التأصيل الإسلامي للعادات السبع للناس الأكثر فعالية عند ستيفن آر كوفي وتطبيقاتها المعاصرة

Islamic originality of seven the habitats of highly effective people and its modern applications

أسماء أحمد علي الغبيشي1

1 قسم القيادة والسياسات التربوية، كلية التربية، جامعة جدة، المملكة العربية السعودية.

إشراف: د. سلطان رجاء الله السلمي، أستاذ مشارك كلية التربية – جامعة جدة، المملكة العربية السعودية.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj68/42

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/68/42

المجلد (6) العدد (8). الصفحات: 663 - 731

تاريخ الاستقبال: 2025-07-07 | تاريخ القبول: 2025-07-15 | تاريخ النشر: 2025-08-01

Download PDF

المستخلص: هدفت هذه الدراسة إلى الكشف عن التأصيل الإسلامي للعادات السبع للناس الأكثر فعالية عند ستيفن آر كوفي ومن ثم اقتراح التطبيقات التربوية المعاصرة ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف استخدمت الباحثة المنهج الوصفي الوثائقي وفق المدخل الاستنباطي، وقد توصلت الباحثة إلى مجموعة من النتائج، من أبرزها: أن العادات السبع هي مبادئ وقيم ضرورية لتحقيق الفعالية الشخصية والمهنية فينبغي الالتزام بها للوصول إلى المرغوب، و إثبات توافق العادات السبع مع الشريعة الإسلامية وأسبقية الإسلام لها، وأن في مصادر الشريعة من القرآن الكريم و الأحاديث النبوية ومواقف الصحابة أدلة وشواهد صريحة توجه الفرد المسلم للعمل بالعادات السبع التي تحقق له النجاح في الدنيا والآخرة، وأهمية تطبيق هذه المبادئ والقيم تربويًا كما أسفرت نتائج الدراسة عن شمولية التربية الإسلامية وبعدها عن التبعية، وذلك بذكر الشواهد من القرآن والسنة وسير الصحابة على كل عادة من العادات السبع، وفي ضوء هذه النتائج أوصت الدراسة بعدد من التوصيات من أهمها: الاستفادة من العادات السبع في المجال التربوي وتطبيقها على المتربين، وتأليف كتب ومناهج دراسية مُؤصّلة؛ لِتقديم هذه العادات للطلاب والتربويين من منظور إسلامي شامل، وعقد دورات تدريبية متخصصة، تُصمم لِتدريب الأفراد والمدربين على كيفية تطبيق هذه العادات في حياتهم الشخصية والمهنية، كما أوصت بالقيام بالمزيد من الأبحاث والدراسات التي تعنى بالتأصيل الإسلامي للعلوم التربوية عمومًا ولموضوع العادات السبع خصوصًا والتوسع في كل عادة من العادات، وإجراء دراسة لتطوير أدوات تقييم؛ لِقياس مدى تأثير هذه العادات على سلوك الطلاب والتربويين بعد تطبيقها.

الكلمات المفتاحية: التأصيل الإسلامي، العادات السع للناس الأكثر فعالية، ستيفن آر كوفي، التطبيقات المعاصرة.

Abstract: The aim of this study was to reveal the Islamic foundation of the seven habits of highly effective people by Stephen R. Covey, and to propose contemporary educational applications. To achieve this goal, the researcher utilized a descriptive documentary approach based on deductive reasoning. The researcher reached several conclusions, the most notable being that the seven habits are essential principles and values for achieving personal and professional effectiveness, and adherence to them is necessary to reach desired outcomes. Furthermore, the study demonstrated the compatibility of the seven habits with Islamic law, showing that Islam precedes these principles. There are clear evidences and references from the sources of Islamic law, such as the Qur'an, prophetic traditions, and the actions of the companions, guiding Muslims to practice these seven habits that lead to success in both this life and the Hereafter. The significance of applying these principles and values in education was also emphasized. In light of these findings, the study recommended several important actions: leveraging the seven habits in educational contexts and applying them to learners, as well as conducting more research and studies focused on the Islamic foundation of educational sciences in general, and particularly on the subject of the seven habits, and further expanding on each habit.

Keywords: Islamic foundation, seven habits of highly effective people, Stephen R. Covey, contemporary applications.

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، الذي أحصى كل شيء عدداً، وجعل لكلّ شيء أمداً، ولا يشرك في حكمه أحداً، والصلاة والسلام على خير المرسلين.

تميزت الشريعة الإسلامية بشمولها لجميع جوانب الحياة فهي عبادة وعقيدة وعمل، ومعاملة وفكر ووجدان، ذات منهج متكامل ينظم كل المجالات ويحقق السعادة في الدنيا والراحة في الآخرة.

فالدين الإسلامي دين كامل مستوف لكل مجالات الحياة، نظم حياة الإنسان كلها مع ذاته وعلاقاته مع غيره، في بيته وأسرته وفي عمله وفي كل أحواله، فتكفّل الإسلام بوضع منهج كامل متكامل لحياة الإنسان، قال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ (النحل:89)، ويقول سبحانه وتعالى -: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ (الأنعام:38).

كما يدعونا ديننا الحنيف إلى الاستفادة من كل خير ممكن إذا كان في حدود المقبول شرعًا والمباح دينًا، ويحث الأمة الإسلامية أن تنتفع من علوم الآخرين أو كتبهم سواء من الغربيين أو من غيرهم الذين استطاعوا أن ينجحوا في مجال معين ومباح في ديننا يقود للتطوير والإصلاح والتقدم سواء على المستوى الذاتي أو الاجتماعي.

وقد ركزت الشريعة الإسلامية على تطوير الإنسان لأنه محور الفكر وأساس عمارة الأرض، فقد اختاره الله سبحانه وتعالى لحمل أمانة الوحي والتكليف فكان المحور الذي تقوم عليه عملية البناء والتنمية والتطوير في المجتمعات الإسلامية، لأنّه الكائن الوحيد القادر على الإصلاح والتغيير، والبناء والتطوير، وذلك للميزات التي خصّه الله سبحانه وتعالى بها دون غيره من المخلوقات الأخرى من العقل والتفكير، كما أنه الحامل للأمانة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في قوله إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا (الأحزاب :72) هذا التحمل للأمانة اقتضى استعدادات معينة وتنمية مستمرة واتزان نفسي ومعنوي للفرد المسلم، للوصول إلى حالة من الكفاءة في المجتمع الإسلامي.

وفي ظل تهافت الأفراد حول مفاهيم التطوير الذاتي في عصرنا الحاضر ومحاولة اكتساب مهارات تنمية الذات ومراجعة الكتب والمؤلفات والدراسات وإقامة الدورات والندوات والمحاضرات الكثيرة في هذا المجال، إلا أن هذه المفاهيم والسبل لتطوير الشخصية قد جاءت بها شريعتنا الإسلامية ووضحت مبادئها وأسسها، وأرست قواعدها في المجتمع منذ مئات السنين بأساليب بسيطة وإن كانت المسميات مختلفة بعض الشيء إلا إنها تصب في نفس المعنى. (المنظور،2019)

ومن الكتب التي شاعت وذاع صيتها في هذا المجال كتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية لستيفن آر كوفي الذي يهدف إلى التعرف على المبادئ الأساسية التي تدعو الفرد لأن يكون أكثر فعالية ونجاحًا في المجتمع، ويستعرض الكتاب في هذا الصدد سبعة مبادئ إذا طبقت كعادات فإنها من المفترض أن تساعد الشخص على أن يكون أكثر فعالية.

نُشر هذا الكتاب لأول مرة في عام 1989م، وهو عن الاعتماد على الذات وتنمية الشخصية، وقد بيع منه أكثر من 25 مليون نسخة ترجم لـ38 لغة، يحتوي على سبع قيم ومبادئ إذا التزم بها الفرد فإنها من المفترض أن تساعده على أن يكون أكثر فعالية، وهي: كن مبادرًا، ابدأ والغاية في ذهنك، ضع الأهم قبل المهم، عقلية المكسب المشترك (فكر بالمنفعة المتبادلة)، اسع إلى فهم الآخرين أولًا ثم اسع إلى أن يفهموك، تكاتفْ مع الآخرين، اشحذ المنشار (التجديد). (كوفي ،۲۰۰۹)

ولأهمية هذا الكتاب وانتشاره على نطاق واسع، ولقوة تأثير هذه العادات وحيويتها فقد جاءت هذه الدراسة لتأصيل هذه العادات شرعيًا ودراستها من وجهة نظر إسلامية وإبراز تطبيقاتها التربوية المعاصرة.

ثانيًا- موضوع الدراسة وتساؤلاتها:

يعد الاهتمام بالتطوير الذاتي والتغيير للأفضل من أهم ما يطمح له الأفراد لتحقيق النجاح على مستوى شخصي أو على إطار أوسع ورغم أهميته إلا أن هناك ندرة في البحوث التي تناولت التأصيل الإسلامي لجوانب التطوير الذاتي والشخصي وكثيرًا ما يتجه الأفراد الى الدراسات الغربية التي تهتم بذلك الجانب وتسعى لوضع مبادئ لتحقيق النجاح والفعالية في الحياة، ومما اُشتهر في ذلك كتاب العادات السبع.

بناء على ما سبق فقد دعت الحاجة إلى تأصيل تلك العادات السبع إسلاميًا، حيث تشير دراسة (البشري، ٢016) إلى أهمية الدراسات التأصيلية، وأن القرآن الكريم والسنة النبوية تبقيان مصدرين ثابتين للإفادة منهما في كل المجالات والعصور، كما أشارت دراسة (العيسى، 2016) أن هناك ندرة في تناول النظريات التربوية الغربية والإسلامية على حد سواء ، وأظهرت دراسة (هاشم،٢٠١٣) ضرورة وقوف المجتمع التربوي موقفًا جادًا من التزايد المطرد في المعرفة التربوية بفحصها وتحليلها ونقدها إسلاميًا وأشارت دراسة (العيسى،٢٠١٧) إلى أهمية تشجيع الإنتاج العلمي فـي مجال التأصيل والتوجيه الإسلامي للعلوم التربوية، كما أوصت دراسة (بحه،2020) على البحث أكثر في مجال التأصيل الإسلامي، وأسفرت دراسة (الحارثي، ٢٠٢٠) عن أهمية مراجعة جميع المفاهيم التربوية الوافدة حتى تتلاءم مع المنهجية الإسلامية، ومحاولة اشتقاق أكبر قدر ممكن من المفاهيم التربوية من القرآن الكريم والسنة النبوية.

كما جاء في الأسس التي تقوم عليها سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية توجيه العلوم والمعارف بمختلف أنواعها وموادها منهجاً وتأليفاً وتدريساً، وجهة إسلامية في معالجة قضاياها والحكم على نظرياتها وطرق استثمارها، حتى تكون منبثقة من الإسلام، متناسقة مع التفكير الإسلامي السديد، والتوجيه للاستفادة من جميع أنواع المعارف الإنسانية النافعة على ضوء الإسلام للنهوض بالأمة ورفع مستوى حياتها، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى الناس بها (الحقيل،2003)

وقد أظهرت دراسة (سيت، ٢٠١٥) فعالية العادات السبع لستيفن آر. كوفي وأثرها الإيجابي في ترسيخ مفهوم الذات لدى الأطفال الموهوبين، وبيّنت دراسة (طوكان ومنوخ،2020) دور العادات السبع الإيجابي في فاعلية الذات الاكاديمية لدى طلبة المرحلة الإعدادية، وأسفرت دراسة (Pahl، 2011) عن حيوية هذه العادات في تعزيزها للانتقال من الاتكالية إلى الاستقلالية، كما أشارت دراسة (حسين، 2016) عن مدى فعالية استخدام العادات السبع كاستراتيجية في تدريس الطلاب.

من هنا تتجلى أهمية التأصيل للعلوم التربوية عامة ومواضيع التطوير الشخصي خاصة لندرة البحوث التي اهتمت بذلك الجانب، كما تظهر أهمية العادات السبع ومدى كفاءتها وتأثيرها؛ لذلك دعت الحاجة لهذه الدراسة والتي هي بعنوان التأصيل الإسلامي لكتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية عند ستيفن آر كوفي وتطبيقاته المعاصرة، والتي تجيب عن التساؤل الرئيس: ما التأصيل الإسلامي للعادات السبع للناس الأكثر فعالية عند ستيفن آر كوفي وتطبيقاته التربوية المعاصرة؟

والذي يتفرع منه عدة أسئلة:

السؤال الأول: ما الإطار المفاهيمي للعادات السبع للناس الأكثر فعالية عند ستيفن آر كوفي؟

السؤال الثاني: ما التأصيل الإسلامي للعادات السبع؟

السؤال الثالث: ما التطبيقات التربوية المعاصرة للعادات السبع للناس الأكثر فعالية؟

ثالثًا- أهداف الدراسة:

تتمثل أهداف الدراسة فيما يأتي:

  1. التعرف على الإطار المفاهيمي للعادات السبع للناس الأكثر فعالية عند ستيفن آر كوفي.
  2. بيان التأصيل الإسلامي للعادات السبع.
  3. إبراز التطبيقات التربوية المعاصرة للعادات السبع للناس الأكثر فعالية.

رابعًا- أهمية الدراسة:

انطلق أهمية الدراسة مما يلي:

  1. إثراء المدربين المهتمين بالعادات السبع من خلال ربطها بالكتاب والسنة ومواقف الصحابة -رضوان الله عليهم-.
  2. توجيه مصممي المناهج للاستفادة من العادات السبع ووضع الموضوعات والأنشطة التطويرية المتعلقة بالعادات السبع وتأصيلها إسلاميًا.
  3. تزويد طلاب الدراسات العليا بمواضيع بحثية في التأصيل الإسلامي، خاصة أن هذه الدراسة تخدم التأصيل الإسلامي في موضوع حيوي لأكثر الكتب مبيعًا.
  4. تزويد المعلمين والمعلمات بعادات حياتية مؤصلة في ديننا الإسلامي ليتمكنوا من توظيف هذه العادات السبع في طرائق وأساليب التدريس وتدريب الطلاب عليها.
  5. إقناع الآباء والأمهات بأهمية العادات السبع الأصيلة في ديننا وتزويدهم بطرق تربوية لتعويد الأبناء على هذه العادات وأساليب تربوية لغرسها كمهارات حياتية.

خامسًا- حدود الدراسة: 

اقتصرت هذه الدراسة على الحدود الموضوعية وهي التأصيل الإسلامي من الكتاب والسنة ومواقف الصحابة للعادات السبع التي وردت في كتاب العادات السبع وهي: كن مبادرًا، ابدأ والغاية في ذهنك، ابدأ بالأهم قبل المهم، عقلية المكسب المشترك (فكر بالمنفعة المتبادلة)، اسع إلى فهم الآخرين أولًا ثم اسع إلى أن يفهموك، تعاون وتكاتفْ مع الآخرين، اشحذ المنشار (التجديد)، وتطبيقاتها التربوية المعاصرة في الأسرة والمدرسة.

سادسًا- منهج الدراسة:

تستخدم هذه الدراسة المنهج الوصفي الوثائقي وفق المدخل الاستنباطي، ويعرف المنهج الوصفي بأنه: “محاولة الوصول الى المعرفة الدقيقة والتفصيلية لعناصر المشكلة أو ظاهرة محددة للوصول الى فهم أفضل وأدق، أو وضع السياسات والإجراءات المستقبلية الخاصة به”. (المحمودي، 2019، ص46) وقد تم تفعيلة في دراسة العادات والمبادئ السبع وذلك من خلال البحث في النصوص وأوعية المعلومات المتعلقة بها في ضوء التربية الإسلامية.

أما المدخل الاستنباطي فيعرف بأنه: ” الطريقة التي يقوم بها الباحث ببذل أقصى جهد عقلي ونفسي عند دراسة النصوص لهدف استخراج مبادئ تربوية مدعمة بالأدلة الواضحة ” (فؤدة، 1408هـ، 43) وقد تم توظيفه في بيان التأصيل الإسلامي للعادات السبع من خلال نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية ومواقف الصحابة -رضوان الله عليهم-.

واتبعت الباحثة هذا المنهج في الدراسة بتطبيق الخطوات التالية:

  1. تحديد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ذات العلاقة بموضوع الدراسة.
  2. ثم بيان تفسير الآيات القرآنية بالنسبة للأدلة من القرآن الكريم وبيان شروحات الأحاديث بالنسبة للأحاديث النبوية.
  3. ثم استنباط الرابط بين الشواهد والأدلة مع العادة المحددة.

سابعًا- مصطلحات الدراسة:

  1. (التأصيل الإسلامي).

التعريف اللغوي: “مشتق من الفعل أصل، (أصل) الشيء أصلاً أي استقصى بحثه حتى عُرف أصله، وأصَّل الشيء تأصيلاً أي جعل له أصلاً ثابتاً يبنى عليه، و(أصل) الشيء أساسه الذي يقوم عليه وهو بمعنى أسفل الشيء وأساسه، وتأصيل الشيء إثبات أصله، ورجل أصيل ثابت الرأي والعقل، وأصل الشجرة جذورها. ويقال استأصلت هذه الجرة أي ثبت أصلها، كما قد يأتي استئصال الشيء بمعنى قطعه وخلعه من جذوره“. (ابن منظور، د.ت)

التعريف الاصطلاحي: يُعرف التأصيل بأنه: “إقامة العلم على أساس التصور الإسلامي وعلى أساس مبادئ الإسلام وحقائق الشريعة الإسلامية”. (نجاتي، 1411هـ، ص23)

ويرى البعض أن التأصيل الإسلامي عبارة عن: “إعادة بناء العلوم الاجتماعية في ضوء التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع والوجود ذلك باستخدام منهج يتكامل فيه الوحي الصحيح مع الواقع المشاهد كمصدر للمعرفة”. (رجب، 1416هـ، ص41)

وتعني الباحثة بالتأصيل الإسلامي في دراستها: رد هذه العادات السبع إلى أصولها من الكتاب الكريم والسنة النبوية.

  1. (ستيفن آر كوفي).

كاتب ومؤلف أمريكي، من أشهر مؤلفي علم الإدارة والتنمية الذاتية، ولد بولاية يوتاه الأمريكية، توفي عام 2012 م عن عمر يناهز 79 سنة، ويحمل ستيفن كوفي شهادة بكالوريوس في علوم إدارة الأعمال من جامعة يوتاه بمدينة “سولت ليك“، وكذلك شهادة ماجيستير في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد، ودكتوراه في التعليم الديني من جامعة “بيرجهام يانج” وهو مدير مؤسسة فرانكلين كوفي. (كوفي ،1996)

  1. (التطبيقات)

التعريف اللغوي:” التطبيق في الصلاة: جعل اليدين بين الفخذين في الركوع، وتطبيق الفرس: تقريبه في العدو. وطبق الغيم تطبيقاً إذا أصاب بمطره جميع الأرض ” (الجوهري، 1407هـ، ص1512)

التعريف الاصطلاحي: ” تطبيق الشيء على الشيء جعله مطابقًا له، بحيث يصدق عليه” (الكفوي، 1419هـ، ص105)

وتعني الباحثة بالتطبيقات التربوية: الطريقة العملية التي يمكن أن تُطبق بها العادات في الميدان التربوي؛ عن طريق الاستفادة من العادات السبع لإنماء شخصية المتربي بصورة متوازنة تشمل جميع جوانب شخصيته.

ثامنًا- الدراسات السابقة.

اطلعت الباحثة على العديد من المواقع والمكتبات الرقمية ولم تجد دراسة تتحدث عن هذا الموضوع بالتحديد، وقد جاءت الباحثة بالدراسات السابقة المشابهة لها، وذلك على النحو الآتي:

دراسة (بخاري والحقباني،٢٠٢١) بعنوان ” التأصيل الإسلامي والتربوي لنظرية Z اليابانية” والتي هدفت إلى التعرف على خلفية ومبادئ وخصائص نظرية Z في الإدارة اليابانية، كما هدفت إلى بيان التأصيل الإسلامي لمبادئ وخصائص نظرية Z في الإدارة اليابانية وفقاً للمرتكزات الثلاث : المصدرية، والمقاصدية، والوظيفية، وقد تم استخدام المنهج الوصفي التحليلي ، وقد أظهرت نتائج الدراسة أن غالبية مبادئ نظرية Z تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية ، وأن جذور هذه النظرية موجودة في القرآن والسنة ، كما بينت النتائج أن بعض خصائص نظرية Z ليست موجودة ضمن المقاصد الشرعية الإسلامية ، وأنه لا توجد موانع عقدية من تطبيق نظرية Z في المنظمات الإدارية الإسلامية.

دراسة (بحه،٢٠٢1) بعنوان ” التأصيل الإسلامي للذكاء العاطفي في الإدارة التربوية ” والتي هدفت إلى التعرف على التأصيل الإسلامي للذكاء العاطفي في الإدارة التربوية وفقًا لأسس التأصيل الإسلامي والمفاهيم الأساسية التي تدور حولها عقائد الإسلام وتشريعاته ، واستخدمت الباحثة كلا المنهجين الوصفي التحليلي ، والتاريخي الاستنباطي، وتوصلت الباحثة إلى عدد من النتائج أهمها: أن التأصيل الإسلامي من المواضيع الإسلامية المهمة في جميع المجالات ليس فقط الإدارية التربوية، وأنه لوحظ تركيز الدراسات السابقة الخاصة بالتأصيل على تأصيل العلوم النفسية ، والاجتماعية، أيضًا أن الدين الإسلامي من أشمل، وأوسع الأديان التي ركزت على جميع الأمور الحياتية للإنسان.

دراسة (الحارثي، ٢٠٢٠) بعنوان “معايير التأصيل الإسلامي لمفاهيم التربية “ والتي هدفت إلى تحديد مجموعة من معايير التأصيل الإسلامي لمفاهيم التربية التي ينبغي مراعاتها عند التصدي لعملية التأصيل الإسلامي ، واستخدم الباحث المنهج الوصفي التحليلي، وأظهرت نتائج الدراسة : غياب الدراسات البينية – التي قد تسهم بشكل أكبر في تصحيح منهجية التأصيل الإسلامي للعلوم التربوية – بين المتخصصين في أصول التربية والتخصصات الأخرى في المجالات التربوية أو خلافها، وبالتالي قدمت الدراسة مجموعة من معايير التأصيل الإسلامي للمفاهيم التربوية.

دراسة (طوكان ومنوخ، 2019) بعنوان ” العادات السبع لـ(ستيفن آر كوفي) وعلاقتها بفاعلية الذات الأكاديمية لدى طلبة المرحلة الإعدادية “ والتي تهدف إلى التعرف على مستوى العادات السبع لدى طلبة المرحلة الاعدادية، وفقًا لمتغير الجنس ( أناث ، ذكور ) و التخصص، كما استخدم الباحثان المنهج الوصفي الميداني ، وقد تألفت عينة البحث من (۲۲۰) طالبًا وطالبة من طلاب الصف الخامس اعدادي ، تم اختيارهم بشكل عشوائي ، منهم (۱۱۰) طالب و ( ۱۱۰) طالبة، وبواقع ( 55 ) طالب من التخصص العلمي و ( 55 ) طالبًا من التخصص الادبي، و ( 55 ) طالبة من التخصص العلمي و (55) طالبة من التخصص الادبي، كما اعتمدت الباحثتان على أداتان لقياس متغيرات البحث الحالي: الأول أداة لقياس العادات السبع للناس الأكثر فعالية ، والثاني أداة اتخاذ القرار ، تكون مقياس العادات السبع من ( 48 ) فقرة وثلاث بدائل للحصول على الاستجابات ، و تكون مقياس اتخاذ القرار من ( ۳۲ ) موقف وثلاثة بدائل للحصول على الاستجابات، وكان من اهم النتائج التي توصلت لها هذه الدراسة: هي وجود علاقة ايجابية طرديه بين كل من العادات السبع وفاعلية الذات الاكاديمية، وأن طلبة المرحلة الاعدادية لديهم مستوى عالي من العادات السبع، كما أن الاناث يمتلكون مستوى اعلى من الذكور في العادات السبع ، وليس هناك فروق في مستوى العادات السبع وفقًا للتخصص الدراسي.

دراسة (المهيدلي، ٢٠١٨) بعنوان ” تأصيل الجودة الشاملة من منظور إسلامي” والتي هدفت إلى التعرف على ضوابط الجودة الشاملة من منظور إسلامي، واستخدم الباحث المنهج الوصفي الوثائقي والاستنباطي، ومن النتائج التي توصلت لها الدراسة: أن جميع مبادئ الجودة في الفكر الغربي قد سبق إليها الإسلام وكانت نهجًا واضحًا في تعليماته وتوجيهاته وتطبيقاته، بل تميز المنهج الإسلامي بربانية هذه المبادئ واتساعها وشمولها، أن الانتقال بواقع التعليم والمجتمع الإسلامي من حالته القائمة إلى النموذج الحضاري الإسلامي القادر على إعادة البناء والتطوير والريادة، يتطلب المزيد من الاجتهاد والإبداع في تطبيق الفكرة الإسلامية بمقومات عصرية لا تتجاوز الثوابت العقائدية ويمكن في ذلك الاستفادة من النماذج والنظم الغربية.

دراسة (حسين، 2016) بعنوان ” فاعلية تصميم وحدة مرجعية في الأعمال الفنية الخشبية قائمة على استراتيجية العادات السبع لطلاب كلية التربية الأساسية بدولة الكويت “ والتي تهدف إلى إبراز فعالية تصميم وحدة مرجعية في الأعمال الفنية الخشبية قائمة على استراتيجية العادات السبع لطلاب كلية التربية الأساسية بدولة الكويت، واعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي، وتم أخذ عينة بأسلوب الحصر الشامل من الفرقة الثالثة بكلية التربية الأساسية بدولة الكويت وعدد أفرادها (٢٠) طالبا، تم تقسيمهم إلى مجمعتين إحداهما ضابطة والأخرى تجريبية بكل مجموعة (١٠) طلاب، وتم تصميم استمارة تقييم للأعمال الفنية الخشبية قبليا وبعديا، وتوصل البحث إلى عدة نتائج من أهمها ما يلي: توجد فروق بين أداء طلاب كلية التربية الأساسية للأعمال الفنية الخشبية بعد تصميم وحدة مرجعية في الأعمال الفنية الخشبية قائمة على استراتيجية العادات السبع في الاختبار البعدي بين المجموعتين التجريبية والضابطة.

دراسة (البشري، ٢٠١٦) بعنوان ” التأصيل الإسلامي لركائز التدريب ” والتي هدفت إلى ربط حاضر الأمة الإسلامية بماضيها في إعادة الأصالة في البحث العلمي وربطه بأصوله في الدين، والتركيز على المعرفة التي تصدر عن الوحي السماوي وتتصل بكل صحيح ونفيس من السنة المطهرة، استخدم الباحث المنهج الوصفي الوثائقي والمنهج الاستنباطي، ومن أهم نتائج الدراسة: يبقى القرآن الكريم والسنة النبوية مصدرين ثابتين متجددين للإفادة منها في كل المجالات والعصور، أوجدت جهود التأصيل الإسلامي للعلوم شعورًا عاماً بالاعتزاز بالدين الإسلامي لدى شتى الفئات والأطياف المنتمية إليه، أيضًا الإسهام والمشاركة في الجهود المبذولة لتأصيل العلوم تأصيلًا إسلاميًا.

دراسة (العيسى، 2016) بعنوان ” التعرف على واقع بحوث التأصيل والتوجيه الإسلامي للعلوم التربوية في جامعات المملكة العربية السعودية “ والتي هدفت إلى توضيح واقع بحوث التأصيل والتوجيه الإسلامي للعلوم التربوية في جامعات المملكة العربية السعودية وأهم المعوقات التي تواجهها من وجهة نظر أساتذة التربية الإسلامية في تلك الجامعات، واستخدم الباحث المنهج الوصفي التحليلي، واعتمد الاستبانة أداة لجمع البيانات والمعلومات، وتم تقسيمها بثلاثة محاور، واعتمد الباحث عينة الدراسة بعدد الاستبانات حيث تمثل أكثر من نصف مجتمع الدراسة والبالغ عدده (96)عضو هيئة التدريس رجالًا ونساءً، ومن أهم النتائج التي توصلت لها الدراسة: أن من أبرز جوانب الضعف لدى الباحثين في مجال التأصيل والتوجيه الإسلامي للعلوم التربوية ضعف الإنتاج في هذا المجال، كما أن هناك ندرة في تناول النظريات التربوية الغربية والإسلامية على حد سواء، وأن من أهم المعوقات التي تواجه الباحثين في جامعات المملكة العربية السعودية ضعف العمل المؤسسي في مجال التأصيل وضعف الدعم والتشجيع له في العالم الإسلامي.

دراسة (سيت، ٢٠١٥) بعنوان ” أثر برنامج تدريبي قائم على العادات السبع في تنمية مفهوم الذات لدى الأطفال الموهوبين في مرحلة رياض الأطفال في السعودية ” والتي هدفت إلى معرفة أثر برنامج تدريبي قائم على العادات السبع في تنمية مفهوم الذات لدى الأطفال الموهوبين بمرحلة رياض الأطفال، والكشف عن أثر البرنامج التدريبي القائم على العادات السبع. استخدم في الدراسة المنهج الوصفي الميداني، وشملت عينة الدراسة (20) طفلا من المستوى الثالث برياض الأطفال ممن تراوحت أعمارهم (5-6) سنوات بمدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، وأظهرت النتائج تحقق فرضيات الدراسة التالية: توجد فروق ايجابية ذات دلالة إحصائية عند مستوى(a <0.05) في مستوى مفهوم الذات بين المجموعتين الضابطة والتجريبية تعزى للبرنامج التدريبي القائم على العادات السبع على الدرجة الكلية لاختبار مفهوم الذات المصور للأطفال لصالح المجموعة التجريبية، أما الفرض الثاني فلم يتحقق حيث لا توجد فروق ذات دلالة احصائية عند مستوى (a < 0.05) في مستوى مفهوم الذات لدى المجموعة التجريبية بعد التعرض للبرنامج تعزى للنوع الاجتماعي . وهذا يشير إلى أثر البرنامج الايجابي في تنمية مفهوم الذات لدى الأطفال الموهوبين في مرحلة رياض الأطفال.

دراسة (Pahl، 2011) بعنوان “Moving through autonomy toward interdependence: The relationship between Chickering and Reisser’s third vector and Stephen Covey’s Seven habits of highly effective people” والتي تهدف للانتقال من الاتكالية إلى الاستقلالية من خلال المنفعة المتبادلة وتوضيح الخطوات العملية من خلال دراسة Reisser ودراسة Stephen R. Covy، واستخدم الباحث المنهج الوصفي المسحي، وقد تألفت عينة البحث من ( 5511 ) طالبًا وطالبة من كلية متوسطة الحجم، منهم (2۱00) طالب مستجد و(3249) طالب متقدم دراسيًا، كما اعتمد الباحث على أداة لقياس متغيرات البحث الحالي عن طريق مقياس ليكرت لقياس تطور الاستقلالية لدى الطلاب وفقًا للعادات السبع عند ستيفن كوفي ومقياس أيوا لقياس مبادئ chickering ، وتكونت الاستبانة من 90 سؤال، وقد قسم الطلاب لعدة فئات الإناث والذكور والمستجدين والمتقدمين دراسيًا وطلاب السكن الجامعي وخارجه ، وكان من اهم النتائج المتعلقة بالعادات السبع في هذه الدراسة: أنه لا توجد فروق في مستوى تطبيق العادات بين الطلاب إلا في ثلاث منها وهي العادة الثانية (ابدأ والغاية في ذهنك) والعادة الثالثة (ابدأ بالأهم قبل المهم) والعادة الخامسة (اسع إلى فهم الآخرين، ثم اسع إلى أن يفهموك) حيث أن الإناث أكثر تطبيقًا لهذه العادات من الذكور، ولا توجد فروق في مستوى تطبيق باقي العادات بين الطلبة.

تاسعًا- التعقيب على الدراسات السابقة:

  1. أوجه الشبه.

تتشابه الدراسة الحالية مع دراسة (بخاري والحقباني،٢٠٢١) ودراسة (بحه،٢٠٢٠) ودراسة (الحارثي، ٢٠٢٠) ودراسة (المهيدلي، ٢٠١٨) ودراسة (البشري،٢٠١٦) ودراسة (العيسى، 2016) في استخدام المنهج الوصفي، والبحث عن موضوع التأصيل الإسلامي.

كما تتشابه مع دراسة (سيت، ٢٠١٥) ودراسة (طوكان ومنوخ، ٢٠٢٠) ودراسة (حسين، 2016) ودراسة (Pahl،2011) في البحث عن العادات السبع.

  1. أوجه الاختلاف.

تختلف الدراسة الحالية عن باقي الدراسات في أنها تبحث في التأصيل الإسلامي لكتاب العادات السبع لستيفن آر كوفي والتطبيقات التربوية المعاصرة مستخدمة المنهج الوصفي بالمدخل الاستنباطي.

  1. استفادة الدراسة الحالية من الدراسات السابقة.

استفيد هذه الدراسة من الدراسات السابقة في ذكرها لبعض المبادئ التي وردت في كتاب العادات السبع، والأطر المفاهيمية، ومنهجية البحث وطريقة توظيفها، وطرق الاستنباط التأصيلي وفي تدعيم موضوع البحث، كما استفادت من المراجع العلمية التي رجعت لها الدراسات السابقة.

إجراءات الدراسة:

لتحقيق أهداف الرسالة فقد تم تناولها من خلال عدة محاور:

أولًا: الإطار المفاهيمي للتأصيل الإسلامي للعلوم التربوية.

وفيه تتناول الباحثة العناصر التالية:

(١) مفهوم التأصيل الإسلامي للعلوم التربوية:

  • لغة.

الأصل في اللغة مشتق من الفعل أصل، (أصل) الشيء أصلاً أي استقصى بحثه حتى عُرف أصله، وأصَّل الشيء تأصيلاً أي جعلت له أصلاً ثابتاً ينبني عليه، و(أصل) الشيء أساسه الذي يقوم عليه وهو بمعنى أسفل الشيء وأساسه، وتأصيل الشيء إثبات أصله، ورجل أصيل ثابت الرأي والعقل، وأصل الشجرة جذورها، ويقال استأصلت هذه الجرة أي ثبت أصلها، كما قد يأتي استئصال الشيء بمعنى قطعه وخلعه من جذوره. (ابن منظور، د.ت).

  • اصطلاحًا.

الأصل في الاصطلاح هو: ما يثبت حكمه بنفسه ويبنى على غيره، والتأصيل الإسلامي: هو بناء العلوم على نهج الإسلام، ويمكن تعريفة على أنه إعادة العلوم إلى أصولها الأساسية، وصياغتها صياغة إسلامية؛ بأسلوب علمي حديث. (العيسى، 2016)

التأصيل الإسلامي هو “بناء العلوم والمعارف على أصول الإسلام، وتوجيهها وفق مقاصده، ومن هنا يتضح أن التأصيل الإداري هو بناء العلوم الإدارية على الكتاب والسنة، بما يحقق المصلحة العامة للأفراد والجماعات وفق القاعدة الفقهية: لا ضرر ولا ضرار” (باجابر، 2012).

ويعرف أيضًا بأنه: “جعل جميع مكونات وعناصر أي فرع من فروع العلم منبثقا من أصول الإسلام ومفاهيمه العقدية المستلهمة من القرآن الكريم والسنة النبوية وبقية المصادر الشرعية – وغير مخالفة لها، والاستفادة من جهود العلماء فيما لا يتعارض مع تلك الأصول” (الحلواني ۲۰۰۸، ص۱۷۷).

يتضح من خلال التعريفات السابقة أنه لا يوجد فرق كبير بينها لأن جميعها منطلق من التصور الإسلامي الصحيح إلا أن الاختلافات تأتي في التطبيقات والممارسات وإنزال بعض النصوص الشرعية على بعض المفهومات والنظريات، وقد أضافت لجنة التأصيل بجامعة الإمام محمد بن سعود (1407) في أحد تعاريفها أن التأصيل عبارة عن: تأسيس تلك العلوم على ما يلائمها في الشريعة الإسلامية من أدلة نصية أو قواعد كلية أو اجتهادات مبنية عليها.

(٢) أهمية التأصيل الإسلامي للعلوم التربوية.

من النقاط التي تُظهر أهمية التأصيل ما يلي:

  1. التأصيل يعد جزءًا مهمًا لمواجهة النظم العقائدية الوافدة التي تلبس على المجتمعات الإسلامية دينهم، وتعد جزءًا أصيلًا من النظام العقائدي الإسلامي، فيؤدي بذلك إلى زوال الأفكار والنظريات المتناقضة مع روح الإسلام وقيمه التي تثير الارتباك. (إسماعيل، ۲۰۰۸، يالجن، 2014)
  2. تعميق شعور الاعتزاز بالعقيدة الإسلامية وتحصين الناشئة ضد التبعية الثقافية والفكرية والحضارية، وتعريف الدارسين على ثروة المسلمين العظيمة في مجال العلوم الإسلامية كافة. (العمرو، ۲۰۰۰، يالجن، 2014)
  3. ” تأسيس منهج تربوي في ضوء النظرية التربوية الإسلامية يسهم في مناقشة قضايا المجتمع المسلم بعيدًا عن التبعية الفكرية، وفي ظل التحديث المعاصر للعلوم التربوية كان من الضروري التوجه نحو تأصيل مفاهيمها وإعادة بنائها بناء يحقق إعادة صياغتها في ضوء منهج الإسلام، حتى يمكن التفاعل معها والاستفادة من مبادئها في الواقع الحياتي” (الحارثي، ٢٠٢٠، ص.١٣٦).
  4. المحافظة على الهوية الإسلامية التي تقوم به التربية أولًا من خلال إعادة صياغة الفكر التربوي الصحيح في ضوء مصادر التربية الإسلامية، فصياغة شخصية الفرد المسلم، والأسرة والمجتمع لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال مناهج التربية والتعليم التي تقوم بدور كبير في تشكيل الهوية وبناء الفكر وتحديد معالم الشخصية المسلمة المستقلة. (أبو عراد، ٢٠١١، الحارثي، ٢٠٢٠)
  5. بناء شخصيات علمية إسلامية متمكنين من المقارنة والتنظير وبيان خصائص التفكير الإسلامي. (يالجن، 1425)
  6. تأصيل دعائم الأخلاق والقيم إذ تعتبر القيم الأخلاقية هي المرجعية التي يستند إليها الأفراد في الحكم على سلوكياتهم وتصرفاتهم التي يمارسونها ويواجهونها، ويمكن تعريف القيم الأخلاقية بأنها ” المعاني التصورية التي تكون في حس الإنسان ذات شأن عظيم، ولذا فهي توجه سلوكه، بل تدفعه للتضحية في سبيلها، فهي بمثابة الميثاق والدستور الذي لا يتنازل عنه” (الرويلي،2019)، فلا يمكن تحقيق الاتصال التربوي الفعال إلا من خلال توافر ضوابط خلقية وقيمية يلتزم بها أفراد المنظمة، ويهدف الأساس القيمي والأخلاقي إلى تحقيق السعادة للأفراد ونشر الفضائل والمعاملة الحسنة ويدخل في هذا الأساس العدل والصدق والرحمة والمشاركة وكل هذا مطلوب في عملية الاتصال فيجب على الفرد أن يتحلى بهذه الصفات فمخالفة الأخلاق الفاضلة هي مخالفة لأهم مبادئ الدين الإسلامي فقد قال -صلى الله عليه وسلم- “إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ” (البخاري، 1418، ص118).
  7. دعم التخطيط الإستراتيجي التربوي، فالقرآن الكريم يزخر بالآيات التي تدل على قيام هذا الكون في ضوء تخطيط إلهي إستراتيجي محكم في جميع الجوانب: التربوي، والاقتصادي، والاجتماعي، والعسكري. (باجابر، 2012)

ثانيًا: الإطار المفاهيمي لكتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية ومؤلفه ستييفن آر كوفي.

(١) نبذة عن المؤلف ستيفن آر كوفي:

كاتب ومؤلف أمريكي ولد بولاية يوتاه الأمريكية بتارخ 24 أكتوبر عام 1932 وتوفي 16 يوليو2012 عن عمر يناهز 79 عاماً. (كوفي ،1996) (ستيفن كوفي، 2021)

حاصل ستيفن آر كوفي على شهادة جامعية في علوم إدارة الأعمال من جامعة يوتاه بمدينة سولت ليك، ويحمل شهادة ماجيستير في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد، ودكتوراه في التعليم الديني من جامعة بيرجهام يانج.

(٢) مؤلفات ستيفن آر كوفي:

لدى ستيفن آر كوفي العديد من المؤلفات ومنها:

  • كتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية.
  • كتاب القيادة المرتكزة على المبادئ.
  • نجاحات عظيمة يومية: أفكار ملهمة لحياة ذات معنى.
  • البديل الثالث. (كوفي، 2021)

(٣) نبذة عن كتاب العادات السبع:

كتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية The Seven Habits of Highly Successful People لستيفن آر كوفي من أهم المنشورات في مجال التنمية البشرية، يعتبر من أكثر الكتب مبيعاً بالولايات المتحدة والعالم ككل، بيع من الكتاب خمسة عشر مليون نسخة في الولايات المتحدة الأمريكية فقط، مدرج من بين الكتب الأكثر قراءة والأكثر مبيعًا، يحتوي هذا الكتاب على القواعد الذهبية للتنمية الشخصية التي تساعد قارئه في النمو الشخصي وتحسين الجودة الشاملة لحياته.

يقع كتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية فيما يزيد على ثلاثمائة صـفـحـة لأحد كبار المفكرين وهو ستيفن كوفي وهو متخصص في مجال التنمية البشرية وقد أرسى بهذا الكتاب عدداً من العادات الهامة التي تحقق فائدة عظيمة في مجالات عديدة من أهمها مجال التربية، وبالرغم من أن العديد من الكتابات قد تناولت هذا الموضوع إلا أن العادات السبع التي أوردها ستيفن آر كوفي في كتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية تعد الأكثر انتشارًا وقبولًا بالإضافة إلى إمكانية تطبيقها في الواقع التربوي، وقد صدرت ترجمة هذا الكتاب باللغة العربية نظراً لأهميته. (كوفي ،1996)

(٤) قيل في كتاب العادات السبع:

بعض من عبارات الثناء التي حظي بها كتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية للكاتب ستيفن آر كوفي التي ذكرها (كوفي ،1996) في مقدمة كتابه:

  • ذكر الكاتب وارن بينز: لقد ألف ستيفن كوفي كتابًا عن الأحوال البشرية يتميز بأسلوبه الرائع، وفهمه لهمومنا الدفينة وأنا أراه كتابًا مهمًا لنا علـى صعيد حياتنا المهنية والشخصية لذا سأهديه لكل معارفي.
  • وقال رئيس شركة بروكتور آند جامبل جون بيبر: لم يسبق لي أن التقيت بمعلم أو مستشار تمكـن مـن تحسين الفعالية الشخصية لتصل إلى رد فعل إيجابي شامل مماثل، إن هـذا الكتاب يقدم تصورًا رائعًا للمبادئ الفلسفية لستيفن، وأعتقد أن أي شخص يقرأ هذا الكتاب سيدرك علـى الفور سـبب رد فعلي، وردود أفعال الآخرين الهائلة تجاه مبادئ د. كوفي التعليمية.
  • وتحدث وليام رولف كير مدير التعليم العالي في يوتاه عن كتاب العادات السبع فقال: يستخدم كتاب ستيفن آر كوفي القوة والإقناع والمشاعر كأسلوب للتعليم، ويشكل كل من محتوى ومنهجية هذه المبادئ أساسًا صلبًا للتواصل الفعال، وبصفتي مربيًا أجد هـذا الكتاب إضافة متميزة لمكتبتي.
  • ووصف رئيس شبكة الإذاعة العامة بروس إل كريستينسن هذا الكتاب بأنه اشتمل على الأسس الأخلاقية للعلاقات الإنسانية التي تقدم أسلوبًا للحياة، وليس مجرد منهج للنجاح في العمل وهي مجدية حقًا.

(٥) العادات السبع للناس الأكثر فعالية ومفهومها عند ستيفن آر كوفي:

أولًا/ العادة الأولى كن مبادرًا:

  • مفهوم المبادرة.

لغة: الباء والدال والراء، أصلان: أحدهما كمال الشيء وامتلاؤه، والآخر الإسراع إلى الشيء، أما الأول فهو قولهم لكل شيء تم: بدر، وهو موضع يذكر ويؤنث، والأصل الآخر: قولهم بدرت إلى الشيء وبادرت له، وبادر مُبادرة فهو مُبادِر، والمفعول مُبادر، بادره بالأمر: عاجل به، وبادر: أي أسرع. (الرازي،1399؛ الحميري،1420؛ مختار، ١٤٢٩)

اصطلاحًا: عرفها أبو العلا (2017) على أنها ” الإسراع إلى فعل شيء بهدف التغير وقد تكون فكرة أو عمل او أي شيء اخر ويمكن ان تكون سلبية أو إيجابية” (ص 215).

وقد عرفها جوهانسن(۲۰۱٤م) ” أن تصل إلى مكان ما في الوقت المناسب متقدمًا على الآخرين بهدف تحقيق مكسب معين” (ص. ۱۹).

  • مفهوم العادة الأولى كن مبادرًا عند ستفين آر كوفي.

هذه العادة هي أول العادات للناس الأكثر فعالية عند ستفين آر كوفي ونقطة البداية والانطلاق لأي تغيير لكل من أراد النجاح والتقدم وتعني عند ستفين آر كوفي عدة نواحي بالإضافة للمسارعة والإقبال، فأشار كوفي (2021م) أنها تعني أيضًا أن الفرد هو المسؤول عن حياته وما يحدث فيها وإذا أراد التغيير والتطور فعليه البدء بنفسه، وفي هذه العادة أكد ستفين آر كوفي أن بين كل فعل وردة فعل مساحة هي الاختيار وأن هناك فجوة بين المؤثر والرد، فالذي يسعى للتغيير عليه أن يتحكم في هذه المساحة ويسيطر على نفسه ويضبط اختياراته فلا يميل مع مشاعره أو أهوائه ولا يسمح لأحد ممن حوله التأثير عليه، فيكون بذلك شخصًا انفعاليًا لا مبادرًا، وذلك لأن الشخص المبادر يعرف أن بإمكانه أن يقف لحظة ويقرر ردة الفعل التي يريدها بناءً على مبادئه وأهدافه وليس على الظروف و الأهواء أو الأشخاص من حوله ، فيخلق لنفسه الطقس الملائم الذي يحثه على التقدم والاستمرار. (ص.80-84)

كما أن من سمات الشخصية المبادرة التي ذكرها ستفين آر كوفي (2021م) التركيز على دائرة التأثير بدلًا من دائرة الاهتمامات حيث إن لكل إنسان مبدأين مبدأ التأثير ومبدأ الاهتمام وتمثل دائرتين متقاطعتين الدائرة الأولى الصغيرة هي دائرة التأثير، وتمثل جميع الأشياء التي يمكن للإنسان أن يؤثر فيها مثل نفسه، وبيئته المحيطة وأسرته، وعمله، والدائرة الثانية هي دائرة الاهتمامات وتمثل الأشياء التي يهتم بها، ولكنه لا يستطيع التأثير عليها، مثل المشكلات السياسية العالمية، وتقلبات الطقس وما إلى ذلك، فمثلًا الإنسان المبادر يكون حريصًا على تطوير نفسه، وتعلم المهارات الجديدة، ويهتم بأسرته، ويسعى دائمًا إلى تطوير مكان عمله، وبيئته من حوله وهكذا.(85-89)، كما أن الشخص المبادر هو الشخص الذي يسعى جاهداً لمعالجة القضايا، حتى لو لم يكن السبب الرئيسي لها، ويشعر أن لأفعاله القدرة على تغيير واقعه.

وبذلك فإن أول العادات عند ستفين هي تحلي الفرد بشخصية مبادرة إيجابية، فيتحكم في اختياراته الواعية تبعًا لقيمه ومبادئه التي تنبع منها ردة فعله، ويكون مسؤولًا عن حياته مبادرًا بالتغيير، ويركز على دائرة التأثير التي يستطيع تطويرها وتنميتها فبقدر ما يكون مبادرًا تكبر هذه الدائرة وتتسع لديه حتى تبلغ آفاق بعيدة.

ثانيًا/ العادة الثانية ابدأ والغاية في ذهنك:

تشير هذه العادة عند كوفي (2021م) إلى التخطيط ووضع أهداف واضحة لتحقيق الغايات التي يطمح لها الفرد الراغب في التغيير والنجاح، فيجدر بالباحثة في هذا الموضع أن تذكر تعريف التخطيط والأهداف والغايات.

  • مفهوم التخطيط.

لغةً: هو مصدر خطط تخطيطاً، مثل كلم تكليماً وهو مبالغة في خطه، والتخطيط كالتسطير والتهذيب، ويقال: اختط لنفسه دارا إذا ضرب لها حدودا ليعلم أنها له، وهذه خطة بني فلان وخططهم، واستعملت حديثاً للدلالة على علم الرسم والتصوير، ووضع خطة مدروسة للنواحي الاقتصادية والتعليمية والإنتاجية وغيرها للدولة. (ابن منظور، د.ت)

اصطلاحاً: عُرف بعدة تعريفات منها:

“ما يقوم به المدير من خطط لإدارته في الحاضر للوصول إلى أهدافها في المستقبل، فهو جسر للعمل بين الحاضر والمستقبل” (الجويبر، 1427هـ، ص.26).

“القيام بعمليات وإجراءات منطقية لمواجهة موضوع مستقبلي أو تحقيق أهداف مستقبلية وفق أولويات مسوغة وحسب الإمكانات المتاحة”. (الموسوعة العربية، 2002م، ص.173).

  • مفهوم الأهداف

لغةً: يُشير لفظ “الهدف” في اللغة العربية إلى عدة معانٍ، أبرزها:

  • كل شيء عريض مرتفع: كما جاء في “العين”: “والهَدَفُ: كلّ شيء عريض مرتفع. وأَهْدَفَ الشَّيءُ، إذا انْتَصَبَ” (الفراهيدي، د.ت، ص.4).
  • الغرض أو المرمى: يُقال: “هدَفَه أي قصده وأسرع، ورمى إليه” (الرازي، د.ت، ص.317).
  • كل بناء مرتفع مشرف: “الهدف: كل بناء مرتفع مشرف .. ، يقال: أهدف له الشيء واستهدف، إذا دنا منه وانتصب له مستقبلا” (ابن الأثير، 1979م، ج5، ص.249).
  • المقصد أو الغاية: فالهدف هو المطلب، الغرض الذي يُوجّه إليه القصد. (عمر، 2008م، ج3، ص 2452).

اصطلاحًا: يذكر دراكر (١٩٧٣م) أن الأهداف أداة أساسية للتخطيط، و أنها تُمكن من تحقيق النتائج، وتوجيه الجهود، وقياس الأداء، ويرى أن الأهداف هي “النتائج التي يجب تحقيقها” و”التزامات الأداء”. (ص.١٠٠-١٠٥)

  • مفهوم الغاية

تُعدّ الغاية مفهومًا جوهريًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالهدف، وغالبًا ما يُستخدمان بالتبادل، إلا أن لكل منهما دلالة مميزة في اللغة والاصطلاح.

لغةً: يشير لفظ “الغاية” في اللغة العربية إلى عدة معانٍ رئيسية، تتركز حول النهاية والمنتهى والمقصود الأقصى.

  • النهاية القصوى أو الأمد: تُعدّ الغاية هي أقصى ما يُوصل إليه الشيء أو أقصى مداه. يقال: “بلَغَ الغايةَ”: أي وصل إلى أقصى ما يمكن أن يبلُغه أو يُدركه (المعجم الوسيط، 2004م، ج2، ص.677).
  • الحدّ والنهاية: تُستخدم الغاية للدلالة على الحد الذي ينتهي إليه الشيء. فمثلًا، “غايَةُ الشَّيْءِ”: منتهاهُ ونهايتُه، و”غاياتُ القَوْمِ”: راياتُهم (ابن منظور، د.ت.، ج10، ص.275).
  • المقصود أو المطلب الأخير: تُشير الغاية إلى الهدف الأبعد أو الأسمى الذي يُسعى لتحقيقه. “ما غايتُك من هذا الأمر؟”: أي ما مقصدك ونهايتك إليه (ابن منظور، د.ت.، ج10، ص.275).

الغاية اصطلاحًا: تُعتبر الغاية مفهومًا أوسع وأكثر شمولًا من الهدف، وتمثل المقصد الأسمى أو الرؤية طويلة الأمد التي توجّه الأهداف الفرعية.

“تعبيرات عامة عن الاتجاه الذي ترغب المنظمة في السير فيه، وهي رؤى بعيدة المدى لا يُتوقع تحقيقها في فترة قصيرة، بل هي بمثابة القمة التي تُنصب إليها الأهداف التفصيلية التي يمكن قياسها وتحقيقها على المدى القصير والمتوسط”. ( آل سلوم، ٢٠٠٦م، ص.٨٥-٩٥)

  • مفهوم العادة الثانية ابدأ والغاية في ذهنك عند ستفين آر كوفي.

تعني هذه العادة أن تبدأ والنهاية واضحة في ذهنك، وأن تبدأ بفهم واضح لمصيرك، وأين ستذهب؟ بحيث تفهم بطريقة أفضل أين أنت الآن، وتكون الخطوات التي تتخذها دائما في الاتجاه الصائب.

يُشبه كوفي هذه العادة بالبوصلة التي تشير دائما على الجهة الشمالية باعتبارها الاتجاه الذي يرغب الفرد السير نحوه فإذا أضاع البوصلة وفقد الاتجاهات فلا أمل له بعد ذلك للوصول إلى وجهته. (عبده، 2008)

يوضح كوفي (2021م) في هذه العادة أن على الفرد أن يحدد رسالته العامة من الحياة وأن تكون مركزة وشاملة وليست مختصة بجانب واحد من الحياة دون الآخر، ومن ثم عليه تحديد أدواره في الحياة كفرد وأب وزج وغيره، ويتفرع منها أهدافًا إجرائية قصيرة المدى توصل إلى الهدف الأساسي، ولابد أن تكون هذه الأهداف الإجرائية محددة وواضحة، كما يوصي كوفي بأن تكون مكتوبة، وأن تكون واقعية بعيدة عن الخيال، وأن تكون طموحة لتستثير الهمم، وأن تقيد بزمن محدد، وأخيرًا أن يكون هناك نوع من المتابعة والمحاسبة.

كما ذكر كوفي (2021م) في هذه العادة أن كل شيء يصنع مرتين يصنع أولاً في ذهن المنفذ، ثم يصنع بعد ذلك في عالم الواقع، وهكذا الحياة المستقبلية لابد أولًا أن تكون لها صورة واضحة في الذهن، ثم يُخطط لها حتى تتحقق في المستقبل.

وبذلك فإن ثاني العادات عند ستيفن آر كوفي هي التخطيط المناسب وتحديد الأهداف للوصول إلى الغاية المرجوة فيجب أن يكون الفرد على دراية بالطريق الذي سيسلكه منذ البداية لتحقيق النجاح والفاعلية وأن يفهم أن نجاحه سيأتي في نهاية هذا المسار – بإذن الله-.

ثالثًا/ العادة الثالثة ابدأ بالأهم قبل المهم:

ابدأ بالأهم قبل المهم تعني عند كوفي (2021م) هذه العادة تنظيم وترتيب الأولويات من الأهم إلى المهم، وهو العيش والعمل وفقاً للمبادئ التي يكنّ لها الفرد أكبر تقدير، فحري بالباحثة هنا أن تعرف مصطلح الأوليات.

  • مفهوم الأولويات.

لغة: أصلها من الولي: وهو القرب والدنو، يقال: تباعد بعد ولي، أي قرب. وقال الأصمعي: الولي: “المطر الذي يأتي بعد المطر” (الأزهري، 1967م، 447)، قيل: “والباب كله راجع إلى القر” (الرازي، 1399، ص.142) واسم التفضيل من ولي: أولى، وتأتي بمعنى أحرى وأحق وأجدر، وتأتي أيضا بمعنى أقرب وأدنى، والمصدر الصناعي من أولى: أولوية، والأولويات جمع أولوية. (الباشا، 1992م، ص.189)

ويمكن القول بأن تعريف الأولويات لغة هو: الأحقية في تقديم بعض الأمور على بعض، بناء على القرب من أمر معين.

اصطلاحاً: عرف مصطلح الأولويات بعدة تعاريف منها:

الأولويات هي: “القطاعات والعمليات التي تُعطى أسبقية في الترتيب على غيرها، فهي نقطة البدء الأساسية في غايات المجتمع وأهدافه” (السقا، 1995م، ص.13).

وعرفت أيضًا بأنها “وضع الأشياء أو الأمور في ترتيب معين حسب أهميتها، ومن الكلمات أو المفاهيم المرادفة لها مفهوم الترتيب”. (سعادة، 2003م، ص.217).

  • مفهوم العادة الثالثة ابدأ بالأهم قبل المهم عند ستيفن آر كوفي:

هذه العادة هي عادة العمل والتنفيذ، ففي العادة الأولى يقرر كوفي عند الفرد أنه مسؤول عن حياته، وأن بيده مفاتيح تغييرها، ثم في العادة الثانية يوجهه لمعرفة معنى حياته والتخطيط لها، وتحديد الهدف من ورائها، ومن ثم يتبقى عليه أن يعيش بطريقة تضمن له تحقيق هذه الأهداف والوصول إلى النتائج المأمولة.

تتمثل وظيفة العادة الثالثة في المساعدة على تنظيم الأولويات وفقًا لأهميتها وإلحاحها من خلال تحديدها أولًا، فالفرد الفعال يعطي الأولوية لقضاء وقته وجهده في الأنشطة الحيوية التي تحقق أكبر قدر من الفوائد، ثم يوافق على القيام بوظائف أخرى ليست ملحة أو ضرورية.

كما أن هذه العادة هي عادة الإدارة الذاتية، فيفرق كوفي بين القيادة والإدارة فيوضح أن القيادة هي: معرفة الأهداف والأولويات ومعنى العمل، وهذا ما تعرضت له العادة الثانية ابدأ والنهاية في ذهنك، وأما الإدارة فهي: توظيف الإمكانيات المتاحة للوصول إلى الأهداف المحددة، وهو محور هذه العادة ابدأ بالأهم قبل المهم.

يعرف كوفي في هذه العادة أمرين: الأمر الملح والأمر المهم، فالأمر الملح: هو الأمر الذي يضغط على الإنسان ويدفعه إلى إنجازه؛ لأنه لا يمكن تأخيره، بغض النظر عن أهمية هذا العمل وأولويته. بينما يعرف الأمر المهم: بأنه الأمر المترتب على فعله تحقق أحد أهداف الإنسان، ويترتب على تركه تضييع أحد هذه الأهداف بغض النظر عن ضغطه على الفرد وشعوره بالعجلة لتحقيقه.

وبعد أن وضح كوفي معنى الأمر الملح والمهم، يعرض كوفي نظرية المربعات الأربعة؛ وفيها يقسم الأعمال أو المهام التي يقوم بها الناس عادة بناءً على أهميتها وضغط الوقت فيها إلى أربعة أقسام: ففي المربع الأول: تقع الأمور الملحة والمهمة، وفي المربع الثاني: تقع الأمور المهمة غير الملحة،

وفي المربع الثالث: تقع الأمور الملحة، ولكنها غير مهمة، أما في المربع الرابع: الأمور غير الملحة وغير المهمة.

وبعد أن وضّح كوفي نظرية المربعات الأربعة لتقسيم الأمور الهامة وغير الهامة يؤكد أن الأشخاص الفعالين يقضون معظم أوقاتهم في إنجاز الأعمال التي تقع في المربع الثاني ثم المربع الأول، أي في الأنشطة التي فيها استثمار للمستقبل، وفيها تحقيق للأهداف دون أن يكون فيها إحساس بالعجلة والضغط الوقتي.

رابعًا/ العادة الرابعة عقلية المكسب المشترك (فكر بالمنفعة المتبادلة):

  • مفهوم المكسب

لغة: هو مصدر للفعل الثلاثي كسب وهو أصلٌ صحيحٌ، ويدل على ابتغاء وطلب وإصابة، ويقال: كسب أهله خيرًا، وكسبت الرجل مالًا فكسبه، وهذا مما جاء على فعلته ففعل. (الرازي، 1399، 179) والكسب: ما يتحراه الإنسان مما فيه اجتلاب نفع، وتحصيل حظ، ككسب المال، وقد يستعمل فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعة، ثم استجلب به مضرة، والكسب يقال فيما أخذه لنفسه ولغيره. (الأزهري، 2001م، ص.48؛ الجوهري،1404هـ، ص.212)

وكسب: أصاب، واكتسب: تصرف واجتهد. وتكسب، واكتسب: طلب الرزق، وأصله الجمع. (الفراهيدي،1424، 315؛ الفيروز آبادي،1426هـ، ص.130)

اصطلاحًا: ” الكسب: هو المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضرر، ولا يوصف فعل الله بأنه كسب؛ لكونه منزهًا عن جلب نفع أو دفع ضرر”. (الجرجاني، 1403هـ، ص.184)

وقيل: ” الكسب: أصله اجتلاب النفع، وقد جاء في اجتلاب الضر” (أبو حيان،1420هـ، 436)، وقيل أيضًا: “وأصل الكسب: العمل، فكل عامل عملًا بمباشرة منه لما عمل ومعاناة باحتراف، فهو كاسب لما عمل”. (الطبري، د.ت، ص.273).

  • مفهوم العادة الرابعة عقلية المكسب المشترك (فكّر بالمنفعة المتبادلة) عند ستيفن آر كوفي:

هذه العادة هي أول قاعدة في التعامل مع الآخرين، يوضح كوفي في هذه العادة أن العلاقات الإنسانية بين الناس من حيث النفع والضر تنقسم إلى أربعة أنواع:

  • علاقة أكسب أنا ويكسب الآخرون: هذه العلاقة يقوم التعامل على أساس المصلحة للجميع وهي أن تربح ويكون لك عائد من العلاقة ويربح الطرف الآخر أيضًا.
  • علاقة أكسب أنا ويخسر الآخرون: هذه العلاقة تركز على الربح للفرد فقط دون غيره، فهي علاقة مبنية على الأنانية وحب الذات دون الاكتراث بالطرف الآخر.
  • علاقة أخسر أنا ويربح الآخرون: في هذه العلاقة يُضحي الإنسان بربحه مقابل أن يربح أطرافها الآخرون.
  • علاقة أخسر أنا ويخسر الآخرون: هذه علاقة سلبية لا يريد الشخص الخير لنفسه ولا للآخرين، علاقة مبنية على عقلية مشوهه وتخريبية.

والواضح أن العلاقة الأكثر نضجًا ونفعًا للجميع هي العلاقة الأولى: أن يكسب الفرد ويكسب معه الطرف الآخر، فهي التي تليق بالإنسان. (عبده، 2008)

ووفقًا لما ذكر كوفي فإنه لتحقيق المنفعة المشتركة يجب أن يمتلك الشخص صفتين أساسيتين وهي: الإنصاف ، والشجاعة. (مجلة فكر حر الإلكترونية، 2021؛ عبده، 2008)

خامسًا/ العادة الخامسة اسع إلى فهم الآخرين أولًا قبل أن تسع إلى أن يفهموك:

هذه العادة هي القاعدة الثانية في التعامل مع الآخرين عند كوفي، وتُشير إلى فن الاستماع الجيد للآخرين فلا تستطيع فهم الآخرين إلا بالاستماع الجيد لهم لفهم حديثهم، ففي المحادثات أحيانًا نسيء في فهم الطرف الآخر، وعادة ما يكون السبب الأساسي لسوء التواصل هو اختلاف الآراء، ولكن الأهم من ذلك هو الفشل في فهم الشخص الآخر والأسباب الكامنة في تعبيره عن رأي متباين.

  • مفهوم العادة الخامسة اسع إلى فهم الآخرين أولًا ثم اسمع إلى أن يفهموك عند ستيفن آر كوفي.

يتحدث كوفي في هذه العادة عن الاستماع الجيد الموصل لفهم الآخرين، فيقول: إن كثير من الناس يتقنون فن الحديث، ويتدربون عليه ويمارسونه أمام الآخرين، ولكن القليل أو من النادر من يتقن فن الاستماع ويتدرب عليه.

يقرر كوفي أن من الحاجات الأساسية للإنسان أن يُفهم، ولا يمكن أن يكون هناك فهم حقيقي من دون أن يكون هناك استماع جيد، فالاستماع الجيد يجعل الطرف الآخر يشعر بالثقة والتقدير والاحترام، ويصبح النقاش فعّال وتصبح احتمالية أن يفهمك الطرف الآخر أكبر.(جلال، 2004هـ، 23)

ومن ثم يناقش كوفي مفهوم الاستماع الجيد، ويقترح له أمورًا نظرية وعملية مهمة،

فمن الأمور النظرية: محاولة فهم الآخرين وتقبلهم كما هم بعيدًا عن المنطلقات والآراء الشخصية، والنظر للحياة من منظورهم بدلًا من رؤيتها بناءً على نظرتك الخاصة وتجاربك.

ومن النصائح العملية للاستماع الجيد: مواجهة المتحدث، والنظر في عينيه، والابتسامة له، والتفاعل معه وإظهار الاهتمام بما يقول، والأهم من ذلك أن تنصت للمتحدث لا أن تستمع له فقط.

ويذكر كوفي أن هناك ثلاثة عناصر تسهم في التأثير على الآخرين، وهي:

أولاً: المصداقية الشخصية، وتعني تمثلك لما تريد أن تقول، وأن تكون قدوة في ذلك.

ثانياً: التعاطف مع الطرف الآخر والتعامل معه بالرحمة والحب.

ثالثًا: المنطق والحجة العقلية للوصول للإقناع.

ويقترح كوفي اتخاذ الإجراءات التالية لتطوير هذه العادة:

  • الانتباه للطرف الآخر وأخذ الوقت الكافي للرد.
  • التحقق من الطرف الآخر للوصول إلى فهم شامل لرأيه.
  • الحسم في مناقشة الأفكار.
  • التعبير عن مدى فهم الطرف الآخر، وتقبل النقد.
  • كما يذكر كوفي أن فهمك للآخرين يمنحك ميزتين أساسيتين:
  • يسمح للشخص الآخر بفهمك، ومن ثم مناقشتك مما يمنحك فرصة لتغيير رأيك.
  • قدرتك على فهم الطرف الآخر تدل على أنك مستمع جيد ومفكر ناقد، فيحثك ذلك على البحث عن الحقيقة بدلاً من محاولة إقناع الطرف الآخر، ويساعد الطرف الآخر في قبول وجهة نظرك بعد فهم وجهة نظره بدقة. (مجلة فكر حر الإلكترونية، 2021)

سادسًا/ العادة السادسة تكاتف مع الآخرين ( التعاون ):

  • مفهوم التَّعاون.

لغةً: من العون: الظَّهير على الأمر، وأعانه على الشَّيء: ساعده، واستعان فلانٌ فلانًا وبه: طلب منه العون. التعاون: تكاتُف،‏ وتضامُن، وعَاوَنَ فلانٌ فلانًا: ساعده، وتعاون القوم: تكاتفوا، وأعان وساعد بعضهم بعضًا، تَكَاتَفَ القومُ: تعاونوا وتضامنوا، عاون جاره: أعانه، ساعده وأسعفه. (ابن منظور، د.ت؛ الرازي،1399؛ عمر، 1429)

اصطلاحًا: التَّعاون هو: ” المساعدة على الحقِّ ابتغاء الأجر مِن الله سبحانه”. (الخراز، 1430، 441)

التعاون: “مذهب اقتصادي شعاره الفرد للجماعة والجماعة للفرد ومظهره تكوين جماعات للقيام بعمل مشترك لمصلحة الأعضاء والاستغناء عن الوسيط”. (عمر، 1580،1429)

  • مفهوم العادة السادسة تعاون وتكاتف مع الآخرين عند ستيفن آر كوفي.

التعاون عند كوفي قد يكتسب بدعم من العادة الرابعة فكّر بالمنفعة المتبادلة ، والخامسة افهم قبل أن تُفهم ، كما أن هذه العادة قريبة من مفهوم العادة الرابعة التي نصت على أن يكون كلا طرفي العلاقة رابحًا، لكن هذه العادة السادسة تفتح مجالًا أوسع وأكثر نفعًا، فلا يقتصر النفع فيها على طرفي العلاقة فقط بل لابد أن يكون النفع أوسع فيشمل طرفي العلاقة و المجتمع حولهم فتكون بذلك متعدية النفع بالإضافة إلى أن هذه العادة تهدف لإيجاد حلول إبداعية مبتكرة حيث وضح كوفي أنه لابد أن يكون التعاون مرتبط بالإنماء والإبداع لخلق نتائج جديدة تناسب الجميع وتراعي اختلافاتهم والوصول إلى حلول مبتكرة للمشكلات التي كانت تبدو مستحيلة الحل.

كما أشار كوفي إلى أن التعاون الإنمائي والإبداعي يعتمد أيضًا على فكرة تخصيص المكافآت وإنشاء الواجبات بين الأشخاص المعنيين، فلابد من التعاون مع من لديه الرغبة في المساعدة للوصول إلى الهدف المرجو تحقيقه.

سابعًا/ العادة السابعة اشحذ المنشار ( التجديد) :

  • مفهوم التجديد.

لغة: جدَّدَ يُجدِّد، تجديدًا، فهو مُجدد، والمفعول مُجدد، جَدَّدَ فلان الشيء: أي صيّره جديدًا، وجَدَّدَ فلانٌ الأمرَ: كرَّره، وأعاده، وجَدَّدَ فلانٌ الإجازةَ والعقدَ ونحوهما: مدَّد مدة العمل بها‏، وجَدَّدَ فلانٌ النشاطَ ونحوَه: أخذ بعض الراحة ليعود أكثر قدرة عن العمل. والتجديد: التحديث والتطوير. (ابن منظور، د.ت؛ عمر، 1429)

يظهر مما سبق أن التجديد في معناه اللغوي يشير إلى ثلاثة معان تتصل ببعضها البعض:

” أولاً: أن الشيء قد كان في أول الأمر موجودًا وقائمًا وللناس به عهد.

ثانياً: أن هذا الشيء أتت عليه الأيام فأصابه البلى وصار قديمًا خلقًا.

ثالثاً: أن ذلك الشيء قد أعيد إلى مثل الحالة التي كان عليها قبل أن يبلى ويخلق.” (الأصفهاني، 2010، 125)

اصطلاحًا: ” عبارة عن الفاعليّة الإنسانيّة التي مصدرها الفرد والمجتمع، ويقوم التجديد على مبارحة وضع الخمول والجمود والثبات، والسعي إلى النماء والنمو والتغيير الفكري والعملي، إضافةً إلى استخدام جميع الوسائل المتاحة في شتّى مجالات الحياة”. (الشريفي، 1439، 58)

تعددت تعريفات التجديد واختلفت بحسب المجال الذي يضاف له، ولكن الباحثة اختارت هذا التعريف لقربه من معنى التجديد الذي أشار إليه ستيفن كوفي في هذه العاد السابعة وهو التجديد الذاتي.

  • مفهوم العادة السابعة اشحذ المنشار (التجديد) عند ستيفن آر كوفي.

تميل النفس البشرية إلى الاتكالية والتراخي، لذا لابد على الفرد من تجديد حيويته بين الفينه والأخرى، والسعي لتطوير مهاراته وتنمية قدراته بشكل عام وشامل لكل جوانب حياته، وقد وضح كوفي في هذه العادة أنه من الواجب على الفرد حماية نفسه من التوتر المستمر فاقترح القيام بعدة أمور لتنمية كافة جوانب الحياة والوصول للفعالية بدون إجهاد وتوتر:

  • الجانب الجسدي: الحركة والرياضة والاهتمام بالصحة والغذاء يقوى الجسد وينمو، كما أن الراحة الجسدية ضرورية لأن الإرهاق الجسدي يستهلك المزيد من الطاقة، مما يعوق الإنتاجية والإبداع ويمنع المرء من تحقيق الأهداف والنتائج المرجوة.
  • الجانب الروحي: الانخراط في الطقوس الدينية والصلاة والعزلة الدينية، وممارسة التأمل فقد يساعد أحيانًا على الاسترخاء والتفكير في كل جزء من الحياة.
  • الجانب العقلي: القراءة والاطلاع واستمرار التفكير وتعلم المهارات والعلوم لتنمية العقل وتطويره، وأيضًا تجنب الانحراف العقلي المتكرر، مثل مشاهدة البرامج التلفزيونية والأفلام بنهم أو قضاء وقت طويل على مواقع التواصل الاجتماعي، فالعقل يتطلب بعض الوقت من وقت لآخر، تمامًا مثل الجسد.
  • الجانب الاجتماعي العاطفي: التركيز على الحفاظ على العلاقات الحالية أكثر من التركيز على تكوين علاقات جديدة، فالعلاقات القليلة القوية أفضل بكثير من الكثير من العلاقات الهشة.

ذكر كوفي مثالًا ليوضح هذه العادة: رجلين الأول استخدم منشار باهت لاختراق شجرة لساعات بينما يقوم الآخر بشحذ المنشار باستمرار، فالشخص الأول يعمل بجد لقطع شجرة واحدة فقط، ولكن يمكن للشخص الآخر قطع العديد من الأشجار في نفس الوقت الذي يستغرقه الشخص الأول، فيجب على الفرد الحفاظ على نفسه وتحسينها باستمرار ليتمكن من تحقيق أهدافه بسرعة أكبر وبجهد أقل وأكثر فاعلية وإيجابية، فهذه العادة تهدف للتطوير المتجدد حتى لا يضعف المرء ويفقد فاعليته، فهي ليست مجرد الإنتاج فقط وإنما القدرة المستمرة على الإنتاج.

ثالثًا: التأصيل الإسلامي للعادات السبع للناس الأكثر فعالية.

(١) التأصيل الإسلامي للعادة الأولى كن مبادرًا.

أولًا/ التأصيل للعادة الأولى كن مبادرًا من القرآن الكريم.

  • الدليل الأول: قال الله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (البقرة: 148).

قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ أي إلى الخيرات، أي بادروا ما أمركم الله عز وجل من استقبال البيت الحرام، وإن كان يتضمن الحث على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بالعموم،” (القرطبي، 1384هـ، ج2، ص.165)

قال الإمام البغوي(1420هـ): ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ أي: بادروا إلى الطاعات، وقبولها. (ج1، ص. 181)

وعليه فإن هذه الآية تدعو إلى المسارعة والمبادرة في أداء الطاعات والعمل الصالح، وعدم التكاسل أو التأخير في فعل الخير، وهذا التوجيه جاء ضمن سياق الحديث عن القبلة واختلاف الأمم، ليبين أن وجهة الإنسان في عبادته ليست هي الغاية، بل الغاية هي المسارعة إلى الخيرات أيًا كانت القبلة، والمسابقة إلى رضوان الله، فصيغة الأمر في هذه الآية تدل على المبادرة الذاتية، لا على انتظار توجيه خارجي، كما حثت المسلم ألا يكتفي بفعل الخير، بل يُسابق إليه، ويتفوق فيه.

  • الدليل الثاني: قال الله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (آل عمران: 133).

يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وَسَارِعُوا﴾، وبادروا وسابقوا إلى مغفرة من ربكم، يعني: إلى ما يستر عليكم ذنوبكم من رحمته، وما يغطيها عليكم من عفوه عن عقوبتكم عليها، وجنة عرضها السماوات والأرض، يعني: وسارعوا أيضًا إلى جنة عرضها السماوات والأرض.” (الطبري، د.ت، ج7، ص.207)

وذكر الإمام ابن كثير (1419هـ) في تفسيره ” ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات، فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ أي: كما أعدت النار للكافرين، أعدت الجنة للمتقين.” (ج2، ص. 102)

المسارعة إلى المغفرة هي المسارعة إلى فعل أسباب المغفرة، وأسباب المغفرة إما استغفار، وإما عمل صالح؛ فالاستغفار أن يقول: اللهم اغفر لي، أستغفر الله، وما أشبه ذلك، وإما عمل صالح؛ لأن من الأعمال الصالحة ما يُكفّر الله به الخطايا.” (العثيمين، 1435هـ، ص. 166)

فيتضح من ذلك أن الشريعة الإسلامية حثت على الإسراع في عمل الخير حيث تؤكد هذه التفاسير أن الآية تحث على المبادرة والمسارعة إلى الأعمال الصالحة التي تُفضي إلى مغفرة الله وجنته، مما يُجسد مفهوم المبادرة في الإسلام.

  • الدليل الثالث: قال الله تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (الأنبياء: 90)

قوله: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ أي: في عمل القربات وفعل الطاعات، وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا قال الثوري: رغباً فيما عندنا، ورهباً مما عندنا، وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ” (ابن كثير، هـ1419هـ، ص. 325)

“قول الله إن الذين سميناهم، يعني زكريا وزوجه ويحيى، كانوا يسارعون في الخيرات في طاعتنا، والعمل بما يقرّبهم إلينا.” (الطبري، د.ت، ج18، ص.521)

يخبر الله -عز وجل- في هذه الآية أن المسارعة التي هي إحدى معاني المبادرة من الصفات التي تميز بها أنبياءه فقد أثنى الله عليهم ” فقال: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ أي: يبادرون إليها ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ويكملونها على الوجه اللائق الذي ينبغي ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها، إلا انتهزوا الفرصة فيها، وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا أي: يسألوننا الأمور المرغوب فيها، من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوذون بنا من الأمور المرهوب منها، من مضار الدارين، وهم راغبون راهبون لا غافلون، ولا لاهون.” (السعدي، 1420هـ، ص. 530)

  • الدليل الرابع: قال الله تعالى على لسان نبيه إبراهيم الخليل: واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا (الفرقان:74).

“قوله: واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا أي: اجعلنا أئمة يقتدي بنا المتقون في أعمال الخير والطاعة، كما قال تعالى: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ( السجدة: 24) “. (ابن كثير، ج3، ص. 338-339)

وقال القرطبي(1384هـ) ” أي: اجعلنا أئمة يهدون بكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ويقتدي بنا المتقون في الخير والطاعة.” (ج 13، ص.121-122)

” ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي: أوصلنا يا ربنا إلى هذه الدرجة العالية، درجة الصديقين والكمل من عباد الله الصالحين، وهي درجة الإمامة في الدين، وأن يكونوا قدوة للمتقين في أقوالهم وأفعالهم، يقتدى بأفعالهم، ويطمئن لأقوالهم، ويسير أهل الخير خلفهم فيهدون ويهتدون.” (السعدي، 1420هـ، ص.587)

يتضح من تفسير الآية أن الدعاء يتضمن طلبًا من الله أن يجعل الداعين قدوة للمتقين، بحيث يكونون أئمة يُقتدى بهم في الخير والتقوى، كما يُقتدى بالمتقين أنفسهم، وهذا النوع من المبادرة هو ما لا ينتظر المرء غيره في الإقدام على الطاعة، بل يتقدم هو لذلك جاعلاً نفسه قدوة للناس وإماماً.

ثانيًا/التأصيل للعادة الأولى كن مبادرًا من الأحاديث النبوية.

  • الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ أَحَدُهُمْ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» (مسلم، 1334هـ، ح118)

يأمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على المسارعة والمسابقة إلى فعل الأعمال الصالحة قبل وقوع الفتن التي تشبه الليل المظلم في شدتها وانتشارها، ويذكر أن هذه الفتن ستكون عظيمة لدرجة أن الإنسان قد يتقلب بين الإيمان والكفر في يوم واحد بسبب المغريات الدنيوية، فليحذر المؤمن وليسابق بفعل الحسنات قبل الفوات، وفيه أمر على مداومة الخوف من الله؛ فإنما الأعمال بالخواتيم (الدرر السنية، د.ت. أ) وفيه الأمر بالسعي والمبادرة بالعمل الصالح، وإن لم يبق من الدنيا إلا القليل. (موسوعة الأحاديث النبوية، د.ت. أ)

فهذا الحديث يحث بشكل مباشر على المبادرة والمسارعة في فعل الخيرات واغتنام الأوقات قبل حلول العقبات والمشغلات، وهذا هو جوهر المبادرة.

  • الحديث الثاني: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا» (أحمد،1421هـ، ح13003)

هذا الحديث يوضح أهمية العمل والإيجابية حتى في أصعب الظروف وقرب نهاية العالم، ويحث على استغلال الوقت المتاح في فعل الخير والنفع ولو كان قليلاً كغرس فسيلة، ففيه ترغيب المسلم ليكون إيجابيا في كل أحواله، وأن يكون نافعًا لنفسه ولغيره، فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على كل فعل من أفعال البر والإحسان والصدقة والنفع للغير حتى ولو لم ير الفاعل ثمرته، كما قال في هذا الحديث: “إن قامت الساعة”، أي: إذا ظن أحدكم ظنًا أكيدًا أن القيامة بأشراطها ومواصفاتها قد قامت “وفي يد احدكم فسيلة”، أي: نبتة صغيرة من النخل، “فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها”، أي: يزرعها في التربة، ولا يترك عمل الخير والنفع، وهذه مبالغة في الحث على فعل الخير حتى في أصعب الظروف، ولو ظن صاحبه انعدام الانتفاع به. (الدرر السنية، د، ت. ب)

يُظهر الحديث قيمة المبادرة في فعل الخير وعدم التأجيل أو التكاسل، حتى في آخر لحظة ممكنة كما إنه يشجع على ابتدار الفعل الإيجابي والمساهمة الفعالة مهما بدت الظروف غير مواتية.

  • الحديث الثالث: عن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، وَشَرُّ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ». (الترمذي، ١٩٩٦م، ح2329، بن حنبل،١٤٢١هـ، ح20791).

يبين هذا الحديث أن طول العمر نعمة إذا استغله الإنسان في العمل الصالح، بينما يكون نقمة إذا قضاه في الشر، فكلما طال عمره في طاعة الله ازداد قربا من الله؛ لأن كل عمل يعمله فيما زاد فيه عمره، فإنه يقربه إلى ربه -عز وجل – فخير الناس من وفق لهذين الأمرين: طول العمر وحسن العمل. فطول العمر ليس خيرًا للإنسان إلا إذا حسن عمله في طاعة الله؛ لأنه أحيانًا يكون طول العمر شرًا للإنسان وضررًا عليه، فالزيادة في العمر للمحسن علامة خير، والزيادة في عمر المسيء علامة شر. (الدرر السنية، د.ت. ج، موسوعة الأحاديث النبوية، د.ت. ب)، قال الطيبي -رحمه الله- إن الأوقات والساعات كرأس المال للتاجر فينبغي أن يتجر فيما يربح فيه وكلما كان رأس ماله كثيرًا كان الربح أكثر فمن انتفع من عمره بأن حسن عمله فقد فاز وأفلح ومن أضاع رأس ماله لم يربح وخسر خسرانًا مبينًا. (المباركفوري، د.ت، ج٦، ص.٥١٢)

فيشجع الحديث على المبادرة في استغلال العمر في فعل الخيرات والأعمال الصالحة قبل فوات الأوان، فالمبادرة هنا هي العلامة الفارقة بين خير الناس وشرهم.

  • الحديث الرابع: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك (البخاري، 1422هـ، ح.6416).

يوصي النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعيش المسلم في الدنيا زاهداً فيها، مستعداً للرحيل كالغريب أو المسافر، والمعنى استمر سائرًا ولا تفتر وهذا شأن الغريب أو المسافر لا يستقر في مكان بعينه، بل هو دائم السير إلى بلد الإقامة، ويوصي ابن عمر باغتنام الوقت والمبادرة في فعل الخير قبل حلول الأجل أو العجز. (العسقلاني،١٣٩٠هـ، ج١١، ص.٢٣٥)

كما يحث الحديث على المبادرة في الاستعداد للآخرة والعمل الصالح في الدنيا قبل انقضاء العمر أو حصول العوائق.

ثالثًا/ التأصيل للعادة الأولى كن مبادرًا من مواقف الصحابة.

  • الموقف الأول: مبادرات أبي بكر الصديق.

لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- العديد من المواقف المشرفة والعظيمة التي تؤصل مفهوم المبادرة منها:

مبادرته -رضي الله عنه- بالتصديق بخبر الله، ورسوله، فقدْ أسلم ـ رضي الله عنه ـ بمجرد لقاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وعَرْض الإسلام عليه مباشرة، فصدَّق -رضي الله عنه- رسول الله حينَ كذَّبَه النَّاسُ، وسانَدَ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بنفْسِه ومالِه؛ حيث هاجَرَ معَه، وكان المُشرِكونَ يُريدونَ قَتْلَه، وقدَّمَ له المالَ الكَثيرَ مِن أجْلِ نَشْرِ دَعْوةِ الإسْلامِ، فَقَد قالَ فيه النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ” إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكُمْ فَقُلتُمْ: كَذَبْتَ، وقَالَ أبو بَكْرٍ: صَدَقَ، ووَاسَانِي بنَفْسِهِ ومَالِهِ، فَهلْ أنتُمْ تَارِكُوا لي صَاحِبِي؟” (البخاري، ج٥، ص.٥، ح٣٦٦١)

وقد كانت له مبادرات عديدة في الدعوة إلى دين الله فأسلم على يديه رجال لو لم يكن في التاريخ سواهم لكفى التاريخ بهم شرفاً ورفعة ومنهم: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن مظعون، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم. (ابن هشام، ١٣٧٥هـ، ج١، ص.٢٤٥-٢٤٦)

ومن مبادراته هجرته مع رسول الله، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا عَلِمْتُ وَالِدَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا أُذِنَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخُرُوجِ، خَرَجَ فِي حِينِ الظَّهِيرَةِ، فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: مَا أَخْرَجَهُ إِلَّا أَمْرٌ قَدْ حَدَثَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَقَنِّعًا، فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «أُخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ»، فَقَالَ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أُذِنَ لَكَ فِي الْخُرُوجِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: الصُّحْبَةَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «نَعَمْ»، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ بُكَاءً مَا عَلِمْتُ أَحَدًا بَكَى ذَلِكَ الْبُكَاءَ قَبْلَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ جَهَّزَا رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدِي مُعَدَّتَيْنِ، فَعَلَفَتْهُمَا فِي بَيْتِي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. قَالَتْ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَجْهَزُ جَهَازَهُمَا، إِذْ أَتَانَا آتٍ مِنْ قِبَلِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: إِنَّ عَلِيًّا قَدْ رَقَدَ عَلَى مَضْجَعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَظُنُّ أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: أَيْنَ صَاحِبُكَ؟ قَالَ: وَمَا عَلِمْتُ بِصَاحِبِكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ وَبَرَّ. قَالَتْ: فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا الْغَارَ فَدَخَلَا فِيهِ.» (البخاري،١٤٢٢هـ، ج٤، ص.٢٠٣، ح3692)

ومن مبادرته -رضي الله عنه- في الصدقة، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا. فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أبقيت لأهلك؟” قلت: مثله. وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “ما أبقيت لأهلك؟” قال: أبقيت لهم الله ورسوله. فقلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا. (الترمذي،١٩٩٦م، ج٦، ص.٥٢، ح3675)

فتُظهر هذه المواقف حرص أبي بكر على المبادرة المطلقة في سبيل الله، ابتداء من إسلامه ومن ثم هجرته ودعوته لدين الله وتقديم كل ما يملك في سبيل الله، ومواقفه أكثر وأعظم مما ذُكر سواء في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومصاحبته له أو في عهد خلافته، مما يدل على تفانيه في طاعة الله ورسوله وحرصه الشديد على المبادرة في سبيل الله.

  • الموقف الثاني: إسلام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

موقف عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- بإظهار دينه حيث كان عمر بن الخطاب في بداية الدعوة الإسلامية من أشد المعارضين وفي يوم من الأيام، خرج وهو غاضب عازماً على قتل النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-وفي طريقه، لقيه رجل، فأخبره بأن أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما وتابعا محمداً، غضب عمر غضباً شديداً وتوجه إلى بيت أخته، وعندما وصل، سمع تلاوة للقرآن الكريم دخل عمر على أخته وزوجها وضربهما، وبينما كان يضرب أخته، رأى الدم يسيل منها على صحيفة كانت تقرأ فيها القرآن، فرقّ قلب عمر وتأثر لما رأى من إيمان أخته وزوجها وثباتهما على دينهم رغم الأذى، ثم طلب عمر أن يرى الصحيفة التي كانت تقرأ فيها، فاشترطت عليه أخته أن يغتسل ويتطهر لأنه لا يمس القرآن إلا المطهرون، فاغتسل عمر وقرأ ما فيها من آيات عظيمة هزت كيانه وغيرت قلبه، فانشرح صدره للإسلام وشعر بالندم على ما كان منه، عندها، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم انطلق إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في دار الأرقم بن أبي الأرقم مبادرًا بإعلان إسلامه، ففرح المسلمون بإسلامه فرحاً عظيماً وكبروا تكبيراً سُمع في أرجاء مكة. (ابن هشام، ١٣٧٥هـ، ج١، ص.٣٨٣-٣٨٧)

قصة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه مليئة بأمثلة المبادرة، منها المبادرة في تغيير نفسه ومساره، والمبادرة في إعلان الحق بعد إسلامه، فلم يبق عمر إسلامه سراً، بل بادر بإعلانه أمام قريش، رغم ما كان يترتب على ذلك من مخاطر، وهذا يدل على شجاعته ومبادرته في نصرة الحق، والمبادرة في نصرة المسلمين، فإسلام عمر -رضي الله عنه-قصة عظيمة تجسد قوة المبادرة في تغيير الذات ونصرة الحق وإعلاء كلمة الله.

  • الموقف الثالث: مبادرة عثمان بن عفان في تجهيز جيش العسرة.

عندما دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة لتجهيز جيش العسرة، بادر عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بتجهيز ثلث الجيش، وتبرع بألف دينار في حجر النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : “مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ.” يكررها مرارًا. (الترمذي، ١٩٩٦م، ج٦، ص.٧٠، ح3701)

مبادرة عثمان بن عفان في تجهيز جيش العسرة تدل على سخائه وإيمانه العميق، تتجلى فيها عدة جوانب من مفاهيم المبادرة: كاستشعار المسؤولية حينما تحمل جزءًا كبيرًا من مسؤولية تجهيز الجيش في وقت الحاجة الشديدة، وهذا يدل على شعوره العميق بمسؤولياته تجاه الدين والمجتمع المسلم، وجانب الاستجابة الفورية فلم يتوان عثمان -رضي الله عنه- أو يتأخر في الاستجابة لنداء النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإنفاق، بل سارع وبذل بسخاء، فقصة مبادرة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- في تجهيز جيش العسرة تعتبر مثالاً خالداً للمبادرة الإيجابية والعطاء السخي في سبيل الله، وتلهم المسلمين على مر العصور للمسارعة في فعل الخيرات وبذل ما يستطيعون لنصرة دينهم.

  • الموقف الرابع: مبادرة علي بن أبي طالب بالنوم في سرير الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

عندما أذن الله -عز وجل- لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- بالهجرة من مكة إلى المدينة، اجتمع كفار قريش وتآمروا على قتله -صلى الله عليه وسلم- في فراشه ليلًا، فأخبر الله نبيه الكريم بمكرهم وأمره بالهجرة، فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم – أن يُعمي على المشركين ويُبقيهم على ظن أنّه ما زال في بيته حتى يتمكن من الخروج، فطلب- صلى عليه وسلم- من علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أن ينام في فراشه ويتغطى ببردته الخضراء، وافق علي – رضي الله عنه – على الفور و دون تردد على هذه المهمة الخطيرة، وقد كان علي -رضي الله عنه- أول فدائي في الإسلام بهذا الموقف العظيم، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من بين المشركين وهم لا يشعرون، بينما بقي علي-رضي الله عنه- في الفراش موهمًا إياهم بوجود النبي -صلى الله عليه وسلم -حتى الصباح، وعندما اقتحم المشركون البيت، فوجئوا بعلي -رضي الله عنه- بدلاً من النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأغاظهم ذلك وأفشل خطتهم. (ابن هشام، 1375هـ، ج١، ص.٤٧٨-٤٨٠)

تتجلى في مبادرة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بالنوم في سرير النبي -صلى الله عليه وسلم- أروع صور المبادرة في الفداء والتضحية؛ حيث بادر بتقديم نفسه فداءً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- معرضًا حياته للخطر دون أدنى تردد. هذه قمة المبادرة في التضحية بالنفس في سبيل الله ونصرة نبيه، والمبادرة في طاعة الأمر النبوي؛ حيث امتثل علي -رضي الله عنه- لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فورًا وبكل سرور، وهذا يظهر مبادرته في طاعة القيادة والمسارعة في تنفيذ ما يُطلب منه، المبادرة في تحمل المسؤولية، فقبل علي -رضي الله عنه- تحمل مسؤولية هذه المهمة الصعبة والخطيرة، مدركًا لأبعادها وما قد يترتب عليها. فمبادرة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في تلك الليلة الحاسمة تعتبر مثالًا عظيمًا للمبادرة الشجاعة والفدائية في سبيل الله ونصرة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

(٢) التأصيل الإسلامي للعادة الثانية ابدأ والغاية في ذهنك.

أولًا/ التأصيل للعادة الثانية ابدأ والغاية في ذهنك من القرآن الكريم.

  • الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: ١٨)

“يعني بذلك: وليتدبر وليتفكر كل امرئ مسلم ما سلف من عمله في هذه الدنيا، وما الذي قدمه ليوم القيامة، وما الذي ادخره لنفسه فيه من صالح الأعمال، فإنه صائر إليه، ومجازى به، فلينظر: أخيرًا قدم لنفسه، أم شرًا قدم لها؟” (الطبري، د.ت، ج22، ص.318).

“أي: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من عمله، من خير أو شر، فإن غدًا هو يوم الجزاء.” (القرطبي،١٣٨٤هـ، ج18، ص.289) .

“لينظر العبد المسلم ما قدمه ليوم القيامة من الأعمال الصالحة، وهل هي موصلة له إلى رضوان الله وجنته، أم لا؟ فإن علم أنها موصلة، فليحمد الله وليستكثر منها، وإن علم غير ذلك، فليتب إلى الله وليصلح عمله.” (السعدي، ١٤٢٠هـ، ص.863، ابن عثيمين، ١٤٢٥هـ، ص.٣٣٧).

فالآية تحث على النظر والتفكير في المستقبل الأخروي قبل العمل في الدنيا، هذا يعني أن على المؤمن أن يبدأ يومه وعمله وحياته مستحضرًا الغاية النهائية التي هي رضا الله والجنة، ويوجه أفعاله بما يخدم هذه الغاية.

  • الدليل الثاني: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (المؤمنون: ١١٥)

“قال مقاتل: يعني ما خلقناكم سدى بلا منفعة ولا فائدة وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ يعني: ولا تبعثون بعد الموت للجزاء والحساب.” (البغوي، ١٤٢٠هـ، ج٣، ص.٣٧٧)

“(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا) أي مهملين كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب عليها، مثل قوله تعالى: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) (القيامة: ٣٦) كالبهائم لغير فائدة، قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي: إن الله تعالى خلق الخلق عبيدا ليعبدوه، فيثيبهم على العبادة ويعاقبهم على تركها، (وأنكم إلينا لا ترجعون) فتجازون بأعمالكم”. ( القرطبي، ١٤٨٤هـ، ج١٢، ص.١٥٦)

“أي: أفحسبتم أيها الخلق أنما خلقناكم عبثًا أي: سدىً وباطلاً تأكلون وتشربون وتمرحون، وتتمتعون بملذات الدنيا، ونترككم لا نأمركم، ولا ننهاكم ولا نثيبكم، ولا نعاقبكم؟ ولهذا قال: وأنكم إلينا لا ترجعون لا يخطر هذا ببالكم” (السعدي، ١٤٢٠هـ، ص.٥٦٠)

هذه الآية تؤكد على أن للخلق غاية وهدفًا، وهو الرجوع إلى الله للحساب والجزاء، وهذا يرسخ أهمية وجود غاية واضحة لكل فعل يقوم به الإنسان في حياته وكما تنفي هذه الآية فكرة العبثية في الخلق وتؤكد على وجود غاية وهدف نهائي.

كما احتوت الآية على قيم عديدة منها: الحكمة والعدل الإلهي، والمسؤولية، والإيمان باليوم الآخر، والوعي بالغاية من الوجود، والحذر من الغفلة.

  • الدليل الثالث: قصة يوسف -عليه السلام- حين فسر حلم ملك مصر، قال الله تعالى: قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (يوسف: 47-49)

ففي هذه الآيات وضح الله -عز وجل- أن يوسف -عليه السلام- ” أرشدهم إلى ما يعتدونه في تلك السنين، فقال ﴿فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون﴾ أي مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب، فادخروه في سنبله ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلاً قليلاً، لا تسرفوا فيه لتنتفعوا به في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السمان، لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب، وهن السنبلات اليابسات، وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء، ولهذا قال: ﴿يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون﴾، ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك ﴿عام فيه يغاث الناس﴾، أي يأتيهم الغيث وهو المطر وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه، وسكر ونحوه، حتى قال بعضهم: يدخل فيه حلب اللبن أيضا. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وفيه يعصرون﴾ أي: يحلبون .” (ابن كثير، ١٤١٩هـ، ج٤، ص٣٣٦)

كما ذكر الطبري (د.ت): أن يوسف -عليه السلام- بين للملك تدبيرًا لمواجهة سنوات الجدب القادمة، وهو زراعة سبع سنين باجتهاد وتخزين معظم المحصول في سنبله ليُستفاد منه في سنوات الشدة، مع ادخار قليل للأكل، هذا يدل على التفكير المستقبلي والتدبير الحكيم. (ج١٦، ص.١٢٥-١٣٠)، ويوضح ابن كثير (١٣٨٨هـ) أن في هذا الكلام من يوسف -عليه السلام- تخطيطًا محكمًا لمواجهة الأزمة القادمة، حيث أمر بالاحتفاظ بالزائد من الحبوب في سنابله ليحفظه من التلف لفترة أطول، وهذا وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم، وعين الحكمة والتدبير. (ص.٣٣١-٣٣٣)

يحلل ابن عاشور (١٩٨٤م) هذه الآيات في سياق بلاغي واجتماعي، مبيناً كيف أن يوسف عليه السلام استخدم فصاحة القول وحسن البيان في تقديم خطته للملك، وأن هذه الخطة لم تكن مجرد حل اقتصادي، بل كانت رؤية شاملة لإدارة الدولة في ظل الأزمات. وهذا يبرز أهمية التواصل الواضح في عملية التخطيط. (ج١٢، ص.٢٨٦-٢٨٨)

يوسف عليه السلام وضع خطة استراتيجية واضحة ومحكمة لمواجهة سنوات الجدب والقحط التي تنبأ بها، فتولى -عليه السلام- بنفسه إدارة هذه الخطة والإشراف على تنفيذها بكفاءة عالية وهذا ما تشير له هذه العادة ابدأ والغاية في ذهنك.

كما أن هذه الإجراءات الحكيمة التي اتخذها يوسف عليه السلام لم تقتصر على حفظ الأمن الغذائي لمصر فحسب، بل تعدت ذلك لإنقاذ المنطقة بأسرها من الهلاك جوعًا، مما يدل على بعد نظره وحسن تدبيره وقدرته الفائقة على التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات.

كما كانت غايته واضحة وهي تأمين مصر من الجوع فبنى خطته بناءً عليها.

  • الدليل الرابع: قال تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (الروم: ٤٢)

“يقول تعالى ذكره لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- : قل يا محمد لهؤلاء المشركين، سيروا في الأرض معتبرين ومتفكرين، فانظروا كيف كان آخر أمر الذين كذبوا رسلي من قبلكم.” (الطبري، د.ت، ج٢٠، ص.١١٠)

“يقول: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين: سيروا في الأرض… فانظروا كيف كان آخر أمر الذين كذبوا الرسل من قبلكم، وما حل بهم من العذاب والنكال…” (الواحدي،١٤٣٠هـ، ج١٨، ص.٧٣)

“قل -أيها الرسول- لهؤلاء المكذبين: سيروا في الأرض معتبرين، وتأملوا كيف كانت نهاية الأمم التي كذبت رسلها من قبلكم؟ كانت نهايتهم الهلاك والخسران…”(التفسير الميسر،١٤٣٠هـ)

“والأمر بالسير في الأرض يدخل فيه السير بالأبدان والسير بالقلوب للنظر والتأمل بعواقب المتقدمين.كان أكثرهم مشركين تجدون عاقبتهم شر العواقب ومآلهم شر مآل، عذاب استأصلهم وذم ولعن من خلق الله يتبعهم وخزي متواصل، فاحذروا أن تفعلوا فعالهم يحذى بكم حذوهم فإن عدل الله وحكمته في كل زمان ومكان” (السعدي، ١٤٢٠هـ، ص.٦٣٤)

هذه الآية تحث على النظر في عواقب أفعال السابقين، مما يعزز أهمية التفكير في النتائج النهائية قبل الشروع في أي عمل أو اختيار السير في طريق، إنها تحث على التفكير الاستراتيجي بعيد المدى وتحديد الغايات.

ثانيًا/التأصيل للعادة الثانية ابدأ والغاية في ذهنك من الأحاديث النبوية.

  • الحديث الأول: عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». (البخاري، 1422هـ، ح١، مسلم، 1334هـ، ح1907)

يوضح الإمام النووي(١٣٩٢هـ) أن هذا الحديث عظيم القدر، وأنه ميزان للأعمال الظاهرة والباطنة. فالنية هي القصد والإرادة، وبها صلاح العمل أو فساده. فالعمل الواحد قد يكون له ثواب عظيم أو لا ثواب له أو عليه وزر بحسب النية. (ج١٣، ص.٥٣)

ويؤكد ابن حجر العسقلاني (١٣٩٠هـ) على أهمية النية في تمييز العبادات عن العادات، وفي تحديد درجة الثواب. فالنية الصالحة تحول الأعمال الدنيوية إلى عبادات. (ج٥، ص.١٦٠)

هذا الحديث هو الأساس في تحديد الغاية قبل البدء في أي عمل، فالنية هي الغاية الباطنة والدافع الحقيقي للعمل، فعندما نبدأ عملًا بنية واضحة وصالحة، فإننا نكون قد حددنا الوجهة التي نريد الوصول إليها من خلال هذا العمل، سواء كانت رضا الله، أو تحقيق مصلحة، أو غير ذلك.

  • الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك (البخاري، 1422هـ، ح.6416).

يوصي النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يعيش المسلم في الدنيا زاهداً فيها، مستعداً للرحيل كالغريب أو المسافر، والمعنى استمر سائرًا ولا تفتر وهذا شأن الغريب أو المسافر لا يستقر في مكان بعينه، بل هو دائم السير إلى بلد الإقامة، للوصول لغايته ومراده، ويوصي ابن عمر باغتنام الوقت في فعل الخير قبل حلول الأجل أو العجز. (العسقلاني،١٣٩٠هـ، ج١١، ص.٢٣٥)

في هذا الحديث تذكير بالغاية النهائية للحياة وهي الآخرة، وأن الحياة الدنيا فانية والآخرة هي الباقية فذلك يدفع المؤمن إلى تحديد غاياته بشكل صحيح وتوجيه وقته وجهده نحو تحقيق ما ينفعه في الدار الآخرة.

فلابد أن تكون الغاية النهائية وهي الآخرة، هي المحرك الأساسي لتخطيط المسلم واستغلاله لوقته في الدنيا، فالتفكير في هذه الغاية يجب أن يكون حاضرًا في ذهن المسلم في كل ما يقوم به في الدنيا، وأن يوجه أفعاله نحو تحقيق هذه الغاية، والاستعداد للآخرة والعمل الصالح في الدنيا قبل انقضاء العمر أو حصول العوائق.

  • الحديث الثالث: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن فضل التخطيط للآخرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا مَاتَ فَاتِنًا، وَوُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَغُدِيَ عَلَيْهِ وَرِيحَ فِي الْجَنَّةِ، وَكُتِبَ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». (الترمذي، ١٤٢٠هـ، ح 1628)

يبن الحديث فضل من مات وهو مرابط أي ملازم للثغور للجهاد في سبيل الله، فعمله يزداد ويصل إليه كل لحظة أجر جديد إلى يوم القيامة، لأنه فدى نفسه فيما يعود نفعه على المسلمين وهو إحياء الدين وأن له أجر عمله، وهذا يدل على أهمية التخطيط للآخرة والاستعداد لها بالأعمال الصالحة. (المباركفوري، د.ت، ج٥، ص.٢٠٦)

الغاية الأسمى للمسلم هي الفوز بالآخرة ورضا الله، وهذا الحديث يحث على أن تكون هذه الغاية حاضرة في أذهاننا عند التخطيط لكل عمل نقوم به في الدنيا، فكل عمل يجب أن يكون له بعد أخروي وهدف يرضي الله سبحانه وتعالى.

  • الحديث الرابع: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَانَ كَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» وفي رواية: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ». (مسلم، 1334هـ، ح2664)

قال الإمام النووي -رحمه الله- (1392هـ) في شرحه لهذا الحديث: “فيه الحث على الجد والاجتهاد في الأعمال التي هي منافع في الدنيا والآخرة، والاستعانة بالله تعالى في ذلك، والاعتراف بالعجز عن تحصيل المطلوب إلا بتوفيق الله وإعانته. وقوله -صلى الله عليه وسلم- : (ولا تعجز) أي لا تكسل ولا تضعف عن طلب ما ينفعك، بل ابذل جهدك واستعن بالله. وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا) هذا نهي عن قول ذلك لأنه لا يفيد شيئاً، بل يورث الحزن والأسف والندم، ويفتح باب الوساوس والاعتراض على القدر. وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (ولكن قل قدر الله وما شاء فعل) هذا هو الأدب الواجب عند المصائب، وهو الاعتراف بأن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن مشيئته نافذة، فالتسليم لقضاء الله والرضا به من خصال المؤمنين. وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (فإن لو تفتح عمل الشيطان) معناه أن قول الإنسان لو فعلت كذا لكان كذا يجر إلى التسخط على القدر، وذلك من عمل الشيطان ووسوسته، لأنه يحزن الإنسان ويجعله يندم على ما فات، وربما أورثه الاعتراض على قضاء الله تعالى.” (ج١٦، ص.217-218).

“احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ” هو صميم عادة ابدأ والغاية في ذهنك فالحرص على ما ينفع يستلزم تحديد الأهداف والغايات التي تعود بالنفع الحقيقي على الفرد في دينه ودنياه وآخرته، فعندما يبدأ الإنسان والغاية واضحة في ذهنه، فإنه يحرص على الأعمال التي تقوده إلى تلك الغاية النافعة، ويستعين بالله في تحقيقها، ولا يستسلم للعجز والكسل.

فالحديث يحث على التفكير المسبق في النفع والغاية قبل البدء في أي عمل، والاستعانة بالله في تحقيقه، وعدم الاستسلام للعجز، ثم التسليم لقضاء الله بعد بذل الجهد، وهذا يتكامل تمامًا مع مفهوم ابدأ والغاية في ذهنك.

ثالثًا/ التأصيل للعادة الثانية ابدأ والغاية في ذهنك من مواقف الصحابة.

  • الموقف الأول: قصة جمع القرآن، بعد معركة اليمامة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، استُشهد عدد كبير من حفظة القرآن الكريم، فخشي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذهاب كثير من القرآن بذهاب حفظته، فأشار على أبي بكر بجمع القرآن في مصحف واحد، تردد أبو بكر في البداية لأنه لم يفعل شيئًا لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولكن بعد إلحاح عمر وشرحه لأهمية الأمر، شرح الله صدره لذلك ووافق، فكلف أبو بكر زيد بن ثابت -رضي الله عنهما- بجمع القرآن، وكان زيد من كتاب الوحي وحفظة القرآن، فاعتمد زيد في جمعه على ما كان محفوظًا في صدور الصحابة وما كان مكتوبًا على الرقاع والعظام واللخاف والعسب، مع التثبت والشهادة من الحفاظ حتى تم جمع القرآن الكريم في مصحف واحد بقي عند أبي بكر حتى وفاته، ثم عند عمر، ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين رضي الله عنهم. (البخاري، ١٤٢٢هـ، ج٦، ص.٢٢٨، ابن مالك، ١٤٠٦هـ، ج١، ص.٢٠١).

قصة جمع القرآن تجسد بشكل رائع عادة “ابدأ والغاية في ذهنك” في عدة جوانب:

  1. تحديد الغاية بوضوح: حيث كانت الغاية الأساسية من جمع القرآن هي حفظ كلام الله من الضياع والتحريف بعد استشهاد عدد كبير من الحفظة، وضمان بقائه محفوظًا للأجيال القادمة كما نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم-هذا التحديد الواضح للهدف كان الدافع وراء هذه المبادرة العظيمة.
  2. التفكير في العواقب والمآلات: أدرك عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- العواقب الوخيمة المحتملة لعدم جمع القرآن، وهي ضياع جزء منه بمرور الوقت ووفاة الحفظة، هذا التفكير العميق في المآلات المستقبلية دفعه إلى اقتراح هذه الفكرة.
  3. التخطيط الدقيق للعملية: بعد الموافقة على جمع القرآن، تم التخطيط الدقيق لآلية الجمع، بدءًا بتكليف الشخص المناسب، وانتهاءً بالاعتماد على وسائل التثبت والتوثيق لضمان دقة الجمع.
  4. العمل المنظم والمستمر لتحقيق الغاية: بذل زيد بن ثابت رضي الله عنه جهدًا كبيرًا في جمع القرآن، واستعان بالصحابة الحفظة والكتاب، وعمل بجد ومثابرة حتى تحقق الهدف المنشود وهو جمع القرآن في مصحف واحد.

إن هذه الخطوات المتسلسلة والواعية، بدءًا بتحديد الغاية مرورًا بالتفكير في العواقب والتخطيط الدقيق وانتهاءً بالعمل المنظم لتحقيق الهدف، هي جوهر عادة ابدأ والغاية في ذهنك، لقد بدأ الصحابة هذا العمل العظيم والغاية واضحة في أذهانهم وهي حفظ كتاب الله، وعملوا بكل إخلاص وتفانٍ حتى تحقق هذا الإنجاز العظيم الذي حفظ الله به كتابه إلى يومنا هذا.

  • الموقف الثاني: موقف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في إعلاء كلمة الله ومواقفه الشجاعة والمؤثرة في نصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله، ومن ذلك إعلانه إسلامه وجهره به رغم معارضة قريش، كما ذُكر سابقًا في قصة إسلامه وجهره به بعد أن كان الإسلام مستخفيًا في بدايته. (ابن هشام،1375هـ، ج1، ص.385-390)

فكان هدف عمر رضي الله عنه بعد إسلامه واضحًا صريحًا وهو نصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله تعالى، فجعل هذه الغاية محور حياته وسعى لتحقيقها بكل قوته.

  • الموقف الثالث: موقف عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- في طلب العلم، حرصه الشديد على طلب العلم من النبي -صلى الله عليه- وسلم وملازمته له، حتى عُرف بعلمه وفقهه، فعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: «قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنْ الْيَمَنِ فَمَكَثْنَا حِينًا مَا نُرَى إِلَّا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا نَرَى مِنْ دُخُولِهِ وَدُخُولِ أُمِّهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». (البخاري،١٤٢٢هـ، ح 3763، مسلم، ١٣٣٢هـ، ح2460).

فكان هدف عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- واضحًا وهو اكتساب العلم الشرعي والفقه في الدين، فجعل هذه الغاية أولوية في حياته وسعى إليها بجد واجتهاد.

  • الموقف الرابع: موقف طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- في حماية النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة أحد فضحى بنفسه في سبيل حماية النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد، فكان كالدرع البشري وتلقى عنه النبال بيده حتى شلت.

فعن قيس بن أبي حازم قال: «رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ وَقَى بِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ». (البخاري،١٤٢٢هـ، ح2803)

فكان هدف طلحة -رضي الله عنه- واضحًا وهو حماية النبي -صلى الله عليه وسلم- بأي ثمن، فوضع هذه الغاية نصب عينيه وبذل في سبيلها أغلى ما يملك وهو نفسه.

(٣) التأصيل الإسلامي للعادة الثالثة ابدأ بالأهم قبل المهم.

أولًا/ التأصيل للعادة الثالثة ابدأ بالأهم قبل المهم من القرآن الكريم.

  • الدليل الأول: قول الله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة: 19].

قال ابن كثير (١٤٢٠هـ): “يقول تعالى منكراً على من جعل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بمنزلة الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله، وأن هذا لا يستوي عند الله ولا يتقارب. فإن الإيمان والجهاد أفضل الأعمال وأعلاها وأسناها، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور».” (ج٤، ص.١٢٨)

كما قال الشيخ السعدي (١٤٢٠هـ): “هذا الاستفهام للإنكار والتوبيخ لمن جعل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بمنزلة الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيله، فكيف يستوي فعل هذه الأعمال التي هي من فروع الدين، بمن آمن بالله واليوم الآخر الذي هو أصل الدين وأساسه، وقام بما يقتضيه الإيمان من الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال؟ لا يستوون عند الله مثقال ذرة، بل الإيمان والجهاد أفضل وأعظم وأجل عند الله.” (ص.٣٣٠)

فهذه الآية تقدم مثالًا واضحًا على أهمية ترتيب الأولويات. فالله تعالى ينكر على من يسوّي بين الأعمال التي تبدو عظيمة في ظاهرها (سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام) وبين أصل الدين وأساسه وهو الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيله، فالإيمان والجهاد هما الأهم والأعظم عند الله، وهما اللذان يجب أن يكون لهما الأولوية في اهتمام المؤمن وسعيه.

  • الدليل الثاني: قال الله تعالى: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (التوبة: 120)

قال الإمام الطبري (د.ت) -رحمه الله-: “يقول تعالى ذكره: ما ينبغي لأهل مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سار في سبيل الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه في الجهاد.” ثم ذكر ثواب المجاهدين. (ج١٤، ص.٣٠٨)

وقال الشيخ ابن عثيمين (١٤٢٥هـ) -رحمه الله- : “هذه الآية فيها توبيخ وعتاب لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ولم يخرجوا معه، ورغبوا بأنفسهم عن نفسه، أي: آثروا البقاء والراحة لأنفسهم على الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.” ثم ذكر ثواب المجاهدين. (ج١١، ص.١٨٤)

هذه الآية توضح أن مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم والجهاد معه في سبيل الله كان له الأولوية القصوى على الراحة والسلامة الشخصية لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب. فالمصلحة العليا للدين ونصرة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت هي الأهم التي يجب أن يبدأ بها المسلمون ويقدمونها على مصالحهم الذاتية.

  • الدليل الثالث: قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(المنافقون: 9).

قال ابن كثير (١٤٢٠هـ) -رحمه الله-: “يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بالاشتغال بذكره وشكره على ما أولاهم من النعم، وأن لا يشغلهم عن ذلك الأموال والأولاد، فإن فتنة الأموال والأولاد عظيمة، وقد تقدم التنبيه عليها في غير موضع.” ثم ذكر عاقبة من فعل ذلك. (ج٨، ص.٥١٤)

وذكر الشيخ ابن عثيمين (١٤٢٥هـ) -رحمه الله-: “هذا نداء من الله عز وجل للمؤمنين، أن لا تشغلهم أموالهم ولا أولادهم عن ذكر الله، وذكر الله يشمل كل ما يتقرب به الإنسان إلى ربه من قول أو فعل، وعلى رأسه الصلاة.” ثم بين عاقبة من فعل ذلك. (ج٢٨، ص.١١٢)

هذه الآية تحث المؤمنين على إعطاء الأولوية لذكر الله تعالى والقيام بما أوجبه عليهم من الطاعات على الانشغال بالأموال والأولاد إذا كان ذلك الإنشغال يؤدي إلى التهاون في ذكر الله. فذكر الله هو الأهم والأبقى، بينما الأموال والأولاد هم زينة الحياة الدنيا وقد يكونون فتنة إذا ألهوا عن الأهم.

  • الدليل الرابع: قول الله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبة: 24)

قال الإمام الطبري (د.ت) -رحمه الله- : “يقول تعالى ذكره لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- : قل يا محمد لهؤلاء المنافقين الذين رضوا بالقعود عنك في غزوة تبوك، وآثروا العيش والراحة على مشقة السفر معك والجهاد في سبيل الله: إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم، وهم الأقارب الأدْنَوْنَ منكم، وأموال اكتسبتموها، وتجارة تخافون كسادها ورخص أسعارها، ومساكن تستطيبونها وتسرون بالإقامة فيها، أحب إليكم من الله ورسوله والجهاد في سبيله، فانتظروا عقوبة الله ونزول بأسه بكم.” (ج٤، ص.٢٠٠)

وقال الشيخ السعدي(١٤٢٠هـ) -رحمه الله- : “هذا وعيد شديد لمن قدم على محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله شيئًا من هذه المذكورات. فمن كان آباؤه وأبناؤه وإخوانه وأزواجه وعشيرته – وهم الأقارب – وأمواله التي اكتسبها وتجاراته التي يخاف عليها الكساد ومساكنه التي يرتاح إليها – أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله – فليتربص وليستعد للعقوبة التي تحل به.” (ص.٣٣٢)

هذه الآية تضع معيارًا واضحًا لتحديد الأولويات، يجب أن تكون محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله هي الأهم والأعظم في قلب المؤمن، ومقدمة على محبة الأهل، والمال والتجارة والمساكن. فإذا تعارضت هذه المحبوبات الدنيوية مع محبة الله ورسوله وطاعتهما، وجب تقديم محبة الله ورسوله والبدء بها.

ثانيًا/ التأصيل للعادة الثالثة ابدأ بالأهم قبل المهم من الأحاديث النبوية.

  • الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه.” (البخاري،١٤٢٢هـ، ح٦٥٠٢)

هذا الحديث هو من أجلّ الأحاديث القدسية، ويشير إلى أن “ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه” يدل على أن أحب الأعمال إلى الله هي الفرائض، وذلك لأن أداء الفرائض هو استجابة لأمر الله وامتثال له، وهو الأساس الذي يقوم عليه الدين. ويُعلل ذلك بأن الفرائض هي الأصل والنوافل فرع، وبأداء الفرائض يثبت أصل الإيمان، ثم تأتي النوافل لتكمل وتزيد من درجة القرب إلى الله. (العسقلاني، 1379هـ، ج11، ص348-350)

كما يؤكد هذا الحديث أن تقديم الفرائض على النوافل ليس مجرد ترتيب، بل هو تفضيل للأهم فالأهم؛ فالفرائض هي الأساس الذي لا يصح بناء غيره إلا به.

  • الحديث الثاني: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. قال: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين. قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله.” (البخاري،١٤٢٢هـ، ح527، مسلم، ١٣٣٢هـ، ح85).

يوضح النووي(١٣٩٢هـ) أن هذا الحديث يذكر أفضل الأعمال على سبيل التفاضل والترتيب، وأن هذه الأعمال هي الأفضل بعد الإيمان بالله ورسوله. ويشير إلى أن تقديم الصلاة على وقتها يدل على عظم شأنها وأولويتها في العبادات البدنية. ثم يأتي بر الوالدين الذي هو من حقوق العباد وواجب عظيم، ثم الجهاد في سبيل الله وهو ذروة سنام الإسلام. (ج2، ص85-86)

هذا الحديث يبين ترتيب الأولويات في الأعمال الصالحة، حيث قدم الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله، مما يدل على أهمية ترتيب الأعمال حسب الأولوية.

  • الحديث الثالث: عن سلمان بن عامر الضبي -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة.” (الترمذي، ١٤٢٠هـ، ح658، وصححه الألباني)، ومثله حديث آخر يدل على نفس المعنى، وهو عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: “جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قالَ: «أُمُّكَ» قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: «ثُمَّ أبُوكَ، ثُمَّ أدْنَاكَ أدْنَاكَ». (البخاري، ١٤٢٢هـ، ح5971، مسلم، ١٣٣٢هـ، ح2548)

يوضح العسقلاني(١٣٧٩هـ) أن تكرار ذكر الأم ثلاث مرات يدل على عظم حقها وتأكيد أولوية برها لما تحملته من مشاق الحمل والولادة والرضاعة والتربية. ثم يأتي حق الأب، ثم الأقربون فالأقربون. (ج10، ص403-404)

كما يذكر النووي(1392هـ) أن الحديث فيه تأكيد عظيم لحق الأم، وأن هذا التقديم للأم جاء لعظم مشقتها في تربية الولد، ولأنها هي الأصل في تحمل الأعباء الأولى. (ج16، ص104-105)

هذا الحديث يؤكد على مبدأ الأولوية في الإنفاق والبر، بتقديم الأقرب فالأقرب من ذوي القربى، مما يدل على أهمية تحديد الأولويات في توزيع الحقوق والمسؤوليات، وهو نص صريح في ترتيب الأولويات والبدء بالأهم ثم المهم في الحقوق، حيث قدم الأم ثم الأب ثم الأقرب فالأقرب، مما يرسخ مبدأ فقه الأولويات في العلاقات الاجتماعية وحفظ الحقوق.

  • الحديث الرابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوه وهريقوا على بوله سجلاً من ماء – أو ذنوباً من ماء – فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين».” (البخاري،١٤٢٢هـ، ح٢٢٠)

يشرح العسقلاني(١٣٧٩هـ) أن فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا فيه تقديم دفع المفسدة الكبرى على المفسدة الصغرى. فالمفسدة الكبرى كانت في ردع الأعرابي وتنفيره من الإسلام، أو إحداث الفتنة والضرر به، أو تنجيس المسجد بالتحرك فيه أكثر. أما المفسدة الصغرى فكانت في مجرد وجود البول الذي يمكن إزالته بسهولة بالماء، ويضيف أن في الحديث دليل على التيسير في الدين ورفع المشقة.

هذا الحديث مثال عملي على تطبيق قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، حيث قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- حفظ الأعرابي وإرشاده وتيسير الأمر عليه وهو منع مفسدة كبرى على تعجيل إزالة النجاسة وهي مفسدة صغرى.

ثالثًا/ التأصيل للعادة الثالثة ابدأ بالأهم قبل المهم من مواقف الصحابة.

  • الموقف الأول: كان الصحابة الكرام في مكة المكرمة يعانون من الاضطهاد والتعذيب، ومع ذلك لم تُفرض عليهم الفرائض الكبرى مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج بصورتها الكاملة إلا بعد الهجرة إلى المدينة. في مكة، كان التركيز الأكبر على ترسيخ عقيدة التوحيد في النفوس، وتقوية الإيمان، وتثبيت قلوب المسلمين على الحق. (ابن هشام، ١٣٧٥هـ، ج١، ص.235 – 340).

هذا الموقف يوضح تقديم الإيمان والتوحيد على الأحكام الفرعية فيعكس أولوية الأصول على الفروع، فالإيمان بالله وتوحيده هو الأساس الذي لا تصح الأعمال بدونه، لذلك كان بناء العقيدة الصحيحة وتثبيتها هو الأهم في المرحلة المكية، حتى إذا رسخ الإيمان، جاءت الأحكام التفصيلية والمهمات الأخرى، لم يشغلهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه بفروع الدين قبل أن يستقر أصله في القلوب، وهذا هو قمة فقه الأولويات.

  • الموقف الثاني: موقف أبي بكر الصديق في قتال المرتدين وجمع الزكاة.

بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ارتدت بعض القبائل عن الإسلام، وامتنع بعضهم عن أداء الزكاة، فاتخذ أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- موقفًا حازمًا بوجوب قتال المرتدين واستيفاء الزكاة. قال مقولته الشهيرة: “والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم عليه.” (الطبري، ١٣٨٧هـ ج٢، ص.٤٩٣-٤٩٤)

هذا الموقف يوضح أولوية حفظ الدين وأركانه مثل الزكاة كحق من حقوق المال على أي اعتبارات أخرى، كان البعض يرى أن الأهم هو تثبيت الأوضاع الداخلية أو تجنب الصدام، ولكن أبا بكر رضي الله عنه رأى أن حفظ أركان الإسلام هو الأهم والأولى، وهو من ضروريات الدين، فقدمه على ما سواه، فكان تطبيق صارم لمبدأ فقه الأولويات الذي يدل على عادة ابدأ بالأهم قبل المهم.

  • الموقف الثالث: موقف عمر بن الخطاب في إيقاف حد السرقة عام الرمادة.

ففي عام الرمادة (سنة 18 هـ) الذي انتشر فيه القحط والجوع الشديد، أوقف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حد السرقة مؤقتًا، كان السبب هو أن الضرورة الشديدة قد تدفع الناس للسرقة، فإذا كان الجوع يحدق بهم، فإن تطبيق الحد قد يكون قاسيًا ولا يحقق المقصد الشرعي من الحد، وهو الردع لا الإهلاك. (بن أنس، ١٤٠٦هـ، ج٢، ص 840).

هذا الموقف يبين أولوية حفظ النفس البشرية ودرء مفسدة الهلاك والمشقة الشديدة على تطبيق حد شرعي في ظروف استثنائية. عمر رضي الله عنه قدم مصلحة الضرورة (حفظ النفس) على تطبيق الحد الذي هو من التحسينات في هذه الحالة، مع العلم أن الحدود ضرورية لحفظ المجتمع، ولكنه فهم مقاصد الشريعة، وأنها جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد، وأن درء مفسدة الهلاك مقدم على مصلحة تطبيق الحد بشكل مطلق في كل الظروف. هذه قاعدة أصولية كبرى: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

  • الموقف الرابع: موقف سلمان الفارسي وأبي الدرداء.

حيث آخى النبي -صلى الله عليه وسلم- بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء -رضي الله عنهما- فزار سلمان أخاه أبا الدرداء، فوجد أم الدرداء متبذلة أي: غير مهتمة بزينتها، فسألها عن سبب ذلك، فأخبرته أن أخاه أبا الدرداء لا حاجة له في الدنيا أي: ينشغل بالعبادة عن أمور الحياة، فلما جاء أبو الدرداء، صنع سلمان له طعامًا، فقال أبو الدرداء: كل، فإني صائم. قال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل. فأكل أبو الدرداء. ولما كان الليل، أراد أبو الدرداء أن يقوم الليل، فقال له سلمان: نم، فنام. ثم أراد أن يقوم، فقال: نم، فنام. ثم لما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن. فصلي. فقال سلمان: “إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه.” فلما أصبحوا، أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر ذلك له، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “صدق سلمان.” (البخاري، ١٤٢٢هـ، ص.٤٨-٤٩، ح1968).

هذا الموقف الرائع يوضح أولوية الحقوق الواجبة والمتوازنة على النوافل والاجتهاد المبالغ فيه الذي يضر بالحقوق الأخرى. فسلمان -رضي الله عنه- ذكر أبا الدرداء بحقوق الله (العبادة المعتدلة)، وحق النفس (الراحة والنوم)، وحق الأهل (العشرة الحسنة والاهتمام)، فالحقوق المتوازنة والمتداخلة تتطلب فقهًا للأولويات، فلا يجوز أن يطغى حق على حساب حقوق أخرى واجبة أو مهمة. هذا تعليم نبوي مبارك يؤكد على الوسطية والاعتدال في العبادة والحياة، وهو جوهر فقه الأولويات.

(٤) التأصيل الإسلامي للعادة الرابعة عقلية المكسب المشترك (فكر بالمنفعة المتبادلة).

أولًا/ التأصيل للعادة الرابعة عقلية المكسب المشترك (فكر بالمنفعة المتبادلة) من القرآن الكريم.

  • الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة:١)

“يعني تعالى ذكره بذلك: يا أيها الذين آمنوا، أتموا العهود التي بينكم وبين ربكم من الطاعة، والعهود التي بينكم وبين الناس من الأمانة والوفاء بالبيوع والعقود”. (الطبري، د.ت،، ج4، ص.177)

“هذا أمر من الله تعالى بوفاء العقود، وهي العهود والمواثيق التي أُخذت على العباد لله عليهم، وعلى الناس فيما بينهم من المعاملات والتجارات والنكاح وغير ذلك” (ابن كثير، ١٤٢٠هـ، ج2، ص.3)

“هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يوفوا بجميع العقود التي بينهم وبين ربهم، والتي بينهم وبين عباده من عقود العبادات والمعاملات، وأن يلتزموا بها ويقوموا بتمامها”. (السعدي، ١٤٢٠هـ، ص.216)

“الوفاء بالعقود هو أساس الثقة بين الناس، وهو يضمن استقرار المعاملات ونموها. فكل عقد يُبرم، هو لتأمين منفعة لطرفين أو أكثر، والوفاء به يحقق هذه المنفعة للجميع”. (الزحيلي، ١٤٢٢هـ، ج6، ص.4430)

هذه الآية تحث على إعطاء الحقوق والوفاء بالعهود وهذا هو تجسيد للمكسب المشترك، فالعقد هو اتفاق بين طرفين أو أكثر لتحقيق منفعة متبادلة، والوفاء بهذا العقد يضمن تحقيق هذه المنافع لجميع الأطراف، بينما نقضه يؤدي إلى الإضرار بأحد الأطراف أو كليهما، وبالتالي خسارة جماعية.

  • الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90).

“يخبر تعالى أنه يأمر بالعدل وهو القسط، والإحسان وهو فعل الخيرات إلى الناس، وإيتاء ذي القربى ما يحتاجون إليه من صلة وبر”. (ابن كثير، ١٤٢٠هـ، ج2، ص.592)

“هذه الآية جامعة لجميع أنواع الخير، فالله يأمر بكل فضيلة، وينهى عن كل رذيلة. فالعدل هو إعطاء الحقوق على وجهها، والإحسان فعل الخير والفضل، وهو أعلى من العدل”. (السعدي، ١٤٢٠هـ، ص446)

هذه الآية تأمر بالإحسان إلى الآخرين فالإحسان هو مرتبة أعلى من العدل، فالعدل إعطاء كل ذي حق حقه، والإحسان هو تقديم ما هو أفضل من ذلك، وهو ما يرسخ مفهوم المكسب المشترك، فعندما يُحسن كل طرف للآخر، تتجاوز العلاقة من مجرد استيفاء الحقوق إلى تبادل للمنافع والفضائل، مما يخلق بيئة من الرضا والمشاركة، ويظهر في الآية أن الإحسان يشمل جميع أنواع فعل الخيرات للناس، وهذا يعزز فكرة أن المكسب المشترك ليس بالضرورة ماديًا فقط، فتقديم المعروف والبر للآخرين يخلق رصيدًا من الثقة والود يعود بالنفع على الجميع في المدى الطويل، مما يؤسس لعلاقات دائمة تقوم على المنفعة المتبادلة. فالإحسان أعلى من العدل، وهو ما يتناسب تمامًا مع عقلية المكسب المشترك، فبينما العدل يضمن عدم الخسارة لأي طرف، فالإحسان يضمن زيادة المكاسب لجميع الأطراف، لأنه مبني على الفضل والعطاء لا مجرد أداء الواجب، فهذه الآية تؤسس لمجتمع فاضل قائم على المنفعة المتبادلة.

  • الدليل الثالث: قصة زواج -موسى عليه السلام- قال الله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (القصص: ٢٤-٢٨). تدل هذه الآيات على العادة الرابعة من عدة نواحي:

الناحية الأولى: عرض الأجر والاعتراف بالجميل.

﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (القصص: 25).

“هذا من كرم الرجل الصالح، أنه دعا من أحسن إليه ليُجازيه على إحسانه”. (ابن كثير، ١٤٢٠هـ،ج3، ص390)

“هذا يدل على أن الرجل الصالح لم يرد أن تكون مساعدة موسى له بدون مقابل، بل أراد مكافأته على إحسانه”. (السعدي، ١٤٢٠هـ، ص617)

هذا يوضح أن كرم الرجل الصالح في تقديم الجزاء يُشجع على المنفعة المتبادلة، فهذه المبادرة تُرسخ فكرة أن الإحسان لا يضيع، وأن هناك من يُقدر الجميل ويُكافئه، مما يُعزز الثقة ويُحفز على المشاركة المستقبلية، فرغبة الرجل الصالح في مكافأة موسى، تعزز عقلية المكسب المشترك، فالمكسب المشترك لا يقتصر على الأخذ فقط، بل يشمل العطاء والتقدير لما يُقدمه الآخرون، فينشأ بذلك علاقات متينة قائمة على التقدير المتبادل، وهذا في صميم عقلية المكسب المشترك، حيث يتم تقدير الجهود المبذولة ويُعترف بها، مما يُعزز الروابط ويُشجع على مزيد من الشراكات.

الناحية الثانية: عرض العمل والضمانة (القوة والأمانة)

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: 26).

“هذا وصف جامع لكل خصال الخير، وهو أن يكون قويًا في عمله، أمينًا فيما يُوكل إليه”. (ابن كثير، ١٤٢٠هـ، ج3، ص391)

“هذا دليل على فطنة المرأة وذكائها، وأنها عرفت أن حاجتهم لمن يجمع بين القوة والأمانة في رعي الغنم”. (السعدي، ١٤٢٠هـ، ص617)

تظهر هنا معايير أساسية للمكسب المشترك في أي علاقة عمل وهي: القوة (الكفاءة) والأمانة (النزاهة والثقة) عندما تتوفر هذه الصفات في الطرفين فإن العلاقة ستكون مثمرة ومربحة للجانبين، فصاحب العمل يجد من يُنجز له عمله بكفاءة وأمانة، والعامل يجد فرصة للعمل الشريف.

كما أن القوة والأمانة هي خصال جامعة للخير. في سياق المكسب المشترك، هذا يعني أن اختيار الشركاء أو الموظفين يجب أن يعتمد على هذه الصفات لضمان تحقيق أقصى منفعة للطرفين، فالقوي يُنجز العمل بكفاءة، والأمين يُحافظ على الحقوق.

وتبرز أهمية هذه الصفات في اختيار الشريك أو الموظف، بأن المكسب المشترك يتطلب من كل طرف أن يُقدم أفضل ما لديه من كفاءة ونزاهة لضمان نجاح الشراكة وتحقيق أقصى فائدة للجميع كما أن العلاقات القائمة على الثقة والكفاءة هي التي تُحقق أفضل النتائج للجميع.

الناحية الثالثة: عقد الإجارة والزواج (تحديد المصالح المتبادلة)

﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (القصص: 27).

“يقول تعالى ذكره: قال الرجل الصالح لموسى: إني أريد أن أُزوجك إحدى ابنتي هاتين، على أن تكون أجرًا لي ثماني حجج، أي: تعمل في رعي غنمي ثماني سنين”. (الطبري، د.ت، ج10، ص.325)

٣٩٢)

“هذا العرض من الرجل الصالح لموسى يدل على حسن خلقه، وأن من شروط عقود الإجارة أن تكون معلومة الأجل والعمل”.(السعدي، 1420هـ، ص.618)

هذا العرض يُبين كيفية صياغة عقد يحقق المكسب المشترك للطرفين، فالرجل الصالح يُقدم ابنته للزواج (مكسب لموسى)، وموسى يقدم خدمته (رعي الغنم) مقابل هذا الزواج (مكسب للرجل الصالح)، مع تحديد فترة زمنية مرنة (ثماني أو عشر سنوات)، مما يُعطي خيارًا يُحقق منفعة إضافية لموسى إذا اختار ذلك، ويُبعد الشقاق. يوضح فالعقد كان مبنيًا على منفعة واضحة للطرفين، وهذا يُعزز عقلية المكسب المشترك، حيث يتم تحديد ما سيُقدمه كل طرف وما سيحصل عليه بوضوح، مما يُجنب النزاع ويُمكن من تحقيق الأهداف المشتركة، ويتضح من ذلك أهمية تحديد الشروط بوضوح في العقد، فعقلية المكسب المشترك تتطلب الوضوح والشفافية في تحديد التزامات ومنافع كل طرف، مما يُمكن من بناء علاقات سليمة ومربحة للجميع، ووما يتصف به العقد العدل والمرونة، وهي سمات أساسية في عقلية المكسب المشترك، فتقديم خيارات تُحقق منفعة إضافية لأحد الأطراف، مع الحفاظ على منفعة الطرف الآخر، هو أساس بناء علاقات طويلة الأمد ومربحة للجميع.

الناحية الرابعة: القبول والتراضي على الشروط.

﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (القصص: 28).

“أي: هذا الذي اتفقت أنا وأنت عليه، فلا ظلم ولا إجحاف، والله شهيد على ما نقول”. (ابن كثير، 1420هـ، ج3، ص.393)

“هذا يدل على صحة الاتفاق بينهما، وعلى أن التراضي هو أساس العقود، وأن الله وكيل على هذا العقد”. (السعدي، ١1420هـ، ص.618)

“هذا القبول يؤكد على أن العقود في الإسلام تُبنى على التراضي والاختيار، وهذا ما يضمن نجاحها واستمراريتها، ويُحقق مصلحة الطرفين”. (الزحيلي، 1422هـ، ج10، ص.6609)

موافقة موسى على الشروط تؤكد على التراضي والقبول المتبادل، وهما ركيزتان أساسيتان للمكسب المشترك، فالاتفاق يكون بناءً على قبول الطرفين، وليس على إكراه أو إجحاف، مما يضمن أن كل طرف سيدخل في الاتفاق وهو راضٍ عن النتائج المتوقعة فهذا يُعزز عقلية المكسب المشترك، حيث يجب أن تكون الاتفاقيات عادلة وشفافة، ولا تُلحق الضرر بأي طرف، مما يُعزز الثقة ويُمكن من تحقيق المنفعة للجميع. فلا يمكن أن يتحقق المكسب المشترك إلا إذا كان هناك رضًا متبادل بين الأطراف على الشروط، مما يُقلل من النزاعات ويُعزز المشاركة، حيث يُعد التراضي والاختيار الحر أساسًا لتحقيق أفضل النتائج لكلا الطرفين على المدى الطويل في المكسب المشترك.

تُجسد قصة زواج موسى عليه السلام من ابنة الرجل الصالح نموذجًا مثاليًا لعقلية المكسب المشتركة وأن العلاقات الناجحة، سواء كانت شخصية أو مهنية، تُبنى على العدل، والإحسان، والشفافية، والتراضي المتبادل لتحقيق أفضل النتائج لجميع الأطراف المعنية.

ثانيًا/ التأصيل للعادة الرابعة عقلية المكسب المشترك (فكر بالمنفعة المتبادلة) من الأحاديث النبوية.

  • الحديث الأول: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير الناس أنفعهم للناس”. (مسلم، 1432هـ، ح 211)

“قوله: (خير الناس أنفعهم للناس) أي: كلما ازداد نفع الإنسان للآخرين، ازداد خيره وقرب من الله تعالى، وهذا يشمل النفع بجميع صوره: نفعًا ماديًا، علميًا، بدنيًا، أو معنويًا”. (المباركفوري، د.ت، ج7، ص.283)

“المُراد به بيان الفضل العظيم لمن كثر نفعه للمسلمين، والمراد بالناس هنا: المسلمون، ويُلحق بهم غيرهم من أهل الذمة والمستأمنين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعامل معهم بالعدل والإحسان”. (العسقلاني، 1379هـ، ج10، ص.426)

هذا الحديث هو جوهر عقلية المنفعة المتبادلة فهو يُعلي من قيمة الإنسان الذي يسعى لتقديم النفع للآخرين، فإذا كان خير الناس هو أنفعهم، فهذا يُشجع على البحث عن طرق لإفادة الجميع، وليس فقط تحقيق المكاسب الشخصية، فعندما يكون النفع للآخرين جزءًا من الهوية فتلقائيًا يكون السعي لنتائج المكسب المشترك في كل التعاملات، لأن النفع للآخرين هو في حد ذاته مكسب.

  • الحديث الثاني: عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ؛ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى.” (البخاري، 1422هـ، ح6011)

“أي: تشبيه لترابط المؤمنين بعضهم ببعض، فكما أن أعضاء الجسد يُحس بعضها ببعض ويتأثر، فكذلك المؤمنون يتأثرون لآلام بعضهم ويسعون في إزالتها”. (القسطلاني، 1905م، ج 9، ص.275)

تشبيه المجتمع بالجسد الواحد يُعد استعارة قوية لعقلية المكسب المشترك، فعندما يُدرك الأفراد أن ضرر جزء من الجسد يُؤثر على الكل، وأن صلاح الجزء يُفيد الكل، فإنهم سيسعون لِحل المشكلات بطريقة تُفيد الجميع، وهذا يُعزز المكسب المشترك والبحث عن حلول شاملة تُحقق المنفعة للجميع، بدلاً من التركيز على المصلحة الفردية الضيقة، لأن مكسب أي عضو في الجسد هو مكسب للجسد كله.

  • الحديث الثالث: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “بَيْنَما رَجُلٌ يَمْشِي بطَرِيقٍ اشْتَدَّ عليه العَطَشُ، فَنَزَلَ بئْرًا، فَشَرِبَ مِنْها، ثُمَّ خَرَجَ فإذا هو بكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فقالَ الرَّجُلُ: لقَدْ بَلَغَ هذا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذي بَلَغَ بي، فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أمْسَكَهُ بفِيهِ حتَّى رَقِيَ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ له فَغَفَرَ له، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، وإنَّ لنا في البَهائِمِ أجْرًا؟ قالَ: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ.” (البخاري، 1422هـ، ح2363)

“قوله: (في كل كبد رطبة أجر) أي: في الإحسان إلى كل حيوان ذي كبد حية”. (العسقلاني، 1379هـ، ج 5، ص.33)

هذا الحديث يُوسع مفهوم المنفعة المتبادلة ليشمل حتى التعامل مع الحيوان، فالرجل الذي سقى الكلب، لم ينتظر منفعة مباشرة منه، ولكنه سعى لِتخفيف ألم كائن حي، فكان هذا العمل قائم على الرحمة والإحسان ويظهر أن عقلية المكسب المشترك تتجاوز المصالح البشرية المباشرة، وتُشمل كل الكائنات، وتُؤكد أن الإحسان إلى الآخرين، حتى لو كانوا في موقع ضعف، يُؤدي إلى مكسب أعظم من الله سبحانه وتعالى وهو المغفرة، مما يجعل الفعل فوزًا لكل الأطراف.

  • الحديث الرابع: عن شداد بن أوس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليُرح ذبيحته”. (مسلم، 1332هـ، ح 1955)

“قوله: (كتب الإحسان على كل شيء) أي: أوجبه وألزم به. والإحسان هو الإتيان بالشيء على أكمل وجه وأتمه. وهذا يشمل كل الأمور، حتى في التعامل مع الحيوان، فكيف بالتعامل مع البشر”. (النووي، 1392هـ، ج13، ص.107)

“المعنى أن الله أوجب الإتقان والإحسان في كل فعل يقوم به الإنسان، وهذا ينطبق على جميع التعاملات، فإذا أردت المكسب، فابحث عن الإحسان في تعاملك، مما يُفيد الطرف الآخر ويُعظم مكسبك”. (عياض، 1998م، ج6، ص.446)

الإحسان هو تجسيد لعقلية المكسب المشترك في جوهرها، فالمحسن في كل شيء، يتعدى نفعه للطرف الآخر أيضًا، فالإحسان يعود بالنفع على صاحبه وعلى من يتعامل معه، ويُبنى عليه الثقة والعلاقات المستدامة التي تُفضي إلى مكاسب متبادلة على المدى الطويل.

ثالثًا/ التأصيل للعادة الرابعة عقلية المكسب المشترك (فكر بالمنفعة المتبادلة) من مواقف الصحابة.

  • الموقف الأول: موقف صلح الحديبية .

فعندما صالح النبي -صلى الله عليه وسلم- قريشًا في الحديبية، اعتبر بعض الصحابة كعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن الشروط مجحفة في حق المسلمين، مثل إعادة من جاء مسلمًا إلى قريش، وعدم أداء العمرة ذلك العام، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان ينظر إلى الصورة الأكبر وهي حقن الدماء وإتاحة فرصة الدعوة إلى الإسلام. وبالفعل، بعد الصلح دخل كثير من الناس في الإسلام، وارتفع عدد المسلمين بشكل ملحوظ في السنتين اللتين تَلَتا الصلح. (البخاري، 1422هـ، ج 3، ص 205)

فكان صلح الحديبية مثالًا على كيفية تحقيق المكسب المشترك حتى في ظروف تبدو فيها بعض الأطراف قد تنازلت عن بعض مصالحها ظاهريًا، كتنازل المسلمون عن العمرة وعن بعض الشروط، لكنهم ربحوا الأمن ووقف الحرب، مما أتاح لهم فرصة عظيمة للدعوة ونشر الإسلام بالحجة لا بالسيف، أما قريش ربحت السلام الذي كانت تحتاجه، وربح المسلمون انتشار دعوتهم، فهذا يُظهر أن عقلية المكسب المشترك قد تتطلب نظرة بعيدة المدى، وقدرة على رؤية الفوائد غير المباشرة التي تُفضي إلى تحقيق مصالح جميع الأطراف على المدى الطويل، وليس فقط الفوز الفوري في المواجهة.

  • الموقف الثاني: موقف أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- مع الأسرى من المرتدين.

بعد حروب الردة، كان هناك أسرى من المرتدين، فاختلف الصحابة في معاملتهم، فأشار البعض بِقتلهم، لكن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- رأى أنه يُمكن استصلاحهم، فقبل منهم التوبة، وبعضهم عاد إلى الإسلام وأصبحوا من الصالحين. (الطبري، 1287هـ، ج 3، ص.291)

فيُظهر هذا الموقف سعي أبي بكر الصديق لِتحقيق المكسب المشترك بدلًا من اتخاذ قرار انتقامي يُؤدي إلى خسارة الأرواح، فسعى لِإيجاد حل يُمكن أن يُفضي إلى الكسب لجميع الأطراف، فالأسرى يكسبون حياتهم وفرصة العودة إلى الإسلام، والمجتمع يكسب أفرادًا صالحين يُمكن أن يُسهموا في بنائه، هذا يُبين أن عقلية المكسب المشترك تُركز على الاستصلاح وإعطاء الفرص، مما يُعزز التماسك والنمو المجتمعي.

  • الموقف الثالث: موقف عمر بن الخطاب في توزيع الغنائم والأراضي

فبعد الفتوحات الإسلامية، استشار عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الصحابة في شأن الأراضي المفتوحة هل تُقسم على الفاتحين أم تُترك وقفًا للمسلمين؟ اختلف الصحابة، فأشار بعضهم بِقسمتها، وأشار آخرون بتركها وقفًا، وبعد نقاش طويل، قرر عمر -رضي الله عنه- عدم قسمتها، بل تركها وقفًا للمسلمين جميعًا، ينتفعون بغلتها، وذلك لِضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة، ولِتجنب أن تُصبح الثروة محصورة في أيدي قلة.(أبو يوسف، د.ت، ج 1، ص27)

يُعتبر هذا الموقف مثالًا رائعًا على عقلية المكسب المشترك على المدى الطويل، فعمر -رضي الله عنه- لم يُفضل مصلحة جيل واحد على حساب الأجيال القادمة، بل سعى لِإيجاد حل يُحقق الفائدة لجميع المسلمين عبر الأجيال فكان هذا القرار يهدف إلى تحقيق عدالة توزيع الموارد وضمان الاستدامة، مما يُؤدي إلى الكسب للجميع في المستقبل، ويُظهر بُعد نظر في تحقيق المنفعة المتبادلة بين الأجيال.

  • الموقف الرابع: موقف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مع الفلاح.

فقد روي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مرّ بِفلاح نبطي يزرع أرضًا، فأراد أن يُقاسمَه في محصوله، لكن الفلاح اعترض قائلًا: “والله ما حفرتها ولا غرستها ولا سقيتها إلا بكد يدي وعرق جبيني”، فاستمع عمر له، وأدرك أن العدل يُوجب ألا يأخذ منه شيئًا، فتركه على محصوله وقال: “أنت أحق به”. (ابن عساكر، 1995، ج 44، ص 407)

هذا الموقف يُظهر كيف أن عقلية المكسب المشترك تتجلى في تطبيق العدل حتى مع من هم ليسوا من نفس الدائرة الاجتماعية، فعمر -رضي الله عنه- رغم سلطته سعى لِفهم حجة الفلاح والإنصاف له، فهذا يُؤكد أن تحقيق العدل يضمن مكسبًا لجميع الأطراف فالفلاح يُحافظ على جهده وثمرة عمله، وعمر يُحقق العدل ويُعزز الثقة في الدولة، مما يُؤدي إلى استقرار وسلام مجتمعي يُعد مكسبًا للجميع.

(٥) التأصيل الإسلامي للعادة الخامسة اسع إلى فهم الآخرين أولًا قبل أن تسع إلى أن يفهموك.

أولًا/ التأصيل للعادة الخامسة اسع إلى فهم الآخرين أولًا قبل أن تسع إلى أن يفهموك من القرآن الكريم.

  • الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 18).

“يقول تعالى ذكره: الذين يُصغون إلى القول فيستمعون إليه ويتأملونه، فيعملون بما كان أحسن منه من ذلك القول”. (الطبري، د.ت، ج11، ص.54)

“هذا مدح لمن يستمعون القول بكل إقبال، ثم يُميزون بين الحق والباطل، ويتبعون أحسن ما فيه من الحق والهدى”. (السعدي، 1420هـ، ص.720)

هذه الآية تُشجع على الإنصات الواعي والمتأمل لكل ما يُقال، وعدم التسرع في الرد أو الحكم، فالاستماع إلى القول بجميع جوانبه قبل اتخاذ القرار أو الرد هو جوهر السعي لفهم الآخرين أولًا، فهذا يُمكن الفرد من استيعاب وجهات نظرهم بشكل كامل، مما يؤدي إلى ردود فعل أكثر حكمة وإيجابية، فالإنصات الجيد يُمكن من التمييز والفهم العميق لما يُعرض، وهذا يُمثل العادة الخامسة، حيث لا يُمكن فهم الآخرين والوصول إلى أفضل الحلول إلا بالاستماع المتأنّي وغير المتحيز لجميع الأقوال ووجهات النظر، فالإنصات بإقبال والتمييز بعده يُعد الطريق للهداية والصواب ويُعزز فكرة أن الفهم الحقيقي للآخرين يبدأ بالاستماع العميق، وهو ما يُمكن الفرد من اتباع أحسن القول في تعاملاته، مما يُفيد جميع الأطراف. كما ذكر الزحيلي(١٤٢٢هـ) أن الآية ترتبط بالعقول السليمة التي لا تتعصب لرأي. (ج12، ص.7589) وهذا يُقدم أساسًا متينًا للعادة الخامسة، ففهم الآخرين يتطلب التخلص من التحيزات المسبقة والإنصات الحقيقي، مما يُؤدي إلى اختيار الأفضل والأنفع في التعاملات.

  • الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات: 12).

“ينهى تعالى عباده المؤمنين عن سوء الظن بالناس، وعن التجسس عليهم في عوراتهم، وعن الغيبة وهي ذكر الإنسان بما يكره في غيبته”. (ابن كثير، 1420هـ، ج4، ص.261)

“هذه الآية ترسي مبدأ الاحترام المتبادل بين الناس، وتُحرم كل ما يُشوه سمعة الآخر أو يُؤدي إلى الشقاق، فالمسلم يسعى لبناء علاقات سليمة”. (الزحيلي، 1422هـ، ج13، ص.8123)

النهي عن سوء الظن، التجسس، والغيبة يُعد ركيزة أساسية لفهم الآخرين، فسوء الظن يُغلق باب الفهم الحقيقي ويُؤسس لأحكام مسبقة خاطئة، والتجسس والغيبة يُشوهان الصورة الحقيقية للآخرين ويمنعان التواصل المباشر الذي يؤدي إلى الفهم العميق، فهذه الآية تُوجه المسلم نحو بناء علاقات قائمة على الثقة والبحث عن الحقيقة من مصدرها، وهي أساس لفهم الآخر، فتظهر هذه الآية أن هذه المنهيات تُفسد العلاقات فيجب التخلي عن هذه السلوكيات السلبية التي تُعيق التواصل الصحيح، فالبدء بحسن الظن، وعدم التجسس، وتجنب الغيبة يُمهد لبيئة من الثقة التي تُمكن الأطراف من التعبير عن أنفسهم بصدق، مما يُسهل الفهم المتبادل، كما أن السعي لفهم الآخرين يتطلب تنقية النفس من هذه السلبيات، لأنها تُعيق القدرة على الإنصات بذهن منفتح وقلب سليم، ويربط الزحيلي (١٤٢٢هـ) الآية بالاحترام المتبادل وبناء العلاقات السليمة( ج13، ص.8123) هذا يتوافق مع العادة الخامسة، فاحترام الآخرين هو الأساس لفهمهم، ويشجع الآخر على الانفتاح والتعبير عن نفسه، مما يُمكن من فهمه بشكل أعمق.

  • الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: 204).

“أمر تعالى بالإنصات إلى القرآن عندما يُتلى، ليتدبروا معانيه ويتفهموا ما فيه، وذلك سبب للرحمة”. (ابن كثير، 1420هـ، ج2، ص.264)

“هذا أمر بوجوب الاستماع للقرآن والإنصات له عند تلاوته، وذلك يُعين على فهمه وتدبره”. (السعدي، 1420هـ، ص.308)

الأمر بالاستماع والإنصات للقرآن بتركيز كامل يُقدم نموذجًا مثاليًا للإنصات المطلوب لفهم الآخرين، فالتركيز الكامل، وعدم التشتت، وتجنب المقاطعة، هي مفاتيح الإنصات الفعال الذي يُمكنك من فهم ما يُقال من الطرف الآخر بوضوح. يُبرز ابن كثير (١٤٢٠هـ) أن الإنصات للقرآن يهدف إلى التدبر والتفهم (ج2، ص.264) وهذا يُمكن إسقاطه على الإنصات للآخرين، فهدف الاستماع ليس مجرد السماع، بل الفهم العميق لما يُقال، بما في ذلك المشاعر والنوايا، وهو جوهر العادة الخامسة. الربط بالعادة الخامسة: يوضح السعدي أن الاستماع والإنصات يُعينان على الفهم والتدبر. في العلاقات، هذا يعني أن الإنصات الجيد للآخرين هو السبيل الوحيد لفهمهم وتدبر أقوالهم، قبل أن يُمكنك التفكير في كيفية الرد أو التعبير عن وجهة نظرك. يربط الزحيلي الآية بحسن الإنصات لضمان الفهم الصحيح. هذا يُعزز العادة الخامسة، ففهم الآخرين يبدأ بمهارة الإنصات الجيد، والتي تُمكن من استيعاب رسالتهم بشكل كامل ودقيق.

  • الدليل الرابع: قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 46).

“يقول تعالى ذكره: ولا تُجادلوا اليهود والنصارى إلا بالتي هي أحسن من المقالة واللينة والرفق، إلا الظالم منهم”.(الطبري، د.ت، ج10، ص.426)

“هذه الآية تُرسخ مبدأ الحوار البناء، وأن أساسه الفهم المتبادل، واحترام الرأي الآخر، حتى لو اختلفنا معه”. (الزحيلي، 1422هـ، ج11، ص.6821)

الجدال بالتي هي أحسن يُشير إلى أهمية فهم منظور الطرف الآخر قبل محاولة إقناعه، لكي تُجادل بالأحسن يجب أن تفهم أولًا حُجج ودوافع الطرف الآخر. فهذا يسهل مخاطبته باللغة التي يفهمها، وتقديم الحجج التي تُناسب سياقه، مما يُعزز فرصة الفهم المتبادل، كما يُبرز ابن كثير (١٤٢٠هـ) أن الجدال الأحسن يتطلب الحكمة والموعظة الحسنة ( ج3، ص.436) هذه الصفات لا يُمكن أن تُطبق بفعالية إلا بالفهم الجيد للطرف الآخر وفهم نقاط قوته وضعفه، ففهم الطرف الآخر أولًا يُمَكن من اختيار أفضل طريقة للتواصل والإقناع، ويوضح السعدي( ١٤٢٠هـ) أن الجدال يتطلب العلم والتحقق(ص.٦٣٧) وهو ما يُشير إلى أهمية الفهم المسبق، إذ لا يُمكن أن يكون الجدال بالتي هي أحسن إلا عند فهم الطرف الآخر، وفهم نقاط الخلاف، ونقاط الاتفاق، مما يُمكن من صياغة الحُجج بشكل فعال.

كما يربط الزحيلي(١٤٢٢هـ) هذه الآية بالحوار البناء والفهم المتبادل. ( ج11، ص.6821) وهذا يتوافق مع العادة الخامسة، فلكي يكون الحوار بناءً وفعالًا، يجب أن يكون مبنيًا على فهم عميق للطرف الآخر، مع احترام لوجهة نظره، قبل محاولة عرض وجهة نظرك.

ثانيًا/ التأصيل للعادة الخامسة اسع إلى فهم الآخرين أولًا قبل أن تسع إلى أن يفهموك من الأحاديث النبوية.

  • الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “كفى بالمرءِ كذبًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمِعَ.” (مسلم، 1332هـ، ح5)

“فيه الزجر عن التحديث بكل ما سمع الإنسان؛ فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدث بكل ما سمع، كان قد حدث بالكذب، والكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو، ولا يُشترط فيه التعمد”. (النووي، 1392هـ، ج 1، ص 73)

هذا الحديث يُرسخ مبدأ التثبت والاستماع الفعال قبل الحكم “كفى بالمرء كذبًا أن يُحدّث بكل ما سمع” يعني ألا يُسلّم الإنسان لكل معلومة، وألا يبني عليها أحكامه دون تحقق، وهذا يُعد خطوة أساسية نحو فهم الآخرين أولًا؛ لأن الاستماع الجيد والتأكد من المعلومة يُجنب الفرد الوقوع في سوء الفهم أو بناء قناعات خاطئة عن الآخرين، مما يُهيئ المناخ لِفهم أعمق وأكثر دقة.

  • الحديث الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: “أوصِني، قال: لا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرارًا، قال: لا تَغْضَبْ.” (البخاري، 1422هـ، ح6116)

“أي: لا تفعل أسباب الغضب، أو لا تُنفّذ الغضب بعد حصوله، ولا تترتب عليه الآثار المذمومة”. (العسقلاني، 1379هـ، ج 10، ص.512)

الغضب يُشكل عائقًا كبيرًا أمام فهم الآخرين. فالشخص الغاضب غالبًا ما يكون غير قادر على الاستماع، أو تحليل الموقف بعقلانية. نصيحة “لا تغضب” تُشجع على الهدوء والتريث، وهما شرطان أساسيان لِتوفير بيئة تسمح بالاستماع لِفهم الآخرين قبل الرد أو التعبير عن الرأي. فالغضب يُغلق قنوات الفهم ويُؤدي إلى سوء التواصل.

  • الحديث الثالث: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا عائِشَةُ، إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ في الأمْرِ كُلِّهِ.” (البخاري، 1422هـ، ح6927)

“الرفق هو لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل، وهو يُحب الرفق في جميع الأمور، لا سيما ما يتعلق بالتعامل مع الناس.” (ابن بطال، 2003، ج 10، ص.228)

الرفق واللين في التعامل يفتحان قنوات التواصل ويُشجعان الآخر على الانفتاح والتعبير عن نفسه، فعندما يتعامل الإنسان برفق، فإنه يُظهر اهتمامًا بفهم الآخرين، ويُقدم لهم المساحة لِلتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم دون خوف من الأحكام المسبقة أو الردود العنيفة، فهذا يُهيئ الظروف لِتواصل فعّال يُمكن من فهم أعمق وتقديم وجهة نظر مقبولة.

  • الحديث الرابع: عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كانَ كلامُ رسولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – كلامًا فصلًا، يفهمُهُ كلُّ من سمِعَهُ.” (أبو داود، 1999، ح 4839)

“أي: كلامه صلى الله عليه وسلم كان واضحًا بيِّنًا، يميز بعضه من بعض، ولا يتداخل، فيفهمه كل من سمعه”. (العظيم آبادي، 1968، ج 13، ص 164)

الكلام الفصل هو الكلام الذي يفهمه كل من سمعه، وهو الجانب الثاني من العادة الخامسة ثم اسع إلى أن يفهموك، فبعد أن يفهم الإنسان الآخرين، يجب أن يكون قادرًا على التعبير عن نفسه بوضوح ودقة لِضمان فهم رسالته.

هذا الحديث يُؤكد على أهمية الوضوح والبيان في التواصل لِتحقيق الفهم المتبادل، حيث أن سوء الفهم غالبًا ما ينشأ من عدم وضوح الرسالة.

ثالثًا/ التأصيل للعادة الخامسة اسع إلى فهم الآخرين أولًا قبل أن تسع إلى أن يفهموك من مواقف الصحابة.

  • الموقف الأول: موقف أبي بكر الصديق في تسليم الخلافة وفهم مصلحة الأمة.

عندما مرض أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- مرض موته، استشار كبار الصحابة فيمن يتولى الخلافة من بعده، فكان يُناقشهم واحدًا تلو الآخر، يستمع إلى آرائهم في عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ، ويُفهمهم أسباب اختياره لعمر ووجهة نظره في قدراته على تحمل المسؤولية، فرغم أن المسألة كانت خطيرة، إلا أنه حرص على التشاور لِفهم ما يدور في أذهانهم. (ابن كثير، 1408هـ، ج 6، ص.304)

هذا الموقف يُبين أن القائد الفعال يسعى لِفهم آراء وقناعات الآخرين حتى في القرارات المصيرية، فأبو بكر -رضي الله عنه- لم يُعلن قراره مُباشرة، بل استمع إلى كل طرف، وسعى لِفهم مخاوفهم أو تحفظاتهم، ثم قام بِشرح وجهة نظره بوضوح وحجة، حتى تمكن من إفهامهم وتوحيد كلمتهم على اختيار عمر. هذا الاستماع العميق والتواصل الفعال يُؤكد على جوهر العادة الخامسة.

  • الموقف الثاني: موقف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مع المرأة التي احتجت على مهور النساء.

روي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أراد أن يحد من غلاء مهور النساء، فقام على المنبر وقال: “ألا لا تُغالوا في صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-“. فاعترضت عليه امرأة من عرض الصفوف قائلة: “مالك ولنا يا عمر، ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (النساء: 20)؟” فتراجع عمر -رضي الله عنه- وقال: “امرأة أصابت وعمر أخطأ”. (ابن كثير، 1408هـ، ج 7، ص.164)

هذا الموقف يُعد مثالًا عظيمًا على السعي لِفهم الآخرين أولًا، فعمر -رضي الله عنه- رغم مكانته وقوته، لم يتعالَ على اعتراض المرأة، بل استمع إليها باهتمام، وفهم حجتها الشرعية التي استندت إلى القرآن الكريم، فهذا الاستماع الجيد أدى به إلى الاعتراف بالخطأ وتغيير رأيه، مما يُعزز مبدأ أن الفهم المتبادل يُمكن أن يُغير وجهات النظر ويُؤدي إلى قرارات أفضل، ويُبين أهمية التواضع أمام الحق، حتى لو جاء من شخص أقل مكانة.

  • الموقف الثالث: موقف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في قصة حد الخمر وفهم طبيعة المشكلة الاجتماعية.

عندما أراد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن يُشدد العقوبة على شارب الخمر إلى ثمانين جلدة بعد أن كانت أربعين، استشار الصحابة في ذلك. فقال له عبد الرحمن بن عوف: “أرى أن تجعلها كأخف الحدود، ثمانين جلدة”. فلم يُعارضه أحد، وهذا القرار كان بناءً على فهم طبيعة المشكلة وتأثيرها الاجتماعي، وأن العقوبة الأشد قد تُساهم في الحد منها. (مسلم، 1332هـ، ج 3، ص.1331)

فعمر -رضي الله عنه- لم يُصدر قرارًا منفردًا، بل سعى لِفهم آراء الصحابة الآخرين وخبراتهم حول هذه المشكلة الاجتماعية، من خلال المشورة والاستماع لِتجاربهم ووجهات نظرهم، حتى تمكن من فهم أبعاد المشكلة بشكل أعمق، مما قاده إلى اتخاذ قرار يُعتقد أنه الأنسب لِتحقيق المصلحة العامة. هذا يُبين أهمية الاستماع للمشورة لِتوسيع الفهم قبل اتخاذ القرار.

  • الموقف الرابع: موقف الصحابة -رضي الله عنهم- في قصة الإفك والتريث والتحقق.

عندما تعرضت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- لِحادثة الإفك، انتشرت الأقاويل، ولم يُفصل فيها لأيام، حتى اشتبه بعض الناس، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يُصلي ويستشير، والبعض من الصحابة لم يُصدقوا الشائعات. فكان هذا التريث وعدم التسرع في الحكم، وانتظار الوحي، مثالًا على عدم إصدار الأحكام قبل التحقق والفهم الكامل. (البخاري، 1422هـ، ج 5، ص.276)

تُظهر هذه الحادثة الصعبة أهمية التريث والتأني وعدم التسرع في إصدار الأحكام أو تصديق الشائعات، فالصحابة لم يقعوا في فخ الإفك، بل سعوا لِفهم الحقيقة والتثبت منها بدلاً من الانسياق وراء الظنون، فهذا يُؤكد أن الفهم الحقيقي يتطلب الصبر والتحقق من المصادر، وعدم السماح لِلمعلومات غير المؤكدة بِالتأثير على الفهم، مما يُمكن من اتخاذ مواقف صائبة بناءً على الفهم الصحيح.

(٦) التأصيل الإسلامي للعادة السادسة تكاتف مع الآخرين ( التعاون ).

أولًا/ التأصيل للعادة السادسة تكاتف مع الآخرين ( التعاون) من القرآن الكريم.

  • الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة:2).

“يأمر تعالى عباده المؤمنين بالتعاون على فعل الخيرات وترك المنكرات، وهذا يشمل كل ما يُحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال”. (ابن كثير، 1420هـ، ج2، ص.8)

“هذه الآية أمر من الله تعالى بالتعاون على جميع أنواع البر والتقوى، التي هي فعل المأمورات وترك المنهيات. ونهي عن التعاون على الإثم والعدوان”. (السعدي، 1420هـ، ص.214)

هذه الآية هي الأساس القرآني لمبدأ التعاون إذ تُحدد الإطار العام للتعاون المشروع، وهو التعاون على كل ما هو خير وصلاح (البر) وعلى ما يُرضي الله ويُقرب إليه (التقوى)، وهذا يُشير إلى أن التكاتف يجب أن يكون هادفًا وبنّاءً، يُثمر خيرًا جماعيًا يتجاوز قدرة الفرد. إنه دعوة لتجميع الجهود لتحقيق أهداف سامية تعود بالنفع على الفرد والمجتمع. الربط بالعادة السادسة: يُوضح ابن كثير أن التعاون يشمل جميع أفعال الخير. هذا يُعزز فكرة أن التكاتف لا يقتصر على مجالات محددة، بل هو مبدأ شامل يُطبق في كل مناحي الحياة لتحقيق الأهداف المشتركة، سواء كانت دينية أو دنيوية، مما يُعظم الأثر الإيجابي للجهود الفردية عند تضافرها.

كما أن التكاتف هو منهج حياة، حيث يُمكن للأفراد أن يُحققوا إنجازات هائلة عندما يتعاونون بفاعلية لتحقيق أهداف مشتركة، مُستفيدين من قدرات بعضهم البعض، كما يربط الزحيلي (1422هـ) الآية ببناء مجتمع متراحم ومتكافل. (ج5، ص.3647) هذا يُجسد جوهر العادة السادسة، حيث يُصبح التعاون ليس مجرد خيار، بل ضرورة لبناء مجتمع قوي ومتماسك، حيث تتكامل الجهود الفردية لتحقيق الصالح العام الذي لا يُمكن للفرد الواحد تحقيقه.

  • الدليل الثاني: قال الله تعالى في قصة ذي القرنين: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ (الكهف: 95).

“طلب ذو القرنين منهم المعاونة بالقوى العاملة، وذلك أفضل من المال، لأنه في ذلك نفع للمسلمين”. (ابن كثير، 1420هـ، ج3، ص.93)

“هذا الموقف يدل على أن التعاون بين الحاكم والمحكوم، وبين القائد والجنود، هو أساس النجاح في المشاريع الكبيرة، وأن المصلحة العامة تُقدم على المصلحة الخاصة”. (الزحيلي، 1422هـ، ج8، ص.5767)

توضح هذه الآية أن ذو القرنين لم يقبل المال، بل طلب بذل الجهد البشري، مما يُبرز قيمة التكاتف وتضافر الجهود.، فكان بناء السد مشروعًا ضخمًا لا يُمكن لذي القرنين وحده إنجازه، ولا القوم وحدهم، فتكاتف القوة العاملة والخبرة من ذي القرنين أدى إلى تحقيق هدف مشترك عظيم وهو الحماية من يأجوج ومأجوج، ويُوضح ابن كثير( ١٤٢٠هـ) أن طلب القوة العاملة بدلاً من المال كان أفضل لنفع الجميع( ج٣، ص.٩٣) هذا يُعزز فكرة أن التكاتف يُمكن أن يُحقق مكاسب أكبر من التبادل المادي، فدمج القدرات والمهارات المختلفة يُولد قوة جديدة لا يُمكن تحقيقها بالجهد الفردي. ويذكر الزحيلي(١٤٢٢هـ) من خلال تفسيره لهذه الآية أهمية التعاون بين الأطراف المختلفة لتحقيق النجاح وتقديم المصلحة العامة (ج8، ص.5767) هذا يُجسد جوهر التكاتف، حيث تتكامل الأدوار والمسؤوليات لتحقيق هدف يفوق قدرات كل فرد.

  • الدليل الثالث: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4).

“يقول تعالى ذكره: إن الله يُحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم حائط قد رص بعضه إلى بعض، فلا يخلص العدو إلى تفرقتهم”. (الطبري، د.ت، ج12، ص.235)

“هذا وصف للمقاتلين في سبيل الله بأنهم متماسكون، لا ينفصل بعضهم عن بعض، كالبنيان المرصوص، وهذا يدل على وحدة الصف وقوته”. (السعدي، 1420هـ، ص.844)

تُقدم هذه الآية صورة بليغة للتكاتف في أوج صورته: “بنيان مرصوص” هذا التشبيه يُشير إلى أن القوة الحقيقية تكمن في التماسك، حيث لا يُمكن اختراق الصف الواحد المتراص فالتكاتف يُمكن الأفراد من أن يُصبحوا كيانًا واحدًا قويًا، كل جزء يُساند الآخر ويُكمل نقصه، مما يُعظم القوة ويُحقق الأهداف المستحيلة، فالتكاتف يُولد طاقة أكبر من مجموع طاقات الأفراد، فكل فرد يُساند الآخر، مما يُمكن من تحقيق أهداف جماعية عظمى، وهذا يُجسد جوهر التكاتف، حيث تُصبح الفروقات الفردية نقاط قوة عندما تتكامل وتُوجه نحو هدف مشترك، مما يُعظم الإمكانيات الجماعية.

  • الدليل الرابع: قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: 103).

“يقول تعالى ذكره: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به جميعًا، ولا تتفرقوا عنه، ولا يذهب كل فريق منكم بغير ما جاء به الآخر”. (الطبري، د.ت، ج4، ص.20)

“هذا أمر بالاجتماع والاتحاد على دين الله، ونهي عن التفرق والتعادي، لأن الوحدة قوة والتفرق ضعف”. (السعدي، 1420هـ، ص141)

هذه الآية دليل على الاعتصام بحبل الله جميعًا والنهي عن التفرق وهذه دعوة صريحة للتكاتف والوحدة، فالتكاتف لا يقتصر على مجرد التعاون في مشروع، بل هو أساس لتماسك المجتمع والحفاظ على وحدته.

كما أنه يمكن الاستفادة من التنوع والاختلاف فيُصبح مصدر قوة إذا تم توحيد القلوب والجهود تحت راية واحدة، فيُوضح ابن كثير (١٤٢٠هـ) أن الاعتصام بحبل الله هو أساس الوحدة (ج١، ص.٣٩٠) ويُشدد السعدي(١٤٢٠هـ) على أن الوحدة قوة (١٤٢٠هـ، ص.١٤١) فهذا يُعزز فكرة أن التكاتف يستند إلى قيم ومبادئ مشتركة تُوحّد القلوب وتُوجه الجهود، مما يُمكن من بناء مجتمع مترابط وفعال، ويُؤكد على أن التكاتف ليس مجرد خيار، بل ضرورة لتحقيق القوة والمنعة، حيث تُصبح المجموعة أكبر من مجموع أفرادها عند توحيد الصفوف.

ثانيًا/التأصيل للعادة السادسة تكاتف مع الآخرين (التعاون)

  • الحديث الأول: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “المؤمنُ لِلْمُؤْمِنِ كالبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وشَبَّكَ بيْنَ أصابِعِهِ.” (البخاري، 1422هـ، ح482)

“أي: كالبنيان يشد بعضه بعضًا في قوامه وثباته، وكذلك المؤمنون ينبغي أن يكونوا متآزرين ومتعاضدين في دينهم ودنياهم.” (العسقلاني، 1379هـ، ج 1، ص.493)

هذا الحديث يُقدم صورة بليغة للتعاون والتكاتف المطلوب بين المؤمنين، فتشبيههم بالبنيان الذي يُشد بعضه بعضًا يُوضح أن قوة الفرد تُكمل قوة الآخر، وأن تضافر الجهود يُنتج عنها كيانًا أكثر صلابة وفاعلية، وهذا هو جوهر التكاتف والتعاون في أن كل جزء يُساهم في قوة الكل، مما يُحقق نتائج مُضاعفة لا يُمكن تحقيقها فرديًا.

  • الحديث الثاني: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الجماعةُ رحمةٌ والفُرْقَةُ عذابٌ.” (أحمد، 1420هـ، ح18451)

“أي: الاجتماع والتآلف رحمة من الله، والفرقة والتنازع سبب للعذاب والهلاك في الدنيا والآخرة.”(السندي، 2002م، ج 7، ص 546)

هذا الحديث يُبرز أهمية التعاون والوحدة كطريق للنجاح والرحمة، ويُحذر من التفرق الذي يُؤدي إلى الضعف والعذاب، “الجماعة رحمة” تُشير إلى أن التكاتف والعمل الجماعي يُجلب الخير والبركة، بينما “الفرقة عذاب” تُؤكد أن التنازع يُبدد الطاقات ويُضعف الأفراد والمجتمعات، وهذا يُشجع على السعي لِتكوين فرق عمل متكاتفة تُنتج حلولًا إبداعية وفاعلة.

  • الحديث الثالث: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللهَ لا يجمعُ أُمَّتِي على ضَلالةٍ، ويدُ اللهِ على الجَماعَةِ، ومَنْ شذَّ شذَّ إلى النارِ.” (الترمذي، 1975، ح2167)

“قوله: (ويد الله على الجماعة) كناية عن أن الله يُعين الجماعة ويُؤيدها، ويُوفقها إلى الحق والصواب.”(المباركفوري، د.ت، ج 6، ص.343)

يد الله مع الجماعة هو تشجيع مباشر على التكاتف والتعاون، فيُؤكد هذا الحديث أن التوفيق الإلهي يكون مع الجهد الجماعي والعمل الموحد، فعندما يتكاتف الأفراد وتتحد جهودهم، فإنهم يُصبحون أقوى وأكثر قدرة على تحقيق الأهداف، ويُقلل من خطر الوقوع في الخطأ أو الانحراف، مما يُعزز من فعالية التآزر.

  • الحديث الرابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من بنَى مسجدًا للهِ كمفحصِ قَطاةٍ أو أصغرَ بنَى اللهُ له بيتًا في الجنَّةِ.” (ابن ماجه، 1952، ح 738)

“المراد بالمفحص: موضع تفحص فيه القطاة التراب لتبيض فيه، وهو كناية عن أن البناء ولو كان يسيرًا أو مشاركة فيه يُجزى عليه.” (السندي، 1999، ج 1، ص.267)

رغم أن الحديث يتكلم عن بناء المسجد، إلا أنه يُمكن أن يُنظر إليه كرمز للتعاون في عمل الخير بشكل عام، فبناء المسجد يتطلب تضافر جهود كثيرة منها: التخطيط، والتنفيذ، والتبرع، والعمل اليدوي، فالحديث يُشجع على المساهمة ولو بيسير في العمل الجماعي لِتحقيق هدف نبيل، مُؤكدًا على أن كل مساهمة، مهما بدت صغيرة، تُسهم في إنجاز المشروع، هذا هو جوهر التكاتف والتعاون أن كل جهد يُضاف لِتكتمل الصورة.

ثالثًا/ التأصيل للعادة السادسة تكاتف مع الآخرين ( التعاون) من مواقف الصحابة.

  • الموقف الأول: موقف أبي بكر الصديق في بعث جيش أسامة بن زيد.

بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- أصر أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- على إنفاذ بعث جيش أسامة بن زيد -رضي الله عنه- إلى الشام، رغم اعتراض بعض الصحابة بسبب حاجة المدينة للجنود بعد وفاة النبي وتفشي الردة، لكن أبا بكر كان مُصرًا على تنفيذ أمر النبي، وتكاتف الصحابة معه في ذلك. (الطبري، 1387هـ، ج 3، ص206)

يُظهر هذا الموقف التكاتف والتعاون مع قرار القيادة العليا، حتى لو كان صعبًا أو مُعارضًا لِبعض الآراء الأولية، ورغم الاختلاف في الرأي، إلا أن الصحابة تكاتفوا مع أبي بكر في تنفيذ أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فأدى هذا التكاتف إلى تحقيق هدف استراتيجي وهو تأمين الحدود، وأرسل رسالة قوية بِقوة المسلمين بعد وفاة النبي-صلى الله عليه وسلم- مما يُعزز من فعالية التآزر في تحقيق الأهداف الكبرى للدولة.

  • الموقف الثاني: موقف الصحابة في الدفاع عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه-.

عندما حوصر عثمان بن عفان رضي الله عنه في بيته من قبل الفتنة، تكاتف عدد من الصحابة وأبنائهم لِلدفاع عنه وحراسته، مثل الحسن والحسين -رضي الله عنهما- وعبد الله بن الزبير، وغيرهم، وحاولوا منع المعتدين من الوصول إليه. (ابن كثير، 1408هـ، ج 7، ص.175)

هذا الموقف يُجسد التكاتف والتعاون في الدفاع عن الحق والعدل، حتى في أصعب الظروف، لقد تضافرت جهود الصحابة وأبنائهم في محاولة حماية الخليفة، مما يُبرز قيمة العمل الجماعي في الدفاع عن المبادئ، ورغم أن النتيجة لم تكن مرجوة، إلا أن هذا التكاتف يُظهر الالتزام بالمبادئ ورغبتهم في العمل معًا لِصالح الأمة.

  • الموقف الثالث: موقف علي بن أبي طالب في تجميع وتوثيق أحكام القضاء.

يُذكر أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، عندما كان قاضيًا، كان يحرص على توثيق الأحكام القضائية وتبويبها، وكان يُساعده في ذلك بعض من حوله لِضمان مرجعية قانونية منظمة، تخدم القضاء في المستقبل وتُساهم في تحقيق العدل. (ابن الجوزي، 1989، ج 1، ص.160)

يُمكن ربط هذا الموقف بالتكاتف والتعاون في بناء الأنظمة والمؤسسات، فتوثيق الأحكام وتبويبها ليس عملًا فرديًا سهلًا، بل يتطلب جهدًا جماعيًا لِضمان دقة التنظيم وسهولة الرجوع إليه، فهذا يُؤكد على أن التعاون في بناء الأنظمة القانونية والإدارية يُؤدي إلى الفائدة لِجميع أفراد المجتمع، حيث يُصبح القضاء أكثر عدلًا وتنظيمًا.

  • الموقف الرابع: موقف الصحابة في السقاية والرعاية في الحروب.

في الغزوات والمعارك لم يكن القتال هو الجهد الوحيد، بل تكاتف الصحابة والنساء أيضًا في توفير الماء للجرحى، وإسعافهم، وتقديم الطعام، فقد كانت النساء يُشاركن في السقاية ومعالجة الجرحى، وكان الرجال يُساعدون في الأمور اللوجستية الأخرى. (البخاري، 1422هـ، ج 5، ص.100)

هذا الموقف يُجسد التكاتف والتعاون في الدعم اللوجستي والرعاية في أوقات الأزمات، فلا ينتصر في المعارك بالقتال فقط، بل بِالعمل الجماعي من جميع الجوانب.

كما أن مشاركة النساء والرجال في هذه المهام الحيوية تُبرز أن التعاون الشامل في جميع الأدوار يُعزز من قوة الفريق ويُساهم في تحقيق الهدف الأكبر. هذا هو جوهر التآزر بأن يساهم كل جزء في نجاح الكل، مما يُؤدي إلى فوز جماعي.

(٧) التأصيل الإسلامي للعادة السابعة اشحذ المنشار ( التجديد).

أولًا/ التأصيل للعادة السابعة اشحذ المنشار ( التجديد) من القرآن الكريم.

  • الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159).

“يقول تعالى ذكره: فإذا عزمت على أمر من أمور الدين والدنيا، بعد مشاورة أصحابك فيه، فامضِ لما عزمت عليه متوكلًا على الله، لا على حولك وقوتك”. (الطبري، د.ت، ج4، ص.146)

“أي: بعد مشاورة أصحابك وعزمك على الأمر، فاعتمد على الله، وفوّض أمرك إليه، فإن التوكل عليه من أعظم أسباب النجاح”. (السعدي، 1420هـ، ص.149)

هذه الآية تؤكد على أهمية التوكل على الله بعد بذل الجهد والأخذ بالأسباب، وهذا يمثل جانبًا من التجديد الروحي والعقلي، فبذل الجهد والتخطيط الذي يمثل سن المنشار ضروري، ولكن التوكل بعده يُجدد الطمأنينة في القلب ويُخفف من ضغط النتائج، مما يُحافظ على الطاقة النفسية والذهنية للفرد ويُمكنه من الاستمرار في عمله بفاعلية.

  • الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5).

“هذه أول آيات نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أمر بالقراءة والعلم، وهذا يدل على فضل العلم وأهميته”. (ابن كثير، 1420هـ، ج4، ص.525)

“هذا أمر بالقراءة، وهي مفتاح العلوم، وفيها إشارة إلى فضل الله على الإنسان بتعليمه ما لم يعلم”. (السعدي، 1420هـ، ص.929)

“هذه الآيات تُشكل أساسًا لرسالة الإسلام التي تُعلي من شأن العلم والمعرفة، وتُحفز الإنسان على التعلم المستمر الذي يُجدد عقله وفكره”. (الزحيلي، 1422هـ، ج15، ص.8865)

الأمر بالقراءة والتعلم هو دعوة صريحة للتجديد العقلي، ويمثل ذلك عادة اشحذ المنشار من الناحية العقلية بالاستمرار في التعلم، والقراءة، وتوسيع المدارك فهذه الآيات تُؤسس لمبدأ أن النمو المعرفي مستمر مدى الحياة، وأن الجهل يُعد ركودًا، بينما العلم تجديد يُعظم قدرات الإنسان ويُمكنه من التعامل مع تحديات الحياة بفاعلية.

  • الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 114).

“يقول تعالى ذكره: وقل يا محمد: رب زدني إلى ما علمتني من علمك فهمًا، وإلى ما فهمتني معرفة”. (الطبري، د.ت، ج8، ص357)

“هذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة من العلم، وهذا يدل على فضل العلم، وأنه لا يُشبَع منه”. (ابن كثير، 1420هـ، ج3، ص.149)

“هذا دليل على شرف العلم، فإن الله لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة من شيء إلا العلم”. (السعدي، 1420هـ، ص.518)

هذا الدعاء في هذه الآية يُعد تجديدًا عقليًا وروحيًا مستمرًا، فهو يُعبر عن عقلية النمو الدائم وعدم الاكتفاء بما تم تحصيله من علم وطلب الزيادة في العلم يُبقي الذهن متوقدًا، ويُشحذ القدرات العقلية، ويُعزز التواضع أمام عظمة الخالق -سبحانه وتعالى-، مما يُحقق التجديد المستمر في بُعدي العلم والروح.

  • الدليل الرابع: قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: 197).

“يقول تعالى ذكره: وتزودوا لسفركم الذي تسافرونه من بلادكم إلى مكة للحج، فإن خير الزاد تقوى الله، باتقاء محارمه وطاعته”. (الطبري، د.ت، ج2، ص226)

“هذه الآية تُعلمنا ضرورة التخطيط والاستعداد لأي رحلة في الحياة، سواء كانت مادية أو معنوية، وهذا التخطيط يُعد تجديدًا يُحافظ على كفاءة الإنسان”. (الزحيلي، 1422هـ، ج2، ص.553)

التزود للسفر يُمكن ربطه بالتجديد الجسدي والنفسي، فكما أن المسافر يحتاج إلى زاد مادي من طعام وشراب ليُواصل رحلته، فإن الإنسان يحتاج إلى تجديد طاقاته الجسدية والنفسية ليستمر في رحلة الحياة بفاعلية.

كما تشير هذه الآية أيضًا إلى أن خير الزاد هو التقوى، مما يُضيف بُعدًا روحيًا للتجديد، فالتقوى تُجدد القلب والروح وتُعطي القوة للمسيرة.

ثانيًا/ التأصيل للعادة السابعة اشحذ المنشار (التجديد) من الأحاديث النبوية.

  • الحديث الأول: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الإيمانَ ليخْلَقُ في جوفِ أحدِكم كما يَخْلَقُ الثوبُ، فسَلوا اللهَ أن يُجدِّدَ الإيمانَ في قلوبِكم.” (الطبراني، 1985، ح14781)

“أي: أن الإيمان يَبْلَى ويضعف في القلب كما يَبْلَى الثوب ويتقطع، فكما أن الثوب يحتاج إلى تجديد، كذلك الإيمان يحتاج إلى تجديد، وتقوية بالذكر ،والعبادة والطاعة.”(الهيثمي، 1994، ج 1، ص 192)

هذا الحديث يُشير بوضوح إلى بُعد التجديد الروحي، فكما أن الثوب يَبْلَى ويحتاج إلى تجديد، كذلك الإيمان في القلب قد يضعف ويحتاج إلى صيانة مستمرة، فسؤال الله أن يُجدد الإيمان هو دعوة لشحذ المنشار الروحي من خلال العبادة، والذكر، والتفكر، وقراءة القرآن، مما يُحافظ على حيوية الروح ويُجدد الشغف بالحياة والتقرب إلى الله.

  • الحديث الثاني: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اغتنمْ خَمساً قبلَ خمسٍ: شَبابَكَ قبلَ هِرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَراغَكَ قبلَ شُغْلِكَ، وحياتَكَ قبلَ موتِكَ.” (النيسابوري، 1990، ح7846)

“هذا الحديث من جوامع الكلم، يُرشد فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى اغتنام الفرص في الحياة واستغلالها فيما ينفع قبل فوات الأوان، وهذه الأوقات هي محطات للتجديد والعطاء.” (المناوي، 2005، ج 2، ص.60)

هذا الحديث يُعد دعوة شاملة للتجديد في جميع الأبعاد (الجسدي، العقلي، الروحي، الاجتماعي) واغتنام الشباب والصحة يُشير إلى البُعد الجسدي، والغنى والفراغ يُمكن استغلالهما في التعلم والتطوير العقلي، وخدمة الآخرين يشير للبعد الاجتماعي، والحياة قبل الموت هي فرصة لِتجديد العلاقة مع الله يشير للبعد الروحي، هذا فيه حث على الاستفادة من الإمكانات المتاحة لتجديد الذات بشكل مستمر قبل أن تُصبح هذه الإمكانات محدودة.

  • الحديث الثالث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سلَكَ طريقًا يلتمسُ فيهِ علمًا، سَهَّلَ اللهُ لهُ بهِ طريقًا إلى الجنَّةِ.” (مسلم، 1332هـ، ح2699)

“أي: من قصد طريقًا يطلب فيه علمًا شرعيًا أو دنيويًا نافعًا، سهّل الله له به طريقًا موصلاً إلى الجنة.” (النووي، 1392هـ، ج 16، ص.170)

طلب العلم هو جوهر التجديد العقلي فالحديث يُشجع على السعي المستمر لِزيادة المعرفة وتوسيع المدارك، مما يُحافظ على مرونة العقل ونشاطه. فكما أن المنشار يحتاج إلى شحذ لِيبقى حادًا كذلك العقل يحتاج إلى التعلم المستمر لِيبقى فعالًا ومُنتجًا، وهذا يُعد من أهم طرق لشحذ المنشار العقلي.

  • الحديث الرابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “تَفَكَّروا في آلاءِ اللهِ ولا تَفَكَّروا في ذاتِ اللهِ.” (الطبراني، 1985، ح2795)

“أي: تفكروا في نعم الله ومخلوقاته التي تدل على قدرته وعظمته، ولا تتفكروا في ذاته سبحانه وتعالى لأنها لا تُدرك بالعقل.” (الهيثمي، 1994، ج 1، ص 79)

التفكر في خلق الله وآلائه هو ممارسة تُجدد الروح والعقل، وهذا التفكر يُعزز الإيمان، ويُوسع المدارك، ويجعل الإنسان أكثر وعيًا بجمال الكون وعظمة الخالق.

كما أنه يُشكل طريقة لشحذ المنشار الروحي والعقلي، فالتأمل يُجدد الطاقة النفسية، ويُبعد عن الرتابة، ويُحفز على الإبداع والاكتشاف.

ثالثًا/ التأصيل للعادة السابعة اشحذ المنشار ( التجديد) من مواقف الصحابة.

  • الموقف الأول: موقف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في محاسبة نفسه ورعيته.

كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه “- يُعرف بِشدة محاسبته لِنفسه ولِولاته. فكان يقول: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أنفسكم قبل أن تُوزَنوا”. وكان يُرسل المفتشين لِتقييم أداء الولاة، ويُعزل من يرى فيه قصورًا، أو يُطلب منه تقديم حساب عن تصرفاته. (ابن الجوزي، 1989، ج 1، ص.160)

يُعد هذا الموقف مثالًا حيًا على التجديد المستمر على المستويين الشخصي والإداري، فالمحاسبة الذاتية هي جوهر التجديد الروحي والعقلي، حيث يُراجع الفرد أفعاله ويُصحح مساره، وعلى المستوى الإداري، فإن محاسبة الولاة وتقييم الأداء تُشكل تجديدًا للمنظومة الإدارية؛لضمان استمرار الفاعلية وتطوير الأداء، فهذا يُبرز أن شحذ المنشار ليس فقط للفرد، بل للمؤسسات أيضًا، لِتحقيق أفضل النتائج.

  • الموقف الثاني: موقف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه – في المشي في الأسواق وتفقد أحوال الرعية.

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُعرف بـ “المشي في الأسواق” وتفقد أحوال الرعية بنفسه، والاستماع إلى شكواهم وحوائجهم، وكان يُساعد المحتاجين ويُخفف عنهم.(ابن الجوزي، 1989، ج 1، ص 160)

الربط بالعادة السابعة: يُظهر هذا الموقف جانبًا من التجديد الاجتماعي والعاطفي. تفقد أحوال الرعية والمشي بينهم ليس مجرد عمل إداري، بل هو تجديد لِروابط القائد بِشعبه، وشحذ لِجانب التعاطف والمسؤولية الاجتماعية. هذا التفاعل المباشر يُمكن عمر من فهم احتياجات الناس بشكل أفضل، ويُجدد من علاقته بهم، مما يُعزز من روح الجماعة والترابط الاجتماعي، وهو ما يُعد تجديدًا للحياة الاجتماعية.

  • الموقف الثالث: موقف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في تطوير أنظمة الدولة.

في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اتسعت الدولة الإسلامية، فقام بِتطوير أنظمة إدارية جديدة لم تكن موجودة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، مثل إنشاء الدواوين، وتأسيس نظام العسس (الشرطة الليلية)، وتنظيم البريد. فكل هذه الإجراءات كانت تهدف إلى تحديث وتجديد آليات الحكم لِتُلائم التوسع الجديد. (الطبري، 1387هـ، ج 4، ص.209)

فيُعد هذا الموقف مثالًا على التجديد الإداري والمؤسسي، فعمر -رضي الله عنه- لم يتمسك بالأساليب القديمة التي لم تعد تُلائم حجم الدولة، بل قام بشحذ المنشار الإداري من خلال ابتكار أنظمة جديدة، فكان هذا التجديد في الهياكل والآليات تمكينًا لاستمرار الدولة في النمو والفاعلية، ويُظهر أن التجديد لا يقتصر على الفرد، بل يشمل الأنظمة لِتُواكب التحديات.

  • الموقف الرابع: موقف الصحابة في طلب العلم والتعلم المستمر.

حرص الصحابة الكرام على طلب العلم والتعلم المستمر، فكانوا يتنافسون في حفظ القرآن الكريم وتفسيره، وتلقي الحديث النبوي وفهمه، والتفقه في الدين، وقد برز منهم علماء وفقهاء كانوا مرجعًا للأمة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-. (ابن سعد، 1990، ج 2، ص.368)

يُعتبر طلب العلم والتعلم المستمر جوهر التجديد العقلي، فالصحابة لم يتوقفوا عن التعلم بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل استمروا في البحث عن المعرفة وتعميق فهمهم للدين والحياة، هذا السعي الدائم لِزيادة المعرفة هو شحذ للمنشار العقلي الذي يُحافظ على مرونة العقل ونشاطه.

رابعًا: التطبيقات التربوية للعادات السبع للناس الأكثر فعالية.

(١) التطبيقات التربوية للعادة الأولى كن مبادرًا.

أولًا/ في الأسرة:

  1. غرس مفهوم المسؤولية الشخصية في المهام المنزلية.

تبدأ المبادرة من المسؤولية عن الذات والبيئة المحيطة، ففي الأسرة، يُمكن تعزيز ذلك من خلال تحديد مسؤوليات واضحة لكل فرد.

التطبيق التربوي:

  • تخصيص مهام منزلية: منح كل فرد في الأسرة، حتى الأطفال الصغار، مهامًا محددة تتناسب مع عمرهم وقدراتهم مثل: ترتيب السرير، أو المساعدة في إعداد المائدة، أو إخراج القمامة.
  • المتابعة والتقدير لا التوبيخ: بدلًا من توبيخ الطفل إذا لم يُنجز مهمته، سؤاله: ماذا حدث لمهمتك؟ أو ماذا تُريد أن تفعل اتجاه ذلك الآن؟ فلابد من تشجيعه على تصحيح الخطأ بنفسه، وتقدير جهده عندما يُنجز المهمة بِشكل مبادر.
  • عدم التدخل المباشر: إذا ترك الطفل فوضى، فينصح بتركها وعدم ترتيبها عنه مباشرة؛ ليُدرك نتيجة إهماله مثل: عدم العثور على ألعابه المفضلة ثم تشجيعه على المبادرة بِالترتيب.

مثال: عندما يرى الطفل أن ألعابه مُبعثرة، يتعلم أن يختار رفعها وترتبها بنفسه قبل أن يُطلب منه ذلك، لأنه يُدرك أن هذه مسؤوليته.

2- التشجيع للاستجابة الإيجابية للتحديات الأسرية.

لا تخلو الحياة الأسرية من التحديات والمشكلات كالخلافات بين الإخوة، أو مرض أحد أفراد الأسرة، أو الضغوط المالية، فالمبادرة هنا تعني اختيار الاستجابة بِشكل بناء بدلًا من اللوم أو الشكوى.

التطبيق التربوي:

  • نموذج الأبوين: قدوة الطفل في البيت هما الوالدان (البابطين، 1418) فعلى الأبوين أن يكونا قدوة في كيفية التعامل مع المشكلات الأسرية بِشكل مبادر، فإذا حدث خطأ، ينبغي الاعتراف بِه وإظهار المبادرة لِتصحيحه.
  • حل النزاعات بين الأبناء: بدلًا من فرض الحلول، فالأفضل تشجيع الإخوة المتنازعين على الجلوس معًا بإشراف أحد الأبوين لِإيجاد حلول تُرضي الطرفين. وسؤالهم: ما الذي يُمكننا فعله لِحل هذا الأمر؟ أو ما هو الحل الذي تعتقدون أنه مُنصف لكليكما؟
  • مواجهة الظروف الصعبة: إذا واجهت الأسرة ظرفًا صعبًا مثل ضيق الوقت، فينبغي تشجيع الأبناء على التفكير في طرق يُمكنهم بها المساعدة أو التخفيف من الضغط مثل مساعدة الأم في الأعمال المنزلية دون طلب.

مثال: عند نشوب خلاف بين طفلين على لعبة، بدلًا من التدخل المباشر والتحكيم، سؤالهم: ما هي خياراتكما لِحل هذه المشكلة الآن؟ أو كيف يُمكنكما التوصل إلى اتفاق يُرضي الطرفين؟ فهذا يُشجع على المبادرة لِإيجاد حلول بناءة.

ثانيًا/ في المدرسة:

بعض التطبيقات التربوية لعادة كن مبادرًا داخل البيئة المدرسية:

1- تعزيز المسؤولية الأكاديمية والشخصية.

فهذا يُركز على جعل الطالب مسؤولًا عن تعلمه وسلوكه، لا أن يكون تابعًا للآخرين ويكن ذلك في الصف المدرسي من خلال:

  • تحديد توقعات واضحة: يجب على المعلمين تحديد توقعات واضحة بخصوص تسليم الواجبات في موعدها، والاستعداد للاختبارات، والمشاركة الفعالة في النقاشات الصفية.
  • التكليف بالتقييم الذاتي: تشجيع الطلاب على تقييم أدائهم الخاص في المشاريع أو الاختبارات، فيمكن للمعلم أن يسألهم: كيف كان أداؤك في هذا المشروع؟ ، وما الذي يمكنك فعله لتحسين درجاتك في المرة القادمة؟
  • تشجيع المبادرة في حل المشكلات: إذا نسي الطالب واجبًا، بدلًا من معاقبته مباشرة، يمكن سؤاله: ماذا حدث لواجبك؟” و”ماذا يمكنك أن تفعل حيال ذلك الآن؟ لتشجيعه على المبادرة بإيجاد حل، مثل طلب فرصة إضافية مع توضيح العواقب أو البحث عن الملاحظات التي فاتته.

مثال: إذا واجه الطالب صعوبة في فهم الدرس، يُمكنه المبادرة بطرح الأسئلة على المعلم بعد الدرس، أو طلب مساعدة إضافية من زميل، أو البحث عن مصادر تعليمية بديلة عبر الإنترنت، بدلًا من الاستسلام أو انتظار أن يلاحظ المعلم.

2- التركيز على دائرة التأثير لا دائرة الاهتمام.

هذا المبدأ يُعلّم الطلاب توجيه طاقتهم نحو الأمور التي يملكون القدرة على تغييرها والتحكم فيها، بدلًا من التذمر من الظروف الخارجة عن إرادتهم، ويمكن أن يتم تطبيقه في الصف الدراسي من خلال:

  • مناقشة المشكلات الصفية: إذا اشتكى الطلاب من مشكلة مثل: الفوضى في الصف، أو عدم التعاون بين المجموعات، فالأفضل تشجيعهم على العصف الذهني للحلول التي يمكنهم تطبيقها بأنفسهم مثل: تحديد أدوار للتنظيف اليومي بدلًا من انتظار تدخل الإدارة دائمًا، وضع قواعد للصف بالاتفاق المشترك.
  • إدارة التوتر والضغط: تعليم الطلاب كيفية تحديد ما يمكنهم التحكم فيه مثل: تنظيم وقتهم، وطريقة مذاكرتهم، ورد فعلهم تجاه المواقف، وما لا يمكنهم التحكم فيه مثل: صعوبة الاختبار، قرارات الإدارة، ثم تشجيعهم على التركيز على ما يمكنهم التحكم فيه.

مثال: إذا اشتكى الطالب من صعوبة الاختبار، يُمكنه المبادرة بالتركيز على مراجعة المواد الصعبة، والتخطيط للمذاكرة بشكل أفضل في المرات القادمة، أو التواصل مع المعلم للاستفسار بدلًا من مجرد التذمر من صعوبة الاختبار.

(٢) التطبيقات التربوية للعادة الثانية ابدأ والغاية في ذهنك.

أولًا/ في الأسرة:

1. تحديد القيم الأسرية والرؤية المشتركة.

فذلك يُعد أساس العادة الثانية في الأسرة، فعندما تُحدد الأسرة القيم الأساسية التي تُؤمن بها والرؤية المشتركة لِما تُريد أن تكون عليه، تُصبح أكثر تماسكًا وفاعلية.

التطبيق التربوي:

  • اجتماعات عائلية لِتحديد القيم: الجلوس جلسة عائلية لمناقشة القيم التي تهم الجميع، مثل: الاحترام، والصدق، والتعاون، والعطاء، والعلم، والصحة.
  • صياغة بيان مهمة الأسرة: مساعدة الأطفال على صياغة جملة أو فقرة بسيطة تُعبر عن رؤية الأسرة لِلمستقبل وما تُريد تحقيقه، ويُمكن تعليق هذا البيان في مكان مرئي بالمنزل لتذكير الجميع بالغاية، مثل: تُقرر الأسرة أن تكون أسرة مُتعاونة، ومُحبة، ومُلتزمة بِطلب العلم، هذه الجملة تُصبح الغاية التي تُوجه سلوكياتهم اليومية وتُؤثر في قراراتهم.
  • ربط السلوكيات بالقيم: مناقشة الأطفال في سلوكياتهم اليومية هل توافق أو تعارض القيم الأسرية المتفق عليها مثل: عندما تُساعد أخاك في ترتيب غرفته، فإنك تُطبق قيمة التعاون التي اتفقنا عليها.

2- تحديد الأهداف الأسرية المشتركة.

بعد تحديد القيم، يُمكن للأسرة أن تُحدد أهدافًا مُحددة وقابلة للقياس تُعبر عن هذه القيم وتُحقق الرؤية المشتركة.

التطبيق التربوي:

  • أهداف قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى: وضع أهدافًا لِلأسرة مثل: توفير مبلغ لِرحلة عائلية خلال الصيف، قراءة كتاب واحد شهريًا كعائلة، تطوير مهارة جديدة لكل فرد مثل تعلم السباحة أو الفروسية.
  • إشراك الجميع في وضع الأهداف: تشجيع الأطفال للمشاركة في تحديد الأهداف التي تُلهمهم وتُناسبهم، مما يزيد من شعورهم بالمسؤولية تجاه هذه الأهداف والتزامهم بِتحقيقها.
  • وضع خطة عمل لكل هدف: وضع خطوات واضحة لِتحقيق الأهداف، وتحديد الأدوار والمسؤوليات لكل فرد من أفراد الأسرة.

مثال: تُريد الأسرة قضاء عطلة صيفية في مكان مُعين، فالغاية هي الاستمتاع والترابط الأسري، والهدف هو توفير مبلغ معين من المال خلال ستة أشهر، أما الخطة فهي أن يساهم كل فرد بِجزء من مصروفه، وتخصيص جزء من ميزانية الأسرة لِذلك، مع متابعة التقدم أسبوعيًا.

ثانيًا/ في المدرسة:

1- تحديد الأهداف التعليمية والشخصية للطلاب.

يُعد هذا التطبيق أساس العادة الثانية في البيئة المدرسية، حيث يُساعد الطلاب على رؤية الصورة الكاملة لِتعلمهم.

التطبيق التربوي:

  • وضع أهداف صفية فردية: تشجيع الطلاب على تحديد أهداف أكاديمية واضحة لِكل مادة، مثل: أريد أن أُحسّن درجتي في الرياضيات بِنسبة 10% ، أو أريد أن أقرأ 5 كتب هذا الفصل.
  • أهداف شخصية مرتبطة بالمدرسة: مساعدة الطلاب على تحديد أهداف شخصية تُعزز تجربتهم المدرسية، مثل: سأشارك في النشاط الفلاني، سأبني صداقات جديدة.
  • تحديد معايير النجاح: تعليم الطلاب كيف يُمكنهم قياس مدى تحقيقهم لِأهدافهم، مما يُعزز شعورهم بالمسؤولية والتقدم.

مثال: قبل بداية الفصل الدراسي، يجلس الطالب مع معلمه لِتحديد الغايات من دراسته، مثل: التفوق، الالتحاق بِتخصص معين، ثم يضع أهدافًا محددة، كالحصول على تقدير ممتاز في مادة العلوم أو إتقان مهارة حل المشكلات في الرياضيات.

2- التخطيط المسبق للمشاريع والمهام الدراسية.

يُمكن للطلاب أن يُصبحوا أكثر فاعلية عندما يُفكرون في النتائج المرجوة من مهامهم قبل البدء بِالعمل عليها.

التطبيق التربوي:

  • استخدام المُنظمات الرسومية: تعليم الطلاب استخدام الخرائط الذهنية أو المُخططات لِتحديد الغاية النهائية من العمل، والنقاط الرئيسية، وكيف سيتسلسل العمل، قبل البدء بِكتابة مقال أو إعداد مشروع.
  • تقسيم المهام الكبيرة: تشجيع الطلاب على تقسيم المشاريع الكبيرة إلى خطوات صغيرة قابلة للإدارة، مع تحديد الغاية من كل خطوة لِضمان التقدم المنظم.
  • تحديد الموارد المطلوبة: تعليم الطلاب التفكير مُسبقًا في الموارد التي سيحتاجونها لِإنجاز المهام، مثل الكتب، والأدوات، والمساعدة من الآخرين.

مثال: عندما يُكلف الطالب بِمشروع بحثي كبير، يُبادر بوضع خطة عمل مُفصّلة تتضمن: الغاية من البحث، والخطوات، والمواعيد النهائية لِكل خطوة، قبل أن يكتب كلمة واحدة.

(٣) التطبيقات التربوية للعادة الثالثة ابدأ بالأهم قبل المهم.

أولًا/ في الأسرة:

  1. إنشاء مخطط الأولويات الأسرية.

هي أداة تُساعد الأسرة بأكملها على فهم وتحديد أولوياتها بِشكل مُشترك.

التطبيق التربوي:

  • لوحة بيضاء أو سبورة: تخصيص لوحة في مكان مرئي بالمنزل، مثل: المطبخ أو غرفة المعيشة؛ لِتكون بمثابة مركز القيادة لِأولويات الأسرة.
  • تقسيم المهام: تقسيم اللوحة إلى ثلاثة أقسام رئيسية: مهم وعاجل: أزمات، ومشاريع لِها مواعيد نهائية.
  • مهم وغير عاجل: تخطيط، بناء علاقات، والوقاية، تجديد القدرات، هذا هو المربع الذي يجب التركيز عليه.
  • غير مهم وغير عاجل: مضيعة للوقت، وثرثرة، وبعض الأنشطة الترفيهية الزائدة.
  • غير مهم وعاجل: مقاطعات، وبعض المكالمات، بعض الاجتماعات.
  • وضع المهام: كل أسبوع وضع المهام الأسرية في الأقسام المُناسبة، مثال: تنظيف المنزل قبل زيارة الضيوف تكون في قسم مهم وعاجل، والتخطيط لِرحلة نهاية الأسبوع تكون في قسم مهم وغير عاجل، وهكذا.
  • مناقشة يومية أو أسبوعية مُبسطة: الجلوس كعائلة لتصنيف بعض المهام الأسرية المشتركة أو مهام الأطفال اليومية في هذه المربعات.
  • التركيز على المربع الثاني المهم وغير العاجل: تشجيع الأطفال على إعطاء الأولوية للأنشطة التي تُساهم في أهدافهم طويلة المدى وقيمهم الأسرية، مثل: الدراسة بانتظام، وقضاء وقت نوعي مع العائلة، وممارسة الرياضة، والقراءة.
  • استخدام أمثلة عملية: طرح أسئلة مثل: هل إنجاز واجباتك اليوم مُهم وعاجل أم مُهم وغير عاجل؟ أو هل اللعب لِساعات طويلة مُهم لِأهدافنا؟
  • المراجعة: مراجعة المخطط معًا لإظهار الأولوية للأنشطة المهمة وتوضيح ذاك للأطفال، وكيف أن إنجاز مهام المهم وغير العاجل يُقلل من المهم والعاجل في المستقبل.

مثال: تُخصص الأسرة وقتًا للعائلة كل مساء خميس يعد مُهم وغير عاجل، عندما تظهر مهمة عاجلة وغير مُهمة، مثل: مُشاهدة برنامج تلفزيوني لا يُضيف قيمة، يتعلم الأفراد أن يُعطوا الأولوية لِوقت العائلة.

2- وضع جداول زمنية وأولويات واضحة.

فذلك يُساعد الأطفال على تنظيم وقتهم وجهدهم بِشكل مُنظم ومُخطط له.

التطبيق التربوي:

  • جدول يومي أو أسبوعي للعائلة: وضع جدولًا مرئيًا لِلمهام اليومية والأسبوعية لِكل فرد، مثل أوقات الدراسة، واللعب، والمهام المنزلية، ووقت الأسرة.
  • أهم ثلاثة مهام: تعليم الأطفال تحديد ثلاثة مهام هي الأكثر أهمية يجب إنجازها كل يوم قبل البدء بِأي شيء آخر، خاصةً فيما يتعلق بِمذاكرتهم أو مهامهم المدرسية.
  • مرونة الجدول: تعليم الأطفال أن الجدول ليس صلبًا، ويُمكن تعديله عند الضرورة، لكن الهدف هو العودة إلى الأولويات المُحددة.

مثال: قبل النوم، يُراجع الطفل جدول اليوم التالي ويُحدد أن إنهاء واجب الرياضيات و قراءة جزء من القرآن هما أهم مهمتين يجب أن يُنجزهما صباحًا قبل أي نشاط آخر كاللعب أو مُشاهدة التلفاز.

ثانيًا/ في المدرسة:

1. تعليم مصفوفة إدارة الوقت (مربع كوفي) بتبسيط.

كأداة بصرية تُساعد الطلاب على تصنيف المهام وتحديد أولوياتها بِشكل مُبسط ومُقنع.

التطبيق التربوي:

  • التعريف بالمربعات الأربعة: يشرح المعلم للطلاب المربعات بِأمثلة من حياتهم المدرسية:
  • مهم وعاجل (مربع الأزمات): مثل واجب اللحظة الأخيرة، أو الاختبار الذي لم يُذاكروا له.
  • مهم وغير عاجل (مربع التخطيط): مثل المذاكرة المنتظمة، المراجعة الدورية، المشاريع البحثية طويلة المدى، وممارسة الرياضة.
  • غير مهم وعاجل (مربع الخداع): مثل الرد على رسالة من زميل لا تُضيف قيمة، أو مشاهدة فيديو قصير يُشتت الانتباه.
  • غير مهم وغير عاجل (مربع الهدر): مثل التصفح الزائد لِوسائل التواصل الاجتماعي، أو اللعب على الألعاب الإلكترونية لِفترات طويلة.
  • المناقشة الصفية: استخدام أمثلة من الواجبات والمشاريع الحالية للمناقشة في أي مربع تقع هذه المهام، مما يُرسخ الفكرة في أذهانهم.

2. التخطيط المسبق للمهام والمشاريع الدراسية.

تُحوّل هذه العادة المهام الكبيرة إلى خطوات مُنظمة وقابلة للإنجاز، مما يُجنّب الطلاب فخ التأجيل وضغط اللحظة الأخيرة.

التطبيق التربوي:

  • تقسيم المشاريع: عندما يُكلف المعلم الطلاب بِمشروع كبير، تعليمهم كيفية تقسيمه إلى خطوات أصغر قابلة للإدارة، مع تحديد موعد نهائي لِكل خطوة، مثال: هذا الأسبوع سنجمع المعلومات فقط، الأسبوع القادم سنكتب المسودة.
  • مخططات الأهم أولاً: يُمكن للمعلم أن يُزوّد الطلاب بِمخططات لِتساعدهم على تحديد المهام الأكثر أهمية لِإنجازها أولاً في بداية كل يوم أو أسبوع.

(٤) التطبيقات التربوية للعادة الرابعة عقلية المكسب المشترك (فكر بالمنفعة المتبادلة).

أولًا/ في الأسرة:

1- إرساء مبدأ الربح معًا في الوصول لحل المشكلات.

تعليم الأطفال أن أي خلاف أو مشكلة تُواجِههم يجب أن تُحل بِطريقة تُرضي الجميع، وليس بِطريقة تُجعل طرفًا رابحًا والآخر خاسرًا.

التطبيق التربوي:

  • الحوار المفتوح: عندما ينشب خلاف بين الأبناء، مثال: حول لعبة أو قناة تلفزيونية، على الوالدين تشجيعهم على الجلوس معًا لِيُعبر كل واحد عن حاجته ورغبته.
  • العصف الذهني للحلول: مساعدة الأطفال على التفكير في حلول مُختلفة تخدم الطرفين، مثال: ماذا لو لعبت أنت بالسيارة الآن، ثم أعطيتها لأخيك لِيلعب بها لِمدة 15 دقيقة؟
  • التأكيد على الفائدة المشتركة: بعد الوصول إلى الحل، تذكيرهم أن هذا هو الحل الأفضل لِلجميع، وأن الجميع سعيد بِه.

مثال: يختلف طفلان على استخدام لعبة، بدلًا من أن يتدخل الأب لِيعطيها لأحدهما (مكسب-خسارة)، يُشجعهما على التوصل إلى اتفاق (مكسب-مكسب) مثل: أنت ستلعب بها لِمدة نصف ساعة، وبعدها سأضع منبهًا لِتُعطيها لأخيك لِمدة نصف ساعة أيضًا.

2- تحديد المهام الأسرية بِشكل مُتبادل.

جعل المهام والمسؤوليات المنزلية ليست فرضًا من الوالدين، بل اتفاقًا مُشتركًا يُحقق منفعة لِجميع الأطراف.

التطبيق التربوي:

  • المساهمة في الاختيار: في اجتماع العائلة، يطلب أحد الوالدين من الأطفال أن يُساهموا في تحديد المهام المنزلية التي يُمكنهم القيام بها، مثال: من يُفضل المساعدة في إعداد المائدة؟ أو من يُمكنه المساعدة في إخراج القمامة؟
  • ربط المهمة بالمكسب: التوضيح لهم أن مساهمتهم في الأعمال المنزلية تُحقق منفعة مُشتركة، مثال: عندما تُساعدون في ترتيب المنزل، نُنهي المهام بِسرعة، ويُصبح لدينا وقت أكبر لِلعب معًا.

مثال: يُطلب من الطفل ترتيب غرفته، بدلًا من إخباره عليك أن تُنظّف غرفتك، يُمكن القول: إذا قمت بِترتيب غرفتك، فإن هذا يُسهّل علينا جميعًا إيجاد الأشياء، ويُصبح لدينا وقت لِنُشاهد فيلمًا كرتونيًا معًا، أنت تستفيد من غرفة مُرتبة ونحن نربح وقتًا أكثر لِنقضيه معًا.

ثانيًا/ في المدرسة:

1- إرساء مبدأ النجاح المشترك في الأنشطة الجماعية.

تعليم الطلاب أن نجاحهم الفردي مُرتبط بنجاح المجموعة ككل، وأن الأهداف الجماعية لا تُمكن تحقيقها إلا بِتضافر الجهود.

التطبيق التربوي:

  • المشاريع الجماعية: عند تكليف الطلاب بِمشروع جماعي، على المعلم تحديد معايير واضحة لِلكيفية التي سيُقيّم بها العمل الجماعي، مع التأكيد على أن درجة كل فرد مرتبطة بِمساهمته في نجاح المجموعة.
  • تحديد الأدوار: مساعدة الطلاب على تحديد الأدوار والمسؤوليات بِشكل يُناسب قدرات كل فرد، ويُساهم في تحقيق الهدف المشترك.
  • مُناقشة الفائدة المتبادلة: مناقشة الطلاب في استفادة كل فرد من هذا التعاون بعد انتهاء المشروع، مثال: لقد تعلمت من زميلي مهارة جديدة، لقد قمنا بِعمل أفضل معًا.

مثال: يُواجه أحد الطلاب صعوبة في الرسم البياني في مشروع صفّي، بدلًا من تجاهله، يُساعده زميل آخر ماهر في الرسم، مقابل أن يُساعده الأول في كتابة النص، لأنه جيد في الكتابة، فيُنجَز المشروع بِشكل أفضل، ويستفيد كِلاهما.

2- التدريب على حل النزاعات بِطريقة الكل رابح.

تعليم الطلاب كيفية التعامل مع الخلافات بِطريقة تُرضي جميع الأطراف، وتجنب خسارة طرف على حساب الآخر.

التطبيق التربوي:

  • جلسات الحوار: عدم تدخل المعلم بين طالبين لِلحكم لِصالح أحدهما عند نشوب خلاف، بل تشجيعهم على الجلوس معًا لتحديد وتوضيح الحاجة الحقيقية لكل طرف.
  • التفكير في الحلول: مساعدة الطلاب على العصف الذهني لِحلول إبداعية تُرضي كلاهما، مثال: إذا اختلف طالبان على استخدام أداة، يُمكن اقتراح التناوب، أو إيجاد أداة بديلة.
  • التصالح: تذكير الطلاب أن الغاية ليست الفوز على الآخر، بل الحفاظ على الصداقة والعلاقة الإيجابية.

مثال: اختلف طالبان على استخدام جهاز الكمبيوتر في الصف، يُمكن للمعلم أن يقترح: أن يستخدمه الطالب الأول لِمدة عشر دقائق، ثم يعطيه لِزميله لِيكمل عمله، بذلك يُمكن لِكليهما أن يكملا واجبهما في الوقت المحدد.

(٥) التطبيقات التربوية للعادة الخامسة اسع إلى فهم الآخرين أولًا قبل أن تسع إلى أن يفهموك.

أولًا/ في الأسرة:

1- تعليم مهارة الاستماع التعاطفي في المنزل.

هي أهم تطبيق لهذه العادة تُعلّم الأبناء كيفية الاستماع لِأخوتهم ووالديهم ليس بِهدف الرد، بل بِهدف الفهم الحقيقي.

التطبيق التربوي:

  • الاستماع بِنية الفهم: تشجيع الأبناء على أن يطرحوا أسئلة لِفهم مشاعر الآخرين، مثال: ما الذي جعلك تشعر بالحزن؟ أو ماذا حدث تحديدًا؟
  • إعادة الصياغة: تعليم الأبناء أن يُعيدوا صياغة ما سمعوه بكلماتهم الخاصة لِلتأكد من الفهم، مثال: هل فهمت بشكل صحيح أنك تشعر بالإحباط لأن…؟
  • التركيز الكامل: تذكير الأبناء بِأهمية التواصل غير اللفظي كالتواصل بالعيون، والانتباه الكامل؛ لِإظهار اهتمامهم.

مثال: عندما يأتي الطفل لِيشتكي من شيء ما، بدلًا من أن يُقاطعه الوالد لِيُعطيه حلًا، عليه أن يستمع بِشكل كامل ثم يسأل: هل تشعر بالضيق لأنك لم تُنجز ما كنت تُخطط له؟فهذا السؤال يُظهر للطفل أن والده فهم مشاعره أولًا.

2- قاعدة المحادثات الأولوية.

تخصيص وقت ومساحة لِلتواصل الحقيقي، حيث يكون فهم الآخرين هو الأولوية الأولى.

التطبيق التربوي:

  • وقت الأسرة: تحديد أوقاتًا يومية أو أسبوعية يُتاح فيها لِكل فرد أن يتحدث عن يومه ومشاعره بِحرية، مع التزام الجميع بِالاستماع الكامل.
  • أولوية الاستماع: تعليم الأبناء أن يطلبوا وقتًا لِلتحدث مثال: هل لديك وقت الآن لِتستمع لي؟ وأن يُعطوا هذا الوقت لِبعضهم البعض.

مثال: في وقت العشاء، يُمكن للأب أن يُخصص خمس دقائق لِكل طفل لِيحكي عن يومه، مع التزام الجميع بِالاستماع وعدم المقاطعة، هذا يُرسخ فكرة أن رأي كل فرد مهم.

3- حل النزاعات بِطريقة الاستماع أولًا.

هذه العادة تحوّل الخلافات بين الأبناء من صراع لِإثبات الذات إلى فرصة لِلتفاهم والحل المشترك.

التطبيق التربوي:

  • منع المقاطعة: يضع الوالدان قاعدة صارمة: عندما يختلف طفلان، لا يُمكن لِأحدهما أن يتحدث حتى يُنهي الآخر كلامه، وأن يُظهر أنه فهم وجهة نظر الآخر.
  • استخدام التسجيل الصوتي: يُمكن أن تطلب من الطفل أن يُعيد ما سمعه من أخيه لِلتأكد من أنه استمع بِشكل صحيح، مثال: قبل أن تُجيب، قل لي ما الذي أغضب أخاك بالضبط؟
  • التركيز على فهم الاحتياج: تعليم الأبناء أن يُفكروا في حاجة الآخر الكامنة وراء غضبه أو طلبه، مثال: هو لا يُريد اللعبة فقط، هو يُريد أن يُشاركك في اللعب أيضًا.

مثال: يختلف طفلان على استخدام جهاز لوحي، يُمكن للوالد أن يُطلب من الأول أن يُلخص ما فهمه من رغبة أخيه، ثم يُطلب من الآخر أن يُلخص ما فهمه، قبل الانتقال لِإيجاد حل يُرضي الجميع.

ثانيًا/ في المدرسة:

1- تعليم مهارة الاستماع التعاطفي في المدرسة.

تعليم الطلاب كيفية الاستماع لِأقرانهم ومعلميهم ليس بِهدف الرد، بل بِهدف الفهم الحقيقي لمشاعرهم وأفكارهم.

التطبيق التربوي:

  • الاستماع بِنية الفهم: على المعلم تشجيع الطلاب على أن يطرحوا أسئلة لِفهم وجهة نظر الآخرين، مثال: “ما الذي جعلك تشعر بالإحباط من هذا المشروع؟” أو “ماذا تقصد بالضبط بِهذه النقطة؟
  • إعادة الصياغة: تعليم الطلاب أن يُعيدوا صياغة ما سمعوه بكلماتهم الخاصة لِلتأكد من الفهم، مثال: “هل فهمت بشكل صحيح أنك تقول إن…؟
  • التركيز الكامل: تذكير الطلاب بِأهمية التواصل غير اللفظي.

مثال: خلال مناقشة صفية، يُمكن للمعلم أن يُوقف الطلاب ويقول: قبل أن تُعطي رأيك، لخص لي ما قاله زميلك. أريد أن أتأكد من أنك فهمته تمامًا، فهذا النشاط يُرسّخ مهارة الاستماع التعاطفي.

2- حل النزاعات بين الطلاب بِطريقة الاستماع أولًا.

تُحوّل هذه العادة الخلافات بين الطلاب من صراع لِإثبات الذات إلى فرصة لِلتفاهم والحل المشترك.

التطبيق التربوي:

  • قاعدة المتحدث والمستمع: عندما يختلف طالبان، يُمكن للمعلم أن يُحدد واحدًا لِيكون المتحدث والآخر لِيكون المستمع، المتحدث يُعبر عن مشاعره، وعلى المستمع أن يُلخص ما سمعه بِشكل صحيح قبل أن يتبادلا الأدوار.
  • التركيز على فهم الاحتياج: مساعدة الطلاب على الفهم أن الخلاف غالبًا ما يكون حول احتياج كامن وليس فقط حول طلب ظاهر.

مثال: يختلف طالبان على استخدام أداة في مشروع جماعي، بدلًا من الحُكم لِصالح أحدهما، يُمكن للمعلم أن يطلب من كل منهما أن يُعبر عن حاجته أولًا، ثم يُلخص كل منهما ما سمعه من الآخر، قبل أن يبدأ في إيجاد حل يُرضي الجميع.

(٦) التطبيقات التربوية للعادة السادسة تكاتف مع الآخرين (التعاون).

أولًا/ في الأسرة:

  1. إرساء مبدأ العصف الذهني الجماعي لحل المشكلات.

طريقة مُنظمة لِإشراك جميع أفراد الأسرة في توليد الأفكار لِحّل مشكلة ما، مما يُعزز من شعورهم بالانتماء، ويُنتج حلولًا إبداعية.

التطبيق التربوي:

  • تحديد المشكلة: عند مُواجهة مشكلة أسرية، مثال: عدم وجود وقت كافٍ لِقضائه معًا، ذكر المشكلة بِشكل واضح ومُحايد.
  • قواعد العصف الذهني: تحديد قواعد بسيطة مثل: لا نقد لِأي فكرة، كل الأفكار مرحب بها، والهدف هو الكمية لا الكيفية في البداية.
  • توليد الأفكار: يطلب الوالد من كل فرد أن يُشارك بأفكاره لحل المشكلة مثال: “ماذا يُمكننا أن نفعل لِنقضي وقتًا أطول معًا؟ قد تكون الإجابات: نأكل العشاء معًا، نلعب معًا، نُمارس الرياضة في الحديقة.
  • التقييم المشترك: بعد الانتهاء، تقييم الأفكار معًا واختيار الأفضل، مع التأكيد على أن الحل النهائي هو نتاج تكاتف الجميع.

2- المشاريع الأسرية المشتركة.

طريقة عملية لِتعليم الأبناء قيمة العمل الجماعي، حيث يُساهم كل فرد بمهاراته لِإنجاز مشروع مُحدد.

التطبيق التربوي:

  • اختيار المشروع: اختيار مشروعًا يُمكن لِلجميع المشاركة فيه مثل: إعادة ترتيب غرفة المعيشة، أو زراعة حديقة صغيرة، أو التخطيط لِرحلة، أو إعداد وجبة.
  • تحديد الأدوار بناءً على المهارات: يطلب الوالد من كل فرد أن يُساهم بِشيء يُجيده، مثل: من يستطيع الرسم لِتخطيط الحديقة؟ من يُمكنه المساعدة في حمل الأشياء؟ فهذا يُعزز من شعورهم بالقيمة.
  • التشجيع على التكامل: تذكير الأبناء أن نجاح المشروع يعتمد على تكامل مهاراتهم، وأن كل دور مهم لِلغاية.

مثال: عند التخطيط لِرحلة عائلية، يُمكن أن يُشارك كل فرد بِشيء يُجيده: الأب في التخطيط للميزانية، الأم في حجز الفندق، والابن الأكبر في البحث عن الأماكن السياحية، والابنة في إعداد قائمة الأغراض الضرورية، كل دور يُكمل الآخر لِضمان نجاح الرحلة.

3- إرساء مبدأ المُساندة المتبادلة.

هذه العادة تُعلّم الأبناء أن نجاح الفرد هو نجاح لِلجميع، وأن عليهم دعم بعضهم البعض في أوقات الحاجة.

التطبيق التربوي:

  • دعم الأهداف الفردية: عندما يُقرر أحد أفراد الأسرة تحقيق هدف ما، مثل: الابن يريد أن يتعلم الرسم، على الأسرة أن تُسانده وتُوفر له الدعم اللازم بتشجيعه، و إحضار الأدوات له، ومشاهدة رسوماته.
  • التعامل مع التحديات: عندما يُواجه أحد أفراد الأسرة تحديًا، مثل: فشل في اختبار، على البقية أن يُقدموا له الدعم العاطفي ويُساعدوه على وضع خطة لِلتغلب على التحدي.

مثال: يُلاحظ الوالدان والأخوة أن الابنة الكبرى تُعاني من ضغط في الدراسة، فيُقررون أن يُخففوا عنها بعض المهام المنزلية، ويُجهزون لها وجبتها المفضلة، مما يُظهر لها أنهم فريق واحد.

ثانيًا/ في المدرسة:

1- إرساء مبدأ النجاح المشترك في الأنشطة الجماعية.

تعليم الطلاب أن نجاحهم الفردي مُرتبط بنجاح المجموعة ككل، وأن الأهداف الجماعية لا يمكن تحقيقها إلا بِتضافر الجهود واستغلال نقاط قوة كل فرد.

التطبيق التربوي:

  • المشاريع التعاونية: عند تكليف الطلاب بِمشروع جماعي تشجّيعهم على تحديد الأدوار والمسؤوليات بناءً على مهارات كل فرد، مثال: الطالب الجيد في الكتابة يتولى صياغة التقرير، والطالب الذي يُحب التصميم يتولى العرض المرئي.
  • مُناقشة الفائدة المتبادلة: بعد انتهاء المشروع، مناقشة استفادة كل فرد من هذا التعاون، مثل: لقد تعلمت من زميلي مهارة جديدة، لقد قمنا بِعمل أفضل معًا.

مثال: في مشروع علمي، يُواجه أحد الطلاب صعوبة في الرسم البياني، بدلًا من أن يتركه زملاؤه، يُساعده زميل آخر وهو ماهر في الرسم مقابل أن يُساعده الأول في كتابة الملخص لأنه جيد في الكتابة، فيُنجز المشروع بِشكل أفضل، ويستفيد كِلاهما.

2- التدريب على حل النزاعات بِطريقة التكاتف.

هذه العادة تُحوّل الخلافات بين الطلاب من صراع لِإثبات الذات إلى فرصة لِلتفاهم والحل المشترك.

التطبيق التربوي:

  • جلسات الحوار: عدم تدخل المعلم لصالح أحد دون الآخر عند نشوب خلاف بين طالبين، بل تشجيعهم على الجلوس معًا لِتُحديد الحاجة الحقيقية لكل طرف ففي هذا تطبيق للعادة الخامسة.
  • العصف الذهني للحلول: مساعدتهما على التفكير في حلول إبداعية تُرضي الطرفين، وتتجاوز الحلول السطحية، مثل: بدلًا من أن يتنازع طفلان على لعبة، يُمكنهما أن يُقررا بتوجيه من المعلم بناء شيء جديد من قطعها، مما يمنحهما لعبة جديدة.

مثال: يختلف طالبان على استخدام جهاز الكمبيوتر في الصف، بدلًا من الحُكم لِصالح أحدهما، يُمكن للمعلم أن يطلب منهما التوصل إلى حل جديد، مثل “ماذا لو قمنا بإنهاء واجبنا معًا، حيث يكتب أحدنا والآخر يُملي عليه الأفكار، وبذلك ننهي المهمة في نصف الوقت؟

3. التعلم التعاوني في الفصل.

استخدام الأنشطة التعاونية لِتعزيز فكرة أن مساعدة الآخرين تُفيد الجميع، وأن التعلم يُمكن أن يكون جهدًا جماعيًا.

التطبيق التربوي:

  • مجموعات المذاكرة: تشجيع الطلاب على تكوين مجموعات لِلمذاكرة، حيث يُمكنهم مساعدة بعضهم البعض في فهم النقاط الصعبة، مما يُعزز فهم الجميع للمادة.
  • نظام المرشد الأكاديمي: يُمكن إنشاء نظام يُساعد فيه الطلاب الأكثر تفوقًا الطلاب الذين يُواجهون صعوبة في مادة مُعينة، هذا لا يُفيد الطرف المُتلقي فقط، بل يُعزز فهم الطرف المُقدم للمساعدة.

مثال: يُواجه بعض الطلاب صعوبة في حل مسألة في أحد دروس الرياضيات، يُمكن للمعلم أن يطلب من طالب متفوق أن يشرح الطريقة لِزميله، مما يُساعد الأخير على الفهم، ويُرسّخ الطريقة في ذهن الطالب المتفوق.

(٧) التطبيقات التربوية للعادة السابعة اشحذ المنشار (التجديد).

أولًا/ في الأسرة:

1- تجديد الجانب الجسدي: الاهتمام بالصحة والنشاط.

تعليم الأبناء أهمية العناية بِصحتهم الجسدية كأساس لِطاقة وحيوية دائمة.

التطبيق التربوي:

  • الرياضة كعادة عائلية: تخصيص وقتًا أسبوعيًا لِممارسة نشاط رياضي مُشترك، مثل المشي، أو ركوب الدراجات، أو اللعب في الحديقة. فهذا يُعلّمهم أن النشاط البدني مُمتع ومُهم.
  • التغذية الصحية: تشجيع الأبناء على تناول الطعام الصحي، واشراكهم في إعداد وجباتهم لِيفهموا قيمة الغذاء الصحي.
  • النوم الكافي: التركيز على أهمية النوم الكافي لِلتجديد الجسدي، والتوضيح للأبناء كيف يُؤثر على طاقتهم وتركيزهم في اليوم التالي.

مثال: تُقرر الأسرة أن تكون أكثر صحة، فيُخصصون يومًا في الأسبوع لِلذهاب في نزهة طويلة، ويتفقون على صنع طعام صحي وتقليل تناول الحلويات، مما يُرسّخ لديهم فكرة أن العناية بِالجسد جهد جماعي.

2- تجديد الجانب العقلي: التعلم المستمر.

غرس حب المعرفة والتفكير الإبداعي لدى الأبناء لِتجديد عقولهم باستمرار.

التطبيق التربوي:

  • القراءة كعادة أسرية: تخصيص وقتًا يوميًا أو أسبوعيًا لِلقراءة الجماعية أو الفردية، وتخصيص مكانًا في المنزل يحتوي على الكتب.
  • الهوايات الإبداعية: تشجيع الأبناء على ممارسة هوايات تُنمّي عقولهم، مثل: الرسم، وكتابة القصص، والألغاز.
  • استكشاف أماكن جديدة: زيارة المتاحف، والمكتبات، والأماكن التاريخية، والحدائق الطبيعية لِإثراء معارفهم وتوسيع آفاقهم.

مثال: في عطلة نهاية الأسبوع، بدلًا من قضاء الوقت أمام الشاشة، تُقرر الأسرة زيارة متحف العلوم القريب، مما يُشجع على طرح الأسئلة، والتعلم، وتجديد عقولهم.

ثانيًا/ في المدرسة:

1- تجديد الجانب الجسدي: الاهتمام بالصحة الجسدية والحيوية.

تعليم الطلاب أن صحتهم الجسدية هي وقودهم الأساسي لِلتركيز والتعلم، وأن الاهتمام بها يُحسن من أدائهم الأكاديمي.

التطبيق التربوي:

  • النشاط البدني: تشجيع الطلاب على المشاركة في الأنشطة الرياضية المدرسية، أو تخصيص وقت لِلتمرينات في الحصة الرياضية.
  • وجبات خفيفة صحية: يُمكن للمدرسة أن تُشجع على توفير وجبات خفيفة صحية في المقصف، وتُنظم حملات توعية حول أهمية التغذية الصحية.
  • أهمية النوم: يُمكن للمعلم أن يُناقش مع الطلاب أهمية الحصول على قسط كافٍ من النوم لِلتجديد، وكيف يُؤثر ذلك على قدرتهم على التركيز.

مثال: يُخصص المعلم خمس دقائق من بداية الحصة لِبعض التمارين الخفيفة التي تُنشط الجسم والعقل قبل البدء بِالدرس، مما يُجدد من نشاط الطلاب ويُحسن من تركيزهم.

2. تجديد الجانب العقلي: حب التعلم والتفكير الإبداعي.

وذلك بغرس حب المعرفة لدى الطلاب لِتجديد عقولهم، وعدم الاقتصار على المناهج الدراسية فقط.

التطبيق التربوي:

  • القراءة كعادة: تخصيص وقتًا أسبوعيًا لِلقراءة الحرة في المكتبة المدرسية، أو تشجيع الطلاب على قراءة كتب إضافية خارج المنهج.
  • الأنشطة اللامنهجية: تشجيع الطلاب على المشاركة في الأندية المدرسية، مثل: نادي المسرح، أو النادي الثقافي، والتي تُنمّي مهارات التفكير والإبداع لديهم.
  • حل الألغاز والألعاب الذهنية: استخدام الألغاز والألعاب التي تتحدى العقل كنشاط إضافي في الفصل لِتجديد طاقة الطلاب وتنشيط عقولهم.

مثال: بعد الانتهاء من درس مُكثّف في الرياضيات، يُمكن للمعلم أن يُقدم لِغزًا بسيطًا لِلتفكير فيه، مما يُنشط العقول ويُجدد الطاقة لِلموضوع التالي.

ملخص بأهم نتائج الدراسة:

بناءً على أسئلة معطيات فصول الدراسة، تم التوصل إلى مجموعة من النتائج، من أهمها:

    1. ضرورة وأهمية التأصيل الإسلامي للعلوم التربوية وينبع ذلك من الحاجة الملحة إلى بناء نموذج تربوي متكامل، لا يقتصر على الجانب المعرفي والمهاري، بل يمتد ليشمل الجانب الروحي والأخلاقي.
    2. إثبات شمولية التربية الإسلامية، وتأكيد أصالتها وتحررها من التبعية الفكرية، وذلك من خلال استخلاص العادات السبع من الأصول الشرعية الإسلامية.
    3. العادات السبع تتوافق مع المبادئ والقيم الإسلامية ولا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، بل إنها تتكامل معها، فالعادات تُركّز على التطوير الذاتي، والإيجابية، والإنصاف، والتعاون، وهي مبادئ أساسية في الإسلام.
    4. كتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية يتضمن قواعد ذهبية في تنمية الشخصية التي تساعد المتربين على التطور الذاتي وتحسين الجودة الحياتية.

توصيات الدراسة:

بناء على ما أسفرت عنه نتائج الدراسة؛ خلصت الدراسة إلى عدة توصيات علمية منها:

    1. تأليف كتب ومناهج دراسية مُؤصّلة؛ لِتقديم هذه العادات للطلاب والتربويين من منظور إسلامي شامل.
    2. عقد دورات تدريبية متخصصة، تُصمم لِتدريب الأفراد والمدربين على كيفية تطبيق هذه العادات في حياتهم الشخصية والمهنية.
    3. إنتاج محتوى مرئي ومسموع مُبسط، يهدف إلى نشر هذه المفاهيم للجمهور العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
    4. إدخال العادات في بيئة العمل، فتُطبق هذه العادات في المؤسسات التعليمية والدعوية لِتحقيق فعالية أكبر.
    5. عقد ورش عمل بالتعاون مع جهات متخصصة، لِتطبيق العادات في بيئات مُختلفة (الأسرة، المدرسة، العمل).

المقترحات البحثية:

    1. تقترح الباحثة إجراء دراسة لتطوير أدوات تقييم؛ لِقياس مدى تأثير هذه العادات على سلوك الطلاب والتربويين بعد تطبيقها.
    2. تقترح الباحثة إجراء دراسات تأصيلية أخرى؛ لِربط نظريات التطوير الذاتي بالمفاهيم الإسلامية.
    3. تقترح الباحثة إجراء دراسة للتأصيل الفقهي للعادات، دراسة تبحث في كيفية تأصيل كل عادة من العادات السبع من منظور فقهي، مع التركيز على مبادئ الفقه الإسلامي مثل فقه الأولويات، فقه الموازنات، وفقه المعاملات.
    4. تقترح الباحثة إجراء دراسة للعادات السبع في ضوء علم السلوك والمقاصد، بحث يُحلل العادات السبع بناءً على علم السلوك الإسلامي ومقاصد الشريعة، لِربطها بِالأهداف الكلية للشريعة في حفظ النفس، العقل، والدين.

مراجع الدراسة:

أولًا- المراجع العربية.

القرآن الكريم.

ابن حنبل، الإمام أحمد. (١٤٢١هـ). مسند الإمام أحمد بن حنبل. ط١. مؤسسة الرسالة.

ابن عاشور، محمد الطاه. (1984). كتاب تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير. تونس: الدار التونسية للنشر.

ابن كثير، إسماعيل بن عمر. (1419هـ). تفسير القرآن العظيم. ط1. بيروت: دار الكتب العلمية.

ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين. (د.ت). لسان العرب، دار صادر.

ابن هشام، عبد الملك. (١٣٧٥هـ). السيرة النبوية لابن هشام. مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.

أبو العلا، تركي بن حسن عبد الله (۲۰۱۷) اسهامات طالب الجامعة في دعم المبادرات التطوعية [رسالة دكتوراه جامعة أم القرى] مجلة جامعة ام القرى https://drive.uqu.edu.s

أبو حيان، محمد بن يوسف بن علي. (1420هـ). البحر المحيط في التفسير. ج1. لبنان: دار الفكر.

الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد. (1967). تهذيب اللغة. لبنان: دار الكتاب العربي.

الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد. (2001). تهذيب اللغة. ج8. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

الأصفهاني، الحسين بن محمد بن المفضل أبو القاسم. (2010). مفردات ألفاظ القرآن. الأميرة للطباعة والنشر والتوزيع.

الباشا، محمد الكافي. (1992). الكافي. لبنان: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر.

بحه، رهف. (٢٠٢1). التأصيل الإسلامي للذكاء العاطفي في الإدارة التربوية [رسالة ماجستير، جامعة أم القرى] المجلة الدولية للدراسات التربوية والنفسية https://www.refaad.com/Files/EPSR/EPSR-9-2-11.pdf

بخاري، إشراق بنت عبد الرحمن بن مكي. (2014). التأصيل الإسلامي لنظرية النمو المعرفي لدى بياجيه. مجلة كلية التربية – مصر، ع3، 297 مسترجع من http://search.mandumah.com/Record/675741

بخاري، خلود. والحقباني، أشواق. (٢٠٢١). التأصيل الإسلامي والتربوي لنظرية Z اليابانية [رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى] المجلة الدولية للدراسات التربوية والنفسية EPSR-9-2-17.pdf (refaad.com)

البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة. (١٤٢٢هـ). صحيح البخاري. ط١ بيروت: دار طوق النجاة.

البخاري، محمد بن إسماعيل. (1418). صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري. ط4. الجبيل: دار الصديق للنشر والتوزيع.

بدوي، أحمد زكي. (1414). معجم مصطلحات العلوم الإدارية. ط2. القاهرة: دار الكتاب المصري.

البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء. (1420هـ). معالم التنزيل في تفسير القرآن. ط1. بيروت: دار إحياء التراث العربي.

بن سلامه، أسامة بن عبد الله (۲۰۱۰). المبادرة الذاتية في ضوء السنة النبوية [رسالة ماجستير الجامعة الإسلامية غزة الجامعة الإسلامية] غزة فلسطين. http://mandumah.com/

بن عاشور، محمد الطاهر. (١٤٢٥). مقاصد الشريعة الإسلامية. قطر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

بيروت: دار الكتب العلمية.

الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى. (١٩٩٦م). الجامع الكبير (سنن الترمذي). ط١. بيروت: دار الغرب الإسلامي.

الجرجاني، علي بن محمد. (1403). التعريفات. لبنان: دار الكتب العلمية.

جلال، أحمد فهمي. (2004). العادات السبع للمديرين الأكثر تميزًا ونجاحًا، إدارة الأعمال، ع 104، ص 23.

جوهانس، بوب. (2014). فن المبادرة. (ترجمة دار الفاروق للاستثمارات الثقافية). مصر: دار الفاروق للاستثمارات الثقافية. (نشر العمل الأصلي في 2007)

الجوهري، إسماعيل بن حماد. (1407). الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية. ط4. بيروت: دار العلم للملايين.

الجوهري، إسماعيل بن حماد. (1430). الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية. القاهرة: دار الحديث.

الجويبر، عبد الرحمن. (1427). إدارة الجودة الشاملة. ط2. المدينة المنورة: مطابع الرشيد.

الحارثي، فهد. (٢٠٢٠). معايير التأصيل الإسلامي لمفاهيم التربية [رسالة ماجستير، جامعة الباحة] جامعة السلطان قابوس 0523-014-001-008.pdf

حسين، عبد الله. (2016). فعالية تصميم وحدة مرجعية في الأعمال الفنية الخشبية قائمة على استراتيجية العادات السبع لطلاب كلية التربية الأساسية بدولة الكويت [رسالة ماجستير]. جامعة حلوان.

الحقيل، سليمان. (1424). نظام وسياسة التعليم في المملكة العربية السعودية، مكتبة الملك فهد الوطنية.

الحميري، نشوان بن سعيد. (1420). شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم. بيروت: دار الفكر المعاصر.

الخالدي، إبراهيم. (2011). معجم الادارة: موسوعة ادارية شاملة لمصطلحات الإدارة العامة وإدارة الأعمال. عمّان: دار أسامة.

الخراز، خالد بن جمعة. (1430) موسوعة الأخلاق. الكويت: مكتبة أهل الأثر للنشر والتوزيع.

الخوري، سعيد الشرتوني. (1889). أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد، إيران: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي.

خير، بسطامي محمد سعيد. (1433). مفهوم تجديد الدين. ط1. جدة: مركز التأصيل للدراسات والبحوث.

الدرر السنية، (د.ت. أ ). شروح الأحاديث. استرجع في تاريخ (25 رجب 1446) https://zt.ms/136P

الدرر السنية، (د.ت. ب). شروح الأحاديث. استرجع في تاريخ (3 شعبان 1446) https://zt.ms/136O

الدرر السنية، (د.ت. ج). شروح الأحاديث. استرجع في تاريخ (6 شعبان 1446) https://zt.ms/136N

الرازي، أحمد بن فارس. (1399). معجم مقاييس اللغة، سوريا: دار الفكر.

رجب، إبراهيم. (1416). التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية المفهوم- المنهج المدخل- التطبيقات، الرياض: دار عالم الكتب.

رؤية السعودية 2030. (2025). مجتمع حيوي. استرجع بتاريخ ( 15يوليو 2025) من https://2u.pw/dwHO2

رئاسة الجمهورية العربية السورية. (2002). الموسوعة العربية. دمشق.

الزهراني، صالح بن يحيى. (2010). التأصيل الإسلامي لاستراتيجيات التفكير الإبداعي في نظرية تريز. مجلة كلية التربية -مصر، ع84، 5 . مسترجع من http://ecat.kfnl.gov.sa:88/ipac20/ipac.jsp?session=1G208M50170C5.754164&profile=akfnl&uri=full%3D3100006%40%21659694%40%210&booklistformat=

سعادة، جودة أحمد. (2003). تدريس مهارات التفكير. عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع. ص217

السعدي، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله. (1422). تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. الرياض: مكتبة دار السلام للنشر والتوزيع.

السقا، امتثال محمد. (1995). تطوير أنموذج لتحديد الأولويات في التخطيط التربوي، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة عمان، الأردن، ص13.

السليم، عادل محمد. (2002م، 22أغسطس) الأولويات وضوابط تحديدها. مجلة البيان، العدد (177)، ص22

السوالمة، عبد الله. (1993) المبادرة والمسابقة إلى الأعمال الصالحة في ضوء الكتاب والسنة وأثره على الرعيل الأول من هذه الأمة. مجلة البحوث الإسلامية. مسترجع من https://short-link.me/1cc2s

سيت، دلال. (٢٠١٥). أثر برنامج تدريبي قائم على العادات السبع في تنمية مفهوم الذات لدى الأطفال الموهوبين في مرحلة رياض الأطفال في السعودية. [رسالة ماجستير] جامعة الخليج العربي.

الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي. (١٤١٧هـ). الموافقات. ط١. دار ابن عفان.

الشريفي، علي كاظم حسين محل. (1439). التجديد الاستراتيجي وانعكاساته في تعزيز السيادة الاستراتيجية من خلال الدعم المنظمي – دراسة تحليلية لآراء ا لمديرين في الشركة العامة لصناعة الاسمنت الجنوبية- رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة كربلاء، كربلاء، جمهورية العراق.

الشعراوي، محمد متولي. (1997م). تفسير الشعراوي – الخواطر. مطابع أخبار اليوم.

الشنقيطي، محمد الأمين. (1415هـ). أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

الطبري، محمد بن جرير. (د.ت). جامع البيان عن تأويل آي القرآن. مكة المكرمة: دار التربية والتراث.

عبده، أيمن أسعد. (2008) التغيير من الداخل تأملات في عادات النجاح السبع. ط2. الرياض: وهج الحياة للإعلام.

العتيبي، ليلى بنت سعد بن مخلد. (2022). أثر برنامج تدريبي قائم على مبادئ العادات السبع للناس الأكثر فاعلية في تطوير المهارات القيادية لدى المشرفات التربويات، مجلة القراءة والعرفة، جامعة عين شمس، ع 248.

العثيمين، محمد بن صالح. (1435). تفسير القرآن الكريم سورة آل عمران. ط3. ج2. الدمام: دار ابن الجوزي.

العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر. (١٣٩٠هـ). فتح الباري بشرح البخاري. ط١. مصر: المكتبة السلفية.

عمارة، محمد. (١٤٢٧هـ). فقه الحضارة في الإسلام. ط٢. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية.

عمر، أحمد مختار. (١٤٢٩) معجم اللغة العربية المعاصرة. القاهرة: عالم الكتب.

العيسى، إبراهيم محمد. (٢٠١6). واقع بحوث التأصيل والتوجيه الإسلامي للعلوم التربوية في جامعات المملكة العربية السعودية، مجلة العلوم التربوية [رسالة ماجستير] جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

الفراهيدي، الخليل بن أحمد. (1424). العين. ج5. لبنان: دار الكتب العلمية.

فؤدة، عبدالله، وحلمي، عبدالرحمن. (١٤٠٨ ). المرشد في كتابة البحوث التربوية، مكتبة المنارة.

الفيروزآبادى، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب. (1992). بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز. ج4. القاهرة: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية (لجنة إحياء التراث الإسلامي).

الفيروزآبادي، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب. (1426). القاموس المحيط. ط8. لبنان: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر.

القرضاوي، يوسف. (١٤١٧هـ). الاجتهاد في الشريعة الإسلامية. ط١. الكويت: دار القلم للنشر والتوزيع.

القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري. (1384هـ). الجامع لأحكام القرآن. ط2. القاهرة: دار الكتب المصرية.

كوفي (2021) العادات السبع للناس الأكثر فعالية (مكتبة جرير، ترجمة؛ ط.1) مكتبة جرير(1996).

المباركفوري، أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم. (د.ت). تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي. بيروت: دار الكتب العلمية.

مجلة فكر حر الإلكترونية. (2 فبراير 2021). ملخص كتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية https://fikr7or.com/

المحلي، جلال الدين محمد بن أحمد. السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (1422). تفسير الجلالين. القاهرة: دار الحديث.

معتوق، إبراهيم جنيد علي (۲۰۱۸). المبادرة في ضوء التربية الإسلامية وتطبيقاتها المعاصرة [رسالة ماجستير جامعة جدة]

المنظور، عبير. (2021، مارس 17) التنمية البشرية في الفكر المحمدي. كتابات في الميزان.مسترجع من http://www.kitabat.info/subject.php?id=153139

منوخ، صباح. طوكان، أزهار. (2019) العادات السبع لـستيفن آر كوفي وعلاقتها بفاعلية الذات الأكاديمية لدى طلبة المرحلة الإعدادية [جامعة تكريت] مجلة العلوم النفسية-وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. مسترجع من 151f2a6d5feb58e1 (iasj.net)

المهيدلي، سامية. (٢٠١٨). تأصيل الجودة الشاملة من منظور إسلامي [رسالة ماجستير] مصر.

موسوعة الأحاديث النبوية، ( د.ت. أ ). استرجع في تاريخ (25 رجب 1446) https://zt.ms/136Q

موسوعة الأحاديث النبوية، ( د.ت. ب ). استرجع في تاريخ (6شعبان 1446) https://zt.ms/136M

نجاتي، محمد. (1411، 6شوال) منهج التأصيل الإسلامي لعلم النفس. مجلة المسلم المعاصر. ص ص23

النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف. (١٣٩٢هـ). المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج. ط٢. بيروت: دار إحياء التراث العربي

النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم. (١٣٣٤هـ). الجامع الصحيح «صحيح مسلم». تركيا: دار الطباعة العامرة.

الياس، سليم. (د.ت). الموسوعة الإدارية الشاملة. بيروت: مركز الشرق الأوسط.

ثانيًا- المراجع الأجنبية.

Pahl, C. M. (2011). Moving through autonomy toward interdependence: The relationship between Chickering and Reisser’s third vector and Stephen Covey’s Seven habits of highly effective people [Masters Theses, Eastern Illinois University] Counseling and student development at Eastern Illinois university https://core.ac.uk/download/pdf/154532504.pdf

Whorf, Benjamin Lee (1956). Language, Thought, and Reality: Selected Writings of Benjamin Lee Whorf 1956

Johannes, Bob. (2014). The art of initiative. (Translation of Dar Al Farouq for Cultural Investments). Egypt: Dar Al Farouq for Cultural Investments. (The original work was published in 2007