تشظي الهوية وتجلياتها السردية في الرواية العربية: مقاربة في المشروع النقدي للدكتور يوسف الفهري
Identity Fragmentation and Its Narrative Manifestations in the Arabic Novel: An Approach to Dr. Youssef Al-Fahri’s Critical Project
خولة أخاطو1
1 طالبة باحثة في سلك الدكتوراه، جامعة عبد المالك السعدي، مارتيل، المغرب.
بريد الكتروني: Khaoula.akhatou@taalim.ma // khaoulaakhatou2@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj71/28
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/71/28
المجلد (7) العدد (1). الصفحات: 452 - 466
تاريخ الاستقبال: 2025-12-10 | تاريخ القبول: 2025-12-17 | تاريخ النشر: 2026-01-01
المستخلص: يتناول هذا البحث قراءةً تحليليةً نقديةً لكتاب «الهوية السردية في الرواية العربية» للدكتور يوسف الفهري بوصفه مشروعاً نقدياً يسعى إلى تفكيك تشظّي الهوية في الواقع العربي المعاصر عبر الوسيط الروائي. وتركّز الدراسة على إبراز القيمة المنهجية للكتاب من خلال تتبّع قدرته على بناء مقاربة تكاملية تمزج بين العمق الفلسفي (خصوصاً مفهوم الهوية السردية عند بول ريكور) والمنظور السردي الحواري (تعدد الأصوات والحوارية عند ميخائيل باختين)، بما يسمح بتجاوز القراءات الشكلانية المنغلقة نحو قراءة ثقافية-أنطولوجية تضع الرواية في قلب أسئلة الذات والوجود. وتفكّك المقالة بنية الكتاب في محورين: أولهما نظري/منهجي يرصد أسس المشروع النقدي وكيفية توظيفه للمرجعيات الفلسفية والسردية لإنتاج عدّة تحليلية مرنة تستجيب لطبيعة النص الروائي، وثانيهما تطبيقي يتتبع تجليات الهوية المتشظية في نماذج روائية عربية عبر خمسة مسارات كبرى: الهوية في مواجهة الاستعمار والحرب، علاقة الهوية بالجسد واللون بوصفهما علامة للصراع والانتماء، تشكّل الهوية الأنثوية عبر الانزياح النوعي، جدلية الهوية والذاكرة والمكان بوصفها استراتيجية لاستعادة الجذور، ثم علاقة الهوية بالديني وأزمة القيم في سياقات التطرف والانفصام الروحي. وتخلص الدراسة إلى أن مشروع الفهري يقدّم نموذجاً نقدياً متماسكاً يوسّع أدوات قراءة الرواية العربية، ويمنح سؤال الهوية إطاراً تحليلياً متجدداً يوازن بين الأصالة النظرية وفاعلية التطبيق، فاتحاً آفاقاً جديدة لاستكشاف تشكّل الهويات داخل السرد العربي المعاصر.
الكلمات المفتاحية: الهوية السردية، يوسف الفهري، الرواية العربية، تشظّي الهوية، النقد السردي.
Abstract: This study offers a concise professional reading of Dr. Youssef Al-Fahri’s book Narrative Identity in the Arabic Novel as a coherent critical project that examines the fragmentation of identity in contemporary Arab reality through the novel. The article highlights the book’s methodological value by showing how it integrates philosophical depth—most notably Paul Ricoeur’s concept of narrative identity—with Mikhail Bakhtin’s notions of polyphony and dialogism, thereby moving beyond closed formalist approaches toward a cultural–ontological perspective that places the novel at the center of questions of selfhood and existence. The study analyzes the book along two main axes: a theoretical–methodological axis that traces the foundations of Al-Fahri’s approach and its flexible analytical tools suited to the novelistic form, and an applied axis that follows major configurations of fragmented identity in selected Arabic novels. These include identity in the context of colonialism and war, the relationship between identity and body/color as a locus of conflict and belonging, the formation of feminine identity through gender deviation, the dialectic of identity with memory and place as a strategy for retrieving roots, and the interplay between identity and religious discourse amid extremism and axiological rupture. The article concludes that Al-Fahri’s project presents a solid critical model that enriches the reading of the Arabic novel and renews analytical engagement with identity, balancing theoretical rigor with interpretive applicability and opening new horizons for exploring identity formation in contemporary Arabic narrative.
Keywords: Narrative Identity; Youssef Al-Fahri; Arabic Novel; Identity Fragmentation; Narrative Criticism.
- تقديم:
تشغل إشكالية الهويةِ حيزا مركزيا في بنية الفكر العربي الحديث والمعاصر، لا بوصفها مسألةً وجوديةً مجردةً فحسب، بل بوصفها استجابةً مركبةً ومتعددةَ المستويات للتحديات التاريخية والسياسية والثقافية التي توالت على العالم العربي. فقد شكلت التحولات المصيرية منذ الحقبة الاستعمارية التي هزت عروش البنى التقليدية في أسسها، وصولاً إلى زمن العولمة بتياراته الشاملة، سياقاً تاريخياً أفرز واقعاً إشكالياً يدفع إلى مراجعة النماذج المعرفية السائدة ويعيد إثارة الأسئلة الجوهرية حول مفهوم الذات الجمعية وكينونتها المتغيرة.
وفي خضم هذه التموجات الفكرية والاجتماعية برزت الروايةُ بوصفها جنسا سرديا مرنا قادرا على استيعاب تعقيدات الواقع، فغدت مختبراً خصبا لرصد تشكلات الهوية وتجلياتها باعتبارها عمليةَ بناء وتفكيك مستمرة وحوارا لا ينقطع بين الماضي والحاضر. وفي هذا الإطار تجسد مقاربةُ بول ريكور للهوية السردية هذا المنظورَ الدينامي، حيث يؤكد أن السرد لا يقتصر على استيعاب هوية الأفراد والجماعات بل “يكون جسر عبور إلى استعادة ما هو مفقود أو مطموس منها”[1]، وتمثل الرواية العربية فضاءً حياً لتمثل هذه الإشكالية حيث تتحول النصوص السردية إلى منصات للحفر في الذاكرة الجمعية واستنطاق خفاياها، وهذا ما يعيدنا إلى ما أشار إليه محمد برادة من أننا “لا نعيش مجد الأمة من خلال مفاهيم صامتة، بل نقوم بذلك من خلال بعث الحياة فيما تقوله الحكايات”[2]، مما يؤكد أن السرد ليس مجرد تسجيل للأحداث بل هو استدعاء حيوي للهوية عبر تفاعل الأجيال.
وعليه، لم تعد الوظيفة الجوهرية للرواية منحصرةً في تسجيل الواقع أو وصفه سطحيا، بل تجاوزته إلى تشييد فضاءٍ للتأمل النقدي ومساءلة القضايا المصيرية، تطرح من خلاله إشكالية الهوية بإلحاح غير مسبوق، فهي تلتقط عبر تشابك مصائر الشخصيات وتداخل أصواتها، ذلك التوتر العميق بين سلطة الموروث الثقافي ونداءات الحداثة، وبين ذاكرة المكان المقدسة وانزياحات الزمن المتسارع.
وفي هذا السياق، تؤكد الدراسات النقدية أن الرواية لا تقدم مجرد انعكاسٍ سلبي للواقع، بل تغوص في أعماق الخطابات الفلسفية والإيديولوجية التي تشكل وعي الأفراد والجماعات، وكما يذكر حميد لحمداني في تحليله لبنية النص السردي فإن “إدماج الرواية للمحتويات التاريخية يضفي عليها طابعاً خاصاً… وهي بذلك تقتضي هذا الجانب الاجتماعي الذي لا ينكر ارتباط الأدب بالمجتمع”[3]. وهذا يؤكد أن الرواية بوصفها وسيطا جوهريا تقوم بدور حيوي في فك شفرة الآليات التي تبنى وتهدم بها الهوية، لا كمقولة مجردة بل كنتيجة لصراع الخطابات وتقاطعات التاريخ.
في خضمّ هذا النسق المعرفي، يبرز كتاب “الهوية السردية في الرواية العربية” للناقد المغربي يوسف الفهري بوصفه مشروعاً نقدياً مؤسسا يتوخى تشييد بنية منهجية متكاملة لرسم ملامح إشكالية الهوية المتشظية، فلا يقف هذا العمل عند حدود جمع الشتات النظري حول الموضوع، بل بزاوج ببراعة بين عمق نظري يستند إلى تراث فلسفي غني – يتجلى في مفهوم الهوية السردية عند ريكور، وتعدد الأصوات عند باختين، والانزياح الوجودي عند كونديرا – وغوص تحليلي يستنطق نسيج النصوص الروائية العربية بتنوعها وخصوصيتها.
انطلاقاً من هذا التصور، لا تنحصر غاية هذه المقالة في مجرد عرض مضمون الكتاب، بل تتوخى تقديم قراءة تحليلية نقدية متخذةً من التساؤلات الآتية إطارا لإشكاليتها:
- كيف يؤسس كتاب “الهوية السردية في الرواية العربية” للدكتور يوسف الفهري مقاربة منهجية متكاملة تمكن من فهم عميق لتشظي الهوية في الواقع العربي المعاصر عبر متون روائية عربية بوصفها فضاءً ديناميا لتمثل الأزمة الهوياتية؟
- كيف تستثمر المقاربة المنهجية للكتاب أطروحات بول ريكور حول الهوية السردية ومفاهيم باختين حول البوليفونية والحوارية في تفكيك إشكالية الهوية العربية؟
- ما الآليات المنهجية التي اعتمدها الناقد لتتبع تمظهرات التشظي الهوياتي عبر مستوياته المتعددة والمتقاطعة: السياسية، والعرقية، والثقافية، والدينية؟
- الأسس النظرية والمنهجية المؤطرة للكتاب:
يشكل مفهوم الهوية السردية محور تحول جوهري في النقد العربي المعاصر حيث انتقل الاهتمام من تحليل البنى الشكلية للسرد إلى مساءلة أبعاده الدلالية والوجودية، بوصفه فضاء تعيد فيه الذات – فردية كانت أم جماعية – تشكيل وجودها وإدراكها. وقد أسهمت في ترسيخ هذا المنعطف الدراساتُ التأسيسية التي ربطت المفهوم بإشكاليات الحبكة والتعبير عن الذات انطلاقًا من الرؤية التي ترى أن الهوية تبنى من خلال القصة التي ترويها الذات عن نفسها، مما يجعل من السرد وسيلة وجودية للتعبير عن الذات وتشكيلها. وفي الاتجاه ذاته، حظي دور البوليفونية – أو تعدد الأصوات المستقلة في النص – باهتمام بالغ، حيث تم تحليله بوصفه آلية سردية فعّالةً في تفكيك مركزية الهوية وإعادة تشكيلها عبر رؤى متعددة تعكس تعقيد الذات وتعددية تجربتها.
تتويجاً لهذا التراكم النقدي برزت إسهامات لاحقة تعمقت في تفكيك أبعاد المفهوم وعلاقاته المعقدة، ويأتي في صدارتها كتاب الدكتور يوسف الفهري الموسوم «الهوية السردية في الرواية العربية» الذي يمثل علامة فارقة في هذا المسار؛ إذ يقدم رؤية تأويلية متكاملة تستثمر أطروحات ريكور حول الزمن والحبكة استثماراً منهجياً، ليكشف عن الآليات التي تبنى وتفكك بها الهوية في النسيج الروائي. وإلى جانبه، وسع كتاب سعيد بنكراد «الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ» أفقَ النقاش نحو مساءلة العلاقة الجوهرية بين السرد والأنطولوجيا الثقافية، لتجسد هذه الإسهامات المُجمعة انتقال النقد العربي من حيز المقاربات البنيوية المغلقة إلى رحابة الأفق الفلسفي والأنطولوجي، الذي يلامس الأسئلة المصيرية عن الوجود والذات والاختلاف في تشعباتها المعاصرة. وهذا الانتقال هو ما يؤطر المشروع النقدي للفهري الذي أسسه على منهجية تكاملية واضحة المعالم، ترفد التحليل السردي الداخلي للنص بمرجعيات السياق الثقافي والاجتماعي، إذ يؤكد المؤلف أن “الدراسات الثقافية لم تكن منعزلة عن الدراسات الأدبية”[4]، مبرهناً أن الانزياح نحو المقاربة الثقافية لا يلغي البعد الجمالي بل يزيد من غنى القراءة بتوسيع أفقها لتصبح الرواية “مختبراً لتجليات الهوية بكل أبعادها”[5].
وفي سبيل تجسيد هذه الرؤية المنهجية ينهل الكتاب من مرجعيات نظرية رصينة، يأتي في مقدمتها مفهوم “الهوية السردية” عند بول ريكور الذي يشكل العمود الفقري للدراسة. يستلهم الفهري من ريكور فكرة أن الذات تفهم ذاتها وتعيد بناء هويتها من خلال عملية السرد، فالهوية “ليست معطىً ثابتاً أو جاهزاً بل هي تتفاعل مع عوامل داخل عوالم الرواية”[6]. يوفّر هذا المفهوم المرن للكاتب أداة تحليلية تمكنه من تصور الهوية في النص الروائي العربي ليس كجوهر ثابت، بل ككيان دينامي قابل للتشكل فهو يبنى تدريجيا عبر عملية السرد ذاتها، وتتحدد معالمه من خلال تراكم الأحداث وتداخلها ضمن الزمن الروائي.
إلى جانب ريكور، يحضر ميخائيل باختين بقوة خاصة من خلال “تعدد الأصوات” (البوليفونية) و”الحوارية”، فالرواية بوصفها – حسب باختين – “هجيناً قصديّاً”[7] هي الشكل الأمثل لاستيعاب التعدد اللغوي والصراع الإيديولوجي، مما يجعلها فضاء مثاليا للتعبير عن أزمة الهوية في ظل تعدد المرجعيات.
هنا يتجلى التوليف النظري المبتكر للفهري، فبينما تمنحه أطروحة ريكور عن “الهوية السردية” عدسةً لرصد تشكل الهوية عبر الزمن والحبكة، تزوده مفاهيم باختين بأدوات لتحليل تمفصلات هذه الهوية وتصادمها داخل فضاء الرواية متعدد الأصوات. هذا التكامل يمكن المؤلف من تجاوز القيود التحليلية للمقاربات البنيوية المحضة، التي كانت تركز على البنى الثابتة والعلاقات الشكلية داخل النص بمعزل عن أبعادها الوجودية، فبدلاً من اقتصار التحليل على أنساق الشخصيات أو البنى السردية المجردة، ينفتح التحليل على آفاق أنطولوجية تلامس الأسئلة الجوهرية حول الوجود والكينونة والصراع الداخلي للذوات داخل النص الروائي، وكيف يعيد السرد نفسه تشكيلها.
يدعو الكتاب إلى “مقاربة منهجية مرنة تتفق وطبيعة النص الروائي”[8]، متجاوزاً بذلك إشكالية القوالب النقدية الجاهزة التي تُعرف استعاريًا بـ “سرير بروكست” النقدي في إشارة إلى الأسطورة الإغريقية التي كان بطلها يطابق ضحاياه لسرير حديدي إما ببتر أطرافهم أو بمدها، فإما أن يموتوا أو يشوهوا. وبالمثل، ترفض منهجية الكتاب تشويه النصوص الروائية أو تقطيعها لإجبارها على الانسجام مع إطار نظري صارم ومسبق، وتتجلى نجاعة هذه الرؤية في الانتقال السلس من المستوى النظري المجرد إلى المقاربة التطبيقية، حيث يُظهر الكتاب تماسكا ملحوظا في نسج خيوط محاوره المتنوعة حول المحور المركزي للهوية السردية. فالفصول على تعددها وتباين سياقاتها النصية تشكل نسيجا مترابطا يرسم صورة مركبة للذات العربية المتشظية، دون أن يفقد التنوع التحليلي الوحدةَ المنهجيةَ للإطار النظري العام.
يستهل الناقد كتابه بتساؤل جوهري حول القيمة المضافة للرواية ودورها في الكشف عن أبعاد الوجود الإنساني وسبب اهتمام العلوم الإنسانية بها، مستندا إلى الرؤية التي يقدمها ميلان كونديرا بأن الرواية الأوروبية على مدى أربعة قرون هي التي كشفت عن “كافة الثيمات الوجودية الكبرى”[9] التي أهملتها الفلسفة التقليدية، فالرواية بعيدا عن كونها مجرد حكاية هي أداة لاكتشاف الوجود والإنسان.
من هذا المنطلق المتّسق مع رؤية كونديرا يقدم الفهري إشكالية الهوية في المتخيل الروائي العربي لا بوصفها مبحثاً منفصلاً عن الشكل الفني، بل كمكون جوهري ينبثق من صميم البناء السردي ويتفاعل معه. فالهوية هنا ليست مجرد فكرة تصاغ في خطاب مباشر بل هي بنية متشابكة مع تقنيات السرد وأدواته، تظهر من خلال تعالق الشخصيات مع فضاءاتها، وتشكّل زمن الرواية، وتنظيم وجهات النظر المتعددة، بمعنى أن البحث في الهوية في النص الروائي لا ينفصل عن دراسة الآليات الجمالية التي تنتج هذه الهوية وتعرضها.
و”المعرفة هي أخلاقية الرواية”[10] على حد تعبير كونديرا، مما يؤسس لرابطة وثيقة بين الوظيفة الجمالية والوظيفة الأخلاقية-المعرفية في النص الروائي، وهكذا يصبح البعد الجمالي في الرواية – من خلال بنيته السردية – حاملاً للمشروع الأخلاقي-المعرفي المتمثل في استكشاف هوية الإنسان العربي المعاصر في تفاعلها مع تحولات الواقع وتحدياته.
يؤكد الكاتب إلى أن النقد الروائي العربي ظلّ لوقت طويل “رهينة التنظير الغربي”[11] حيث يتم ربط معظم المفاهيم السردية (كالحبكة، والبوليفونية، والهوية السردية نفسها) بمرجعيات غربية بدءاً من جورج لوكاش وصولاً إلى رولان بارت وباختين، لكن مع تطور الرواية العربية وانتقالها من مرحلة التأسيس إلى مرحلة النضج، أصبحت “ديوان العرب في العصر الحديث”[12] مما يستدعي نقلة نوعية في النقد من الاهتمام بالشكل فقط إلى التفكير في القضايا الوجودية والثقافية التي تطرحها النصوص الروائية.
تشكل الهوية، في هذا السياق أحد أهم هذه القضايا خاصة في ظل عالم تتقاطع فيه الصراعات الثقافية والحضارية، فليست الهوية هنا مجرد انتماء ثابت بل هي إشكالية متحركة تعكس صراع الأنا والآخر على مستويات متعددة.
تتبنى الدراسة مقاربةً ثقافيةً تتعامل مع النص الروائي على أنه “متن تفاعلي” يحمل تمثلات للعادات والعلاقات والفضاءات مما يجعله أرشيفاً ثقافياً غنياً. فـ”الرواية يمكن قراءتها باعتبارها متناً تفاعلياً: التمثلات والمواقف والأفكار والعادات، وظهور الزواج والعلاقات الإنسانية ووصف الفضاء واللباس والفنون وتمثل الذات والآخر…”[13]، وتستند هذه الرؤية إلى التطور الذي شهده فكر ميكي بال في علم السرد، التي تحولت من الشكلانية البنيوية إلى اعتبار السرد “أداة إرشادية” لفهم الثقافة أي إلى شكل من “التحميل الثقافي”.[14]
يحدد التقديم عدة تمظهرات للهوية في المنجز الروائي العربي منها: الهوية المرتبطة بالأرض كما في المتخيل الفلسطيني، والهوية المتعلقة بلون البشرة من خلال معالجة قضايا الأصول الزنجية والتمييز، والهوية الأنثوية، وهوية المهجر التي تعكس أزمة الاغتراب الثقافي، وأخيراً الهوية الدينية في مواجهة خطاب التطرف.
ينتقل الكاتب إلى التأكيد على الطبيعة “الحوارية” للرواية، مستنداً إلى نظرية باختين الذي يرى أن “الجنس الروائي عالم حواري تحضر فيه أصوات متصارعة معبرة عن رؤيتها، وما يميز الرواية هو ‘تعدد الأصوات’ والتنوع الكلامي”[15]، هذه الحوارية تجعل الرواية أداة مثلى لتمثيل التشظي والالتباس الذي تعيشه الهوية العربية.
تخلص الدراسة إلى أن سؤال الهوية يظل جوهرياً في الرواية العربية، بل إن “الهوية في الرواية العربية لا يمكن أن تكون إلا في كمون أو ظهور دون غياب أو اختفاء من النص السردي”[16]، وتنتهي بتساؤلات استشرافية حول تأثير التطور التكنولوجي والرقمي على مفهوم الهوية في المستقبل، مؤكدة أن الرواية تظل “ملجأ الشك للتعبير عن اليقين والشك واليأس في نفس الوقت”[17]، مما يجعلها الوسيط الأمثل لاستقصاء سؤال الهوية المتجذر في الوجدان العربي.
صفوة القول، يقدم هذا المدخل رؤية نقدية ثقافية متكاملة، يربط فيها د. الفهري بين التطور النظري للسرد الروائي وإشكالية الهوية في الواقع العربي، مبرزا دور الرواية ليس كمرآة عاكسة فحسب، بل كفاعل في تشكيل وعي جديد بالذات والآخر في عالم تتشابك فيه العلاقات وتتسارع التحولات، مما يجعلها شريكاً فاعلاً في الحوار الثقافي والهوياتي المعقد الذي يشهده العالم العربي.
يشكل المتن التطبيقي في كتاب “الهوية السردية في الرواية العربية” نسيجا تحليليا متماسكا، ينتقل بالقارئ في رحلة نقدية متدرجة عبر طبقات التشظي الهوياتي في الوعي العربي المعاصر، فالمؤلف لا يقتصر على مجرد استعراض نماذج روائية بل يحفر في أعماقها ساعياً إلى الكشف عن الآليات السردية التي تعيد تشكيل الهوية في ظل التحولات الثقافية والسياسية الراهنة. ويمكن تتبع تطور الأطروحة المركزية للكتاب من خلال المحاور التطبيقية الرئيسية الآتية:
تتخذ رواية “ساعة التخلي” للروائي والشاعر اللبناني عباس بيضون مكانة محوريّة في المشروع النقدي للدكتور يوسف الفهري، حيث تقام فيها مقاربة متعددة المستويات لتشظي الذات الجمعية العربية في مواجهة الحدث الصادم (الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982). لا يكتفي التحليل برصد التمثيلات السطحيّة للصراع بل يغوص في البنى النصية الداخلية ليكشف عن الآليات السرديّة التي تنتج أزمة الهوية وتجسدها عبر فضاء متعدد الأصوات، فالعنوان نفسه يشكل عتبة دلالية استفهامية تفتح على سؤال الوجود الجمعي: “متى وكيف يصبح التخلي خيارا أو قدرا؟”[18] وهو ما يحوّل النص إلى حقل لتقاطع الأسئلة المصيرية حول الوطن والقيم والمقاومة والانتماء.
تتبدى الرواية كنموذج فريد لتجسيد مفهوم “البوليفونية” أو تعدد الأصوات المستقلة الذي ينظر إليه ميخائيل باختين بوصفه السمة الجوهرية للجنس الروائي، حيث “تتعدد الأصوات ويتنوع الكلام… في نظام فني متجانس”[19]، وتتجسد هذه البوليفونية في “ساعة التخلي” عبر توزيع السرد على ست شخصيات رئيسة (صلاح السايس، نديم السيد، فواز أسعد، بيار مذور، مثال حسون، عدنان قاطرجي)، حيث يمنَح لكل منها مساحة سردية مستقلة تعبر عن رؤيتها للحدث وموقفها منه. هذا التوزيع لا يقتصر على التنويع الأسلوبي فحسب، بل يشكل تشريحا لوعي جمعي ممزق، توصف شخصياته بأنها “محكومة بهويتها، لكن هذه الهوية أيضاً محكومة بالنقاش والحوار”[20]، فالشخصيات لا تمثل أفكارا مجردة بل وعياً متشظيا يعيش ارتباك اللحظة التاريخية.
تتمظهر الأزمة الوجودية بأعمق تجلياتها في شخصية صلاح السايس المثقف الشيوعي الذي يجسد الصراع التراجيدي بين الالتزام الحزبي والمسؤولية الأخلاقية الوطنية، يعبر صلاح عن هذا التمزق الداخلي في جملة موجعة تختزل أزمة اليقين: “أنا أسأل نفسي، هل أفكر حقا هكذا، أم أنها مجرد وساوس وشكوك. كل إيمان له شكوكه ووساوسه”[21]، إن هذا الحوار الذاتي لا يعكس حيرة فردية عابرة بل يكشف عن تصدع الخطاب الإيديولوجي الكلي في مواجهة واقع معقد، حيث تتحول الهوية الوطنية من كتلة صلبة إلى كيانٍ مشكوك فيه معرض للتساؤل والمراجعة.
يتعزز هذا التشظي عبر تعدد الرؤى وتباينها حول حدث الانسحاب المحوري مما يحول دون بلورة سردية أحادية، فبينما يقدم صلاح تبريراً للانسحاب مرتبطاً بالانضباط الحزبي والرؤية التكتيكية: “الأمين العام المساعد هو الذي كلمني… متى هربنا، نحن دائماً في الساحة، يحاولون استدراجنا إلى معركة ونحن نبتعد لأننا لم نقررها”[22]، تقدم شخصية فواز أسعد روايةً ناقدةً تفضح الفعل: “غادرت قوات فتح المدينة قبل أن يدخلها الإسرائيليون”[23]، بينما يختزل يونس الفلسطيني في تعبيرٍ مليء بالسخرية المرة المأساة في بعدها الأخلاقي والاجتماعي المذل: “عيب والله ينسحبوا قدام الناس بعز النهار. كان أحسن ينسحبوا بالليل، أستر”[24]، هذا التعدد في المواقف واللغات، كما يحلل الفهري، يؤكد أن “الرواية حرصت على أن تعكس هذا التشظي والانشطار… في الرؤى داخل نسق إيديولوجي واحد وبين أنساق إيديولوجية مغايرة أيضا”[25].
تمثل اللغة في الرواية بعدا جوهريا في تجسيد هذا التعدد والانقسام، فالنص ينهج أسلوبا هجينا مقصودا يجمع بين السرد بالفصحى المعيارية والحوار بالعامية اللبنانية، مما يعكس التباين الطبقي والثقافي بين الشخصيات، فحوار شخصية سلوى المنتمية للطبقة الفقيرة مع صلاح يقدم نموذجا صارخا لهذه الهجنة، حيث “تعبر بلغتها العامية المباشرة عن هموم الجسد والبقاء، في مقابل لغة صلاح الفكرية المجردة”[26]. هذا التعدد اللغوي وفق رؤية باختين ليس زخرفا أسلوبيا، بل هو تعبير عن “تعدد الأصوات الاجتماعية والتاريخية التي تعمر اللغة… وتنتظم داخل الرواية في نسق أسلوبي منسجم”[27] .
هكذا، ومن خلال هذه الشبكة المعقدة من الأصوات واللغات والرؤى تتحول رواية “ساعة التخلي” من سردٍ تاريخي عن حدث الاجتياح إلى نص أنطولوجي يستقصي أزمة الهوية في لحظة الانهيار. إنها تفتح فضاء من الأسئلة المُقلقة حول الذات والآخر، والالتزام والتراجع، والخطاب والممارسة، لتتحقق فيها “الرؤية الحوارية” بامتياز حيث “لا يخرج القارئ من الرواية بموقف موحد… إن القارئ أمام ديالوجية/حوارية وتعدد الأصوات”[28]، وبهذا المعنى تقدم الرواية شهادة أدبية خالدة على تشظي اليقينيات الكبرى وصعود السؤال الوجودي في فضاء عربي يعيش هزات تاريخية متلاحقة.
ينتقل الدكتور الفهري في تحليله إلى رواية “لأني أسود” لسعداء الدعاس ليكشف عن بعد أكثر حميمية في أزمة الهوية، حيث يتحول الجسد من كيان بيولوجي إلى وعاء للصراع الوجودي ومساحة لتجلي التشظي الهوياتي، فلا يقتصر التحليل على وصف التمييز العنصري السطحي بل ينفذ إلى الأعماق الوجودية لإشكالية اللون الذي يتحول إلى “علامة هوياتية”[29] حاملة لهواجس الرفض والبحث عن الانتماء. وتنطلق هذه الأزمة من ذلك السؤال الأنطولوجي المؤلم الذي يطرحه البطل جمال: “أنا أسود؟ … لماذا أنا بالذات. وليس أنت؟”[30] مما يحول جسده إلى ساحة لهذا الصراع الداخلي.
وتتعمق هذه الإشكالية عبر الحوارية وتعدد الأصوات التي تكشف تناقضات الوعي الجمعي، فشخصيات مثل سارة التي حاولت تكسير الحاجز العنصري، تعود لترتدع تحت وطأة الخوف من “سلالة سوداء” ورفضها “أن ترزق بطفل يحمل… صبغته”[31]، وهذا الرفض لا يمثل مجرد حادثة عاطفية فاشلة بل هو تجسيد للكارثة الوجودية التي يعيشها جمال ضحية لونه، مما يؤكد فشل العلاقات الفردية في مواجهة العنصرية البنيوية المتجذرة.
يمتد التحليل ليكشف عن ثنائية “الفضاء واللون” [32]، فالمكان في الرواية ليس حيزا محايدا بل هو امتداد للجسد الهوياتي ومرآة للصراع، يتجلى هذا في التباين الحاد بين “حي السود” و”حي البيض”، وكذلك في الانزياح الجغرافي من الكويت إلى أمريكا (شيكاغو). والغرابة التي يكشف عنها التحليل هي أن “عبور المحيط الأطلسي من الكويت إلى أمريكا لم يخفف وطأة عقدة اللون بل كرسها في أطر جديدة”[33]، ففي الكويت يُنعت الأسود بـ”العبد” ضمن خطاب ديني محرف “كلنا عبيد الله”[34]، بينما في أمريكا يُحصر في صورة “الزنجي التعيس الذي يقطن أحياء التخلف والجريمة”[35] ضمن خطاب علماني عنصري، الأمر الذي يؤكد أن “جوهر الظاهرة واحد رغم اختلاف الغطاء الثقافي”[36]، مما يضع الهوية السوداء في مواجهة مع نمطين من الخطاب.
يلتقط التحليل ببراعة الآليات السردية التي تبحث عن التعويض وإعادة الاعتبار، إحدى هذه الآليات هي استحضار “النجومية السوداء”[37] كاستشهاد الشخصيات بنجوم من أمثال دينزل واشنطن وأوبرا وينفري ومارتن لوثر كينغ، هذا الاستحضار ليس هروباً بل هو محاولة لـ”بناء هوية سردية بديلة قائمة على الفخر والإنجاز لمواجهة سردية النقص والوصم”[38]. كما يتتبع الانزياح علاقة الشخصيات بلونها كتحول “جوان” من النقمة على سوادها إلى “امرأة … تعشق تقاسيمها”[39] بعد زواجها من “فوزي” في محاولة سردية لإيجاد ملاذ داخلي من العنصرية الخارجية.
يمنح المؤلف تحليله عمقا فلسفيا من خلال توظيف إطار بول ريكور حول “الهوية السردية”، والتي تفهم بوصفها عملية تأويلية لا تنطبق على الفرد فحسب، بل “لجماعة بأكملها”[40]، فالهوية هنا ليست معطى ثابتا بل هي سردية متشكلة عبر حكايات الشخصيات المتناقضة، والتي “تعري الإنسانية وتزيح القناع للكشف عن حقيقتها المرعبة”[41]. وهكذا، يتحول الجسد الأسود في الرواية من مجرد موضوع للتمييز إلى ناقل لسردية جماعية عن الألم والمقاومة، مكملاً تشظي الذات الجمعية في مواجهة استعمار من نوع آخر يستهدف الجسد والهوية معاً.
في إطار المسار التحليلي المتسلسل الذي يتبناه كتاب “الهوية السردية في الرواية العربية” للدكتور يوسف الفهري تشكّل رواية “رؤيا غوجين” للأديبة المغربية أمامة قزيز منعطفا تحليليا لافتا، ينتقل من النقاش السائد حول الأدب النسائي إلى “مقاربة أنطولوجية عميقة للعلاقة بين الانزياح النوعي وتشكل الهوية السردية”[42]. لا يكتفي التحليل بتفكيك الثنائيات البيولوجية التقليدية (ذكر/أنثى) التي طالما هيمنت على الخطاب النقدي العربي، بل ينفذ إلى الآليات السردية الداخلية التي تبنى من خلالها “هوية نصية تعكس رؤية وجودية وثقافية معقدة”[43]، وهكذا تتحول الرواية من مجرد نموذج لكتابة المرأة إلى حقل خصب لدراسة كيفية تشكل الهوية السردية عبر تفاعل الذات الأنثوية الحالمة مع قيود الواقع وتناقضاته.
ينطلق التحليل من تأسيس منهجي حاسم، يستلهم التمييز الأنثروبولوجي الذي أرساه كل من مارغريت ميد وسيمون دي بوفوار بين “الجنس” بوصفه حقيقة بيولوجية، و”النوع” بوصفه بناء ثقافيا وتعبيرا عن الاختلاف[44]، هذا التمييز يسمح للناقد بتجاوز الإطار الضيق للنقاشات المجردة حول شرعية مصطلح الأدب النسائي ليؤكِّد أن “الإبداع لا جنس له فهو فكر وثقافة وحضارة”[45]. فالانزياح هنا لا يعني إلغاء الاختلاف بل نقله من حيز التصنيف البيولوجي الإقصائي إلى فضاء التحليل السردي والثقافي، حيث تدرس الخصوصية بوصفها مكونا من مكونات النسيج التخييلي وليس معياراً خارجيا للحكم عليه.
في قلب هذا الانزياح، يركز التحليل على تفكيك “الهوية السردية” للرواية نفسها التي يصفها الدكتور الفهري بأنها “هوية عفوية توصف بأنوثة حالمة”[46]، تتجسد هذه الهوية عبر هيمنة الراوي العليم الذي “يصنع الحبكة ويحكم مصير الشخصيات، مقدما قراءة أحادية وتقريبية للأحداث والسلوكات والمواقف”[47]، فالسرد لا يسلم مفاتيحه لأي من الشخصيات بل يظل محكوماً بصوت واحد يوجه الأحداث منذ العتبة الأولى ‘وصلت الحافلة إلى آخر محطة بالقصر الصغير…’ حتى “المشهد الختامي”[48] مسيطراً على تطور الحبكة نحو “النهاية السعيدة وانتصار الخير والحب”[49] .
هذه الأحادية السردية، على عكس البوليفونية الباختينية التي تتيح تعدد الأصوات والرؤى المستقلة، تشيد عالما مغلقا ذا معنى واضح يعكس رؤية مثالية وحالمة تنتمي إلى نموذج “الرومانسيات التراثية التي تنطلق إلى خلاص من فقر وتعاسة عبر زواج مثالي”[50]. فالبنية الروائية “تسير في خط تصاعدي واضح عبر سبع متواليات سردية”[51]، تبدأ بأزمة البطلة “رؤيا” وتنتهي بانتصار الحب وزواجها من “عبد النور” في إطار بناء درامي تقليدي “يحكم مصير الشخصيات ويصنع الحبكة”[52].
يتعمق التحليل في كشف العلاقة الجدلية بين السارد والمبدعة حيث أن “عملية الربط بين الروائية أمامة قزيز وشخصية ‘رؤيا’ قد يتحقّق في كثير من المجالات”[53]، من خلال تقاطعات السيرة والفضاءات الحميمية، ليبرز “متخيل يتمظهر فيه الكثير من التمثلات حول التطلعات والأحلام والمواقف والرؤى”[54]، وهي لعبة تخييلية وفقاً لفيليب لوجون تعمل في فضاء “غياب ميثاق الأوتوبيوغرافيا” الرسمي[55]، حيث “تمارس لعبة التخييل وتصنع لغة تكشف عن وعي معين”[56] لتشكيل هوية سردية بديلة.
كما يتجلّى تشكل هذه الهوية عبر تمثل الجسد بوصفه “سبيل الكتابة عند المرأة ونارها التي لا تنضب”[57] حيث يتحول إلى وسيط تعبيري ووعاء للذاكرة العاطفية “زخم الذكريات”[58]. غير أن هذا التمثيل لا يخرج عن إطار الانزياح الاستعاري والرومانسي، حيث يصور الجمال على أنه “ذلك الذي لا يوجد على وجنتي الفتاة بل في عيون عاشقها”[59]، مما يعزز الطابع المثالي والحالم للهوية السردية التي تبنيها الرواية، فالجسد هنا ليس موقعاً للصراع أو الاحتجاج بل هو وسيط تعبيري في خدمة رؤية رومانسية تحاول “تقديم مشهد فيه من الأحاسيس المحركة للجسد” [60].
وفي الاتجاه ذاته، يتحول الفضاء الجغرافي (غوجين، طنجة، أصيلة) إلى امتداد رمزي للذات الحالمة، فـ “غوجين” هي “فضاء حميمي لرؤيا، فيه من النوستالجيا”[61] ، وفضاء يحتضن “أهم الأحداث والتحولات، وتنامي الشخصيات”[62]، هذا التشابك بين الذات والمكان يعكس أحد أبعاد الهوية السردية التي يطرحها الكتاب حيث يصبح الفضاء “ذاكرة وتخييلا واستلهاما جماليا”[63].
ختاما، يمثل هذا التحليل استكشافا دقيقا لتشكل هوية سردية بديلة وحالمة، تبحث عن التماسك والمعنى ضمن عالم روائي مغلق، فهي لا تسعى إلى تفكيك النظام الرمزي الأبوي عبر تعدد الأصوات كما في نماذج أخرى، بل تبني عالمها الخاص عبر سردية أحادية توجيهية تعيد “تأكيد قيم الحب والخير في مواجهة الشر والكراهية”[64].
وهكذا تسهم هذه القراءة في تعميق فهم الانزياح النوعي ليس كموقف إيديولوجي فحسب، بل كاستراتيجية سردية لإنتاج هوية متخيلة، تكشف عن “تنوع أشكال تمثل الذات الأنثوية وتفاعلها مع إكراهات الواقع وسلطة التقاليد في الخيال الروائي العربي المعاصر” [65]. فالهوية السردية هنا ليست انعكاساً مباشراً للهوية البيولوجية بل هي بناء تخييلي معقد يعبر عن “الخصوصية الثقافية المؤثرة في التصور”[66]، مما يجعل الرواية نموذجا متميزا لفهم آليات تشكل الهوية الأنثوية في الأدب العربي الحديث.
يواصل الدكتور الفهري رحلته التحليلية مع رواية “الجميلات الثلاث” للروائية الكويتية فوزية شويش بوصفها نموذجا أدبيا متقدما في استكشاف العلاقة الجدلية بين الذاكرة والمكان والهوية، تندرج القراءة ضمن المنظور السردي الأنطولوجي حيث تفكك التشابكات بين التاريخي والتخييلي، وتكشف عن الدور المركزي للمكان كفاعل جمالي وحامل دلالي في تشكيل وعي الشخصيات وإعادة بناء الهويات المبعثرة.
يقدم التحليل رؤية ثرية للعلاقة الجدلية بين الهوية والمكان، فـالأرض هنا لا تمثل مجرد إطار جغرافي خامد بل تتحول إلى “مكون أنطولوجي”[67] جوهري يشكل هوية الشخصيات ويعبر عن كينونتها الوجودية. فالمكان في الرواية – الممتد من إسطنبول إلى حائل فالكويت – يغدو فاعلا سرديا حيا، يوجه الأحداث وينحت مصائر الشخصيات، متحولا من فضاء فيزيائي إلى مجموعة من الأحاسيس والمشاعر والوشائج والتعابير والأزمنة”[68]، حاملا أبعادا حضارية وتقافية وسيكولوجية وسوسيولوجية وتاريخية. فالمشهد الروائي لا يقتصر على الوصف الطوبوغرافي بل يصبح نسيجا من الدلالات تعيد تشكيل الوعي بالذات والانتماء.
يرى الفهري أن الرواية تعيد تشكيل المكان من خلال ذاكرة متعددة الطبقات: ذاكرة الجد (عبد القادر بيه)، وذاكرة الأب (عثمان)، وذاكرة البنت (توناي)، التي “تتقمصها الروائية نفسها أحيانا”[69]، لتحويله من فضاء فيزيائي إلى كينونة وجدانية. فالمكان هنا ليس إطارا سلبيا بل يصبح “قوة فاعلة توجه الأحداث وتكشف عن المسكوت عنه في التاريخ الرسمي”[70]. ومن خلال هذا التعدد الذاكراتي يتحقق استرجاع المكان لا كمعطًى ثابت بل ككيان متخيل يعاد بناؤه جماليا، حيث “المكان في الرواية ذاكرة وتخييل واستلهام جمالي”[71]. وهكذا، تتحول عملية الاستعادة إلى فعلٍ إبداعي يزاوج بين الوثيقة التاريخية والانزياح التخييلي.
يتعمق التحليل في الكشف عن الآليات الجمالية التي تعيد بها الروائية صياغة العلاقة مع المكان، حيث يتحول الوصف إلى خطاب شعري مفعم بالحنين (النوستالجيا) والوجع الوجودي، فالشعرية هنا ليست زخرفا أسلوبيا فحسب، بل هي رؤية تعيد تشييد العالم الداخلي للشخصيات. وهكذا، يغدو المكان محملا بالذاكرة والذاكرة بدورها تستعاد عبر المخيلة الخلاقة في عملية تفاعلية تؤكّد أن “الذاكرة هي إحدى الوسائل التي نعي بها الواقع… بينما المخيلة من حيث الجوهر فكرة عن اللاواقعي”[72]، هذا الانزياح نحو الشعرية يضفي على المكان طابعا وجدانيا يجعله وعاء للمشاعر واستعارة لتماسك الذات المهددة بالتشظي.
تتقاطع الرواية مع أجناس السيرة الذاتية والتاريخ والرحلة دون الانحصار في أي منها، فمن خلال لعبة التخييل الذكية تواري الكاتبة ذاتها وراء الساردة توناي مما يتيح مسافة نقدية تسمح بخلق حوارية بين الذات والآخر، وبين الوقائع التاريخية المُوثقة والنسيج التخييلي، هذا التمازج يجسد ما أشار إليه بول ريكور في حديثه عن “التفاعل بين السرد الخيالي والسرد التاريخي”[73] كمدخل لفهم الزمن الإنساني.
يشدد الفهري على أن اللغة في الرواية ليست أداة تواصل فحسب، بل هي “وعاء الهوية وملتقى الانتماءات المتضاربة: التركية، العربية، الحائلية، السعودية، الكويتية”[74] ، وبالتالي، فإن موت اللغة أو تآكلها في الرواية يعادل تفتت الهوية، بينما يمثل استرجاعها واستحضارها محاولة لإعادة بناء الجسور مع الذات الجماعية الممزقة.
يلفت التحليل إلى أن الرواية ترفض التسلسل الزمني الخطي، و”تقدم زمنا دائريا تتلاشى فيه الحدود بين الماضي والحاضر وتتلاشى فيه الحدود بين الأمكنة”[75]، فالعناوين الفرعية المؤرخة تشكل خارطة مكانية-زمنية تعكس تشظي التجربة الإنسانية في فضاءات متعددة (إسطنبول، حائل، الكويت). هذا البناء يعزز فكرة أن الهوية هي نتاج تراكم طبقات الذاكرة عبر الأمكنة.
تخلص الدراسة إلى أن “الجميلات الثلاث” تقدم نموذجا روائيا متقدما، يدمج بين العمق التاريخي والجمالية الشعرية والتفكير الفلسفي في مسألة الهوية. فمن خلال “ذاكرة المكان” تنجح فوزية شويش في تحويل السرد إلى فضاء وجودي يطرح إشكاليات الوجود والانتماء والضياع والاستعادة، فاستعادة جذور العائلة عبر الأمكنة والتواريخ ليست مجرد حفريات في الماضي، بل هي محاولة لإعادة تشكيل الذات في الحاضر، وبناء هوية سردية مركبة تستوعب تعدد الانتماءات. وفي هذا الإطار، يظهر بوضوحٍ كيف أن مفهوم “الهوية السردية” حسب مقاربة بول ريكور يجد حقلا تطبيقيا خصِبا في هذا النص، حيث تبنى الهوية وتفهم من خلال “الحكاية التي ترويها الذات عن نفسها وعن علاقتها بالمكان-الذاكرة”[76]. كما تقدم الرواية نقدا ضمنيا لآثار الحداثة والعولمة، حيث يتم استبدال الأمكنة الحميمة بفضاءات عالمية نمطية، “تمحى معها جذور الذاكرة”[77]. وهكذا، تتجاوز الرواية وظيفتها الجمالية لتصير وثيقة نقدية تسجل مآل الهوية في مواجهة رياح التغيير العاتية.
في المحطة الأخيرة من رحلته التحليلية، ينفذ الدكتور الفهري إلى أعماق إشكالية الدين والهوية من خلال رواية “رايات الموتى” للروائي المصري هاني القط، حيث تجسد تعالقا معقدا بين الحدث التاريخي “مذبحة الأقصر 1997”[78] والتخييل السردي الذي يحول الوثيقة إلى مادة للتأمل في الأزمة الوجودية والهوياتية العربية. لا يقتصر تحليل الفهري على القراءة السياسية أو الاجتماعية السطحية للظاهرة الإرهابية، بل يغوص في الطبقات السردية العميقة التي تظهر “الانزياح عن المقدس، وتحول الدين إلى خطاب مسلط يلغي الذات ويبرِر العنف”[79] .
تقوم الرواية على حدث تاريخي موثق، لكنها لا تتعامل معه كمادةٍ إخبارية بل تحوله إلى إطار وجودي، فالحادثة تتحول من مجرد سجل دموي إلى فضاء لاستقصاء سؤال الهوية في لحظتها الأكثر انكسارا. يوضح الفهري أن الرواية “تنضبط لمنطق الكتابة التاريخية من حيث الأحداث الكبرى التي تؤطر المرحلة”[80]، لكنها في الوقت نفسه “لا تقبل تزوير التاريخ أو إخضاعه لتخييل رواني مطلق”[81]، هذا التوتر بين الالتزام بالحدث وحرية التخييل يولِّد هوية سردية فريدة تطرح من خلالها الرواية أسئلتها الأنطولوجية دون التنصل من ثقل الواقع.
تُبنى الرواية على تعددية صوتية حادة، تعكس التشظي الحضاري والهوياتي الذي تعيشه الشخصيات، يبرز هذا جليّاً في التقسيم الهيكلي للنص حيث تخصص الأرقام الفردية (1، 3، 5…) لفصول تُروى من منظور ويليام (الشاعر الإنجليزي) الذي يُمثِّل عالم الغرب والجمال والشعر والفردانية، في المقابل تُخصَّص الأرقام الزوجية (2، 4، 6…) لفصول تُروى من منظور سعيد (الشاب المصري المنتمي لجماعة متطرفة) الذي يمثل الشرط الاجتماعي المهمش والخطاب الديني المغلق والجماعية القاتلة[82]. هذه البنية التوازنية المتقابلة ليست تقنية شكلية فحسب بل هي تجسيد سردي للانفصام الحضاري والهوياتي الذي ينتج العنف، فكل صوت ينشئ عالما منفصلا من الدلالات والقيم مما يجعل الحقيقة الواحدة مستحيلة، والهوية الجامعة مختفية.
بدلاً من تقديم تفسيرات سوسيولوجية أو نفسية مبسطة لدوافع العنف، تغوص الرواية في الانزياح الوجودي للفاعل، فشخصية سعيد لا تقدم كشر مطلق، بل كنتاج لاغتراب مزدوج: اغتراب عن ذاته المهمشة، واغتراب عن الدين الذي يختزل إلى طقوس شكلية وأوامر عمياء. تظهر الرواية كيف يتحول الإيمان إلى إذعان، وكيف يستبدل السؤال الأخلاقي بالامتثال للأمر، هنا يبرز الفهري كيف يتوسل النص بمقولة القدر كتفسير ملتبس للفعل، حيث يصور القدر كـ “ذلك المتخفي كأبرع ساحر لم يخطئ مرة في إدهاش البشر منذ عرفوه”[83]، هذا الاستدعاء لا يبرر الفعل بل يكشف الانزياح عن مسؤولية الذات نحو خطاب جبري يلغي الإرادة الإنسانية.
في مواجهة فضاء القبح والموت، تقيم الرواية فضاء موازيا للجمال ممثلا في الشعر والموسيقى، والحب، فعلاقة ويليام وجانيت وحسهما الشعري، لا تُقدم كزينة سردية بل كمناعة وجودية وإمكانية للمقاومة بالجمال. يظهر التحليل أن الرواية “تستعير بلاغة الشعر واستعاراته لمواجهة بلاغة العنف المباشرة”[84]، فالجمالية هنا ليست هروبا من الواقع، بل هي رؤية بديلة للعالم تتعالى على منطق التكفير والتدمير. إن اغتيال ويليام الشاعر هو رمز لاغتيال الحساسية الجمالية والتسامح في مواجهة التعصب.
يخلص تحليل الدكتور الفهري إلى أن “رايات الموتى” تنجح في تحويل الصدمة التاريخية إلى تشخيص سردي لأزمة الهوية العربية في بعدها الروحي والوجودي، فالرواية لا تنتقد التطرف كظاهرة سياسية فقط، بل تكشف عن الفراغ الروحي والانفصام القيمي الذي يسمح باختطاف المقدس وتحويله إلى أداة قتل. الهوية السردية هنا تبنى عبر الصدام بين خطابات متعادية (دينية متطرفة، جمالية إنسانية، سياسية قمعية) مما يعكس تشظي الذات الجمعية العربية التي تتأرجح بين هويات مُتصادمة.
هكذا، يثبت التحليل أن رواية “رايات الموتى” تشكل نموذجا مكتملا للهوية السردية كما يصوغها المشروع النقدي للفهري: هوية لا تختزل في انتماء ثابت بل هي عملية بناء وتفكيك مستمرة في بوتقة السرد حيث يتقاطع التاريخي مع التخييلي والسياسي مع الوجودي، لتقديم تشريح عميق لجرح الهوية العربية النازف.
بعد رحلة تحليلية معمقة وقراءة متعدّدة المستويات تتوغل في الأبعاد الفكرية والتقنية للنص الروائي العربي، يبرز مشروع الدكتور يوسف الفهري في كتابه “الهوية السردية في الرواية العربية” بوصفه إنجازا نقديا نوعيا وراسخا ضمن حقلي السرديات والنقد الأدبي العربي المعاصر. فلم يقتصر هذا العمل على مجرد تقديم قراءة تطبيقية للنظريات النقدية الغربية، بل تجاوز ذلك إلى تأسيس رؤية منهجية متكاملة تزاوج ببراعة بين العمق النظري المستند إلى تراث فلسفي رصين، والغوص التطبيقي في أعماق النصوص الروائية، مشكلا أنطولوجيا سردية عربية قادرة على استيعاب تعقيدات الذات في زمن التشظي والانزياح.
يتميز المشروع النقدي للفهري باتساق منهجي لافت، حيث ينسج خريطة مفاهيمية مترابطة تربط بين المستويات النظرية والتطبيقية في نسيج تحليلي متماسك، فالمنهجية المعتمدة تنطلق من رؤية ثقافية شاملة تتعامل مع النص الروائي بوصفه فضاء حواريا تعبر من خلاله الذات عن أزماتها الوجودية وتصوراتها للعالم. وقد تجلى هذا التماسك في القدرة على تطبيق الإطار النظري المستمد من فلسفة ريكور السردية ومفهوم البوليفونية الباختينية على نصوص روائية متنوعة، دون أن يفقد التحليل خصوصية كل نص أو يختزله إلى مجرد نموذج إيضاحي. لقد استطاع المؤلف أن يحوّل النظرية النقدية من إطار خارجي يفرض على النص إلى أداة حيوية تنبثق من صميم المادة النصية نفسها، مما يجعل التحليل يشبه عملية استنطاق داخلية للنص أكثر من كونه قراءة خارجية.
يقدم هذا المشروع إضافة نوعية للحقل النقدي العربي من خلال تجاوزه الثنائيات التقليدية التي طالما حكمت القراءات النقدية، كالانقسام بين الشكل والمضمون، أو بين الخصائص الجمالية والدلالات الثقافية، فالهوية السردية كما قدمها الفهري ليست موضوعا يدرس من الخارج، بل هي عملية بنائية تنشأ من تفاعل العناصر السردية المختلفة داخل النص. وهذا المنظور الداخلي يسمح بقراءة متعددة المستويات للنص الروائي، حيث يصبح تشظي الهوية ليس مجرد فكرة تعبر عنها الشخصيات، بل بنية سردية متجسدة في تقنيات السرد نفسه، في توزيع الأصوات، وتعدد وجهات النظر، وتشابك الأزمنة، وتفاعل اللغة مع الفضاء.
يفتح هذا المشروع النقدي آفاقاً رحبة للتطوير والتوسع، لعل أبرزها الاستمرار في تطبيق هذه الرؤية المنهجية على حقول سردية جديدة تزيد من ثراء المقاربة وتعزز فعاليتها التحليلية. وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن المشروع النقدي للدكتور الفهري يستمر في التوسع والتطور، حيث يتجه حاليا إلى دراسة الهوية السردية في الروايات المغربية الفرنكفونية ضمن أطروحة دكتوراه أعكف على إعدادها تحت إشرافه، مما يمثل امتدادا طبيعيا لرؤيته النقدية وانطلاقاً نحو آفاق جديدة تثري الحقل النقدي وتعمق فهم الآليات التي تتشكل من خلالها الهوية في السياقات اللغوية والثقافية المختلطة.
هذا التوجه الجديد يعد امتدادا نوعيا للمشروع، حيث يفتح الباب أمام دراسة إشكالية الهوية في سياق الانزياح اللغوي والثقافي، ويساهم في ربط المشروع النقدي العربي بالحوار النقدي العالمي مع الحفاظ على الخصوصية المحلية. كما يمثل تجسيدا عمليا لمرونة المنهجية التي أرساها المؤلف، وقدرتها على الاستجابة لمتطلبات النصوص والسياقات الجديدة.
يظل كتاب “الهوية السردية في الرواية العربية” علامة فارقة في النقد الأدبي العربي، ليس فقط لما قدمه من قراءات عميقة للنصوص الروائية، بل لما أسسه من رؤية منهجية متكاملة تفتح آفاقاً جديدة للبحث. فالمشروع لا يكتفي بتشخيص أزمة الهوية في الواقع العربي، بل يقدم الأدوات التحليلية لفهم كيفية تعامل المخيال السردي مع هذه الأزمة وتحويلها إلى مادة إبداعية. وفي هذا المعنى، يصبح النقد عند الفهري شكلاً من أشكال المقاومة المعرفية، حيث يعيد بناء الذات العربية من خلال تفكيك خطاباتها السردية وكشف آليات تشكلها.
إن قيمة هذا العمل تتجاوز مجرد الإضافة المعرفية إلى كونه تأسيسا لوعي نقدي جديد قادر على مواجهة تعقيدات الواقع العربي من خلال فهم آليات تشكل تمثيلاته السردية، وهو بهذا المعنى لا يخاطب النقاد والأكاديميين فحسب، بل يخاطب كل قارئ يبحث عن فهم أعمق لذاته ولعالمه من خلال مرايا السرد.
- بنكراد، سعيد. (2023). الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ. الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب، ط 1.
- برادة، محمد. (1996). أسئلة الرواية أسئلة النقد: حوار مستحيل؟ الدار البيضاء: منشورات الرابطة، ط 1.
- باختين، ميخائيل. (1987). الكلمة في الرواية. ترجمة: محمد برادة. الرباط: دار الأمان، ط 1.
- الدعاس، سعداء. (2010). لأني أسود. الكويت: دار بلاتينيوم بوك.
- القط، هاني. (2008). رايات الموتى. القاهرة: دار ميريت للنشر.
- الفهري، يوسف. (2021). الهوية السردية في الرواية العربية. الشارقة: دائرة الثقافة، ط 1.
- قزيز، أمامة. (2014). رؤيا غوجين. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر.
- كونديرا، ميلان. (2005). فن الرواية. ترجمة: فؤاد شاهين. دمشق: دار الحوار للنشر والتوزيع.
(ورد نقلاً عنه في: يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية) - لحمداني، حميد. (1991). بنية النص السردي: من منظور النقد الأدبي. بيروت: المركز الثقافي العربي، ط 1.
- ريكور، بول. (2005). الذات عينها كآخر. ترجمة: جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة.
- ورنـوك، ميري. (2007). الذاكرة في الفلسفة والأدب. ترجمة: [غير متوفر]. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
(ورد نقلاً عنه في: يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية) - بيضون، عباس. (1998). ساعة التخلي. بيروت: دار النهار للنشر.
Margins:
-
سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، ط 1، 2023، ص 30. ↑
-
محمد برادة، أسئلة الرواية أسئلة النقد: حوار مستحيل؟، منشورات الرابطة، الدار البيضاء، ط 1، 1996، ص 51. ↑
-
حميد لحمداني، بنية النص السردي: من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط 1، 1991، ص 138. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 10. ↑
-
المرجع السابق نفسه، الصفحة نفسها. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 57. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 29. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 61. ↑
-
أورده د. يوسف الفهري في: الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 9. نقلا عن ميلان كونديرا، فن الرواية، ص 18-19. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 10. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 12. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 13. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 15. ↑
-
أورده د. يوسف الفهري في: الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 17. نقلا عن جينز بروكمبير – ودونال كربو: السرد والهوية دراسات في السيرة الذاتية والذات والثقافة، ص 14. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 33. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 39. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 41. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 98-99. ↑
-
ميخائيل باختين، الكلمة في الرواية، ترجمة: محمد برادة، دار الأمان، الرباط، ط 1، 1987، ص 61. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 104. ↑
-
أورده د. يوسف الفهري في: الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 104. مقتطف من رواية ساعة التخلي لعباس بيضون ص 62. ↑
-
أورده د. يوسف الفهري في: الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 100. مقتطف من رواية ساعة التخلي لعباس بيضون ص 45. ↑
-
أورده د. يوسف الفهري في: الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 10. مقتطف من رواية ساعة التخلي لعباس بيضون ص 32. ↑
-
أورده د. يوسف الفهري في: الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 101. مقتطف من رواية ساعة التخلي لعباس بيضون ص 54. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 109. ↑
-
المرجع السابق نفسه. ص 135. ↑
-
ميخائيل باختين، الكلمة في الرواية، ترجمة: محمد برادة، دار الأمان، الرباط، ط 1، 1987، ص 59. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 106. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 154. ↑
-
أورده د. يوسف الفهري في: الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 162. مقتطف من رواية لأني اسود لسعداء الدعاس ص 2. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 168. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 171 ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 170 ↑
-
أورده د. يوسف الفهري في: الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 171. مقتطف من رواية لأني اسود لسعداء الدعاس ص 69. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 173 ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 170 ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 173. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 173. ↑
-
أورده د. يوسف الفهري في: الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 174. مقتطف من رواية لأني اسود لسعداء الدعاس ص 65. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 160. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 165-174. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 190. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 181. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 181 – 182. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص181. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 201-202. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 202. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 203. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص. 201. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 201. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 204-214. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 222. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 215-216. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 216. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 198. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 198. ↑
-
أورده د. يوسف الفهري في: الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 222. نقلا عن ميلان كونديرا، فن الرواية، ص 13. ↑
-
أورده د. يوسف الفهري في: الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 223. مقتطف من رواية رؤيا غوجين لأمامة قزيز ص 190. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 224. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 223. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 196. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 196. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 196- 215 -216. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 201. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 180 – 227. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 186. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 236. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 233. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 238. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 233 -236 – 237. (التداخل بين السرد التاريخي والتخييل) ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 245. ↑
-
أورده د. يوسف الفهري في: الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 244. نقلا عن ميري ورنوك، الذاكرة في الفلسفة والأدب، ص 56. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط1، 2021، ص 236 – 237. (مناقشة لأفكار بول ريكور). ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 232. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 236. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 236 – 237 (استمرار لمناقشة أفكار بول ريكور حول التفاعل بين السرد الخيالي والتاريخي وبناء الزمن الإنساني والهوية السردية).. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 253. ↑
-
واقعة إرهابية وقعت في الأقصر بمصر عام 1997، حيث هاجم مسلحون مجموعةً من السياح الأجانب. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 260 – 262 – 264 – 271 – 273 – 275. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 267. ↑
-
المرجع السابق نفسه، الصفحة نفسها. ↑
-
المرجع السابق نفسه، ص 303-304. ↑
-
أورده د. يوسف الفهري في: الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 290. مقتطف من رواية رايات الموتى لهاني القط ص 31. ↑
-
يوسف الفهري، الهوية السردية في الرواية العربية، دائرة الثقافة، الشارقة، ط 1، 2021، ص 294. ↑