التحكيم على درجتين بين العدالة والنهائية (دراسة تحليلية نقدية)
Two-Tier Arbitration between Justice and Finality (A Critical Analytical Study)
د. يسري عوض عبدالله عبدالقادر1
1 مدير الإدارة القانونية لمجموعة شركات الفوزان، الخبر، المملكة العربية السعودية.
بريد الكتروني: alyussrilawfirm@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj71/51
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/71/51
المجلد (7) العدد (1). الصفحات: 832 - 856
تاريخ الاستقبال: 2025-12-10 | تاريخ القبول: 2025-12-17 | تاريخ النشر: 2026-01-01
المستخلص: يتناول هذا البحث نظام التحكيم على درجتين بوصفه أحد التطورات المعاصرة في الممارسة التحكيمية، ويهدف إلى تقويم مدى اسهامه في تعزيز العدالة التحكيمية في مقابل ما يثيره من إشكالات تتعلق بالسرعة والتكلفة ونهائية الحكم التحكيمي وخطر تحول التحكيم إلى تقاض مقنع. وينطلق البحث من إشكالية محورية مفادها: هل يعد التحكيم على درجتين مساساً بجوهر التحكيم وفلسفته، أم آلية استثنائية يمكن توظيفها لتعزيز جودة الأحكام التحكيمية في منازعات محددة؟ اعتمدت الدراسة المنهج التحليلي النقدي، مدعماً بالمنهج المقارن، من خلال استقراء الآراء الفقهية والممارسات التحكيمية والقضائية، مع إيلاء عناية خاصة لحكم المحكمة العليا الهندية في قضية Centrotrade وما قرره من نسبية مبدأ نهائية حكم التحكيم، وإمكانية إخضاعه لمراجعة تحكيمية اتفاقية محدودة دون المساس بجوهره. وخلص البحث إلى أن التحكيم على درجتين لا يعد نموذجاً عاماً للتحكيم، ولا ضمانة ذاتية لتحقيق عدالة أعلى، غير أنه يمكن إذا أحسن تصميمه وضبط نطاقه الإجرائي أن يساهم في تعزيز العدالة التحكيمية في المنازعات الدولية المعقدة أو ذات الطبيعة الفنية العالية. وأكدت الدراسة أن الإشكالات المنسوبة لهذا النظام لا تنشأ من التعدد في ذاته، بل من اتساع نطاق المراجعة وغموض الولاية وسوء إدارة الإجراءات. ويوصي البحث بالسماح بالتحكيم على درجتين بوصفه خياراً اتفاقياً استثنائياً، مقيداً بضوابط واضحة توازن بين العدالة والفعالية ونهائية الأحكام، وبما ينسجم مع فلسفة التحكيم وأهدافه العملية.
الكلمات المفتاحية: التحكيم، العدالة، نهائية، إرادة، درجتين، البطلان.
Abstract: This study examines tow-tier arbitration as a contemporary development in arbitral practice and evaluates its impact on arbitral justice considering concerns relating to efficiency, cost, the finality of arbitral awards, and the risk of disguised litigation. It addresses whether tow-tier arbitration undermines the essence of arbitration or constitutes an exceptional mechanism capable of improving the quality of arbitral awards in specific disputes. Adopting a critical analytical and comparative approach, the study draws on doctrinal analysis and arbitral and judicial practice, with reference to the decision of the Supreme Court of India in Centrotrade, which confirmed the relative not absolute nature of arbitral finality and upheld the permissibility of limited, agreement-based arbitral review. The study concludes that tow-tier arbitration is neither a general mode for arbitration nor an inherent guarantee of superior justice, However, when narrowly designed and procedurally confined, it may enhance arbitral justice in complex international or highly technical disputes. The study demonstrates that the challenges are associated with this mechanism stem primarily from excessive scopes of review and poor procedural design, and therefore recommends permitting tow-tier arbitration as an exceptional, party-driven option, subject to clear safeguards balancing justice, efficiency, and finality.
Keywords: Arbitration, Justice, Finality, Party Autonomy, Tow-Tier, Annulment.
المقدمة:
أصبح التحكيم في العقود التجارية والاستثمارية المعاصرة أحد أهم وسائل تسوية المنازعات، لما يوفره من مرونة إجرائية، وسرعة نسبية في الفصل، وحياد، وسرية فضلاً عن قابليته للتكييف مع الطابع الدولي للعلاقات التعاقدية. وقد ساهم هذا الدور المتنامي للتحكيم في تعزيز الثقة به بوصفه بديلاً فعالاً عن القضاء الوطني، لا سيما في المنازعات العابرة للحدود.
غير أن توسع نطاق التحكيم، وازدياد قيمة المنازعات المعروضة عليه، وتعقيدها الفني والقانوني، قد أفرز تساؤلات جوهرية حول مدى كفاية الضمانات الإجرائية التي يوفرها، وبخاصة في ظل المبدأ المستقر القاضي بنهائية حكم التحكيم وعدم قابليته للطعن إلا في نطاق ضيق يتمثل في دعوى البطلان. وفي هذا السياق، برزت في الممارسة التحكيمية فكرة التحكيم على درجتين، بوصفها آلية اتفاقية تتيح للأطراف مراجعة الحكم التحكيمي الصادر في الدرجة الأولى أمام هيئة تحكيمية ثانية، تؤدي دوراً شبيهاً بالاستئناف.
وقد أثارت هذه الفكرة نقاشاً فقهياً وقانونياً واسعاً، إذ يرى اتجاه أن التحكيم على درجتين يعد تطوراً محموداً يعزز العدالة التحكيمية، ويسهم في تصحيح الأخطاء الجوهرية دون اللجوء إلى القضاء الوطني، بينما يرى اتجاه آخر أن هذه الآلية تضعف من فلسفة التحكيم، وتمس أحد أهم مرتكزاته، وهو مبدأ نهائية الحكم، فضلاً عما قد تؤدي إليه من إطالة أمد النزاع وزيادة تكلفته.
وانطلاقاً من هذا الجدل، يسعى هذا البحث إلى تقديم دراسة تحليلية نقدية لنظام التحكيم على درجتين، من حيث مفهومه وطبيعته القانونية، ومزايا وعيوبه، ومدى انسجامه مع المبادئ الأساسية للتحكيم، وصولاً إلى استخلاص ضوابط عملية لتبنية وصياغته الإجرائية.
اولاً: مشكلة البحث:
تتمثل مشكلة البحث في التوتر القائم بين مبدأ نهائية حكم التحكيم، بوصفه ركيزة أساسية لنظام التحكيم، وبين الاتجاه نحو تبني آليات مرجعية تحكيمية داخلية، وعلى رأسها التحكيم على درجتين، ويثير هذا التوتر تساؤلات حول مدى مشروعية هذه الآلية، وحدودها، وآثارها على فعالية التحكيم وكفاءته، وما اذا كانت تمثل ضمانة إضافية للعدالة أم خروجاً عن فلسفة التحكيم.
ثانياً أسئلة البحث: يحاول البحث الإجابة عن الأسئلة الآتية:
- ما المقصود بالتحكيم على الدرجتين، وما طبيعته القانونية؟
- ما الأساس القانوني لاعتماد التحكيم على الدرجتين في ضوء مبدأ سلطان الإرادة؟
- ما أوجه الاختلاف بين التحكيم على درجتين ودعوى بطلان حكم التحكيم؟
- ما المزايا التي يحققها التحكيم على درجتين، وما العيوب التي تترتب عليه؟
- ما الضوابط التي ينبغي مراعاتها عند تبني التحكيم على درجتين تفادياً لإفراغ التحكيم من خصائصه الأساسية؟
ثالثاً: أسباب اختيار البحث:
- تأتي أهمية هذا البحث من تنامي اللجوء إلى التحكيم على درجتين في المنازعات الدولية المعقدة وذات الطبيعة الفنية أو القيم المالية العالية، وما يرتبط بذلك من إشكالات قانونية عملية تتعلق بالعدالة التحكيمية ونهائية الأحكام وكفاءة الإجراءات.
- يهدف البحث إلى سد النقص في المعالجة الفقهية المنهجية التي تتناول التحكيم على درجتين تناولاً تحليلياً متوازناً، بعيداً عن الطرح القائم على القبول أو الرفض المطلق، وبما يسمح بتقويم هذا النظام في ضوء فلسفة التحكيم وأهدافه العملية.
- يسعى البحث إلى بلورة موقف قانوني عملي يوافق بين متطلبات العدالة والفعالية ونهائية الحكم التحكيمي، مستنداً إلى التجارب المقارنة، ولا سيما ما قررته المحكمة العليا الهندية في قضية (Centrotrade)، وبما ينسجم مع الإطار العام للتحكيم المعاصر.
رابعاً: أهمية البحث:
- الأهمية العلمية:
يسهم البحث في إثراء النقاش الفقهي حول أحد أهم الموضوعات المعاصرة في التحكيم، من خلال تحليل التحكيم على درجتين في ضوء المبادئ العامة للتحكيم ونظريته الحديثة، ولا سيما مبدأ نهائية الحكم التحكيمي وسلطان الإرادة.
- الأهمية التطبيقية:
البحث إطاراً عملياً يمكن أن يسترشد به الممارسون عند صياغة شروط التحكيم، بما يحد من مخاطر إساءة استخدام آلية التحكيم على درجتين أو تحويلها إلى وسيلة لإطالة أمد النزاع. ي
خامساً: فرضيات البحث:
- التحكيم على درجتين لا يشكل مساساً جوهرياً بفلسفة التحكيم متى أعتمد بوصفه خياراً اتفاقياً استثنائياً، وخضع لضوابط إجرائية واضحة تحدد نطاق المراجعة وحدد ولاية هيئة التحكيم من الدرجة الثانية.
- مبدأ نهائية حكم التحكيم ذو طبيعة نسبية لا مطلقة، ويجوز تقييده باتفاق الأطراف من خلال مراجعة تحكيمية محدودة، دون إهدار جوهر النهائية أو تحويل التحكيم الى تقاض قضائي.
- الإشكالات العملية المنسوبة للتحكيم على درجتين، كإطالة أمد الخصومة وزيادة التكاليف، لا تنشأ من التعدد في ذاته، وإنما من سوء التصميم الإجرائي واتساع نطاق المراجعة وغياب الضبط المؤسسي.
- التحكيم على درجتين يمكن أن يسهم في تعزيز العدالة التحكيمية في المنازعات الدولية المعقدة أو ذات الطبيعة الفنية العالية، متى اقتصر على تصحيح الأخطاء الجسيمة أو القانونية، وتولت المراجعة هيئة تحكيم مؤسسية مشهود لها بالكفاءة والخبرة.
سادساً: الدراسات السابقة:
بالرجوع إلى الدراسات القانونية المتاحة، يتضح أن موضوع التحكيم على درجتين لم يحظ بعناية بحثية واسعة، سواء في الدراسات العربية أو الأجنبية، إذ تظل المعالجة العلمية له محدودة ومتناثرة، وغالباً ما تأتي في سياقات جزئية أو من زوايا تختلف عن نطاق المعالجة المعتمدة في هذا البحث.
فعلى الصعيد العربي ، تعد من أوائل الدراسات التي تناولت الموضوع في حدود ما وقف عليه الباحث الدراسة التي قدمها د. علي مصطفى الشيخ عام 2012م والمنشورة في مجلة البحوث القانونية والاقتصادية الصادرة عن جامعة المنصورة (كلية الحقوق)، حيث تناول موضوع البحث والاشكالات القانونية المرتبطة بالتحكيم على درجتين بزاوية مختلفة عما تم تناوله في هذا البحث.
كما قدمت الباحثة صفاء سمير جاسم الموسوي دراسة بعنوان” النظام القانوني للتحكيم على درجتين عام 2021م تناولت فيها الإطار القانوني لهذا النظام، ورغم أهمية هذه الدراسة، فإنها لم تتناول بصورة موسعة التوازن بين العدالة التحكيمية والفعالية الإجرائية، ولا الإشكالات التطبيقية المتصلة بولاية هيئة التحكيم من الدرجة الثانية.
ومن ثم يتبين أن الدراسات العربية السابقة، على أهميتها لم تقدم معالجة متكاملة لمسألة التحكيم على درجتين من حيث مبرراته، وحدوده، واشكالاته العملية، وأثره في العدالة التحكيمية ونهائية الأحكام، كما لم تنال هذه الدراسات رغم أهميتها حظها في الانتشار لتكون نواة لدراسات مكملة لها، وهو ما يسعى هذا البحث إلى معالجته وإكمال جزء من النواقص في هذا الموضوع، من خلال طرح تحليلي نقدي متوازن، يدمج بين الفقه المقارن والممارسة التحكيمية، ويقدم تصوراً عملياً منضبطاً للسماح للتحكيم على درجتين بوصفه آلية استثنائية لا نموذجاً عاماً.
سابعاً: منهج البحث: يعتمد البحث على:
- المنهج التحليلي: لتحليل المفاهيم القانونية والمبادئ الأساسية ذات الصلة بالتحكيم على درجتين.
- المنهج المقارن: لمقارنة موقف الفقه والتشريعات النموذجية والمؤسسات التحكيمية الدولية.
- المنهج النقدي: لتقييم مزايا وعيوب التحكيم على درجتين واستخلاص الضوابط المناسبة لتبنيه.
ثامناً: حدود البحث: يقتصر هذا البحث على دراسة التحكيم على درجتين في إطار التحكيم التجاري، مع التركيز على التحكيم الدولي والداخلي ذي الطابع التجاري، دون التوسع في التحكيم الإداري أو الاستثماري إلا بالقدر الذي يخدم التحليل المقارن. كما يركز البحث على الجوانب القانونية والإجرائية، دون الخوض في التفاصيل الفنية أو الاقتصادية البحتة.
تاسعاً: خطة البحث: لتغطية موضوع البحث دون استرسال وللإحاطة بكافة جوانب الموضوع سيتم تناوله وفق الهيكلة التالية:
- المطلب الأول: الإطار العام للتحكيم ومبدأ نهائية حكم التحكيم.
- المطلب الثاني: مفهوم التحكيم على درجتين وطبيعته القانونية.
- المطلب الثالث: مزايا التحكيم على درجتين.
- المطلب الرابع: عيوب التحكيم على درجتين.
- المطلب الخامس: إشكاليات نطاق ولاية هيئة التحكيم من الدرجة الثانية وآثارها الإجرائية.
- المطلب السادس: مدى إسهام التحكيم على درجتين في تعزيز العدالة التحكيمية.
المطلب الأول
الإطار العام للتحكيم ومبدأ نهائية حكم التحكيم.
يمثل هذا المطلب الأساس النظري الذي يبنى عليه النقاش اللاحق حول نظام التحكيم على درجتين، إذ لا يمكن تقييم مشروعية هذا النظام، ولا الوقوف على آثاره القانونية والعملية، دون البدء بتحرير ماهية التحكيم، وبيان خصائصه الجوهرية، وفي مقدمتها مبدأ نهائية حكم التحكيم، بوصفه أحد المرتكزات الأساسية التي تميز التحكيم عن القضاء الوطني، وتمنحه خصوصية كوسيلة بديلة لحسم المنازعات.
الفرع الأول: ماهية التحكيم وأساسه القانوني:
يعد التحكيم طريقاً خاصاً لتسوية المنازعات التجارية، سيما المنازعات ذات الطابع الدولي، وقد ارتبط ارتباطاً وثيقاً بتنامي المعاملات التجارة العابرة للحدود. وأسهم هذا الارتباط في تعزيز انتشار التحكيم بوصفه آلية منفصلة لتسوية النزاعات، استجابة لعدة اعتبارات عملية، من أبرزها رغبة المتعاملين في الأسواق الدولية في التحرر بقدر الإمكان من القيود التي تفرضها النظم القانونية الوطنية المختلفة، سواء ما يتصل بتعدد درجات التقاضي أو بطء الإجراءات وتعقيدها، فضلاً عن الحاجة إلى قدر أكبر من المرونة الإجرائية. (راشد،1984)
كما يلبي التحكيم حرص الأطراف على تسوية منازعاتهم في إطار يتسم بالسرية، وبأقل قدر ممكن من العلانية والنشر، حفاظاً على أسرارهم التجارية ومراكزهم التنافسية، ويضاف إلى ذلك ما يتيحه التحكيم من إمكانية إسناد الفصل في النزاع إلى أشخاص تتوافر فيهم كفاءة مهنية وخبرة تخصصية، تمكنهم من تقديم حلول تحكيمية ملائمة لطبيعة النزاع ومتطلباته الفنية أو التجارية.
- تعريف التحكيم:
يعرف التحكيم بأنه تولية الخصوم شخصاً أو أكثر يرتضونه للفصل في النزاع القائم بينهم بحكم ملزم (الطيار،2021)، وهو بهذا المعنى يمثل خروجاً استثنائياً على الولاية العامة لقضاء الدولة. كما يعرف في ابسط صوره بأنه وسيلة اتفاقية لفض النزاعات، يتفق بموجبها أطراف علاقة قانونية معينة على إحالة ما قد ينشأ بينهم من نزاع، او ما نشأ بالفعل، إلى شخص أو هيئة يختارونها بإرادتهم الحرة للفصل فيه بحكم ملزم لهم، بدلاً من اللجوء الى القضاء المختص.
ويستفاد من هذا التعريف أن التحكيم يقوم في جوهره على الإرادة الحرة للأطراف، وأنه نظام استثنائي في علاقته بالقضاء، لا يفترض ولا يطبق إلا بناء على اتفاق صريح وواضح، سواء ورد هذا الاتفاق في صورة شرط تحكيم سابق على النزاع، او مشارطة تحكيم لاحقة على نشوئه.
وقد عرف جانب من الفقه الوضعي التحكيم بأنه: الاتفاق على طرح النزاع على اشخاص معينين يسمون محكمين، ليفصلوا فيه بدلاً من المحكمة المختصة أصلاً بنظره والفصل في موضوعه، وقد يكون هذا الاتفاق لاحقاً على نشوء النزاع فيسمى مشارطة تحكيم، وقد يكون سابقاً عليه في صورة شرط تحكيم يتناول المنازعات التي قد تنشأ مستقبلاً عن علاقة قانونية معينة.(التحيوي،2003).
كما ذهب جانب آخر من الفقه إلى تعريف التحكيم بأنه: طريق إجرائي خصوصي للفصل في نزاع معين بواسطة الغير، بدلاً عن الطريق القضائي العام (التحوي،2003)، وهو تعريف يرز الطابع الإجرائي الخاص للتحكيم، ويؤكد تميزه عن نظام التقاضي العادي.
أما لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسيترال، 2006) فقد عرفت التحكيم بأنه ” اتفاق بين طرفين على أن يحيلا إلى التحكيم جميع أو بعض المنازعات التي تنشأ أو قد تنشأ بينهما بشأن علاقة قانونية محددة، سواء كانت تعاقدية أو غير تعاقدية” (المادة7/1) من القانون النموذجي للأونسيترال، وبتعريف قريب من ذلك عرفت اتفاقية نيويورك لعام 1958م اتفاق التحكيم بأنه” الاتفاق المكتوب الذي يلتزم بمقتضاه الأطراف بأن يخضعوا للتحكيم كل أو بعض المنازعات الناشئة أو التي قد تنشأ بينهم بشأن علاقة قانونية تعاقدية أو غير تعاقدية تتعلق بمسألة يجوز تسويتها عن طريق التحكيم.
- الأساس القانوني للتحكيم:
لقد تعددت آراء فقه القانون الوضعي المقارن بشأن الأساس و الطبيعة القانونية لنظام التحكيم، فذهب اتجاه إلى القول باستقلالية التحكيم بوصفه نظاماً أصيلاً للفصل في المنازعات، ورأي اتجاه آخر تكييفه على أساسي تعاقدي، في حين نسبه اتجاه ثالث إلى الطبيعة القضائي، ولكل اتجاه مبرراته وحججه (التحيوي،2003). غير أن الفقه التحكيمي ، قديمه وحديثه، استقر على أن الأساس القانوني للتحكيم يتمثل في مبدأ سلطان الإرادة بوصفه الركيزة الجوهرية التي يقوم عليها هذا النظام الاستثنائي لتسوية المنازعات (الرفاعي، 2003).
ويقصد بسلطان الإرادة تمكين الأفراد، في الحدود التي لا تمس النظام العام ولا تخالف القواعد الآمرة، من تنظيم علاقاتهم القانونية بإرادتهم الحرة، بما في ذلك اختيار وسيلة تسوية المنازعات التي قد تنشأ بينهم. ويعد هذا المبدأ من المبادئ العامة المشتركة بين مختلف الأنظمة القانونية، وإن اختلف مدى تطبيقه من نظام إلى آخر تبعاً للتوازن القائم بين حرية الأفراد ومتطلبات المصلحة العامة.
ويجسد التحكيم التطبيق الأبرز لهذا المبدأ في مجال تسوية المنازعات، إذ يقوم في جوهره على تنازل الأطراف، بإرادتهم عن اللجوء إلى قضاء الدولة، واستبداله بقضاء خاص يختارون اشخاصه واجراءاته. ولا يقتصر سلطان الإرادة في التحكيم على مجرد الاتفاق على اللجوء إليه، بل يمتد ليشمل تحديد نطاق النزاع، وعدد المحكمين وطريقة تعينهم، والقانون الواجب التطبيق، ومقر التحكيم ولغته، وقواعده الإجرائية، بل وحتى بعض الجوانب الرقابية القضائية على الحكم التحكيمي في الحدود التي يجيزها القانون.
ومع ذلك فإن سلطان الإرادة في التحكيم ليس مبدأً مطلقاً، بل يظل مقيداً باحترام النظام العام، وعدم مخالفة القواعد الآمرة، وضمان الحد الأدنى من الضمانات الإجرائية، كحق الدفاع والمساواة بين الخصوم. ومن ثم يمثل التحكيم توازناً دقيقاً بين حرية الأطراف في تنظيم تسوية منازعاتهم، وبين خضوع هذه الحرية لرقابة قانونية محددة تكفل عدالة الإجراءات وتحمي النظام العام، وهو ما يفسر انتشاره الواسع في المعاملات التجارية الدولية مع بقاء دور القضاء الوطني بوصفه ضامناً أخيراً لسلامة العملية التحكيمية دون التدخل في جوهرها
الفرع الثاني: خصائص التحكيم وأهدافه:
يتميز التحكيم بعدد من الخصائص الجوهرية التي تفسر انتشاره المتزايد في المعاملات التجارية، ولا سيما الدولية منها، ومن ابرز هذه الخصائص ما يلي: (والي، 2000).
أولاً: الطابع الاتفاقي:
فالتحكيم لا يقوم إلا على اتفاق، سواء أكان شرطاً وارداً في عقد، أم مشارطة تحكيم لاحقة على نشوء النزاع، ويترتب على ذلك أن نطاق التحكيم وحدوده يتحددان ابتداءً بإرادة الأطراف، لا بإرادة المشرع أو المحكمة، إذ يختار الخصوم شخصاً أو أشخاصاً محل ثقتهم ليفصلوا في النزاع القائم بينهم.
ثانياً: المرونة الإجرائية:
يتيح التحكيم للأطراف قدراً واسعاً من الحرية في تنظيم الإجراءات، خلافاً لما هو عليه الحال في القضاء، حيث تخضع الإجراءات لقواعد آمرة. وتعد هذه المرونة من أهم أسباب تفضيل التحكيم في المنازعات الفنية أو الدولية التي تتطلب حلولاً إجرائية مرنة ومتخصصة.
ثالثاً: السرعة النسبية في الفصل في النزاع:
يفترض في التحكيم أن يكون أسرع من التقاضي، نظراً لغياب تعدد درجات الطعن، وتبسيط الإجراءات، وتخصيص هيئة للفصل في نزاع محدد، بما يحد من إطالة أمد الخصومة.
رابعاً: السرية:
تعد السرية من الخصائص الجوهرية للتحكيم، ولا سيما في المنازعات التجارية، حيث يحرص الأطراف على عدم إفشاء أسرارهم التجارية أو تفاصيل علاقاتهم التعاقدية.
خامساً: نهائية الحكم التحكيمي:
تعد نهائية الحكم التحكيمي من أبر خصائص التحكيم وأكثرها تأثيراً، إذ يترتب عليها أن الحكم التحكيمي متى صدر صحيحاً ينهي النزاع بصورة قاطعة، ولا يكون محلاً للطعن بالطرق العادية، وإنما يخضع فقط لرقابة قضائية محدودة تتمثل في دعوى البطلان( Redfern et al,2015) فأحكام التحكيم التي تصدر وفقاً لأحكام قوانين التحكيم لا تقبل الطعن فيها، وتتمتع بحجية الأمر المقضي به (عبيدات،حزيزان،2006).
وتهدف هذه الخصائص مجتمعة إلى تحقيق غاية أساسية، تتمثل في توفير وسيلة فعالة وسريعة لحسم المنازعات، تتلاءم مع متطلبات التجارة والاستثمار، وتحقق قدراً كافياً من العدالة، دون إرهاق الأطراف بإجراءات مطولة ومعقدة، ولكن يظل مفهوم نهائية الحكم التحكيمي محل نظر في التحكيم ذوي الدرجتين، حيث يؤجل فيها تحققه زمنياً إلى ما بعد استنفاذ المسار التحكيمي المتفق عليه، وهذا ما سنتناوله بالتفصيل في الفرع الثالث.
الفرع الثالث: مبدأ نهائية حكم التحكيم وأهميته:
يعد مبدأ نهائية حكم التحكيم حجز الزاوية في النظام التحكيمي برمته، إذ بدونه يفقد التحكيم أحد أهم مبررات وجوده، ويقصد بنهائية الحكم التحكيمي أن الحكم الصادر عن هيئة التحكيم ينهي النزاع المعروض عليها، ولا يجوز إعادة طرحه من جديد أمام هيئة أخرى، سواء كان تحكيمية أم قضائية(أحمد،2015) إلا في نطاق ضيق واستثنائي في دعوى البطلان، التي لا تقبل إلا بتحقق أسبابها المحددة على سبيل الحصر في قوانين التحكيم.
وقد كرست معظم التشريعات الحديثة هذا المبدأ، من خلال النص صراحة على أن الحكم التحكيمي يكون ملزماً ونهائياً، مع قصر الطعن فيه على دعوى البطلان، التي لا تعد طريقاً من طرق الطعن في الموضوع، وإنما وسيلة رقابية استثنائية تهدف الى التحقق من سلامة العملية التحكيمية ذاتها، لا من صحة ما انتهت إليه هيئة التحكيم من تقدير للوقائع أو تفسير القانون. (UNCITRAL.2006)، الا أن للاجتهاد الفقهي رأي حول المقصود بنهائية حكم التحكيم، حيث لا يمكن وصفه واعتباره حكماً نهائياً إلا إذا صدر مستوفي لشروطه الشكلية والاجرائية على ضوء ما اتفق عليه الأطراف بما في ذلك المسار التحكيمي المتفق عليه، فإذا كان اتفاق الأطراف مبني على تحكيم ذو درجتين فإن النهائية هنا قد تم إعادة تنظيم له على أساس اتفاقي، وبذلك فإن التحكيم على درجتين لا يلغي مبدأ النهائية وإنما يؤجل تحقيقه زمنياً إلى ما بعد استنفاد المسار التحكيمي المتفق عليه.
ولقد أكدت المحكمة العليا الهندية هذا الفهم في قضية (Centrotrade) حيث قررت أن وصف الحكم التحكيمي بأنه نهائي وملزم لا يعني نهائيته المطلقة لكل الأغراض، وإنما نهائيته في الإطار الذي حدده القانون أو أتفاق الأطراف، وأنه لا مانع من الاتفاق على مراجعة تحكيمية داخلية قبل بلوغ هذه النهائي.Singh, & Sengupta, 2021) )
ونرى أن ربط مبدأ نهائية الحكم التحكيمي بالحكم الصادر عن هيئة التحكيم من الدرجة الأولى في نظام التحكيم على الدرجتين يفضي إلى نتائج بالغة الخطورة على العدالة التحكيمية، ولا سيما في الحالات التي يشوب فيها الحكم الابتدائي خطأ جسيم في تقدير والوقائع أو في تطبيق القانون. فإضفاء النهائية على هذا الحكم، رغم اتفاق الأطراف على مسار تحكيمي متعدد المراحل، من شأنه أن يفرغ المسار التحكيمي المتفق عليه من مضمونه، ويجعل اللجوء إلى هيئة الدرجة الثانية عديم الجدوى العملية.
وقد شكل هذا الاعتبار أحد المداخل الرئيسية التي دفعت الفقه التحكيمي والممارسة العملية إلى القول بضرورة إيجاد آليات مرجعية داخلية داخل النظام التحكيمي، من بينها نظام التحكيم على درجتين، بوصفه وسيلة لتدارك الأخطاء الجسيمة قبل انتقال النزاع إلى مرحلة الرقابة القضائية المحدودة. ومن ثم فإن القول بنهائية الحكم الابتدائي في هذا السياق لا يخدم غاية التحكيم في تحقيق عدالة فعالة، بل قد يؤدي إلى تكريس حكم معيب لا سبيل لتصحيحه داخل الإطار الذي ارتضاه الأطراف.
وعلى ذلك فإن مبدأ نهائية حكم التحكيم يظل من ركائز النظام التحكيمي، ويظل محتفظاً بهذه السمة في التحكيم على درجتين فقط يكون تحقيقه مؤجلاً إلى ما بعد استنفاد المسار التحكيمي المتفق عليه.
المطلب الثاني
مفهوم التحكيم على درجتين وطبيعته القانونية
يمثل هذا المطلب جوهر الإشكالية التي يدور حولها البحث، إذ يتناول مفهوم التحكيم على درجتين من حيث نشأته، ومضمونه ، واساسه القانوني، وطبيعته الإجرائية، مع تمييزه عن غيره من صور الرقابة على أحكام التحكيم. وتتبع أهمية هذا التحليل من كونه شرطاً لازماً لتقييم مدى انسجام هذا النظام مع المبادئ العامة للتحكيم وفي مقدمتها مبدأ نهاية الحكم التحكيمي، وحدود ما يرد عليه من استثناءات.
الفرع الأول: تعريف التحكيم على درجتين ومظاهر ظهوره:
يقصد بالتحكيم على درجتين (Toe-Tier Arbitration) ذلك النظام الذي يتفق فيه أطراف التحكيم، بموجب شرط أو مشارطة تحكيم صريحة، على أن يكون الحكم الصادر عن هيئة التحكيم الابتدائية قابلاً للمراجعة لأمام هيئة تحكيم ثانية تشكل خصيصاً لهذا الغرض، وتتولى إعادة النظر في الحكم، كلياً أو جزئياً، وذلك في الحدود التي يرسمها أتفاق الأطراف.(Born,2021).
وقد عرف التحكيم على درجتين بأنه: نظام يتاح فيه الطعن على حكم المحكم أمام هيئة تحكيم استئنافية خلال مدة محددة ( غالباً ثلاثون يوماً من تاريخ استلام الحكم) ويكون لتلك الهيئة سلطة تأييد الحكم أو تعديله أو الغائه (Bhavya, &Gayathri, 2023)
كما عرف التحكيم على درجتين بأنه: آلية إجرائية يعاد بمقتضاها طرح موضوع النزاع الذي فصلت فيه هيئة التحكيم الأولى أمام هيئة تحكيمية ثانية(استئنافية)، يتم تشكيلها باتفاق الأطراف، لتولى الفصل في النزاع مرة أخرى من حيث الوقائع ومن حيث القانون، على نحو يشابه نظام التقاضي على درجتين من حيث الوظيفة، مع بقاء الخصومة ضمن الإطار التحكيمي المتفق عليه (الموسوي،2021).
ويستفاد من هذه التعاريف أن التحكيم على درجتين لا يعد مرحلة طبيعية أو لازمة من مراجل التحكيم، ولا يفترض وجوده بمجرد الاتفاق على التحكيم، بل يتطلب إرادة صريحة وواضحة من الأطراف، تنشئ ما يمكن وصفه بالتحكيم الاستئنافي داخل الإطار التحكيمي ذاته، ومن ثم يظل هذا النظام استثنائي على القاعدة العامة التي تقضي بنهائية حكم التحكيم من حيث المبدأ.
وينادي الاتجاه المؤيد لفكرة التحكيم على الدرجتين بضرورة تقنين التحكيم الاستئنافي لجملة من الاعتبارات، من ابرزها:
- استقلال إرادة الأطراف بوصفه المبدأ الحاكم للتحكيم والمنشئ له أساساً كطريق بديل عن القضاء، ومن ثم فإن ذات الإرادة تملك من حيث الأصل حق تقرير إضافة درجة تحكيمية إضافة درجة تحكيمية ثانية متى ارتضى الطرفان ذلك صراحة.
- تعزيز العدالة التحكيمية عبر اتاحة درجة ثانية لتدارك الأخطاء الجسيمة، سواء في تطبيق القانون أو في تقدير الوقائع، قبل الانتقال إلى رقابة القضاء المحدودة المتمثلة في دعوى البطلان، التي لا تمتد في الغالب إلى النواحي الموضوعية أو الأخطاء القانونية. وقد أدى ذلك إلى تخوف متزايد من المخاطر المترتبة على الخطأ غير القابل للتصحيح في حكم تحكيمي نهائي.
- ويقرر بورن في هذا السياق أن استقلال إرادة الأطراف يسمح لهم بالاتفاق على آليات مراجعة داخلية، بما فيها التحكيم الاستئنافي، طالما لا ينتقص من رقاة القضاء المقررة قانوناً على الحكم النهائي، ويؤكد أن نهائية الحكم لا تمنع نظرة ثانية داخل التحكيم إذا اتفق عليها الأطراف صراحة.
- الرغبة في تفادي اللجوء إلى القضاء الوطني من خلال دعوى البطلان، بما تحمله من مخاطر إطالة النزاع وتوسع نطاق التدخل القضائي.
- ارتفاع قيمة المنازعات التجارية المعاصرة، وتعقيد المسائل القانونية والفنية محل النزاع، بما يجعل درجة واحدة من الفصل غير كافية في نظر بعض الأطراف.
- إن الاتفاق على تحكيم استئنافي لا يخالف طبيعة التحكيم في ذاته، شريطة أن يظل استثناءً، وأن يقيد بنطاق محدد يقتصر على الأخطاء الجسيمة أو القانونية، حتى لا يتحول إلى تقاض مقنع.
ولا يرتبط التحكيم على درجتين بنظام قانوني وطني بعينة، بل يعد ثمرة للتطور التعاقدي في مجال التحكيم الدولي، حيث تتقدم إرادة الأطراف على التنظيم التشريعي في ظل سكوت أغلب قوانين التحكيم عن تنظيم هذه الآلية صراحة، وتعد قضية Centrotrade Minerals & Metals Inc. v. Hindustan Copper Ltd أمام القضاء الهندي العلامة الفارقة في الاعتراف الصريح بالتحكيم ذي الدرجتين، إذ استؤنف قرار هيئة التحكيم التي نظرت النزاع في الهند أمام غرفة التجارة الدولية (ICC) في لندن، وأيدت المحكمة العليا الهندية هذا الاتجاه استناداً إلى اتفاق الأطراف الذي نص صراحة على مرحلتين للتحكيم (the Supreme Court of India, 15 Dec 2016)
الفرع الثاني: الأساس القانوني للتحكيم على درجتين في ضوء مبدأ سلطان الإرادة:
إذا كان مبدأ سلطان الإرادة يشكل الأساس القانوني للتحكيم بوجه عام، فإن التحكيم على درجتين يعد امتداداً طبيعيا ومتقدماً لهذا المبدأ في مجال تسوية المنازعات. فكما يملك الأطراق استبعاد قضاء الدولة بإرادتهم الحرة، واختيار التحكيم وسيلة للفصل في منازعاتهم، فإنهم يملكون كذلك، في الحدود التي لا تمس النظام العام، تنظيم بنية هذا التحكيم ومستوياته، بما في ذلك الاتفاق على إخضاع الحكم التحكيمي لمراجعة تحكيمية داخلية قبل اكتسابه صفة نهائية.
ويؤسس أنصار التحكيم على درجتين موقفهم على أن سلطان الإرادة لا يقتصر على لحظة اختيار التحكيم بديلاً عن القضاء، بل يمتد ليشمل كيفية ممارسة الوظيفة التحكيمية ذاتها، من حيث توزيع الاختصاص، وتحديد نطاق المراجعة، وآلية تصحيح الأخطاء الجسيمة أو القانونية. ومن ثم فإن الاتفاق على تحكيم من درجتين لا يعد خروجاً على طبيعة التحكيم، بل تعبيراً عن إرادة الأطراف في تعزيز جودة الفصل التحكيمي ضمن الإطار التحكيمي نفسه، دون اللجوء إلى القضاء الوطني إلا في حدود الرقابة الاستثنائية.
غير أن هذا الامتداد لسلطان الإرادة يظل مقيداً بضوابط جوهرية، في مقدمتها عدم المساس بمبدأ نهائية الحكم التحكيمي على نحو يفرغه من مضمونه، وعدم تحويل التحكيم إلى تقاض مقنع متعدد الدرجات، فضلاً عن احترام القواعد الآمرة وضمان الحد الأدنى من العدالة الإجرائية، وعلى هذا الأساس، فإن التحكيم على درجتين لا يستمد مشروعيته من التعدد في ذاته، وإنما من اتفاق صريح ومحدد يضبط نطاق المراجعة، ويوازن بين مقتضيات العدالة والفعالية ونهائية الأحكام.
وعلى ذلك، يذهب جانب معتبر من الفقه التحكيمي الحديث غلى مشروعية الأخذ بنظام التحكيم على درجتين متى قام على اتفاق صريح بين الأطراف، ولم يتعارض مع رقابة القضاء المحددة قانونياً على الحكم النهائي.
ويؤسس هذا الاتجاه موقفه على مبدأ سلطان الإرادة بوصفه العمود الفقري للتحكيم، وعلى الممارسة الدولية المستقرة في بعض القطاعات، فضلاً عن تفسير القانون النموذجي للأونسيترال الذي لا يمنع الاستئناف داخل النظام التحكيمي.
وقد عزز هذا الاتجاه حكم المحكمة العليا الهندية في قضية Centrotrade، الذي قرر أن حصرية طريق الإبطال تعني حصر الرجوع غلى القضاء، لا منع المراجعة التحكيمية الاتفاقية ((Born, 2021; Lew et al., 2003; UNCITRAL, 2006).)
كما يؤكد الفقه التحكيمي أن سكوت قوانين التحكيم في الغالبية العظمى من الدول عن تنظيم التحكيم على درجتين لا يعد حظراً له، ما دام يستند إلى اتفاق صريح، ولا يتعارض مع المبادئ الأساسية للنظام القانوني المعني. وقد تبنت المحكمة العليا الهندية هذا الفهم حين قررت أن القوانين النموذجية – وعلى رأسها قانون الأونسيترال النموذجي – تعنى أساساً بتنظيم العلاقة بين التحكيم والقضاء، ولا تحول دون ابتكار الأطراف الآليات إجرائية داخلية، ما دامت لا تمس جوهر التحكيم ولا تقيد سلطة القضاء فيما خصص له.
وبذلك، يتضح أن التحكيم على درجتين يجسد تطبيقاً خاصاً ومشروطاً لمبدأ سلطان الادارة، وليس خروجاً عليه، متى أحسن تنظيمه، وأقتصر على الحالات التي تبرره طبيعة النزاع، ولاسيما المنازعات الدولية المعقدة أو ذات الأبعاد الفنية، لكنه في الوقت ذاته يثير تساؤلاً مشروعاً حول الحد الفاصل بين حرية الأطراف في تنظيم التحكيم، وبين الحفاظ على الخصائص الجوهرية التي تميز التحكيم عن التقاضي.
الفرع الثالث: التكييف القانوني للتحكيم على درجتين
من خلال ما تناوله الفقهاء والشراح، وما صدر من أحكام قضائية بشأن التحكيم على درجتين، يمكن إجمال الاتجاهات الفقهية في شأن تكييفه القانوني في ثلاث اتجاهات رئيسية:
الاتجاه الأول: التحكيم على درجتين بوصفه تحكيمًا جديدًا مستقلًا:
يرى هذ الاتجاه أن عرض النزاع على هيئة تحكيمية ثانية ينشئ تحكيمًا جديدًا قائمًا على اتفاق مستقل، ولو كان متصلًا بالتحكيم الأول. ويُنتقد هذا الرأي لتجاهله وحدة النزاع، ووحدة النزاع، والإرادة العقدية التي تحكم درجتي التحكيم.
الاتجاه الثاني: التحكيم على درجتين بوصفه امتدادًا للتحكيم الأصلي
يذهب هذا الاتجاه الى أن التحكيم الاستئنافي لا ينشئ تحكيمًا جديدًا، بل يعد مرحلة لاحقة من مراحل الخصومة التحكيمية ذاتها، لا تكتمل إلا بصدور الحكم النهائي من هيئة الدرجة الثانية. ويعد هذا الاتجاه أكثر انسجامًا مع الطبيعة الإجرامية للتحكيم على درجتين. وقد تبنى القضاء الفرنسي هذا الاتجاه، إذا اعتبرت محكمة استئناف Douai أن للخصوم في التحكيم حق الاستئناف وفق القواعد العامة، متى اتفقوا على ذلك.
الاتجاه الثالث (الراجح): التحكيم على درجتين كنظام تحكيمي اتفاقي خاص:
يرى هذا الاتجاه أن التحكيم على درجتين يشكل نظمًا اتفاقيًا خاصًا، يتمتع بخصوصية تميزه عن كل من التحكيم الابتدائي والتحكيم الجديد المستقل، ويقوم على إعادة توزيع سلطة الفصل داخل الإطار التحكيمي نفسه، دون أن يتحول الى استئناف قضائي بالمعنى الفني. وقد تبنت المحكمة العليا الهندية هذا الاتجاه في قضية Centrotrade.، وهو ما أيده عدد من الفقهاء المعاصرين (Aashesh & Swarna, 2018).
ويرجح هذا الاتجاه الأخير لكونه الأكثر اتساقًا مع طبيعة التحكيم، ومع حقيقة أن التحكيم على درجتين يظل خاضعًا لقواعد التحكيم لا لقواعد التقاضي، كما يظل الحكم الصادر عن هيئة الدرجة الثانية هو التحكم التحكيمي النهائي القابل للتنفيذ والطعن بالبطلان.
الفرع الرابع: التمييز بين الحكم على درجتين ودعوى بطلان حكم التحكيم
يقتضي الفهم الدقيق للتحكيم على درجتين التمييز بيه وبين دعوى بطلان حكم التحكيم، لما قد يثور من خلط بين النظامين. فالتحكيم على درجتين يقوم على اتفاق الأطراف، ويباشر أمام هيئة تحكيمية ثانية، وقد يمتد نظرها وفق اتفاق الاطراف الى موضوع النزاع من حيث الوقائع والقانون، ويعد جزءًا من لخصومة التحكيمية ذاتها.
أما دعوى البطلان، فتقوم على نص القانون لا على اتفاق الأطراف، وتباشر أمام القضاء الوطني، ويقتصر نطاقها على أسباب شكلية وإجرائية محددة على سبيل الحصر، ولا تعد طريقًا من طرق الطعن في الموضوع.
ومن ثم، فإن التحكيم على درجتين لا يغني بالضرورة عن دعوى البطلان، ولا يحل محلها، وإنما قد يسهم عمليًا في تقليل اللجوء إليها، متى أتاح للأطراف فرصة فعالة لتصحيح العيوب الجوهرية داخل الإطار التحكيمي.
يتضح مما سبق أن التحكيم على درجتين يعد نظامًا اتفاقيًا استثنائيًا، يستند إلى مبدأ سلطان الإرادة، ويثير إشكالات دقيقة تتصل بتكييفه القانوني وحدوده، وبعلاقته بمبدأ نهائية حكم التحكيم. ويمهد هذا التحليل للانتقال إلى بحث مزايا التحكيم على درجتين، بوصفها الأساس الذي يستند إليه الاتجاه المؤيد لهذا النظام.
المطلب الثالث
مزايا التحكيم على درجتين
يمثل هذا المطلب الأساس الذي يستند إليه الاتجاه المؤيد لاعتماد نظام التحكيم على درجتين، غذ يبرز المزايا التي قد يحققها هذا النظام في بعض المنازعات، ولاسيما تلك التي تتسم بارتفاع قيمتها المالية أو بتعقيدها القانوني والفني. وتدرس هذه المزايا من خلال المقارنة بين التحكيم التقليدي ذي الدرجة الواحدة، والتحكيم القائم على درجتين، مع مراعاة فلسفة التحكيم وأهدافه العامة. وفي هذا السياق، يسوق أنصار التحكيم على درجتين عددا من المزايا الخاصة التي يرون أنها تضاف إلى المزايا العامة التي يتمتع بها التحكيم بوجه عام.
الفرع الأول: تعزيز ضمانات العدالة التحكيمية
يعد تعزيز ضمانات العدالة التحكيمية من أبرز المبررات التي يستند إليها لتأييد نظام التحكيم على درجتين. فمبدأ نهائية الحكم التحكيمي، على الرغم من أهميته بوصفه أحد ركائز التحكيم، قد يفضي في بعض الحالات إلى تكريس خطأ جسيم في تقدير الوقائع أو في تطبيق القانون(Ten cate,2012)، دون إتاحة وسيلة فعالة لتصحيحه داخل الإطار التحكيمي ذاته، الأمر الذي قد يؤدي إلى وقوع ظلم لا يمكن تداركه في نظام التحكيم ذي الدرجة الواحدة
ويتيح التحكيم على درجتين للأطراف فرصة مراجعة الحكم الابتدائي أمام هيئة تحكيمية ثانية، يفترض أن تتمتع بخبرة مماثلة أو أعلى، بما يسمح بتدارك الأخطاء الجوهرية التي قد تمس عدالة النتيجة، سواء تعلقت هذه الأخطاء بسوء تفسير العقد، أو الخطأ في تطبيق القانون الواجب التطبيق، أو القصور في تسبب الحكم (Lew etal,2003)
وفي هذا الإطار، يلاحظ أن بعض النظم القضائية، كالقضاء الفرنسي، قد اتجهت إلى تقرير حق الأطراف في الطعن في حكم التحكيم أمام محاكم الدولة في حال سوء قضاء المحكمين، على نحو يشابه الطعن في الأحكام القضائية (الشيخ،2012). غير أن هذا الاتجاه يؤدي عملياً إلى تدخل واسع للمحاكم الوطنية في أحكام التحكيم، بما يهدد استقلاله ويفرغه من مضمونه. ومن ثم، يرى أنصار التحكيم على درجتين أن اعتماد آلية تحكيمية استئنافية داخلية يمثل حلاً وسطاً يحقق حماية عدالة الحكم التحكيمي، ويحد في الوقت ذاته من غلو تدخل المحاكم الوطنية، مع الإبقاء على رقابتها في الحدود الضيقة من خلال دعوى البطلان فقط.
وعلى هذا الأساس، يسهم نظام التحكيم على درجتين في تعزيز الشعور بالعدالة الإجرائي، إذ لا يقتصر على منح الأطراف فرصة عرض نزاعهم مرة واحدة، بل يمتد إلى تمكينهم من مراجعة الحكم قبل اكتسابه صفة النهائية، بما يقارب، من حيث الغاية ، الضمانات المتحققة في نظم التقاضي متعددة الدرجات دون الخروج الكامل عن الإطار التحكيمي.
الفرع الثاني: رفع جودة الأحكام التحكيمية وتحسين مستوى التسبيب
من المزايا المهمة التي يسوقها المؤيدون للتحكيم على درجتين ما يترتب عليه من رفع جودة الأحكام التحكيمية، سواء الصادرة في الدرجة الأولى أو الدرجة الثانية. فإمكانية إخضاع الحكم لمراجعة تحكيمية لاحقة تشكل حافزاً لهيئة التحكيم الابتدائية لبذل عناية أكبر في تحليل الوقائع، وتكييفها القانوني، وتسبيب الحكم تسبيباً وافياً ودقيقاً، تحسباً لإمكانية مراجعته أمام هيئة تحكيمية أعلى (Redfern,2015)
كما أن وجود هيئة تحكيمية استئنافية يسهم في توحيد التفسير التحكيمي للعقود المعقدة أو للمسائل القانونية المذكورة، ولا سيما في العقود طويلة الأجل أو العقود الإطارية، الأمر الذي يعزز من قابلية التنبؤ بالأحكام التحكيمية ويضفي قدراً من الاستقرار والاطمئنان على المعاملات التجارية.
ويضاف إلى ذلك أن التحكيم على درجتين قد يعالج أحد أوجه القصور التي تنسب أحياناً إلى التحكيم، والمتمثلة في تفاوت مستوى الأحكام التحكمية تبعاً لاختلاف خبرات المحكمين، وذلك من خلال إخضاع الحكم لمراجعة متخصصة داخل المنظومة التحكيمية نفسها، بدلاً من ترك تصحيحه – إن أمكن – للمحاكم الوطنية.
الفرع الثالث: تعزيز ثقة الأطراف في نظام التحكيم
تعد ثقة الأطراف في نظام التحكيم عنصراً حاسماٌ في استمرار اللجوء إليه وتفضيله على القضاء الوطني، وفي هذا الإطار يرى أنصار التحكيم على درجتين أن إتاحة درجة تحكيمية ثانية تسهم في طمأنة الأطراف، وتصحيح الأخطاء ولاسيما المنازعات ذات القيم المالية المرتفعة أو ذات الأثر الاستراتيجي الكبير حيث يكون هامش الخطأ غير المقبول ضيقاً للغاية (Ten Cate,2012)
ويلاحظ في هذا السياق أن كثيراً من المتعاقدين يترددون في اللجوء الى التحكيم، خشية أن الحكم الصادر في نظام التحكيم ذي الدرجة الواحدة لا يقبل المراجعة الموضوعية، وأن السبيل الوحيد المتاح هو الطعن بدعوى البطلان، التي تقتصر – في الغالب – على الجوانب الشكلية والاجرائية دون الموضوعية.
وتزداد أهمية هذه الميزة في العقود الدولية التي تجمع أطرافاً من أنظمة قانونية مختلفة، قد لا تكون لديها الثقة ذاتها في نظام قضائي وطني معين، في حين ينظر الى التحكيم – متى اقترن بآلية مراجعة داخلية – بوصفه نظاماً أكثر توازناً وإنصافاً، ويحقق قدراً على الاطمئنان القانوني (Born,2021)
وعليه فأن التحكيم على درجتين قد يؤدي عملياً الى توسيع قاعدة اللجوء الى التحكيم، من خلال استقطاب أطراف كانت تتحفظ سابقاً على نهائية الحكم التحكيمي، وتفضل نظم التقاضي متعددة الدرجات لما توفره من ضمانات مراجعة.
الفرع الرابع: الحد من اللجوء إلى القضاء الوطني ودعاوى بطلان أحكام التحكيم
من الحجج العملية التي تساق تأييداً للتحكيم على درجتين كونه قد يسهم في الحد من اللجوء إلى القضاء الوطني عبر دعاوى بطلان أحكام التحكيم. فحين يتاح للطرف الخاسر في الدرجة الأولى سبيل فعال لمراجعة الحكم داخل الإطار التحكيمين قد يقل اندفاعه غلى الطعن بالبطلان أمام القضاء، ولا سيما اذا عالجت هيئة الدرجة الثانية أوجه القصور الجوهرية في الحكم الابتدائي.
ولا يعنى ذلك أن التحكيم على درجتين يغني عن دعوى البطلان أو يحل محلها، اذ تظل هذه الدعوى حقاً مقرراً بموجب القانون. غير أن وجود آلية مراجعة تحكيمية داخلية قد يقلل من عدد دعاوى البطلان، ويعزز استقلال التحكيم عن القضاء الوطنين بما ينسجم مع الاتجاهات الحديثة الداعية الى الحد من التدخل القضائي في التحكيم، مع الإبقاء – في الحدود الضيقة – على دور المحكمة في التحقق من خلو الحكم من العيوب المحددة التي تبرر إبطاله، دون التطرق الى تقدير المحكمين لوقائع النزاع أو مدى اتفاق حكمهم مع القانون( الشيخ،2012).
يتضح مما سبق ان التحكيم على درجتين يحقق عددًا من المزايا المهمة، في مقدمتها تعزيز ضمانات العدالة التحكيمية، ورفع جودة الأحكام التحكيمية، وتعزيز ثقة الأطراف في نظام التحكيم، والحد من اللجوء إلى القضاء الوطني. غير أن هذه المزايا لا تُعد مطلقة، بل تظل رهينة بحسن تنظيم وضبطه إجرائيًا، وهو ما يستدعى، في المقابل، دراسة عيوب التحكيم على درجتين، وهو ما سيتناوله المبحث التالي.
المطلب الرابع
عيوب التحكيم على درجتين
على الرغم من المزايا التي قد يحققها التحكيم على درجتين في بعض المنازعات، ولا سيما المنازعات ذات القيم المالية المرتفعة أو التعقيد الفني والقانوني، فإن هذا النظام لا يخلو من عيوب جوهرية أثارت انتقادات فقهية واسعة، خاصة من زاوية مدى انسجامه مع فلسفة التحكيم وأهدافه العملية. ويُعد الوقوف على هذه العيوب امرًا لازمًا لتحقيق التوازن في التقييم، وتحديد الحالات التي قد يكون فيها اللجوء إلى هذا النظام غير مناسب أو غير مجد.
الفرع الأول: إطالة أمد الخصومة والتحكيم
يُعيب عدد من الفقهاء والممارسين على نظام التحكيم على درجتين انه يؤدي إلى إطالة أمد النزاع، وهو من أبرز العيوب التي تُؤخذ عليه، إذ يتعارض هذا الأثر في نظرهم، بصورة مباشرة مع أحد أهم مبررات اللجوء إلى التحكيم، والمتمثل في السرعة النسبية في الفصل في المنازعات مقارنة بالتقاضي أمام المحاكم (Bhavya,& Gayathri,2023)
ويرى منتقدو هذا النظام أن إدخال درجة تحكيمية ثانية يترتب عليه، من الناحية العملية، تمديد الخصومة التحكيمية زمناً إضافياً، يشمل مرحلة الطعن التحكيمي، وتبادل المذكرات، وسماع المرافعات، وإصدار الحكم الاستئنافي. وقد يؤدي ذلك، في بعض الحالات، إلى بلوغ مدة التحكيم زمناً مقارباً، أو حتى أطول، من مدة التقاضي أمام القضاء الوطني، ولا سيما في حال غياب آجال إجرائية صارمة تحكم مرحلة التحكيم الاستئنافي.
ويزداد هذا العيب وضوحاً عندما يُستغل التحكيم على درجتين كوسيلة للمماطلة من قبل الطرف الخاسر في الدرجة الأولى، بما يفرغ التحكيم من وظيفته الأساسية كأداة فعالة وسريعة لحسم النزاعات، ويحوِله إلى مسار إجرائي مطول لا يختلف في أثره العملي عن التقاضي التقليدي. ويستشهد بعض منتقدي هذا النظام بالحكم الصادر لصالح Centrotrade عام 2001م لم ينفذ إلا في عام 2020م، ما يبرز أن التحكيم على درجتين قد يؤدي عملياً إلى تأخير طويل في التنفيذ وهو ما يتعرض مع فلسفة التحكيم (Bhavya,& Gayathri,2023).
في المقابل يرد أنصار التحكيم على درجتين على هذا الانتقاد بالقول أن الدعوة إلى الاستئناف التحكيمي لا تهدف إلى محاكاة نظم التقاضي متعددة الدرجات بصورة كاملة، وإنما تسعى إلى تصميم آليات مراجعة تتلاءم مع خصوصية التحكيم، وتحافظ قدر الإمكان على توازنه بين الدقة والعدالة من جهة، والسرعة والنهائية من جهة أخرى، كما تثير الدراسة تساؤلا محورياً حول ما اذا كانت آليات الاستئناف المقترحة قادرة فعلياً على تحقيق أهدافها المعلنة، أم أنها قد تنتج اثاراً عكسية تمس جوهر التحكيم ذاته.(Ten cate,2012)
كما ينتقد مؤيدو التحكيم الاستئنافي على أن السرعة في التحكيم ليست غاية مطلقة بذاتها، وإنما هي قيمة وظيفية توازن بغيرها من القيم، وعلى رأسها تحقيق العدالة التحكيمية وسلامه الحكم. ويرون أن التركيز الحصري على عامل الزمن يغفل حقيقة أن التحكيم ليس مجرد وسيلة سريعة، بل وسيلة فعالة ومقبولة لحسم النزاع
ويؤكد هذا الاتجاه أن إطالة امد الخصومة في التحكيم على درجتين هي إطالة نسبية ومحدودة، ومعلومة سلفاً للأطراف، وليست إطالة مفتوحة أو غير متوقعة كما هو الحال في بعض صور التقاضي القضائي. فإذا قبل الأطراف هذا النظام بمحض إرادتهم، فإنهم يقبلون ضمناً ما يترتب عليه من امتداد زمني محسوب، مقابل ضمانات إضافية تتعلق بجودة الحكم وصحته.
ونرى في هذا السياق ضرورة التمييز بين الإطالة غير المنتجة، الناتجة عن سوء إدارة الإجراءات أو المماطلة التعسفية، والإطالة المبررة التي تهدف إلى تصحيح أخطاء جوهرية كان من شأنها، لو بقيت دون مراجعة، أن تؤدي إلى نزاع لاحق أمام القضاء عبر دعوى أو إلى رفض تنفيذ الحكم فالتحكيم على درجتين، متى ما أحسن تنظيمه، قد يؤدي في المحصلة النهائية إلى تقليص الزمن الكلي للنزاع، إذ يُعالج الخلل داخل الإطار التحكيمي بدل ترحيله إلى مرحلة لاحقة أمام القضاء الوطني، بما قد يستغرق زمناً أطول ويؤدي إلى تعقيد أكبر في الإجراءات.
كما أن عيب الإطالة لا يُعد ملازماً للتحكيم على درجتين بذاته، بل هو في الغالب نتيجة لسوء تصميم النظام الإجرائي. ويمكن الحد من هذا الأثر من خلال تحديد آجال زمنية صارمة لتقديم الطعن التحكيمي والفصل فيه، وقصر نطاق المراجعة أمام هيئة الدرجة الثانية على مسائل قانونية محددة أو أخطاء جسيمة يتم الاتفاق عليها مسبقاً، فضلًا عن تمكين هيئة التحكيم من رفض الطعون الكيدية أو غير الجدية.
وبذلك، يمكن إدارة التحكيم على درجتين ضمن إطار زمني معقول، دون أن يفرغ التحكيم من ميزة السرعة التي تميزه. ويربط هذا الطرح بمفهوم العدالة الكافية، القائم على تحقيق توازن معقول بين السرعة والفعالية وصحة الحكم، فالإطالة المحدودة التي تؤدي إلى حكم أكثر عدالة واستقراراً تُعد تمناً مقبولاً، بخلاف السرعة التي تفضي إلى الحكم معيب يفتح الباب أمام نزاعات لاحقة ويضعف الثقة في التحكيم.
وخلاصة القول، إن إطالة أمد الخصومة في التحكيم على درجتين ليست عيباً جوهرياً ملازماً لهذا النظام، وإنما أثر نسبي يمكن ضبطه من خلال التصميم الإجرائي السليم. وقد تكون التضحية المحدودة بالسرعة مبررة متى أدت إلى تعزيز العدالة التحكيمية، وتقليل فرص الطعن القضائي، وتحقيق استقرار أكبر للمراكز القانونية، وهو ما أقرته المحكمة العليا الهندية ضمنياً عندما اعتبرت أن قبول الأطراف بنظام تحكيمي من درجتين يُعد اختياراً مشروعاً لا يتعارض مع فلسفة التحكيم.
الفرع الثاني: زيادة التكاليف المالية للتحكيم
من العيوب الجوهرية الأخرى التي ذكرها منكرو التحكيم على درجتين ما يترتب عليه من زيادة ملموسة في التكاليف المالية، إذ يستلزم هذا النظام تشكيل هيئة تحكيمية ثانية، وما يرتبط بذلك من اتعاب إضافية للمحكمين، ورسوم مؤسسية، وتكاليف تمثيل قانوني متكررة. وتتضاعف هذه التكاليف في المنازعات الدولية التي تتطلب انتقال المحكمين، أو الاستعانة بخبراء فنيين وقانونيين، فضلاً عن طول أمد الإجراءات. وقد يؤدي ذلك إلى تقويض أحد أهم مزايا التحكيم الاقتصادية، ولا سيما بالنسبة للأطراف التجارية المتوسطة أو الصغيرة، التي قد تجد التحكيم على درجتين عبئاً مالياً يفوق فائدته المتوقعة.
ويشير الدكتور الطيار إلى أن النفقات الباهظة في باب النزاعات الدولية خاصة لم تحول دون رواج الاتفاق على التحكيم واتساع نطاقه، لا سيما في المعاملات التجارية التي تتسم بالطابع الفني المتخصص والمعقد (الطيار،2021). ومع ذلك، فإن اعتماد التحكيم على درجتين دون مراعاة القيمة الاقتصادية للنزاع قد يُفضي إلى نتيجة عكسية، تجعل التحكيم أقل كفاءة من التقاضي من حيث الكلفة والجدوى.
الفرع الثالث: المساس بمبدأ نهائية حكم التحكيم
يرى منتقدو التحكيم الاستئنافي أن الأخذ بنظام التحكيم على درجتين يُعد من أخطر المساسات بمبدأ نهائية الحكم التحكيم، الذي يشكل إحدى الركائز الجوهرية التي يقوم عليها نظام التحكيم. فنهائية الحكم ليست مجرد ميزة إجرائية، بل هي تعبير عن فلسفة التحكيم ذاتها بوصفه وسيلة بديلة وسريعة لحسم النزاعات، تقوم على إنهاء الخصومة في مرحلة واحدة دون فتح باب الطعن الموضوعي.
ويذهب هذا الاتجاه إلى أن التحكيم على درجتين يؤدي، من حيث الأثر العملي، إلى تعليق نهائية الحكم الصادر عن هيئة الدرجة الأولى، وربط استقرار المراكز القانونية بنتيجة المراجعة أمام هيئة الدرجة الثانية، بما يُعيد إنتاج فكرة تعدد درجات التقاضي داخل الإطار التحكيمي. ويرى بعض الفقه أن هذا الاتجاه يقرب التحكيم من نموذج القضاء التقليدي، ويُفقده خصوصيته كآلية بديلة، ويُعرضه لمخاطر الإطالة وعدم اليقين (Redfern et al.,2015)
كما يُؤخذ على هذا النظام أنه قد ينعكس سلباً على استقرار المعاملات التجارية، إذ يظل النزاع معلقاً لفترة أطول، وتبقى المراكز القانونية للأطراف غير مستقرة إلى حين صدور الحكم النهائي من هيئة الدرجة الثانية، الأمر الذي يتعارض في نظر المنتقدين مع متطلبات السرعة واليقين التي يفترض أن يحققها التحكيم.
غير أن أنصار التحكيم على درجتين يرون ضرورة معالجة هذا الانتقاد من خلال إعادة ضبط مفهوم النهائية، لا من خلال إنكاره أو إهداره. ويؤكدون أن مبدأ نهائية حكم التحكيم لم يكن يوماً نهائية مطلقة بكل المعاني، بل هو مبدأ نسبي ومقيد بطبيعته، يخضع، حتى في التحكيم ذي الدرجة الواحدة لصور من المراجعة الاستثنائية، وفي مقدمتها دعوى البطلان.
ويرى هؤلاء أن النهائية في التحكيم تعني انتهاء الخصومة التحكيمية وفق الإطار الذي ارتضاه الأطراف، لا بالضرورة انتهائها عند أول حكم يصدر في جميع الأحوال. فإذا اتفق الأطراف صراحه على مرحلتين تحكيميتين، فإن النهائية تتحقق بعد استنفاد المرحلة الثانية، لا قبلها. ومن ثم فإن الحكم الصادر عن هيئة الدرجة الأولى يكون حكماً تحكيمياً صحيحًا وملزماً، لكنه غير نهائي من حيث استنفاد الخصومة، وهو وضع لا يختلف من حيث الجوهر عن الحكم القضائي الابتدائي قبل الفصل في الاستئناف.
.ويميز مؤيدو هذا الاتجاه بين تعليق الأثر النهائي زمنياً وإلغاء مبدأ النهائية، فالأول نتيجة طبيعية لتدرج إجرائي متفق عليه، أما الثاني فلا يقول به نظام التحكيم على درجتين، إذ تنتهي الخصومة في نهاية المطاف بحكم تحكيمي واحد نهائي صادر عن هيئة الدرجة الثانية، لا يقبل إلا الرقابة القضائية المحدودة.
وفي هذا السياق، يُستأنس بحيثيات المحكمة العليا الهندية في حكمها البارز في قضية Centrotrade، إذ رفضت تفسير عبارة نهائي وملزم الواردة في قانون التحكيم الهندي تفسيراً جامداً يقصي أي صورة من صور المراجعة الاتفاقية. فقد أكدت المحكمة أن وصف الحكم النهائي والملزم لا يعني أنه يصبح بلا قيمه قانونية ما لم ينفذ فورًا، وقررت أن الحكم التحكيمي ينشئ حقوقاً قانونية بمجرد صدوره، حتى وإن لم يكن قابلاً للإنفاذ الفوري، إذ إن قابلية الإنفاذ مسألة لاحقة لا تنال من وجود الحكم أو طبيعته الملزمة. ومن ثم انتهت المحكمة إلى أن عبارة نهائي وملزمة لا تعني نهائية مطلقة لكل الأغراض، وإنما نهائية في الإطار الذي حدده القانون أو الاتفاق، وأن هذه النهائية يمكن أن تخضع لطريق رجوع تحكيمي اتفق عليه الأطراف، كتحكيم من الدرجة الثانية، دون أن يُعد ذلك مساساً بجوهر المبدأ(Bhavya,& Gayathri,2023).
ومن ثم فإن النهائية التي تستحق الحماية هي نهائية الحكم التحكيمي الأخير، لا نهائية الحكم الابتدائي. فالنظام لا يفتح باباً غير محدود للطعن، وإنما يقر باتفاق الأطراف وفق ما جاء في المسار التحكيمي المتفق عليه سواء كان الاتفاق على درجة واحدة أو درجتين تحكيميتين، وفي التحكيم الاستئنافي تكون بعد درجة المراجعة يُغلق باب الخصومة التحكيمية نهائياً، ولا يبقى سوى الرقابة القضائية الاستثنائية بدعوى البطلان
الفرع الرابع: خطر تحويل التحكيم إلى تقاضٍ مقنّع
يُعد خطر تحويل التحكيم على درجتين إلى صورة التقاضي المقنع من العيوب ذات الطابع البنيويٍ التي يُثيرها منتقدو هذا النظام، ولا سيما إذا لم يضبط نطاق المراجعة التحكيمية وضوابطها الإجرائية ضبطًا دقيقًا. (Lew et al.,2003 ) ، ويرى هؤلاء أن السماح بإعادة مناقشة الوقائع و الأدلة على نحو واسع، وفتح باب تبادل مذكرات مطولة، وسماع مرافعات متكررة أمام هيئة التحكيم من الدرجة الثانية، من شأنه أن يفقد التحكيم كثيراً من بساطته ومرونته، ويقربه من التعقيد الإجرائي الذي يميز التقاضي أمام المحاكم الوطنية.
ويزداد هذا الخطر وضوحاً في الحالات التي يغيب فيها تحديد دقيق لنطاق سلطة هيئة التحكيم من الدرجة الثانية، أو لا توضع معايير صارمة لقبول الطعن التحكيمي، بما يسمح بتحويل مرحلة المراجعة إلى خصومة جديدة مكتملة الأركان، لا تختلف من حيث الأثر العملي عن الاستئناف القضائي التقليدي. وقد حذر جانب من الفقه التحكيمي من أن الإفراط في إدخال آليات المراجعة داخل التحكيم، بدعوى تعزيز العدالة، قد يفضي في النهاية إلى تقويض جاذبية التحكيم ذاتها، ودفع الأطراف إلى إعادة التفكير في جدوى اللجوء إليه بوصفه وسيلة بديلة. (Born,2021)
في المقابل، يرد مؤيدو التحكيم الاستئنافي على هذا بأن خطر تحول التحكيم إلى تقاض مقنع ليس أثراً حتمياً ملازماً للتحكيم على درجتين، إنما نتيجة محتملة لسوء تصميم آلية المراجعة. ويرى هؤلاء أن التحكيم لا يفقد طبيعته الخاصة بمجرد إدخال درجة مراجعة تحكيمية، طالما ظلت هذه المراجعة محكومة بالإرادة الاتفاقية للأطراف، ومقيدة بنطاق واضح لا يسمح بإعادة الخصومة من بدايتها.
ويؤكد هذا الاتجاه أن الفارق الجوهري بين التحكيم الاستئنافي والتقاضي القضائي يظل قائماً، ما دامت هيئة الدرجة الثانية لا تمارس ولايتها بوصفها محكمة عامة، وإنما بوصفها هيئة تحكيمية تعمل داخل الإطار التحكيمي ذاته، وتخضع لقواعده ومرونته، ولا تتقيد بالإجراءات الشكلية الصارمة التي تميز القضاء. كما أن قصر المراجعة على الأخطاء القانونية الجسمية، أو القصور في التسبيب، أو المخالفات الإجرائية المؤثرة كفيل في نظر المؤيدين، بمنع الانزلاق نحو تقاض مقنع، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قدر معقول من الرقابة التحكيمية.
ونرى أن التحكيم على درجتين لا ينبغي تقييمه بوصفه تهديداً جوهرياً لفلسفة التحكيم، بل بوصفه آلية استثنائية قابلة للضبط، تتوقف آثارها الإيجابية أو السلبية على مدى دقة صياغة شرط التحكيم، وتحديد نطاق المراجعة، وإدارة الإجراءات بكفاءة. فإذا أُسيء تصميمه تحول إلى عبء إجرائي، وإذا أُحسن تنظيمه أمكن أن يضيف ضمانة محدودة دون أن يُفرغ التحكيم من طبيعته كوسيلة بديلة ومرنة لحسم المنازعات
والخلاصة مما سبق أن العيوب المتعلقة بإطالة أمد الخصومة، وزيادة التكاليف، والمساس بمبدأ نهائية الحكم التحكيمي، وخطر تحويل التحكيم إلى تفاض مقنع، على الرغم من وجاهتها، لا تُعد عيوباً حتمية أو لازمة لنظام التحكيم على درجتين، وإنما ترتبط بدرجة كبيرة بكيفية تصميم هذا النظام وضبطه إجرائياً.
ومن ثم فإن التحكيم على درجتين، بما قد يحققه من مزايا في بعض المنازعات ولا سيما المنازعات الدولية المعقدة أو النزاعات ذات الطبيعة الفنية المتخصصة لا يصلح لأن يكون نموذجاً عاماً للتحكيم. وهو ما ينادي به أنصار هذا الاتجاه الذين يرون ضرورة الإبقاء عليه كآلية استثنائية ينبغي اللجوء إليها بحذر، وفي نطاق محدد، مع مراعاة فلسفة التحكيم وأهدافه العملية، وفي مقدمتها تحقيق التوازن بين العدالة والفعالية ونهائية الأحكام
المطلب الخامس
إشكاليات نطاق ولاية هيئة التحكيم من الدرجة الثانية وآثارها الإجرائية
يثير نظام التحكيم على درجتين جملة من الإشكاليات القانونية والإجرائية الدقيقة، التي لا تقف عند حدود التساؤل عن مشروعيته من حيث المبدأ، بل تمتد لتطال نطاق ولاية هيئة التحكيم من الدرجة الثانية، وطبيعة نظرها للنزاع، وآثار ذلك على نهائية الحكم التحكيمي، وعلى حدود رقابة القضاء الوطني عبر دعوى البطلان. وتُعد هذه الإشكاليات محوراً أساسياً في تقييم مدى اتساق التحكيم على درجتين مع فلسفة التحكيم ومبادئه المستقرة، وفي مقدمتها مبدأ نهائية الحكم، ولا سيما في ظل قلة بل ندرة المعالجات الفقهية المنهجية التي تناولت هذه المسألة بصورة مستقلة ومتكاملة.
الفرع الأول: ماهية ولاية هيئة الحكيم وطبيعتها الاتفاقية
يقصد بولاية هيئة التحكيم السلطة القانونية التي تخول للهيئة للفصل في نزاع معين، ضمن نطاق محدد، وبآثار ملزمة، استنادًا إلى اتفاق التحكيم بوصفه المصدر الأصلي لهذه الولاية، وإلى قانون مقر التحكيم بوصفه الإطار المنظم لها. وتتميز هذه ولاية اتفاقية خاصة، لا ترقى إلى الولاية العامة التي يتمتع بها القضاء الوطني، ولا تفترض إلا بوجود اتفاق صريح وواضح بين الأطراف.
وتشمل ولاية هيئة التحكيم، في صورتها العامة، عدة مظاهر متكاملة، من أبرزها: سلطة الفصل في وجود وصحة ونطاق اتفاق التحكيم (وفق مبدأ الاختصاص بالاختصاص) ، وسلطة الفصل في موضوع النزاع من حيث الوقائع والقانون، وسلطة إدارة الإجراءات التحكيمية و تنظيم الخصومة، على أن تنتهي هذه الولاية بصدور الحكم التحكيمي النهائي أو بانقضاء المدة المحددة لممارستها.
غير أن هذه الصورة التقليدية لولاية هيئة التحكيم، التي تبدو مستقرة في نظام التحكيم ذي الدرجة الواحدة، تتعرض لإعادة ترتيب عند اعتماد نظام التحكيم على درجتين، حيث لا تعود الولاية التحكيمية موحدة أو نهائية منذ البداية، وإنما تجزاُ زمنياً ووظيفياً بين هيئتين تحكيميتين، لكل منهما نطاق ولاية مغاير.
الفرع الثاني: توزيع الولاية بين هيئة التحكيم من الدرجة الأولى وهيئة التحكيم من الدرجة الثانية
في نظام التحكيم على درجتين، لا تمارس الولاية التحكيمية بصورة موحدة، بل تتوزع بين هيئتين تحكيميتين، وفق ما اتفق عليه الأطراف صراحة في شرط التحكيم أو مشارطته.
فهيئة التحكيم من الدرجة الأولى تتمتع بولاية كاملة على النزاع، تشمل الفصل في الاختصاص، والفصل في موضوع النزاع من حيث الوقائع والقانون، وإدارة الإجراءات التحكيمية، وإصدار الحكم الابتدائي، غير أن خصوصية هذه الولاية تكمن في أنها ولاية غير نهائية بطبيعتها، إذ يكون الحكم الصادر عنها، بموجب اتفاق الأطراف، قابلًا للمراجعة أمام هيئة تحكيمية ثانية.
أما هيئة التحكيم من الدرجة الثانية، فإن ولايتها لا تُعد ولاية أصلية مستقلة، بل هي ولاية مشتقة ومقيدة، تستمد وجودها ونطاقها من اتفاق التحكيم ذاته. وتتحدد هذه الولاية بحسب ما نص عليه اتفاق الأطراف أو القواعد التحكيمية المختارة، وقد تنحصر في مراجعة الأخطاء القانونية، أو الأخطاء الجسيمة في تقدير الوقائع، أو القصور في التسبيب، وقد تمتد في بعض النماذج الاستثنائية إلى إعادة النظر الموضوعية الكاملة.
ومن ثم فإن الافتراض القائل بأن هيئة التحكيم من الدرجة الثانية تتمتع بولاية أوسع بحكم كونها درجة أعلى، هو افتراض غير دقيق، إذ إن ولايتها قد تكون في الواقع أضيق وأكثر تحديدًا من ولاية هيئة الدرجة الأولى، لأنها لا تنظر النزاع ابتداءً، بل تمارس دورها في إطار طعن تحكيمي محدود النطاق، يتقيد بحدود المراجعة المتفق عليها بين الأطراف (Born, 2021).
ويترتب على هذا التوزيع الخاص للولاية أن الحكم الصادر عن هيئة الدرجة الأولى لا يُعد حكماً نهائياً مكتمل الأثر، وإنما يظل معلقاً من حيث نهائيته إلى حين استنفاد مرحلة التحكيم الثانية، بينما يُعد الحكم الصادر عن هيئة الدرجة الثانية هو الحكم التحكيمي النهائي القابل للتنفيذ والخاضع لرقابة القضاء عبر دعوى البطلان.
الفرع الثالث: طبيعة ولاية هيئة التحكيم من الدرجة الثانية هيئة موضوع أم هيئة قانون؟
بعد تحديد كيفية توزيع الولاية التحكيمية بين درجتي التحكيم، يثور تساؤل جوهري حول الطبيعة الوظيفية لولاية هيئة التحكيم من الدرجة الثانية: هل تُعد هيئة موضوع، أم هيئة قانون؟
لا يقدم الفقه التحكيمي، ولا التشريعات الوطنية، ولا القوانين النموذجية، تصوراً إلزامياً موحداً لطبيعة ولاية هيئة التحكيم من الدرجة الثانية، إذ يظل نطاق هذه الولاية مسألة اتفاقية محضة تتحدد ابتداءً بما ينص عليه شرط التحكيم أو القواعد الإجرائية المعتمدة.
فمن حيث الأصل، يجوز للأطراف أن يمنحوا هيئة التحكيم من الدرجة الثانية ولاية موضوعية كاملة، تخوّلها إعادة النظر في الوقائع والأدلة وتقديرها من جديد، بما يجعلها أقرب إلى هيئة موضوع تحكيمية. ويبرر هذا الاتجاه، بوجه خاص، في المنازعات ذات التعقيد الفني أو القيم المالية المرتفعة، حيث يُخشى من أن يؤدي الخطأ في تقدير الوقائع أو فهم الجوانب الفنية إلى نتائج جسيمة يصعب تداركها لاحقًا(Lew et al., 2003)
وفي مقابل ذلك، يتجه جانب معتبر من الفقه والممارسة التحكيمية الحديثة إلى قصر ولاية هيئة التحكيم من الدرجة الثانية على المراجعة القانونية أو الإجرائية، بحيث تنحصر مهمتها في فحص مدى صحة تطبيق القانون الواجب التطبيق، أو سلامة تفسير العقد، أو كفاية التسبيب، أو وقوع مخالفات إجرائية جوهرية. وفي هذه الصورة، تكون هيئة الدرجة الثانية أقرب إلى هيئة قانون تحكيمية، وهو اتجاه يُنظر إليه باعتباره أكثر انسجاماً نع فلسفة التحكيم القائمة على السرعة والنهائية. (Redfern et al.,2015)
وعليه، فإن تحديد ما إذا كانت هيئة التحكيم من الدرجة الثانية هيئة موضوع أم هيئة قانون لا يخضع لقاعدة آمرة، وإنما يتوقف على إرادة الأطراف. غير أن التوسع في منحها ولاية موضوعية كاملة قد يفضي إلى إضعاف مبدأ نهائية الحكم التحكيمي، وإطالة أمد الخصومة، وإدخال منطق التقاضي متعدد الدرجات إلى التحكيم.
الفرع الرابع: نطاق نظر هيئة التحكيم من الدرجة الثانية، نظر ابتداءً أم استكمالًا؟
يثور تساؤل جوهري حول ما إذا كانت هيئة التحكيم من الدرجة الثانية تنظر النزاع ابتداءً بوصفه خصومة جديدة مستقلة، أم تنظر فيه استكمالًا لما سبق عرضه والفصل فيه أمام هيئة الدرجة الأولى.
والراجح فقهياً وعملياً أن نظر هيئة الدرجة الثانية يكون منظراً استكمالياً ورقابياً، لا نظراً ابتدائيًا مستقلاً فالتحكيم على درجتين لا يُنشئ في صورته المعتادة تحكيمين منفصلين، وإنما يُعد نظاماً إجرائياً واحدًا متعدد المراحل، لا تكتمل فيه الخصومة التحكيمية إلا بصدور الحكم النهائي من هيئة الدرجة الثانية. (Redfern et al.,2015)
ويستفاد من ذلك أن وظيفة هيئة الدرجة الثانية تتمثل في فحص الحكم الصادر في الدرجة الأولى ضمن نطاق الطعون المثارة عليه، لا في إعادة بناء النزاع من جديد أو فتح باب الخصومة ابتداءً. أما القول بالنظر الابتدائي الكامل، فيُعد استثناءً لا يصار إليه إلا إذا نص اتفاق التحكيم صراحة على إعادة فتح باب الإثبات أو عرض وقائع جديدة، وهو استثناء يُفسر تفسيراً ضيقاً. (Born,2021)
وبالتالي فإن الأصل أن يكون نظر هيئة الدرجة الثانية مكمّلًا ومصححًا لما تم في الدرجة الأولى، لا بديلاً عنه، وهو ما ينسجم مع التكييف الراجح للتحكيم على درجتين بوصفه مرحلة لاحقة داخل الخصومة التحكيمية ذاتها(Lew et al.,2003)
الفرع الخامس: التمييز بين الولاية والاختصاص وقبول الطعن التحكيمي
من أبرز الإشكالات التي يثيرها التحكيم على درجتين الخلط بين ثلاثة مفاهيم قانونية متمايزة: الولاية، والاختصاص، وقبول الدعوى أو الطعن التحكيمي.
فالاختصاص يتعلق بسلطة هيئة التحكيم في نظر النزاع أصلاً، بينما تتعلق الولاية بحدود ما يجوز لها نظره والفصل فيه. أما القبول فينصرف إلى استيفاء الشروط الإجرائية لمباشرة الطعن التحكيمي، كالمواعيد والشكل والإجراءات.
وفي سياق التحكيم على درجتين، قد تثار دفوع بعدم اختصاص هيئة الدرجة الثانية، بينما يكون الإشكال في حقيقته متصلاً بعدم قبول الطعن التحكيمي لعدم استيفاء شروطه. وبالمقابل، قد يشكل تجاوز هيئة الدرجة الثانية لنطاق المراجعة المتفق عليه تجاوزًا للولاية لا مجرد خطأ في تطبيق القانون، وهو ما يعرّض الحكم التحكيمي النهائي لخطر البطلان.
الفرع السادس: أثر تجاوز ولاية هيئة التحكيم في نظام التحكيم على درجتين
يترتب على تجاوز هيئة التحكيم سواء في الدرجة الأولى أو الثانية، لنطاق ولايتها آثار قانونية جسيمة، في مقدمتها تعرّض الحكم التحكيمي لدعوى البطلان أو رفض الاعتراف به أو تنفيذه.
وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في التحكيم على درجتين، ولا سيما إذا أعادت هيئة الدرجة الثانية نظر النزاع ابتداءً خلافًا لما اتفق عليه الأطراف، أو تناولت مسائل لم تُثر في الطعن التحكيمي، أو تجاوزت نطاق المراجعة القانونية إلى إعادة تقييم الوقائع دون سند اتفاقي صريح.
ومن ثم، فإن ضبط ولاية هيئة الدرجة الثانية يُعد شرطاً جوهرياً للحفاظ على التوازن الدقيق بين تعزيز العدالة التحكيمية من جهة، وصون نهائية الأحكام التحكيمية من جهة أخرى.
الفرع السابع: أثر التحكيم على درجتين في تحديد الحكم محل دعوى البطلان
من الإشكاليات العملية ذات الأهمية البالغة في نظام التحكيم على درجتين تحديد الحكم الذي توجه إليه دعوى البطلان هل هو حكم الدرجة الأولى أم حكم الدرجة الثانية؟
تستقر القواعد العامة للتحكيم، كما كرسها قانون الأونسيترال النموذجي والتشريعات المستلهمة منه، على أن دعوى البطلان لا تُقام إلا على الحكم التحكيمي النهائي الذي أنهى الخصومة التحكيمية(UNICITRAL 2006)
وبناء على ذلك، فإن الحكم الصادر عن هيئة الدرجة الأولى لا يكتسب صفة النهائية طالما فتح باب المراجعة التحكيمية باتفاق الأطراف.
وعليه، توجه دعوى البطلان في نظام التحكيم على درجتين إلى حكم الدرجة الثانية وحده، باعتباره الحكم التحكيمي النهائي القابل للتنفيذ والخاضع للرقابة القضائية. ولا تقبل دعوى بطلان مستقلة ضد حكم الدرجة الأولى، كما تبدأ مواعيد الطعن بالبطلان من تاريخ تبليغ حكم الدرجة الثانية لا غيره. (Born,2021)
ويترتب على ذلك أن أسباب البطلان، وإن تعلقت في أصلها بإجراءات أو أخطاء وقعت في مرحلة الدرجة الأولى، فإنها لا تطرح أمام القضاء إلا من خلال الطعن في الحكم النهائي، متى كان لتلك الأخطاء أثر في النتيجة التي انتهى إليها حكم هيئة الدرجة الثانية. (UNICITRAL 2006)
الفرع الثامن: ولاية هيئة التحكيم ورقابة القضاء الوطني في التحكيم على درجتين
لا يؤدي اعتماد التحكيم على درجتين إلى إقصاء دور القضاء الوطني، وإنما يعيد ترتيب توقيت وحدود هذه الرقابة. فالأصل أن القضاء لا يتدخل إلا بعد صدور الحكم التحكيمي النهائي، أي الحكم الصادر عن هيئة الدرجة الثانية.
وتنصب رقابة القضاء، في هذه المرحلة، على التحقق من التزام هيئة التحكيم بنطاق ولايتها، وعدم مخالفة النظام العام أو القواعد الاَمرة، دون أن تمتد إلى إعادة نظر موضوع النزاع أو تقدير الوقائع، ما دام الحكم قد صدر في حدود الولاية المتفق عليها.
وبذلك، يسهم التحكيم على درجتين متى أًحسن تنظيمه في الحد من التدخل القضائي المبكر، مع الإبقاء على الرقابة القضائية بوصفها ضمانة أخيرة لسلامة النظام التحكيمي.
يتبين مما سبق أن ولاية هيئة التحكيم تشكل حجر الزاوية في فهم إشكالات التحكيم على درجتين، وأن هذه الإشكالات لا تنبع من تعدد الدرجات في ذاته بقدر ما تنبع من سوء تحديد نطاق الولاية أو تجاوزها. ومن ثم، فإن نجاح نظام التحكيم على درجتين يظل مرهوناً بصياغة دقيقة لاتفاق التحكيم، تحدد بوضوح ولاية كل من هيئة الدرجة الأولى وهيئة الدرجة الثانية، وتمنع الخلط بين الولاية والاختصاص والقبول، بما يحفظ العدالة التحكيمية دون المساس بجوهر التحكيم وخصائصه الأساسية.
المطلب السادس
مدى إسهام التحكيم على درجتين في تعزيز العدالة التحكيمية
يثير اعتماد التحكيم على درجتين تساؤلًا جوهريًا حول مدى إسهامه الحقيقي في تعزيز العدالة التحكيمية، ولا سيما عند مقارنته بالاستئناف القضائي. فبينما تقوم الدرجة الثانية في القضاء على بنية مؤسسية تراكمية في الخيرة والوظيفة، يظل التحكيم بطبيعته الاتفاقية خارج هذا الإطار المؤسسي، الأمر الذي يستدعي فحصًا نقدياً لافتراض أن تعدد الدرجات في التحكيم يُفضي بالضرورة إلى عدالة أعلى.
ومع إقرار هذه الإشكالية، أميل من منظور بحثي إلى تأييد بالتحكيم على درجتين بوصفه آلية استثنائية قابلة للضبط، يمكن أن تسهم في تعزيز العدالة التحكيمية متى أُحسن تصميمها، ولا سيما في المنازعات الدولية المعقدة أو ذات الطبيعة الفنية المتخصصة، مع ضرورة المحافظة على فلسفة التحكيم القائمة على الفعالية والنهائية.
الفرع الأول: مفهوم العدالة في التحكيم وطبيعته الاتفاقية
العدالة في التحكيم هي عدالة إجرائية تعاقدية، غايتها تمكين الأطراف من عرض دعواهم عرضاً كاملاً أمام هيئة محايدة، ضمن إجراءات مرنة وسريعة، تنتهي بحكم مسبب يحقق قدراً كافياً من اليقين والاستقرار. ولا تستهدف هذه العدالة بحكم التصميم محاكاة العدالة القضائية المؤسسية متعددة الدرجات، بل تحقيق عدالة كافية وفعالة تتوازن فيها الدقة مع السرعة والنهائية (Born,2021)
وعليه فإن تقييم التحكيم على درجتين ينبغي ألا يبني على تصور مثالي للعدالة يحاكي القضاء، وإنما على مدى قدرة هذا النظام في إطاره الخاص على رفع جودة الفصل في المنازعة وتقليل مخاطر الخطأ الجسيم دون الإخلال بالفعالية الإجرائية.
الفرع الثاني: اختلاف الوظيفة والبنية بين التحكيم والقضاء
في القضاء، تستند الدرجة الثانية إلى تدرج وظيفي ومعرفي، فقضاة الاستئناف غالباً أكثر خبرة في تصحيح الأخطاء، وأكثر انتظاماً في المنهج والتسبيب، وتؤدي محاكمهم وظيفة معيارية تصحيحية.
أما في التحكيم، فلا يوجد تدرج مؤسسي مماثل، فيمكننا القول بأن الخبرة فيه أفقيه لا هرمية، وقد يكون محكم الدرجة الأولى أكثر تخصصاً وتجربة من محكمي الدرجة الثانية، ولا سيما في المنازعات الفنية الدقيقة. ومن ثمّ، لا يصح قياس “الدرجة الثانية التحكيمية” على ” الدرجة الثانية القضائية” من حيث القيمة المعرفية أو الوظيفة التصحيحية. (Redfern et al.,2015)
غير أن هذه الفجوة بين القضاء والتحكيم يمكن، عمليًا، تضييقها عبر التصميم الاتفاقي الواعي، كأن ينص الأطراف على أن تكون الجهة الاستئنافية مؤسسة تحكيم دولية مشهوداً لها بالخبرة، أو أن يتم اختيار محكمي الدرجة الثانية وفق معايير أدق من حيث التأهيل والخبرة والنزاهة وكثافة الممارسة، بما يرفع احتمالية تحقق وظيفة التصحيح والاتساق.
الفرع الثالث: هل يحقق التحكيم على درجتين عدالة أعلى بالضرورة؟
الأصل أن تعدد الدرجات لا يُنتج عدالة أعلى بذاته. فالعدالة تتحقق أساساً بسلامة اختيار المحكمين ابتداءً، وبوضوح نطاق المراجعة إن وجدت، وبجودة التسبيب. وقد يؤدي فتح مراجعة موضوعية كاملة في الدرجة الثانية إلى إضعاف حكم صحيح صدر ابتداءً، وتمكين المماطلة، وإدخال منطق الطعن القضائي إلى التحكيم دون ضمانات القضاء المؤسسية. ومن ثم، فإن أي زيادة محتملة في العدالة تظل مشروطة بضبط صارم لنطاق المراجعة. (Lew et al.,2003)
ومن وجهة نظري المؤيدة بضوابط فإن تحقيق العدالة المنشودة عبر التحكيم على درجتين يتطلب معالجة هذه المخاوف من خلال: قصر نطاق المراجعة على مسائل قانونية جوهرية أو أخطاء جسيمة محددة، واللجوء إلى مؤسسات تحكيمية مشهود لمحكميها بالنزاهة والحيدة والاستقلال، وبالخبرة العملية الطويلة في العمل التحكيمي، مع وضع آجال إجرائية واضحة تمنع الانزلاق إلى مراجعة مطلقة.
الفرع الرابع: منطق الموازنة بين العدالة والسرعة ونهائية الأحكام
لا يطرح التساؤل في إطار التحكيم على الدرجتين على نحو مفاصلة صفرية بين العدالة من جهة، والسرعة ونهائية الأحكام من جهة أخرى، وإنما على أساس موازنة وظيفية وأعية تستجيب لطبيعة النزاع ومتطلباته. فصحيح أن التحكيم قد قام تاريخياً على مقايضة تقليدية قوامها الحد من تعدد الدرجات مقابل السرعة والنهائية، غير أن تطور المعاملات التجارية الدولية وتعقد المنازعات الفنية والمالية قد أفرزا حاجة متزايدة إلى إعادة النظر في هذه المقايضة بصورة أكثر مرونة.
وفي هذا السياق، لا يعد التحكيم الاستئنافي خروجاً على فلسفة التحكيم، بل يمثل تطوراً وظيفياً لها، متى اقتصر على نطاق مراجعة منضبطة يهدف إلى تصحيح الأخطاء الجسيمة أو القانونية المؤثرة، دون فتح الباب لإعادة الخصومة على نحو كامل ومن ثم فإن التحكيم على درجتين لا يقوض مبدأ السرعة ولا نهائية الأحكام بل يعيد تنظيمها بحيث تحقق النهائية بعد استنفاد المسار التحكيمي المتفق عليه، لا عند أول حكم قد يكون مشوباً بعيوب جوهرية
ويعبر عن هذا التوجه بمفهوم العدالة الكافية ( Sufficient Justice) أي العدالة التي تحترم الضمانات الأساسية وتكفل سلامة الحكم واستقراره، دون السعي إلى محاكاة العدالة القضائية الكاملة على حساب فعالية التحكيم (Born,2021) وقد بين هذا البحث أن تفنيد مؤيدي التحكيم على درجتين لما يثار بشأن تعارضه مع فلسفة التحكيم يظل تفنيداً مقنعاً ، متى التزم هذا النظام بضوابط المراجعة وحدودها، واسندت مهمته إلى هيئات تحكيم مؤسسية ذات كفاءة وخبرة.
وبذلك فإن الموازنة بين العدالة والسرعة ونهائية الأحكام لا تقتضي استبعاد التحكيم الاستئنافي بل تستدعي اعتماده بوصفه آلية استثنائية منضبطة، غير قادرة على تعزيز العدالة التحكيمية في المنازعات التي تبرر ذلك، دون الإخلال بالخصائص الجوهرية للتحكيم.
الفرع الخامس: نقد افتراض التفوق المعرفي للدرجة الثانية التحكيمية
من أخطر افتراضات التحكيم على درجتين اعتبار أن الدرجة الثانية أصلح للعدالة بحكم كونها “أعلى” فهذا افتراض غير مضمون في التحكيم، لغياب أي قرينة مؤسسية على التفوق المعرفي، والنتيجة المنهجية لذلك هي أن العدالة في التحكيم تُبنى قبل الحكم لا بعده، أي في صياغة شرط التحكيم، وحسن اختيار المحكّمين، وتحديد القانون الواجب التطبيق.
غير أن هذا الافتراض في تقديري يمكن أن يصبح ممكناً عملياً إذا بنيت آلية اختيار هيئة الدرجة الثانية على معايير دقيقة، كاختيارها عبر جهات تحكيمية مواصفات تأهيلية للمحكمين الاستئنافيين، بما يجعل التفوق النسبي للدرجة الثانية افتراضًا واقعيًا محتملًا بحسن التصميم والاختيار.
والختام فإن التحكيم على درجتين لا يُعد ضمانة ذاتية لتحقيق عدالة أعلى. فالدرجة الثانية التحكيمية لا تفترض تفوقًا معرفيًا أو وظيفيًا على الدرجة الأولى، بخلاف الاستئناف القضائي ذي البنية المؤسسية. والعدالة قي التحكيم تتحقق أساسًا بجودة الاختبار الأول للمحكّمين وضبط الإجراءات، لا بمجرد تعدد الدرجات. كما أن تقديم الدالة على السرعة ونهائية الأحكام دون ضوابط قد يهدد فلسفة التحكيم ويحوّله إلى تقاض مقنع.
ومع ذلك، فإنني مع هذا التحفظ أؤيد السماح بالتحكيم على درجتين بوصفه خيارا اتفاقياً استثنائياً، يمكن أن يُسهم في تعزيز العدالة التحكيمية في المنازعات الكبرى والمعقدة، بشرط ضبط نطاق المراجعة ضبطًا دقيقاً وربطه بمعايير واضحة تمنع المماطلة، وتحقق التوازن بين العدالة والفعالية ونهائية الأحكام.
وفي ختام هذا البحث يظهر التحليل المقدم فيه أن التحكيم على درجتين لا يعد خروجاً على فلسفة التحكيم أو مساساً بجوهره، بل يمثل آلية اتفاقية استثنائية يمكن أن تساهم في تعزيز العدالة التحكيمية متى احسن تنظيمها وضبط نطاقها الإجرائي، وقد بينت هذه الدراسة أن الإشكاليات المنسوبة إلى هذا النظام لا تنشأ من التعدد في ذاته، وإنما من سوء التصميم وأتساع نطاق المراجعة وغياب الضوابط المؤسسية، كما تبين أن مبدأ نهائية الحكم التحكيمي يظل محفوظاً، على أن تتحقق هذه النهائية بصدور الحكم الاستئنافي لا الابتدائي، ومن ثم فإن التحكيم على درجتين يمكن التوفيق بينه وبين السرعة والفعالية ونهائية الأحكام، بما ينسجم مع تطور المعاملات التجارية الدولية، ويقود ذلك إلى عرض النتائج التي انتهى إليها البحث، وما يطرحه من توصيات عملية وتنظيمية.
- نتائج الدراسة : توصل البحث إلى جملة من النتائج، من أبرزها:
- الحكم الابتدائي يظل حكماً تحكيمياً صحيحاً وملزماً ، لكنه يكون غير نهائي من حيث استنفاد الخصومة، في التحكيم ذوي الدرجتين تماماً كما هو الحال في الحكم القضائي الابتدائي قبل الفصل في الاستئناف والنهائية تتحقق بالحكم الصادر عن هيئة الدرجة الثانية وهو القابل للتنفيذ، والخاضع وحده لدعوى البطلان.
- التحكيم على درجتين ليس نظاماً منافساً للتحكيم التقليدي ولا بديلاً عنه، بل يُعد آلية استثنائية تستدعى في سياقات محددة، ولا سيما المنازعات الدولية المعقدة أو ذات الطبيعة الفنية العالية والقيم المالية الكبيرة.
- مبدأ نهائية حكم التحكيم لا يعد نهائية مطلقة، بل هو مبدأ نسبي يتحدد نطاقه وفق الإطار الاتفاقي والقانوني الذي ارتضاه الأطراف، وهو ما أكدته الممارسة الفقهية المقارنة والقضاء المقارن، لا سيما حكم المحكمة العليا الهندية في قضية Centrotrade
- 3.الإشكالات المنسوبة للتحكيم على درجتين كإطالة أمد الخصومة، وزيادة التكاليف، وخطر التقاضي المقنع، لا تعد عيوباً لازمة للنظام في ذاته، وإنما تنشأ غالباً عن سوء التصميم الإجرائي، أو غموض شرط التحكيم، أو اتساع نطاق المراجعة دون ضوابط.
- 4.تبين أن ولاية هيئة التحكيم من الدرجة الثانية تمثل المحور الأكثر حساسية في هذا النظام، وأن الخلط بين الولاية والاختصاص وقبول الطعن يُعد من أبرز أسباب الطعون بالبطلان واضطراب التطبيق العملي.
- 5.أثبتت الدراسة أن العدالة التحكيمية لا تتحقق بتعدد الدرجات بذاته، بل بجودة اختبار المحكمين، ودقة تحديد نطاق المراجعة، وحسن التسبيب، وأن التحكيم يظل نظاماً ذا عدالة تعاقدية تختلف في بنيتها ووظيفتها عن العدالة القضائية المؤسسية
- 6.خلصت الدراسة إلى أن التحكيم على درجتين يمكن أن يعزز العدالة التحكيمية عملياً إذا قيد بنطاق مراجعة محدد، وتولّت المراجعة هيئة تحكيم مؤسسية مشهود لها بالكفاءة والخبرة، وبما لا يفرغ التحكيم من خصائصه الجوهرية.
- توصيات الدراسة :
- التوصية بالسماح المبدئي بالتحكيم على درجتين في الأنظمة الوطنية، بوصفه خياراً اتفاقياً استثنائياً، دون تحويله إلى نموذج عام أو افتراضي للتحكيم.
- ضرورة ضبط نطاق ولاية هيئة التحكيم من الدرجة الثانية بنصوص صريحة في شرط التحكيم، مع بيان ما إذا كانت المراجعة قانونية فقط، أو موضوعية في حدود ضيقة، أو مقصورة على الأخطاء الجسيمة والقصور في التسبيب.
- التوصية بقصر التحكيم على درجتين على المنازعات الكبرى والمعقدة، واستبعاد تطبيقه في المنازعات البسيطة أو متوسطة القيمة، تفادياً لإطالة الخصومة وزيادة التكاليف دون مبرر عملي
- تشجيع اللجوء إلى التحكيم المؤسسي في مرحلة الدرجة الثانية، لما يوفره من خبرة تراكمية، ومعايير إجرائية واضحة، وآجال زمنية صارمة تحد من المماطلة والانحراف الإجرائي
- إدراج آجال إجرائية ملزمة لمرحلة التحكيم الاستئنافي، سواء في تقديم الطعن أو الفصل فيه، وتمكين هيئة التحكيم من رفض الطعون الكيدية أو غير الجدية
- التأكيد على أن الحكم محل دعوى البطلان هو حكم الدرجة الثانية فقط، مع النص صراحة في شرط التحكيم على أن الحكم الابتدائي لا يكتسب صفة النهائية إلا بعد استنفاد مرحلة التحكيم الثانية.
- فهرس المراجع العربية:
- الرفاعي، د.أشرف عبدالعليم، النظام العام والقانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم في العلاقات ذات العنصر الأجنبي
- راشد(1984)، د.سامية راشد، التحكيم في العلاقات الدولية الخاصة ( اتفاق التحكيم) ، دار المعارف الإسكندرية.
- الطيار(2021) ، د. علي عبدالرحمن ، قضاء التحكيم وأثره في فض النزاع وإنهاء الخصومة – دراسة شرعية قانونية، مكتبة التوبة الرياض 2021م
- والي (2000)، د. فتحي والى – قانون التحكيم في النظرية والتطبيق – منشأة المعارف الإسكندرية – الطبعة الأولى 2000م
- التحيوي (2021) ، د. محمود السيد عمر، مفهوم التحكيم الاختياري والتحكيم الاجباري
- التحيوي، د. محمودالسيد عمر ، الطبيعة القانونية لنظام التحكيم
- المجلات والدوريات.
- أحمد (2015)، د. أحمد خليفة شرقاوي احمد، التنظيم القانوني لبطلان حكم التحكيم، ورقة بحث مقدمة للمؤتمر العربي السنوي الثاني، جامعة طنطا 2015م.
- رضوان عبيدات و جورج حزبزن، النظام القانوني لدعوى البطلان لحكم التحكيم وفق أحكام القانون الأردني والمقارن – مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون، المجلد 33، العدد 2 ،2006م
- الموسوي (2021)،صفاء سمير الموسوي، النظام القانوني للتحكيم على درجتين، مقال منشور على موقع وطن برس على الرابط: https://www.watanpressonline.com/
- الشيخ (2012)، علي مصطفى، التحكيم على درجتين، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، جامعة المنصورة ، عدد خاص
- فهرس المراجع الأجنبية:
- Bhavya Shree, S., & Gayathri, M. Rmmanya. (2023). Two tiers or three tier: A never-ending saga of dispute settlement – a delaying mechanism in arbitration, International Journal for Multidisciplinary Research (IJFMR).
- Born, G. B. (2021). International commercial arbitration (3rd ed.). Kluwer Law International.
- Centrotrade Minerals & Metals Inc. v. Hindustan Copper Ltd., Supreme Court of India, Judgment (Dec. 15, 2016).
- Lew, J. D. M., Mistelis, L. A., & Kroll, S. M. (2003). Comparative international commercial arbitration. Kluwer Law International.
- Redfern, A., & Hunter, M. (2015). Law and practice of international arbitration (6th ed.). Oxford University Press.
- Singh, A., & Sengupta, S. (2021). Second bite at the arbitration apple: Analyzing the applicability and utility of internal appeal mechanisms in commercial arbitration in India.
- Ten Cate, I. M. (2012). International arbitration and the ends of appellate review. NYU Journal of International Law and Politics, 44(4), 1109–1204