تحليل أيقونوغرافي لسائقي عربات الخيول في الفن الصخري بالمغرب القديم: إشكالية الجنس واللباس في ضوء المصادر المادية والأدبية

Iconographic Analysis of Chariot Drivers in Rock Art of Ancient Morocco: The Issue of Gender and Clothing in Light of Material and Literary Sources

زكرياء بوقجيج1

1 باحث بمختبر التاريخ والتراث بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، حاصل على الدكتوراه من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، المغرب، في التاريخ، تخصص التاريخ القديم.

بريد الكتروني: zakaria.bokjij@uit.ac.ma

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj71/29

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/71/29

المجلد (7) العدد (1). الصفحات: 467 - 476

تاريخ الاستقبال: 2025-12-10 | تاريخ القبول: 2025-12-17 | تاريخ النشر: 2026-01-01

Download PDF

المستخلص: تتناول هذه الدراسة تحليلًا أيقونوغرافيًا لصور سائقي عربات الخيول في الفن الصخري بالمغرب القديم، مع التركيز على إشكاليتي الجنس واللباس في ضوء تقاطع المصادر المادية والأدبية. وتسعى إلى تفكيك الفرضيات السابقة التي ربطت لباس السائقين بتأثيرات متوسطية أو إفريقية وافدة، عبر مقارنة دقيقة بين أنماط اللباس المصوَّر في الفن الصخري ونظائره في الحضارات القديمة. وتُبرز النتائج خصوصية هذا اللباس من حيث بنيته القصيرة والناقوسية وطبيعته القماشية، بما ينفي صناعته من الجلد ويؤكد تطور تقنيات النسيج في شمال إفريقيا القديم. كما تكشف الدراسة، من خلال تحليل بصري للنقوش ومراجعة النصوص الكلاسيكية، عن ترجيح كون سائقي العربات من النساء، في سمة مغايرة لما هو معروف في الحضارات المعاصرة. وتخلص الورقة إلى أن هذه الظاهرة تعبّر عن نموذج اجتماعي وثقافي محلي مميّز، يعكس خصوصية العلاقة بين المرأة والخيول في المغرب القديم، ويسهم في إعادة قراءة الفن الصخري بوصفه وثيقة تاريخية واجتماعية ذات دلالات عميقة.

الكلمات المفتاحية: الفن الصخري، المغرب القديم، عربات الخيول، اللباس، الجنس.

Abstract: This study presents an iconographic analysis of chariot drivers depicted in rock art from ancient Morocco, focusing on the issues of gender and clothing through a combined reading of material and literary sources. It aims to reassess earlier interpretations that linked the drivers’ attire to Mediterranean or external African influences, by conducting a detailed comparison between the clothing shown in Saharan rock engravings and that of contemporary ancient civilizations. The findings highlight the distinctiveness of this attire in terms of its short, bell-shaped form and textile nature, rejecting the assumption that it was made of leather and confirming the existence of advanced textile production in ancient North Africa. Furthermore, through visual analysis of the engravings and a critical review of classical texts, the study argues that chariot drivers were most likely women—an exceptional feature compared to other ancient cultures. The paper concludes that this phenomenon reflects a unique local socio-cultural model, illustrating a distinctive relationship between women and horses in ancient Morocco, and reinforces the value of rock art as a historical and social source rich in symbolic meaning.

Keywords: Rock art, Ancient Morocco, Chariots, Clothing, Gender.

مقدمة

جذبت رسومات الفن الصخري بالمجال المغاربي انتباه المستكشفين والمهتمين بالتاريخ القديم، ومثلت صور عربات الخيول ضمنها عنصر دهشة وإثارة وغموض للباحثين منذ مدة طويلة، وطُرحت بشأنها العديد من الأسئلة، وثارت بخصوصها نقاشات ما تزال مفتوحة إلى الآن، خصوصا ما تعلق بسائقي العربات وأشكالهم وملابسهم وجنسهم، وظهرت فرضيات للتفسير وتأويلات بخصوص شكل اللباس وبنيته، وجنس السائقين ودلالة ذلك، وفي هذا الإطار سأبحث ما تعلق بالقضيتين المعروضتين، محاولا بناء سردية أقرب للمنطق التاريخي والاجتماعي، استنادا على ما توفر من أدلة ومصادر.

الوثيقة رقم 1: سائقو عربات الخيول في الفن الصخري[1]

  1. لباس سائقي العربات: دراسة في الفرضيات وفي المصدر.

أثار لباس سائقي عربات الخيول في الفن الصخري فضول الباحثين، وظهرت بشأنه عدة فرضيات للتفسير تستدعي الوقوف عندها بالدراسة والتحليل؛ لذلك سأقوم باستعراض رسوم الفن الصخري وتحليلها أيقونيا، للنظر في مدى صحة ومصداقية الفرضيات المطروحة، كما سأقوم باستدعاء ما دونته المصادر الأدبية وما راج فيها ارتباطا بهذا الموضوع، قصد المساهمة في فهم شكل لباس سائقي العربات وطبيعته ومصدره، ومحاولة تشكيل تصور وبناء سردية متماسكة بخصوصه.

أ. فرضية ارتباط لباس سائقي العربات بالثقافات المتوسطية والإفريقية.

ناقش الباحثون والمتخصصون في الفن الصخري لباس سائقي العربات، وعلى رأس هؤلاء “هنري لوت”، والذي كتب عن ذلك مطولا، وأطلق على هذا النوع من اللباس اسم المثلث المزدوج[2] bitriangulaire، [3] وحاول تقديم تفسير من خلال عدة فرضيات، معتبرا أن هذا اللباس يشبه أحد الألبسة التي يرتديها طوارق “الهقار” والتاسيلي حاليا، وهو عبارة عن قميص طويل إلى ما فوق الركبة، مصنوع من جلد الماعز المدبوغ، وتزينه مجموعة من الأهداف في الصدر والكتفين واليدين.

Une image contenant croquis, dessin, Dessin au trait, artLe contenu généré par l’IA peut être incorrect.

الوثيقة رقم 2. لباس مصنوع من جلد الماعز لطوارق الهقار والتاسيلي.[4]

وفي اعتقادي فإن لباس الطوارق يبقى بعيدا عن لباس سائقي العربات، باعتبار منطقة الخصر حيث لباس سائقي العربات ضيق، وهو ما يؤشر على أن ذلك اللباس يتضمن قطعتين، إحداهما قميص قصير في الأعلى وتنورة قصيرة في حدود الركبة، كما أن بعضها يتضمن أهدابا في المنطقة السفلى، كما أن هذا اللباس هو خاص بالرجال، بينما تعطي رسومات سائقي العربات الانطباع أننا إزاء نساء كما توحي بذلك أشكالهم.

وربط “هنري لوت” أيضا بين لباس سائقي العربات الصحراوية الذي سماه بالمثلث المزدوج – والذي هو في الحقيقة مثلثان معكوسان وملتصقان على مستوى الرأس – بالفن الإيجي[5]، واعتبر أن اللباس النسوي في الفن الإيجي معروف بالتنورة الناقوسية الشكل.[6]

وهو الأمر الذي لا نجده حين ندقق في بعض الأعمال التي وصلت إلينا من الحضارة الإيجية، حيث النساء يلبسن تنورات طويلة لا علاقة لها بما يوجد في رسومات الفن الصخري في الصحراء الإفريقية، كما أن الرجال يظهرون في بعض الرسومات بتنورات قصيرة مفتوحة الجانب، وفي الغالب بلباس طويل، كما في لوحة “المنزل الغربي” بموقع “أكوتيري” بمدينة “ثيرا” باليونان.

وعند التحليل الدقيق للصورة يمكن ملاحظة الاختلاف الوظيفي بحسب اللباس، فأصحاب اللباس الطويل الذي ينسدل، والذي نجده في لوحة “المنزل الغربي” بموقع “أكوتيري” بمدينة “ثيرا”، حيث نجد أن الملابس تغطي الجسم انطلاقا من الأعلى، وذلك فيما يتعلق بركاب السفن أو الجالسين والواقفين على أعتاب المنازل أو بداخلها.

Une image contenant peinture, dessin, art, Arts visuelsLe contenu généré par l’IA peut être incorrect.

الوثيقة رقم 3. لوحة “المنزل الغربي” بموقع “أكوتيري” بمدينة “ثيرا”.[7]

كما يمكن ملاحظة الاختلاف الوظيفي بحسب اللباس، فأصحاب اللباس الطويل الذي ينسدل على الجسم ويغطيه انطلاقا من الأعلى هم ركاب السفن أو الجالسون والواقفون على أعتاب المنازل أو بداخلها، بينما من يجذفون بالسفن ويقودونها يلبسون التنورات القصيرة المفتوحة الجانب، فيما يبقى نصفهم الأعلى حاسرا، ويمكن القول انطلاقا من التركيبة الاجتماعية للمجتمع الإغريقي أن لباس التنورات القصيرة ربما كان خاصا بالخدم أوالعبيد، وأن اللباس الطويل هو لباس طبقة الأحرار وعلية المجتمع.

وقد يلبس الفرسان اللباس القصير كما في رسم آخر، لكن هذا اللباس يختلف عن لباس الخدم الذي يتضمن جزءا آخر يغطي الجهة العليا من الجسم، وهو نفس الأمر الذي نجده في لباس سائقي العربات في حضارة بحر إيجة.

Une image contenant croquis, dessin, cheval, Dessin au traitLe contenu généré par l’IA peut être incorrect.

الوثيقة رقم 4. فرسان مع أحصنتهم على بقايا جدارية في مدينة “ميسيني” Mycène[8]

Une image contenant croquis, dessin, clipart, illustrationLe contenu généré par l’IA peut être incorrect.

الوثيقة رقم 5. جنديان فوق عربة قتال على بقايا مزهرية عُثر عليها في مدينة “تيرينز” Tyrinthe [9]

كما نجد أن لباس النساء في الحضارة الإيجية كان طويلا، كما في رسومات النساء قاطفات الزعفران. (وثيقة رقم )

Une image contenant croquis, dessin, Dessin au trait, diagrammeDescription générée automatiquement

الوثيقة رقم 6. قاطفات الزعفران على جدارية من رسم بموقع “أكوتيري” بمدينة “ثيرا”.[10]

يمكننا أن نستخلص من خلال المقارنة بين نمط اللباس في الحضارة الإيجية، وبين لباس سائقي العربات الصحراوية، أن هنالك اختلافا وتباينا واضحا، أولا من حيث الشكل العام للباس، ثم من حيث الطول والتفاصيل الأخرى، حيث يظهر أن لباس الإيجيين طويل وملتصق بجسم الإنسان ومرتخي البنية، بينما يبدو لباس سائقي العربات قصيرا ومتماسك البنية، حيث يبتعد في نهايته السفلى عن جسم الإنسان، وهذا يعني اختلافا في طبيعة القماش الذي صنع منه اللباسان، وهو ما يؤكد أن لا علاقة للباس سائقي العربات بلباس مجتمعات الحضارة الإيجية.

كما حاول هينري لوت ربط شكل التنورات الصحراوية برسومات صخرة “كوكيل” Cogul التي وثقها “برويل” Breuil، إلا أن اختلاف التنورات من حيث طولها وشكلها المقوس إلى الداخل بيِّن وواضح.

Une image contenant croquis, dessin, cheval, illustrationLe contenu généré par l’IA peut être incorrect.

الوثيقة رقم 7. برسومات صخرة “كوكيل” Cogul التي وثقها “برويل” Breuil [11]

في المحصلة فإن العلاقة التي حاول هنري لوت إقامتها بين نمط لباس سائقي العربات الإفريقية واللباس في الحضارة الإيجية من خلال الفن الإيجي، أو بين حضارات أخرى عرفتها أوربا قديما لا يستقيم، وتبدو الاختلافات بينها في الأنماط وفي الأشكال جلية وواضحة.

ويتضح أن هنري لوت كان يعتقد أن أي شكل من أشكال التطور الذي وصلت إليه الشعوب الإفريقية، إنما كان بإلهام من الضفة الشمالية للمتوسط، قبل وبعد غزو شعوب البحر L’invasion des « Peuples de la Mer »[12]، رغم أن المقارنة البسيطة تبين حجم الاختلافات بينها، في طريقة الرسم وشكل الشخصيات وفي نمط اللباس على وجه الخصوص الذي نناقشه، وهو ما يؤكد البعد المحلي للباس وخصوصياته المجالية.

وإن كانت المصادر المادية تفند أطروحة “هنري لوت” بوضوح، فإن المصادر الأدبية تذهب في الاتجاه المعاكس لما طرحه، مؤكدة الريادة الإفريقية في هذا المجال، على اعتبار أن الربة أثينا وهي من أقدس آلهة اليونان، إنما أخذ لباسها من أفريقيا، فالإغريق اقتبسوا من الليبيين لباس ودرع تماثيل أثينا بحسب هيرودوت،[13] وليس مستبعدا أن تكون اقتباساتهم غير مقتصرة على قضية “إيجيد” فقط.

ب. طبيعة اللباس ومصدره.

أثارت طبيعة لباس سائقي عربات الخيول خيال الباحثين وفضولهم، وكان التساؤل حول طبيعة المادة التي صُنعت منها تلك الملابس قضية تقتضي الوقوف عندها. وأول ما يتبادر إلى الذهن أن ملابس سائقي العربات مصنوعة من الجلد، على اعتبار أنها المادة الأكثر يسرا في الاستعمال والأقرب إلى البساطة وعدم التعقيد، أما الأثواب والأقمشة فإنها تتطلب مراحل من الحياكة والصباغة والغزل وغيرها من العمليات التي قد لا تكون مجتمعات البيئة الصحراوية على دراية بها، أو أنها أقل تطورا وتحضرا من أن تتقن عملية الحياكة وصناعة الملابس من الأثواب والأقمشة على حد زعم بعض الباحثين.

غير أن التدقيق في التنورات وفي شكلها يبين بشكل جلي أنها لا يمكن أن تكون من الجلد، على اعتبار أن الجلد مادة ثقيلة، لذلك فهي تميل إلى الانسدال والاقتراب من الجسم كلما استطالت، وهو الأمر الذي نلاحظ عكسه في التنورات القصيرة ذات الشكل الناقوسي المقوسة إلى الخارج، وهو شكل لا يمكن إلا لقطع القماش الخفيفة المهيئة بإتقان أن تأخذه، والدلائل على أن الشمال الأفريقي عرف صناعة الثوب وحياكته منذ ما قبل المرحلة الخيلية وبعدها عديدة، منها صور الليبيين في الرسومات الفرعوية، حيث الملابس الطويلة المزركشة المصنوعة من الثوب واضحة،[14] كما أن شمال أفريقيا عرف وجود نبتة القطن التي تستعمل في صناعة الألبسة،[15] كما تم العثور على أثواب وأقمشة في القبور التلية Tumulus مصنوعة من الصوف والكتان.[16] وهو ما يعني أن لباس سائقات العربات غير مصنوع من الجلد، بل من ثوب أو قماش أو قطن.

  1. سائقو أم سائقات العربات؟

ظلت قضية جنس سائقي العربات الصحراوية في شمال إفريقيا بعيدة عن الدراسة والتناول، ولم يسلط عليها الضوء كما باقي القضايا المرتبطة بهذا الموضوع، وقد حاولت مقاربة هذه القضية من خلال اتجاهين مختلفين. ارتكز الاتجاه الأول على استقراء معظم النصوص الأدبية القديمة التي تحدثت عن سائقي العربات، ومناقشتها وتفسيرها، من أجل إقامة خيط رابط بينها، والخروج باستنتاجات معقولة بشأنها، وارتكز الاتجاه الثاني على التحليل الأيقوني لعدد لا بأس به من رسومات الفن الصخري التي صورت سائقي العربات في وضعيات مختلفة، ومن مواقع متعددة، قصد بناء استنتاجات منطقية بخصوصها، ثم المقارنة بين الاتجاهين في نهاية المطاف، إن كانا يدفعان في نفس الاتجاه ونفس الفرضية ونفس التأويل، أم أنهما يتناقضان ويختلفان.

أ. سائقات العربات في المصادر الأدبية.

نجد في المصادر الأدبية ما ذكره هيرودوت من أن الماكلييس يقيمون حفلا سنويا على شرف الربة أثينا، حيث تتوزع الفتيات إلى مجموعتين تتصارعان بالحجارة والعصي، ويقولون إنهم ورثوا هذه الممارسات التي أسسها أجدادهم، تكريما للربة التي ولدت في بلدهم، والتي نسميها نحن الإغريق أثينا. وإذا حدث أن إحدى الفتيات ماتت متأثرة بجراحها خلال الصراع، فإن ذلك دليل على أنها عذراء مزيفة. وقبل انتهاء الصراع يقومون بما يلي: من جهة يزينون أجمل فتياتهم ويلبسونها خوذة كورينثية ودرعا إغريقيا كاملا، ثم يركبونها عربة ويطوفون بها حول البحيرة.[17] والإشارة هنا إلى المرأة أوالفتاة التي تركب العربة، وذلك في سياق طقوس مستلهمة من الحروب والمعارك.

وفي نص آخر تحدث هيرودوت عن الزوويس، ويذكر أن مناطقهم توجد بعد الماكسيس، وعندما يحاربون تقود نساؤهم العربات،[18] وأيضا نجد أنفسنا إزاء نفس المضمون: المرأة الليبية المحاربة التي تركب العربة.

أما النص الثالث لسيليوس، والذي سرد فيه قصة الأميرة “أسبيتي” الليبية، حيث ذكر أنها كانت ترتدي لباسا رائعا وفق تقاليد شعبها، وكان شعرها الطويل مشدودا بعقدة هدية من الهيسبيريد. ثديها الأيمن المكشوف يتحدى غضب الإله مارس، وخلال المعارك تحمل في يدها اليسرى درعا متلألئا من “ثيرمودون” Thermodon مثل بقية الأمزونيات. خلال تحركها السريع يُرى صعود دخان من عجلات عربتها، ترافقها محاربات بعضهن على عربات يجرها حصانان، والبعض الآخر على ظهور الأحصنة، يرافقنها أيضا نساء خضعن لنير الزواج، لكن العازبات هن من يشكلن قوام الجيش الأساسي.[19] وبغض النظر عن طبيعة القصة هل هي أسطورة أم حقيقة، فإن العناصر المشتركة هي نفسها، المرأة المحاربة التي تركب العربة.

أما النصوص الأخرى فهي تذكر الشعوب الليبية بصفة عامة دون تحديد لجنس السائقين، الذي يحتمل أن يكون ذكرا أوأنثى، كحديث هيرودوت عن اصطياد الجرميين للمستكهفين بالعربات التي تجرها أربعة أحصنة، أو حديثه عن تعلم اليونانيين كدن أربعة خيول من الليبيين، فهنا الحديث يظل عاما، وإن كان سياق الفقرة 189 السابقة سياق نسوي بامتياز، حين يذكر هيرودوت أزياء الربة أثينا المأخوذة من لباس الليبيات والحديث عن البلاديات والإيجيات والغناء النسوي بالأصوات الرقيقة.[20]

نجد إذن أن المصادر الأدبية التي تذكر موضوع العربات تنقسم إلى صنفين: نصوص تتحدث بصفة عامة عن العربات ولا تحدد جنس السائقين، ونصوص أخرى تحدد جنس السائقين وتذكر أنهن من الإناث. تدفعنا النصوص الأدبية للاعتقاد أن ركوب العربات وسياقتها كانت مهمة تخص النساء بالدرجة الأولى في شمال إفريقيا القديم.

ب. التحليل الأيقوني لرسوم الفن الصخري.

يظهر من خلال الملاحظة في لوحات الفن الصخري أن هنالك تلازما وارتباطا بين التنورات القصيرة وسائقي العربات، حيث نجد أنها المهيمنة على بقية الألبسة، أولنقل هي الأبرز والأكثر وضوحا، وقد حاولت البحث عن الارتباط بين التنورات القصيرة ذات الشكل الناقوسي ولباس النساء لتسليط الضوء على جنس سائقي العربات.

الوثيقة رقم 8. تجميع لصور سائقي/ سائقات العربات من طرف هنري لوت. [21]

وإذا ما استثنينا في رسومات الفن الصخري الشخصيات ذات الرأس الحيواني كالصورة رقم 14 في (وثيقة رقم ..)، أوالصور غير المكتملة كرقم 7، وإذا ما استثنينا الصور التي تحتمل الجنسين كالصور رقم 3 و11 و12 و16، فإن الرسومات الأكثر إتقانا وتعبيرا تجسد شكل المرأة بوضوح، كما في الصور رقم 1 و 2 و5 و6 و15، ويبدو شكل المرأة واضحا عند منطقة الخصر الضيقة وأسفلها، كما في منطقة الصدر أيضا، ولا ننسى الإشارة التي ذكرها سيليوس عن أسبيتي حين ذكر أنها كانت تترك أحد ثدييها مكشوفا، وربما كانت هذه الممارسة وهذه الطريقة في اللباس شائعة عند الليبيات سائقات العربات كما في الرسومات 1 و2 و4 حيث الثديان كلاهما أو أحدهما يبدو بارزا.(وثيقة رقم 40)

وقد يكون جنس السائقات المؤنث هو أحد التفسيرات لظاهرة الرؤوس العصوية الشكل la tête en forme de bâtonnet [22]، حيث يبدو أن إخفاء وجه سائق العربة كان متعمدا من طرف رسام الفن الصخري، وقد يكون مرد ذلك نظرة اعتقادية أو اجتماعية ما للمرأة هي التي أملت هذه الطريقة في الرسم. (وثيقة رقم 40 و41)[23]

الوثيقة رقم 9. مجموعة من الرسوم لسائقي العربات الصحراوية لهنري لوت.[24]

وهو الأمر الذي تؤكده رسومات وادي جرات التي قام “لوت” بتوثيقها، ويبدو في العربة التي من تُقاد من طرف سائق وقد رُسم رأسه واضحا، وبجانبه شخص آخر وقد رُسم بنفس الطريقة، بينما من يجلس في خلفية العربة بدون رأس، والتي يبدو أنها امرأة من خلال شكلها، وقد قرر الرسام عدم رسم رأسها بشكل مقصود على ما يبدو. (وثيقة رقم )

Une image contenant croquis, dessin, Dessin au trait, illustrationDescription générée automatiquement

الوثيقة رقم 10. رسومات وادي جرات لعربة تجرها ثيران حيث تجلس امرأة في العربة التي على اليمين في الخلف من دون رأس، بينما يبدو أن السائقين في العربة التي على اليسار ذكورا.[25]

خلاصة

إن مجمل ما سردته من أدلة ومؤشرات تدفع للاعتقاد أن سائقي العربات في رسومات الفن الصخري كنَّ على الأرجح نساء، وهي خلاصة إن تأكدت تحمل طابع الخصوصية الإفريقية التي لا جدال فيها، ذلك أن أغلب سائقي العربات سواء الإغريق أو المصريين أوالرومان كانوا من الرجال، وهو ما يؤكد دائما على الطابع الخاص في استخدام الخيول وركوب عربات الخيول بالمغرب القديم. كما أن لباس السائقين المميز في شكله ومظهره، والمصنوع غالبا من القماش أو القطن، يضيف بعدا آخر في مجال الخصوصية والتميز، ويؤكد أن مجتمعات المغرب القديم نسجت علاقة خاصة مع الخيول، شكَّلت نموذجا إثنوزولوجيا فريدا لا نكاد نجد نظيره في بقية مناطق العالم.

المصادر والمراجع

  1. Camps G. Chars. Encyclopédie berbère. No. 12. Louvain: Éditions Peeters; 1993. p. 1877–1892.
  2. Lhote H. Le cheval et le chameau dans les peintures rupestres du Sahara. Bulletin de l’Institut Français d’Afrique Noire. 1953;15(3):1149–1160.
  3. Blakolmer F. Les styles chromatiques dans l’Égée de l’Âge du Bronze et le problème de l’architecture polychrome. [s.l.]: [s.n.]; [s.d.]. p. 106.
  4. Cantuel J, Mercier FJ, Thomas V. Les équidés dans le monde égéen à l’âge du Bronze: approche archéologique et iconographique. Montpellier (FR): Université Paul-Valéry; 2008. p. 157–175, 166–168.
  5. Amigues S. Le crocus et le safran sur une fresque de Théra. Revue Archéologique. 1988;(2):227–242.
  6. Diaz-Andreu M. A hundred years of post-Palaeolithic rock art studies in Spain / Cien años en los estudios de pintura rupestre post-paleolítica en la investigación española. In: The Levantine Question: The Development of Spanish Levantine Rock Art. 2012. p. 25.
  7. Hérodote. Histoires. Livre IV. Trad. et éd. diverses. Paragraphes CLXXX, CLXXXIX, CXCIII.
  8. Bates O. The Eastern Libyans. Journal of Hellenic Studies. 1915;35: Plate III.
  9. Spruytte J. Attelages antiques libyens. Paris: Éditions de la Maison des sciences de l’homme; 1996. p. 95.
  10. Silius Italicus GP. Punica. Livre II. Vers 80–85.
  11. Camps G. Les chars sahariens. Antiquités africaines. 1989;25(1): fig. 14.

Margins:

  1. Camps G., « Chars », Encyclopédie berbère, no 12, Éditions Peeters, 1993, p. 1877‑1892.

  2. – يمكن تبسيط شكل لباس سائقي العربات وتمثيله بمثلثين معكوسين متقابلين ومشتركين في نفس الرأس.

  3. – LHOTE Henri, Le cheval et le chameau dans les peintures rupestres du Sahara, Bulletin de l’Institut Français d’Afrique Noire 1953 vol.15, n°3, p. 1149.

  4. Ibid., fig. 4.

  5. – يقصد بالفن الإيجي مجمل الأعمال الفنية والرسومات خصوصا التي أنتجتها الحضارة الإغرقية القديمة التي ظهرت في العصر البرونزي، وقادتها كل من كريت وسيكلاديس وسبورداس.

  6. – LHOTE, Le cheval et le chameau dans les peintures rupestres du Sahara, cit., p. 1150.

  7. – Blakolmer F, « Les styles chromatiques dans l’Égée de l’Âge du Bronze et le problème de l’architecture polychrome », [s.d.], p. 106.

  8. – Jean Cantuel, Frédéric J. Mercier, Virginie Thomas. Les équidés dans le monde égéen à l’âge du Bronze: approche archéologique et iconographique, 2008, Montpellier, France. pp.157-175, p. 166.

  9. Ibid., p. 168.

  10. – Amigues Suzanne, « LE CROCUS ET LE SAFRAN SUR UNE FRESQUE DE THÉRA », Revue Archéologique, no 2, Presses Universitaires de France, 1988, p. 227-242.

  11. – Diaz-Andreu Margarita, « A Hundred years of post-Palaeolithic rock art studies in Spain/Cien años en los estudios de pintura rupestre post-paleolítica en la investigación española », The Levantine Question: The Development of Spanish Levantine Rock Art, 2012, p. 25.

  12. – LHOTE, Le cheval et le chameau dans les peintures rupestres du Sahara, cit., p. 1153.

  13. – Hérodote, IV, CLXXXIX.

  14. – Bates Oric, « The Eastern Libyans », Journal of Hellenic Studies, vol. 35, 1915,  plate III.

  15. – Spruytte Jean, Attelages antiques libyens, Éditions de la Maison des sciences de l’homme, 1996, p. 95.

  16. – LHOTE Henry, Le cheval et le chameau dans les peintures rupestres du Sahara, cit, p. 1149.

  17. – Hérodote, IV, CLXXX.

  18. – Hérodote, IV, CXCIII.

  19. – Silius,G.P, II, 80 – 85.

  20. – Hérodote, IV, CLXXXIX.

  21. – LHOTE, Le cheval et le chameau dans les peintures rupestres du Sahara, cit., p. 1151.

  22. Ibid., p. 1160.

  23. Ibid., p. 1157.

  24. Ibid., fig. 6.

  25. – Camps Gabriel, « Les chars sahariens», Antiquités africaines, vol. 25, no 1, 1989, fig. 14.