دور القاضي المدني في تقييم وإدارة الأدلة الكتابية
The Role of the Civil Judge in the Assessment and Management of Documentary Evidence
عبدالسلام أحمد عبد الله الأشقري1
1 طالب دكتوراه، جامعة صنعاء، اليمن.
بريد الكتروني: alashgry27@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj612/31
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/612/31
المجلد (6) العدد (12). الصفحات: 453 - 467
تاريخ الاستقبال: 2025-11-10 | تاريخ القبول: 2025-11-18 | تاريخ النشر: 2025-12-01
المستخلص: يُعدّ الدليل الكتابي الركيزة الأساسية في نظم الإثبات المدني لما يحققه من استقرار في المعاملات وثقة في المراكز القانونية، غير أنّه يظل عُرضةً للإنكار والطعن بالتزوير، الأمر الذي يبرز الدور المحوري للقاضي المدني في إدارته وتقييمه والتحقق من سلامته. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الدور الإيجابي للقاضي المدني في التعامل مع الأدلة الكتابية، وبيان حدود سلطته التقديرية وضوابطها، لا سيما في مواجهة الادعاءات الكيدية ووسائل التزوير المتطورة. اعتمدت الدراسة المنهج التحليلي المقارن من خلال فحص النصوص القانونية وتطبيقاتها القضائية في كل من اليمن ومصر، مع الاستعانة ببعض التشريعات العربية المقارنة. وتوصلت الدراسة إلى أن للقاضي المدني دوراً فعالاً في إدارة الدليل الكتابي يبدأ من مراقبة تبادل المستندات، ويمتد إلى إلزام الخصوم والغير بتقديمها، والتحقق من صحتها عبر الوسائل الفنية، مع بقائه مقيداً بضمانات قانونية أهمها وجوب التسبيب. كما كشفت النتائج عن قصور واضح في قيمة الغرامات المقررة على الادعاءات الكيدية بما أفقدها أثرها الردعي. وخلصت الدراسة إلى جملة من التوصيات، أبرزها ضرورة تحديث التشريعات الإجرائية، وتعزيز سلطة القاضي في المبادرة بإجراءات التحقيق، ورفع قيمة الغرامات، وتطوير آليات التعامل مع المحررات الإلكترونية بما يواكب التحول الرقمي في الإثبات.
الكلمات المفتاحية: الدليل الكتابي، القاضي المدني، سلطات القاضي التقديرية، الطعن بالتزوير، إدارة الأدلة في الإثبات المدني.
Abstract: Documentary evidence constitutes the cornerstone of civil proof, as it ensures the stability of transactions and reinforces confidence in legal positions. However, such evidence remains vulnerable to denial and forgery, which necessitates an active and effective role for the civil judge in managing, assessing, and verifying its authenticity. This study aims to analyze the positive role of the civil judge in dealing with documentary evidence and to clarify the scope and limitations of judicial discretionary powers, particularly in confronting malicious claims and sophisticated methods of forgery. The study adopts an analytical-comparative approach by examining legal texts and judicial applications in both Yemen and Egypt, with reference to selected Arab legislations for comparative enrichment. The findings reveal that the civil judge plays a proactive role that extends from supervising the exchange of documents, to compelling parties and third parties to produce them, and to verifying their authenticity through technical means, all within legally binding guarantees—most notably the obligation of judicial reasoning. The study also highlights a significant deficiency in the value of fines imposed on vexatious claims, which has weakened their deterrent effect. The study concludes with several recommendations, foremost among them the need to modernize procedural legislation, strengthen the judge’s authority to initiate investigative measures, increase the value of fines, and develop mechanisms for dealing with electronic documents in line with the ongoing digital transformation in the field of evidence.
Keywords: Documentary Evidence, Civil Judge, Judicial Discretionary Powers, Forgery Claims, Management of Evidence in Civil Procedure.
مقدمة:
يحتل الدليل الكتابي مكانة الصدارة في أنظمة الإثبات المدنية الحديثة، نظراً لما يوفره من استقرار للمعاملات وثقة في المراكز القانونية. إلا أن هذا الدليل ليس بمنأى عن الطعون والادعاءات التي قد تستهدف حجيته، سواء بالإنكار أو بالطعن بالتزوير. وهنا يبرز الدور المحوري للقاضي المدني، الذي لا يقف موقفاً سلبياً يقتصر على الموازنة بين أدلة الخصوم، بل يمتلك دوراً إيجابياً وفعالاً في التعامل مع الأدلة الكتابية، بدءاً من مراقبة تقديمها وتبادلها بين الخصوم، ومروراً بسلطته في التحقق من صحتها، وانتهاءً بالفصل في الادعاءات الموجهة إليها.
إن سلطة القاضي في هذا المجال ليست مطلقة، بل هي سلطة مقيدة بضوابط قانونية وإجرائية تهدف إلى تحقيق التوازن بين اعتبارات العدالة الناجزة وحماية حق الدفاع المقدس، وضمان عدم المساس بالحقوق الفردية واستقرار المعاملات.
1. مشكلة البحث:
تتمحور مشكلة البحث في تحديد الطبيعة الدقيقة لدور القاضي المدني في التعامل مع الأدلة الكتابية، وبيان حدود سلطاته في مواجهة ما يثار بشأنها من دفوع، خصوصاً في ظل التحديات العملية التي تفرضها بعض الادعاءات الكيدية أو وسائل التزوير المتقدمة. كما يسعى البحث إلى تقييم مدى كفاية الأدوات التشريعية والإجرائية الممنوحة للقاضي (خاصة في القانونين اليمني والمصري) لتمكينه من أداء دوره بفعالية، وتحقيق التوازن المنشود بين سلطته التقديرية والضمانات المقررة للخصوم.
2. أسئلة البحث:
يسعى هذا البحث إلى الإجابة عن التساؤلات التالية:
- ما هو الإطار القانوني الذي يحكم دور القاضي المدني في التعامل مع الأدلة الكتابية؟
- ما هي حدود سلطة القاضي في مراقبة تبادل المستندات وإلزام الخصوم أو الغير بتقديمها؟
- ما هي الوسائل الفنية والقانونية المتاحة للقاضي للتحقق من صحة المحررات، وما مدى سلطته في اللجوء إليها؟
- كيف يوازن القاضي بين سلطته التقديرية في تقدير الأدلة الكتابية وضرورة التسبيب كضمانة للرقابة القضائية؟
- ما هي الفروق الجوهرية بين دعوى التزوير الأصلية والدفع الفرعي بالتزوير، وما هي سلطات القاضي في كل منهما؟
- إلى أي مدى تتوافق التشريعات الحالية (اليمنية والمصرية) مع متطلبات العدالة في تمكين القاضي من كشف التزوير وردع الادعاءات الكيدية؟
3. فرضيات البحث:
ينطلق البحث من الفرضيات التالية:
- كلما اتسع الدور الإيجابي للقاضي في إدارة الدليل الكتابي، زادت فعالية الإجراءات القضائية في كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.
- وجود ضوابط واضحة لسلطة القاضي التقديرية، مع التزام صارم بواجب التسبيب، يشكل ضمانة أساسية لحماية حق الدفاع ويمنع التعسف.
- هناك حاجة لتحديث بعض النصوص التشريعية، خاصة فيما يتعلق بقيمة الغرامات المفروضة على الادعاءات الكيدية، لتكون أكثر ردعاً وتتناسب مع الواقع الاقتصادي.
- منح القاضي سلطة المبادرة في إجراءات التحقيق عند وجود شبهة تزوير جدية يعزز من دوره في حماية النظام العام الإجرائي.
4. أهمية البحث:
تكمن أهمية هذا البحث في جانبين:
- الأهمية النظرية: يسلط البحث الضوء على إحدى أهم السلطات الممنوحة للقاضي المدني، ويحلل النصوص القانونية والآراء الفقهية وأحكام القضاء العالي المتعلقة بها، مما يساهم في إثراء المكتبة القانونية في هذا المجال الدقيق.
- الأهمية العملية: يقدم البحث رؤية تحليلية ونقدية للواقع العملي، ويقترح حلولاً وتوصيات يمكن أن تساهم في توحيد الرؤى القضائية، وتطوير التشريعات الإجرائية لمواجهة التحديات المستجدة، وردع الممارسات التي تهدف إلى إطالة أمد التقاضي.
5. أهداف الدراسة:
يهدف هذا البحث إلى تحقيق ما يلي:
- تحديد وبيان دور القاضي المدني وسلطاته في مختلف مراحل التعامل مع الدليل الكتابي.
- تحليل الضوابط والقيود الواردة على سلطة القاضي التقديرية في هذا الشأن.
- المقارنة بين موقف المشرع اليمني والمصري وبعض التشريعات العربية الأخرى فيما يتعلق بصلاحيات القاضي.
- تقييم فعالية الوسائل المتاحة للقاضي في التحقق من صحة المحررات وكشف التزوير.
- الخروج بتوصيات عملية وتشريعية لتعزيز دور القاضي وتحقيق العدالة الناجزة.
6. حدود الدراسة:
* الحدود الموضوعية: يقتصر البحث على دراسة “دور القاضي المدني في التعامل مع الأدلة الكتابية” في نطاق قانون الإثبات، مع التركيز على مسائل الرقابة، والتحقق من الصحة، ومواجهة الطعن بالتزوير.
* الحدود المكانية: يركز البحث بشكل أساسي على قانون الإثبات اليمني والقانون المصري، مع الإشارة المقارنة إلى بعض القوانين العربية الأخرى (الكويتي، الإماراتي، السعودي، الجزائري) لإثراء التحليل.
* الحدود الزمانية: يستند البحث إلى التشريعات السارية حتى تاريخ إعداده (2025).
7. منهج الدراسة:
لتحقيق أهداف البحث، سيتم الاعتماد على المنهج التحليلي المقارن:
* المنهج التحليلي: من خلال تحليل النصوص القانونية ذات الصلة في قانون الإثبات اليمني والمصري، وتفسيرها في ضوء آراء شراح القانون وأحكام القضاء العالي.
* المنهج المقارن: من خلال عقد مقارنات بين التشريعات محل الدراسة وغيرها من التشريعات العربية، بهدف إبراز أوجه التشابه والاختلاف وتقييم الحلول التشريعية المختلفة.
8. خطة البحث:
يقسم هذا البحث، بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة، إلى ثلاثة مباحث رئيسية:
* المبحث الأول: دور القاضي في التعامل مع المستندات والأوراق.
* المطلب الأول: رقابة القاضي على تبادل الاطلاع على المستندات.
* المطلب الثاني: سلطة القاضي في إلزام الخصم أو الغير بتقديم محرر تحت يده.
* المطلب الثالث: ضوابط تقدير القاضي للأدلة الكتابية.
* المبحث الثاني: وسائل القاضي في التحقق من صحة المحررات.
* المطلب الأول: وسائل الاعتراض على المستندات الكتابية (الإنكار والطعن بالتزوير).
* المطلب الثاني: الوسائل الفنية للتحقق من صحة المحررات (تحقيق الخطوط والخبرة).
* المطلب الثالث: سلطة القاضي وحدودها في التحقيق وتقدير صحة المحررات.
* المبحث الثالث: دعوى التزوير وسلطة القاضي إزائها.
* المطلب الأول: سلطة القاضي في مواجهة الادعاء بالتزوير.
* المطلب الثاني: تقدير القاضي لأدلة وشواهد التزوير وردع الادعاءات الكيدية.
المبحث الأول:
دور القاضي في التعامل مع المستندات والأوراق
يحكم عمل القاضي في هذا المجال مبدأ المواجهة، وهو من ركائز حق الدفاع[1]. ويتجلى دوره في:
- مراقبة تبادل الاطلاع على المستندات بين الخصوم.
- إلزام الخصم أو الغير بتقديم محرر تحت يده.
- إلزام شخص بعرض ما يحوزه من أشياء متصلة بموضوع النزاع.
المطلب الأول:
رقابة القاضي على تبادل الاطلاع على المستندات
أ. التلقائية: يجب أن يتم الاطلاع دون إلزام مسبق[2].
ب. الشمول: الاطلاع على كامل المستند وليس ملخصه.
ج. التوقيت المناسب: قبل قفل باب المرافعة وفي وقت يسمح بدراسة المستند وإعداد الدفاع.
يتم عادة بتبادل صور المستندات، مع جواز الاطلاع على الأصول عند الطلب، ويمكن أن يتم لدى قلم كتاب المحكمة[3].
- رقابة وقائية: التأكد من حصول الاطلاع كفالة لحق المواجهة وحق الدفاع[4]، ويمكن أن يأمر به من تلقاء نفسه[5].
- رقابة لاحقة: استبعاد أي مستند لم يتح للخصوم الاطلاع عليه ومناقشته[6].
إذا استند الحكم إلى مستند لم يُتح للخصم الاطلاع عليه، كان الحكم باطلاً لانتهاك حق الدفاع[7].
رأي الباحث: توسيع صلاحيات القاضي في إلزام الخصوم بتبادل الاطلاع يحقق العدالة ويمنع عنصر المفاجأة، مع ضرورة التزامه بالتسبيب إذا استبعد المستند.
سلطة القاضي في إلزام الخصم أو الغير بتقديم محرر تحت يده
الأصل أن الغير لا يُلزم بتقديم مستندات أو أشياء متصلة بالنزاع، احترامًا لحق الملكية والخصوصية، إلا أن القانون أجاز هذا الإلزام في حالات استثنائية متى اقتضت مصلحة العدالة ذلك[8]. لذلك سنستعرض شروط الطلب وسلطة القاضي من خلال الفروع الآتية:
الفرع الأول:
شروط الطلب والمستند المطلوب تقديمه
وقد أجازت التشريعات – ومنها المادتان 112ــ 113 من قانون الإثبات اليمني والمادة 21 من قانون الإثبات المصري – للقاضي أن يأمر الغير بتقديم محرر أو شيء يكون تحت يده بعد التأكد من أن الطلب قد استوفى شرطه وبعد التأكد من شرط معينة خاصة بالمستند لذلك أرى أن أتناول الأمرين بدءا بشروط الطلب ثم شروط المستند بخلاف ترتيب نصوص قانون الإثبات اليمني كون الطلب هو وسيلة الحصول على المستند فيلزم تناوله أولا ومن ثم شروط المستند المطلوب إحضاره وذلك كالتالي:
أولا : شروط الطلب والإلزام[9].
- تحديد المستند أو الشيء تحديدًا دقيقًا
- بيان الواقعة المطلوب إثباتها
- تقديم الدلائل على وجوده تحت يد الغير
ثانيا: شروط المستند المطلوب إحضاره [10]:
نص القانونان اليمني والمصري على عدة شروط يمكن إيجازها في الآتي:
- أن يكون للمستند أو الشيء علاقة مباشرة بموضوع النزاع [11].
لأنه يشترط أن يكون المستند منتج في الدعوى
- أن يكون الغير حائزًا له بصفته وكيلاً عن أحد الخصوم أو شريكًا له في الحق.
- ألا يترتب على تقديمه إفشاء سر مهني أو مساس بالنظام العام.
ونجد أن للقاضي المدني سلطة تقديرية واسعة في هذا الشأن؛ فإذا كان المستند أو الشيء غير منتج في النزاع، أو يمكن إثبات الواقعة بأدلة أخرى، جاز للقاضي رفض الطلب.
أما إذا كان الطلب مستوفيًا الشروط وكان المستند حاسمًا في النزاع، التزم القاضي بإلزام الغير بتقديمه.
ويمكن نعرض لأهم الضوابط والضمانات في هذا الشأن والمتمثلة في:
عدم جواز فرض شروط غير منصوص عليها قانونًا.
التعويض عن أي ضرر مادي يصيبه نتيجة الإلزام ,وكذا حماية السرية: فلا يجوز إلزام الغير بتقديم مستند إذا كان من شأنه إفشاء سر مهني مثل سر المراسلات بين المحامي وموكله.
ويقع على عاتق القاضي واجب التسبيب عند رفض الطلب، وإلا كان الحكم قاصرًا؛ حيث تؤكد الأحكام الصادرة عن المحكمة العليا اليمنية والنقض المصرية أن الحكم الصادر برفض طلب إلزام الغير بتقديم مستند دون بيان أسباب الرفض يعد قاصرًا في التسبيب ويستوجب النقض.
رأي الباحث: أرى أن النصوص الحالية تمنح القاضي صلاحيات محدودة في إلزام الغير، إذ تشترط طلب الخصم، في حين أن العدالة تقتضي أن يكون للقاضي سلطة المبادرة من تلقاء نفسه بإلزام الغير متى كان المستند أو الشيء ضروريًا للفصل في النزاع، مع مراعاة الضمانات المقررة لحماية الحقوق الفردية والسرية.
المطلب الثالث:
يمارس القاضي سلطته التقديرية في تقييم الأدلة الكتابية ضمن ضوابط تمنع التعسف، وأهمها:
- مراعاة القواعد العامة للإثبات، وفي مقدمتها قاعدة البينة على من ادعى.
- عدم استبعاد الدليل الكتابي المنتج في الدعوى إلا لسبب مشروع.
- وجوب بيان أسباب استبعاد أي دليل كتابي، وإلا كان الحكم معيبًا بالقصور في التسبيب.
وقد أوضح سليمان مرقس أن سلطة القاضي في الترجيح بين الأدلة مشروطة ببيان أسباب هذا الترجيح، وإلا عُد الحكم باطلاً[12]
كما أن المحكمة العليا لا تتدخل في تقدير الأدلة الكتابية العرفية متى كان الحكم مسببًا وخاليًا من عيوب التقدير[13].
لكن إذا أخطأ القاضي في تطبيق قاعدة قانونية، كإنكار حجية المحرر الرسمي دون طعن بالتزوير، جاز الطعن لخرق القانون[14].
رأي الباحث:
أؤيد منح القاضي سلطة واسعة في التثبت من الأدلة الكتابية والأخذ بها أو إطراحها، لكن مع التزامه بضوابط التقدير ووجوب التسبيب، حتى تمارس المحكمة العليا رقابتها الفاعلة على سلامة التطبيق.
وسائل القاضي في التحقق من صحة المحررات
إلى جانب سلطته التقديرية الواسعة في فحص ظاهر المحررات، منح المشرّع اليمني القاضي جملة من الوسائل القانونية والفنية للتحقق من صحة المحررات ومطابقتها للواقع، خاصة في حال إنكارها أو الادعاء بتزويرها. وهنا يمكن أن نشير إلى الدفوع التي يدفع بها الخصم والاعتراضات على المستند المقدم لذا سنشير إلى تلك العوارض في مطلب أول ثم نستعرض وسائل القاضي للتأكد من صحة المستند في ظل تحقيق دفوع الخصم, من خلال المطالب الآتية:
المطلب الأول:
وسائل الاعتراض على المستندات الكتابية
وتتمثل أبرز هذه الوسائل في: الإنكار، الطعن بالتزوير وسنعرضها من خلال الفرعين الآتيين:
الإنكار
الإنكار: هو دفع[15] يثيره الخصم المنسوب إليه السند العرفي، يتضمن عدم صحة التوقيع أو عدم صدوره عنه، سواء مباشرة أو بصفته وارثاً أو خلفاً. ويُعد الإنكار طريقاً لإسقاط حجية السند العرفي مؤقتاً، إذ يلزم المتمسك بالسند بإثبات صحته.
وقد نصت المادة (122) من قانون الإثبات اليمني على إنه: «إذا أنكر الخصم صدور السند منه وأنكر توقيعه عليه أو أنكر ذلك وارثه أو خلفه على الوجه المبين في المادة (104) كان للخصم المتمسك بالسند أن يثبت صدوره من خصمه بالبينة القانونية، و لكن من احتج علية بمحرر عرفي و ناقش محتواه فلا يقبل منه انكار الخط او التوقيع او بصمة الإصبع.[16]ويجوز إثبات صدور السند من الخصم عن طريق تحقيق الخطوط بواسطة خبير فني (عدل) أو أكثر».
ويترتب على ثبوت صحة السند إلزام المنكر بغرامة قدرها (500) ريال وتعويض مناسب إن طلب (مادة 123)، أما إذا ثبت عدم صدوره، فتحال المسألة إلى الجهات المختصة للتحقيق في التزوير (مادة 124).
ويرى بعض الفقه: [17]أن مجرد الإنكار لا ينزع عن السند قيمته إلا في حدود التوقيع المنكور، ما لم تؤدِّ نتيجة التحقيق إلى خلاف ذلك.
الطعن بالتزوير طريق استثنائي يتضمن اتهاماً صريحاً بتزوير السند أو جزء منه، ويترتب عليه وقف الفصل في موضوع الدعوى حتى يُحسم النزاع حول التزوير[18].
وقد عالج المشرع اليمني هذا الإجراء في المواد (125–127)، حيث أوجب على مدّعي التزوير إثباته بالطرق المقررة في المادة (122)، ورتّب على ثبوته رفض السند ومعاقبة المزور أو شريكه، مع التعويض المناسب، بينما يفرض غرامة (1000) ريال وتعويضاً على مدّعي التزوير إذا ثبتت صحة المحرر.
ويتميّز القانون اليمني هنا بعدم اشتراط دعوى تزوير أصلية، بل يدمج التحقيق في ذات الدعوى، ضماناً للسرعة الإجرائية.
الوسائل الفنية للتحقق من صحة المحررات
منح المشرع اليمني القاضي صلاحية اللجوء إلى وسائل فنية موضوعية، أبرزها تحقيق الخطوط والاستعانة بالخبراء العدول، لما توفره من دقة فنية تدعم الثقة القضائية؛ لذلك سنتناول ذلك من خلال الفروع الآتية:
الفرع الأول:
تحقيق الخطوط
تحقيق الخطوط إجراء فني يتحقق فيه خبير عدلي من صحة التوقيع أو الكتابة محل النزاع، عبر المقارنة مع نماذج خطية ثابتة. وقد أجازته المادة (122) من قانون الإثبات[19]، سواء بطلب الخصوم أو بمبادرة المحكمة؛ حيث نصت بقولها: إذا أنكر الخصم صدور السند منه وأنكر توقيعه عليه وأنكر ذلك وارثه أو خلفه كان للخصم المتمسك بالسند أن يثبت صدوره من خصمه بالبينة القانونية, ويجوز إثبات صدور السند من الخصم عن طريق تحقيق الخطوط بواسطة خبير فني ـ عدل ــ أو أكثر .
ويشترط لقبوله جدية الإنكار أو الادعاء بالتزوير، وأن يسبق الحكم في الدعوى، ولا يلجأ إليه إذا ثبت السند بوسائل أخرى.
منحت معظم التشريعات المقارنة (اليمني، المصري، الكويتي، الفرنسي) القاضي سلطة إجراء المضاهاة بنفسه دون إلزام بالاستعانة بخبير.
فنجد أن قانون الإثبات المصري رقم 25 لسنة1986م نظم المضاهاة بالتفصيل، مع بيان سلطة القاضي في الجمع بين المضاهاة وسماع الشهود[20] في المواد (30–44) م
وكذلك قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري أجاز المواد (165–166) من تجيز الجمع بين المضاهاة وسماع الشهود[21].
يهدف هذا التوجه إلى تسريع الإجراءات وتخفيف الأعباء المالية على المتقاضين، وتأكيد مكانة القاضي باعتباره “الخبير الأعلى”.
تحليل ونقد :
الإيجابيات: هذه السلطة تمنح القاضي مرونة كبيرة، خاصة في الحالات الواضحة التي لا يتطلب فيها الإنكار خبرة فنية معقدة. كما أنها تمنع الخصوم من استخدام طلب الخبرة كوسيلة للمماطلة وتأخير الفصل في الدعوى.
السلبيات والمخاطر: تكمن الخطورة في أن المضاهاة علم فني دقيق له أصوله وقواعده التي قد لا يلم بها القاضي غير المتخصص. الاعتماد على الانطباع الشخصي للقاضي قد يؤدي إلى أخطاء قضائية فادحة، خاصة مع تطور أساليب التزييف والتزوير. لذلك، فإن هذه السلطة يجب أن تُمارس بحذر شديد، وأن يميل القاضي إلى ندب خبير عند وجود أي شك جدي.
ونجد إن القانون الإماراتي: يتخذ موقفًا أكثر حذرًا، حيث تنص المادة (15) من قانون الإثبات على أنه “إذا أنكر من يشهد عليه المحرر خطه… أمرت المحكمة بالتحقيق بالمضاهاة”. ورغم أن النص لا يمنع القاضي صراحةً من إجرائها بنفسه، إلا أن الممارسة القضائية المستقرة تتجه نحو ندب خبير فني، إدراكًا للطبيعة الفنية للإجراء.
كما إن نظام الإثبات السعودي (المادة 51) يميل بوضوح نحو الاستعانة بالخبرة الفنية، حيث يوجب على المحكمة أن تقرر إجراء المضاهاة “بواسطة خبير أو أكثر”، مما يقلص من سلطة القاضي في إجرائها بنفسه ويحيط الإجراء بضمانات فنية أكبر.
و بذلك يخلص الباحث إلى القول يُعد الموقف السعودي والإماراتي أكثر توفيقًا في تحقيق التوازن، فهو يقر بالطبيعة الفنية للمضاهاة ويجعل من الخبرة هي الأصل، مما يقلل من احتمالات الخطأ القضائي.
أما السلطة الواسعة الممنوحة للقاضي في القانون اليمني والمصري، فتظل سيفًا ذا حدين، فعاليتها مرهونة بمدى حكمة القاضي وحذره؛ قد يكون كشف التزوير والتحقق من صحة المستند في بعض الحالات من المسائل التي يدق فهمها ,فيلجأ القاضي إلى الخبرة الخطية كوسيلة فنية أساسية عند تعذر الإثبات التقليدي أو التحقق الظاهري وتمر هذ المرحلة بعدة خطوات وهي:
- تعيين الخبير المختص.
- عرض السند محل النزاع ونماذج المقارنة.
- تقديم تقرير فني مسبب بنتيجة الفحص.
وتقرير الخبير عنصر إثبات استشاري لا يُلزم القاضي، الذي يبقى الخبير الأعلى في الدعوى، وله سلطة إطراح التقرير لأسباب موضوعية مسببّة، عملاً بمبدأ الاقتناع القضائي الحر[22].
ووفق المادة (126)، إذا ثبت التزوير، رفض السند وعوقب الفاعل، وإذا ثبتت الصحة، أخذ القاضي بالمحرر وفرض الغرامة على مدّعي التزوير (مادة 127).
المطلب الثالث
سلطة القاضي في التحقق من صحة المحررات
الفرع الأول:
سلطة القاضي في التحقيق
يملك القاضي سلطة واسعة في فحص المحررات، من حيث الشكل والمضمون، واستبعاد المشوب منها بعيوب مادية (كالمحو والتحشير) أو معنوية (كسوء النية)، عملاً بالمادة (122) من القانون اليمني والمادة (28) من القانون المصري.
وللقاضي أن يأمر بإجراءات المضاهاة أو الخبرة متى رأى الحاجة، وأن يختار خبراء مفردين أو جماعيين، مع سلطة إحالة الأمر لخبير آخر عند التناقض، وفقاً للمادة (122) من القانون اليمني والمادة (30) من القانون المصري.
وبعد التحقيق، يقرر القاضي صحة المحرر أو بطلانه، مع توقيع الجزاءات المنصوص عليها في المادتين (126–127) من القانون اليمني، والمادة (43) من القانون المصري.
رأي الباحث
يرى الباحث أن توسيع سلطات القاضي في مجال التحقق من صحة المحررات أمرٌ جوهري لتحقيق العدالة، للأسباب التالية:
- الحد من المنازعات الكيدية: سلطة القاضي في رفض المحررات المشوبة أو المطعون فيها دون إثقال الإجراءات تردع الاستعمال السيئ لحق الدفاع.
- تعزيز الثقة بالأحكام: الفحص الفني الدقيق والمعلل يحصّن الحكم من الطعون.
- المرونة الإجرائية: الدمج بين التحقيق في صحة المحررات والدعوى الأصلية – كما في القانون اليمني – يسرّع الفصل في النزاع.
ويؤيد الباحث منح القاضي صلاحية المبادرة بإجراءات التحقيق حتى دون طلب الخصوم، متى بدا له من ظروف الدعوى وجود شبهة تزوير أو عبث بالمحرر، مع التزامه دوماً بضوابط التقدير والتسبيب التي تفرضها رقابة محكمة الاستئناف والنقض.
الفرع الثاني:
حدود سلطة القاضي في تقدير صحة المحررات ودوره في كشف التزوير
تنطلق الرؤية البحثية من إيمان واسع بدور القاضي في معالجة دعاوى التزوير، ليس فقط كحكم محايد، بل كسلطة تحقيقية فاعلة، قادرة على توجيه إجراءات التحقق والكشف عن التزوير، في ضوء الضمانات التي قررها القانون. كما تبرز الدراسة التحديات المعاصرة، خاصة مع انتشار المحررات الإلكترونية ووسائل التلاعب الرقمية، مما يفرض على القضاء أدوات فنية وتشريعية محدثة. لذلك سنتناول دراسة هذا الفرع من خلال البنود الآتية:
أولاً : السلطة التقديرية المقيدة في قبول المحررات الكتابية
إن مبدأ حرية القاضي في تكوين قناعته لا يعني انفلات سلطته من القيود، بل يخضع لضوابط تشريعية وإجرائية تحدد نطاق قبول الأدلة وشروطها. ففي حالة إنكار الخصم صدور السند، نصت المادة (122) من قانون الإثبات اليمني على أنه:
“إذا أنكر الخصم صدور السند منه… كان للخصم المتمسك بالسند أن يثبت صدوره من خصمه بالبينة القانونية…”[23]
ويقابل هذا في المادة (14) من قانون الإثبات المصري التي جعلت عبء نفي نسبة المحرر العرفي على عاتق من ينكر توقيعه، محدودةً بذلك سلطة القاضي في تجاوزه بغير تحقيق شكلي.
وقد أكدت د. سحر عبد الستار أن هذه السلطة “ليست مطلقة وإنما موجهة بضوابط قانونية وأصول موضوعية وإجرائية، توجب عدم الركون إلى الظن أو الاستنتاج غير المؤيد بدليل مكتمل.
ثانياً : الدور التحقيقي للقاضي في إجراءات كشف التزوير
يبرز دور القاضي كسلطة تحقيقية قائمة بذاتها عند الطعن بالتزوير، حيث ألزمت المادة (125) من قانون الإثبات اليمني المحكمة بتكليف مدعي التزوير بإثباته وفق الإجراءات الواردة في المادة (122)، بما يشمل الخبرة والمضاهاة.
وفي التشريع المصري، خوّلت المادة (49) القاضي إحالة الطعن للتحقيق من تلقاء نفسه إذا رأى جديته. ويؤيد السنهوري هذا الاتجاه بقوله إن القاضي ليس فاحصًا سلبيًا للأدلة، بل عليه أن يتحرى الصدق فيها متى قامت مؤشرات التزوير.
كما شددت د. سحر عبد الستار على أن للقاضي أن يتدخل في توجيه التحقيقات من تلقاء نفسه حفاظًا على النظام العام ومنع إدخال محررات غير صحيحة في نظام الإثبات [24].
ثالثاً: حدود التدخل القضائي في إثبات أو نفي التزوير
رغم هذه الصلاحيات، حصر المشرع اليمني سلطة القاضي في النطاق الفني دون توقيع العقوبة، حيث نصت المادة (126) على أن المحكمة، بعد ثبوت التزوير، ترفض السند وتحيل الجريمة للنيابة العامة. ويأخذ القانون المصري والمغربي بهذا المبدأ، التزامًا بالفصل بين القضاء المدني والجنائي[25].
المبحث الثالث
دعوى التزوير بين الدفع الفرعي والدعوى الأصلية وسلطة القاضي إزائها
يعالج قانون الإثبات اليمني (122–128) التزوير غالبًا كدفع، يوقف نظر الدعوى حتى الفصل فيه، بينما في الدعوى الأصلية يُبادر المتضرر لطلب بطلان المحرر. وقد فرّق السنهوري بينهما بأن الدفع وسيلة دفاع، والدعوى وسيلة هجوم تؤدي إلى زوال الحجية مطلقًا¹.
يلتزم القاضي بالفصل في الدفع قبل الموضوع، وله أن يندب الخبراء ويوجه نطاق التحقيق (م122)، مع سلطة تقدير مدى جدية الطعن، ورفض ما يراه كيديًا.
ويحكم القاضي المدني بالبطلان فقط، ويُحيل التزوير الجنائي للنيابة (م126)، مع سلطة تقدير جدية الدعوى ورفض ما لا يقوم على أسباب معقولة (م49 إثبات مصري).
كما أعطت المادة (127) للمحكمة سلطة الحكم بالتغريم والتعويض على من يثبت كذبه في دعوى التزوير، وهو ما يحقق مبدأ حسن النية في الخصومة.
المطلب الأول:
سلطة القاضي في مواجهة الادعاء بالتزوير
يُعد الادعاء بالتزوير أخطر صور الطعن على المحررات، لما له من آثار جنائية محتملة.
وقد منحت قوانين (اليمن، مصر، الكويت) القاضي سلطة استثنائية تتمثل في إمكانية الحكم برد وبطلان أي محرر يظهر له تزويره بشكل واضح وجلي، حتى دون طعن من الخصوم
الفرع الأول:
مبررات السلطة
هذه السلطة هي تجسيد للدور الإيجابي للقاضي في حماية النظام العام الإجرائي وتطهير ساحة القضاء من الأدلة الباطلة. فليس من المقبول أن يرى القاضي تزويرًا واضحًا ويظل سلبيًا في انتظار طعن قد لا يقدمه الخصم لجهله أو تواطئه.
مخاطر التطبيق: تكمن المشكلة في تحديد معيار “الوضوح الجلي”. ما قد يبدو واضحًا لقاضٍ قد لا يكون كذلك لآخر. التوسع في استخدام هذه السلطة قد يمس بحق الدفاع وقد يحول القاضي إلى خصم وحكم في آن واحد. لذلك، يجب أن يقتصر تطبيقها على حالات العيوب المادية الصارخة (كشط، محو، إضافة واضحة) التي لا تحتاج إلى خبرة فنية لإدراكها.
نجد إن القانون الإماراتي: المادة (23) من قانون الإثبات يمنح المحكمة هذه السلطة صراحةً، حيث تنص على أنه “يجوز للمحكمة أن تحكم برد أي محرر وبطلانه إذا ظهر لها بجلاء من حالته أو من ظروف الدعوى أنه مزور”.
بينما لم يمنح نظام الإثبات السعودي القاضي هذه السلطة الصريحة. الأصل في النظام السعودي هو أن الطعن بالتزوير حق للخصوم، ولا تملك المحكمة إثارته من تلقاء نفسها، وهو توجه يميل إلى تقييد سلطة القاضي لصالح ضمان حياده الكامل.
رأي الباحث إن منح القاضي سلطة استبعاد المحرر المزور بشكل واضح هو توجه محمود يحقق العدالة الناجزة، شريطة أن يكون قرار القاضي مسببًا تسبيبًا كافيًا يوضح مظاهر التزوير الجلية، وأن يظل هذا الإجراء استثناءً لا أصلاً.
الفرع الثاني:
تقدير القاضي لأدلة وشواهد التزوير
تتمتع المحكمة بسلطة تقديرية واسعة في وزن أدلة التزوير، ولكن هذه السلطة ليست مطلقة.
فنجد كثيرًا ما يطعن الخصوم بالتزوير في محررات غير مؤثرة في نتيجة النزاع، بهدف المماطلة. وهنا يبرز دور القاضي في فحص “إنتاجية” المحرر المطعون فيه. فإذا كان الحكم في الدعوى لا يتوقف على هذا المحرر، وجب على القاضي أن يقضي بعدم قبول الادعاء بالتزوير دون الخوض في تحقيقه، توفيرًا للوقت والجهد. هذا المبدأ، المستقر في القضاء المصري والكويتي، يجب أن يكون قاعدة أساسية في جميع النظم القضائية.
حيث نرى فرض غرامة على مدعي التزوير الذي يخسر دعواه (كما في القانون اليمني والمصري والكويتي) هو أداة تشريعية هامة لردع الادعاءات الكيدية. ولكن نقدنا يوجه إلى القيمة المالية لهذه الغرامات، ففي القانون اليمني قيمة (500 ريال) قيمتها رمزية جدًا بسبب تدهور العملة، مما أفقد النص قيمته الردعية.
لذا نقترح تعديل هذه النصوص لجعل الغرامة نسبة مئوية من قيمة الحق المتنازع عليه، أو ربطها بحد أدنى وأقصى مرتفع يتم تحديثه دوريًا بما يحقق الردع.
كما نرى إيقاع عقوبة الغرامة وتقرير التعويض في حالة تم التنازل عن المستمد محل دعوى التزوير إذا كان المتنازل قد أرهق الخصم والمحكمة أو كان متعسفا المتنازل إذا تبيّن أنه عطّل إجراءات التقاضي، مع التعويض للخصم المتضرر إن لم يُثبت دعواه بوسائل أخرى. رغم أن القانون اليمني[26] أجاز للمتمسك بالسند التنازل عنه إذا أنكره خصمه أو ادعى تزويره، ويترتب على ذلك استبعاده من ملف الدعوى وعدم متابعة إجراءات التحقيق فيه.
خاتمة البحث
في ختام هذه الدراسة، التي تناولت بالتحليل والبحث الدور المحوري للقاضي المدني في التعامل مع الأدلة الكتابية، يمكن استخلاص مجموعة من النتائج والتوصيات الهامة.
أولاً: النتائج
1. الدور الإيجابي للقاضي: أثبت البحث أن دور القاضي المدني لم يعد سلبياً يقتصر على تلقي الأدلة، بل أصبح له دور إيجابي وفعال في إدارة الدليل الكتابي، بدءاً من الأمر بتقديمه ووصولاً إلى التحقق من صحته.
2. السلطة التقديرية المقيدة: سلطة القاضي في تقدير الأدلة الكتابية واللجوء إلى إجراءات التحقيق بشأنها هي سلطة تقديرية واسعة، ولكنها ليست مطلقة، فهي مقيدة بضوابط قانونية أهمها ضرورة التسبيب المنطقي والسليم الذي يخضع لرقابة المحكمة الأعلى.
3. أهمية الخبرة الفنية: على الرغم من أن القانون يمنح القاضي سلطة إجراء المضاهاة بنفسه، إلا أن البحث أظهر أن الطبيعة الفنية الدقيقة لهذا الإجراء تجعل من اللجوء إلى خبير فني متخصص أمراً ضرورياً في معظم الحالات لضمان الوصول إلى الحقيقة وتجنب الأخطاء القضائية.
4. قصور الغرامات: تبين أن الغرامات المقررة في بعض التشريعات، كالقانون اليمني، على من يخسر دعوى التزوير أو يُلزم بتقديم مستند ويمتنع، أصبحت رمزية ولا تحقق الردع المطلوب بسبب تدهور قيمتها، مما يفتح الباب أمام الادعاءات الكيدية.
5. فعالية الإجراءات المدمجة: أظهرت الدراسة أن نهج المشرع اليمني في دمج التحقيق في الادعاء بالتزوير ضمن الدعوى الأصلية، دون اشتراط رفع دعوى مستقلة، يمثل آلية فعالة لتسريع الإجراءات وتجنب إطالة أمد النزاع.
ثانياً: التوصيات
بناءً على النتائج المستخلصة، يوصي الباحث بما يلي:
1. تعديل تشريعي للغرامات: دعوة المشرعين، خاصة في اليمن، إلى إعادة النظر في قيمة الغرامات المنصوص عليها في قانون الإثبات (مثل المواد 123 و 127)، وربطها بنسبة مئوية من قيمة الحق المتنازع عليه أو تحديد حد أدنى وأقصى مرتفع وقابل للتحديث، لضمان تحقيق الردع الفعلي ضد الادعاءات الكيدية والمماطلة.
2. تعزيز سلطة القاضي في المبادرة: النص صراحةً على منح القاضي سلطة الأمر من تلقاء نفسه بإجراءات التحقيق، بما في ذلك ندب خبير، متى قامت لديه شكوك جدية حول صحة محرر مؤثر في الدعوى، حتى ولو لم يطلب الخصوم ذلك، لتعزيز دوره في حماية النظام العام.
3. التدريب القضائي المتخصص: عقد دورات تدريبية متخصصة للقضاة في مجال كشف التزوير وأساليبه الحديثة، بالتعاون مع خبراء الأدلة الجنائية، لرفع قدراتهم على تمييز حالات التزوير الواضحة التي لا تتطلب بالضرورة اللجوء الفوري للخبرة.
4. تفعيل التعويض عن الضرر: تشجيع المحاكم على الحكم بالتعويض المناسب للخصم المتضرر من الادعاء الكيدي بالتزوير، وعدم الاكتفاء بالغرامة التي تؤول إلى خزينة الدولة، ليكون ذلك رادعاً إضافياً.
5. تطوير القواعد لمواكبة التكنولوجيا: ضرورة اهتمام المشرعين بوضع قواعد إجرائية واضحة للتعامل مع المحررات الإلكترونية والطعون الموجهة إليها، وتحديد آليات التحقق من صحتها بما يتناسب مع طبيعتها الرقمية.
قائمة المراجع
أولاً: الأحكام القضائية
- حكم محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 1107 لسنة 46 قضائية، جلسة 29/12/1980م، صـ 266.
ثانياً: الكتب والمراجع الفقهية
- أبو الليل، عبد العزيز. حق الدفاع وضماناته في الدعوى المدنية، دار النهضة العربية، القاهرة، صـ 158.
- الخياري، عبد الله علي. سلطة القاضي المدني في تقدير الأدلة الكتابية، مرجع سابق، صـ 23.
- الشامي، محمد حسين. الوجيز في شرح قانون الإثبات، مرجع سابق، صـ 213–215.
- الشميري، محمد يحيى. التحقيق في المحررات وأثره في الإثبات، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2018م، صـ 189.
- سمارة، علي أحمد علي. الإثبات في المواد المدنية والتجارية، دار النهضة العربية، القاهرة، ط. 2015م، صـ 212.
- مرقس، سليمان. الوافي في شرح قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية، دار الكتب القانونية، القاهرة، صـ 480–483.
- هاشم، عبد الرؤوف. شرح قانون الإثبات، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، صـ 265–268.
- إمام، سحر عبد الستار. دور القاضي في الإثبات، مرجع سابق، (لم يرد رقم الصفحة).
ثالثاً: التشريعات
- قانون الإثبات اليمني رقم (21) لسنة 1992م:
- المادة (112).
- المادة (113).
- المادة (122).
- المادة (126).
- المادة (128).
- قانون الإثبات المصري رقم (25) لسنة 1968م:
- المادة (21).
- قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري:
- المواد (165–166).
- القانون رقم (1) لسنة 2021م المعدل للقانون رقم (40) لسنة 2002م بشأن المرافعات والتنفيذ المدني اليمني:
- المادة (19).
- المادة (166).
رابعاً: النصوص القانونية الخاصة بإلزام الخصم بتقديم المحررات
- نص المادة (112) من قانون الإثبات اليمني والمقابلة للمادة (21) من قانون الإثبات المصري بشأن إلزام الخصم بتقديم المحررات.
- نص المادة (113) من قانون الإثبات اليمني بشأن شروط طلب إلزام الخصم بتقديم المحرر.
Margins:
-
حكم محكمة النقض المصرية , الطعن رقم 1107 لسنة 46 قضائية جلسة 29/12/1980 م ↑
-
المصدر نفسه ص 266. ↑
-
عبد العزيز أبو الليل, حق الدفاع و ضماناته في الدعوى المدنية دار النهضة العربية القاهرة ص158 . . ↑
-
نصت المادة 19 من القانون رقم 1 لسنة 2021م المعدل للقانون رقم 40 لسنة 2002م بشأن المرافعات والتنفيذ المدني اليمني بقولها: يجب على القاضي المحافظة على مبدأ المواجهة أثناء التقاضي ويضمن احترامه بين الخصوم وكذا المادة 166 من ذات القانون التي نصت بقولها: في الجلسة المحددة لنظر الدعوى تقبل المحكمة من الخصوم المستندات التي لم يسبق لهم تقديمها مرفقة بعريضة الدعوى والجواب عنها , وتملي ما فيها على خصومهم وإذا كانت الدعوى مستوفية شروط صحتها يسأل القاضي المدعى عليه الجواب عنها ويجيب على كل وقائعها إجابة خاصة بها مبينا ما ينكره وما يقربه من غير إبهام ,وتحدد المحكمة ما أقر به الخصم وما أنكره وتكلف المدعي بإثبات ما أنكره المدعى عليه وتسمع أدلته وشهوده . ↑
-
سليمان مرقس , مرجع سابق , ص482 . ↑
-
المصدر نفسه , ص 483 . ↑
-
عبدالرؤوف هاشم مرجع سابق ص268 . ↑
-
سليمان مرقس الوافي في شرح قانون الإثبات ,مرجع سابق ص481م ↑
-
مادة (113) : يجب أن يبين في هذا الطلب ما يأتي :-أوصاف المحرر الذي يعنيه, بـ فحوى المحرر بقدر ما يمكن من التفصيل.,ج ـ الواقعة التي يستدل به عليها., د ـالدلائل والظروف التي تؤيد انه تحت يد الخصم وجه إلزام الخصم بتقديمه . ↑
-
مادة (112) : يجوز للخصم في الحالات الآتية أن يطلب الزام خصمه بتقديم أي محرر منتج في الدعوى يكون تحت يده : أـ -إذا كان القانون يجيز مطالبته بتقديمه أو تسليمه. ,ب ـ إذا كان مشتركا بينه وبين خصمه ويعتبر المحرر مشتركا على الأخص إذا كان المحرر لمصلحة الخصمين او كان مثبتا لالتزاماتهما وحقوقهما المتبادلة. ج ـ إذا استند إليه خصمه في أي مرحلة من مراحل الدعوى . ↑
-
قانون الاثبات اليمن المادة 113 وبذات النص الاثبات المصري مادة 21 ↑
-
سليمان مرقس، الوافي في شرح قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية، دار الكتب القانونية، القاهرة،صـ 480. ↑
-
قانون الإثبات اليمني، المادة 113؛ قانون الإثبات المصري، المادة 21. ↑
-
عبدالرؤوف هاشم , شرح قانون الإثبات دار الجامعة الجديدة , الإسكندرية ص 265 . ↑
-
د. عبدالله علي الخياري, سلطة القاضي المدني في تقدير الأدلة الكتابية مرجع سابق ص 23 . ↑
-
استاذنا الدكتور محمد حسين الشامي, الوجيز في شرح قانون الاثبات مرجع سابق ص 214 . ↑
-
علي أحمد علي سمارة، الإثبات في المواد المدنية والتجارية دار النهضة القاهرة ط 2015، صـ 212) ↑
-
د. محمد حسين الشامي مرجع سابق ص 213↑
-
نصت المادة 122من قانون الإثبات اليمني رقم (21) لسنة 1992م, بقولها: إذا أنكر الخصم صدور السند منه وأنكر توقيعه عليه وأنكر ذلك وارثه أو خلفه كان للخصم المتمسك بالسند أن يثبت صدوره من خصمه بالبينة القانونية ,ويجوز إثبات صدور السند من الخصم عن طريق تحقيق الخطوط بواسطة خبير فني ـ عدل ــ أو أكثر .↑
-
قانون الإثبات المصري رقم (25) لسنة 1968م ↑
-
قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري المواد (165–166) ↑
-
محمد يحيى الشميري، التحقيق في المحررات وأثره في الإثبات، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2018م ص 189. ↑
-
د . محمد حسين الشامي الوجيز في شرح قانون الإثبات مرجع سابق ص 215 ↑
-
سحر عبدالستار إمام دور القاضي في الإثبات مرجع سابق ص ↑
-
نصت المادة 126 إثبات يمني بقولها: إذا ثبت بعد التحقيق تزوير السند رفضته المحكمة وحكمت على مرتكب التزوير إذا كان معروفا بالعقوبة المقررة وبتعويض مناسب للخصم إن طلب ذلك ويعتبر المتمسك بالسند مزورا له أو شريكا في تزويره مالم يثبت غير ذلك ويجوز للمحمة أن تحيل جريمة التزوير إلى الجهة المختصة لتحقيقها والحكم فيها . ↑
-
المادة (128 من قانون الإثبات اليمني ↑