Article 26

الأحاديث الواردة في الإدارة في العهد النبوي: جمع وتخريج ودراسة حديثية موضوعية

عطاء الله عصامي1، خير الله شينواري2

1 الأستاذ المساعد في کلية الشريعة، قسم الدراسات الاسلامية، جامعة سيد جمال الدين الأفغاني، کونر- أفغانستان.

2 الأستاذ المحاضر في کلية الشريعة، قسم الثقافة الاسلامية، جامعة سيد جمال الدين الأفغاني، کونر- أفغانستان.

Hadiths Concerning Administration in the Prophetic Era: Collection, Takhrīj, and a Thematic Hadith Study

Ataullah Essami1, Khairullah Shinwari2

1 Assistant Professor, Faculty of Sharia, Department of Islamic Studies, Sayed Jamaluddin Afghani University, Kunar, Afghanistan

2 Lecturer, Faculty of Sharia, Department of Islamic Culture, Sayed Jamaluddin Afghani University, Kunar, Afghanistan

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj710/26

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/710/26

المجلد (7) العدد (10). الصفحات: 462 - 490

تاريخ الاستقبال: 2026-09-10 | تاريخ القبول: 2026-09-20 | تاريخ النشر: 2026-10-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى جمع الأحاديث الواردة في الإدارة في العهد النبوي، وتخريجها ودراستها دراسة حديثية موضوعية، للكشف عن أبرز الضوابط والممارسات المتعلقة باختيار العاملين، وتوزيع الاختصاصات، والتفويض، والتوجيه، والمتابعة، والرقابة، والمحاسبة، والوظائف الكتابية والاتصال الإداري. وتنبع مشكلة البحث من تفرق المادة الحديثية المتعلقة بالإدارة في أبواب متعددة من كتب السنة والسيرة والتراتيب، ومن الحاجة إلى التمييز بين ما ثبت بنص حديثي صحيح أو حسن، وبين ما ورد في كتب الترتيب والتاريخ من تصنيفات ومرويات تحتاج إلى التحقق. واعتمد البحث المنهج الاستقرائي في جمع الأحاديث ذات الصلة من مصادر السنة الأصلية، والمنهج الحديثي في تخريجها ودراسة أسانيدها والحكم عليها عند الحاجة، والمنهج التحليلي الموضوعي في دراسة متونها واستخراج دلالاتها الإدارية. كما استفاد من الكتب الجامعة للمادة الإدارية، وفي مقدمتها نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية للكتاني، وتخريج الدلالات السمعية للخزاعي، بوصفها مصادر للكشف والجمع، مع الرجوع في إثبات الأحاديث والحكم عليها إلى مصادرها الحديثية الأصلية. وقد توصلت الدراسة إلى أن مصطلح «الإدارة» بصورته الاصطلاحية الحديثة لم يكن مستعملاً في النصوص النبوية، غير أن وظائفه ومضامينه كانت حاضرة بصورة واضحة في التولية، والعمالة، والتفويض، والكتابة، والمراسلات، والقضاء، والرقابة، والمحاسبة، وإدارة الأموال والمصالح العامة. كما أظهرت الأحاديث أن التولية ارتبطت بالكفاءة والأمانة ومناسبة الشخص للمهمة، وأن الوظيفة العامة عُدّت أمانةً ومسؤولية، وأن التوجيه والمتابعة والمحاسبة كانت امتداداً لعملية التعيين وليست منفصلة عنها. وأثبتت الدراسة كذلك عناية السنة بمنع استغلال الوظيفة للمصلحة الشخصية، وحماية المال العام، ومحاسبة العمال على الأموال والهدايا، مع ضرورة التمييز بين الممارسة الإدارية الثابتة بالنص وبين المسميات المؤسسية التي ظهرت في التصنيفات اللاحقة.

الكلمات المفتاحية: الإدارة النبوية، الأحاديث الإدارية، تخريج الحديث، العمال والولاة، الرقابة، المحاسبة، النزاهة الوظيفية.

Abstract: This study aims to collect, trace, authenticate, and thematically analyze the hadiths related to administration during the Prophetic era. It focuses on the main administrative practices reflected in the Prophetic traditions, including the selection of officials, allocation of responsibilities, delegation of authority, guidance, supervision, accountability, written communication, and the protection of public funds. The research problem arises from the fact that hadiths related to administration are dispersed across different chapters of the major hadith collections, works of Sīrah, and later books on administrative arrangements. This creates a need to distinguish between reports established through reliable hadith evidence and later historical or administrative classifications that require further verification. The study employs an inductive method to collect the relevant hadiths from primary hadith sources, a hadith-critical method to trace their sources and examine their chains of transmission when necessary, and a thematic analytical method to study their texts and derive their administrative implications. It also benefits from works that compiled material on Prophetic administrative arrangements, particularly al-Kattānī’s Niẓām al-Ḥukūmah al-Nabawiyyah al-Musammā al-Tarātīb al-Idāriyyah and al-Khuzāʿī’s Takhrīj al-Dalālāt al-Samʿiyyah, while treating such works primarily as tools for locating and organizing material rather than as final authorities for hadith authentication. The study concludes that although “administration” as a modern technical term was not used in the Prophetic texts, its functional manifestations were clearly present in the appointment of officials, delegation, writing, correspondence, judicial assignments, supervision, accountability, and the management of public affairs and funds. The hadiths also demonstrate that appointment to public office was linked to competence, trustworthiness, and suitability for the assigned task, and that public office was understood as a responsibility and trust rather than a personal privilege. The study further finds that guidance, supervision, and accountability formed an integrated part of Prophetic administrative practice, particularly in preventing abuse of office, protecting public funds, and regulating gifts and benefits received by officials.

Keywords: Prophetic Administration, Administrative Hadiths, Hadith Takhrīj, Officials and Governors, Supervision, Accountability, Administrative Integrity.

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، الذي أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وأقام مصالح العباد على العدل والحق، وجعل المسؤولية تكليفاً وأمانة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ، الذي بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأقام في مجتمعه منهجاً قائماً على حسن التدبير، وإسناد الأعمال إلى أهلها، والعدل بين الناس، والرفق بهم، ومتابعة القائمين على شؤونهم ومحاسبتهم، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فإن السنة النبوية لا تقتصر على بيان الأحكام التعبدية والأخلاق الفردية، بل اشتملت على جملة واسعة من النصوص والوقائع التي نظمت شؤون الجماعة، وبينت كيفية إسناد المسؤوليات، واختيار العمال والولاة، وتوزيع المهام، وتوجيه المكلفين بها، ومتابعة أدائهم، ومحاسبتهم عند وقوع الخطأ أو الاشتباه في التصرف في الأموال والحقوق.

ومع أن لفظ «الإدارة» بمعناه الاصطلاحي المعاصر لم يكن من المصطلحات المستعملة في النصوص النبوية، فإن وظائفه الأساسية ومضامينه العملية كانت حاضرة في العهد النبوي من خلال التولية، والعمالة، والقضاء، والكتابة، والمراسلات، والتفويض، وجباية الأموال، والرقابة، والمحاسبة، وغيرها من صور تدبير الشأن العام.

وقد اهتمت كتب التراث المتأخرة بجمع هذه المظاهر وترتيبها، ومن أبرزها تخريج الدلالات السمعية للخزاعي، ونظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية للكتاني. غير أن الدراسة الحديثية تقتضي عدم الاكتفاء بما جمعته هذه الكتب، وإنما الرجوع إلى المصادر الحديثية الأصلية، والنظر في ثبوت الروايات، وجمع طرقها عند الحاجة، والتمييز بين الحديث المرفوع والأثر والتقرير التاريخي، ثم استخراج الدلالات الإدارية من النصوص الثابتة دون تحميلها مصطلحات أو أنظمة مؤسسية لم تدل عليها.

ومن هنا تأتي هذه الدراسة محاولةً للجمع بين التخريج الحديثي والتحليل الموضوعي، بحيث لا يكون الغرض مجرد سرد الأحاديث المتعلقة بالإدارة، ولا مجرد قراءة السنة من منظور إداري معاصر، وإنما إثبات النص أولاً، ثم دراسة دلالته في سياقه الشرعي والتاريخي، وبيان ما يكشف عنه من أصول اختيار العاملين، وتنظيم الاختصاصات، والتوجيه، والرقابة، والمحاسبة، والنزاهة الوظيفية.

مشكلة البحث

تتمثل مشكلة البحث في تفرق الأحاديث ذات الصلة بالإدارة النبوية في أبواب متعددة من كتب الحديث والسيرة والتراتيب، وعدم ورودها تحت عنوان جامع هو «الإدارة»، إضافة إلى اشتمال بعض المؤلفات المتأخرة على روايات ومصطلحات تنظيمية متفاوتة في درجة الثبوت والدلالة.

ومن هنا تتمحور مشكلة الدراسة حول السؤال الرئيس الآتي: ما الأحاديث الثابتة الواردة في الإدارة في العهد النبوي، وما أبرز دلالاتها في اختيار العاملين، وتنظيم الوظائف، والتوجيه، والرقابة، والمحاسبة؟

كما تبرز مشكلة منهجية أخرى، وهي ضرورة التمييز بين الممارسة الإدارية الثابتة بالنص النبوي وبين التصنيف الإداري اللاحق الذي أعادت من خلاله بعض المصادر ترتيب وقائع السيرة تحت مسميات وظيفية ومؤسسية لم يثبت استعمالها في العصر النبوي بالصورة نفسها.

أهمية الموضوع

تنبع أهمية هذا البحث من اتصاله بمجالين علميين مهمين: علم الحديث والدراسات الإدارية؛ فهو يحاول دراسة المادة الإدارية في السنة وفق أصول المحدثين، مع الاستفادة من التحليل الموضوعي في إبراز معانيها التنظيمية.

كما تتجلى أهمية الموضوع في أن النصوص النبوية المتعلقة بالتولية والعمالة والتوجيه والمحاسبة تكشف عن أبعاد عملية في إدارة الشأن العام، من أبرزها مراعاة الكفاءة، وربط السلطة بالأمانة، وتحديد المسؤوليات، وحماية حقوق الرعية، ومنع استغلال المنصب، والمحافظة على الأموال العامة.

وتزداد أهمية الدراسة بسبب الحاجة إلى تنقية البحث في «الإدارة النبوية» من بعض صور التوسع غير المنضبط في إسقاط المصطلحات الإدارية المعاصرة على الوقائع النبوية، والتمييز بين ما يثبته الحديث فعلاً وبين ما يستنبطه الباحث على سبيل المقارنة والتحليل.

أسباب اختيار الموضوع

جاء اختيار هذا الموضوع لما تتميز به الأحاديث الإدارية من تفرق في مصادر السنة، وحاجتها إلى الجمع والتصنيف الموضوعي، ولما لوحظ من توسع عدد من الدراسات في الحديث عن الإدارة النبوية دون جعل التخريج الحديثي محوراً رئيساً في جميع الجزئيات.

كما كان من أسباب الاختيار كثرة المواد التي جمعتها كتب مثل التراتيب الإدارية وتخريج الدلالات السمعية، مما يثير حاجة علمية إلى إعادة النظر فيها من خلال المصادر الحديثية الأصلية.

ومن أسباب اختيار الموضوع أيضاً أهمية الأحاديث المتعلقة باختيار العمال، والولاية، والتفويض، والكتابة، والرقابة، وهدايا العمال، والمال العام؛ لما تحمله من دلالات ترتبط بالأمانة والنزاهة والمسؤولية، وهي موضوعات لا تزال ذات قيمة علمية وتطبيقية.

أهداف البحث

يهدف البحث بصورة رئيسة إلى جمع الأحاديث الواردة في الإدارة في العهد النبوي وتخريجها ودراستها دراسة حديثية موضوعية.

ويتفرع عن هذا الهدف تحديد مفهوم الإدارة النبوية وحدود استعماله في الدراسة، وحصر أبرز المجالات الإدارية التي دلت عليها الأحاديث، وبيان ضوابط اختيار العمال والولاة، ودراسة النصوص المتعلقة بتوزيع الاختصاصات والتفويض والوظائف الكتابية والمراسلات، وتحليل أحاديث توجيه المسؤولين ومتابعتهم ومحاسبتهم، والكشف عن المنهج النبوي في حماية المال العام ومنع استغلال الوظيفة، مع التمييز بين الممارسة الإدارية الثابتة وبين التصنيف المؤسسي المتأخر.

أسئلة البحث

ينطلق البحث من السؤال الرئيس الآتي: ما الأحاديث الواردة في الإدارة في العهد النبوي، وما دلالاتها الحديثية والإدارية؟

ويتفرع عنه عدد من الأسئلة، هي: ما المقصود بالإدارة النبوية في هذه الدراسة؟ وما الضابط الذي يميز الحديث الإداري عن غيره؟ وما أهم المصادر التي تجمع منها الأحاديث الإدارية؟ وما ضوابط قبول الروايات المتعلقة بالإدارة النبوية؟ وما الأحاديث الواردة في اختيار العمال والولاة، وما دلالتها على الكفاءة والأمانة ومناسبة الشخص للمهمة؟ وكيف كشفت السنة عن توزيع الاختصاصات والتفويض والكتابة والمراسلات؟ وما أبرز التوجيهات النبوية للعمال والمسؤولين؟ وكيف مارس النبي ﷺ المتابعة والرقابة والمحاسبة؟ وما دلالة أحاديث هدايا العمال والغلول في حماية النزاهة والمال العام؟

الدراسات السابقة

تناولت دراسات سابقة الإدارة في العهد النبوي من زوايا متعددة، ومن أقربها إلى موضوع البحث أطروحة أمل بنت إسماعيل محمد زاهد الصيني بعنوان: الإدارة النبوية من خلال كتاب التراتيب الإدارية لمحمد عبد الحي الكتاني: دراسة حديثية تطبيقية، وهي من أكثر الدراسات اتصالاً بموضوع البحث؛ لأنها تناولت مادة الإدارة النبوية من خلال كتاب الكتاني بمنهج حديثي تطبيقي(الصيني، 1430هـ/2009م).

كما جاءت دراسة محمد عبد الرحمن محمد النويصر بعنوان: الإدارة في العهد النبوي: دراسة مقارنة، فتناولت الإدارة في المرحلة النبوية من منظور أوسع، مع المقارنة ببعض المفاهيم الإدارية.

ومن الدراسات ذات الصلة كذلك دراسة رعد عبد اللطيف مهدي الحسني بعنوان: الإدارة والمالية في عصر النبوة والخلافة الراشدة، التي تناولت الجوانب الإدارية والمالية في سياق تاريخي وتنظيمي.

وفي مجال الإدارة المتخصصة جاءت دراسة نائلة عبد الرحمن أبو عويصة بعنوان: إدارة الأزمات السياسية والعسكرية في ضوء السنة النبوية: دراسة حديثية موضوعية، وهي تتصل بمنهج الدراسة الحالية من حيث اعتماد الحديث الموضوعي، وإن كانت مقتصرة على إدارة الأزمات السياسية والعسكرية.

كما تناولت دراسة رنا السيد إبراهيم سمارة بعنوان: بعض الملامح للإدارة التربوية المستخلصة من غزوات الرسول ﷺ بعض الوظائف الإدارية المستفادة من أحداث الغزوات.

وفي البحوث المحكمة، تناول عبد السميع محمد الأنيس في بحثه «المبادئ السلوكية للإدارة في السنة النبوية» جملة من المبادئ الإدارية المستنبطة من السنة، كما بحث محمد شريف محيي مشوح في «أسس المنهج النبوي ومؤشراته في إدارة الموارد البشرية وتنميتها» جوانب الاختيار والتأهيل وتنمية الموارد البشرية. وتناولت دراسة «الوظائف الإدارية المساندة في عصر النبوة» بعض الوظائف من خلال كتاب الخزاعي، بينما بحثت دراسات أخرى التنظيم الإداري وإدارة المعرفة والوظائف الإدارية في ضوء السنة.

وتختلف الدراسة الحالية عن هذه الدراسات في أنها لا تتخذ كتاباً واحداً أساساً للمادة، ولا تركز على مجال إداري جزئي كالأزمات أو الموارد البشرية، وإنما تجمع عدداً مختاراً من الأحاديث المرفوعة المتعلقة باختيار العاملين وتنظيم الوظائف والتوجيه والرقابة والمحاسبة، ثم تعيدها إلى مصادرها الأصلية، وتدرس درجتها عند الحاجة، وتستخرج دلالاتها الإدارية مع المحافظة على الحدود الحديثية للمادة وعدم التوسع في إثبات المسميات المؤسسية إلا بدليل.

منهج البحث

اعتمد البحث على المنهج الاستقرائي في جمع الأحاديث المتعلقة بالإدارة من مصادر السنة الأصلية ومن الكتب التي جمعت مواد الإدارة النبوية، مع تتبع الموضوعات المتعلقة بالتولية والعمالة والتفويض والكتابة والتوجيه والرقابة والمحاسبة.

كما اعتمد المنهج الحديثي النقدي في تخريج الأحاديث، وردها إلى مصادرها الأصلية، وجمع طرقها عند الحاجة، ودراسة أسانيدها، والاستفادة من أحكام أئمة الحديث في التصحيح والتضعيف، مع التمييز بين الحديث المرفوع والآثار والأخبار التاريخية.

واستخدم البحث كذلك المنهج التحليلي الموضوعي في دراسة متون الأحاديث، ومقارنة ألفاظها، والنظر في سياقاتها، ثم استخراج الدلالات الإدارية منها دون إخراج النصوص عن مقاصدها الشرعية أو تحميلها نظريات ومصطلحات معاصرة لا يدل عليها النص.

ويقوم منهج التعامل مع الكتب الجامعة، مثل التراتيب الإدارية وتخريج الدلالات السمعية، على اعتبارها مصادر للكشف والجمع والتصنيف، أما إثبات الحديث والحكم عليه فيرجع فيه إلى المصادر الحديثية الأصلية وقواعد المحدثين.

حدود البحث

تتحدد الدراسة موضوعياً في الأحاديث ذات الصلة المباشرة باختيار العاملين والولاة، وتوزيع الاختصاصات، والتفويض، والوظائف الكتابية والمراسلات، وتوجيه العمال، ومتابعتهم، والرقابة عليهم، ومحاسبتهم، والنزاهة في الوظيفة العامة. ولا تهدف إلى استقصاء جميع جوانب النظام السياسي أو الاقتصادي أو العسكري في الدولة النبوية.

وتتحدد زمنياً بالعهد النبوي، من بعثة النبي ﷺ إلى وفاته، مع التركيز على المرحلة المدنية؛ لظهور عدد أكبر من صور الولايات والعمالات والمراسلات وتنظيم الأموال والمصالح العامة فيها.

أما مصدرياً، فتعتمد الدراسة أساساً على دواوين السنة الأصلية، وفي مقدمتها الصحيحان والسنن والمسانيد والمصنفات، مع الاستفادة من كتب السيرة والترتيبات الإدارية والدراسات المعاصرة في الكشف عن المادة وتفسير سياقها.

وتتحدد الدراسة حديثياً بالأحاديث المرفوعة التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بموضوع الإدارة، مع ذكر بعض الآثار أو الأخبار عند الحاجة إلى بيان السياق، شريطة تمييزها عن الحديث المرفوع وعدم مساواتها به في درجة الاحتجاج.

المبحث الأول: التأصيل المنهجي للأحاديث الإدارية في العهد النبوي

تقتضي دراسة الأحاديث الواردة في الإدارة في العهد النبوي أن يسبق الجانبَ التطبيقيَّ ضبطٌ منهجيٌّ يحدد مفهوم الإدارة المقصود في البحث، ويبين حدود الحديث الإداري ومجالاته، ثم يحدد المصادر التي تُجمع منها الأحاديث، والمنهج المتبع في تخريجها ودراسة أسانيدها ومتونها. وتزداد أهمية هذا التأصيل بسبب كون مصطلح «الإدارة» بصيغته العلمية المعاصرة أوسع من الألفاظ الإدارية التي استعملت في عصر النبوة؛ ولذلك لا يصح البحث عن لفظ «الإدارة» وحده في نصوص السنة، وإنما ينبغي استقراء الوقائع والنصوص التي تمثل وظائفها ومعانيها، كالتولية، والعمالة، والكتابة، والتفويض، والرقابة، والمحاسبة، والقضاء، والمراسلات، وإدارة الأموال والمصالح العامة.

ومن هنا يقوم هذا المبحث على تحديد الإطار الاصطلاحي والموضوعي للبحث، ثم بيان مصادر مادته، وأخيراً تحديد المنهج الحديثي الذي يُعتمد في التخريج والحكم والاستنباط؛ حتى لا تختلط الروايات التاريخية بالأحاديث المرفوعة، ولا تتحول الكتب الجامعة للترتيبات الإدارية إلى بديل عن المصادر الحديثية الأصلية.

المطلب الأول: مفهوم الإدارة النبوية وحدودها في الدراسة

الفرع الأول: مفهوم الإدارة لغةً واصطلاحاً ومفهوم الإدارة النبوية

ترجع كلمة الإدارة في أصلها اللغوي إلى مادة «د و ر»، والإدارة مصدر «أدار». وتذكر المعاجم المعاصرة أن الإدارة تطلق على عمل المدير، وعلى تولي الأمر وتصريفه، كما يعرّف «علم الإدارة» بأنه العلم المتعلق بتدبير الأعمال وتوجيهها وضبطها واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها. وهذا المعنى المعاصر يمثل امتداداً دلالياً لأصل «أدار الأمر»، أي تولاه وقام بتصريفه وتنظيمه(مجمع اللغة العربية بالقاهرة، د.ت، مادة «الإدارة»؛ عمر، 2008م، مادة «أدار»).

أما في الاصطلاح الإداري، فقد تعددت تعريفات الإدارة بحسب المدارس والاتجاهات الحديثة، إلا أنها تلتقي في عناصر أساسية، هي: وجود هدف يراد تحقيقه، وتنظيم الموارد والجهود، وتوزيع الاختصاصات، والتوجيه، والمتابعة والرقابة، واتخاذ القرارات. وبناء على ذلك يمكن تعريف الإدارة ـ بما يناسب مجال هذه الدراسة ـ بأنها: عملية تنظيم الجهود والموارد وتوزيع المسؤوليات وتوجيه القائمين عليها ومتابعتهم؛ لتحقيق أهداف محددة وفق نظام معلوم.

غير أن استعمال هذا التعريف عند دراسة العهد النبوي يحتاج إلى احتراز منهجي؛ لأن لفظ «الإدارة» بمفهومه الاصطلاحي المؤسسي الحديث لم يكن من المصطلحات المتداولة في النصوص النبوية على الصورة التي استقر عليها في العلوم الإدارية المعاصرة، لكن المعاني والوظائف التي يدل عليها المصطلح كانت موجودةً وممارسةً. ويتضح ذلك من تعيين الولاة والعمال، وإسناد القضاء، وتكليف الكتّاب، وإرسال الرسل، وجباية الأموال، وتولي شؤون السوق، ومحاسبة العمال، وتوزيع المسؤوليات، وغيرها من الوظائف التي تناولتها مصادر التنظيم الإداري النبوي. وقد قسم حافظ أحمد عجاج الكرمي دراسته لإدارة الدولة في العصر النبوي إلى مجالات تشمل إدارة البلدان، والكتابة، والعلاقات العامة، والإدارة المالية، والعسكرية، والقضاء والحسبة، مما يؤكد تعدد المجالات الوظيفية للإدارة في تلك المرحلة(الكرمي، 1428هـ/2007م، الفصول الثالث–السادس).

ويتأكد ذلك بصورة أوضح في كتاب الخزاعي؛ فقد جعل أقساماً مستقلة للعمالات الكتابية والأحكامية، وذكر فيها كتّاب الوحي، وكتّاب الرسائل والإقطاع، وكتّاب العهود والصلح، وصاحب الخاتم، والرسل، وحملة الكتب، والترجمان، وكاتب الجيش، والمحاسب، ثم ذكر الإمارة العامة على النواحي، والقضاء، والوكالة، والحسبة وغيرها من الوظائف(الخزاعي، 1419هـ/1999م، أقسام العمالات الكتابية والأحكامية).

وعليه، فإن المقصود بـ الإدارة النبوية في هذه الدراسة هو: مجموع التصرفات والإجراءات والتنظيمات التي قام بها النبي ﷺ أو أمر بها أو أقرها في تدبير شؤون الجماعة والدولة، من تعيين المسؤولين وتوزيع الاختصاصات وتفويض الأعمال والكتابة والمراسلات والإشراف والرقابة والمحاسبة والقضاء وإدارة المصالح العامة.

وهذا التعريف تعريف إجرائي خاص بالبحث، والغرض منه منع التوسع غير المنضبط في مفهوم الإدارة؛ إذ ليس كل تصرف صدر في العهد النبوي موضوعاً إدارياً، كما لا يصح إسقاط جميع المصطلحات والنظريات الإدارية الحديثة على وقائع السيرة. وإنما المعتبر وجود وظيفة تنظيمية أو إشرافية أو تنفيذية أو رقابية ظاهرة يمكن نسبتها علمياً إلى مجال الإدارة.

الفرع الثاني: مظاهر التنظيم الإداري في العهد النبوي

تكشف النصوص الحديثية والمصادر التاريخية عن تعدد مظاهر التنظيم الإداري في العهد النبوي، ولا سيما بعد قيام المجتمع المدني واتساع نطاق الدولة الإسلامية. ومن أبرز هذه المظاهر التولية والعمالة؛ إذ عيّن النبي ﷺ ولاةً وأمراء وعمالاً على بعض الأقاليم والمهام، وبعث من يقوم بتعليم الناس وجباية الأموال وتنفيذ الأحكام. وقد جعل الخزاعي باباً مستقلاً لـ«الإمارة العامة على النواحي»، وذكر من ولاهم رسول الله ﷺ على بعض الجهات، كما أفرد أبواباً للقاضي والمحتسب والوكيل وغيرها من الوظائف(الخزاعي، 1419هـ/1999م، قسم العمالات الأحكامية).

ومن مظاهر التنظيم كذلك التخصص الوظيفي وتقسيم الأعمال؛ إذ لم تكن المهام كلها موكولة إلى شخص واحد، بل وجدت وظائف كتابية وإعلامية وقضائية ومالية وتنفيذية متعددة. وقد أفرد الخزاعي قسماً كاملاً لـ«العمالات الكتابية»، فذكر كتّاب الوحي، وكتّاب الرسائل، وكتّاب العهود والصلح، وصاحب الخاتم، والرسول، وحامل الكتاب، والترجمان، وكاتب الجيش، ثم ذكر المحاسب. وهذا التنوع يدل على وجود توزيع عملي للمهام بحسب طبيعتها والحاجة إليها(الخزاعي، 1419هـ/1999م، قسم العمالات الكتابية).

كما ظهرت الكتابة والمراسلات الإدارية بوصفها أداة لتنفيذ السياسات وإيصال التوجيهات وتنظيم العلاقات الداخلية والخارجية. فالرسائل التي بعث بها النبي ﷺ إلى الملوك والأمراء، والكتب الموجهة إلى العمال والوفود، وكتابة العهود والصلح، وحفظ الخاتم، وتكليف أشخاص بحمل الكتب وترجمتها، كلها ممارسات تتصل ـ بالمفهوم الوظيفي ـ بإدارة المعلومات والاتصال الرسمي. ولذلك لا يصح اختزال الإدارة النبوية في مجرد تعيين الولاة، بل تشمل كذلك وسائل الاتصال ونقل القرار وتوثيقه.

ومن مظاهرها أيضاً الرقابة والمحاسبة؛ وهي من المجالات المهمة في هذه الدراسة، إذ لم يكن تعيين العامل نهاية العملية الإدارية، بل كان من الممكن متابعته ومساءلته عما تولاه. ومن اللافت أن الخزاعي جعل باباً خاصاً بـ«المحاسب»، وافتتحه بفصل في «محاسبة النبي ﷺ عامله على الصدقة»، مما يكشف أن متابعة القائم على المال العام ومساءلته كانت داخلة في التنظيم العملي للوظائف(الخزاعي، 1419هـ/1999م، باب المحاسب).

كذلك كانت الإدارة المالية مكوناً بارزاً من التنظيم العام؛ إذ ارتبطت بالزكاة والصدقات والفيء والغنائم، وتعيين من يجمع الأموال أو يكتبها أو يحفظها أو يوزعها. كما وجدت إدارة للقضاء وتسوية الخصومات، وإدارة لشؤون السوق والحسبة، وتنظيم لبعض الأعمال العسكرية والوفود والمراسلات. ويظهر هذا الاتساع في دراسة الكرمي التي خصصت فصولاً مستقلة للتنظيم الإداري، والإدارة المالية، والإدارة العسكرية، وإدارة شؤون القضاء(الكرمي، 1428هـ/2007م).

ويترتب على ذلك أن التنظيم الإداري في العهد النبوي لا ينبغي أن يُبحث بمنطق الجهاز البيروقراطي الحديث؛ إذ تختلف طبيعة الدولة وحجمها ووسائلها وسياقها التاريخي، وإنما المقصود الكشف عن الوظائف والمبادئ التنظيمية الثابتة بالنصوص والوقائع الصحيحة، دون تحميلها ما لا تحتمل من مفاهيم المؤسسات الحديثة.

الفرع الثالث: ضابط الحديث الإداري ومجالاته في هذه الدراسة

يحتاج البحث إلى ضابط يميز «الحديث الإداري» عن سائر الأحاديث؛ لأن السنة النبوية تشمل أبواباً عقدية وعبادية وأخلاقية واجتماعية وتشريعية كثيرة، وليس كل حديث يتصل بشؤون المجتمع حديثاً إدارياً بالمعنى المقصود هنا.

ويقصد بـ الحديث الإداري في هذه الدراسة: كل حديث مرفوع إلى النبي ﷺ يشتمل ـ بقول أو فعل أو تقرير ـ على أصل أو إجراء أو توجيه يتعلق بتنظيم عمل عام، أو إسناد مسؤولية، أو توزيع اختصاص، أو تفويض سلطة، أو كتابة ومراسلة، أو توجيه عامل، أو متابعة ومراقبة ومحاسبة، أو إدارة مال أو مصلحة عامة، مما يمكن أن يستنبط منه دلالة إدارية مباشرة أو واضحة.

وبناء على هذا الضابط تدخل في نطاق الدراسة أحاديث اختيار العمال والولاة، وتوليتهم، والنهي عن طلب الإمارة، وتوزيع المهمات، والتفويض، والكتابة الرسمية، وإرسال الرسل، وتوجيه العاملين، والرقابة على أدائهم، ومحاسبتهم على الأموال والهدايا، وحفظ المال العام. ويدخل القضاء والحسبة بقدر ما يتعلقان بالتولية والتنظيم والمسؤولية الإدارية، لا من جهة استقصاء الأحكام الفقهية التفصيلية المتعلقة بالقضاء والأسواق.

أما الأحاديث التي تتناول الفضائل العامة كالصدق والأمانة والعدل دون ارتباط ظاهر بعمل إداري أو مسؤولية عامة، فلا تُدخل في أصل corpus الدراسة لمجرد إمكان توظيفها إدارياً؛ لأن هذا التوسع سيؤدي إلى إدخال جانب كبير من السنة تحت مسمى الإدارة. ويجوز الاستعانة بها في تفسير المبادئ الأخلاقية المرتبطة بحديث إداري صريح، ولكنها لا تعد من الأحاديث الإدارية الأصلية في البحث.

كما تستبعد من الأصل الروايات المتعلقة بما وقع بعد وفاة النبي ﷺ، إلا إذا ذكرت لبيان تفسير صحابي أو تطبيق لاحق لأصل نبوي، وفي هذه الحالة تميز بوضوح عن الحديث المرفوع. وكذلك فإن أخبار السيرة التي لا تثبت بطريق حديثي لا تعامل معاملة الحديث الصحيح لمجرد وجودها في كتاب تاريخ أو ترتيب إداري؛ بل تخضع لطبيعتها المصدرية ودرجة ثبوتها.

وبهذه الحدود يصبح موضوع البحث قابلاً للضبط؛ فلا يتحول إلى دراسة شاملة لجميع جوانب الدولة النبوية، وإنما يبقى متمحوراً حول الأحاديث التي تكشف عن الوظائف والإجراءات والمبادئ الإدارية.

المطلب الثاني: مصادر الأحاديث الإدارية ومنهج جمعها

الفرع الأول: مصادر الأحاديث الأصلية: الصحيحان والسنن والمسانيد والمصنفات

الأصل في تخريج الأحاديث أن تُعزى إلى مصادرها الحديثية الأصلية التي روت الأحاديث بالأسانيد، لا إلى الكتب المتأخرة التي نقلتها عنها. ولذلك تعتمد الدراسة ابتداءً على صحيح البخاري وصحيح مسلم، ثم كتب السنن، كـسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ثم المسانيد، وفي مقدمتها مسند أحمد، والمصنفات وغيرها بحسب موضع الحديث.

ولا يعني هذا الترتيب أن كل حديث في كتاب متقدم يكون صحيحاً، وإنما المقصود أن المصدر الأصلي هو محل دراسة الإسناد واللفظ، ومنه يُعرف الراوي والطريق والسياق والاختلاف بين الروايات. وقد قام علم التخريج في جوهره على معرفة مواضع الحديث في مصادره، وردّه إليها، ثم دراسة أسانيده وطرقه للوصول إلى درجة مناسبة من الحكم عليه؛ وهو المنهج الذي تفصله كتب التخريج وعلوم الحديث(الطحان، 1399هـ/1979م؛ ابن الصلاح، 1406هـ/1986م).

ويُراعى عند التخريج أن يعزى الحديث إلى المصدر بذكر اسم الكتاب، والكتاب والباب عند الحاجة، ورقم الحديث في النسخة المستعملة، وأن يثبت لفظ الحديث من المصدر الأصلي. فإذا أخرجه البخاري ومسلم أو أحدهما بدأ به، ثم ذكرت المصادر الأخرى إذا كانت رواياتها تضيف طريقاً مهماً أو لفظاً له أثر في الدلالة الإدارية.

أما كتب السيرة والتاريخ والطبقات فتستفاد منها في تحديد السياق والأسماء والوقائع، ولكنها لا تحل محل المصادر الحديثية في الحكم على الرواية. وهذا التفريق مهم خصوصاً في موضوع الإدارة النبوية؛ لأن بعض التفاصيل الإدارية وردت في كتب السيرة والعمالات والأحكام السلطانية أكثر من ورودها في دواوين الحديث المشهورة.

الفرع الثاني: مصادر جمع المادة الإدارية: التراتيب الإدارية وتخريج الدلالات السمعية ونحوهما

إلى جانب المصادر الأصلية، تحتاج الدراسة إلى كتب جامعة تساعد في اكتشاف مواضع المادة الإدارية وحصر موضوعاتها، ومن أهمها كتاب عبد الحي الكتاني: نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية، وكتاب علي بن محمد الخزاعي: تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله ﷺ من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية.

ويتميز كتاب الكتاني باتساع مادته؛ فهو في مجلدين، وقد جمع فيه مؤلفه طائفة كبيرة من الوظائف والترتيبات والأعمال التي نُسب وجودها إلى العصر النبوي وما اتصل به، ولذلك يعد مصدراً مهماً للاستقراء والكشف عن الموضوعات، لا مصدراً نهائياً للحكم على صحة جميع ما أورده. والنسخة المحققة لعبد الله الخالدي المنشورة في دار الأرقم تقع في مجلدين، وهو ما يعكس اتساع مادته(الكتاني، 1996م، ج1–2).

أما كتاب الخزاعي فيتميز بتصنيف الوظائف والعمالات في أبواب واضحة، مثل الوزارة وصاحب السر والآذن والخادم، ثم العمالات التعليمية والكتابية، ثم كتّاب الرسائل والعهود والرسل والترجمان وكاتب الجيش والمحاسب، ثم الإمارة والقضاء والحسبة وغيرها. وهذه الفهرسة تمنح الباحث خريطة أولية لأبواب الإدارة التي يمكن الرجوع بعدها إلى مصادر الأحاديث الأصلية للتحقق من الروايات(الخزاعي، 1419هـ/1999م).

ويُستفاد كذلك من كتاب الإدارة في عصر الرسول ﷺ لحافظ أحمد عجاج الكرمي في تصنيف المجالات الإدارية وفهم سياقها التاريخي، ولا سيما ما يتعلق بإدارة البلدان، والكتابة، والعلاقات الخارجية، والإدارة المالية والعسكرية والقضائية. غير أن هذا الكتاب ـ كسائر الدراسات التاريخية والمعاصرة ـ يبقى مرجعاً تفسيرياً ومساعداً، أما إثبات الحديث وحكمه فيُرجع فيه إلى مصادر السنة وقواعد المحدثين.

وعليه، تميز الدراسة بين نوعين من المصادر: مصادر الكشف والجمع، التي تساعد في العثور على المادة وترتيبها، ومصادر التخريج والإثبات، وهي دواوين السنة المسندة. وهذا التفريق يحول دون أن يُنسب إلى النبي ﷺ حديث لمجرد وروده في كتاب يتحدث عن النظام الإداري النبوي.

الفرع الثالث: ضوابط قبول الروايات المتعلقة بالإدارة النبوية

تعتمد الدراسة في قبول الروايات وردها على القواعد المقررة عند المحدثين، فلا يُحكم على الرواية بالصحة أو الضعف بمجرد ملاءمة مضمونها لفكرة إدارية معاصرة، ولا بمجرد شهرتها في كتب السيرة والإدارة.

فإذا كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما، عُزي إلى موضعه، ويكتفى في الغالب بثبوت أصله، مع جمع الروايات الأخرى إذا كان اختلاف ألفاظها مؤثراً في فهم الدلالة الإدارية. أما إذا كان الحديث خارج الصحيحين، فتُدرس طرقه عند الحاجة، ويستفاد من أحكام أئمة الحديث ونقاد الروايات، مع النظر في اتصال السند وعدالة رواته وضبطهم، وانتفاء الشذوذ والعلة وفق القواعد المعروفة في علوم الحديث(ابن الصلاح، 1406هـ/1986م).

كما يُراعى التفريق بين المرفوع والموقوف والمقطوع؛ فلا يُنسب إلى النبي ﷺ ما كان من اجتهاد الصحابي أو من ممارسة إدارية لاحقة. فإذا كان الأثر الموقوف مهماً في بيان تطبيق أصل نبوي، ذُكر بصفته أثراً لا حديثاً مرفوعاً.

ومن الضوابط المهمة أن الحكم يكون على الرواية واللفظ المستدل به، لا على أصل القصة وحده. فقد يكون أصل الواقعة صحيحاً، بينما ترد زيادة ذات دلالة إدارية في طريق ضعيف؛ فلا يصح نقل حكم صحة الأصل إلى تلك الزيادة دون دراسة.

أما الحديث الضعيف، فلا يعتمد عليه في تأسيس أصل إداري رئيس إذا لم يكن له ما يقويه، وإنما يمكن ذكره ـ عند الحاجة العلمية ـ مع بيان درجته، ولا يقدم على الحديث الصحيح أو الحسن. وإذا تعددت طرق الحديث فإنها تُجمع للنظر في إمكان تقوية بعضها ببعض بحسب قواعد المحدثين، لا لمجرد كثرة الطرق.

وتلتزم الدراسة كذلك بعدم إصدار حكم مستقل على الرواية إذا كانت مادتها لا تسمح بذلك، بل يُنقل حكم الأئمة المتخصصين مع نسبته إليهم، ويُناقش الاختلاف في التصحيح والتضعيف عند تأثيره في نتائج البحث. وبهذا تبقى الدراسة الإدارية خاضعة للمنهج الحديثي، لا العكس.

المطلب الثالث: منهج تخريج الأحاديث ودراستها

الفرع الأول: عزو الحديث إلى مصادره الأصلية وجمع طرقه

يقوم تخريج أحاديث الدراسة على رد كل حديث إلى موضعه في المصادر الأصلية، ثم جمع طرقه بقدر الحاجة إلى إثباته أو بيان اختلاف ألفاظه. والتخريج ليس مجرد كتابة اسم المصدر بعد الحديث، بل هو عملية علمية تهدف إلى معرفة مواضع الرواية وطرقها وألفاظها ورجالها بما يسمح بدراسة درجتها ودلالتها. وقد جعلت كتب التخريج معرفة راوي الحديث، وألفاظه، وموضوعه، والكلمات المميزة فيه من أهم الطرق التي يتوصل بها الباحث إلى موضعه في دواوين السنة(الطحان، 1399هـ/1979م).

وسيُتبع في هذه الدراسة عند كل حديث ـ بحسب الحاجة ـ تسلسل يبدأ بإثبات نص الحديث محل الدراسة، ثم ذكر الصحابي الراوي، ثم عزوه إلى مصادره الأصلية، مع تقديم الصحيحين إن كان فيهما، ثم ذكر بقية الطرق التي يترتب عليها فائدة حديثية أو دلالية.

ولا يقصد من جمع الطرق تكثير أسماء المصادر، وإنما الاستفادة منها في كشف مواضع الاتفاق والاختلاف. فإذا كانت الروايات متفقة في المعنى ولم يترتب على تعددها أثر، اختصر التخريج. أما إذا كان لفظ إحدى الروايات يضيف عنصراً إدارياً مثل تحديد المسؤولية أو المحاسبة أو التفويض، فإن هذه الرواية تحتاج إلى دراسة مستقلة للتثبت من صحة الزيادة.

كما ينبغي أن يُفرَّق بين تخريج الحديث ودراسة المسألة الإدارية؛ فيسبق إثبات النص والحكم عليه، ثم تأتي مرحلة استخراج الدلالة. وهذا الترتيب يمنع بناء نتائج إدارية مفصلة على رواية لم يثبت أصلها.

الفرع الثاني: دراسة الأسانيد والحكم على الأحاديث عند الحاجة

إذا كان الحديث محتاجاً إلى دراسة إسنادية، فإن البحث ينظر في سلسلة الرواة من حيث الاتصال والانقطاع، وفي أحوال الرواة من حيث العدالة والضبط، وفي تعدد الطرق والمتابعات والشواهد، ثم ينظر ـ بحسب الحاجة ـ في احتمال الشذوذ والعلة.

ولا يراد من هذه المقالة التوسع في تراجم جميع الرواة في كل حديث؛ لأن ذلك قد يخرج البحث عن مقصوده، وإنما تركز الدراسة الإسنادية على موضع العلة أو الاختلاف المؤثر. فإذا كان الإسناد يدور على راوٍ مختلف فيه، أو وقع خلاف في وصله وإرساله، أو رفعه ووقفه، أو كانت هناك زيادة ينفرد بها راوٍ، عولج ذلك بالقدر الذي يسمح بالحكم العلمي على الحديث.

ويستفاد في هذا الجانب من قواعد أئمة المصطلح والنقد، ومن أحكام الأئمة المتقدمين والمتأخرين، مع تجنب الانتقائية؛ فلا يؤخذ حكم التصحيح لأنه يوافق النتيجة المراد الوصول إليها ويترك التضعيف دون مناقشة، بل تعرض الأقوال المؤثرة وتوازن أدلتها بحسب طبيعة المقالة.

والنتيجة الحديثية ينبغي أن تصاغ بدرجة منضبطة؛ كأن يقال: إسناده صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو صححه فلان وحسنه فلان، أو أصله صحيح وهذه الزيادة لا تثبت، بدلاً من إطلاق أحكام واسعة لا تراعي اختلاف الطرق والألفاظ.

وبهذا يكون الحكم الحديثي سابقاً على الاستنباط الإداري؛ لأن قوة الدلالة العلمية لا ينبغي أن تتجاوز قوة النص الذي بُنيت عليه.

الفرع الثالث: دراسة المتون واستخراج الدلالات الإدارية منها

لا تنتهي الدراسة بمجرد الحكم على الإسناد؛ لأن عنوان البحث يجمع بين التخريج والدراسة الحديثية الموضوعية. ولذلك تأتي بعد إثبات الحديث مرحلة دراسة متنه وسياقه وما يستفاد منه في مجال الإدارة.

وتبدأ دراسة المتن بمقارنة ألفاظ الروايات الثابتة؛ لأن اختلاف لفظ صغير قد يؤثر في طبيعة الدلالة. ثم ينظر في سبب ورود الحديث أو الواقعة التي قيل فيها إن كان لذلك أثر في الفهم، وتستفاد شروح الحديث وكتب الفقه والسيرة في بيان مدلول النص دون تحميله ما لا يحتمل.

وعند استخراج الدلالات الإدارية، تميز الدراسة بين الدلالة الصريحة والدلالة المستنبطة. فإسناد النبي ﷺ ولايةً إلى شخص، أو محاسبته عاملاً، أو بعثه رسولاً، أو تكليفه كاتباً يمثل ممارسة إدارية مباشرة. أما استخراج مفاهيم معاصرة كـ«إدارة الموارد البشرية» أو «الحوكمة» أو «إدارة الجودة» من نص نبوي، فيحتاج إلى قدر أكبر من الاحتياط؛ فلا ينسب المصطلح الحديث نفسه إلى العهد النبوي، وإنما يقال إن النص يتضمن معنى أو أصلاً يمكن مقارنته بمفهوم إداري معاصر.

ويُراعى كذلك عدم تجزئة الحديث بما يغير مقصوده؛ فقد تكون الدلالة الإدارية جزءاً من سياق شرعي أو أخلاقي أشمل. فالنص النبوي يُفهم أولاً في سياقه الشرعي، ثم تستخرج منه الدلالة الإدارية التابعة لذلك السياق، لا أن يعاد تفسيره كله بمنظور إداري حديث.

وبناء على ذلك، سيجري التعامل مع الأحاديث في المبحثين التطبيقيين وفق بناء موحد يتضمن: نص الحديث، وتخريجه، ودراسة درجته عند الحاجة، ثم بيان دلالته الإدارية وما يستفاد منه ضمن حدود النص. وبهذا يجمع البحث بين أصالة المنهج الحديثي وبين الدراسة الموضوعية للإدارة النبوية.

المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في اختيار العاملين وتنظيم الوظائف الإدارية

يُعدُّ اختيار العاملين وتوزيع الاختصاصات من أبرز الجوانب التي تكشف عنها الأحاديث المتعلقة بالإدارة في العهد النبوي؛ إذ لم تكن الولاية أو العمالة مجرد تشريف يُمنح للأشخاص، وإنما كانت تكليفاً يرتبط بالأهلية والقدرة على أداء المسؤولية. كما تدل النصوص الصحيحة على تعدد الأعمال وتوزيعها بين الولاة والعمال والقضاة والكتّاب والرسل وجباة الأموال، وعلى وجود توجيهات تضبط إسناد المهام ومتابعة تنفيذها.

والدراسة هنا لا تهدف إلى استقصاء أسماء جميع من تولى عملاً في العصر النبوي؛ لأن ذلك أقرب إلى الدراسات التاريخية والتراتيب الإدارية، وإنما تركز على الأحاديث المرفوعة الثابتة التي يتبين منها أصل التولية، وضوابط الاختيار، وتوزيع الاختصاص، والتفويض، والوظائف الكتابية والاتصال الإداري، مع تحليل دلالاتها في حدود ما يسمح به النص.

المطلب الأول: أحاديث اختيار العمال والولاة وضوابط التولية

الفرع الأول: أحاديث الكفاءة والقوة والأمانة في التولية

من أوضح الأحاديث الدالة على مراعاة أهلية الشخص للعمل العام حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا»(مسلم، د.ت، ج3، ص1457، ح1825).

والحديث صحيح أخرجه مسلم، وهو من النصوص المركزية في موضوع الاختيار الإداري؛ لأن أبا ذر رضي الله عنه من كبار الصحابة، ومن المشهود لهم بالصدق والفضل، ومع ذلك لم تكن الفضيلة الدينية وحدها كافية لإسناد الولاية إليه، بل راعى النبي ﷺ مدى مناسبته لنوع المسؤولية المطلوبة. ومن ثم يدل الحديث على أن الصلاح الشخصي والأهلية الإدارية أمران متكاملان، وليس أحدهما بديلاً عن الآخر.

كما أن قوله ﷺ: «وإنها أمانة» ينقل الوظيفة العامة من مفهوم الامتياز إلى مفهوم المسؤولية؛ فالولاية ليست مكسباً شخصياً، وإنما حق يتعلق بالناس، ومن تولاه أصبح مطالباً بأداء ما عليه. أما قوله: «إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها» فيدل على أن الخطر ليس في مجرد الولاية، وإنما في توليها من غير أهلية، أو في التقصير في حقوقها بعد توليها.

ويكشف الحديث أيضاً أن معيار الاختيار ليس واحداً في جميع الأعمال؛ فقد يكون الشخص صالحاً لمهمة وغير صالح لأخرى. ولذلك لا يصح أن يُفهم وصف أبي ذر بالضعف على أنه انتقاص من منزلته الدينية، وإنما ورد في سياق طلبه عملاً من أعمال الولاية؛ فالمعتبر هنا مدى القدرة على تحمل تبعات المنصب وإدارة ما يُسند إلى صاحبه. وهذا يقرر أصلاً إدارياً مهماً، وهو مناسبة الشخص لطبيعة المهمة لا مجرد توافر صفات عامة فيه.

ومن الناحية الإدارية، يمكن استخلاص ثلاثة ضوابط من الحديث: أن الوظيفة العامة أمانة، وأن التولية تحتاج إلى أهلية خاصة، وأن من يملك سلطة التعيين مسؤول عن مراعاة قدرة المرشح على أداء المهمة. وهذه الدلالات مستخرجة مباشرة من بنية الحديث دون الحاجة إلى إسقاط النظريات الإدارية الحديثة عليه.

الفرع الثاني: أحاديث النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها

جاءت السنة بنصوص صريحة في التحذير من الحرص على الولاية والسعي إليها بدافع الرغبة في السلطة. ومن أشهرها حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا»(البخاري، 1422هـ، ح7146؛ مسلم، د.ت، ح1652). والحديث متفق عليه.

ويقرر هذا الحديث مبدأً مهماً في التولية، هو أن الحرص الذاتي على السلطة ليس معياراً إيجابياً في الاختيار؛ لأن من جعل المنصب غايةً شخصية قد تكون دوافعه مختلفة عن مقتضيات الأمانة والخدمة العامة. كما أن التعبير النبوي بـ«وُكِلت إليها» و«أُعنت عليها» يلفت النظر إلى البعد الأخلاقي والتعبدي للمسؤولية، وإلى أن الولاية تحتاج إلى توفيق ومعونة فوق ما تحتاج إليه من الرغبة المجردة فيها.

ويؤكد هذا الأصل حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، حين دخل على النبي ﷺ ومعه رجلان من قومه، فسألاه الإمارة، فقال ﷺ: «إِنَّا لَا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ، وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ»(البخاري، 1422هـ، ج9، ص64، ح7149؛ مسلم، د.ت، ج3، ص1456، ح1733).

وفي رواية مسلم: «إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ». ودلالة الحديث أصرح في كون المسألة متعلقة بمنهج التعيين نفسه؛ لأن النبي ﷺ لم يكتف بنصح الطالبين بترك الحرص، بل امتنع عن استعمالهما في العمل الذي طلباه.

ويتكامل هذا الحديث مع حديث أبي ذر؛ فالأول يقرر ضرورة الأهلية، والثاني يقرر الحذر من الحرص على المنصب. وبذلك يظهر أن التولية النبوية لم تقم على عنصر واحد؛ فلا تكفي رغبة المرشح، ولا يكفي صلاحه الشخصي، وإنما ينظر إلى طبيعة العمل ومدى قدرته على تحمل مسؤولياته.

ومع ذلك ينبغي إبقاء دلالة هذه النصوص في سياقها، وعدم تحويلها من غير دليل إلى أحكام تفصيلية على كل صورة معاصرة من صور الترشح أو التوظيف؛ فالمقطوع به من الأحاديث هو ذم طلب الولاية والحرص عليها بالمعنى الذي وردت فيه، أما تنزيل ذلك على نظم التوظيف الحديثة فيحتاج إلى دراسة فقهية مستقلة.

الفرع الثالث: مراعاة قدرات الأشخاص ومناسبة المسؤولية للكفاءة

لا يقتصر المنهج النبوي على الامتناع عن تكليف غير القادر، بل تدل بعض النصوص على التأهيل المصاحب للتكليف وتقديم التوجيه الذي يمكّن المكلف من أداء مهمته.

ومن الأمثلة الدالة على ذلك حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ، وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ، فَلَا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ»(أبو داود، د.ت، ج3، ص301، ح3582). وروى الترمذي أصله، وقال: «هذا حديث حسن»، وحسنه الألباني، وحكم شعيب الأرناؤوط على بعض طرقه بأنه حسن لغيره.

ومن جهة الدراسة الحديثية، فإن طريق أبي داود يشتمل على شريك بن عبد الله وحنش، وقد وقع الكلام في بعض رواته، إلا أن الحديث له طرق، وقد حسنه الترمذي، وحسنه عدد من أهل الحديث بمجموع طرقه؛ ولذلك يصلح للاستدلال في هذا الباب مع بيان مرتبته، بخلاف أحاديث الصحيحين التي لا تحتاج في مثل هذه المقالة إلى دراسة إسنادية مطولة.

ويكشف الحديث عن جانبين إداريين متكاملين: أولهما إسناد المسؤولية إلى من يُرجى قيامه بها، وثانيهما تزويده بالإجراء العملي اللازم لأدائها. فلم يكن توجيه النبي ﷺ لعلي رضي الله عنه توجيهاً عاماً مجرداً، بل أعطاه قاعدة إجرائية محددة في العمل القضائي: ألا يصدر الحكم قبل سماع الطرفين.

وبذلك يظهر أن مناسبة الشخص للمهمة لا تعني اشتراط أن يكون مكتملاً في جميع تفاصيل الخبرة قبل إسنادها إليه، بل قد يقترن التكليف بالتوجيه والتأهيل، متى كانت الأهلية الأساسية متحققة. وهذا فرق مهم بين انعدام الأهلية الذي دل حديث أبي ذر على أثره، وبين الحاجة إلى تأهيل إجرائي التي تظهر في حديث علي رضي الله عنه.

كما يمثل بعث أبي موسى ومعاذ رضي الله عنهما إلى اليمن مثالاً آخر على توزيع العمل بين أشخاص مؤهلين مع تزويدهم بتوجيهات واضحة؛ إذ قال لهما النبي ﷺ: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا»(البخاري، 1422هـ، ج4، ص65، ح3038؛ مسلم، د.ت، ج3، ص1359، ح1733).

وهذه الوصية لا تحدد فقط طبيعة التعامل مع الناس، بل تضع معياراً للعلاقة بين المسؤولين أنفسهم، وهو التعاون وعدم التنازع، مما يدل على أن حسن الاختيار لا ينفصل عن حسن تنظيم العلاقة بين من يشتركون في مسؤولية عامة.

المطلب الثاني: أحاديث توزيع الاختصاصات والتفويض الإداري

الفرع الأول: أحاديث تولية الأمراء والعمال على الأقاليم

من أقوى النصوص في بيان توزيع الاختصاصات جغرافياً حديث أبي بردة في بعث أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما إلى اليمن، وفيه: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ، وَبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَافٍ…»، ثم قال لهما: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا»(البخاري، 1422هـ، ح4341). والمِخلاف هو الناحية أو الإقليم في اصطلاح أهل اليمن.

وهذا النص ذو دلالة إدارية مباشرة؛ لأنه لا يثبت مجرد إرسال الرجلين إلى اليمن، بل يبين تقسيم النطاق المكاني للعمل بينهما، وانطلاق كل واحد منهما إلى عمله. ولذلك يمكن الاستدلال به على وجود توزيع للاختصاص بحسب المنطقة، مع بقاء رابطة التعاون والتواصل بين المسؤولين.

ولا ينبغي وصف هذا التنظيم بمصطلحات حديثة دقيقة كـ«اللامركزية الإدارية» إلا على سبيل المقارنة المنضبطة؛ لأن لكل مصطلح معاصر بنية قانونية ومؤسسية خاصة. أما الذي يثبته النص نفسه فهو إسناد نطاق جغرافي محدد إلى مسؤول معين وتحديد واجبه العام فيه.

كما يدل الحديث على أن تفويض العمل لم يكن انفصالاً عن التوجيه المركزي؛ فقد سبق إرسالَهما توجيهٌ واضح من النبي ﷺ في كيفية التعامل، وهو ما يجمع بين توزيع المسؤولية ووحدة التوجيه العام.

ويؤكد حديث معاذ رضي الله عنه هذا المعنى، إذ ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن وبيّن له ترتيب الدعوة والتعليم وجباية الزكاة، فقال في شأن الصدقة: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»(البخاري، 1422هـ، ج2، ص104، ح1395).

ويتبين من ذلك أن العامل المبعوث لم يكن مجرد ناقل رسالة؛ بل حمل جملة من المسؤوليات التعليمية والتنفيذية والمالية، مع تحديد واضح لأولويات العمل وحدوده.

الفرع الثاني: أحاديث تولية القضاء والحسبة وجباية الأموال

يظهر التخصص الوظيفي في السيرة النبوية في مجالات القضاء والمال ومراقبة الأسواق، غير أن درجة ثبوت كل وظيفة وصورتها التنظيمية تختلف، ومن المهم عدم التسوية بين ما ثبت بنص صحيح صريح وبين ما أعادت كتب التراتيب المتأخرة تصنيفه تحت مسميات إدارية مستقلة.

ففي القضاء، سبق حديث علي رضي الله عنه: «بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضياً»، وهو نص صريح في إسناد وظيفة القضاء، كما يتضمن توجيهاً مهنياً متعلقاً بكيفية سماع الخصوم قبل إصدار الحكم(أبو داود، د.ت، ج3، ص301، ح3582).

وفي جباية الأموال، يمثل حديث بعث معاذ إلى اليمن نصاً صحيحاً واضحاً في تفويضه بإبلاغ فريضة الزكاة وتنفيذها؛ إذ قال ﷺ: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»(البخاري، 1422هـ، ج2، ص104، ح1395). وفي رواية أبي داود زيادة التحذير من أخذ كرائم الأموال واتقاء دعوة المظلوم، مما يضيف إلى التفويض المالي ضابطاً يحمي أصحاب الأموال من التعسف(أبو داود، د.ت، ج2، ص104، ح1584).

ويوضح ذلك أن تفويض جمع المال العام في السنة لم يكن صلاحية مطلقة؛ بل كان مرتبطاً بنوع المال، ومصدره، ومصرفه، وضوابط تحصيله. وهذه العناصر ذات دلالة واضحة في تحديد الاختصاص المالي والمسؤولية عن تنفيذه.

أما الحسبة ومراقبة السوق، فينبغي فيها قدر أكبر من الدقة. فقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها فوجد بللاً، فقال لصاحبها: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي»(مسلم، د.ت، ج1، ص99، ح102).

وهذا الحديث يثبت ممارسة النبي ﷺ الرقابة على التعامل في السوق ومنع الغش، وهي وظيفة تدخل في مضمون الحسبة بالمعنى الفقهي اللاحق. غير أن هذا النص وحده لا يثبت وجود منصب مؤسسي مستقل في العهد النبوي باسم «المحتسب»؛ ولذلك فالأدق في هذه الدراسة التفريق بين ثبوت وظيفة الرقابة السوقية وبين ثبوت لقب وظيفي مستقل. والخلط بين الأمرين قد يؤدي إلى نسبة بناء إداري متأخر إلى العصر النبوي دون نص كاف.

ومن هنا يظهر الفرق المنهجي بين كتب مثل التراتيب الإدارية التي تجمع الوظائف وتعيد تصنيفها، وبين الدراسة الحديثية؛ فهذه الأخيرة لا تثبت مسمى وظيفياً مستقلاً إلا بقدر ما يسمح به النص.

الفرع الثالث: أحاديث الاستخلاف والتفويض في المهام

يظهر التفويض الإداري في السنة في إسناد مهمة معينة إلى شخص مع تحديد مجالها، كما يظهر في وضع ترتيب مسبق لمن يتولى المسؤولية عند تعذر قيام المسؤول الأول بها.

ومن أظهر الأمثلة حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في غزوة مؤتة: «أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فَقَالَ: إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ»(البخاري، 1422هـ، ج5، ص143، ح4261).

والحديث وإن ورد في الإدارة العسكرية، فإنه يتضمن دلالة تنظيمية واضحة تتمثل في تحديد المسؤول الأول، ثم ترتيب من يخلفه في المسؤولية قبل وقوع الطارئ. ويمنع هذا الترتيب حدوث فراغ في القيادة عند تغير الظروف، ويضمن استمرار المهمة دون انتظار توجيه جديد يتعذر وصوله في الميدان.

ومن المهم في هذا الموضع عدم تحويل الحديث إلى نظرية إدارية شاملة لا يدل عليها لفظه، إلا أن أصل تحديد البديل عند تعذر مباشرة المسؤول الأصلي للعمل ثابت فيه بوضوح.

أما تفويض الصلاحية التنفيذية فيظهر في بعث معاذ وأبي موسى إلى اليمن؛ فقد أُسند إلى كل منهما نطاق عمل، وتوجه كل واحد منهما إلى مهمته، مع إعطائهما قواعد عامة تضبط التصرف: «يسرا ولا تعسرا… وتطاوعا ولا تختلفا». وهذا الجمع بين إسناد المهمة وبين تحديد إطار التصرف يمثل صورة واضحة من التفويض المقيد بالتوجيه العام(البخاري، 1422هـ، ج4، ص65، ح3038).

وهكذا يتبين أن التفويض في الإدارة النبوية لم يكن تخلياً من القيادة العليا عن المسؤولية، وإنما كان وسيلة لتنفيذ الأعمال بواسطة الأشخاص المختارين، ضمن حدود وتوجيهات معلومة.

المطلب الثالث: أحاديث الوظائف الكتابية والاتصال الإداري

الفرع الأول: أحاديث الكُتّاب وكتابة الرسائل والعهود

تمثل الكتابة إحدى أهم وسائل الاتصال والتوثيق في الإدارة النبوية، وقد ثبتت وظيفتها بنصوص صحيحة متعددة. ومن أوضحها حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَعَلَّمْتُ لَهُ كِتَابَ يَهُودَ، وَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي… فَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ إِذَا كَتَبَ، وَأَقْرَأُ لَهُ إِذَا كُتِبَ إِلَيْهِ»(أبو داود، د.ت، ج3، ص318، ح3645). وأخرجه الترمذي بلفظ مقارب وقال: «هذا حديث حسن صحيح»(الترمذي، د.ت، ج5، ص67، ح2715).

ويظهر في الحديث بوضوح إسناد وظيفة ذات طبيعة تخصصية إلى زيد رضي الله عنه، مع تأهيله قبل ممارستها. كما يكشف عن اهتمام بالتحقق من المراسلات الواردة والصادرة، وعدم ترك مضمونها لطرف لا تتوافر فيه الثقة المطلوبة.

ومن الناحية الإدارية، يتضمن النص ثلاث مراحل مترابطة: تحديد الحاجة إلى مهارة معينة، وتدريب شخص موثوق عليها، ثم إسناد الوظيفة إليه بعد إتقانها. وهذه صورة واضحة لتأهيل المورد البشري بحسب متطلبات المهمة، إلا أن هذا التعبير الأخير وصف تحليلي معاصر، ولا ينبغي نسبته بوصفه مصطلحاً مستعملاً في العصر النبوي.

كما ثبت توثيق الاتفاقات بالكتابة في صلح الحديبية؛ ففي الحديث الصحيح أن سهيل بن عمرو طلب كتابة الاتفاق، «فدعا النبي ﷺ الكاتب»، ثم جرى تدوين شروط الصلح(البخاري، 1422هـ، ج3، ص193، ح2731–2732).

ويفيد ذلك أن الكتابة استُخدمت لا في المراسلات فقط، وإنما في توثيق الاتفاقات والالتزامات المتبادلة، بما يقلل مجال النزاع حول مضمونها لاحقاً. وهذا من أوضح الأصول النصية في وظيفة التوثيق الإداري في العهد النبوي.

الفرع الثاني: أحاديث الرسل والسفراء ونقل التعليمات

إلى جانب كتابة الرسالة، كان لا بد من وسيلة موثوقة لنقلها إلى الجهة المقصودة. ومن أوضح النصوص في ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما في كتاب النبي ﷺ إلى هرقل، وفيه أن رسول الله ﷺ كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه مع دحية الكلبي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر، وأصل الحديث في صحيح البخاري(البخاري، 1422هـ، ح7).

ويكشف الحديث عن صورة منظمة من الاتصال الخارجي؛ إذ لم تكن الرسالة نصاً يرسل من غير حامل معلوم، بل عُيّن شخص لحملها، وحددت له جهة التسليم، ثم انتقلت عبر القناة المناسبة إلى المقصود بها.

ومن الناحية الإدارية، يمكن التمييز هنا بين ثلاثة عناصر: الرسالة الرسمية، وحامل الرسالة، ومسار التسليم. وهذه العناصر لا تحتاج إلى افتراض وجود جهاز دبلوماسي بصورته الحديثة، لكنها تثبت وجود تنظيم وظيفي للاتصال الخارجي.

كما أن بعث الرسل لا ينبغي أن يدرس فقط من زاوية تاريخ الدعوة؛ إذ يحمل بُعداً إدارياً يتعلق بنقل القرار والمعلومة والتعليمات بصورة مأمونة إلى الجهات البعيدة. غير أن تسمية كل رسول بـ«سفير» بالمعنى القانوني المعاصر تحتاج إلى احتراز؛ فالأدق استعمال الألفاظ الواردة في المصادر، ثم بيان وجه المقارنة عند الحاجة.

وتؤكد قصة زيد بن ثابت السابقة أن الاتصال الخارجي لم يقتصر على النقل المادي للرسالة، بل شمل أيضاً القدرة على قراءة الرسائل الواردة وكتابتها بلغة الطرف الآخر، وهو ما يكشف عن تكامل بين وظيفة الكاتب ووظيفة الاتصال الخارجي.

الفرع الثالث: أحاديث صاحب السر والخاتم وما يتصل بحفظ المراسلات

يدخل حفظ المعلومات والمراسلات ضمن الجوانب التي تظهر في بعض النصوص النبوية، غير أن الدراسة الحديثية تحتاج هنا إلى التمييز بين ثبوت ممارسة حفظ السر وبين دعوى وجود وظيفة رسمية مستقلة باسم «صاحب السر».

فقد جاء في صحيح البخاري أن أبا الدرداء رضي الله عنه قال لعلقمة مشيراً إلى حذيفة رضي الله عنه: «أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ؟»، يعني حذيفة بن اليمان(البخاري، 1422هـ، ح3533). وقد عُرف حذيفة عند الصحابة بما أطلعه عليه النبي ﷺ من أسرار تتعلق بأسماء المنافقين وغير ذلك.

لكن من الناحية المنهجية، هذا النص ليس حديثاً مرفوعاً يتضمن إنشاء منصب إداري رسمي باسم «صاحب السر»، وإنما هو خبر عن اختصاص حذيفة بعلم أسرّه إليه النبي ﷺ. ولذلك يجوز الاستدلال به على وجود مبدأ حصر بعض المعلومات الحساسة في أشخاص موثوقين، ولا يصح أن يُجزم منه وحده بوجود ديوان أو وظيفة مؤسسية مكتملة بهذا الاسم.

وهذه الملاحظة ذات أهمية خاصة؛ لأن كتب التراتيب الإدارية قد ترتب الوقائع التاريخية تحت أبواب وظيفية متأخرة، بينما تقتضي الدراسة الحديثية أن تفرق بين المادة الأصلية الثابتة وبين تصنيفها اللاحق.

أما الخاتم، فقد ثبت في الصحيح عن أنس رضي الله عنه: «لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ، قِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ… وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»(البخاري، 1422هـ، ج4، ص45، ح2938؛ مسلم، د.ت، ج3، ص1657، ح2092).

ودلالة الحديث في موضوع الإدارة ظاهرة؛ إذ استُعمل الخاتم في المراسلات الخارجية استجابةً لما جرى عليه عرف الجهة المستقبلة للكتاب. ومن ثم يمكن النظر إلى الختم باعتباره وسيلة لتوثيق الكتاب الرسمي وتمييزه، مع تجنب تحميل الحديث تفاصيل تقنية لم ينص عليها.

ويظهر في هذا الحديث أيضاً قدر من المرونة الإجرائية؛ فقد راعى النبي ﷺ الطريقة التي تقبل بها المراسلات لدى الطرف المخاطَب، واتخذ وسيلة تحقق الغرض المشروع. وهذا يبين أن وسائل الاتصال الإداري قابلة للتنظيم بحسب ما يحقق الوثوق والوضوح ويحفظ مضمون المراسلة.

وباجتماع حديث زيد في تعلم الكتابة، وحديث إرسال دحية، وحديث اتخاذ الخاتم، تتكون صورة مترابطة للاتصال الإداري في العهد النبوي: إعداد المراسلة، وكتابتها ممن يوثق به، وحفظ مضمونها، وتوثيقها بالختم عند الحاجة، ثم إسناد نقلها إلى رسول معلوم. وهي دلالة أقوى وأدق من الاقتصار على سرد أسماء الكتّاب والرسل دون دراسة وظيفة النصوص نفسها.

المبحث الثالث: الأحاديث الواردة في التوجيه والرقابة والمحاسبة الإدارية

لا تكتمل الوظيفة الإدارية بمجرد اختيار العامل أو الوالي وإسناد المهمة إليه؛ إذ إن سلامة الاختيار تحتاج بعد التولية إلى توجيه يبين للعامل طبيعة عمله وحدوده، ومتابعة تكشف مدى التزامه بما أُسند إليه، ورقابة تمنع تجاوز السلطة أو التصرف غير المشروع في الأموال والحقوق، ثم محاسبة عند ظهور التقصير أو المخالفة. وتكشف الأحاديث النبوية عن حضور هذه المعاني بصورة واضحة في تعامل النبي ﷺ مع من ولاهم أو بعثهم في أعمال عامة.

وقد لفتت بعض الدراسات المعاصرة في الإدارة النبوية إلى أن السلطة في السنة ليست امتيازاً منفصلاً عن المسؤولية، وإنما ترتبط بالأمانة وأداء الواجب، كما اهتمت دراسات إدارة الموارد البشرية باستخراج أسس الاختيار والتأهيل والتوجيه من النصوص النبوية(الأنيس، 2014م، ص219–276؛ مشوح، 2019م، ص271–317).

غير أن هذا المبحث لا ينطلق من المفاهيم الإدارية الحديثة ليفرضها على النصوص، وإنما يبدأ من الأحاديث نفسها، ثم يستخرج منها ما تدل عليه من معاني التوجيه والمتابعة والمحاسبة. فإذا استعملت بعض المصطلحات المعاصرة، مثل «الرقابة الإدارية» أو «تعارض المصالح»، فإنما تستعمل بوصفها أدوات تفسيرية لمضمون ثابت في الحديث، لا بوصفها مصطلحات تاريخية كانت متداولة في العصر النبوي.

المطلب الأول: أحاديث التوجيه الإداري للعمال والمسؤولين

الفرع الأول: الوصايا النبوية للولاة والعمال عند التولية

تكشف السنة النبوية عن أن التولية لم تكن في عدد من الوقائع مجرد أمر بالتوجه إلى مكان العمل، وإنما اقترنت بتوجيه سابق يبين للمبعوث طبيعة البيئة التي سيدخلها، وأولويات المهمة، والحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها. ومن أوضح الشواهد على ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما في بعث معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن، إذ قال له النبي ﷺ:

«إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ…»، ثم بين له ترتيب ما يدعوهم إليه، ابتداءً من أصل التوحيد، ثم الصلاة، ثم الزكاة، وقال في شأنها: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»، ثم قال: «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»(البخاري، 1422هـ، ج2، ص128، ح1496؛ مسلم، د.ت، ح19).

ويتميز هذا الحديث من الناحية الإدارية بأنه لا يقتصر على بيان الحكم الشرعي المتعلق بالدعوة والزكاة، بل يشتمل كذلك على توجيه العامل قبل مباشرة المهمة. فقول النبي ﷺ: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب» تعريف بطبيعة البيئة التي سيدخلها، ثم جاء ترتيب الأولويات بصورة متدرجة، ثم حُددت للعامل في المجال المالي جهة الأخذ وجهة الصرف، ثم وُضع له قيد يمنع التعسف في التحصيل: «فإياك وكرائم أموالهم».

وهذا يكشف أن تفويض العامل لم يكن تفويضاً مطلقاً؛ فمعاذ رضي الله عنه أُعطي صلاحية تنفيذية، لكنه تلقى في الوقت نفسه ضوابط تضبط استعمال تلك الصلاحية. ومن ثم يجتمع في الحديث وضوح الهدف، وترتيب الأولويات، وتحديد الاختصاص، ووضع القيود التي تحمي حقوق الناس.

كما أن ختم الوصية بقوله ﷺ: «واتق دعوة المظلوم» ينقل العامل من مجرد الالتزام بالإجراء إلى استحضار البعد الأخلاقي للمسؤولية؛ فصحة المهمة لا تبرر الظلم في تنفيذها، وجمع الحق المشروع لا يسوغ الاعتداء على أموال المكلفين أو استغلال سلطة الوظيفة.

ومن الأحاديث الجامعة في هذا الباب أيضاً حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ لما بعثه ومعاذاً إلى اليمن قال لهما: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا»(البخاري، 1422هـ، ج4، ص65، ح3038؛ مسلم، د.ت، ج3، ص1359، ح1733).

ويضيف هذا الحديث بُعداً آخر للتوجيه؛ إذ لم يوجه النبي ﷺ العاملين في كيفية التعامل مع الناس فحسب، بل نظم العلاقة بينهما بقوله: «وتطاوعا ولا تختلفا». وهذا يدل على أن تعدد المسؤولين في نطاق متقارب يحتاج إلى التنسيق والتعاون؛ لأن حسن أداء كل فرد لا يكفي إذا أدى اختلاف المسؤولين إلى اضطراب العمل.

وعليه، فإن الوصية عند التولية في الهدي النبوي لم تكن توجيهاً شكلياً، وإنما تضمنت في هذه النصوص تحديد البيئة، وترتيب الأولويات، وضبط الصلاحية، والتنبيه إلى حقوق الناس، وتنظيم العلاقة بين العاملين.

الفرع الثاني: التيسير وحسن التعامل مع الرعية

جعلت السنة طريقة تعامل المسؤول مع من تحت ولايته جزءاً من مسؤوليته نفسها. ومن النصوص الصريحة في ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ»(مسلم، د.ت، ج3، ص1458، ح1828).

ويدل تعبير «من ولي من أمر أمتي شيئاً» على عموم المسؤولية بحسب ما أُسند إلى الشخص، فلا يختص المعنى بصاحب الولاية الكبرى، بل يشمل من ولي شأناً من شؤون الناس بحسب دائرة اختصاصه. كما يقيم الحديث مقابلة واضحة بين منهجين في استعمال السلطة: المشقة والرفق.

ولا يعني الرفق في هذا السياق تعطيل الأحكام أو التفريط في المصالح العامة، وإنما يعني أن تنفيذ المسؤولية لا يصح أن يتحول إلى تعسف أو إرهاق زائد أو استغلال للسلطة. وهذه الدلالة تتفق مع وصية معاذ رضي الله عنه في عدم أخذ كرائم أموال الناس، ومع قوله لأبي موسى ومعاذ: «يسرا ولا تعسرا».

ويظهر من جمع هذه النصوص أن العلاقة بين المسؤول والرعية ليست علاقة سلطة أحادية الاتجاه، بل يتحمل المسؤول فيها واجبات تجاه من تحت ولايته. ولذلك جاء الوعيد الشديد في الغش بالرعية؛ فعن معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، وجاء في رواية البخاري: «ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة»(البخاري، 1422هـ، ح7150–7151؛ مسلم، د.ت، ح142).

فالحديث يجعل النصيحة للرعية وعدم الغش جزءاً من جوهر الولاية، وهو ما يبين أن معيار نجاح المسؤول في التصور النبوي لا ينحصر في إنجاز العمل من الناحية الشكلية، بل يشمل حفظ مصالح الناس وعدم الإضرار بهم.

ومن ثم يمكن القول إن التيسير والرفق في الهدي النبوي يمثلان ضابطين لسلوك المسؤول أثناء ممارسة صلاحياته، ويمنعان تحول الوظيفة العامة من أداة لتحقيق المصلحة إلى وسيلة للمشقة أو الإضرار أو التسلط.

الفرع الثالث: وضوح المهمة وتحديد المسؤولية

من الخصائص البارزة في عدد من نصوص التولية النبوية وضوح المهمة التي يُبعث العامل من أجلها. فقد جاء في حديث معاذ رضي الله عنه تحديد واضح لمراحل عمله وما يُطلب منه إبلاغه وتنفيذه، كما حدد في شأن الزكاة مصدر المال ومصرفه وضابط أخذه. وهذا الوضوح يقلل مساحة الاجتهاد غير المنضبط فيما ورد فيه توجيه صريح.

ويؤكد أصل المسؤولية حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ…»(البخاري، 1422هـ، ج9، ص62، ح7138؛ مسلم، د.ت، ح1829).

ويجمع الحديث بين الرعاية والمسؤولية؛ فلا توجد سلطة بلا تبعة، ولا ولاية بلا مساءلة. ولفظ «مسؤول» وإن كان يتضمن ابتداءً المسؤولية أمام الله تعالى، فإنه يقرر في الوقت نفسه أصلاً أخلاقياً مهماً: أن ما أُسند إلى الشخص ليس ملكاً خاصاً له، وإنما أمانة سيُسأل عن أدائها.

ويفيد هذا الأصل في فهم بقية أحاديث الإدارة؛ فالعامل على الصدقة مسؤول عن المال الذي يجمعه، والوالي مسؤول عمن تحت ولايته، والمبعوث مسؤول عن المهمة التي حملها، ومن هنا تصبح المتابعة والمحاسبة امتداداً طبيعياً لأصل المسؤولية لا إجراءً منفصلاً عنه.

وبذلك تكشف السنة عن تدرج منطقي في الوظيفة العامة: إسناد مهمة، ثم بيان ما يجب فيها، ثم تحميل صاحبها مسؤولية أدائها.

المطلب الثاني: أحاديث المتابعة والرقابة وتقويم الأداء

الفرع الأول: متابعة النبي ﷺ لأعمال الولاة والعمال

من أقوى النصوص الدالة على المتابعة العملية لأداء العامل حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه في عامل الصدقة المعروف بابن اللُّتْبِيَّة. فقد استعمله النبي ﷺ على الصدقة، ولما رجع لم تنته مهمته بمجرد تسليم ما جمعه، بل جاء في بعض طرق الحديث بعبارة صريحة: «فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ»، ثم قال العامل: «هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي»(البخاري، 1422هـ، ح1500، 7174؛ مسلم، د.ت، ح1832). وتعددت مواضع الحديث في صحيح البخاري، ومنها باب «هدايا العمال».

واللفظ «حاسبه» ذو دلالة واضحة؛ إذ يدل على مراجعة ما قام به العامل بعد انتهاء مهمته، وعدم الاكتفاء بالثقة السابقة فيه أو بمجرد صدوره للتكليف. وهذه المتابعة كشفت مسألة لم تكن لتظهر لو تُرك للعامل أن يقسم الأموال بنفسه دون مراجعة.

ومن ثم فإن الرقابة هنا ليست مبنية على اتهام العامل قبل ثبوت شيء عليه، وإنما هي جزء من طبيعة الوظيفة التي تتعلق بحقوق عامة وأموال ليست ملكاً للعامل. وهذا يبين إمكان الجمع بين الثقة في الشخص وبين التحقق من أدائه؛ فالرسول ﷺ هو الذي عيّنه ابتداءً، ثم حاسبه عند عودته.

ومن الناحية الإدارية، تفيد الواقعة أن تفويض المسؤولية لا يلغي سلطة المتابعة، وأن المساءلة اللاحقة للعمل وسيلة لحفظ سلامة التنفيذ. كما تدل على أن المعلومات التي يقدمها العامل عند انتهاء المهمة قابلة للفحص والتمييز بين ما يتعلق بحق العمل وما يدعي أنه حق شخصي.

وقد ذهب الأنيس في دراسته للمبادئ السلوكية للإدارة في السنة إلى وجود تلازم بين السلطة والمسؤولية، وأن الوظيفة ليست امتيازاً مجرداً، وهو معنى يتفق مع مجموع هذه النصوص(الأنيس، 2014م، ص219–276).

الفرع الثاني: الرقابة على المال العام والوظيفة العامة

تتأكد الرقابة في المجال المالي لأن المال الذي يقع تحت يد العامل ليس ملكاً له، وإنما يتصرف فيه بمقتضى المهمة التي كُلِّف بها. ومن النصوص الجامعة في هذا الباب حديث بريدة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

«مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ»(أبو داود، د.ت، ج3، ص134، ح2943؛ ابن خزيمة، ح2369). وقد صحح إسناده شعيب الأرناؤوط، وصححه الألباني كذلك.

يضع الحديث حداً فاصلاً بين الحق المالي المقرر للعامل وبين ما يأخذه بسبب وظيفته من غير حق. فالرسول ﷺ لم ينكر أن يكون للعامل رزق أو مقابل معلوم، وإنما جعل ما زاد على الحق المقرر بغير مسوغ داخلاً في الغلول.

ومن الناحية الإدارية، يحقق هذا النص وظيفتين متكاملتين: الأولى توفير الحق المالي للعامل بما يحفظ حاجته، والثانية منع تحول موقعه الوظيفي إلى مصدر للكسب غير المشروع. وهذا التوازن مهم؛ لأن مكافحة الاستغلال لا تقوم بمجرد المنع، بل تسبقها معرفة ما للعامل من حق وما عليه من واجب.

ويتفق ذلك مع حديث معاذ رضي الله عنه في الزكاة؛ إذ حدد النبي ﷺ للعامل أن الصدقة تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء، ونهاه عن كرائم الأموال. فالعامل لا يملك إعادة تعريف المال العام بحسب رغبته، وإنما يتحرك داخل حدود شرعية محددة مسبقاً(البخاري، 1422هـ، ج2، ص128، ح1496).

وبهذا يظهر أن الرقابة المالية في النصوص المدروسة تقوم على عناصر واضحة: تحديد الاستحقاق، وتحديد مصدر المال ومصرفه، ومنع الزيادة غير المشروعة، ثم مراجعة العامل بعد أداء المهمة.

الفرع الثالث: تصحيح الخطأ الإداري ومعالجة التقصير

لا تقتصر المتابعة على اكتشاف الخلل، بل يترتب عليها تصحيح التصرف الخاطئ وعدم إقراره إذا تجاوز المكلف حدود مهمته. ومن الأحاديث ذات الدلالة القوية في هذا الباب حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى بني جذيمة.

فقد بعث النبي ﷺ خالداً إليهم، ووقع منه في الواقعة ما أنكره بعض من معه، فلما بلغ الأمر النبي ﷺ رفع يديه وقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ» مرتين(البخاري، 1422هـ، ح4339).

والحديث مهم في الدراسة الإدارية من جهتين. أولاهما أن إسناد المهمة إلى مسؤول لا يعني إقرار جميع تصرفاته اللاحقة؛ إذ تبقى أفعاله مقيدة بأصل التكليف والضوابط الشرعية. وثانيتهما أن القيادة العليا عندما يصلها خبر التجاوز لا تنسب الخطأ إلى أصل السياسة لمجرد أن فاعله أحد عمالها، بل يمكنها رفض التصرف وإعلان عدم إقراره.

كما تكشف الواقعة عن مبدأ آخر؛ فقد امتنع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ومن معه عن تنفيذ الأمر الذي رأوه غير مشروع. وهذا يدل على أن الطاعة الإدارية ليست مطلقة بحيث تلغي المسؤولية الشرعية الفردية.

ومن المهم هنا عدم المبالغة في استخدام المصطلحات الحديثة؛ فالحديث لا يقدم «نظام تقويم أداء» بمفهومه المؤسسي المعاصر، لكنه يثبت بوضوح معنى تقويم فعل المسؤول بعد وقوعه، ورفض التجاوز، وعدم جعل التفويض حصانة من المراجعة.

كما يمثل حديث ابن اللتبية مثالاً آخر لمعالجة الخلل؛ إذ لم يكتف النبي ﷺ بإعادة التمييز بين المال العام والهدية الخاصة، بل صعد المنبر وبيّن الحكم للناس، فانتقل التصحيح من معالجة حالة فردية إلى توجيه عام يمنع تكرار السلوك(البخاري، 1422هـ، ح7174؛ مسلم، د.ت، ح1832).

وهذا يعكس وظيفة تعليمية للرقابة؛ فهي لا تقتصر على العقوبة بعد الخطأ، بل يمكن أن تتحول الواقعة المكتشفة إلى قاعدة عامة توضح للآخرين حدود السلوك الوظيفي المقبول.

المطلب الثالث: أحاديث المحاسبة والنزاهة ومنع استغلال الوظيفة

الفرع الأول: محاسبة العمال على الأموال والهدايا

يعد حديث ابن اللتبية من أغنى الأحاديث النبوية في بيان المحاسبة المالية. فقد استعمل النبي ﷺ الرجل على الصدقات، ولما عاد قال: «هذا لكم وهذا أُهدي لي»، فرفض النبي ﷺ هذا الفصل الذي أقامه العامل بين المال المحصل والهدية، وقال: «مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ، فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَهَذَا لِي؟ فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟»(البخاري، 1422هـ، ح7174؛ مسلم، د.ت، ح1832).

ويلاحظ أن النبي ﷺ لم يعتمد في الحكم على الاسم الذي أطلقه العامل على المال؛ فالعامل سماه هدية، لكن النبي ﷺ نظر إلى سبب حصوله عليها. ولذلك قرر معياراً عملياً بالغ الدقة: لو لم يكن عاملاً، وجلس في بيت أبيه وأمه، فهل كانت هذه الهدية ستصل إليه؟

ومن خلال هذا المعيار يتضح أن الحكم يرتبط بالعلاقة بين الهدية والوظيفة. فما يحصل عليه العامل بسبب موقعه الوظيفي لا يصبح مالاً شخصياً لمجرد أن المعطي وصفه بأنه هدية.

وبلغة الدراسات الإدارية المعاصرة، يمكن مقارنة هذه الصورة بما يسمى اليوم تعارض المصالح أو المنفعة الناشئة عن الوظيفة، لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذا مصطلح تحليلي حديث؛ أما الأصل النبوي الثابت فهو منع العامل من تملك منفعة وصلته بسبب منصبه على الوجه المبين في الحديث.

وتظهر قوة المحاسبة في الواقعة في أن الأمر لم يُترك لتقدير العامل نفسه، بل خضع لمراجعة من الجهة التي عيّنته، ثم بُين الحكم علناً. وهذا يجعل الحديث أساسياً في بيان شفافية التصرف في الأموال المتصلة بالعمل العام.

الفرع الثاني: تحريم الغلول واستغلال المنصب للمصلحة الشخصية

جاءت الأحاديث بلفظ شديد في المال الذي يأخذه العامل خارج حقه المشروع؛ فوصفه حديث بريدة رضي الله عنه بأنه «غلول»: «مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ»(أبو داود، د.ت، ح2943).

والغلول في أصل استعماله يتضمن معنى الخيانة في المال، ولذلك فإن وصف ما يأخذه العامل بغير حق به ينقل المسألة من مجرد مخالفة إدارية بسيطة إلى خيانة للأمانة المالية.

ويكتمل معنى الحديث بحديث ابن اللتبية؛ ففيه لم يقبل النبي ﷺ دعوى أن المال هدية شخصية، بل قال في بعض طرق الحديث: «وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، ثم ذكر البعير والبقرة والشاة(مسلم، د.ت، ح1832؛ وانظر البخاري، 1422هـ، ح6979، 7174).

وهذا الوعيد يربط النزاهة الإدارية بالمسؤولية الدينية، ويجعل الرقابة الذاتية مكمِّلة للرقابة الخارجية؛ فقد يخفى المال على الناس، لكنه لا يخرج بذلك من دائرة المسؤولية أمام الله.

كما يتبين من قوله ﷺ: «فرزقناه رزقاً» أن تحريم الاستفادة غير المشروعة من الوظيفة يقترن بإقرار حق العامل المشروع. فالمطلوب ليس أن يقوم الموظف بالعمل دون حق مالي، وإنما أن يلتزم بما تقرر له ولا يجعل سلطته وسيلة للحصول على منافع إضافية من أصحاب المصالح أو من المال الذي يقع تحت يده.

ومن ثم يمكن استخلاص قاعدة عامة مفادها أن المنصب وسيلة لأداء حق عام، وليس مصدراً لزيادة الثروة الشخصية بسبب الصلاحيات التي يمنحها.

الفرع الثالث: المسؤولية الإدارية وأثرها في حفظ الأمانة العامة

تجمع السنة بين مسؤولية الفرد عن عمله وبين مسؤولية من يتولى أمر الناس. ومن أصرح الأحاديث في ذلك قوله ﷺ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ…»(البخاري، 1422هـ، ج9، ص62، ح7138؛ مسلم، د.ت، ح1829).

وتفيد صياغة الحديث أن المسؤولية ليست مرتبطة فقط بنتيجة مالية ظاهرة، بل تشمل أصل الرعاية. فالمسؤول مطالب بأداء ما أُنيط به، والمحافظة على من تحت ولايته، والقيام بما يحقق المصلحة ولا يوقع في الغش أو الإضرار.

ويؤكد هذا المعنى حديث معقل بن يسار رضي الله عنه في الوعيد على غش الرعية؛ فالغش هنا صورة من صور خيانة المسؤولية، سواء تعلق بإهمال مصالح الناس أو تضليلهم أو التفريط فيما يجب حفظه لهم. ولهذا جاءت العقوبة في الحديث شديدة، مما يدل على خطورة الولاية حين تنفصل عن النصيحة والأمانة.

ومن خلال جمع أحاديث هذا المبحث يتبين أن الأمانة العامة تقوم على عدة مستويات مترابطة: توجيه المسؤول قبل العمل، وتحديد ما له وما عليه، ومتابعته أثناء المهمة أو بعدها، ومراجعة الأموال والتصرفات، وتصحيح الخطأ عند وقوعه، ومنع الاستفادة الشخصية من السلطة، ثم استحضار مسؤوليته أمام الله تعالى.

وهذه المستويات تساعد على حماية الثقة في الوظيفة العامة؛ لأن الناس إذا علموا أن العامل لا يُترك بلا ضابط، وأن المال لا يُسلَّم له على أنه ملكه، وأن الهدايا المتصلة بالمنصب لا تُقبل بوصفها شأناً شخصياً، وأن تجاوز المسؤول يمكن أن يُرفض ويصحح، فإن ذلك يحد من أسباب الفساد والظلم وفقدان الثقة.

ومن هنا يظهر أن المحاسبة في السنة النبوية ليست إجراءً مالياً معزولاً، بل جزء من مفهوم أوسع هو الأمانة والمسؤولية. فالمسؤول يُختار للعمل، ثم يُوجَّه، ثم يُتابَع ويُحاسَب؛ وفي المقابل يُقرر له حقه المشروع ويحفظ له نطاق صلاحياته. وهذه الموازنة تحول دون طرفين متقابلين: إطلاق السلطة بلا مساءلة، أو تحميل العامل المسؤولية من غير تحديد لحقه ومهمته.

نتائج البحث

توصل البحث، من خلال جمع الأحاديث المتعلقة بالإدارة في العهد النبوي وتخريجها ودراستها دراسة حديثية موضوعية، إلى جملة من النتائج، من أبرزها:

  1. أن مصطلح «الإدارة» بمفهومه الاصطلاحي المعاصر لم يكن مستعملاً في النصوص النبوية بهذا اللفظ، إلا أن مضامينه ووظائفه كانت حاضرة في العهد النبوي من خلال التولية، والعمالة، والتفويض، والكتابة، والمراسلات، والقضاء، والرقابة، والمحاسبة، وإدارة الأموال والمصالح العامة.
  2. أن الأحاديث النبوية تكشف عن وجود تنظيم إداري عملي في العهد النبوي، لم يقم على العشوائية، بل على توزيع المسؤوليات وإسناد المهام إلى أشخاص معينين بحسب طبيعة العمل والحاجة إليه.
  3. تبين أن الأهلية والكفاءة كانتا من الضوابط الأساسية في إسناد المسؤوليات؛ ويظهر ذلك بوضوح في حديث أبي ذر رضي الله عنه، حيث لم تكن المكانة الدينية وحدها كافية لتولي الإمارة إذا لم تتوافر القدرة المناسبة لتحمل أعبائها.
  4. أظهرت الدراسة أن الوظيفة العامة في الهدي النبوي أمانة وتكليف وليست تشريفاً أو امتيازاً شخصياً، وأن المسؤول مطالب بأداء ما أُسند إليه وفق الضوابط الشرعية.
  5. دلت الأحاديث الصحيحة على التحذير من الحرص على الإمارة وطلبها، كما في حديث عبد الرحمن بن سمرة وحديث أبي موسى رضي الله عنهما، وهو ما يبين أن الرغبة الشخصية في السلطة لا تعد معياراً كافياً للتولية.
  6. كشفت النصوص المدروسة عن مراعاة ملاءمة الشخص لطبيعة المهمة؛ فقد يملك الإنسان فضائل كثيرة، لكنه لا يكون مناسباً لعمل معين، في حين قد يُسند إلى آخر عمل محدد مع توجيهه وتأهيله للقيام به.
  7. تبين أن المنهج النبوي جمع بين التعيين والتأهيل؛ فإسناد المهمة لم يكن دائماً نهاية العملية، بل قد يقترن بتوجيه عملي يبين للعامل كيفية أداء مهمته، كما يظهر في بعث علي رضي الله عنه إلى القضاء.
  8. أثبتت الأحاديث وجود توزيع للاختصاصات بين العاملين؛ فكان هناك الولاة، والعمال، والقضاة، وجباة الأموال، والكتّاب، والرسل، وغيرهم، مع تحديد نطاقات أو مهام معينة لكل منهم.
  9. دل بعث أبي موسى ومعاذ رضي الله عنهما إلى اليمن على إمكان توزيع المسؤولية جغرافياً ووظيفياً، مع بقاء التوجيه العام والتعاون بين المسؤولين، وهو ما يظهر في قوله ﷺ: «وتطاوعا ولا تختلفا».
  10. أظهرت الدراسة أن التفويض الإداري كان موجوداً في العهد النبوي، لكنه لم يكن تفويضاً مطلقاً؛ بل كان مقيداً بالتوجيه والضوابط الشرعية وحدود المهمة.
  11. كشفت الأحاديث عن حضور واضح لـ الكتابة والتوثيق والمراسلات في التنظيم الإداري؛ سواء في كتابة الرسائل، أو العهود، أو الصلح، أو نقل المراسلات إلى الجهات المختلفة.
  12. تبين أن اختيار الكتّاب والرسل لم يكن عشوائياً، بل راعى الثقة والقدرة والمهارة المناسبة للمهمة، كما يظهر في تكليف زيد بن ثابت رضي الله عنه بتعلم كتابة اليهود والقيام بالكتابة والقراءة للنبي ﷺ.
  13. أثبتت الدراسة أن استعمال الخاتم في المراسلات كان مرتبطاً بالحاجة إلى توثيق الكتاب الرسمي وتمييزه عند مخاطبة جهات خارجية، مما يعكس مراعاة الوسائل المناسبة لتحقيق غرض الاتصال الإداري.
  14. أظهرت الدراسة أهمية التمييز بين ثبوت الوظيفة عملياً وبين ثبوت المسمى الوظيفي المؤسسي؛ فبعض المصطلحات التي اشتهرت في كتب التراتيب، مثل «المحتسب» أو «صاحب السر»، لا ينبغي نسبتها إلى العهد النبوي بصورتها المؤسسية المتأخرة إلا بدليل صريح.
  15. تبين أن توجيه العمال كان جزءاً أساسياً من المنهج الإداري النبوي؛ إذ تضمنت وصايا النبي ﷺ للعاملين تحديد المهمة، وترتيب الأولويات، والتيسير، والرفق، وعدم الظلم، والتعاون بين المسؤولين.
  16. أكدت الأحاديث أن الرفق بالرعية وحسن التعامل معها من مقتضيات الولاية، وأن التشديد والتعسف والغش بالرعية يتنافى مع المسؤولية الشرعية والإدارية.
  17. أظهرت الدراسة أن المسؤولية في الهدي النبوي ترتبط بالمساءلة، كما يدل حديث «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، مما يقرر أن السلطة لا تنفصل عن التبعة والواجب.
  18. أثبت حديث ابن اللتبية بصورة واضحة وجود المحاسبة المالية للعمال بعد أداء المهام، وأن الثقة في العامل لا تلغي ضرورة مراجعة ما قام به والتحقق من الأموال التي جمعها.
  19. كشفت الأحاديث عن مبدأ مهم في منع استغلال الوظيفة للمصلحة الشخصية، وهو أن المنفعة التي يحصل عليها العامل بسبب منصبه لا تتحول إلى حق شخصي لمجرد تسميتها هدية.
  20. تبين من حديث ابن اللتبية أن معيار النظر في الهدية الوظيفية هو سبب حصول العامل عليها؛ فلو لم يكن في منصبه لما وصلت إليه، وهذا أصل مهم في حماية النزاهة ومنع تضارب المصلحة.
  21. دلت النصوص على أن ما يأخذه العامل بغير حق بعد تقرير رزقه المشروع يدخل في الغلول، وهو ما يبين شدة التحذير من التربح غير المشروع من الوظيفة العامة.
  22. أظهرت الدراسة أن الرقابة النبوية لم تقتصر على الأموال، بل شملت كذلك تقويم تصرفات المسؤولين وتصحيح الخطأ عند وقوعه، كما في موقف النبي ﷺ من تصرف خالد بن الوليد رضي الله عنه في بني جذيمة.
  23. تبين أن التفويض لا يمنح المسؤول حصانة من النقد أو التصحيح؛ فالمسؤول يبقى ملتزماً بحدود الشرع والمهمة، ويمكن رفض تصرفه إذا تجاوز تلك الحدود.
  24. كشفت الدراسة أن المنهج النبوي في الإدارة يجمع بين عدة مراحل مترابطة: حسن الاختيار، وتحديد المسؤولية، والتوجيه، والتفويض، والمتابعة، والرقابة، والمحاسبة، وتصحيح الخطأ.
  25. خلص البحث إلى أن الأحاديث النبوية تقدم إطاراً متكاملاً للأمانة الوظيفية، يقوم على التوازن بين صلاحيات المسؤول وحقوق الرعية، وبين الثقة والرقابة، وبين حق العامل في الرزق ومنع استغلال المنصب.
  26. أثبتت الدراسة أن الرجوع إلى كتب مثل التراتيب الإدارية وتخريج الدلالات السمعية مفيد في جمع المادة والكشف عن مجالاتها، إلا أن الحكم على الأحاديث ينبغي أن يبقى معتمداً على المصادر الحديثية الأصلية وقواعد المحدثين.
  27. تبين أن بعض الكتب المتأخرة توسعت في تصنيف الوقائع النبوية ضمن مسميات إدارية، ولذلك لا بد في الدراسات الحديثة من التفريق بين النص النبوي الثابت وبين التصنيف الإداري اللاحق.
  28. خلص البحث في مجمله إلى أن الإدارة في العهد النبوي لم تكن مجرد مجموعة إجراءات منفصلة، بل قامت على منظومة أخلاقية وتنظيمية تجمع بين الكفاءة، والأمانة، والعدل، والرفق، والمسؤولية، والنزاهة، والمحاسبة.

التوصيات

بناءً على النتائج التي توصل إليها البحث، يوصي الباحث بما يأتي:

  1. العناية بجمع الأحاديث المتعلقة بالإدارة النبوية في موسوعة حديثية موضوعية مستقلة، مع تخريجها وبيان درجاتها وتصنيفها بحسب المجالات الإدارية.
  2. ضرورة التفريق في الدراسات المستقبلية بين المصطلحات الإدارية الحديثة وبين الألفاظ والممارسات التي ثبتت في النصوص النبوية، تجنباً لإسقاط المفاهيم المعاصرة على العهد النبوي دون ضابط.
  3. تشجيع الدراسات المتخصصة في أحاديث اختيار العاملين والولاة، ولا سيما ما يتعلق بالكفاءة والأمانة والقدرة ومناسبة الشخص للمهمة.
  4. إعداد دراسات مستقلة حول الرقابة والمحاسبة المالية في السنة النبوية، مع التركيز على هدايا العمال، والغلول، وأموال الزكاة، والمال العام.
  5. توجيه الباحثين إلى دراسة أحاديث التوجيه الإداري دراسة موضوعية تجمع بين التخريج والتحليل، مع بيان الضوابط التي وضعها النبي ﷺ للولاة والعمال.
  6. التوسع في دراسة الكتابة والمراسلات والرسل والتوثيق في العهد النبوي؛ لما تكشفه هذه المجالات من جوانب مهمة في الاتصال الإداري.
  7. ضرورة إعادة فحص الروايات التي اعتمدت عليها كتب التراتيب الإدارية، وعدم الاكتفاء بمجرد ورودها فيها، بل الرجوع إلى المصادر الأصلية ودراسة الأسانيد والمتون.
  8. العناية بتمييز ما ثبت من الممارسات الإدارية النبوية عما أضيف إليها لاحقاً من مسميات وتنظيمات ظهرت في العصور التالية.
  9. الإفادة من الأحاديث المتعلقة بالأمانة والمحاسبة والنزاهة في تطوير برامج أخلاقيات الوظيفة العامة، مع المحافظة على السياق الشرعي للنصوص وعدم اختزالها في مفاهيم إدارية معاصرة فقط.
  10. تشجيع الدراسات المقارنة بين المبادئ الإدارية المستنبطة من السنة النبوية وبعض النظريات الإدارية الحديثة، شريطة أن تكون المقارنة منضبطة ولا تؤدي إلى تحميل النصوص ما لا تحتمل.
  11. تخصيص دراسات مستقلة لـ مفهوم تعارض المصالح في السنة النبوية، ولا سيما في ضوء حديث ابن اللتبية وهدايا العمال.
  12. إجراء دراسات حديثية متخصصة في أحاديث القضاء والحسبة والرقابة على الأسواق، مع التمييز بين ثبوت الوظيفة العملية وثبوت المسمى المؤسسي.
  13. دراسة أحاديث إدارة الأزمات والقيادة الميدانية في السنة النبوية، ولا سيما النصوص المتعلقة بترتيب القيادة والتفويض واستمرار المسؤولية عند الطوارئ.
  14. تشجيع كليات الشريعة والإدارة على الإفادة من هذا النوع من الدراسات في بناء مقررات تجمع بين علوم الحديث والإدارة الإسلامية على أساس علمي موثق.
  15. التأكيد في الدراسات المستقبلية على تقديم التحقيق الحديثي قبل الاستنباط الإداري؛ لأن صحة النتائج المستنبطة مرتبطة بدرجة ثبوت النصوص التي بُنيت عليها.

المصادر والمراجع

  1. القرآن الكريم.

The Holy Qur’an.

  1. ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهرزوري، أبو عمرو تقي الدين. (1406هـ/1986م). معرفة أنواع علوم الحديث، ويُعرف بمقدمة ابن الصلاح، تحقيق نور الدين عتر، دمشق، سورية–بيروت، لبنان: دار الفكر ودار الفكر المعاصر، د.ط.

Ibn al-Salah, ‘Uthman ibn ‘Abd al-Rahman ibn ‘Uthman al-Shahrazuri, Abu ‘Amr Taqi al-Din. (1406 AH/1986). An Introduction to the Types of Hadith Sciences, known as Ibn al-Salah’s Introduction. Edited by Nur al-Din ‘Itr. Damascus, Syria–Beirut, Lebanon: Dar al-Fikr and Dar al-Fikr al-Mu‘asir. Edition unspecified.

  1. ابن خزيمة، محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري، أبو بكر. (1400هـ/1980م). صحيح ابن خزيمة: مختصر المختصر من المسند الصحيح، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، 4 مجلدات، بيروت، لبنان: المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى.

Ibn Khuzaymah, Muhammad ibn Ishaq ibn Khuzaymah ibn al-Mughirah ibn Salih ibn Bakr al-Sulami al-Naysaburi, Abu Bakr. (1400 AH/1980). Sahih Ibn Khuzaymah: An Abridgment of the Abridged Authentic Collection of Hadith. Edited by Muhammad Mustafa al-A‘zami. 4 vols. Beirut, Lebanon: Al-Maktab al-Islami. 1st ed.

  1. أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني. (د.ت.). سنن أبي داود، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، 4 مجلدات، صيدا–بيروت، لبنان: المكتبة العصرية، د.ط.

Abu Dawud, Sulayman ibn al-Ash‘ath ibn Ishaq ibn Bashir ibn Shaddad ibn ‘Amr al-Azdi al-Sijistani. (n.d.). Sunan Abi Dawud. Edited by Muhammad Muhyi al-Din ‘Abd al-Hamid. 4 vols. Sidon–Beirut, Lebanon: Al-Maktabah al-‘Asriyyah. Edition unspecified.

  1. أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني. (1430هـ/2009م). سنن أبي داود، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد كامل قره بللي، بيروت، لبنان: دار الرسالة العالمية، الطبعة الأولى.

Abu Dawud, Sulayman ibn al-Ash‘ath ibn Ishaq ibn Bashir ibn Shaddad ibn ‘Amr al-Azdi al-Sijistani. (1430 AH/2009). Sunan Abi Dawud. Edited by Shu‘ayb al-Arna’ut and Muhammad Kamil Qaraballi. Beirut, Lebanon: Dar al-Risalah al-‘Alamiyyah. 1st ed.

  1. أبو عويضة، نائلة عبد الرحمن. (2011م). إدارة الأزمات السياسية والعسكرية في ضوء السنة النبوية: دراسة حديثية موضوعية، رسالة ماجستير في الحديث النبوي الشريف، كلية الشريعة، المفرق، الأردن: جامعة آل البيت.

Abu ‘Uwaydah, Na’ilah ‘Abd al-Rahman. (2011). Managing Political and Military Crises in Light of the Prophetic Sunnah: A Thematic Hadith Study. Master’s thesis in Prophetic Hadith, Faculty of Sharia, Al al-Bayt University, Mafraq, Jordan.

  1. الألباني، محمد ناصر الدين. (1421هـ/2000م). صحيح سنن أبي داود، 3 مجلدات، الرياض، المملكة العربية السعودية: مكتبة المعارف، الطبعة الثانية.

Al-Albani, Muhammad Nasir al-Din. (1421 AH/2000). Sahih Sunan Abi Dawud. 3 vols. Riyadh, Saudi Arabia: Maktabat al-Ma‘arif. 2nd ed.

  1. الأنيس، عبد السميع محمد. (2014م). «المبادئ السلوكية للإدارة في السنة النبوية»، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، مج29، ع98، ص219–276، الكويت، الكويت: جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي.

Al-Anis, ‘Abd al-Sami‘ Muhammad. (2014). “Behavioral Principles of Management in the Prophetic Sunnah.” Journal of Sharia and Islamic Studies, 29(98), 219–276. Kuwait City, Kuwait: Kuwait University, Academic Publication Council.

  1. البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي، أبو عبد الله. (1422هـ). الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، 9 مجلدات، بيروت، لبنان: دار طوق النجاة، الطبعة الأولى.

Al-Bukhari, Muhammad ibn Isma‘il ibn Ibrahim al-Ju‘fi, Abu ‘Abdullah. (1422 AH). The Abridged Collection of Authentic Narrations Concerning the Messenger of Allah, His Practices, and His Life. Edited by Muhammad Zuhayr ibn Nasir al-Nasir. 9 vols. Beirut, Lebanon: Dar Tawq al-Najah. 1st ed.

  1. الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، أبو عيسى. (1395هـ/1975م). سنن الترمذي (الجامع)، تحقيق وتعليق أحمد محمد شاكر، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وإبراهيم عطوة عوض، 5 مجلدات، القاهرة، مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الثانية.

Al-Tirmidhi, Muhammad ibn ‘Isa ibn Sawrah ibn Musa ibn al-Dahhak, Abu ‘Isa. (1395 AH/1975). Sunan al-Tirmidhi (Al-Jami‘). Edited and annotated by Ahmad Muhammad Shakir, Muhammad Fu’ad ‘Abd al-Baqi, and Ibrahim ‘Atwah ‘Awad. 5 vols. Cairo, Egypt: Mustafa al-Babi al-Halabi Bookshop and Printing Company. 2nd ed.

  1. الحسني، رعد عبد اللطيف مهدي الحيالي. (1428هـ/2007م). الإدارة والمالية في عصر النبوة والخلافة الراشدة، رسالة ماجستير، معهد التاريخ العربي والتراث العلمي، بغداد، العراق: جامعة بغداد.

Al-Hasani, Ra‘d ‘Abd al-Latif Mahdi al-Hayyali. (1428 AH/2007). Administration and Finance during the Prophetic Era and the Rightly Guided Caliphate. Master’s thesis, Institute of Arab History and Scientific Heritage, University of Baghdad, Baghdad, Iraq.

  1. الخزاعي، علي بن محمد بن أحمد بن موسى بن مسعود، أبو الحسن. (1419هـ/1999م). تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله ﷺ من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية، تحقيق إحسان عباس، بيروت، لبنان: دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية.

Al-Khuza‘i, ‘Ali ibn Muhammad ibn Ahmad ibn Musa ibn Mas‘ud, Abu al-Hasan. (1419 AH/1999). Documenting the Transmitted Evidence concerning Crafts, Trades, and Official Appointments during the Time of the Messenger of Allah. Edited by Ihsan ‘Abbas. Beirut, Lebanon: Dar al-Gharb al-Islami. 2nd ed.

  1. سمارة، رنا السيد إبراهيم. (2005م). بعض الملامح للإدارة التربوية المستخلصة من غزوات الرسول ﷺ، رسالة ماجستير، كلية التربية، قسم أصول التربية، غزة، فلسطين: الجامعة الإسلامية.

Samarah, Rana al-Sayyid Ibrahim. (2005). Selected Features of Educational Administration Derived from the Prophet’s Military Campaigns. Master’s thesis, Department of Foundations of Education, Faculty of Education, Islamic University, Gaza, Palestine.

  1. الصيني، أمل بنت إسماعيل محمد زاهد. (1430هـ/2009م). الإدارة النبوية من خلال كتاب التراتيب الإدارية لمحمد عبد الحي الكتاني – رحمه الله – ت. 1382هـ: دراسة حديثية تطبيقية، رسالة دكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإدارية، مكة المكرمة، المملكة العربية السعودية: جامعة أم القرى.

Al-Sini, Amal bint Isma‘il Muhammad Zahid. (1430 AH/2009). Prophetic Administration through Al-Taratib al-Idariyyah by Muhammad ‘Abd al-Hayy al-Kattani (d. 1382 AH): An Applied Hadith Study. Doctoral dissertation, Faculty of Arts and Administrative Sciences, Umm Al-Qura University, Mecca, Saudi Arabia.

  1. الطحان، محمود. (1399هـ/1979م). أصول التخريج ودراسة الأسانيد، بيروت، لبنان: دار القرآن الكريم، د.ط.

Al-Tahhan, Mahmud. (1399 AH/1979). Principles of Hadith Source Tracing and the Study of Chains of Transmission. Beirut, Lebanon: Dar al-Qur’an al-Karim. Edition unspecified.

  1. عمر، أحمد مختار عبد الحميد. (1429هـ/2008م). معجم اللغة العربية المعاصرة، 4 مجلدات، القاهرة، مصر: عالم الكتب، الطبعة الأولى.

‘Umar, Ahmad Mukhtar ‘Abd al-Hamid. (1429 AH/2008). Dictionary of Contemporary Arabic. 4 vols. Cairo, Egypt: ‘Alam al-Kutub. 1st ed.

  1. الكتاني، محمد عبد الحي بن عبد الكبير الحسني الإدريسي. (1996م). نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية، تحقيق عبد الله الخالدي، ج1–2، بيروت، لبنان: دار الأرقم، الطبعة الثانية.

Al-Kattani, Muhammad ‘Abd al-Hayy ibn ‘Abd al-Kabir al-Hasani al-Idrisi. (1996). The System of Prophetic Government, Known as Al-Taratib al-Idariyyah (Administrative Arrangements). Edited by ‘Abdullah al-Khalidi. Vols. 1–2. Beirut, Lebanon: Dar al-Arqam. 2nd ed.

  1. الكرمي، حافظ أحمد عجاج. (1427هـ/2006م). الإدارة في عصر الرسول ﷺ: دراسة تاريخية للنظم الإدارية في الدولة الإسلامية الأولى، القاهرة، مصر: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولى.

Al-Karmi, Hafiz Ahmad ‘Ajjaj. (1427 AH/2006). Administration during the Prophet’s Era: A Historical Study of Administrative Systems in the First Islamic State. Cairo, Egypt: Dar al-Salam for Printing, Publishing, Distribution, and Translation. 1st ed.

  1. مجمع اللغة العربية بالقاهرة. (د.ت.). «الإدارة»، محرك البحث المعجمي لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، القاهرة، مصر: مجمع اللغة العربية بالقاهرة، مصدر إلكتروني.

Academy of the Arabic Language in Cairo. (n.d.). “Administration.” Lexical Search Engine of the Academy of the Arabic Language in Cairo. Cairo, Egypt: Academy of the Arabic Language in Cairo. Electronic resource.

  1. المسافري، عفراء سيف مطر عبد الله؛ اللهيبي، صالح محمد زكي محمود. (2024م). «الوظائف الإدارية المساندة في عصر النبوة: دراسة من خلال كتاب تخريج الدلالات السمعية للخزاعي»، مجلة الآداب، مج2، ملحق العدد 148، ص105–134، بغداد، العراق: جامعة بغداد، كلية الآداب.

Al-Musafiri, ‘Afra’ Sayf Matar ‘Abdullah, and Al-Luhaybi, Salih Muhammad Zaki Mahmud. (2024). “Administrative Support Functions during the Prophetic Era: A Study Based on Al-Khuza‘i’s Takhrij al-Dalalat al-Sam‘iyyah.” Al-Adab Journal, vol. 2, supplement to issue 148, pp. 105–134. Baghdad, Iraq: University of Baghdad, College of Arts.

  1. مسلم، مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أبو الحسن. (د.ت.). المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، 5 مجلدات، بيروت، لبنان: دار إحياء التراث العربي، د.ط.

Muslim, Muslim ibn al-Hajjaj ibn Muslim al-Qushayri al-Naysaburi, Abu al-Hasan. (n.d.). The Abridged Authentic Collection of Narrations Transmitted by Trustworthy Narrators from One Another to the Messenger of Allah. Edited by Muhammad Fu’ad ‘Abd al-Baqi. 5 vols. Beirut, Lebanon: Dar Ihya’ al-Turath al-‘Arabi. Edition unspecified.

  1. مشوح، محمد شريف محيي. (2019م). «أسس المنهج النبوي ومؤشراته في إدارة الموارد البشرية وتنميتها»، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، مج34، ع116، ص271–317، الكويت، الكويت: جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي.

Mashuh, Muhammad Sharif Muhyi. (2019). “Foundations and Indicators of the Prophetic Approach to Human Resource Management and Development.” Journal of Sharia and Islamic Studies, 34(116), 271–317. Kuwait City, Kuwait: Kuwait University, Academic Publication Council.

  1. النويصر، محمد عبد الرحمن محمد. (1429هـ). الإدارة في العهد النبوي: دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه، المعهد العالي للقضاء، الرياض، المملكة العربية السعودية: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

Al-Nuwaysir, Muhammad ‘Abd al-Rahman Muhammad. (1429 AH). Administration during the Prophetic Era: A Comparative Study. Doctoral dissertation, Higher Judicial Institute, Imam Mohammad Ibn Saud Islamic University, Riyadh, Saudi Arabia.