آلية مساهمة التمويل والاستثمار الوقفي في التخفيف من ضغوط الإنفاق الحكومي في ليبيا

The Contribution of Waqf Financing and Investment in Alleviating Government Spending Pressures in Libya

عمر حسين عمر الشريف1

1 جامعة إسطنبول صباح الدين زعيم، إسطنبول، تركيا

بريد الكتروني: omer.hassin1983@gmail.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj68/5

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/68/5

المجلد (6) العدد (8). الصفحات: 57 - 74

تاريخ الاستقبال: 2025-07-07 | تاريخ القبول: 2025-07-15 | تاريخ النشر: 2025-08-01

Download PDF

المستخلص: يهدف هذا البحث إلى بيان مفهوم التمويل بالوقف والاستثمار الوقفي، واستكشاف آلية مساهمتهما في التخفيف من ضغوط الإنفاق الحكومي في ليبيا ، وينطلق من تحليل واقع الإيرادات والنفقات العامة خلال الفترة من 2015 إلى 2022، ليقدم في ضوء ذلك نموذجًا تمويليًا وقفيًا مقترحًا، يضم مجموعة من أدوات التمويل والاستثمار المتنوعة، يبرز من خلالها الدور المحتمل للوقف في تمويل عدد من القطاعات العامة وتطويرها، من خلال التنسيق بين الهيئة العامة للأوقاف والجهات الحكومية، بما يسهم في تخفيف الأعباء المالية عن الدولة وتعزيز الاستدامة المالية. وقد اعتمد البحث على المنهج الاستقرائي والمنهج الوصفي التحليلي، وتوصل إلى عدد من النتائج، أبرزها أن تفعيل أدوات وآليات التمويل والاستثمار الوقفي الحديثة، يُمكن أن يسهم بفاعلية في الحد من ضغوط الإنفاق الحكومي، وتحقيق الاستدامة المالية في ليبيا، وانتهى البحث إلى جملة من التوصيات، أهمها ضرورة دمج الأوقاف في ليبيا ضمن الخطط التنموية الوطنية باعتبارها أداة تمويل واستثمار مكمّلة في القطاعات الخدمية والإنتاجية والتنموية، مع ضرورة إرساء آليات واضحة وشفافة، لتحقيق التكامل بين الجهات الوقفية والحكومية.

الكلمات المفتاحية: الوقف، التمويل الوقفي، الاستثمار الوقفي، الإنفاق الحكومي، الاستدامة المالية، الصكوك الوقفية، ليبيا.

Abstract: This research aims to clarify the concept of waqf-based financing and waqf investment, and to explore the mechanism through which they contribute to alleviating pressures on government expenditure in Libya. It starts from an analysis of the reality of public revenues and expenditures during the period from 2016 to 2022, and based on that, it presents a proposed waqf financing model that includes a set of diverse financing and investment instruments. Through this model, the potential role of waqf in funding and developing a number of public sectors is highlighted, by means of coordination between the General Authority of Awqaf and government entities, in a manner that contributes to easing the financial burdens on the state and enhancing fiscal sustainability. The research adopted the inductive method and the descriptive analytical method, and it reached a number of findings, most notably that activating modern waqf financing and investment tools can effectively contribute to reducing government spending pressures and achieving fiscal sustainability in Libya. The research also concluded with a set of recommendations, the most important of which is the necessity of integrating waqf in Libya into national development plans, considering it a complementary financing and investment tool in service, productive, and developmental sectors, while emphasizing the need to establish clear and transparent mechanisms to achieve integration between waqf and government institutions.

Keywords: Waqf, Waqf-based financing, Waqf investment, Government Spending, Fiscal sustainability, Waqf sukuk, Libya.

مقدمة:
يعتبر الوقف الإسلامي عبر التاريخ أحد الركائز الاجتماعية والاقتصادية في الدول الإسلامية، حيث لعب دورًا فعالاً في دعم العديد من القطاعات كالتعليم، والصحة، والخدمات العامة، وذلك من خلال أدوات وآليات التمويل والاستثمار الوقفي المباشر وغير المباشر، وقد أسهمت الأوقاف في تعزيز التنمية ، وتحقيق قدر من الاستقلال والاستقرار المالي للمجتمعات الإسلامية، إلا أن مساهماته شهدت تراجعًا ملحوظًا في العقود الأخيرة، لا سيما في الدول الإسلامية النامية التي تعاني من أزمات مالية وعجز ملحوظ في موازناتها العامة، ومنها الدولة الليبية.

حيث إنه في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى أهمية تفعيل دور الوقف في ليبيا، وإعادة هيكلته، وتنظيمه، وتوجيه أمواله للتمويل والاستثمار الأمثل، ليكون أداة فعالة في التخفيف من الأعباء المالية التي تثقل كاهل الحكومة، والمساهمة في تحقيق الاستدامة المالية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

عليه، فإن هذا البحث، يهدف إلى دراسة الإمكانات الكامنة في قطاع الوقف، وآلية مساهمته في تخفيف العبء المالي عن الحكومة الليبية، من خلال استثمار أمواله بشكل فعّال في القطاعات ذات الأولوية، مع التركيز على الأطر التنظيمية والمؤسسية التي تُمكّن من تحقيق هذا الهدف، والتي ستكون بعون الله في هذا البحث في شكل نموذج تمويلي مقترح.

مشكلة البحث.

شهدت الدولة الليبية خلال الفترة السابقة الممتدة من عام 2015 إلى عام 2022م، عجزا واضحا في موازنتها العامة؛ ويعزى ذلك إلى التذبذب الحاد في أسعار المحروقات خلال تلك الفترة، الأمر الذي انعكس سلبًا على الإيرادات العامة، وبالنظر إلى أن عائدات النفط والغاز تمثل ما يقرب من 97% من إجمالي الإيرادات الحكومية، فقد أدى هذا التراجع إلى تقليص قدرة الحكومة على تمويل القطاعات العامة المختلفة، وقد ترتب على ذلك قصور واضح في تلبية احتياجات هذه القطاعات من التمويل اللازم لتطويرها وتنميتها، وتحسين مستوى الخدمات العامة المقدمة للمجتمع بالشكل المطلوب.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تفعيل دور الوقف في ليبيا كأحد أهم البدائل التمويلية المستدامة التي يمكن أن تسهم في تخفيف ضغوط الانفاق الحكومي، إذ إنه يمكن من خلال استثمار أموال الوقف، توجيه التمويل نحو العديد من القطاعات الحيوية، بما يعزز من كفاءة الإنفاق الحكومي، ويُسهم في تحقيق أهداف التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

وعلى ضوء ما سبق، يمكن صياغة مشكلة البحث في التساؤل التالي:

كيف يمكن أن يسهم الوقف كونه بديلا تمويليا في التخفيف من ضغوط الإنفاق الحكومي في ليبيا؟

فرضية البحث:

يمكن أن يسهم الوقف كونه بديلا تمويليا في التخفيف من ضغوط الإنفاق الحكومي في ليبيا من خلال تفعيل أدوات التمويل والاستثمار الوقفية الحديثة، بما يدعم عدة مجالات اجتماعية واقتصادية.

أهمية البحث.

تكمن أهمية البحث في سياق التحديات الاقتصادية التي تواجهها الدولة الليبية في السنوات الأخيرة، نتيجة لتزايد حجم الإنفاق الحكومي مقابل التراجع الملحوظ للإيرادات العامة، لاسيما في ظل تقلبات أسعار المحروقات، مثل النفط والغاز، وقد أسفر هذا الوضع المالي عن تقليص مخصصات القطاعات العامة من الخزانة العامة، مما انعكس ذلك سلبًا على جودة الخدمات المقدمة للمجتمع، خصوصًا في قطاعي الصحة والتعليم، اللذين يتطلبان موارد مالية كبيرة؛ لتغطية نفقات التشغيل والتنمية.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى البحث في بدائل تمويلية حديثة ومستدامة ؛ لتخفيف الضغط عن الموازنة العامة، ويأتي التمويل والاستثمار الوقفي في مقدمة هذه البدائل باعتباره أحد الأدوات المالية ذات الأثر الاجتماعي والاقتصادي الفعال، حيث إن إبراز دور الأوقاف كآلية تمويل فاعلة ، سيسهم في دعم القطاعات العامة الحيوية، وذلك من خلال تعبئة الموارد الوقفية وتوجيهها إلى هذه القطاعات بالتنسيق مع الحكومة، بشكل يضمن الاستدامة المالية للدولة ،ويحقق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ويعزز من قدرة هذه القطاعات على النهوض بدورها وتقديم أفضل الخدمات بكفاءة عالية.

أهداف البحث:

يسعى البحث لتحقيق الأهداف التالية:

1-التعرف على ماهية التمويل بالوقف والاستثمار الوقفي.

2-التعرف على واقع الإيرادات الحكومية وإنفاقها في ليبيا خلال الفترة الممتدة من عام 2015- إلى عام 2022م.

3- تقديم نموذج تمويلي وقفي مقترح، يتضمن عدد من أدوات التمويل والاستثمار المتنوعة بهدف توفير التمويل اللازم لبعض القطاعات العامة، لتقدم خدماتها على أكمل وجه من جهة، وتخفيف الأعباء المالية عن الحكومة من جهة أخرى.

منهجية البحث:

لتتحقق أهداف البحث، سيتم استخدام المنهج الاستقرائي من خلال الاطلاع على الأبحاث والمراجع ذات العلاقة؛ للتعرف على ماهية التمويل بالوقف والأموال الوقفية واستثمارها، بالإضافة إلى استخدام المنهج الوصفي التحليلي؛ للوقوف على واقع الإيرادات الحكومية وإنفاقها وتطورهما في ليبيا، وتقديم نموذج تمويلي مقترح، يوضح آلية مساهمة التمويل والاستثمار الوقفي في التخفيف من ضغوط الإنفاق الحكومي في ليبيا.

الدراسات السابقة.

1-دراسة أميرة المرابطي بعنوان “استثمار الأموال الوقفية كآلية للتخفيف من ضغوط الإنفاق الحكومي في الجزائر -مع استعراض تجارب رائدة”، وهي أطروحـة لنيل شهـادة الدكتـوراه في الطور الثالث، كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير قسم العلوم الاقتصادية – جامعة 8 ماي 1945 قالمة، السنة الجامعية 2024م، وهدفت هذه الدراسة إلى تحليل أثر استثمار أموال الأوقاف في التخفيف من ضغوط الإنفاق الحكومي في الجزائر، ومن أجل ذلك فقد تناولت هذه الدراسة بداية التأصيل النظري للوقف ، ثم أدوات استثماره، وتناولت أيضا تجربة الجزائر في مجال استثمار أموال الأوقاف، وواقع الإنفاق الحكومي في الجزائر، كما عرضت دراسة تحليلية لمساهمة استثمار أموال الأوقاف في التخفيف من ضغوط الإنفاق الحكومي في الجزائر، واستعرضت التجارب الوقفية الرائدة.

وقد توصلت إلى جملة من النتائج، أهمها: إن استثمار أموال الوقف يمكن أن يسهم بشكل فعال في التخفيف من ضغوط الإنفاق الحكومي وخاصة في مجال الإنفاق على قطاعي الصحة والتعليم، وتوصلت أيضا إلى أن قطاع الوقف في الجزائر -رغم الجهود المبذولة للنهوض به- لا يرقى للمستوى المطلوب منه، وعليه يجب على الجزائر التوجه نحو استثمار أموال الوقف عن طريق إصدار الصكوك الوقفية، أو إنشاء صناديق وقفية صحية مثلا من طرف هيئات مختصة، أو عن طريق سن قانون، يسمح للجمعيات الخيرية بإنشاء عدد من الصناديق الوقفية والاستثمار فيها.

2- دراسة خليفي هديل بعنوان “الصناديق الوقفية ودورها في تحقيق التنمية المحلية- تجارب دولية رائدة مع الإشارة على حالة الجزائر” -، (رسالة ماجستير، جامعة العربي بن مهيدي، أم البواقي، قسم علوم التيسير، 2021م)، حيث هدفت الدراسة إلى تفعيل الدور التنموي المحلي للصناديق الوقفية في الجزائر، ومن أجل هذا تمت مقارنة التجربة الكويتية الرائدة في مجال الصناديق الوقفية، وتجربة المملكة العربية السعودية الناشئة الناجحة في هذ ا المجال.

وتوصلت إلى مجموعة من النتائج، أهمها: إن الصناديق الوقفية، يمكن استخدامها لتلبية الاحتياجات الاجتماعية والتنموية في الجزائر، كما أن قطاع الوقف في الجزائر قطاع جد متخلف، وهذا ما يفسر غياب دوره التنموي.

3- دراسة الدكتور أشرف دوابه بعنوان “نحو تصور مقترح للتمويل بالوقف”، بحث منشور بمجلة مركز صالح عبد الله كامل للاقتصاد الإسلامي بمجلة الأزهر، العدد الواحد والأربعون، 2010م، حيث هدف البحث إلى التعرف على التمويل بالوقف، وأشكاله، وأسس تطويره، بالإضافة إلى وضع تصور مقترح للتمويل بالوقف، ينوع من أساليب التمويل، ويفتح مجالات متعددة للاستثمار، ويسهم في تحقيق الوقف لأهدافه التنموية. وقد توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج أهمها:

إن مفهوم التمويل بالوقف، ينطلق من مفهوم الوقف ذاته، فالوقف في حد ذاته تمويل كما أنه في الوقت نفسه استثمار.

تبدو الحاجة إلى تنظيم فقهي لصور جديدة من التمويل بالوقف، تلائم روح العصر وتتفق مع نصوص الشرع، وتحقق رغبة الواقف والمجتمع على السواء، وذلك اعتمادا على النظر في القواعد الشرعية للوقف؛ للوقوف على إمكانية تطويرها بما يلائم نص الشارع وفقه الواقع.

تطوير نظام التمويل بالوقف بحيث لا ينفصل عن البيئة المحيطة بالوقف، فالوقف جزء من البيئة التي حوله، يؤثر ويتأثر بها، وعلى ذلك، يمكن للوقف الاستفادة من التطور السريع والمتنامي في أدوات التمويل والاستثمار، مما ييسر السبل لتمويل واستثمار الأموال الوقفية.

تم التوصل إلى تصور مقترح لتطوير نظام التمويل بالوقف، يواءم بين طبيعة الواقع العملي الحالي، وما أفرزه فقه التطبيق لنظام الوقف من نتائج، بصورة تنوع من أساليب التمويل، وتفتح مجالات متعددة للاستثمار ، وتحقق استقلالية لأموال الوقف، وإدارته بكفاءة وفعالية، وتُفَعِّل الجانب الرقابي ، وتسهم في تحقيق الوقف لأهدافه التنموية، وذلك من خلال إصدار صكوك وقفيه أهلية وخيرية واستثمارية ، تمثل صدقات جارية في حياة الواقف، وبعد وفاته، يَعُمُّ خيرُها ، ويكثر بِرُّها ، وتتضافر بها الجماعة في مد ذوي الحاجات، وإقامة المساجد ، وإنشاء دور الخير من مستشفيات ، تعالج أدواء الناس ، ومدارس ومعاهد ومراكز تنشر العلم، وترفع الجهل، ومساكن تؤوي أبناء السبيل، وملاجئ تؤوي اليتامى ، وغير ذلك من أعمال البر، فضلا عن تنشيط وتدعيم الاقتصاد من خلال مؤسسات اقتصادية، سواء أكانت صناديق استثمار، أو شركات مساهمة، تؤوي العاطلين، وتزيد الإنتاجية في بلاد المسلمين، ويستفاد بربحها في تفعيل أبواب الخير، مما يدفع بعجلة التنمية الاجتماعية والاقتصادية في البلدان الإسلامية.

ما يميز هذه الدراسة عن الدراسات السابقة.

من خلال البحث والاستقراء لم يقع بين يدي الباحث دراسة بهذا العنوان في ليبيا، ولذلك تتميز هذه الدراسة عن غيرها بكونها من أوائل الدراسات التي تُعنى بتسليط الضوء على إمكانية توظيف أموال الأوقاف في ليبيا بأساليب عملية حديثة؛ للتخفيف من ضغوط الإنفاق الحكومي، وتهدف الدراسة إلى تقديم نموذج تمويلي مقترح يبين آلية استخدام أموال الوقف واستثمارها كمصدر تمويل مستدام، يسهم في الحد من الأعباء المالية على الحكومة الليبية، مع المحافظة في الوقت ذاته على الطابع الخيري والاجتماعي للوقف.

هيكلية البحث.

سيتم تقسيم البحث إلى ثلاثة مباحث:

المبحث الأول_ ماهية التمويل بالوقف والاستثمار الوقفي.

المبحث الثاني_ تطور الإيراد والإنفاق العام في الاقتصاد الليبي في الفترة 2015-2022م.

المبحث الثالث _نموذج تمويلي مقترح لآلية مساهمة الوقف في التخفيف من ضغوط الإنفاق الحكومي في ليبيا.

المبحث الأول

ماهية التمويل بالوقف والاستثمار الوقفي

يعد الوقف من الأدوات المالية الإسلامية التي تميزت بقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة من خلال عطائه المستمر ومرونته التمويلية والاستثمارية، فقد كان الوقف عبر التاريخ الإسلامي وسيلة فاعلة وداعمة في شتى المجالات الحيوية في المجتمع الإسلامي، كمجال التعليم، والصحة، والرعاية الاجتماعية، والخدمات، والبنية التحتية، بما يعكس تكاملاً بين البعد الديني والبعد الاقتصادي في المنظور الإسلامي للتمويل.

ومع تزايد الحاجة إلى نماذج تمويل حديثة ومبتكرة، تستند إلى مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية، برز مفهوم التمويل بالوقف كآلية حديثة فعالة، تعزز من كفاءة توظيف أموال الوقف، لا سيما من خلال الاستثمار الوقفي، الذي تسعى من خلاله إدارة الوقف إلى تنمية الأموال الموقوفة، وتوجيه عائداتها نحو تحقيق مقاصد الوقف الإسلامي، وتتمثل أهمية هذا المبحث في كونه يُسلّط الضوء على المفهوم الدقيق للتمويل بالوقف والأموال الوقفية، وبيان أشكاله، مع استعراض مفهوم الاستثمار الوقفي، والوقوف على أهدافه ومجالاته الاستثمارية المتنوعة وضوابطه الشرعية والاقتصادية.

المطلب الأول _ التمويل بالوقف والأموال الوقفية.

يتناول هذا المطلب مفهوم التمويل بالوقف وأشكاله حسب المستفيد من التمويل، وكذلك التعريف بالأموال الوقفية وأشكالها الأساسية.

الفرع الأول _ التمويل بالوقف والمستفيدون منه.

أولا_ مفهوم التمويل بالوقف: عرّفتْ المعايير الشرعية الوقف بأنه حبس العين عن كل التصرفات الناقلة للملك، والتصدق بالمنفعة، أي صرف المنفعة إلى الموقوف عليه[1].

ومن خلال تعريف الوقف ذاته يمكن أن نعرف التمويل بالوقف بأنه: آلية شرعية اقتصادية تستخدم فيها أعيان ومنافع الوقف لتحقيق عوائد، والتي تعتبر مصدرا تمويليا مستداما لتمويل العديد من المشاريع والخدمات ذات المنافع العامة وفق ضوابط وأحكام الوقف الشرعية.

ثانيا_ أشكال التمويل بالوقف: وفقا للمستفيد من الوقف يصنف التمويل كما يلي:[2]

  • التمويل الأهلي (الذُّرِّي): وهو تمويل يتم وقفه على الذرية والأهل.
  • التمويل الخيري: وهو تمويل يتم وقفه على أعمال الخير العامة لمصالح المجتمع المسلم، كالفقراء، وطلبة العلم، والمساجد، والمرافق العامة في المجتمع، وغيرها من وجوه الخير، ويدخل في ذلك ما وقف للاستثمار في مشروعات استثمارية لغرض الحصول على إيراد يتم إنفاقه في أوجه البر المختلفة.

الفرع الثاني _ الأموال الوقفية وأشكالها:

أولا_ تعريف المال الوقفي: هو المال المسبل نفعه على الموقوف عليهم، ويشترط فيه أن يكون هذا المال متقوما ، ونفعه مباحا شرعا، ومملوكا ملكية باتة للواقف.[3]

ثانيا _ أشكال الأموال الوقفية: تقسم الممتلكات الوقفية إلى ما يلي:[4]

1- الأموال العقارية: قد اتفق الفقهاء على صحة وقف العقارات، ويدخل في نطاق ذلك الأراضي، والمباني، والحدائق، والبساتين، وما في حكم ذلك من الأموال العقارية.

2- الأموال المنقــولة: قد اختلف الفقهاء حول صحة الوقف المنقول، ويرى جمهور الفقهاء صحة ذلك حسب قولهم:” كل ماجاز بيعه وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه جاز وقفه” كما يجوز وقف المنقولات المرتبطة أو الملحقة بالأموال العقارية.

3- الأموال النقدية: قد أجاز فريق من الفقهاء وقف الأموال النقدية، ومنهم: المالكية، وابن رشد، ومن النماذج المعاصرة لذلك إيداع النقود في المؤسسات المالية الإسلامية، وتوزيع عوائدها على الجهات الموقوفة عليها.

ولقد وقف بعض الصالحين في الوقت المعاصر بعض الودائع الاستثمارية، والأسهم، والصكوك الإسلامية على وجوه الخير.

المطلب الثاني _ الاستثمار الوقفي، أهدافه، مجالاته، ضوابطه.

يتناول هذا المطلب التعريف بمفهوم الاستثمار الوقفي، ويسلط الضوء على أهم أهدافه ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي، ويستعرض مجالات توظيف أموال الأوقاف في الأنشطة الاستثمارية، كما يعرض الضوابط التي ينبغي على القائمين على إدارة الاستثمار الوقفي مراعاتها عند مباشرة العمليات الاستثمارية، وذلك بما يضمن تحقيق المقاصد الاقتصادية الشرعية والتنموية للوقف.

الفرع الأول _ مفهوم الاستثمار الوقفي وأهدافه.

أولا _ مفهوم استثمار الوقف: ويقصد باستثمار الوقف هو تحقيق أكبر عائد للوقف، أو تأمين أعلى ربح، أو ريع من الأصل الوقفي، وذلك بالبحث عن أفضل الأساليب والطرق المشروعة التي تؤمن ذلك؛ ليتم صرفه على جهات الخير الموقوف عليها، ولحفظ قسم منها لعمارة الأصل، أو إصلاحه، أو ترميمه، أو تطويره، لضمان بقائه، واستمرار عطائه[5].

ثانيا _ أهداف الاستثمار الوقفي: يهدف استثمار الوقف إلى ما يلي:[6]

1- المحافظة على أصل الوقف من الاندثار، وذلك بسبب المصاريف والنفقات التي تحتاج التعويض، وذلك باختيار أفضل الأساليب والمجالات الاستثمارية المناسبة.

2- تحقيق أكبر عائد للوقف: والمقصود هنا الحصول على أفضل الأرباح والعوائد من الأصل الوقفي، مع المحافظة عليه؛ لأنه أكثر أهمية من الحصول على العائد، وذلك بعمارة الأصل، أو إصلاحه، وتطويره، لضمان بقائه، واستمراره للعطاء.

3- رفع الكفاءة الإنتاجية لأموال الأوقاف إلى أقصى حد ممكن، وذلك للحصول على أعلى إيراد، وتخفيض النفقات إلى أدنى حد ممكن.

4- الاستثمارات الجيدة للأوقاف، تسهم في استقطاب أوقاف جديدة، وتشجع الواقفين على وقف أموالهم بالصيغة التي تناسب مواردهم المالية.

الفرع الثاني _ مجالات استثمار أموال الوقف وضوابطه الشرعية والاقتصادية.

أولا_ مجالات استثمار أموال الوقف: من أهم مجالات استثمار أموال الوقف ما يلي:[7]

1-الاستثمار العقاري:

يتمثل في شراء العقارات، وتأجيرها، وتعمير العقارات القديمة وصيانتها، واستبدال العقارات، وإنشاء المباني السكنية، والصناعية، والخدمية، والتجارية، على أراضي الوقف إما بصيغة الاستصناع، أو المشاركة المنتهية بالتمليك.

2 – الاستثمار في إنشاء المشروعات الإنتاجية:

ومنه المشاريع المهنية والحرفية الصغيرة التي تعمل في مجال الضروريات والحاجيات، وبما يحقق أكبر نفع ممكن للموقوف عليهم، والتي تسهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

3-الاستثمار في المشروعات الخدمية:

ومنه بناء المدارس، والمعاهد، والجامعات، والمستشفيات، والمؤسسات الاجتماعية الخيرية، كدور الضيافة للفقراء والمساكين وابن السبيل، ودور اليتامى والمسنين والمرضى.

4- المساهمة في رؤوس أموال بهدف تحقيق عوائد:

وللمساهمة عدة صيغ، مثل: المساهمة في رؤوس أموال بعض الشركات، المتمثلة في شراء الأسهم، والمساهمة في رؤوس أموال صناديق الاستثمار الإسلامية، وفي رؤوس أموال المصارف الإسلامية، وفي رؤوس أموال شركات التأمين الإسلامية، وفي رؤوس أموال الجمعيات التعاونية الإسلامية والخدمية.

5- المساهمة في الحسابات الاستثمارية لدى المؤسسات المالية الإسلامية:

ولها أنواع كثيرة منها :المساهمة في الودائع الجارية الاستثمارية تحت الطلب، وفي ودائع التوفير الاستثماري، وفي ودائع الاستثمار لأجل مطلق) صيغة المضاربة الشرعية المطلقة)، وفي ودائع الاستثمار لأجل مقيد (صيغة المضاربة الشرعية المقيدة).

6- الاستثمار في الأوراق المالية: وذلك بهدف الحصول على العوائد والأرباح الحلال المستقرة نسبيا بشروط وضوابط ومعايير معينة، ومن أهمها ما يلي:

  • الأسهم العادية لشركات مستقرة تعمل في مجال الحلال الطيب ذات مخاطر قليلة.
  • الصكوك الإسلامية الصادرة عن المؤسسات المالية الإسلامية.
  • سندات المشاركة في الربح والخسارة.
  • صكوك صناديق الاستثمار الإسلامية.
  • سندات الصناديق الوقفية.

7-الاستثمار في الأنشطة الزراعية :مثل تأجير الأراضي الزراعية الموقوفة، والمشاركة في استغلالها، بالمغارسة والمزارعة والمساقاة.[8]

ثانيا _ ضوابط استثمار أموال الوقف وعوائده.

عند إجراء عقود استثمار أموال الوقف، يجب أن تكون مصاحبة بضوابط شرعية واقتصادية دقيقة، والتي نلخصها في الآتي:[9]

  • أن يكون الاستثمار في وجه من الوجوه المباحة شرعا، فلا يجوز للناظر أو لهيئة الوقف إيداع أموال الوقف بقصد الحصول على الفوائد الربوية، أو الاستثمار في السندات الربوية، أو شراء أسهم لشركات أصل نشاطها حرام، أما الشركات التي أصل نشاطها مباح وتتعرض- أحيانا- للتعامل بالربا عرضا وعطاء، فيجوز أن تنظر في تعاملها اللجنة الشرعية لهيئة الوقف أو أي جهة أخرى وتقضي فيه بحسب المصلحة.
  • مراعاة شروط الواقفين فيما يقيدون به الناظر في مجال تثمير ممتلكات الأوقاف، ولو شرط الواقف وجها استثماريا معينا، فيجب العمل به، فشرط الواقف كنص الشارع.
  • الاعتماد على دراسات الجدوى الاقتصادية للمشروعات الوقفية، وتوثيق عقودها، والحصول على الضمانات الكافية.
  • اختيار صيغ الاستثمار الملائمة لطبيعة الأوقاف بما يحقق مصالح الوقف، ويجنبه مخاطر ضياع حقوق المستفيدين.
  • السعي لتحقيق العائد الاجتماعي في الاستثمارات الوقفية دون التضحية بالربح، وتعظيمه لصالح الموقوف عليهم.

ولكي يحقق استثمار أموال الوقف الأهداف الاجتماعية والاقتصادية المرجوة، هناك ضوابط أخرى، ينبغي على ناظر الوقف الالتزام بها، وهي كالتالي: [10]

  • أن يكون استثمار أموال الوقف في موجودات قابلة للتنضيض بشكل سريع إذا اقتضت

حاجة الموقوف عليهم لصرفها لهم.

  • تنويع المشاريع والمجالات التي تستثمر فيها أموال الوقف، بما يناسب كل مال موقوف حسب طبيعته حتى لا تكون مركزة في مشروع أو مجال واحد، قد يتعرض لخسائر، فتضيع أموال الوقف، فتعدد المشاريع، يؤدي إلى تخفيف الخسائر، وتعويض بعضها البعض.
  • ضرورة المتابعة والمراقبة، وتقويم الأداء المستمر للتصرفات التي تتم على أموال الأوقاف.
  • اتباع الأولويات والمفاضلة بين أساليب الاستثمار ومجالاتها، وهذا خاضع للتطور، ومعرفة الأحوال الاجتماعية والاقتصادية في مكان الاستثمار.

المبحث الثاني

تطور الإيراد والإنفاق العام في الاقتصاد الليبي في الفترة 2015-2022م

تعتبر الإيرادات العامة من أهم الركائز التي يعتمد عليها الاقتصاد الليبي في تمويل الإنفاق العام، وكذلك في تحقيق الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي، وتكتسب دراسة تطور الإيرادات أهمية خاصة في ليبيا باعتبارها دولة ريعية، حيث تلعب إيرادات النفط دورا محوريا في تشكيل الهيكل المالي والاقتصادي للدولة الليبية.

ولقد مر الاقتصاد الليبي خلال السنوات الأخيرة بتحولات اقتصادية ومالية كبيرة، تأثرت من خلالها الإيرادات العامة للدولة بعوامل عديدة، ومن أبرزها التقلبات التي حصلت ومازالت تحصل في أسعار النفط، وكذلك التغيرات الأمنية السياسية، فضلاً عن سياسات إدارة الموارد العامة، وفي ظل كل هذه التغيرات، تبرز أهمية الحاجة إلى دراسة تحليلية لتطور الإيرادات العامة وتقييم واقعها، وذلك بهدف معرفة الوضع المالي والاقتصادي للدولة، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن المالي وتلبية متطلبات التنمية الشاملة والمستدامة.

المطلب الأول _ مصادر وواقع الإيرادات العامة في ليبيا خلال الفترة 2015- 2022م.

يتناول هذا المطلب مصادر الإيرادات العامة للدولة الليبية، وتحليل مراحل تطورها، وواقعها في الاقتصاد الليبي خلال الفترة 2015-2022م.

الفرع الأول _ مصادر الإيرادات العامة في ليبيا.

تتحصل الدولة الليبية على إيراداتها العامة من الإيرادات النفطية والإيرادات السيادية، وتتمثل الإيرادات النفطية في صافي الإيرادات النفطية من النفط والغاز، أما الإيرادات السيادية فتتمثل في إيرادات الضرائب، والرسوم الجمركية، ورسوم الخدمات العامة، وإيرادات الاتصالات، وأرباح مصرف ليبيا المركزي، وإيرادات السوق المحلي من المبيعات النفطية، وإيرادات مبيعات الرسم الأجنبي.

الفرع الثاني _ تطور الإيرادات العامة وواقعها في ليبيا خلال الفترة 2015-2022م.[11]

إن إيرادات الدولة الليبية لعام 2016م بالرغم من عدم إعداد موازنة عامة لذلك العام، وكذلك عدم وجود نص قانوني، يتم الاستناد عليه في تقييم كفاءة التحصيل، وتحديد انحرافات الميزانية، إلا أنه من السهل الحكم على إيرادات ذلك العام بأنها الأسوأ على الإطلاق، مقارنة بإيرادات السنوات السابقة له، حيث إنه لم تتجاوز إيرادات الدولة خلال ذلك العام مبلغ 8.5 مليار دينار مقارنة بالعام السابق له 2015م، الذي بلغ 16.8 مليار دينار، منها مبلغ 4.5 مليار بواقي أرصدة حسابات الجهات العامة.

وقد بلغت الإيرادات المتوقع تحصيلها خلال الفترة من 1/1/2017 إلى 31/12/2017م مبلغ (37.56) مليار دينار، في حين أن ما تم تحقيقه فعلا خلال نفس الفترة بلغ (33) مليار دينار.

وتم تقدير إيرادات العام 2018م بمبلغ (33,550,000,000) دينار، وقد بلغت الإيرادات الفعلية المحصلة خلال نفس الفترة ما قيمته (49,163,781,644) دينار بفائض يبلغ (15,613,781,644) دينار، وبنسبة 47%، كما تم إقرار تمويل إضافي من خلال الاقتراض من مصرف ليبيا المركزي، وصندوق الجهاد بقيمة 10,861,430,000 دينار، وبلغ ما تم تحصيله منها ما قيمته 5,880,714,997 دينار.

وبلغت ا لإيرادات المقدر تحصيلها خلال العام 2019م مبلغ (46,800,000,000) دينار، وبلغت الإيرادات الفعلية خلال نفس الفترة لتغطية الترتيبات المالية، مبلغ قيمته (57,417,418,745) دينار، بوافر في إجمالي الإيرادات مبلغ (10,617,418,746) دينار.

وتم تقدير الإيرادات خلال العام 2020م بمبلغ قيمته ( (11,293,600,000دينار، في حين بلغت الإيرادات الفعلية في نفس العام بمبلغ قيمته (25,253,370,716)دينار، بوفر في إجمالي الإيرادات بلغ قيمته (13,959,770,716) دينار.

وبلغت الإيرادات الفعلية المحصلة بحسابات الإيرادات الرئيسية لتغطية الإنفاق الحكومي خلال العام 2021م مبلغ قيمته (105,632,059,723) دينار.

كما بلغت إيرادات الدولة خلال العام المالي 2022م ما قيمته (177) مليار دينار.

المطلب الثاني _ واقع الإنفاق العام في الاقتصاد الليبي والمقارنة بينه وبين الإيراد خلال الفترة 2015- 2022م.

يستعرض هذا المطلب واقع النفقات الحكومية، والمقارنة بينها وبين الإيرادات لمعرفة الوضع المالي في الاقتصاد الليبي خلال الفترة الممتدة من عام 2015 إلى عام 2022م.

الفرع الأول _ واقع الإنفاق العام في الاقتصاد الليبي.[12]

بلغ الانفاق الحكومي على القطاعات والمؤسسات العامة خلال العام 2016م أكثر من 30 مليار دينار ليبي، بانخفاض قدره 5.5 مليار دينار، مقارنة بالعام 2015م، الذي تجاوزت نفقاته مبلغ 36 مليار دينار، علما بأنه لم يتم إقرار موازنة عامة للعام 2016م، فتم اعتماد الصرف، وفقا لميزانية العام 2015م، استناداً إلى أحكام قرار المؤتمر الوطني العام رقم (1) لسنة 2016م بشأن الإذن بفتح اعتمادات شهرية مؤقتة على أساس جزء من اثني عشر (12/1).

وتم إقرار إنفاق مبلغ 37.56 مليار دينار بموجب قرار ميزانية الترتيبات المالية 2017م، وبلغت المبالغ المحالة من وزارة المالية إلى القطاعات الممولة من الخزانة العامة خلال العام ما قيمته 32.6 مليار دينار بوفر قدره 4.9 مليار دينار.

وبلغت جملة المبالغ المحالة للجهات الممولة من الخزانة العامة، وفقاً لقرار الترتيبات المالية، والترتيبات المالية الاستثنائية خلال الفترة من 01/01 إلى 31/12/2018م مبلغ قيمته (41,327,815,410) دينار، يقابلها مخصصات بالترتيبات المالية 2018م خلال نفس الفترة بمبلغ قيمته (42,511,430,000) دينار، والترتيبات الاستثنائية بمبلغ قيمته (1,900,000,000) دينار.

وقد بلغت جملة المبالغ المحالة للجهات الممولة من الخزانة العامة وفقا لقرار الترتيبات المالية، خلال العام 2019م مبلغ قيمته (45,903,704,696)دينار، يقابلها مخصصات بالترتيبات المالية 2019م خلال نفس الفترة بمبلغ قيمته (46,800,000,000) دينار، كما بلغت جملة المبالغ المخصصة كترتيبات مالية استثنائية خارج ترتيبات الميزانية العامة ما قيمته (2.750) مليار دينار لصالح وزارة الداخلية والمؤسسة الوطنية للنفط، سيل منها خلال العام 2019م (299.5)مليون دينار للمؤسسة، وباقي المخصصات تم تنفيذها بالعام 2020م، كما بلغت النفقات خارج الترتيبات نحو(457) مليون دينار.

كما بلغت المبالغ المحالة للجهات الممولة من الخزانة العامة وفقا لقرار الترتيبات المالية رقم 208 لعام 2020م، خلال الفترة من 01/01 إلى 31/12/2020م مبلغ قيمته (36,310,922,028) دينار، يقابلها مخصصات بالترتيبات المالية 2020م خلال نفس الفترة بمبلغ قيمته (38,500,000,000) دينار.

وبلغت المبالغ المحالة للجهات الممولة من الخزانة العامة وفقا للقرار رقم (429) لسنة 2021م بشأن الإنفاق الحكومي والتمويل الفعلي خلال الفترة من 01/01/2021م إلى 31/12/2021م، مبلغ (85,875,419,404) دينار، وذلك في مقابل اعتمادات شهرية مؤقتة لكافة أبواب الميزانية خلال نفس الفترة بمبلغ قيمته (86,094,530,000) دينار، وبنسبة تمويل 99%.

وقد بلغت نفقات الدولة المسيلة فعلاً لحسابات القطاعات خلال العام 2022م ما قيمته (170,588,460,04) دينار، ونلاحظ أن هناك زيادة في الإنفاق خلال العام 2022م عن العام السابق له بمقدار (68) مليار دينار.

الفرع الثاني _ مقارنة النفقات بالإيرادات خلال الفترة 2015- 2022م.

يتناول هذا الفرع مقارنة بين الإيرادات المحققة والنفقات الفعلية للدولة خلال الفترة من (2015-2022م)، والتي لا تتضمن نفقات الحكومة المؤقتة في المنطقة الشرقية التي لازالت بياناتها غير معلنة بشكل رسمي، ويمكن توضيح ذلك من خلال الجدول التالي:

السنوات

2015

2016

2017

2018

2019

2020

2021

2022

مجموع السنوات

الايرادات

11

9

22

49

60

25

122

177

475

النفقات

36

30

32

41

47

39

102

171

498

فائض أو عجز

(25)

(21)

-10

8

13

-14

18

6

-23

موارد ونفقات الدولة 2015- 2022م (المبالغ بالمليار دينار)

الجدول من إعداد الباحث بالاعتماد على تقارير ديوان المحاسبة الليبي في الفترة الممتدة من عام 2015 إلى عام 2022م.

ويبين الجدول السابق مقابلة إيرادات الدولة بنفقاتها على مدى الأعوام (2015-2022م)، والذي يظهر محصلة تراكمية بعجز وقدره 23 مليار دينار، علما بأن هذه الأرقام لا تتضمن نفقات الحكومة المؤقتة بالمنطقة الشرقية، والتي من المتوقع تجاوزها لمبلغ 100 مليار دينار خلال السنوات المذكورة، لم يتم الإفصاح عنها بشكل رسمي.

ومن خلال ما سبق، نلاحظ أن الميزانيات في أغلب السنوات المذكورة مولت بالعجز، حيث تم تمويلها من خلال اقتراض الحكومة من المصرف المركزي، أو من المصارف التجارية. وعليه، فإن هذا الوضع المالي الحرج، يستلزم منا مستقبلا بعد ترشيد الانفاق والحد من الفساد، القيام بوضع حلول تمويلية بديلة لتخفيف الأعباء المالية عن الحكومة، وتحقيق استدامة مالية، ومن ضمن هذه الحلول المقترحة، الاستفادة من التمويل والاستثمار الوقفي في تخفيف الأعباء المالية عن الدولة، وهذا ما سنتطرق إليه في المبحث التالي، والذي سنقدم فيه نموذجاً تمويلياً مقترحاً من خلال الوقف للتخفيف من ضغوط الإنفاق الحكومي في ليبيا.

المبحث الثالث

نموذج تمويلي مقترح لآلية مساهمة الوقف في التخفيف من ضغوط

الإنفاق الحكومي في ليبيا

يعتبر الوقف الإسلامي أحد أبرز الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية في التاريخ الإسلامي، وذلك لما له من فاعلية في تعزيز التنمية، وتلبية متطلبات المجتمع بعيدًا عن الأطر والآليات التقليدية للإنفاق العام، ومن خلال تجارب وقفية سابقة، فقد كان للوقف عبر العصور دور فعال، في تمويل ودعم العديد من المجالات الحيوية، كمجال التعليم، والصحة، والإسكان، والخدمات الاجتماعية، مما أسهم ذلك في تقليل الاعتماد الكلي على الإنفاق الحكومي، ومع تنامي العديد من التحديات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة التي تواجهها الحكومات في السنوات الأخيرة في ليبيا، ولا سيما في ظل تزايد الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة والتنمية، ومحدودية الموارد المالية للدولة، تبرز أهمية تفعيل مؤسسة الوقف كأداة تمويل داعمة للمالية العامة.

ويهدف هذا المبحث إلى بيان آلية مساهمة الوقف في تخفيف الأعباء المالية عن الحكومة الليبية، من خلال الدور الداعم الذي يمكن أن يلعبه الوقف في تمويل من القطاعات الخدمية والتنموية.

المطلب الأول _ أهدف وأدوات النموذج التمويلي المقترح.

يستهدف هذا المطلب تقديم نموذج تمويلي مقترح من خلال التمويل بالوقف لعدة مجالات تعليمية، وصحية، وصناعية، وعقارية، وزراعية، وغيرها من المجالات الأخرى التي يمكن أن تساعد في التخفيف من ضغوط الإنفاق الحكومي، وتتمثل خطوات النموذج المقترح فيما يلي:

الفرع الأول _ أهداف النموذج التمويلي المقترح.

للنموذج التمويلي المقترح عدة أهداف شرعية واقتصادية واجتماعية، وتتمثل في الآتي:[13]

  1. فتح آفاق جديدة للأعمال الخيرية والخدمية، والمحافظة عليها، وضمان استمراريتها إلى أن يشاء الله من خلال صدقة الوقف الإسلامي العظيمة، وسنته التي سنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه وأمته من بعده.
  2. نشر روح التعاون والتآخي والتكافل التي تجعل أفراد المجتمع الليبي وحدة واحدة.
  3. تعدد مصادر التمويل والاستثمار أمام الأوقاف، التي تمكنها من تعظيم الربحية الاجتماعية والاقتصادية، وتحقيق أهدافها التنموية المأمولة من خلال دعم وتمويل العديد من القطاعات العامة في الاقتصاد الليبي، ومن ثم تخفيف الأعباء المالية عن الحكومة.
  4. تطوير إدارة الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية لا سيما في مجال التمويل والاستثمار، لكي تكون ذات كفاءة إدارية واستثمارية وفنية عالية، وأن تكون مستقلة في اتخاد قراراتها عن الروتين الحكومي.

الفرع الثاني _ أدوات التمويل في النموذج التمويلي المقترح.

أولا _ الصناديق الوقفية الاستثمارية.

يسعى النموذج التمويلي المقترح من خلال هذه الأداة التجميعيةإلى توظيف أموال الوقف في القنوات الاستثمارية الحديثة ذات الطابع التنموي، والخدمي، والإنتاجي، بما يعزز ذلك من الاستدامة المالية، ويقلل من الاعتماد المباشر لبعض القطاعات على الإنفاق الحكومي، حيث يمكن تأسيس صناديق وقفية استثمارية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية،وتُدار من قبل مؤسسة مالية متخصصة (المصرف الوقفي مثلا) وفقًا لأسس الحوكمة الرشيدة، وتُوجه أموال هذه الصناديق للاستثمار المباشر في قطاعات ذات أولوية شرعية ووطنية، والحصول على عوائد مالية وإنفاقها في وجوه الخير، ومن هذه القطاعات:قطاع التعليم، والصحة، والإسكان، والخدمات، وقطاع البنية التحتية، والأنشطة الزراعية، حيث إن هذه القطاعات غالبا ما تمثل عبئا ماليا كبيرا على الميزانية العامة للدولة الليبية، فيمكن للوقف أن يمول هذه القطاعات، ويساهم في تنميتها بالتنسيق مع الحكومة.

وبإمكان الوقف أيضا أن يدعم المشاريع الحكومية من خلال توجيه جزء من عائدات استثماراته إلى هذه المشاريع التي تخدم المجتمع الليبي.

ثانيا _ الصكوك الوقفية.

يمكن إصدار صكوك مدعومة بالأصول الوقفية وتجميع عائداتها، ومن ثم توجيهها للاستثمار في مشاريع إنتاجية، بحيث يذهب ريعها إلى تمويل قطاع الخدمات العامة، مما يخفف ذلك العبء عن الموازنة العامة للدولة الليبية.

ومن أمثلة الصكوك التي يمكن أن تساهم في تخفيف العبء المالي على الحكومة ما يلي:

1-الصكوك الوقفية الأهلية: والتي يمكن إصدارها من قبل الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية، وطرحها للاكتتاب على الراغبين في وقف أموالهم من خلال المصرف الوقفي، وتوجه الأموال المجمعة من الصكوك للإنفاق في وجوه الخير بلا عوائد مادية، كإنشاء المستشفيات وشراء المعدات الطبية، وبناء المساجد، والمدارس، والجامعات، ومساعدة ذوي الدخل المحدود بما يحتاجونه.

2-الصكوك الوقفية الاستثمارية: والتي يمكن إصدارها من قبل الهيئة العامة للأوقاف وطرحها للاكتتاب من خلال المصرف الوقفي، ومن تم توجيه حصيلتها للاستثمار في مشاريع إنتاجية، تدر عوائد مادية، يتم إنفاقها في وجوه الخير، وما يطور تلك المشروعات وينهض بها.

ثالثا _ المشاركة بين القطاع العام والأوقاف.

يمكن أن يكون نموذج المشاركة بين الحكومة والهيئة العامة للأوقاف، لإنشاء وتطوير مشاريع خدمية محددة، كإنشاء أو تطوير مدارس، أو مستشفيات، أو القيام بمشاريع إسكانية، بحيث تتحمل الأوقاف جزءا من التمويل مقابل حصولها على نسبة من عوائد المشاريع، أو حقوق الانتفاع، وهذه المشاركة ستخفف الأعباء المالية عن الحكومة.

المطلب الثاني _ أطراف وإدارة النموذج التمويلي المقترح والرقابة فيه.

يستهدف هذا المطلب تبيان الأطراف المتعاملة في النموذج التمويلي المقترح، ودور كل منهم، وعرض الإدارات ومكوناتها، وصولا إلى الرقابة وتصنيفاتها التي يستلزم وجودها في النموذج المقترح.

الفرع الأول _ أطراف النموذج التمويلي.

ويمكن أن تكون أطراف النموذج المقترح كما يلي:[14]

أولا _ الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية والمصرف الوقفي.

حيث تقوم الهيئة بإصدار الصكوك الخيرية والصكوك الاستثمارية في التصور المقترح للاكتتاب العام، والاكتتاب فيها، واستقبال حصيلة الاكتتاب من خلال المصرف الوقفي، وتوجيه حصيلة الصكوك الخيرية لأعمال البر، واستثمار الصكوك الاستثمارية فيما خصصت له استثماراً شرعياً مربحاً، وفقاً للشروط المنصوص عليها في نشرات الاكتتاب، وتوجيه عائداتها المالية لأعمال الخير.

ثانيا _ الواقفون.

وهم أصحاب الأموال الذين يكتتبون في الصكوك الوقفية، ويمثلون في مجموعهم الجمعية العامة للوقف.

ثالثا _ الموقوف عليهم.

وهم المستفيدون من الوقف، ويمكن أن تتعدد جوانب الاستفادة من الوقف لتشمل الآتي:

1- الجانب الديني، كبناء المساجد وتعميرها، وإنشاء مراكز لتحفيظ القرآن الكريم.

2- الجانب التعليمي، كإنشاء مراكز محو الأمية، وبناء المدارس، والجامعات، والمكتبات، ومراكز البحث العلمي، والتقنية المتطورة، والاتصالات.

3-الجانب الصحي، كإنشاء المستشفيات، وتطويرها، وتوفير معداتها، وخصوصا مستشفيات علاج أمراض العصر كالسرطان وأمراض الكبد والأمراض النفسية، وإنشاء صيدليات بها، وإنشاء مراكز للإسعاف والإغاثة والطوارئ، ومراكز خاصة بتطوير الأدوية.

4-الجانب العقاري، ويتمثل في إنشاء المدن الجديدة، وتطوير المدن القائمة، وتوصيل قنوات المياه إلى المناطق من نقص المياه، وإقامة السدود، وتعبيد الطرق وإنشاء الجسور.

5- الجانب الزراعي، ويتمثل في استصلاح الأراضي، وحفر آبار المياه لزراعتها، وتشجيرها لمكافحة التصحر.

6-الجانب الاجتماعي، كإنشاء دور لرعاية الأيتام، والأرامل، والمسنين، والمعاقين، وأبناء السبيل، ومراكز لتدريب العاطلين عن العمل وتشغيلهم، وتقديم القروض الحسنة للمحتاجين.

الفرع الثاني _ إدارة النموذج التمويلي المقترح.

وتتمثل إدارة النموذج المقترحفيما يلي:[15]

أولا _ مجلس إدارة التصور المقترح.

وهو الذي يتولى إدارة الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية بصورة يخرجها عن الآلية والروتين الحكومي، ويفصل بين أموالها وأموال الحكومة، ويمنحها الاستقلالية الكاملة في إدارة أموال الوقف واستثمارها من خلال مجموعة من الكوادر الفنية المتخصصة على المستوى الإداري والتمويلي والاستثماري والخيري، ويتكون مجلس الإدارة المقترح من:

    1. عضو من الهيئة العامة للأوقاف، وأربعة أعضاء من ذوي الخبرة المتخصصين في التمويل والاستثمار، يتم تعيينهم بقرار صادر من مدير الهيئة العامة للأوقاف.
    2. عضوان من السلطة القضائية يتم تعيينهما بقرار صادر من وزير العدل.
    3. ثمانية أعضاء يتم انتخابهم من الجمعية العامة للوقف.

ويمكن أن ينتخب أعضاء مجلس الإدارة عضوا من بينهم، يتولى مهمة رئاسة المجلس، وتصدر القرارات بالأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس، ويقع على عاتق مجلس الإدارة حماية أموال الوقف في كل إجراء أو تصرف، ويحظر على المجلس:

1_ التعامل في سلع ونشاطات يحرمها الإسلام.

2_استخدام أدوات وآليات غير شرعية في استثمار أموال الوقف.

3_ الاعتماد على كوادر غير مؤهلة شرعية وفنيا.

ثانيا _ الإدارة التنفيذية للنموذج التمويلي المقترح.

1_إدارة التسويق وخدمة الواقفين، وتتولى التعريف بالوقف، وتسويق صكوكه، وخدمة المتعاملين مع الهيئة العامة للأوقاف بالتنسيق مع المصرف الوقفي.

2_ إدارة الموارد البشرية، وتتولى تعيين العاملين بالهيئة العامة للأوقاف وتدريبهم.

3_ إدارة الرقابة الشرعية، وتتولى مراجعة إجراءات معاملات الهيئة العامة للأوقاف، من حيث مدى شرعيتها، وعدم مخالفتها لضوابط الشريعة الإسلامية.

4_ إدارة التمويل والاستثمار، وتشمل ما يلي:

أ – إدارة الاكتتاب وحفظ الصكوك، وتتولى هذه الإدارة عملية طرح الصكوك الوقفية بأنواعها الخيرية والاستثمارية للاكتتاب، وحفظ الصكوك المكتتب فيها بالتنسيق مع المصرف الوقفي.

ب – إدارة الصناديق الاستثمارية الوقفية، وتتولى هذه الإدارة _ من خلال متخصصين لديها مع مدير استثمار مستقل من المصرف الوقفي من خارج الهيئة _ إدارة الصناديق ومتابعتها والإشراف عليها بشكل دوري.

ج – إدارة الشركات المساهمة، وتتولى عملية التأسيس والمساهمة في الشركات المساهمة، والإشراف على عملية انتخاب مجالس إدارتها، والتنسيق بين هذه الشركات بشكل دوري.

الفرع الثالث _ الرقابة في النموذج التمويلي المقترح.

تُعتبر الرقابة في النموذج المقترح على عمليات تمويل واستثمار أموال الوقف من أهم المسائل الجوهرية التي تضطلع بها الهيئة العامة الأوقاف، باعتبارها المسؤولة عن إدارة الأوقاف، وتعميرها وتنميتها، وضمان حسن استثمارها، وتوجيهها بما يتوافق مع شروط الواقفين، ويحقق المصلحة الاجتماعية والاقتصادية المرجوة.

والرقابة في النموذج التمويلي المقترح يمكن تصنيفها إلى ما يلي:

أولا _ الرقابة القضائية.

وتهدف الرقابة القضائية إلى التأكد من أن قرارات وإجراءات الهيئة العامة للأوقاف، تصدر في إطار القانون الوقفي والمدني الليبي، ولا تنطوي على انحراف بالسلطة، أو تعسف في استعمالها، ومن أهدافها منع أي تصرف أو قرار إداري، يمكن أن يفضي إلى التفريط في أموال الأوقاف أو استخدامها على نحو مخالف لمقاصده.

ثانيا _ الرقابة الشرعية.

تُعد الرقابة الشرعية من السمات المميزة لإدارة استثمار الوقف، نظرًا لطبيعته الدينية والفقهية، وتتم الرقابة الشرعية في النموذج المقترح من خلال لجان شرعية متخصصة، مكونة من أعضاء، تخصصاتهم شرعية واقتصادية، تتولى التأكد من أن كل المعاملات الإدارية والمالية والاستثمارية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، وأنها لا تتعارض مع نية الواقف أو مقاصد الشريعة الإسلامية.

ثالثا _ الرقابة الداخلية.

وهي تمثل جهة رقابية مستقلة داخل الهيئة، ويهدف هذا النوع من الرقابة في النموذج المقترح إلى التأكد من سلامة كل العمليات التمويلية والاستثمارية، وتقيدها باللوائح والأنظمة الوقفية، ورفع تقارير دورية إلى الإدارة العليا بشأن مدى الالتزام بهذه القوانين واللوائح، والكشف عن أية مخالفات أو تجاوزات.

رابعا _ الرقابة الخارجية.

لا تكتفي الهيئة العامة الأوقاف بالرقابة الداخلية، بل تخضع أيضاً لنظم الرقابة الخارجية من جهات رقابية رسمية ومستقلة، مثل ديوان المحاسبة، أو هيئة الرقابة الإدارية، باعتبارهما جهتان مستقلتان في ليبيا، ومخولتان بالتدقيق على الأموال العامة، بما فيها أموال الوقف، ويهدف هذا النوع من الرقابة في النموذج المقترح إلى مراجعة شاملة لعقود الاستثمار والسجلات المالية للهيئة، فضلا عن تقديم التقارير الدورية إلى الجهات التشريعية.

خامسا _ رقابة الواقفين (المجتمعية).

وتعتبر رقابة غير مباشرة، وتتمثل في إشراك الواقفين في الإبلاغ عن أية تجاوزات أو مخالفات قد تحدث، وتشجيع الشفافية من خلال الإعلان عن المشاريع والنشاطات الاستثمارية، ونفقاتها، وإيراداتها، ونشر بياناتها والعقود المتعلقة بالاستثمار الوقفي، ويمكن أن تمارس هذه الرقابة من خلال المجلات أو مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي المجمل، فإن تعدد أنواع الرقابة في النموذج التمويلي المقترح، يعكس الطبيعة الحساسة لأموال الوقف، ويهدف إلى تحقيق التكامل بين الكفاءة الاقتصادية، والشرعية، والمشروعية القانونية، بما يضمن الحفاظ على أموال الوقف، وتنميتها وفق الأولويات الشرعية.

النتائج:

1-إن وعي المجتمع بأهمية الوقف في التمويل والاستثمار، يمكن أن يساهم بشكل كبير في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

2-شهدت الميزانية العامة للدولة الليبية عجزا ماليا ملحوظا خلال الفترة (2015- 2022م)، بسب انخفاض أسعار النفط العالمية.

3-يمكن الاعتماد على التمويل والاستثمار الوقفي في التخفيف من ضغوط الانفاق الحكومي، وتحقيق الاستدامة المالية في ليبيا من خلال تفعيل أدوات وآليات التمويل والاستثمار الوقفية الحديثة.

4-يمكن أن يساهم التمويل والاستثمار بالوقف في تحسين جودة الخدمات العامة دون زيادة في النفقات الحكومية.

5-يمكن أن يساهم التمويل بالوقف في زيادة الدخل القومي من خلال الاستثمار في مشاريع إنتاجية.

التوصيات:

1-ضرورة دمج الأوقاف في ليبيا وإدراجها ضمن الخطط التنموية الوطنية كونها أداة تمويل واستثمار تكميلي في القطاعات الخدمية والإنتاجية والتنموية، ووضع آليات شفافة وواضحة لتحقيق التكامل بين الجهات الوقفية والحكومية.

2-تطوير البنية التحتية التشريعية والتنظيمية الوقفية، وتحديثها بما يسمح باستخدام أدوات استثمارية حديثة ومتنوعة ومرنة كالصناديق الوقفية الاستثمارية، والصكوك الوقفية، التي تحقق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية المرجوة.

3- تعزيز الحوكمة والشفافية والافصاح في إدارة استثمار أموال الوقف، وذلك من خلال تطبيق معايير الحوكمة الحديثة، لضمان الاستخدام الأمثل لأموال الوقف في شتى المجالات بالاقتصاد الليبي، بما يزيد من ثقة المجتمع، ويشجع على التبرع والاستثمار الوقفي.

4- نشر ثقافة التمويل والاستثمار الوقفي بين الأفراد والمؤسسات من خلال حملات توعية ودورات تثقيفية، لتعزيز مفهوم الوقف التنموي، وأهميته كمسؤولية اجتماعية ذات بعد اقتصادي.

5-يجب إنشاء شراكات استراتيجية بين الحكومة والقطاع الوقفي في ليبيا التي تهدف للتمويل والاستثمار في مشاريع مشتركة، مثل: بناء المستشفيات وتطويرها، وبناء المدارس وتطويرها، وبناء الجامعات وتطويرها، وإنشاء البنية التحتية وتطويرها، والتي تسهم في تخفيف العبء المالي عن الحكومة، فضلا عن تحقيق مصلحة الوقف.

المراجع:

1-هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، المعايير الشرعية، المعيار33، 2017م.

2-أشرف دوابه، نحو تصور مقترح للتمويل بالوقف، مجلة مركز صالح عبد الله كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، العدد الحادي والعشرين.

3-مريم كفي، سبل تطوير أدوات وآليات استثمار الوقفية بالجزائر- حالة أوقاف التعليم والبحث العلمي، أطروحة دكتوراه- كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير قسم العلوم الاقتصادية- جامعة محمد البشير الإبراهيمي برج بوعريريج، 2021م.

4-حسين شحاته، بحث بعنوان: منهج وأساليب إدارة أموال المؤسسات الوقفية (التخطيط ـ الرقابة وتقويم الأداء ـ اتخاذ القرارات)، جامعة الأزهر، بدون سنة نشر.

5-محمد الزحيلي، الاستثمار المعاصر للوقف، بحث منشور على موقع رابطة علماء السوريين، بدون سنة نشر.

6-عبد المنعم الدالي، واقع إدارة واستثمار الأوقاف في ليبيا، أطروحة دكتوراه، قسم الاقتصاد الإسلامي، كلية الدراسات العليا جامعة سونان أمبيل الإسلامية الحكومية، بسور ابايا، 2018م.

7-بشيرة مناني، منجية خلف، استثمار أموال الوقف ودوره في تحقيق مقصد حفظ المال، رسالة ماجستير، معهد العلوم الإسلامية قسم الشريعة- تخصص معاملات مالية، جامعة الشهيد حمّه لخضر – الوادي، الجزائر، 2020م.

8-العمري عمرو، تطوير أساليب الاستثمارات الوقفية – دراسة مقارنة بين التجربة الجزائرية والتجربة الكويتية، أطروحة دكتوراه – قسم العلوم المالية والمحاسبة تخصص مالية المؤسسة- جامعة أكلي محند أولحاج- البويرة، الجزائر، 2022م.

9-العياشي فداد، مسائل في فقه الوقف، دورة دور الوقف في مكافحة الفقر نواكشوط- 16-21 مارس 2008م.

10-حسن خطاب، ضوابط استثمار الوقف في الفقه الإسلامي، بحث مقدم للمؤتمر الرابع للأوقاف، المدينة المنورة، 2013م.

11-تقارير ديوان المحاسبة الليبي للسنوات من 2016-2022م.

12-أشرف دوابه، دراسات في التمويل الإسلامي، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، ط1، 2007م.

Margins:

  1. – هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، المعايير الشرعية، المعيار33، 2017م، ص823.

  2. – أشرف دوابه، نحو تصور مقترح للتمويل بالوقف، مجلة مركز صالح عبد الله كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، العدد الحادي والعشرين، ص294.

  3. – مريم كفي، سبل تطوير أدوات وآليات الاستثمار الوقفية بالجزائر- حالة أوقاف التعليم والبحث العلمي، أطروحة دكتوراه- كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير قسم العلوم الاقتصادية- جامعة محمد البشير الإبراهيمي برج بوعريريج، 2021م، ص9.

  4. – حسين شحاته، بحث بعنوان: منهج وأساليب إدارة أموال المؤسسات الوقفية (التخطيط ـ الرقابة وتقويم الأداء ـ اتخاذ القرارات)، جامعة الأزهر، بدون سنة نشر، ص6.

  5. – محمد الزحيلي، الاستثمار المعاصر للوقف، بحث منشور على موقع رابطة علماء السوريين، بدون سنة نشر، ص8.

  6. – عبد المنعم الدالي، واقع إدارة واستثمار الأوقاف في ليبيا، أطروحة دكتوراه، قسم الاقتصاد الإسلامي، كلية الدراسات العليا جامعة سونان أمبيل الإسلامية الحكومية، بسور ابايا، 2018م ص80.

  7. – بشيرة مناني، منجية خلف، استثمار أموال الوقف ودوره في تحقيق مقصد حفظ المال، رسالة ماجستير، معهد العلوم الإسلامية قسم الشريعة- تخصص معاملات مالية، جامعة الشهيدحمّه لخضر – الوادي، الجزائر، 2020م،ِ ص16، 17، بتصرف.

  8. – العمري عمرو، تطوير أساليب الاستثمارات الوقفية – دراسة مقارنة بين التجربة الجزائرية والتجربة الكويتية، أطروحة دكتوراه – قسم العلوم المالية والمحاسبة تخصص مالية المؤسسة- جامعة أكلي محند أولحاج- البويرة، الجزائر، 2022م، ص74.

  9. – العياشي فداد، مسائل في فقه الوقف، دورة دور الوقف في مكافحة الفقر نواكشوط- 16-21 مارس 2008، ص35،36. بتصرف.

  10. – حسن خطاب، ضوابط استثمار الوقف في الفقه الإسلامي، بحث مقدم للمؤتمر الرابع للأوقاف، المدينة المنورة، 2013م، ص25، 26، بتصرف.

  11. – تقارير ديوان المحاسبة الليبي للسنوات من 2015-2022م.

  12. – تقارير ديوان المحاسبة الليبي للسنوات من 2015-2022م، مرجع سابق.

  13. – أشرف دوابه، نحو تصور مقترح للتمويل بالوقف، مرجع سابق، ص303، بتصرف.

  14. – أشرف، دوابه، دراسات في التمويل الإسلامي، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، ط1، 2007، ص173،174، بتصرف.

  15. – المرجع السابق، ص174، 175، بتصرف.