تنفيذها باستخدام الأدوات الحقيقية؛ وتمثلت الصعوبات في التردد عند استعمال المجهر وأدوات القياس والمواد المخبرية، وضعف الثقة بالأداء العملي. كما أبرزت إفادات المشاركين ارتباط القلق وتشتت الانتباه بظروف الحرب والانقطاع عن المختبر، فضلاً عن ضيق الوقت المتاح للمعلمين لمعالجة الفاقد المهاري. وتوصي الدراسة بالتدريب العملي المتدرج، ونمذجة المهارات، وتوفير بيئة مخبرية داعمة تراعي الاحتياجات النفسية للطلبة، مع تخصيص وقت لاستعادة الكفايات التطبيقية. وتقتصر هذه النتائج النوعية على سياق الحالة المدروسة.

الكلمات المفتاحية: التعلم عن بُعد، التعليم الوجاهي، المهارات المخبرية، المرحلة الإعدادية، التعافي التعليمي.

Abstract: This qualitative case study explored challenges in restoring lower secondary students’ practical science skills after the transition from wartime remote learning to face-to-face education. At Al-Andalus Preparatory School in Baqa al-Gharbiyye, a purposive sample comprised 15 students and five science teachers. Semi-structured interviews and field observations, supported by focus groups and documents, were examined through thematic analysis. The findings indicate a gap between watching experiments online and performing them with physical equipment. Students hesitated when using microscopes, measuring devices, and laboratory materials, and expressed reduced confidence in practical work. Participants linked anxiety and poor concentration to wartime disruption and absence from the laboratory; teachers also reported limited time to address practical learning loss. The study recommends gradual hands-on practice, teacher modeling, a psychologically supportive laboratory environment, and dedicated time for rebuilding practical competencies. Findings are specific to the case studied.

Keywords: Remote learning; laboratory skills; learning recovery.

الفصل الأول: مشكلة البحث وخلفيته

1.1 مقدمة البحث

لم تكن جدران المدارس يوماً مجرد حجارة صماء، بل كانت صوامع للفكر، ومختبراتٍ تُصاغ فيها ملامح الغد. غير أن رياح الحرب حين عصفت، لم تكتفِ بإغلاق الأبواب، بل ضربت في عمق التجربة التعليمية، مُحيلةً “المختبر العلمي” — ذلك الفضاء الحي المفعم بالحركة والاكتشاف — إلى مجرد صورٍ باهتة خلف شاشات زجاجية باردة.

لقد عاش طلابنا في المرحلة الإعدادية فصلاً استثنائياً من “الاغتراب المعرفي”؛ حيث استُبدلت الأنابيب المخبرية بضغطة زر، والمشاهدة الحية بمقاطع فيديو صامتة الروح. واليوم، ونحن نخطو خطواتنا الأولى في رحلة العودة الوجاهية، نصطدم بحقيقةٍ لا يمكن تجاهلها: “الفجوة المنسية”. إنها تلك المسافة القابعة بين ما شاهده الطالب “رقمياً” وبين ما عجزت يداه عن لمسه “واقعياً”. هي ارتعاشه الأنامل حين تمسك بمجهرٍ لأول مرة بعد طول غياب، وتردد العقل في تفسير ظاهرةٍ كانت بالأمس مجرد رسمٍ توضيحي على الشاشة.

إن هذا البحث لا يسعى فقط لترميم مهاراتٍ تقنية فُقدت، بل يطمح لاستعادة “الثقة” التي زُعزعت. فنحن لا ندرس فقط كيفية سكب محلول أو ضبط عدسة، بل نستقرئ أثر الصدمة على الانتباه، وفقدان الألفة مع الأدوات العلمية التي تمثل لغة العالم المعاصر. ومن هنا، تنبع أهمية هذا البحث لتكون صرخةً تربوية تلفت الأنظار إلى أن “التعافي التعليمي” لا يكتمل باستكمال المناهج النظرية، بل باستعادة حواس الطالب العلمية، وإعادة الروح للمختبر ليكون مجدداً بيئةً آمنة، تُرمم ما أفسدته الحرب، وتجسر الفجوة من “خلف الشاشة” إلى “قلب المختبر”.

هذا البحث يلمس واقعاً حساساً وهاماً جداً، فدمج أثر “الحرب” مع “التعلم عن بعد” ثم “العودة للوجاهي” يخلق سياقاً فريداً لفهم التحديات النفسية والأكاديمية لطلاب المرحلة الإعدادية.

في هذا البحث نركز على “الخبرة المعاشة” و”المعاني” التي يعطيها الأفراد لتجاربهم.

الفجوة المنسية: من الشاشة إلى المختبر, خلقت تحديات استعادة المهارات العلمية لدى طلاب المرحلة الإعدادية في ظل الانتقال من التعلم عن بعد أثناء الحرب إلى التعليم الوجاهي.

لماذا هذا الدمج قوي أكاديمياً؟

  1. الشمولية: “الفجوة المنسية” تشير إلى الجوانب النفسية والمعرفية العامة، بينما “من الشاشة إلى المختبر” تحدد نطاق البحث في مادة العلوم والجانب العملي.
  2. الواقعية: يعكس الصعوبة الحقيقية التي يواجهها معلم العلوم؛ وهي كيف نعيد طالباً اعتاد على “المحاكاة الافتراضية” ليمسك الأنبوب والمجهر بيده في ظل رواسب نفسية من فترة الحرب.

1.2 تحديد مشكلة البحث (The Research Problem)

تتبلور مشكلة البحث في وجود “فجوة مهارية منسية” نشأت لدى طلاب المرحلة الإعدادية نتيجة التحول القسري من التعليم الوجاهي إلى التعلم عن بُعد إبان فترة الحرب. فعلى الرغم من استمرارية العملية التعليمية عبر الشاشات، إلا أن هذا النمط التعليمي ركز بشكل أساسي على الجوانب النظرية والمعرفية، مما أدى إلى غياب شبه كامل للتفاعل المادي والحسي مع المختبرات المدرسية.

ويمكن تفصيل المشكلة في النقاط التالية:

  1. الاغتراب الأدواتي: يواجه الطلاب حالة من “الاغتراب” عند التعامل مع الأدوات العلمية الحقيقية؛ حيث استُبدلت الممارسة الحسية بمحاكاة رقمية افتراضية. هذا الانتقال ولد نقصاً في “الكفايات الأدواتية” تظهر آثاره في صورة تردد حركي وأخطاء تقنية عند العودة للمختبر الواقعي.
  2. تداخل الصدمة مع الأداء: لا تقتصر المشكلة على الجانب التقني فحسب، بل تمتد لتشمل “الحاجز النفس-معرفي” الناتج عن صدمة الحرب. فرواسب الصدمة تؤدي إلى تشتت الانتباه وضعف الثقة بالنفس أثناء تنفيذ المهام التي تتطلب دقة وتركيزاً عالياً داخل المختبر.
  3. خداع الإدراك الرقمي: أدت المختبرات الافتراضية إلى نوع من “الخداع الإدراكي”؛ حيث اعتقد الطلاب إتقان المهارة عبر الشاشة، لكنهم اصطدموا بعجز واضح في “التآزر الحسي-الحركي” عند ملامسة الواقع.
  4. تحديات الترميم التربوي: يجد معلمو العلوم أنفسهم أمام معضلة “ترميم” هذه المهارات المفقودة في ظل جدول دراسي مزدحم وضغوط المناهج الوجاهية، مما قد يؤدي إلى إهمال الجانب العملي لصالح المحتوى النظري.
  5. تبرز خطورة “الفجوة المنسية’ او الفاقد المهارى في المرحلة الإعدادية، كونها المرحلة التي تتشكل فيها الاتجاهات نحو العلوم والتخصصات العلمية المستقبلية ,وتشكل حاجز نفسي ومعرفي قد يعيق قدرة الطالب على الانخراط الفعال في مجتمعات التعلم العلمي الوجاهية.

ملخص المشكلة (The Gap) يكمن في أن “التعافي التعليمي” الحالي قد يغفل عن استعادة “حواس الطالب العلمية”، مما يهدد ببقاء فجوة مهارية تراكمية قد تعيق تطور التفكير الاستقصائي لدى الطلاب في المراحل اللاحقة. ومن هنا يسعى هذا البحث لاستكشاف طبيعة هذه التحديات وكيفية تجسير المسافة من “خلف الشاشة” إلى “قلب المختبر”

1.3 أهداف الدراسة

الهدف الرئيس من هذا البحث هو فهم واستكشاف التحديات التي تعيق استعادة المهارات العلمية التطبيقية لدى طلاب المرحلة الإعدادية في سياق التحول من التعلم عن بُعد (إبان الحرب) إلى التعلم الوجاهي.

وينبثق عن هذا الهدف الأهداف التفصيلية التالية:

  1. تشخيص الفجوة المهارية: رصد وتحليل المهارات الأدواتية والمخبرية التي فقدها الطلاب أو واجهوا صعوبة في ممارستها (مثل: استخدام المجهر، القياس الدقيق، التعامل مع المواد الكيميائية).
  2. استكشاف الحاجز النفس-معرفي: فهم أثر “صدمة الحرب” وفترة الانقطاع عن الممارسة الحسية على ثقة الطلاب بأنفسهم داخل المختبر وقدرتهم على التركيز في الخطوات العلمية.
  3. تقييم فاعلية أدوات المحاكاة: التعرف على رؤية الطلاب لمدى كفاية المختبرات الافتراضية (التي استخدمت عن بُعد) في إعدادهم للتطبيق الواقعي، ومدى اتساع الفجوة بين “الشاشة” و”المس الحقيقي”.
  4. رصد التحديات التدريسية: استقصاء المعوقات التي تواجه معلمي العلوم عند محاولة “ترميم” هذه المهارات في ظل ضيق الوقت وضغط المنهاج الوجاهي.
  5. تطوير مقترحات تربوية: بناء إطار عملي أو توصيات مستمدة من نتائج البحث النوعي لمساعدة المعلمين في سد هذه الفجوة بطريقة تراعي خصوصية مرحلة ما بعد الحرب.

بالنهاية يسعى البحث إلى استكشاف أبعاد هذه الفجوة من خلال:

  • تحديد المهارات المخبرية الأكثر تضرراً لدى طلاب المرحلة الإعدادية.
  • فهم العلاقة بين السياق النفسي للحرب والقدرة على التركيز والتطبيق العملي.
  • رصد التحديات التي تواجه المعلمين في “ترميم” هذه المهارات ضمن الجدول الدراسي المزدحم.

أسئلة البحث:

يسعى البحث الى الإجابة عن السؤال الرئيسي:

ما هي طبيعة التحديات والممارسات المهارية التي تواجه طلاب المرحلة الإعدادية في مختبرات العلوم بعد الانتقال من التعلم عن بُعد أثناء الحرب إلى التعلم الوجاهي؟

الأسئلة الفرعية:

  1. الأسئلة المتعلقة بالجانب المهارى (التشخيص):
  2. ما هي أبرز المهارات العلمية التطبيقية التي يجد الطلاب صعوبة في استعادتها أو إتقانها بعد العودة للمختبر الحقيقي؟
  3. كيف يصف الطلاب الفجوة بين تجربة “المختبر الافتراضي” (عبر الشاشة) وبين التعامل المباشر مع الأدوات والمواد الكيميائية؟
  4. الأسئلة المتعلقة بالجانب النفس-تربوي (السياق):
  5. كيف أثرت الظروف النفسية المرتبطة بفترة الحرب على دافعية الطلاب وثقتهم في تنفيذ التجارب العلمية الوجاهية؟
  6. ما هي المشاعر أو المخاوف التي يبديها الطلاب عند مواجهة المهام العملية التي تتطلب تركيزاً ودقة بعد فترة الانقطاع؟

1.4 أهمية البحث (Research Significance)

تتداخل الأهمية النظرية والتطبيقية لهذا البحث لتشكل خريطة طريق تربوية تهدف إلى تجسير الهوة بين ما هو مكتوب في المناهج وما هو مطبق فعلياً في يد الطالب, تستمد الدراسة الحالية أهميتها من طبيعة المرحلة الانتقالية التي يمر بها النظام التربوي في ظل ظروف ما بعد الأزمات، وتبرز هذه الأهمية في جانبين رئيسين:

أولاً: الأهمية النظرية (Theoretical Significance)

  1. إثراء الأدب التربوي: تساهم هذه الدراسة في تقديم إطار نظري نوعي حول مفهوم “الفجوة المنسية” في المهارات العلمية، وهو جانب قد يغفل عنه الكثير من الباحثين الذين يركزون على الفاقد المعرفي (النظري) فقط.
  2. فهم سيكولوجية التعلم في الطوارئ: تضيف الدراسة رؤية معمقة حول كيفية تأثير الصدمات الناتجة عن الحروب على “التآزر الحسي-الحركي” لدى الطلاب، مما يفتح آفاقاً جديدة في علم النفس التربوي لربط المهارة اليدوية بالاستقرار النفسي.
  3. التأصيل للمنهج النوعي: توفر هذه الدراسة نموذجاً تطبيقياً لمنهج “دراسة الحالة” في رصد الظواهر التربوية المعقدة داخل المختبرات المدرسية، مما يفيد الباحثين في كيفية تحليل السلوك المهارى وتفسيره.

ثانياً: الأهمية التطبيقية (Practical Significance)

  1. توجيه معلمي العلوم: تقدم الدراسة للمعلمين أدوات عملية (مثل بطاقة الملاحظة ودليل المقابلة) وإرشادات تربوية تساعدهم على تشخيص الفجوات المهارية لدى طلابهم وتصميم أنشطة علاجية تتناسب مع قدراتهم الحالية.
  2. دعم صناع القرار التربوي: تضع الدراسة أمام واضعي المناهج والخطط الاستدراكية بيانات واقعية حول احتياجات المختبرات المدرسية في مرحلة ما بعد الحرب، مما يساعد في إعادة تصميم الجداول الدراسية لتشمل حصصاً لترميم المهارات الأدواتية.
  3. تحسين البيئة الصفية: تسهم النتائج في خلق بيئة تعليمية أكثر احتواءً للطلاب، من خلال التوعية بضرورة الدمج بين الدعم النفسي والتمكين العلمي، مما يقلل من نسب الإخفاق أو العزوف عن التخصصات العلمية مستقبلاً.
  4. توعية أولياء الأمور: توفر الدراسة رؤية لأولياء الأمور حول طبيعة التحديات التي يواجهها أبناؤهم، مما يعزز من دور الأسرة في دعم “التعافي التعليمي” من خلال التشجيع والمتابعة المنزلية.

1.5 حدود الدراسة

يلتزم البحث الحالي بمجموعة من الحدود التي ترسم نطاقه الموضوعي والميداني، وهي كالتالي:

  • الحدود الموضوعية (Subject Boundaries): يقتصر البحث على استكشاف التحديات المرتبطة بـ “المهارات العلمية التطبيقية” (المخبرية) في مادة العلوم، وأثر الانتقال من التعلم عن بُعد أثناء فترة الحرب إلى التعلم الوجاهي على اكتساب هذه المهارات.
  • الحدود البشرية (Human Boundaries): يشمل البحث عينة قصدية من طلاب المرحلة الإعدادية (الصف السابع إلى التاسع) الذين عايشوا تجربة التعلم في الطوارئ، بالإضافة إلى عدد من معلمي ومعلمات العلوم الذين أشرفوا على تدريس هؤلاء الطلاب في المرحلتين (عن بُعد والوجاهي).
  • الحدود المكانية (Spatial Boundaries): طبق البحث في مدرسة الاندلس الاعداديه -باقه الغربيه، وهي بيئة تعليمية تأثرت بظروف الحرب وانتقلت من نظام التعلم الرقمي إلى العودة للمختبرات المدرسية الوجاهية.
  • الحدود الزمانية (Temporal Boundaries): تم تنفيذ هذه الدراسة خلال الفصل الدراسي الثاني من العام الدراسي 2026/2025، وهي الفترة التي تلت العودة الفعلية والانتظام في التعليم الوجاهي بعد انقطاع أو تذبذب ناتج عن ظروف الحرب.

1.6 مصطلحات الدراسة وتعريفاتها الإجرائية

المصطلحات الإجرائية للدراسة

  1. الفجوة المنسية (The Forgotten Gap):

نظرياً: هي التباين بين المعارف والمهارات التي كان ينبغي للطالب اكتسابها وبين ما حصله فعلياً نتيجة انقطاع التعليم.

إجرائياً في هذا البحث: هي حالة “الفقدان المهاري” و”الاغتراب الأدواتي” التي يعاني منها طلاب المرحلة الإعدادية في مختبرات العلوم، والناتجة عن الاعتماد الحصري على المحاكاة الرقمية خلال فترة الحرب، وتظهر آثارها في صورة تردد حركي، أخطاء تقنية، ونقص في الثقة عند التعامل مع الأدوات الحقيقية بعد العودة للتعليم الوجاهي.

  1. المهارات العلمية التطبيقية (Applied Scientific Skills):

نظرياً: هي القدرة على تنفيذ الإجراءات العلمية واستخدام الأدوات المخبرية بكفاءة ودقة.

إجرائياً في هذا البحث: هي مجموعة الكفايات اليدوية والحركية التي يرصدها البحث لدى الطلاب داخل المختبر، وتشمل: (الدقة في القياس، مهارة استخدام المجهر، التعامل الآمن مع المواد الكيميائية، وتتبع خطوات التجربة عملياً)، والتي تأثرت سلباً بفترة الانقطاع عن الممارسة الحسية.

  1. التعلم في ظل الطوارئ (Learning in Emergencies – LiE)

يُعرف نظرياً بأنه مجموعة الاستجابات التعليمية المخطط لها والمنظمة التي يتم تقديمها للأفراد (خاصة الأطفال والشباب) الذين تضرروا من الأزمات، سواء كانت كوارث طبيعية، صراعات مسلحة، أو أوبئة صحية.

المبادئ الأساسية لهذا المفهوم:

إجرائياً: هو النمط التعليمي (عن بُعد أو الهجين) الذي طُبق خلال فترة الحرب لضمان استمرارية التعليم، والذي اتسم بالتركيز على الجوانب النظرية والمعرفية عبر الشاشات، مع غياب شبه كامل للتفاعل المادي مع المختبرات المدرسية.

4. الاستعارة المهارية (Skill Recovery)

هذا المصطلح غالباً ما يُستخدم في السياقات الفلسفية والتربوية لوصف عملية نقل المعرفة أو المهارة من سياق إلى آخر عبر التشبيه أو المحاكاة الذهنية.

التعريف النظري: هي استراتيجية ذهنية يتم فيها استعارة هيكل مهارة معروفة ومتقنة سابقاً لتسهيل اكتساب مهارة جديدة كلياً. بدلاً من البدء من الصفر، يقوم الدماغ بربط الروابط العصبية للمهارة القديمة بالمهارة الجديدة.

مستويات الاستعارة المهارية:

  1. النقل المعرفي: استخدام قواعد المنطق في “لعبة الشطرنج” (مهارة سابقة) لفهم “التخطيط الاستراتيجي في الإدارة” (مهارة جديدة).
  2. التشبيه الحركي: كأن يشرح المدرب مهارة “التجديف” للمبتدئ باستعارة حركة “فتح الباب بقوة”، لتقريب الصورة الذهنية للعضلات المستهدفة.
  3. التوظيف البيداغوجي: استخدام المعلمين للأمثلة المستعارة من حياة الطالب اليومية لتبسيط مهارات تقنية معقدة.
  4. إجرائياً: هي العملية التربوية والتدخلات التي يقوم بها المعلم داخل المختبر الوجاهي بهدف “ترميم” الكفايات المفقودة لدى الطلاب، وإعادة بناء ثقتهم في التعامل مع الأدوات العلمية وتجسير الفجوة بين ما تعلموه “شاشةً” وما يطبقونه “واقعاً”.

الفصل الثاني: الإطار النظري والدراسات السابقة ذات الصلة

2.1 المنطلقات النظرية للبحث (Theoretical Framework)

يتبنى البحث الحالي مدخلاً تكاملياً يستند إلى ثلاث ركائز نظرية تفسر طبيعة الفجوة المهارية وعملية التعافي منها:

  1. النظرية البنائية (Constructivism): ينطلق هذا البحث من فرضية “جان بياجيه” و”جون ديوي” بأن التعلم الحقيقي هو “تعلم بالممارسة”. فالمختبر ليس مكاناً لتلقي المعلومات، بل هو فضاء لبناء المعرفة حسياً. ومن منظور بنائي، فإن الانقطاع عن المختبر أدى إلى “بنية معرفية منقوصة” لدى الطلاب، حيث يفتقدون للخبرة المادية التي تحول المعلومات النظرية إلى مهارات راسخة.

الربط بين طبيعة المهارات العلمية وتحديات اكتسابها في ظل الظروف الرقمية القسرية يتجلى بالنقاط الأتية:

  • المهارات المخبرية: من الإدراك البصري إلى التآزر الحسي الحركي:

تُعد المهارة المخبرية في جوهرها مزيجاً معقداً بين العمليات الذهنية والأداء الحركي الدقيق. فتعلم العلوم لا يتوقف عند فهم المعادلة أو القانون، بل يمتد ليشمل “الكفاية الأدواتية” (Instrumental Competence)، وهي القدرة على تطويع الأداة العلمية لخدمة الهدف المعرفي.

  • طبيعة التعلم بالممارسة (Learning by Doing):

وفقاً للنظريات البنائية، فإن المختبر المدرسي يمثل بيئة “التعلم الأصيل” حيث يبني الطالب المعنى من خلال ملامسة المادة. إن الانقطاع عن هذه الممارسة خلال فترة الحرب أحدث فجوة فيما يُعرف بـ “الذاكرة العضلية” (Muscle Memory)؛ فالطالب قد يتذكر شكل المجهر من خلال الشاشة، لكنه يفقد الألفة الحسية اللازمة لضبط العدسات أو التعامل بحذر مع الشرائح الزجاجية.

  • إشكالية “الوساطة الرقمية” وخداع الإدراك:

خلال التعلم عن بُعد، انتقل الطالب من دور “الممارس” إلى دور “المشاهد”. هذا التحول خلق نوعاً من “الإدراك المبتور”؛ حيث يعتقد الطالب أنه استوعب المهارة بمجرد مشاهدة فيديو توضيحي أو استخدام مختبر افتراضي. إلا أن الواقع الوجاهي يكشف أن “الضغط على الأيقونة” لا يغني عن “إحساس المقاومة” في الأدوات الميكانيكية أو تقدير حجوم السوائل في المخابير المدرجة، مما يولد حالة من التردد المهارى عند العودة للمختبر الحقيقي.

  • التحديات المهارية في سياق “تعليم الطوارئ”:

يجب التمييز هنا بين التعلم الإلكتروني المصمم مسبقاً وبين “تعليم الطوارئ عن بُعد” (Emergency Remote Teaching) الذي فُرض أثناء الحرب. في الحالة الأخيرة، غاب التخطيط المسبق لتعويض الجوانب العملية، مما جعل الفجوة المهارية لدى طلاب المرحلة الإعدادية -وهي مرحلة تكوين الأساس العلمي- أعمق وأكثر تأثيراً على ثقتهم بأنفسهم كـ “علماء صغار”

  1. نظرية التعلم الاجتماعي والكفاءة الذاتية (Social Learning Theory): استناداً إلى أدبيات “ألبيرت باندورا”، يركز البحث على مفهوم “الكفاءة الذاتية”. فالطالب يحتاج للشعور بالقدرة على التحكم في الأدوات العلمية لينجح في التجربة. الصدمة الناتجة عن الحرب والعزلة خلف الشاشات أضعفت هذه الكفاءة، مما حول المختبر من مكان للاكتشاف إلى مصدر للقلق والتردد.

العمق النفسي-التربوي يظهر في الربط بين “الحرب” و”الأداء المهاري” في مدرسة عادية بالنقاط الأتية:

  • سيكولوجية الأداء المهارى في سياق الصدمة والقلق (Psychology of Performance)

لا ينفصل الأداء الحركي داخل المختبر عن الحالة النفسية والذهنية للطالب؛ فالمختبر بيئة تتطلب تركيزاً عالياً ودقة في التنفيذ، وهي جوانب تتأثر بشكل مباشر بالظروف الضاغطة التي تفرضها الحروب.

  • قلق الأداء والعودة للميدان (Performance Anxiety):

بعد فترة طويلة من الانقطاع والتعلم خلف الشاشات، يواجه الطلاب ما يُعرف بـ “قلق العودة”. هذا القلق ينبع من الخوف من الخطأ أمام الأقران أو إتلاف الأدوات المختبرية التي باتت تبدو “غريبة” عليهم. في هذا البحث ، يُلاحظ أن هذا القلق يترجم حركياً في صورة (تردد، ارتعاش اليدين، أو البطء الشديد)، مما يعيق انسيابية التعلم التجريبي.

  • تشتت الانتباه الناتج عن الصدمة (Trauma-Induced Cognitive Load):

تؤكد الدراسات السيكولوجية أن الطلاب الذين عايشوا ظروف الحرب يعانون من زيادة في “الحمل المعرفي” نتيجة انشغال العقل الباطن بمعالجة أحداث الصدمة. هذا التشتت يضعف القدرة على اتباع الإرشادات المركبة داخل المختبر (مثلاً: خطوات تجربة كيميائية متعددة المراحل)، حيث يجد الطالب صعوبة في الربط بين التعليمات النظرية والتطبيق اليدوي اللحظي.

  • انخفاض الكفاءة الذاتية (Self-Efficacy):

تُعرف الكفاءة الذاتية بأنها إيمان الفرد بقدرته على إنجاز مهمة محددة. إن “الفجوة المنسية” التي أحدثها التعليم الافتراضي أدت إلى تآكل هذه الثقة؛ فالطالب الذي كان يرى نفسه متفوقاً “رقمياً” قد يصطدم بعجزه “واقعياً”، مما يؤدي إلى انسحاب تدريجي من المشاركة الفاعلة في الحصص العملية، وهو تحدٍ كبير يجب على “برامج الترميم” معالجته.

  1. نظرية السقالات التعليمية (Scaffolding Theory): بالاستناد إلى مفهوم “منطقة النمو الوشيك” لـ “فيجوتسكي”، ينظر البحث إلى دور المعلم كداعم أساسي في مرحلة العودة الوجاهية. فالترميم المهارى يتطلب بناء “سقالات” (تعليمات مجزأة، نمذجة حركية) تساعد الطالب على تجاوز فجوته المهارية والوصول إلى مستوى الإتقان الذي كان عليه قبل الأزمة.

الحلول المقترحة (الترميم) السقالات التعليمية” المشتقة من نظرية “فيجوتسكي”.

1. مفهوم الترميم المهارى (Skill Remediation): لا يقتصر الترميم هنا على إعادة شرح المادة النظرية، بل هو عملية “إعادة ألفة” بين الطالب والأداة. إن الترميم المهارى يتطلب تدرجاً يبدأ من (إعادة الاستكشاف الحسّي) للأداة دون خوف، وصولاً إلى (الإتقان الإجرائي).

2. السقالات التعليمية (Scaffolding): في ظل الفجوة المهارية، يلعب المعلم دور “الميسر” الذي يقدم دعماً مؤقتاً للطالب. يتمثل هذا الدعم في تقديم تعليمات مجزأة (Chunking)، ونمذجة الأداء أمام الطلاب (Modeling)، مما يقلل من حدة القلق ويزيد من ثقة الطالب في قدرته على التعامل مع الأدوات المعقدة.

3. الانتقال من الافتراضي إلى الواقعي (Blended Transition): يقترح هذا المحور عدم القطيعة التامة مع ما تعلمه الطلاب خلف الشاشات، بل استخدامه كمنطلق. بحيث يتم الربط بين الصور الذهنية التي تشكلت في المختبرات الافتراضية وبين الواقع الملموس، مما يحول الشاشة من “بديل” إلى “ممهد” للخبرة الحسية.

الدراسات السابقة

تؤكد الدراسات التربوية أن الأزمات والحروب أحدثت حالة من “الانزلاق التعليمي” (Learning Slide) تجاوزت مجرد الفقدان المعرفي لتصل إلى عمق المهارات الأدواتية. وفي هذا السياق، يشير الرشيدي (2023) إلى أن التعلم عن بُعد في حالات الطوارئ، رغم كونه حلاً مؤقتاً، قد خلق هوة واسعة في الكفايات المخبرية، حيث لم تستطع الشاشات تعويض “الخبرة الحسية” اللازمة لإتقان العلوم. ويتسق ذلك مع ما طرحه Hodges et al. (2020) من أن “تعليم الطوارئ عن بُعد” يفتقر إلى التصميم المنهجي الذي يضمن بناء المهارات التطبيقية، مما جعل العودة للمختبر الوجاهي محفوفة بتحديات “الاغتراب عن الأداة”.

من جانب آخر، يربط خلف (2022) بين الفاقد التعليمي في العلوم وبين غياب الممارسة اليدوية، محذراً من أن استمرار هذه الفجوة قد يعيق تطور التفكير الاستقصائي لدى طلاب المرحلة الأساسية. ولا يقتصر التحدي على الجانب المهاري فحسب، بل يمتد للأثر النفسي؛ حيث يوضح مركز القطان (2024) أن التعليم في سياق الصدمة (كالناتج عن الحرب) يؤدي إلى تشتت الانتباه وضعف الثقة بالنفس أثناء تنفيذ المهام العملية، وهو ما أكدته تقارير UNESCO (2022) حول ضرورة وجود مسارات “تعافٍ تعليمي” شاملة تراعي الجوانب الأكاديمية والنفسية معاً. وبناءً على ما سبق، تبرز الحاجة الملحة لهذه الدراسة الحالية لاستكشاف كيفية تحويل رحلة الطالب “من الشاشة إلى المختبر” إلى تجربة ترميمية تعيد بناء ما فقده الطلاب خلال سنوات الأزمة.

يمكن القول إن الدراسات السابقة رصدت “وجود” الفاقد، بينما البحث الحالي سيتعمق في “كيفية” استعادة هذه المهارات

الفصل الثالث: منهج البحث وإجراءاته

3.1 منهج البحث (Research Design)

يعتمد هذه البحث على المنهج النوعي (Qualitative Approach)، وتحديداً تصميم “دراسة الحالة” ,هذا المنهج هو الأمثل لأنه يسمح بفهم معمق وسياقي لتجربة الطلاب والمعلمين في مدرسة محددة أو بيئة تعليمية معينة بعد الحرب، مما يساعد في تفسير التحديات المهارية والنفسية بشكل تفصيلي.

تم تبني نظام ترميزي (Coding System) ينبثق من الأدبيات النظرية المرتبطة بالبنائية والكفاءة الذاتية، وفي الوقت ذاته يستجيب للبيانات الميدانية الخام. وقد اعتمد عملية الترميز على مستويين: الأكواد الوصفية التي ترصد السلوك الحركي الملاحظ في المختبر، والأكواد الانفعالية التي تستبصر المعاني والمشاعر الكامنة خلف تصريحات المشاركين في المقابلات، وذلك لضمان الربط بين ‘ما يفعله الطالب’ و ‘ما يشعر به’.

جدول (1): نظام الترميز الموضوعي للبيانات (Coding System)

دلالة الكود (متى يستخدم؟) الأكواد المقترحة (Codes) المحور الرئيسي
عندما يعبر الطالب عن صدمته بالفارق بين سهولة الشاشة وصعوبة الواقع. وهم الإتقان الرقمي 1. الاغتراب المهارى والفجوة الرقمية
عند رصد تردد أو خوف من لمس الأدوات المخبرية الحقيقية. غربة الأداة البعد البنائي
عند استغراق وقت طويل في تنفيذ خطوات كانت تعتبر “بسيطة” سابقاً. البطء الإجرائي  
عند نسيان الحركات اليدوية الدقيقة (مثل ضبط المجهر أو وزن المواد). غياب الذاكرة العضلية  
عند رصد خوف الطالب من الخطأ أو الكسر أمام الزملاء والمعلم. قلق الأداء الميداني 2. سيكولوجية الأداء وأثر الصدمة
عندما يواجه الطالب صعوبة في اتباع التعليمات بسبب رواسب نفسية أو تشتت ذهني. تشتت التركيز الموقفي بعد الكفاءة الذاتية
عندما يصرح الطالب بشعوره بالعجز أو أنه “فقد مهارته” السابقة. انخفاض الثقة الأدواتية  
(كود ملاحظة) لرصد العلامات الجسدية للتوتر أثناء العمل اليدوي. ارتجاف الأداء  
عند إشارة الطالب إلى أن رؤية المعلم وهو ينفذ التجربة أعطته الأمان للبدء. النمذجة بالمران 3. مسارات الترميم والتعافي
عند رصد لحظة “التحول” حيث يستعيد الطالب ثقته ويبدأ بالعمل بانسيابية. لحظة الألفة (Aha Moment) بعد السقالات التعليمية
عند استخدام أدوات وسيطة أو تجارب بسيطة للتمهيد للتجارب المعقدة. التدرج الحسي  
عند رصد أثر العمل الجماعي في كسر حاجز الخوف من المختبر. دعم الأقران  

3.2 مجتمع البحث والعينة (Population and Sampling)

مجتمع البحث: يتكون المجتمع من جميع طلاب المرحلة الإعدادية (الصف السابع، الثامن، والتاسع) ومعلمي العلوم في المدرسة التي خضعت للتعلم عن بُعد خلال فترة الحرب ثم عادت للتعليم الوجاهي.

عينة البحث:

تم استخدام “العينة القصدية” (Purposive Sampling)، وهي اختيار مشاركين يمتلكون خبرة غنية بالظاهرة محل الدراسة. وتشمل:

    • الطلاب (15 طالباً): تم اختيارهم من مستويات تحصيلية متفاوتة (مرتفع، متوسط، منخفض) لضمان تنوع الآراء حول الفجوات المهارية.
    • المعلمون (5 معلمين): معلمو ومعلمات علوم ممن مارسوا التدريس في الفترتين (عن بُعد والوجاهي) لتقديم رؤية تربوية خبيرة حول الفجوة.

3.3 أداة الدراسة

أدوات جمع البيانات (Data Collection Tools)

اعتمد البحث الحالي على “تثليث الأدوات” (Methodological Triangulation) لضمان عمق البيانات ومصداقية النتائج، وذلك من خلال استخدام عدة أدوات تتكامل في رصد الظاهرة من جوانبها السلوكية واللفظية:

1. المقابلة نصف المنظمة (Semi-Structured Interview):

تم اختيار المقابلة كأداة رئيسة لاستكشاف الخبرات الذاتية والمعاني التي يوليها المشاركون (معلمون وطلاب) لتجربة الفجوة المهارية بعد الحرب. وتتميز المقابلة بنوعها “نصف المنظم” بكونها تمنح الباحثة مرونة عالية في طرح أسئلة استقصائية بناءً على استجابات المشاركين، مما يسمح بالوصول إلى تفاصيل دقيقة حول التحديات النفسية والمهارية التي قد لا تظهر في الاستبيانات المغلقة. وقد جرى تصميم دليل المقابلة ملحق (1) للمعلم وملحق (2) للطالب ليتناول محاور الفقدان المهاري، وأثر الانقطاع، والرؤى المقترحة للتعافي التعليمي.

2. الملاحظة الميدانية المشاركة (Participant Observation):

لتعزيز البيانات المستخرجة من المقابلات ببيانات واقعية من الميدان، استخدمت في البحث الملاحظة الميدانية أثناء حصص العلوم المختبرية. وتأتي أهمية هذه الأداة في قدرتها على رصد “الأداء الحركي” الفعلي للطلاب، وتوثيق مظاهر التردد أو التشتت أو الأخطاء التقنية عند التعامل مع الأدوات المخبرية في سياقها الطبيعي. وقد اعتمد على “بطاقة ملاحظة” , ملحق رقم (2 ) مقسمة لمحاور ترصد الجوانب المهارية والنفس-سلوكية، مع تدوين مذكرات تأملية فورية تربط بين سلوك الطالب الملاحظ وسياق الدراسة العام.

3. مجموعات التركيز (Focus Groups): جلسة نقاشية مع مجموعة من الطلاب وأخرى للمعلمين لتحفيزهم على تذكر مواقف مشتركة واجهوها أثناء الانتقال من الشاشة إلى المختبر.

4. تحليل وثائق”، مثل تحليل تقارير التجارب التي يكتبها الطلاب الآن ومقارنتها بمستواهم السابق، لتعزيز النتائج بأدلة ملموسة.

3.4 صدق الأداة

معايير الصدق والثبات (Trustworthiness and Rigor)

نظراً لطبيعة هذا البحث، اعتمد البحث مجموعة من الإجراءات المنهجية لضمان صدق النتائج وثباتها، وتحقيق أقصى درجات الموضوعية والشفافية، وذلك من خلال المعايير التالية:

  1. التثليث (Triangulation): استخدم في البحث “تثليث الأدوات” عبر الجمع بين المقابلات المتعمقة والملاحظة الميدانية المباشرة. ساعد هذا الإجراء في التحقق من صحة المعلومات المذكورة في المقابلات ومقارنتها بالسلوك الفعلي للطلاب في المختبر، مما يقلل من احتمالية التحيز ويمنح فهماً شاملاً للظاهرة من زوايا متعددة.
  2. مراجعة المشاركين (Member Checking): حرصنا في هذا البحث على عرض ملخصات المقابلات والنتائج الأولية على عدد من المعلمين والطلاب المشاركين في الدراسة، وذلك للتأكد من أن التفسيرات والرموز (Codes) المستخرجة تمثل آراءهم وخبراتهم الحقيقية بدقة، ولإعطائهم الفرصة لتصحيح أو توضيح أي نقاط قد يُساء فهمها.
  3. الوصف الكثيف (Thick Description): التزمنا بتقديم وصف تفصيلي وسياقي دقيق لبيئة البحث، وظروف المقابلات، وحالات الملاحظة، مع تعزيز النتائج باقتباسات مباشرة من المشاركين. يهدف هذا الإجراء إلى تمكين القراء والباحثين الآخرين من فهم السياق بعمق وتقدير مدى إمكانية نقل النتائج (Transferability) إلى سياقات مشابهة.
  4. التدقيق الخارجي (Peer Debriefing): تم عرض منهجية البحث وأدواته وآلية التحليل على زملاء مختصين في البحث النوعي وفي تدريس العلوم، وذلك لمراجعة منطقية الاستنتاجات والتأكد من عدم طغيان الانطباعات الشخصية للباحثة على النتائج المستخلصة.

3.6 إجراءات الدراسة

إجراءات البحث (Research Procedures)

مر البحث الحالي بمجموعة من الخطوات المنهجية المتسلسلة لضمان الوصول إلى فهم عميق لظاهرة “الفجوة المهارية”، وذلك وفق الخطوات الآتية:

1. المرحلة التمهيدية (التحضيرية):

  1. الحصول على الموافقات الرسمية اللازمة لدخول الميدان التربوي. مثل الموافقة المستنيرة ,ملحق رقم (4)
  2. إجراء مسح استطلاعي للمدرسة المختارة للتأكد من جاهزية المختبرات ووجود الفئة المستهدفة (طلاب عاصروا التعلم عن بُعد).
  3. مراجعة الأدبيات والنظريات (البنائية والكفاءة الذاتية) لبناء مسودة أدوات الدراسة (دليل المقابلة وبطاقة الملاحظة).

2. مرحلة بناء الأدوات وتحكيمها:

  1. عرض الأدوات على مجموعة من المحكمين المختصين لضمان صدقها الظاهري ومناسبتها لطلاب المرحلة الإعدادية.
  2. إجراء “دراسة استطلاعية مصغرة” (Pilot Study) على طالبين ومعلم واحد (خارج العينة الأساسية) للتأكد من وضوح الأسئلة وتقدير الوقت اللازم للمقابلة.

3. مرحلة جمع البيانات الميدانية (التنفيذ):

  1. الملاحظة الميدانية: البدء بحضور حصص العلوم المختبرية بصفتي “ملاحظاً غير مشارك”، حيث تم تدوين السلوكيات الحركية والتفاعل مع الأدوات باستخدام بطاقة الملاحظة المنظمة.
  2. إجراء المقابلات: تم عقد مقابلات فردية معمقة في أجواء هادئة داخل المدرسة، مع الحرص على بناء جسور الثقة مع الطلاب لتقليل “قلق الأداء” وضمان صراحة الاستجابات. تم تسجيل المقابلات صوتياً بعد أخذ موافقة المشاركين.

4. مرحلة معالجة البيانات وتحليلها:

  1. تفريغ المقابلات الصوتية يدوياً وتحويلها إلى نصوص مكتوبة (Transcripts).
  2. تطبيق نظام الترميز (Coding) الذي تم توضيحه في الجدول (1)، من خلال تصنيف العبارات والسلوكيات إلى محاور موضوعية.
  3. مطابقة البيانات (Triangulation) بين ما ورد في الملاحظات وما قيل في المقابلات للخروج بالنتائج النهائية.

5. المرحلة الختامية:

  • استخلاص الاستنتاجات وربطها بالإطار النظري والدراسات السابقة، ومن ثم صياغة التوصيات التربوية المقترحة لترميم الفجوة المهارية.

3.7 إجراءات تحليل البيانات (Data Analysis)

تم استخدام “التحليل الموضوعي” (Thematic Analysis)، والذي يتضمن:

  • تفريغ المقابلات نصياً.
  • تشفير البيانات (Coding) لاستخراج الكلمات المفتاحية المتكررة.
  • تصنيف الأكواد إلى “محاور رئيسية” (مثلاً: محور التحديات النفسية، محور نقص المهارات اليدوية، محور الحلول المقترحة).

3.8 أخلاقيات البحث (Research Ethics)

التزمنا بكافة المعايير الأخلاقية المتبعة في البحوث التربوية والنوعية، لضمان حماية حقوق المشاركين وسلامتهم النفسية، وذلك من خلال الإجراءات الآتية:

  1. الموافقة المستنيرة (Informed Consent): تم شرح أهداف البحث وفلسفته للمشاركين (طلاباً ومعلمين) ولإدارة المدرسة، وأولياء الأمور مع التأكيد على أن المشاركة تطوعية بالكامل، وللمشارك الحق في الانسحاب في أي وقت دون أي تبعات. ملحق (4)
  2. السرية والخصوصية (Confidentiality & Anonymity): تم التعهد للمشاركين بأن كافة البيانات المجمعة ستُستخدم لأغراض البحث العلمي فقط. ولحماية هوياتهم، تم استخدام “أكواد رمزية” (مثل: طالب أ، طالب ب) بدلاً من الأسماء الحقيقية، مع حذف أي تفاصيل قد تدل على شخصياتهم في متن الرسالة.
  3. الحماية من الضرر النفسي: نظراً لأن البحث يتناول موضوعات مرتبطة بآثار الحرب والقلق، حرصت الباحثة على إدارة المقابلات بأسلوب داعم ومشجع، مع تجنب أي أسئلة قد تثير ذكريات مؤلمة غير مرتبطة بموضوع الدراسة المهارى.
  4. الأمانة العلمية في النقل: التزمت الباحثة بنقل استجابات الطلاب والمعلمين بصدق وموضوعية دون تحريف أو تبديل، مع عرض النتائج كما وردت في الميدان لضمان “المصداقية” (Credibility) التي يتطلبها البحث النوعي.

الفصل الرابع: نتائج الدراسة

يستعرض هذا الفصل الحصاد الميداني لعملية التقصي النوعي حول ظاهرة ‘الفجوة المهارية المنسية’، مستنداً إلى البيانات التي تم جمعها عبر المقابلات المعمقة والملاحظات الميدانية المستمرة. ولتقديم رؤية شمولية تتجاوز الوصف السطحي، اعتمدت الباحثة استراتيجية التحليل الموضوعي (Thematic Analysis) التي تهدف إلى تفكيك النصوص والسلوكيات الملاحظة وتحويلها إلى وحدات ذات دلالة تربوية وسيكولوجية.

وقد تم تنظيم عرض هذه النتائج وفقاً للمحاور الثلاثة الكبرى التي وجهت البحث؛ حيث تبدأ بالوقوف على طبيعة الفجوة بين الإدراك الرقمي والممارسة الواقعية، مروراً بالانعكاسات النفسية التي خلفتها ظروف الحرب على كفاءة الطلاب الذاتية، وصولاً إلى استكشاف مسارات الترميم المهارى التي سلكها المعلمون والطلاب. ولضمان الشفافية المنهجية، تعرض الباحثة أدناه نظام الترميز (Coding System) الذي تم اعتماده كمفتاح لتحليل هذه الظواهر، متبوعاً بنماذج حية من استجابات المشاركين التي تجسد واقع هذه الفجوة في الميدان التربوي.

جدول (2): نظام الترميز النوعي مدمجاً بنماذج من استجابات المشاركين

أمثلة من عبارات الطلاب/المعلمين (Raw Data) الكود (Code) المحور الرئيسي
طالب: “كنت أحضر الفيديو وأقول الأمر سهل، لكن لما أمسكت الأنبوب في يدي شعرت أنني لا أعرف شيئاً.” وهم الإتقان الرقمي 1. الاغتراب المهارى والفجوة الرقمية.
طالب: “المجهر الحقيقي مخيف، ليس مثل الصور. خفت أن ألمسه فأفسد شيئاً.” غربة الأداة البعد البنائي
معلم: “التجربة التي كانت تأخذ 10 دقائق، الآن يحتاج الطلاب نصف ساعة فقط لضبط الأدوات.” البطء الإجرائي  
طالب: “يدي نسيت كيف توازن الميزان، كنت أفعل ذلك بسرعة قبل الحرب، الآن أصابعي ثقيلة.” غياب الذاكرة العضلية  
طالب: “أشعر أن الجميع ينظر إليّ، أخاف أن أكسر الزجاج ويضحك زملائي عليّ لأنني أصبحت فاشلاً في المختبر.” قلق الأداء الميداني سيكولوجية الأداء وأثر الصدمة.
معلم: “الطلاب يقرؤون التعليمات على اللوح، لكنهم يقفون صامتين أمام الأدوات، عقولهم مشتتة.” تشتت التركيز الموقفي بعد الكفاءة الذاتية
طالب: “لا أظن أنني سأصبح عالماً كما كنت أحلم، الحرب جعلتني أنسى كيف أعمل بيدي.” انخفاض الثقة الأدواتية  
“كود ملاحظة: “لوحظ ارتعاش واضح في أصابع الطالب (س) عند محاولة وضع القطارة فوق الشريحة.” ارتجاف الأداء  
طالب: “عندما أمسك المعلم يدي وجعلني أجرب معه في المرة الأولى، شعرت أن الخوف بدأ يتلاشى.” النمذجة بالمران مسارات الترميم والتعافي
طالب: “فجأة، تذكرت! شعرت أن يدي استعادت مهارتها وكأنني عدتُ تلميذاً حقيقياً.” لحظة الألفة – Aha بعد السقالات التعليمية
معلم: “بدأتُ معهم بلمس الأدوات فقط دون تجارب، أردتُهم أن يصادقوا الأداة أولاً قبل استخدامها.” التدرج الحسي  
طالب: “زميلي في المجموعة شجعني، قال لي: ‘جرب ولن يحدث شيء’، وهذا ساعدني كثيراً.” دعم الأقران  

4.1 عرض نتائج المحور الأول: فجوة “خلف الشاشة” وصدمة الواقع الأدواتي

أظهرت نتائج تحليل المقابلات والملاحظات الميدانية أن الانتقال من التعلم الرقمي إلى المختبر الوجاهي أحدث حالة من (وهم الإتقان الرقمي) لدى غالبية الطلاب؛ حيث تبين أن المشاهدة البصرية عبر الشاشات لم تتحول إلى كفاية أدواتية حقيقية. وقد عبر أحد الطلاب (ط. أ) عن هذه الفجوة بقوله: “كنت أحضر الفيديو وأقول الأمر سهل، لكن لما أمسكت الأنبوب في يدي شعرت أنني لا أعرف شيئاً”.

وتعكس هذه النتيجة بروز كود (غربة الأداة (؛ إذ لوحظ من خلال بطاقة الملاحظة وجود مسافة فيزيائية وحذر مفرط عند تعامل الطلاب مع المجهر أو الموازين الحساسة. ويرى المعلمون أن هذا التردد ناتج عما يمكن تسميته بـ(غياب الذاكرة العضلية (، حيث أفاد أحد المعلمين: “التجربة التي كانت تأخذ 10 دقائق، الآن يحتاج الطلاب نصف ساعة فقط لضبط الأدوات، وكأن أيديهم نسيت ملمس العلم“. وتتفق هذه النتائج مع المنظور البنائي الذي يؤكد أن المعرفة التي لا تُبنى بالممارسة الحسية تظل معرفة “هشة” تسقط عند أول اختبار واقعي.

4.2 عرض نتائج المحور الثاني: الانعكاسات السيكو-معرفية لصدمة الحرب على الأداء

كشفت البيانات عن تداخل عميق بين رواسب الحرب والأداء المهاري، حيث ظهر كود (قلق الأداء الميداني) بشكل مكثف في أحاديث الطلاب. فقد أشار الطالب (س. م) إلى خوفه من الفشل قائلاً: “أشعر أن الجميع ينظر إليّ، أخاف أن أكسر الزجاج ويضحك زملائي عليّ لأنني أصبحت فاشلاً في المختبر”.

هذا الخوف تُرجم إجرائياً إلى (تشتت التركيز الموقفي)، حيث رصدت الباحثة حالات من الصمت والجمود أمام الأدوات رغم وضوح التعليمات. وبتحليل هذه الظاهرة، نجدها ترتبط بكود (انخفاض الثقة الأدواتية (؛ فالطالب الذي فقد التواصل مع المختبر لسنوات يعاني من اهتزاز في “كفاءته الذاتية” (Self-Efficacy)، وهو ما ظهر في ملاحظة الميدان تحت كود (ارتجاف الأداء)، حيث لوحظ ارتعاش واضح في أصابع بعض الطلاب عند محاولة تنفيذ مهام دقيقة كوضع القطارة فوق الشريحة.

كشف البحث عن تراجع في الثقة بالنفس عند التعامل مع المواد الكيميائية والأجهزة الدقيقة، وقصور في الربط بين ما شوهد “رقمياً” وما يُطبق “واقعياً”. برزت الحاجة إلى إستراتيجيات تدريسية تعتمد على “التعافي المهارى” المتدرج بدلاً من الشرح المكثف.

4.3 الربط بمحور “الفجوة المهارية والاغتراب عن الأداة”

تتقاطع إفادات المبحوثين حول الشعور بـ ‘الرهبة’ عند إمساك الأداة المخبرية لأول مرة بعد الانقطاع مع ما طُرح في الإطار النظري حول مفهوم الاغتراب عن البيئة التعليمية المادية. فبينما ركزت الأدبيات مثل دراسة الرشيدي (2023)، على الجانب المعرفي للفاقد، جاءت نتائج المقابلات لتعمق هذا الفهم من خلال الكشف عن ‘فجوة لمسية’؛ حيث أظهر الطلاب عجزاً في التوافق الحركي البصري، وهو ما يؤصل لنظرية التعلم الحسي الحركي التي تؤكد أن المهارة المخبرية لا تُستعاد بمجرد مشاهدة المحاكاة الرقمية، بل تحتاج إلى ممارسة فيزيائية مستمرة.”

4.4 الربط بمحور “أثر الحرب والجانب النفس-تربوي”

تشير إجابات المعلمين في المقابلات إلى أن تراجع الأداء ليس ناتجاً عن نسيان المعلومات فحسب، بل عن حالة من ‘تشتت الانتباه المرتبط بصدمة الحرب’. هذا النتيجة تعزز ما تم استعراضه في الفصل الثاني حول سيكولوجية التعلم في مناطق النزاع؛ إذ يتضح أن ‘الحاجز النفسي’ الذي رصده الباحث في المقابلات يعمل كمصفاة وجدانية تمنع انتقال أثر التعلم من الشاشة الافتراضية إلى المختبر الواقعي، مما يجعل من ‘الترميم النفسي’ متطلباً سابقاً للترميم الأكاديمي.

4.5 الربط بمحور “قصور المختبرات الافتراضية” (المحاكاة)

على الرغم من الدور المساند الذي لعبته المنصات الرقمية أثناء الحرب، إلا أن تحليل المقابلات كشف عن ‘خداع إدراكي’ عاشه الطلاب؛ حيث اعتقدوا إتقان المهارة رقمياً وفشلوا في تطبيقها واقعياً. هذه النتيجة تدعم النقد الموجه في الإطار النظري لـ المدرسة السلوكية الرقمية التي تختزل التجربة العلمية في الضغط على الأزرار، وتؤكد في المقابل مبادئ النظرية البنائية التي تصر على أن المعرفة العلمية تُبنى من خلال التفاعل النشط والمباشر مع المادة، وليس من خلال التلقي السلبي عبر الشاشات.

4.6 الربط بمحور “دور المعلم كجسر للانتقال”

تتفق رؤى المعلمين المشاركين في الدراسة على ضرورة اعتماد استراتيجيات ‘التعلم المتمايز’ لتعويض الفجوة، وهو ما ينسجم تماماً مع مقترحات الإطار النظري حول إدارة التعلم في مرحلة ما بعد الأزمات. إن رصد الباحث لرغبة المعلمين في ‘تبسيط التجارب’ في بداية العودة الوجاهية يمثل تطبيقاً عملياً لمفهوم السقالات التعليمية (Scaffolding) لـ (Vygotsky)، حيث يسعى المعلم لتقليل الفجوة تدريجياً بين ما يعرفه الطالب رقمياً وما يجب أن يتقنه يدوياً.

الفصل الخامس: مناقشة نتائج الدراسة وتوصياتها

كشفت نتائج البحث عن وجود فجوة مهارية حادة وملموسة لدى الطلاب عند الانتقال من فضاء الشاشات الرقمية إلى واقع المختبر الفيزيائي، وهو ما أطلق عليه البحث’وهم الإتقان الرقمي’. وتتفق هذه النتيجة مع المبادئ الأساسية للنظرية البنائية (بياجيه وديوي) التي تؤكد أن المعرفة العلمية الحقيقية تُبنى عبر التفاعل الحسي والممارسة اليدوية المباشرة؛ حيث أظهرت النتائج أن ‘الوساطة الرقمية’ خلقت إدراكاً مبتوراً جعل الطالب يعتقد استيعاب المهارة بمجرد المشاهدة، بينما كشف الواقع الوجاهي عن غياب تام لما يعرف بـ ‘الذاكرة العضلية’.

هذا التباين بين الإدراك والتطبيق لم يكن تقنياً فحسب، بل ارتبط بعمق بـ سيكولوجية الأداء في سياق الصدمة؛ إذ أظهرت البيانات أن قلق الأداء الميداني وارتجاف الأداء كانا نتاجاً مباشراً لرواسب الحرب التي أضعفت الكفاءة الذاتية للطلاب. ويتقاطع هذا مع ما طرحه (مركز القطان، 2024) و (UNESCO, 2022) حول تأثير الأزمات على تشتت الانتباه وضعف الثقة أثناء التنفيذ العملي.

كما أثبتت النتائج قصور المختبرات الافتراضية عن تعويض ‘الخبرة الحسية’، مما يعزز نقد المدرسة السلوكية الرقمية التي تختزل التجربة في الضغط على الأزرار. ومن هنا، يبرز دور المعلم كجسر للانتقال من خلال استراتيجية ‘السقالات التعليمية’ (Vygotsky)، حيث تبين أن التدرج الحسي والنمذجة بالتمرن هما المفتاح الأساسي لترميم هذه الفجوة المنسية واستعادة ثقة الطالب بيده وعقله داخل قلب المختبر.

كما وتجاوزت التحديات المهارية التي رصدها البحث حدود العجز التقني لتصل إلى عمق ‘الارتباك السيكوموتوري’ (Psychomotor Confusion). فبناءً على النتائج، ظهر أن الطلاب يعانون من تدني ملحوظ في الكفاءة الذاتية (Self-Efficacy)؛ إذ إن التعلم خلف الشاشات خلال فترة الحرب خلق نوعاً من ‘الأمان الزائف’، وعند مواجهة الواقع المادي في المختبر، تحول هذا الأمان إلى صدمة أداء.

إن ‘ارتجاف الأيدي’ والتردد في سكب المحاليل أو ضبط العدسات ليس مجرد نقص في التدريب، بل هو انعكاس لـ ‘قلق الاسترداد’ بعد الانقطاع القسري. فالطالب في سياق الحرب والمختبرات الافتراضية فقد ‘الاتصال الحسي بالواقع’، مما جعل الأداة المخبرية تبدو في نظره جسماً غريباً يخشى كسره أو الخطأ في استخدامه. هذا يتقاطع مع ما ذكره (Hammerstein et al., 2021) حول أن الإغلاق الممتد للمدارس لم يؤثر فقط على التحصيل العلمي، بل على التوازن النفس-حركي للطالب، مما يستوجب إعادة بناء الثقة قبل إعادة تعليم المهارة.”

وفي ضوء النتائج التي حصلنا عليها، يعاد تعريف دور المعلم في المرحلة الوجاهية كـ ‘مهندس لجسور الثقة المفقودة’. لم يعد المطلوب من المعلم تقديم المعرفة العلمية فحسب، بل ممارسة دور ‘الميسر العلاجي’ الذي يتفهم فجوة ‘الذاكرة العضلية’ لدى طلابه.

وبإسقاط نظرية ‘السقالات التعليمية’ لفيجوتسكي (Scaffolding) على واقع المختبر، يتضح أن دور المعلم يجب أن ينتقل من ‘النمذجة الكلية’ إلى ‘التفكيك المهاري’. فالمعلم الناجح في هذا السياق هو من يقسم التجربة إلى وحدات حركية صغيرة، مانحاً الطالب فرصة ‘الخطأ الآمن’ لتبديد قلق الأداء. كما تشير النتائج إلى أهمية ‘الدعم الوجداني المدمج بالتعليم’؛ حيث إن تشجيع الطالب على ملامسة الأدوات وتكرار المحاولة يعالج ‘الاغتراب المعرفي’ الذي أحدثه التعلم عن بعد. وبذلك، يصبح المعلم هو الضامن لتحويل ‘وهم الإتقان الرقمي’ إلى ‘تمكن أدائي واقعي’، وهو ما يتوافق مع توصيات (وزارة التربية والتعليم، 2025) بضرورة تبني برامج الاستدراك التعليمي التي تركز على الجانب الأدائي المفقود

إن هذا البحث ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو وثيقة تربوية تهدف إلى إعادة بناء جسور الثقة بين الطالب والمختبر، وضمان عدم انتقال الفجوات المهارية الناتجة عن الحرب إلى المراحل التعليمية اللاحقة.

وإن سد “الفجوة المنسية” يتطلب صبراً تربوياً، حيث أن ترميم المهارات اليدوية والنفسية يحتاج وقتاً أطول من ترميم المعلومات النظرية.

5.1 خاتمة البحث

في ختام هذه الدراسة، يتضح أن “الفجوة المنسية” التي خلفتها أسابيع الحرب والتعلم عن بُعد ليست مجرد نقص في المعلومات الأكاديمية، بل هي شرخ عميق في العلاقة الحسية والمهارية بين الطالب والمختبر العلمي. لقد كشفت نتائج البحث أن الانتقال القسري من خلف الشاشات إلى المختبرات الوجاهية قد أوجد حالة من “الاغتراب المهاري” لدى طلاب المرحلة الإعدادية، تجلت في التردد الحركي، وضعف الثقة بالأداء، وتداخل الرواسب النفسية للصدمة مع المتطلبات المعرفية للمادة.

إن استعادة المهارات العلمية المفقودة تتطلب ما هو أكثر من مجرد تكثيف الحصص العملية؛ إنها تستلزم نهجاً تربوياً “ترميمياً” يزاوج بين الدعم النفسي والتمكين المهاري المتدرج. وتأمل الباحثة أن يفتح هذا البحث آفاقاً للمخططين التربويين والمعلمين لإعادة النظر في استراتيجيات التعافي التعليمي، بحيث لا يُترك الجانب التطبيقي في ظل التركيز على المحتوى النظري. إن الاستثمار في إعادة بناء “ثقة الطالب بيده وعقله” داخل المختبر هو الضمانة الحقيقية لإعداد جيل من المكتشفين القادرين على النهوض بالمجتمع وتجاوز آثار الأزمات بروح علمية واثقة.

وفي ضوء ذلك، خلص البحث إلى أن الدور المحوري في هذه المرحلة يقع على عاتق “المعلم الجسر”؛ ذلك المعلم الذي يتجاوز دور الشارح ليصبح ميسراً علاجياً يستخدم “السقالات التعليمية” لترميم الثقة المفقودة. إن الاستنتاج الأهم الذي يضعه هذا البحث أمام الباحثين والتربويين هو أن “الوساطة الرقمية” مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تعوض “الخبرة الحسية” المباشرة، وأن تعويض الفاقد التعليمي يجب أن يبدأ من اليد صعوداً إلى العقل، وليس العكس.

5.2 التوصيات

بناءً على النتائج لهذا البحث حول “الفجوة المنسية”، ومن أجل تحويل هذه البحث إلى أثر ملموس في البيئة المدرسية، إليكِم مجموعة من التوصيات التربوية التفصيلية والمصنفة:

أولاً: توصيات لمعلمي العلوم (الممارسات الصفية)

  1. اعتماد إستراتيجية “الترميم المهارى المتدرج”:

عدم البدء بتجارب معقدة فوراً. يُنصح بتخصيص الحصص الأولى لأنشطة “استكشاف الأدوات” فقط (مثل: كيفية حمل العدسة، تنظيف الأنبوب، تصفير الميزان) لإعادة بناء الألفة الحسية بين الطالب والأداة.

  1. دمج الدعم النفسي بالتعليم العلمي:

استخدام لغة تشجيعية تقلل من “رهبة الخطأ” أو كسر الأدوات. يجب إيصال رسالة للطلاب بأن الخطأ في المختبر هو جزء من التعلم، خاصة بعد فترة انقطاع طويلة.

  1. تطبيق “التعلم بالأقران” لتقليل الفجوات:

توزيع الطلاب في مجموعات تضم (طالباً متمكناً مهارياً مع طلاب يشعرون بالتردد). هذا يقلل من الضغط النفسي على الطالب المتردد ويحفزه على التقليد والممارسة.

  1. استخدام “التغذية الراجعة الفورية”:

أثناء العمل المخبري، يجب على المعلم التجول المستمر وتقديم توجيهات حركية دقيقة (مثلاً: “حاول إمساك المخبار من الأعلى هكذا”) بدلاً من الاكتفاء بالتصحيح النظري للنتائج.

ثانياً: توصيات للإدارة المدرسية (الدعم اللوجستي والتنظيمي)

  1. تعديل الخطة الزمنية للمختبر:

منح معلمي العلوم مرونة في توزيع المنهج، بحيث يُسمح بزيادة الحصص العملية في بداية الفصل الدراسي لتعويض الفاقد المهارى، حتى لو أدى ذلك لتأخير بعض الدروس النظرية قليلاً.

  1. تنظيم “أسبوع المهارات العلمية”:

إقامة فعالية مدرسية مركزة تهدف إلى تدريب طلاب المرحلة الإعدادية على المهارات الأساسية (بأسلوب المحطات)، مما يخفف العبء عن المعلم داخل الحصة العادية.

  1. توفير بيئة مختبرية “آمنة ونفسية”:

توفير أدوات ومواد كيميائية كافية لتقليل التوتر الناتج عن “الخوف من استهلاك المواد” أو كسر الأدوات الوحيدة المتاحة.

  1. تفعيل “مجتمعات التعلم المهني”:

عقد اجتماعات دورية لمعلمي العلوم لتبادل الخبرات حول “الحالات الصعبة” التي واجهوها مع الطلاب بعد العودة، وتوثيق أفضل الممارسات التي نجحت في سد الفجوات.

ثالثاً: توصيات مشتركة (العلاقة مع أولياء الأمور)

  1. التوعية بـ “الفاقد المهارى”:

إرسال رسائل توعوية لأولياء الأمور توضح أن الطالب قد يحتاج وقتاً لاستعادة مهاراته اليدوية في العلوم، وطلب تشجيعهم للأبناء على المحاولة والممارسة المنزلية البسيطة (مثل الملاحظة والتصنيف).

  1. المعارض العلمية المصغرة:

تنظيم معرض بسيط يعرض فيه الطلاب تجاربهم اليدوية (حتى البسيطة منها) لتعزيز ثقتهم بأنفسهم أمام المجتمع المدرسي بعد فترة “العزلة الرقمية”.

5.3 مقترحات لدراسات مستقبلية

في ضوء ما أسفر عنه البحث الحالي من نتائج كشفت عمق الفجوة المهارية والحاجة لترميم الثقة بالأداء العملي، ظهر أن هذا البحث ليس نهاية المطاف، بل هو حجر زاوية لبناء معرفيا أكبر, ونقترح إجراء الدراسات الآتية:

  1. دراسات تركز على “الحلول والبرامج التدخلية”
  2. أثر برنامج تدريبي قائم على “التعلم الحسي-الحركي” في معالجة الفاقد المهارى لدى طلاب المرحلة الإعدادية: (دراسة شبه تجريبية لتطبيق التوصيات التي تم وضعتها في البحث بحثك وقياس أثرها.)
  3. تطوير وحدة دراسية مطورة في العلوم قائمة على “المنحى التكاملي (STEM)” لجسر الفجوة المهارية بعد الأزمات.
  4. دراسات تركز على “الجانب النفسي والوجداني”
  5. فاعلية الإرشاد النفس-تربوي في خفض “قلق الأداء المخبري” لدى الطلاب الناجين من الحروب: التركيز على ارتعاش اليدين والتردد الذي رصدتِه في بطاقة الملاحظة.
  6. العلاقة بين التفاعل الاجتماعي في مجموعات العمل المخبري واستعادة الثقة بالنفس لدى طلاب ما بعد الأزمة.
  7. دراسات تركز على “التكنولوجيا كحل مكمل”
  8. دمج “الواقع المعزز (AR)” في المختبرات الوجاهية كأداة انتقالية لتقليل الاغتراب عن الأداة: كيف نستخدم التكنولوجيا لمساعدة الطالب على لمس الواقع وليس للهروب منه.
  9. تقييم فاعلية المختبرات الهجينة (الرقمية والواقعية) في تعويض الفاقد التعليمي: دراسة مقارنة.
  10. دراسات تركز على “المعلم والبيئة المدرسية”
  11. كفايات معلمي العلوم في التعامل مع “الفاقد المهارى” في مناطق النزاع: دراسة تقويمية.
  12. دور القيادة المدرسية في دعم برامج الاستدراك العلمي للمهارات التطبيقية: معوقات وحلول.
  13. دراسات مقارنة (توسيع النطاق)
  14. الفجوة المنسية بين الذكور والإناث: دراسة مقارنة في استعادة المهارات العلمية التطبيقية في مدارس ما بعد الحرب.
  15. تحليل محتوى مناهج العلوم في ضوء احتياجات “التعافي التعليمي” للمهارات العملية.

قائمة المصادر والمراجع

أولاً: المراجع العربية

1. الرشيدي، أ. (2023). أثر التعلم عن بُعد أثناء الطوارئ على المهارات العملية والمخبرية: دراسة استطلاعية. مجلة الدراسات التربوية والنفسية، 17(2)، 45–68.

Al-Rashidi, A. (2023). The impact of emergency remote learning on practical and laboratory skills: An exploratory study. Journal of Educational and Psychological Studies, 17(2), 45–68.

2. براون، ف.، وكلارك، ف. (2021). التحليل الموضوعي: دليل عملي (ت. م. زيدان). دار الفكر للنشر والتوزيع.

Braun, V., & Clarke, V. (2021). Thematic analysis: A practical guide (M. Zidan, Trans.). Dar Al-Fikr for Publishing and Distribution.

3. خلف، م. (2022). إستراتيجيات مقترحة لمعالجة الفاقد التعليمي في العلوم لدى طلاب المرحلة الأساسية في ظل الأزمات. المجلة التربوية، جامعة سوهاج، 94، 112–145.

Khalaf, M. (2022). Proposed strategies for addressing learning loss in science among basic education students during crises. Educational Journal, Sohag University, 94, 112–145.

4. مركز القطان للبحث والتطوير التربوي. (2024). التعليم في سياق الصدمة: تجارب من الميدان الفلسطيني. رام الله، فلسطين.

Qattan Center for Educational Research and Development. (2024). Education in the context of trauma: Experiences from the Palestinian field. Ramallah, Palestine.

5. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو). (2021). الفاقد التعليمي في الدول العربية: التشخيص والمعالجة. تونس.

Arab League Educational, Cultural and Scientific Organization (ALECSO). (2021). Learning loss in Arab countries: Diagnosis and remedies. Tunis.

6. وزارة التربية والتعليم. (2025). دليل المعلم لبرنامج الاستدراك التعليمي وتعويض الفاقد المهاري. الإدارة العامة للإشراف والتأهيل التربوي.

Ministry of Education. (2025). Teacher’s guide to the educational catch-up and practical learning recovery program. General Directorate for Educational Supervision and Training.

ثانياً: المراجع الأجنبية

Hammerstein, S., König, C., Dreisörner, T., & Frey, A. (2021). Effects of school closures on academic achievement: A rapid review to inform policy and practice. Frontiers in Psychology, 12, Article 644183. https://doi.org/10.3389/fpsyg.2021.644183

Hodges, C. B., Moore, S., Lockee, B. B., Trust, T., & Bond, M. A. (2020). The difference between emergency remote teaching and online learning. EDUCAUSE Review. https://er.educause.edu/articles/2020/3/the-difference-between-emergency-remote-teaching-and-online-learning

Kuhfeld, M., & Tarasawa, B. (2020). The COVID-19 slide: What summer learning loss can tell us about the potential impact of school closures on student academic achievement. NWEA Research.

UNESCO, UNICEF, & World Bank. (2022). The state of the global education crisis: A path to recovery. Washington D.C.; Paris; New York.

UNICEF Innocenti Research Centre. (2023). Learning recovery: Lessons from education in emergencies (EiE). UNICEF.

Creswell, J. W., & Poth, C. N. (2018). Qualitative inquiry and research design: Choosing among five approaches (4th ed.). Sage Publications.