التفسير الجغرافي: من السببية إلى التحليل النسقي نقاش ابستمولوجي متجدد
Geographical Interpretation: From Causality to Systemic Analysis – A Renewed Epistemological Debate
اسماعيل ساسيوي1، يوسف آيت عيسى2، صديق عبد النور3
1 باحث في ديداكتيك الجغرافيا. مختبر البحث في علوم التربية والعلوم الإنسانية واللغات. المدرسة العليا للأساتذة. الرباط، المغرب.
2 طالب باحث في سلك الدكتوراه. مختبر البحث في علوم التربية. مختبر البحث في علوم التربية والعلوم الإنسانية واللغات. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة محمد الخامس. المغرب.
3 أستاذ باحث في الجغرافيا. المدرسة العليا لأساتذة. جامعة محمد الخامس. الرباط، المغرب.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj67/35
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/67/35
المجلد (6) العدد (7). الصفحات: 533 - 545
تاريخ الاستقبال: 2025-06-07 | تاريخ القبول: 2025-06-15 | تاريخ النشر: 2025-07-01
المستخلص: تتناول هذه الدراسة التحول الإبستمولوجي الذي شهده التفسير الجغرافي من المنهج الوصفي التقليدي إلى التفسير السببي، ثم إلى التحليل النسقي الأكثر شمولًا. استعرض الباحثون نشأة التفسير في الجغرافيا، وتبني التيار الوضعي لمبدأ السببية لتحليل الظواهر، مسلطين الضوء على التحديات المنهجية والمعرفية التي واجهها هذا النموذج نتيجة تعقيد الظواهر الاجتماعية وتعدد عواملها. كما بيّنت الورقة كيف ساهم تبني نظرية الأنساق العامة في تطوير التحليل الجغرافي نحو نموذج منظومي يعالج الظواهر باعتبارها أنظمة معقدة ومترابطة ديناميكيًا. وتم عرض خطوات المنهج النسقي بدءًا من التحليل، مرورًا بالنمذجة الكيفية، وصولًا إلى المحاكاة الديناميكية، مؤكدين على أن هذا النهج لا يهدف إلى الكشف عن الأسباب المنفصلة بل إلى فهم تفاعلات العناصر في نسق موحد. خلصت الدراسة إلى أن التحليل النسقي يمثل نقلة نوعية في الجغرافيا، حيث يقدم تفسيرًا أكثر تكاملًا للواقع المجالي المعقد ويستجيب لتحديات العصر المعرفي.
الكلمات المفتاحية: التفسير الجغرافي، السببية، التحليل النسقي، نظرية الأنساق، الجغرافيا المعاصرة.
Abstract: This study addresses the epistemological transformation witnessed in geographical interpretation, shifting from a traditional descriptive approach to causal explanation, and ultimately to a more comprehensive systemic analysis. The authors review the emergence of explanation in geography and the adoption of the positivist trend that emphasized causality in analyzing phenomena. They highlight the methodological and epistemic limitations of causal reasoning in the face of complex social and spatial phenomena. Consequently, the adoption of General Systems Theory enabled a paradigmatic shift toward treating geographical phenomena as complex, dynamic systems. The paper outlines the steps of systemic methodology—exploration, qualitative modeling, and dynamic simulation—emphasizing that the goal is not to isolate causes, but to understand the interactions among components within a unified system. The study concludes that systemic analysis represents a qualitative leap in geographical thought, offering a richer and more integrated interpretation of spatial reality and responding to contemporary epistemological challenges.
Keywords: Geographical Interpretation, Causality, Systemic Analysis, Systems Theory, Contemporary Geography.
مقدمة:
ظلت الجغرافيا منذ ميلادها في كنف الحضارة الإغريقية القديمة وحتى القرن التاسع عشر وصفية بالأساس، وحقيقة إن نوع الوصف الجغرافي والحالات التي كان يتناولها قد تطورت خلال قرون، منطلقة من اعتبارات فلكية، تمت صياغتها بواسطة أدوات رياضية في مجملها. ثم سار الخطاب الجغرافي يركز على الوصف الخطي لطول تموجات المسالك (الطرق)، موسعا تدريجيا آفاقه المجالية، حيث أصبح يقيم لها صورا جدارية ضخمة، من خلال وسائل تعبيرية متنوعة، غير أنه رغم بعض الاستثناءات النادرة التي تبرر القاعدة، فإن القول الجغرافي يهدف قبل كل شيء إلى وصف موضع الأشياء (إلى كيفية الإجابة عن سؤالين هما: أين”؟ و “كيف”؟[1].
لكن، شهدت الجغرافيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر طفرة حاسمة على مستوى اهتماماتها، إذ لم تعد تتمثل في وصف الظواهر وتصنيفيها فحسب، بل أصحبت تهدف إلى التفسير، إن لم نقل أفضل من ذلك. وأصبح الوصف نفسه ينظر إليه ويوجّه وفق هدف أهم ألا وهو التفسير، كل هذا نتيجة لتأثر هذا العلم باتجاهات فلسفية ومناهج حديثة، من أبرزها التيار الوضعي الذي أكد على البعد السببي في التحليل والتفسير بغية صياغة قوانين ترفع من قيمة العلوم الاجتماعية إلى مصاف باقي العلوم، لكن تعقيد الظواهر الاجتماعية استوجب العمل على توظيف منهج أكثر شمولية في تحليل أنظمة العلاقات التي تجمع بين مكونات وعناصر هذه الظواهر. فما المقصود بالتفسير في حقل الجغرافيا بداية؟ وكيف أدمج الجغارفة منطلق السببية وبعده التحليل النسقي في دراسة الظواهر الجغرافية؟
التأصيل اللغوي والاصطلاحي للتفسير
تعتبر كلمة التفسير explication كلمة ذات أصل لاتيني، ويقصد بها العرض الواضح للمعطيات ويتم تداولها بمعنى الفعل الذي يسعى إلى توضيح ما من شأنه أن يحقق فهم شيء ما[2]. كما أن لهذه الكلمة دلالات أخرى في العلوم الاجتماعية. حيث يدل على إعادة تركيب ملموس لموضوع في شكل نظام علاقات محددة بشكل يسمح لوضعية أو حالة ما بالتنبؤ بشكل دقيق بوضعية أو حالة لاحقة [3].
أخدت قضية التفسير نصيبا مهما من النقاشات الإبستيمولوجية داخل حقل العلوم الاجتماعية، في محاولة لتحديد المفهوم وتأصيله بين مناصري عملية الفهم والتأويل المرتبطين بالظواهر الاجتماعية، ورغبة آخرين في إدخال المنهج التجريبي للعلوم الاجتماعية والدفاع عن عملية التفسير كوسيلة لاقتفاء أثر العلوم الطبيعية ووضع العلوم الاجتماعية في مرتبة العلوم الطبيعية. فالمؤيدون لعملية الفهم يعاتبون مؤيدي التفسير على نقلهم مناهج العلوم التجريبية واسقاطها على العلوم الاجتماعية، ويتهمونهم باختزال الممارسات الاجتماعية في بناء القوانين[4]. ويعتبر هؤلاء عملية الفهم على أنها “فك الدلالات وإدراك الحقائق كمعانٍ”[5].
لكن على الجانب الآخر يرى رواد النزعة الوضعانية أنه بالإمكان دراسة الظواهر الاجتماعية دراسةً موضوعية ومادية تفصل الظواهر عن كل تناول لاهوتي أو ميتافيزيقي، وحصرها في المنهج الوضعي. ومع تأثير التيار الوضعي حاولت العلوم الاجتماعية اقتفاء أثر العلوم الطبيعية في دقة المنهج باعتماد مبدأ الفصل التام بين الذات والموضوع أو ما يعرف بالموضوعية، وأصبحت بذلك تتبع منهجا ينطلق من الملاحظة والفرضية والتجربة وصولا إلى بناء القانون، تلك الخطوات العلمية ساعدت على تحقيق شرط العلمية من جهة، وحاجة العلوم الاجتماعية في نشأتها الأولى للمنهج العلمي حتى تثبت جدارتها في مصاف العلوم الحقة بالاقتراب من العلمية السائدة في العلوم الطبيعية، وتتبوأ بذلك المكانة المناسبة ضمن خانة العلوم. ومنه يجب إفراغ الذهن من كل التمثلات المسبقة، والتوجه نحو الظاهرة لأجل دراستها واستخلاص النتائج على شكل قوانين مفسرة تعتمد مبدأ السببية، وهذا الجانب لا ينفصل كذلك عن إجراءات المنهج العلمي الكلاسيكي في الربط بين الأسباب والمسببات؛ أي آلية التفسير السببي التي أعطت نتائجها في العلم الوضعي.
عموما إذا كانت الأدبيات الجغرافية تؤكد على أن التفسير في الجغرافيا يكتسي طابع الإلزامية، فإنها مع ذلك لا تقدم تعريفا رسميا له، ففي الكتابات الميتودولوجية يصنف التفسير قبل كل شيء باعتباره اهتماما[6]، لم تتوقف مصطلحاته عن إثارة نقاشات مثيرة للوصول إلى تعريف للتفسير يقدم روح المفهوم أكثر من حرفيته التي هي بالأحرى منفلتة (غير قابلة للضبط). ويتضح أنه من اللازم اللجوء إلى الجمع بعد عدة اعتبارات وتقاطعات من خلال ما تم طرحه في الأدبيات الجغرافية. ويبدو أن هناك توافقا يستخلص حول التفسير، بكونه بحثا عن الأسباب. ومنه فالتفسير هو عملية فكرية يتم من خلالها ربط العلاقات ما بين مجموعة من الكيانات الجغرافية في سعي لتوضيح السبب أو الأسباب التي أدت إلى وجود أو تطور كيان مجالي، أو ما يتصف به هذا الكيان وفق مسار نسقي مع خطوتي الوصف والتعميم.
السببية في التفسير الجغرافي
يهدف التفكير الاجتماعي والجغرافي خاصة أن يكون تفسيريا. لكن هل يمكننا تطبيق نماذج السببية الميكانيكية المتخيلة للفيزياء في هذا المجال كما نادت بذلك الوضعانية؟ السؤال صعب، لأن التعامل مع الظواهر الاجتماعية والتعامل مع الناس وتفاعلاتهم، إضافة إلى أن المجال الذي تمارس فيه التأثيرات كما الآثار المحتملة للسببية المباشرة، يجب أن نأخذ فيه في الاعتبار القرارات البشرية. كما من الضروري استكشاف آثار العلاقات الاجتماعية[7]. ولا يخرج التفسير السببي للظواهر عن سياق محاولة العلوم الإنسانية الارتقاء بهذه العلوم للدقة والتحليل للظواهر بعيدا عن تأملات الفلاسفة[8]. فكما تقول بوجو كارنيي ” إن للجغرافي طريقين؛ إما أن يقوم بتفسير تخصصه والمتمثل في ازدواجية طبيعي/ بشري والتي تغطي أشكالها (وجوهها) كوكبنا، وبذلك يكون قد ولج الطريق العلمي الصارم. وإما أن يقرر الاكتفاء بالوصف، وبذلك لن يكون سوى رسام تصويري للمجال[9].
عموما فإنه ولما يزيد عن قرن من الزمن أكد الجغرافيون على أنه وبدون تفسير لا يمكن لعلمهم أن ينتج إلا جغرافيا مزيفة. وأن التفسير يقوم على البحث عن الأسباب. وهو الشيء الذي أكده ديريو بقوله إن ” الجغرافيا علم تفسيري، فهي تبحث عن الأسباب وترتبها حيث تكون كثيرة ومتعددة ولا تتراجع أمام تأكيد الأسباب الفردية”[10].
وبتعليقه بهذه الطريقة على مبدأ السببية كما عبر عنه مارتون، فإن ديريو DERRUAU يوظف ثلاث عبارات بشكل متكرر، ويستعمل فيها مصطلح السبب لتفسير ما يجدر تسميته بالعلم التفسيري، وكل واحدة من تلك العبارات تبرز رمزيا حقلا خاصا في إطار البحث عن التفسير؛ فأما الأولى فتبين موضوع البحث (الأسباب) وأما الثانية فتعترف بأن هذه الأسباب يمكن أن تكون متعددة وتشير إلى طريقة لمعالجتها (ترتيبها وتصنيفها)، وأما الثالثة فإنها تنظم البحث بشكل ممنهج، لجعله يشمل جميع الحالات بما فيها “الأسباب الفردية”. يبدو لنا أن تعليق ديريو 1961 مهما نظرا لوضوحه، ولكن كذلك لأنه يتبنى فكرة عُبر عنها كذلك في بداية القرن العشرين من قبل فيدال دي لا بلاش رائد المدرسة الفرنسية، وأبعد من ذلك أيضا من طرف هامبولت، وحاليا ليس ديريو وحده من يعبر عن أقوال من هذا القبيل. فبوجو كارنيي صرحت ه أنه ” يمكن القول إن سلوك الجغرافي اتجه ضمنيا وتصريحيا نحو هذا التصور المتمركز على العلاقات السببية”[11].
وهكذا يلاحظ أنه خلال قرن تقريبا اتضح بثبات ملموس المبدأ الذي وفقه يجب أن يتعامل الجغرافي مع التفسير، وأن هذا الأخير يعني البحث عن الأسباب.
إن مفهوم السبب يثير مع ذلك مشاكل التأويل التي لم تتوقف عن تغذية النقاش، ولقد شهد تعريف المفهوم واستعماله مصيرا مضطربا، فالتناقض الأكثر بدائية يكمن بين أسباب تعتبر صحيحة وأخرى يحكم عليها بالأحرى بأنها خيالية.[12]
خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر تجددت الجغرافيا، كما أشرنا إلى ذلك سابقا، بإدخالها البعد التفسيري وتمفصلها وفقا له، ولقد دفعت الأجواء الحماسية التي رافقت ما يمكن تسميته بالتطور العلمي للجغرافيا الجغرافيين إلى تناول التفسير بحماس، وبعبارات شبه مطلقة، وهكذا انطلاقا من مبدأ لا وجود للعلم إلا فيما هو عام، تصور مؤسسوا الجغرافيا الحديثة التفسير بعبارات كونية معتمدين على مفهوم السبب الذي أخذوه من بعض النظريات العامة لفلسفة العلوم والحال أن هذه الطريقة أو تصور الأمور على هذا النحو أثار تحفظات حول ثلاثة أبعاد لمفهوم السببية، مقارنة بخصوصية الجغرافيا[13].
فالبعد الأول يتعلق بالكونية على مستوى المجال؛ وعلى هذا المستوى، لطالما اعتقد الجغرافيون أن الأسباب نفسها في الظروف نفسها، في كل مكان تنتج الآثار نفسها. وإذا كان ذلك صحيحا بالنسبة لبعض الظواهر التي تتكفل بها الجغرافيا، فإن الأمر يصبح إشكاليا حين تدخل على الخط بعض الظواهر البشرية، والحال أنه في فجر الجغرافيا الحديثة، حاول عدة رواد مثل راتزل وهتنر وهانتغتن وفق روح العصر صياغة قوانين، فطبقوا عقلانية جذرية على الظواهر الجغرافية، مما قادهم إلى حتمية تبسيطية، وفقها يمكن مثلا توقع سلوك الناس بالرجوع إلى الوسط الطبيعي الذي يعيشون فيه، وقد وصلت بعض التجاوزات في هذا الاتجاه عند بعض الجغرافيين إلى أقوال بالأحرى عنصرية، أثارت ردة فعل كبيرة.
” لقد أصبحت إصداراتهم (الجغرافيين الفرنسيين بوجه خاص) أكثر دقة، ولكن أقل فائدة إلى أبعد حد، فقد حل الوصف محل الفرضية، والتكرار محل النقاش”[14]
ولذلك ينصح حتى في أيامنا هذه، باتخاذ مقاربة أكثر تواضعا، ولكن تجريبية بما فيه الكفاية[15]. بل إن مفهوم السبب يثير أحيانا شكا جذريا، وقد ذهب ديريو إلى حد إبراز الطابع ” المظلم أحيانا في الجغرافيا”. ولتجاوز هذه العتمة (الظلمة) يجدر أن تؤخذ في الاعتبار ثلاث ملاحظات على وجه الخصوص:
ففي المقام الأول لا يعني مفهوم السبب بالضرورة شرطا لازما وكافيا لينتج أثرا ما. ففي العديد من الحالات تتدخل المصادفة، فمع توفر أسباب مشابهة من الممكن أن تكون النتائج مخالفة لما وقع، وبذلك يجب إضافة “العرضية ” إلى مفهوم السببية[16].
وهكذا يحل محل الحتمية موقف يسمى “بالإمكانية” تتلخص في شعار مشهور هو “الطبيعة تقترح والإنسان يقرر”، ويتم التعبير عن هذا الموقف العقلي الجديد عبر أساليب وعبارات من قبيل “مصادفة بين أسباب ونتائج”، “علاقات اعتباطية” و”صلة إحصائية” وكلها عبارات تلمع لمعانا خاصا.
وفي المقام الثاني؛ نادرا ما نجد الروابط السببية أحادية الاتجاه، فهي غالبا ما تكون ثنائية الاتجاه أو متعددة الاتجاهات. فالمناخ مثلا يؤثر في صيغ تطور التضاريس، بينما يغير هذا الأخير بطبيعته وتوجهه وتجليات المناخ الجهوي والمحلي، وبما أن الجغرافيا غالبا ما تعالج وضعيات تكون فيها المعطيات متشابكة بشكل خاص، يبدو أن تحديد أنماط العلاقات (المباشرة أو الغير المباشرة) التي تربط بين الظواهر في تركيبة جغرافية محددة[17]، أنفع من المحاولة اليائسة المتمثلة في تصنيف هذه الظواهر بوصفها أسبابا أو نتائج بصفة نهائية، وبالمناسبة فإن الاهتمام بالبحث في هذا الاتجاه يشهد عليه العدد المرتفع من الألفاظ المستعملة من قبيل “[18]: علاقات/ روابط/ صلات/ علاقات تفاعلية/ علاقات تبادلية/ و “التلازم” و”علاقات متكررة” … في الأدبيات الجغرافية، كما يعبر عن ذلك بهذا الصدد أن الجغرافيا تعرف أيضا بعلم العلاقات.
في المقام الثالث لوحظ أن الأسباب الرئيسية على مستوى ظاهرة ما تكون متعددة بصفة عامة. “حين نرى منظومة ثقافية تعيش في وسط ذي طابع بشري، فلا جدوى تقريبا في البحث عن سببه”[19]
إن تعدد الروابط وتنوعها وصولا إلى درجة أنه لكي تتم الإحاطة بها أثناء اشتغالها داخل تركيبات جغرافية يستلزم القيام بمجهود تركيبي كبير، وبالفعل، فنظرا لأن الجغرافيا تعالج عوامل مختلفة إلى درجة كبيرة، كتجمد عصور الحقبة الجيولوجية الرابعة وسياسة حكومة معينة، فإنها تستحق بدون منازع تسميتها ب “علم التركيب” أو “العلم التركيبي”. وفي سياق التركيب تؤكد كارنيي على أن ” الظروف التي يمنحها الوسط الطبيعي ونجاعة الفعل البشري متنوعة إلى أبعد الحدود والتركيبات التي يمكن أن تتم بينها لا نهاية لها إن صح التعبير”[20]
من تنوع العوامل التي تربط بين الظواهر الجغرافية تنبع نتيجتان إلزاميتان؛ الأولى هي أن الجغرافي لكونه ملزما بمعالجة عوامل ترتبط بعلوم منهجية مختلفة لا يمكن إتقانها كلها وبشكل معمق، فإنه يجد نفسه مجبرا على اللجوء إليها (الجغرافيا ملتقى العلوم). فبيير جورج يقول: “إن البحث عن التفسير يتطلب اللجوء إلى مجموعة من التقنيات والمعارف التي لا يستطيع الجغرافي إدراكها كلها بإمكانياته وقدرته على الاستيعاب”. [21]
ومع ذلك فإن العوامل والعلاقات الجغرافية رغم تنوعها الواسع، لا تستطيع أن تفسر الواقع الجغرافي في مجمله. هذا التوطين (Domiciliation) يرافقه البحث عن علاقات تعتبر اليوم بمثابة علاقات متبادلة ومتكررة وكذا بمثابة علاقات غير كافية لتفسير كل المعطيات [22].
أما النتيجة الثانية النابعة من تعدد العوامل والعلاقات الجغرافية، فهي من الضروري تصنيفها وترتيبها، وهكذا يتم التمييز بين علاقات مباشرة وأخرى غير مباشرة، وعلاقات بسيطة وأخرى مركبة، وعلى مستوى أكثر تعقيدا[23]، يتم تمييز سلسة سببية ذات الشكل أ—- ب —– ج —- د أو منظومة سببية متعددة، تتدخل فيها معطيات ذات طبيعة متنوعة.
وعلى هذا المستوى من التعقيد يبدو من المناسب التعبير عنه بعبارات جدلية للإحاطة بالعلاقات التي تربط بين الظواهر الجغرافية. ويمر ترتيب هذه العوامل عبر تحديد حدة فعلها.
“إن القوى المختلفة ليست متساوية، فبعض الظواهر أكثر حدة من غيرها، وتلعب دورا محركا”[24]
ومن خلال ترتيب العوامل تظهر هيمنة عامل ما أو عوامل، ويشكل مجموعة من الروابط في كل وضعية جغرافية، ويكتسي فرز تلك الروابط فائدة ذات قيمة كبيرة على المستوى المنهجي.
ويرتبط المحور الثاني الذي عليه ترتكز الانتقادات الموجهة لمفهوم السبب بالبعد الزمني، ففي التفكير الحتمي الذي ساد في فجر الجغرافيا الحديثة، كان الطابع “التاريخي” لبعض الأسباب بالأحرى مهملا. وهكذا، فإن سببا ما يتم العمل به في كل مكان على وجه الأرض، يكون (معمولا به) في أي فترة زمنية، وقد مكن فحص الظواهر من كشف استثناءات هامة خارجة عن هذا التصور للأشياء.
فبداية، إذا كانت بعض الأسباب أزلية / أبدية ( الغطاء النباتي يحد من سرعة تعرية التربة مثلا) فإن البعض الآخر ليس كذلك، فلا يمكن مثلا تفسير الموقع المعلق لبعض القرى، إذا تركنا جانبا الاعتبارات الدفاعية التي عفا عنها الدهر حاليا والتي كانت مع ذلك تفرض نفسها إبان إنشائها، وتمنع المشاكل التي تثيرها وسائل النقل الحالية، المواقع المعلقة من أن تكون عامل توطين بالنسبة للقرية أو المدينة، فبعض المناطق الطاردة بسبب الأحوال المناخية السيئة تصبح جذابة بمجرد أن تقام فيها منشآت الري، وهكذا فإن التدخل البشري والتقلبات التاريخية التي تحيط به تؤثر على الدوام في بعض الأسباب. ثم إن الأسباب تطورية، بمعنى أنها يمكن أن تتغير عبر الزمن، ففي نهاية المطاف يمكن أن يتضح أن العنصر ” المحرض الأولي” الذي يعطي الانطلاقة لظاهرة جغرافية يصعب تحديده. وهكذا فإن موقعا بحريا ملائما يدعو إلى استقرار مجتمع من الصيادين، وعلى أمل الاستفادة من يد عاملة ذات تجربة، يقوم بعض ملاك السفن بالاستثمار في الموقع (بسفن الصيد ومحطات معالجة الأسماك )، ويمارس أولئك الملاك ضغطا على السلطات التي توافق على إقامة المنشآت المائية (ميناء)، ثم تنشأ معامل لتصبير الأسماك فتجلب يد عاملة رخيصة هاربة من القرى المحيطة الآهلة بالسكان، وتدريجيا يتحول ما كان عبارة عن قرية صغيرة إلى مدينة يجلب نموها الديموغرافي أنشطة أخرى وهكذا دواليك [25]،ومن هنا يضيع تدريجيا السبب الأول في غياهب الزمن. أما الأسباب الأخرى فإنها بدأت باعتبارها آثرا قبل أن تثير بدورها نتائج قابلة هي الأخرى لأن تحرك ظواهر أخرى، ومن هذه الآثار المتكدسة على هذا النحو، تنبع قوة دافعة تقوي وتنوع الحركة، إلى حد أن العوامل الفاعلة في الاتجاه المعاكس قد تلطف الحركة المعينة أو تقلب الموازين[26].
تعرض النموذج السببي لانتقادات من لدنموالون للتاريخانية خاصة الفرنسيين منهم، حيث أكدوا على أن تطبيق النماذج السببية الميكانيكية على الظواهر الاجتماعية يعتبر إهمالا لحرية الإنسان، وهذا الأخير كائن واع، يسعى للسيطرة على مصيره[27].
وقد توجهت الجغرافيا الحديثة منذ انطلاقها إلى الطبيعة وإلى الإنسان في الوقت ذاته، إلا أنه من خلال الأدبيات الجغرافية كان هذا الثنائي (الطبيعة والإنسان) ومكوناتهما، وزنهما الخاص، في إطار التفسير الذي يدركه الجغرافيون بطرق مختلفة.
بالنسبة لراتزل وهو عالم طبيعي (Naturaliste) في الأصل، فإن الطبيعة لكونها تحدد سلوك الإنسان، تفسر ما هو أساسي في الظواهر الجغرافية، وعلى النقيض من ذلك، فإن ريتر، وهو بالأحرى فيلسوف، وكذلك فيدال دي لبلاش، وهو مؤرخ في تكوينه[28]، يريان أن الإنسان وفقا لمستلزمات النظام الاجتماعي ونجاعة تقنياته …إلخ، يختار بين الإمكانيات التي يمنحها له الوسط الطبيعي، ومن هذا الموقف يفهم ضمنيا أن مركز الثقل الخاص بالعوامل التفسيرية، يكمن فيما قام به الإنسان في الماضي، أو ما يقوم به في الحاضر من أفعال.[29]
يعتبر العنصر البشري مصدرا هاما من مصادر التفسير. لكن، يبدي الجغرافيون اختلافات على مستوى الفاعلية التي ينبغي أن تمنح لهذا العامل أو ذاك، وهكذا فتارة تعطى الأهمية للتاريخ كعامل تفسيري (فيدال دي لبلاش و ديدون و بروهن وديمانجيون الذين يعدون الجغرافيا علم الإنسان القاطن) وتارة تعطي الأهمية للعاملين البيولوجي والتقني («سور” الذي يرى أن الإنسان جسم ثابت الحرارة وذو جلد عار، وتارة للعامل الاقتصادي (“جورج” الذي يعتبر الجغرافيا علما للإنسان المنتج والمستهلك). كما يضيف الجغرافيون عوامل أخرى يتم التأكيد على دورها زيادة أو نقصانا (كالعامل الديني حسب فونتين). ويستمر النقاش حول هوية الجغرافيا، هل هي علم الحصائل والتركيبات أو هي علم بشري؟ وحول تصور الإنسان ومنهج المقاربة الذي يترتب عليه (الماركسية والسلوكية وغيرهما). ومن ثم يبقى البحث عن العوامل التفسيرية قائما، ويزداد دقة وتنوعا وبالتالي يزداد تعقيدا، مما يؤدي به إلى الاعتماد على نظرية النماذج.
وتباعا لميادين البحث والوضعيات الجغرافية المراد توضيحها، يمكن أن تنتمي عوامل تفسيرية محددة لحقل من الحقول (الاقتصادي أو الثقافي أو السياسي) إضافة إلى الطبيعي لأن الجغرافيا ما تزال بعيدة عن التخلي عن العنصر الأول من ثنائيتها “الطبيعة والإنسان”[30].
وإجمالا، فإن التفسير الذي بدأ في القرن التاسع عشر في إطار الوضعانية (التيار الوضعي) السائدة لفترة طويلة، غذى لفترة طويلة الطموح إلى العالمية (الكونية) والدوام والانسجام، وقد شهدت نشوة الانطلاقة بعض التجاوزات وبوجه خاص، ما قام به التيار الحتمي الذي كان يدعي التنبؤ بالسلوك البشري بالاعتماد على الإطار الطبيعي.
إن تطور التفكير الجغرافي والأهمية التي أصبحت تعطى للطبيعة وللإنسان على حد سواء، وتعدد الحالات المدروسة وما يرافقها من فوارق دقيقة لا نهاية لها، كل هذه الأمور مكنت من إضفاء النسبية على مفهوم السببية، واكتشاف عالم العلاقات الذي لم يعد يمكن اختزاله في خطاطة حتمية (déterministe) ذات اتجاه واحد[31].
هناك روابط تارة كونية وتارة أخرى محلية، يمكن أن تكون ثابتة، ولكن أيضا يمكن أن تكون باطلة، بعضها يمكن توقعه والبعض الآخر بالأحرى عرضي، كما تبرز بطريقة غير مباشرة، ولكن نادرا ما يكون لها اتجاه واحد، وباختصار فإن هذا الكم المعقد من الإمكانيات ومن العلاقات تعطينا فكرة أقل طموحا عن التفسير، ولكن أكثر غنى، تعكس بذلك الواقع الذي يتناوله (التفسير). ولم يتوقف هذا الواقع المصنف تصنيفا متنوعا عن إبراز عوامل احتضنها كتاب مؤثرون، فلمعت لمدة قصيرة في عالم التفكير الجغرافي قبل أن تدخل في حركة مظلمة. لتفرض بعد ذلك تجديدا في المقاربة المعتمدة في تفسير الظواهر الجغرافية خاصة المعقدة منها.
التحليل المنظوماتي في التفسير الجغرافي: مقاربة تمس جوهر الجغرافيا
خلال فترة الستينيات من القرن الماضي توقف العلماء عن العمل بالترابطات المحدودة لاحتضان أنظمة أوسع تشمل النظام البيئي أو الجيولوجي، فأصبح العمل يرتكز على دراسة أنظمة معقدة مهتمة بتدفقات الطاقة والمادة، والمؤشرات الكيماوية (الهرمونات في الكائنات الحية مثلا في دراسة الأنظمة البيئية). وهنا يتصور النظام البيئي على أنه مجموعة من تدفقات المادة والطاقة المنتشرة بين الغلاف الجوي والتربة وباطن الأرض والنباتات والحيوانات والكائنات الحية المجهرية.
وتعتبر هذه الشرعة الظواهر والمجالات الجغرافية كيانات معقدة يجب معالجتها في إطار منظومة نسقية système، وهو شيء أجمعت عليه كل التيارات الجغرافية الحالية، وكل التيارات الحالية تستعين في جزء من منهجيتها العلمية بالتحليل النسقي، كما تنظر إلى الظواهر على أنها مجموعات تتشكل من عناصر متعددة ومترابطة، تهيكلها علاقات وتدفقات تعطي لهذه المنظومة الحياة. وبذلك يجب العمل على فهم وتفسير المجال والمجتمع البشري على أنه نظام معقد ولا يمكن تفسيره من خلال سبب واحد، حيث ينصب التحليل النسقي على معالجة كل عنصر في علاقته بالعناصر الأخرى، لأن المهم هو إبراز الطريقة التي يشتغل بها النسق وليس طبيعة العناصر، كما يوضح التحليل النسقي التغيير الذي يمكن أن يعرفه النسق في حالة تغير عنصر معين[32].
تعود نشأة النسق إلى بداية الحياة الإنسانية وقيام علاقة الانسان مع بيئته وإحساسه بترابط الأشياء من حوله، كما يمكن ملاحظة هذا المفهوم في بعض أفكار الفلاسفة اليونان خاصة أفلاطون وأسطو، ثم كتابات هيجل وفي نظر الجشطالتيين حيث قالوا بأن الكل أكبر من مجموع الأجزاء، وأننا لا نستطيع فهم الأجزاء بمعزل عن الكل[33].
كما لم تأت النظرية النسقية من فراغ، بل جاءت كتراكم فكري لجملة النظريات التي أطرت العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية منذ نهاية القرن الثامن عشر، وقد عمل مجموعة من الباحثين على تطوير هذه النظرية بغية الوصول إلى تقديم تفسير للظواهر من خلال نظرة شاملة إلى الظاهرة من جميع أبعادها وعناصرها، ومحاولة الإلمام بمجموعة العوامل المؤثرة فيها وعدم البحث عن أسباب منفصلة أو عوامل مستقلة، بل دراسة شبكة العوامل المؤثرة في علاقاتها وتفاعلها مع بعضها.
انطلقت فكرة النسقية من علم الأحياء والبيولوجيا ودراسة الخلية خاصة من خلال التعامل مع مكوناتها الداخلية وتفاعلاتها في تركيبة مرتبطة مع بعضها البعض (تفاعلها الداخلي وتكيفها مع بيئتها) ومن خلال فكرة الكائن الحي، فإن النسق ليس بنية ولكن كيان حي. ومن علم الأحياء انتقلت فكرة النسق إلى العلوم الدقيقة وخاصة الفيزياء والكيمياء. ومنها إلى المجال الاقتصادي حيث عمل الكساد الكبير الذي لم يكن من الممكن توقعه طبقا للتحليلات العلمية المعتمدة على أعمال آدم سميث وريكاردو على إعادة النظر في العمليات الاقتصادية وعوائدها والفاعلين فيها ومحاولة تصور نسق تسير فيه العملية الاقتصادية بناء على مطالب الأفراد واحتياجاتهم (المدخلات والمخرجات) [34].
وقد برزت دراسات تعتمد فكرة النسق والبيئة والتكيف في مجال علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، ويعتبر “إرفين خوفمان E. Goffman” من أبرز علماء الاجتماع بعد الحرب العالمية الثانية الذين طوروا التحليل النسقي لدراسة الحياة الإنسانية مستمدا مصادره من البحوث الاجتماعية القائمة على الملاحظة ومن الروايات الأدبية. وقد ركز تحليله على عمليات التعايش بين أفراد الجماعات الصغيرة في المجتمع الأمريكي، ورأى باستقلال نظام التفاعل بين الأشخاص عن باقي الأنظمة الأخرى[35].
ظلت الأفكار حول المقاربة النسقية متناثرة إلى حين تجميعها في إطار نظرية عامة تحمل عنوان “نظرية النسق العام” وكان أول من ساهم في هذه المهمة هو عالم الأحياء “لودفيج فون بيرتالانفي Von Bertalanffy Ludwig” الذي جمع أعماله عام 1986 في نيويورك في كتاب بعنوان “نظرية النسق العام” General System Theory. وقد حدد “بيرتالانفي” في هذا الكتاب الذي يركز على النظم البيولوجية، عددًا من المفاهيم مثل تلك الخاصة بالأنساق المفتوحة، التوازن… إلخ. كما أنه دعا إلى فهم شامل للنسق، مصرًا على أهمية فهم العلاقات بين العناصر المختلفة، وليس كما تدعو إلى ذلك النظرة التحليلية الكلاسيكية من نظرة تجزيئية لعناصر النسق[36]. لكن ما المقصود بالنسق؟
التعريف اللغوي للنسق:
ينحدر لفظ النسق Système من الكلمة الاغريقية القديمة sustema بمعنى: التنظيم organisation، أو الكل المنظم ensemble organisé. وهي مشتقة من الفعل sunistemi والذي يشير إلى الربط والتأسيس mettre en rapport, instituer. وبالتالي “يشكل الترابط/ التعالق interdépendance بين العناصر بالنظر للكل أساس فكرة النسق في العلوم الاجتماعية.
التعريف الاصطلاحي للنسق:
نشر البيولوجي “لودفيغ فان بيرتالانفي Von Bertalanffy في سنة 1933، مؤلفا حمل عنوان “نظريات حديثة للتطور Modern Theories of Development”. ضمنه المحاور الكبرى لما قام به لاحقا بعد الحرب العالمية الثانية بصياغته تحت مسمى نظرية الأنساق[37]. وقد عرف النسق على أنه مجموعة من الأجزاء، مجموعة من الوحدات المترابطة فيما بينها.
تعريف De Rosney: النسق هو مجموعة من العناصر التي تشكل كيانا ووحدة عامة بحدود، والنسق أيضا مجموعة من العناصر المتفاعلة فيما بينها ديناميكيا والمنظمة لتحقيق هدف.
النسق هو عبارة عن كيان عام تتداخل عناصره ومكوناته على نحو يجعله يتفاعل ويتبلور في النهاية في صورة أو في أخرى، وأي نظرية تحاول أن تتعرف على الكيفية التي تترابط بها هذه المكونات وتتفاعل يطلق عليها نظرية الأنساق.
كان التحليل النسقي نموذجا معتمدا في الجغرافيا حتى قبل إرساء النظرية العامة للأنساق. فنموذج كريستالر للظاهرة الحضرية يمثل تحليلا هندسيا وبنيويا يعكس اهتمام الجغرافيا بدراسة العلاقات المحلية بالنظر إلى تراتبيتها وتنظيمها الإقليمي. فالجغرافيا العصرية حسب كلافال Claval تسعى إلى استخدام نظام تفسيري أوسع وأمتن وأكثر تماسكا [38].
وقد حظيت نظرية الأنساق العامة باهتمام الجغارفة والطبيعيين منهم على الخصوص، نظرا لتلائمها مع دراسة الظواهر الطبيعية أكثر من البشرية، حيث تكثر من المعطيات النوعية والعناصر الخفية والعوامل العشوائية. لكن هذا ” لا يعني الفوضى وإنما الشواش الذي يحيط بالظواهر التي لا تتوفر على قواعد مدققة للتنبؤ بحدوثها وهذا ما يطلق عليه نظرية العماء”[39]. فقبل أن يقعِّد فون بروتلنفلاي Ludwing Von BERTLANFLY للنظرية سنة 1951 وجدها قد تسربت للجغرافيا البيئية وهذا من بين أحد الأسباب الرئيسية لتجديد الجغرافيا التي سيطرت عليها النظرة الجيومرفولوجية سابقا[40].
حسب ماكس سور ” الجغرافيا هي علم الترابطات والتفاعلات”[41] وأكد ايف لاكوست على أنه ” لفهم أية وضعية محلية فهما جيدا، والتصرف فيها بفاعلية، يقتضي بالضرورة الأخذ في الاعتبار أن هذه الوضعية تنتمي لمجموعات مجالية متعددة، يجب تحليلها وفق مقاييس أو مستويات جغرافية مختلفة، ومراعاة ما تعرفه من ضغوطات وصراعات وتدفقات ورهانات. لكن هل من الضروري الوقوف عند كل العلاقات والترابطات التي يعرفها النسق بغية تفسير ظاهرة جغرافية ما؟
يؤكد رائد التحليل النسقي “ل. فون بروتلنفلاي” L. Von. Bretalanfly، أن الاستيفاء الأقصى لكل العناصر والترابطات في التحليل النسقي لا يشكل هدفا في حد ذاته، وأن هذا التحليل لا معنى له إلا في ضوء علاقته مع الإشكالية التي نحاول الإجابة عنها، وذلك في ضوء الإرغامات القائمة والوسائل المتوفرة. حيث يقوم منهج النسق البيئي على تقسيم الأجزاء وإعادة ترتيبها حسب تشابهها وتجانسها لأنه بعد تخلصهم من الوصف الجيومرفولوجي أصبحوا يهتمون أكثر بالبحث عن الترابطات والتفاعلات الطبيعية والإحيائية داخل المجالات البيئية أفقيا وعموديا[42].
وفي هذا الباب عمل فريديرك لاستفاركوس على خط مراحل المنهج النسقي démarche systémique في ثلاث مراحل تمكن من دراسة الظواهر المعقدة:
خطوات المنهج النسقي démarche systémique
- المرحلة الأولى 1: التحليل النسقي أو الاستكشاف النسقي l’analyse de systèmes / Exploration systémiques
خلال هذه المرحلة، يكَوِن المحلل معرفة أولية حول النسق المدروس من خلال تحديد حدوده، وموضعته في بيئته .(positionner le système par rapport à son environnement) ويجب أن تمنح عناية خاصة بطبيعة التفاعلات التي يقيمها النسق مع بيئته، وكذا أهداف تلك التفاعلات، وتشكل البنية الداخلية للنسق جزءًا مهمًا من العمل الذي يتعين القيام به أثناء هذه المرحلة، ويتم ذلك عبر تحديد الأجزاء الأكثر أهمية والتفاعلات بين هذه الأجزاء. كما يتم تحديد متغيرات التدفق ومتغيرات الحالة les variables de flux et les variables d’état، وتحديد حلقات التغذية الراجعة وكذلك قطبيتها وآجالها المحتملة les boucles de rétroaction leur polarité et les délais éventuels. هذا دون أن ننسى الإحاطة بتاريخ النسق بشكل يسمح للملاحظ بفهم تطوره.
- المرحلة الثانية: النمذجة النوعية la modélisation qualitative
تتمثل المرحلة الثانية من النهج النسقي في نمذجة النسق على أساس المعرفة المحصَّلة خلال مرحلة الاستكشاف، إنها مرحلة بناء التمثيل construction d’une représentation الذي يسلط الضوء على بنية النسق وطريقة اشتغاله son fonctionnement، وهنا يقدم الملاحظ تمثيلا للنسق في شكل رسم تخطيطي تظهر فيه العناصر المكونة له: متغيرات التدفق والحالة والعلاقات بين المتغيرات، المؤشرات الخارجية، الآجال… إلخ. إلا أن النموذج المتحصل عليه لا يمكن محاكاته وبالتالي ليس له قيمة تنبؤية. مع ذلك، يشكل بناء نموذج كيفي أهم محطة في عملية دراسة النسق. بل أن جوهر المنهجية النسقية يتم التعبير عنه في هذه الحركة الدائرية والمتكررة بين موضوع المعرفة والنسق المدروس. يوفر النموذج الكيفي عناصر مهمة لإبراز خصائص النسق واستخلاص نتائج مثيرة للاهتمام حول سلوكه.
- المرحلة الثالثة: النمذجة الديناميكية أو المحاكاة la modélisation dynamique/ simulation
خلال مرحلة النمذجة الكيفية، يسعى المحلل النسقي إلى وصف وتفسير القائمة بين العناصر المختلفة للنسق في شكلية رياضية formalisme mathématique قدر المستطاع. في بداية المرحلة الثالثة: النمذجة الديناميكية، لدى المحلل النسقي نموذج يجب عليه أن يجعله محاكيا أو قابلا للتشغيل من خلال القياس الكمي للعلاقات الرياضية المذكورة أعلاه وخصوصا من خلال إدخالها متغير الوقت. تفضي هذه الطريقة، حسب الحالة، إلى نوعين من الإعدادات:
- في الحالة الأولى، يكون النموذج الذي تم الحصول عليه صعبا أو شاقا للمحاكاة. في ظل هذه الظروف، يمكن أن يختار المحلل إجراء النمذجة الديناميكية عن طريق التشبيه modélisation dynamique par analogie باستبدال النموذج الأولي بنموذج آخر يشبهه إلى حد بعيد من حيث الهيكل وطريقة العمل، غير أنه يبدو أقل تعقيدا في التنفيذ.
- في الحالة الثانية، يكون النموذج قابلا للتشغيل في الكمبيوتر. يقوم المحلل بإجراء عدد من عمليات المحاكاة بتغيير المؤشرات التي يبدو أنها تلعب دوراً هاماً والبيانات الأولية، وهذا من أجل تعميق معرفته بطريقة تشغيل النسق. خلال هذه المرحلة من التجريب، يبني المحلل ويدرس سيناريوهات بديلة لأغراض مستقبلية على المثال. تتيح المحاكاة إمكانية رسم مستقبل محتمل. والتفكير في أمر غير محتمل، وخاصة تخيل حلول للمشاكل التي تنشأ عندما يعمل النسق أو التي من المحتمل أن تنشأ في يوم من الأيام.
وبذلك فالفكرة المركزية في النهج النسقي هي نزوعه إلى بناء نموذج من التفكير يتسم بالشمولية وقادر على دراسة التفاعلات الدينامية –وليس السببية-وإدراك الأنساق ليس باعتبارها مجموعات ساكنة، بل مجموعات متحولة.
خاتمة:
دعا العديد من الباحثين إلى تبني المنهج الفيزيائي في العلوم الاجتماعية، القائم على اختبار الفرضيات وتمحيصها، لكن هذا النموذج لم يضمن للعلوم الاجتماعية البحث عن التعميمات ولا بناء النظريات. وركز فقط على مجموعة من الإجراءات والخطوات الصارمة التي ترسم العلاقات السببية بين الظواهر. وهذه الشرعة لم تساعد على تفسير الحالات المعقدة، مما فرض الانتقال إلى نهج نسقي يقوم على اعتبار الظواهر الجغرافية كيانات معقدة، يجب معالجتها باعتبارها منظومة نسقية، وفق نهج يقوم أساسا على إبراز طريقة عمل النظام والعلاقات والترابطات الموجودة بين عناصره.
وبذلك فإن التحليل النسقي جاء لإعادة النظر في البراديغم التحليلي الذي كان سائدا طوال النصف الأول من القرن العشرين، والذي كان يركز بدرجة كبيرة على عزل أجزاء الظواهر مع التركيز على الأجزاء بتفاصيلها وتسليط الضوء على طبيعة التفاعلات في اتجاه خطي مباشر، بينما يتأسس التحليل النسقي على الربط بين الأجزاء في نظرة شمولية تركز على التفاعلات بين الأجزاء وتسلط الضوء على تأثيرات التفاعلات.
البيبليوغرافيا:
شكير عكي. 2011.تعلم التفسير التاريخي. مقاربة ديداكتيكية وفق المقاربة بالكفايات. أطروحة لنيل درجة الدكتوراه في علوم التربية. كلية علوم التربية. الرباط.
بركيعة عبد المولى، 2003، التفسير الجغرافي في الكتاب المدرسي بالسلك التأهيلي من التعليم الثانوي (السنة الثانية من سلك البكالوريا نموذجا). بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة. كلية علوم التربية الرباط. الموسم الجامعي 2002-2003.
الحيداوي الحسن.2005. المقاربة الوظيفية في ديداكتيك الجغرافيا، مرحلة التعليم الثانوي الاعدادي نموذجا. أطروحة لنيل شهادة دكتوراه الدولة في علوم التربية. كلية علوم التربية. الرباط.
محمد غزال. المنهج النسقي وتطبيقاته. محاولة تطبيق المنهج على دراسة الأمة في كل حياته، جدلية الوحدة والاختلاف للدكتور بهجت قوراني. https://sociologie34.blogspot.com/2013/03/blog-post_5950.html. تاريخ الاطلاع 19/09/2024. الساعة 15.
بلفقيه محمد. 2002. الجغرافيا القول عنها والقول فيها: المقومات الابستمولوجية، دار نشر المعرفة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط.
أرمان وميشال ماتلار. 2005. تاريخ نظريات الاتصال، ترجمة نصر الدين العياضي والصادق ا ربح، ط 3، المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
Zgor M’Hammed, 1990, « Géographie Et Formation Intellectuelle : Contribution A l’élaboration d’un Modèle Didactique A Son Application Au Niveau De l’évaluation De Licenciés Marocains Au Seuil De La Profession d’enseignant », Thèse De Doctorat d’état, Faculté De Psychologie Et Pédagogie. Vrije Université, Brussel.
- Caval.P.2014. ÉPISTÉMOLOGIE DE LA GÉOGRAPHIE. Armand Colin. 3 Edition. Paris.
- BEAUJEU-GARNIER.J. 1971. La Géographie Méthodes Et Perspective. Masson. Paris.
Derruau.(M). 1966. Précis De Géographie Humaine. Armand Colin. Paris.
Haggett. (P). 1973. L’analyse Spatiale En Géographie Humaine. Armand Colin. Paris.
George. (P). 1978. Les Méthodes De La Géographie. PUF. Paris.
George. (P). 1964. Guglielmo R. Lacoste Y.1964. La Géographie Active. P.U.F. Paris. P17
Tricart. (J). 1965.Prancipes Et Méthodes De Géomorphologie. Masson. Paris.
Dollfus. (O).1971. L’analyse Géographique, P.U.F Paris.
Harvy. D. 1973, Explanation In Geography, Edward Arnold, 3east Read Street, Baltimore, Maryland 21202, U.S.A.
Wagner-Remy Claire. 2016. La pensée dirigée : Traité sur le raisonnement et les logiques, Books on Demand, Paris.
Louise Blanchette. 1999. L’approche systémique en santé mentale, Presses de l’Université de Montréal.
Frederic Lasfargues, Christophe Dalin. 2007. Aurore Cambien, Une introduction à l’approche systémique, appréhender la complexité, Certu, janvier 2007, sur le lien électronique : https://www.inist.fr/nos-actualites/fermeture-du-site-lara-le-1er-decembre-2019/bitstream/handle/2332/1431/CERTU-RE_08-09.pdf. Consulté le 23/07/2023, 10h.
Claval (P), 1977, La Nouvelle Géographie, Q.S.J. P.U.F., Paris.
Margins:
-
Zgor M’Hammed, 1990, « Géographie Et Formation Intellectuelle : Contribution A l’élaboration d’un Modèle Didactique A Son Application Au Niveau De l’évaluation De Licenciés Marocains Au Seuil De La Profession d’enseignant », Thèse De Doctorat d’état, Faculté De Psychologie Et Pédagogie. Vrije Université, Brussel. P61 ↑
-
شكير عكي. 2011.تعلم التفسير التاريخي. مقاربة ديداكتيكية وفق المقاربة بالكفايات. أطروحة لنيل درجة الدكتوراه في علوم التربية. كلية علوم التربية. الرباط. ص31 ↑
-
بركيعة عبد المولى، 2003، التفسير الجغرافي في الكتاب المدرسي بالسلك التأهيلي من التعليم الثانوي (السنة الثانية من سلك البكالوريا نموذجا). بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة. كلية علوم التربية الرباط. الموسم الجامعي 2002-2003.ص 61. ↑
-
بوركيعة عبد المولى. 2003 ص 61. ↑
-
بوركيعة عبد المولى. 2003 ص 61. ↑
-
Zgor M’Hammed, 1990. P62. ↑
-
caval.P.2014. ÉPISTÉMOLOGIE DE LA GÉOGRAPHIE. Armand Colin. 3 Edition. Paris.P44. ↑
-
BEAUJEU-GARNIER.J. 1971. La Géographie Méthodes Et Perspective. Masson. Paris. P126 ↑
-
Beaujeu-Garnier(J). 1971.P132 ↑
-
Derruau.(M). 1966. Précis De Géographie Humaine. Armand Colin. Paris .P 19. ↑
-
Beaujeu-Garnier(J). 1971. P34 ↑
-
Zgor. (M) M.1990. P63 ↑
-
Zgor. (M) M.1990. P65 ↑
-
Haggett. (P). 1973. L’analyse Spatiale En Géographie Humaine. Armand Colin. Paris. P 10. ↑
-
Beaujeu-Garnier(J). 1971. P40 ↑
-
Menier. (A). 1969. P 10. ↑
-
ZGOR. (M).1990. P65 ↑
-
ZGOR. (M).1990. P66 ↑
-
Derruau.(M). 1966. P 18 ↑
-
Beaujeu-Garnier(J).1971. P129 ↑
-
George. (P). 1978. Les Méthodes De La Géographie. Puf.Paris.29 ↑
-
George. (P). 1964. Guglielmo R. Lacoste Y.1964. La Géographie Active. P.U.F. Paris. P17 ↑
-
Zgor. (M) .1990. P66 ↑
-
Tricart. (J). 1965.Prancipes Et Méthodes De Géomorphologie. Masson. Paris. P26 ↑
-
Zgor. (M) 1990. P67 ↑
-
Dollfus. (O).1971. L’analyse Géographique, P.U.F Paris. P56 ↑
-
Claval. (P).2014. P46 ↑
-
Zgor. (M) 1990.P68 ↑
-
Claval. (P). 2014.P47 ↑
-
Harvy. D. 1973, Explanation In Geography, Edward Arnold, 3east Read Street, Baltimore, Maryland 21202, U.S.A.P 42 ↑
-
Zgor. (M) 1990.P70 ↑
-
الحيداوي الحسن.2005. المقاربة الوظيفية في ديداكتيك الجغرافيا، مرحلة التعليم الثانوي الاعدادي نموذجا. أطروحة لنيل شهادة دكتوراه الدولة في علوم التربية. كلية علوم التربية. الرباط. ص 72. ↑
-
محمد غزال. المنهج النسقي وتطبيقاته. محاولة تطبيق المنهج على دراسة الأمة في كل حياته، جدلية الوحدة والاختلاف للدكتور بهجت قوراني. https://sociologie34.blogspot.com/2013/03/blog-post_5950.html. تاريخ الاطلاع 19/09/2024. الساعة 15. ↑
-
Wagner-Remy Claire. 2016. La pensée dirigée : Traité sur le raisonnement et les logiques, Books on Demand, Paris.p 222. ↑
-
Louise Blanchette. 1999. L’approche systémique en santé mentale, Presses de l’Université de Montréal. p 19. ↑
-
Frederic Lasfargues, Christophe Dalin. 2007. Aurore Cambien, Une introduction à l’approche systémique, appréhender la complexité, Certu, janvier 2007, sur le lien électronique : https://www.inist.fr/nos-actualites/fermeture-du-site-lara-le-1er-decembre-2019/bitstream/handle/2332/1431/CERTU-RE_08-09.pdf. Consulté le 23/07/2023, 10h. ↑
-
أرمان وميشال ماتلار. 2005. تاريخ نظريات الاتصال، ترجمة نصر الدين العياضي والصادق ا ربح، ط 3، المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت. ص73. ↑
-
Claval (P), 1977, La Nouvelle Géographie, Q.S.J. P.U.F., Paris.P35 ↑
-
بلفقيه محمد. 2002. الجغرافيا القول عنها والقول فيها: المقومات الابستمولوجية، دار نشر المعرفة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط. ص69. ↑
-
Harvy.)D( .1973.P 20 ↑
-
بلفقيه محمد. 2002.ص72. ↑
-
بلفقيه محمد. 2002.ص 286. ↑