الدين والدولة في فلسفة توماس

Religion and the State in the Philosophy of Thomas Hobbes

فؤاد لطيف تركي1

1 قسم الفيزياء، كلية التربية للعلوم الصرفة، جامعة واسط، العراق. بريد الكتروني: fturki@uowasit.edu.iq

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj610/40

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/610/40

المجلد (6) العدد (10). الصفحات: 650 - 659

تاريخ الاستقبال: 2025-09-07 | تاريخ القبول: 2025-09-15 | تاريخ النشر: 2025-10-01

Download PDF

المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى تحليل فلسفة توماس هوبز فيما يتعلق بالعلاقة بين الدين والدولة، وكيفية تبريره للحكم المطلق على أساس منفعة الأفراد. اعتمد البحث على ثلاثة مناهج رئيسية: المنهج التاريخي لرصد الظروف السياسية والاجتماعية التي عاشها هوبز وأثرت في اتجاهاته الفكرية، والمنهج الوصفي لتوضيح الظواهر السياسية والدينية التي تناولها، والمنهج التحليلي لفهم أهم الاستنتاجات المرتبطة بطبيعته الفلسفية والسياسية. بيّنت الدراسة أن هوبز رفض نظرية الحق الإلهي كأساس للحكم، مفضّلًا تأسيس شرعية السلطة على القانون الطبيعي والعقد الاجتماعي، حيث رأى أن الاستقرار والأمن لا يتحققان إلا بوجود سلطة مطلقة موحّدة تجمع بين السلطة الزمنية والدينية تحت يد الحاكم. كما أظهرت النتائج أن فلسفة هوبز مثّلت تحولًا جوهريًا في الفكر السياسي الكلاسيكي، إذ وضعت الفرد ومصالحه في صلب الفعل السياسي، وأبعدت الكنيسة عن دورها التقليدي في الشأن السياسي. وتؤكد هذه الرؤية أن الدولة الحديثة وفق تصور هوبز ليست كيانًا لاهوتيًا، بل مؤسسة بشرية عقلانية تهدف إلى حماية الأفراد وضمان السلم الأهلي عبر سيادة القانون.

الكلمات المفتاحية: توماس هوبز، الدين، الدولة، العقد الاجتماعي، الفلسفة السياسية.

Abstract: This study aims to analyze the philosophy of Thomas Hobbes regarding the relationship between religion and the state, and how he justified absolutism based on the benefit of individuals. The research employed three main approaches: the historical method to trace the political and social circumstances that shaped Hobbes’s intellectual orientations, the descriptive method to clarify the political and religious phenomena he discussed, and the analytical method to interpret the core ideas and conclusions of his philosophy. The study highlights Hobbes’s rejection of the divine right theory as a basis for governance, favoring instead the foundations of natural law and the social contract, through which stability and security could only be achieved under a unified and absolute authority that combines temporal and religious power in the hands of the sovereign. The results show that Hobbes’s philosophy marked a fundamental shift in classical political thought by placing the individual and his interests at the center of political action and excluding the church from its traditional political role. This vision underscores that the modern state, in Hobbes’s conception, is not a theological entity but a rational human institution aimed at protecting individuals and ensuring civil peace through the rule of law.

Keywords: Thomas Hobbes, religion, state, social contract, political philosophy.

  1. المقدمة

في العقود الأولى من القرن السابع عشر، شهدت أوروبا تحولًا تدريجيًا نحو تحرير الفلسفة السياسية من هيمنة اللاهوت وإضفاء طابع علماني على الفكر السياسي. ظهرت مجددًا فكرة “العصر الطبيعي”، التي ركزت على تأكيد حرية ومساواة الأفراد وإرجاع السلطة إلى الأصل الشعبي. هذا المفهوم انقسم إلى اتجاهين: الاتجاه المتفائل الذي يرى أن العصر الطبيعي كان زمنًا بسيطًا وفاضلاً، حيث عاش الإنسان في سعادة قبل أن تُقيد الدولة تلك السعادة. بينما الاتجاه المتشائم يرى أن “حياة الغاب” سادت المجتمع الطبيعي، وأن تأسيس الدولة أتى كحلٍ لإزالة تلك الفوضى عبر إرساء القوانين التي تنظم حياة الأفراد.

في ظل هذا السياق، برزت فكرة “العقد الاجتماعي” كتطور لفكرة العصر الطبيعي لتفسير نشأة الدولة والسلطة فيها. ومن هنا ظهر توماس هوبز، الذي لعب دورًا مركزيًا في صياغة هذه المفاهيم في سياق فلسفته السياسية.

بنظريته في العقد الاجتماعي، قدّم توماس هوبز إسهامًا جديدًا في الفكر السياسي والفلسفة السياسية. في كتابه الشهير *ليفياثان*، جسّد فلسفته حول الدولة التي تحمي الضعفاء من اعتداء الأقوياء وتحد من نفوذ المنظمات الوسيطة. ورغم أن هوبز قد يُظهر نفسه كمدافع عن الفردية والسلطة المطلقة، إلا أنه لم يستند في دفاعه عن الحكم المطلق إلى نظرية الحق الإلهي، التي اعتبرها غير قائمة على العقل والمنطق. بدلاً من ذلك، اعتمد على نظرية القانون الطبيعي والعقد الاجتماعي كأساس لهذا النظام.

  1. حياة توماس هوبز وتكوينه الفكري

توماس هوبز (1588-1679) كان فيلسوفًا إنجليزيًا شهيرًا وعاصر الثورة البرجوازية الإنجليزية التي غيرت مجرى تاريخ إنجلترا. رغم أن الثورة انتكست في فترة معينة، إلا أن النظام الإقطاعي لم يستعد قوته بشكل دائم، مما أدى إلى ترسيخ مواقع البرجوازية الصاعدة، التي عملت على تطوير أيديولوجية مناهضة للإقطاع. خلال تلك الفترة، سادت النزعة الدينية البروتستانتية كواجهة للنضال الثوري، وكان هناك تطور فكري كبير في المجتمع الإنجليزي (سلوم , 1989: 166).

في سياق هذه التحولات، برز هوبز كواحد من المفكرين الذين ناقشوا قضايا متعلقة بالدين، التسامح الديني، والقانون، معتمدين على تفسير نشأة المجتمع والدولة وفقًا لقوانين الطبيعة البشرية. هؤلاء المفكرون، ومن ضمنهم هوبز، تبنوا فهمًا ميكانيكيًا للطبيعة البشرية، حيث اعتبروا أن الإنسان هو نتاج لعوامل خارجية، وبالتالي حاولوا تطبيق هذا الفهم على الظواهر الاجتماعية أيضًا(سلوم ,1989 : 166).

ولد توماس هوبز في 5 أبريل 1588 في ويست بورت بالقرب من مدينة مالمسبري في مقاطعة ويلتشاير. كانت ولادته في ظل توتر سياسي وحربي بسبب محاولة الأسطول الإسباني غزو إنجلترا. هذا الخوف الذي عايشته والدته انعكس في مقولة هوبز الشهيرة “أنا والخوف توأمان”، حيث وُلد قبل أوانه في سبعة أشهر. والده كان قسيسًا لكن لم يكن ذا سمعة حسنة، وتوفي في ظروف غامضة تاركًا أبناءه الثلاثة في رعاية عمه فرانس هوبز، الذي كان يتمتع بالثراء والحكمة (عبد الجبار ,2007, 23).

حصل هوبز على تعليم متميز منذ طفولته، حيث التحق بمدرسة كنيسة ويست بورت في سن الرابعة، وبدأ بتعلم اللغتين الإغريقية واللاتينية في سن مبكرة. عندما بلغ الخامسة عشرة، أرسله عمه إلى كلية ماجدلين في جامعة أكسفورد، حيث بدأت مسيرته الأكاديمية والفكرية (ابراهيم ,1994: 87).

أكمل توماس هوبز دراسته في كلية *Magdalen Hall* في أكسفورد في فبراير 1608. كانت الجامعة في ذلك الوقت تعاني من تداخل اتجاهات ونزاعات متضاربة. فمن ناحية، كانت التقاليد البيوريتانية المتزمتة ذات تأثير قوي، ومن ناحية أخرى، كانت سلوكيات مثل السكر، العربدة، والقمار منتشرة. من الناحية الفكرية، كان الفكر الأرسطي مسيطرًا، وتراجعت جودة التعليم بشكل ملحوظ. لم يظهر هوبز اهتمامًا كبيرًا بالفلسفة التي كانت تُدرس في الجامعة، بل شعر برعب من النقاشات المتواصلة حول سلطة الملك، وحقوق الفرد، وتفسير التوراة، لأنها بدت له مهددة للنظام الاجتماعي، مما قد يؤدي إلى الحرب الأهلية. (بديوي , 2006, 554)

بعد تخرجه، تم تعيين هوبز كمعلم خاص لوليام كافندش، الذي أصبح لاحقًا إيرل نيوكاسل، وهي علاقة استمرت طوال حياته. رافق هوبز تلميذه في رحلات إلى أوروبا، مما أتاح له فرصة كبيرة للاطلاع على الدراسات الكلاسيكية والانفتاح على نخبة من رجال الفكر والسياسة والأدب. تميزت هذه الرحلات بزياراته إلى دول مثل فرنسا، سويسرا، إيطاليا، وألمانيا، مما أثر بشكل كبير على تطوره الفكري. كذلك، توافرت له مكتبة كبيرة تابعة لعائلة كافندش، حيث استفاد منها لتعميق معرفته (عبد الحميد , 1991 ,24-25).

من خلال رحلاته الأوروبية، أدرك هوبز أن التعليم التقليدي الذي يعتمد على الفكر الأرسطي لم يعد فعالًا، وتزايد اقتناعه بعد التعرف على العلماء مثل كبلر، غاليليو، وفرانسيس بيكون، واطلاعًا على إنجازاتهم. كما ترجم كتاب *ثيوسيدس* عن حرب البيلوبونيزية بين أثينا وإسبرطة، ليُبرز من خلاله مخاطر الديمقراطية، خاصة وأن إنجلترا كانت على شفا حرب أهلية آنذاك (شوفاليية , 1991 ,323).

في رحلته إلى فرنسا وسويسرا عام 1629، حدث انعطاف كبير في مسيرة هوبز الفكرية، حيث تحولت اهتماماته من الدراسات الكلاسيكية إلى الفلسفة والعلم. اكتشافه لكتاب *الأصول* لإقليدس في مكتبة جنيف ألهبه وأثار إعجابه بالطريقة الاستنتاجية التي قدم بها إقليدس أفكاره، مما جعله يسعى لتطبيق هذه الطريقة على مختلف مجالات الفكر. (بديوي , 2006 , 554)

  1. الدين عند توماس هوبز

يرى توماس هوبز أن تنازع السلطتين، السلطة المدنية والسلطة الروحية، يشكل خطراً بالغاً على المجتمع، حيث يؤدي هذا التنافس إلى تشتيت ولاء الأفراد بين سيدين: الدولة والدين. هذا الانقسام يخلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، إذ يتسبب في تداخل الأوامر المتضاربة ويصعب على الناس تحديد من يجب أن يتبعوه كسلطة شرعية (شوفاليية , 1991: 334).

في عصر هوبز، كان الكتاب المقدس قد أصبح موضوعاً للبحث والنقد النصي، ما جعله عرضة لتفسيرات متعددة. هذه التفسيرات المتعددة، خاصة بعد حركة الإصلاح الديني، كانت تؤدي إلى انقسام السلطات بين الدين والدولة، ما كان يولّد صراعاً اجتماعياً وسياسياً. ويرى هوبز أن المشكلة تتفاقم عندما يُسمح لكل شخص بتفسير الكتاب المقدس كما يشاء، ما يؤدي إلى ظهور طوائف جديدة ونزاعات دائمة.

هوبز كان يحذر من أن السماح لكل فرد بتفسير النصوص الدينية بحرية مطلقة قد يؤدي إلى العصيان المدني والفوضى، وربما إلى الحرب الأهلية. ومن هنا، حاول هوبز طرح حلول سياسية ومعرفية للتوفيق بين السلطة المدنية والدينية، معتقداً أن الحسم في تفسير النصوص المقدسة يجب أن يتم بطريقة تضمن وحدة المجتمع واستقراره، وليس وفق أهواء فردية قد تقود إلى الفوضى.

يرى توماس هوبز أن مسألة السلطة الدينية والسياسية هي من القضايا المركزية التي تناولها في كتابه *الليفياثان*، حيث حاول التمييز بين الخطاب المنسوب مباشرة إلى الله (الوحي) والخطاب الذي يدور حول الله (تعاليم الدين). (فرانسو , 2007: 323)

ناقش هوبز قضايا مثل النبوة، الوحي، والسلطة الكنسية، ليتوصل إلى سؤال محوري: من يملك الحق في تفسير الكتاب المقدس ومن له السلطة على الكنيسة؟

هوبز كان واضحًا في معارضته لفكرة أن الكنيسة أو أي سلطة دينية فوق قومية، مثل البابا أو المجامع، يمكن أن تمتلك سلطة فوق الملوك أو الدول السيادية. يرى هوبز أن منح هذه السلطات الدينية مثل هذا الحق سيؤدي إلى إضعاف السلطة المدنية، مما يحول الملوك إلى مجرد رعايا، وهو أمر يرفضه تمامًا.

في نظرية هوبز، الكنيسة ليست سوى مؤسسة سياسية تخضع لسلطة الحاكم. هو يرى أن المسائل الروحية، على الرغم من أنها ذات قيمة أخلاقية، لا يجب أن تكون فوق القانون المدني، ويجب أن تخضع للسلطة المدنية تمامًا مثل أي مؤسسة أخرى. وهذا يعود إلى إيمانه بالمادية، حيث يعتبر القضايا الروحية وحيًا من الخيال، رغم أنه لا ينكر أهميتها الاجتماعية.

تتكون من مجموع المسيحيين الذين يخضعون لحاكم واحد يمثل السلطة المدنية. وبهذا، لا يمكن أن يكون هناك تمييز بين السلطة الزمنية والروحية، حيث أن الدولة والكنيسة هما كيان واحد بإرادة واحدة، وهي إرادة الحاكم (جورج اسباين , 1971: 620).

كما يرى هوبز أن السماح لكل مسيحي بتفسير الكتاب المقدس وفقًا لرأيه الشخصي سيؤدي إلى تعدد التفسيرات والقوانين المسيحية بقدر عدد الأفراد، وهذا يؤدي إلى الفوضى. ولذلك، يعتبر هوبز أن هذه الحرية المطلقة في التفسير كانت جزءًا من حقوق الإنسان في حالة الطبيعة، ولكن هذه الحقوق تم التنازل عنها لصالح الدولة بموجب العقد الاجتماعي. وبذلك، يصبح الحاكم هو صاحب السيادة المطلقة في تفسير النصوص الدينية، مثلما هو في القضايا السياسية (محفوظ ,2007: 80).

يرى توماس هوبز أن سلطة الحاكم يجب أن تكون مطلقة ولا يشاركها أي قوة أخرى، بما في ذلك الكنيسة. من خلال العقد الاجتماعي، تصبح إرادة الحاكم هي إرادة الدولة وإرادة الكنيسة، مما يعني أن مملكة السماء تتحول إلى مملكة مدنية، تحت سلطة واحدة هي سلطة صاحب السيادة.

لتأكيد سيادة الحاكم، يجب على الكنيسة أن تخضع تمامًا للدولة، حيث إن الكنيسة لا تمتلك القوة لفرض العقاب على من لا يؤمن بها. في المقابل، السلطة المدنية هي التي تحتكر حق العقاب واستخدام القوة إذا ما خالفت الرعية القانون (بديوي , 1958: 62)

يرى هوبز أن طاعة الحاكم أمر ضروري للحفاظ على النظام والاستقرار، في حين أن الخروج عن الكنيسة لا يشكل ضررًا مباشرًا على المجتمع ككل. بينما يؤدي العصيان ضد الحاكم إلى اضطراب يؤثر على الجميع، فإن العصيان الديني يؤثر فقط على الفرد ولا يحمل نفس التداعيات على المجتمع، ما يبرر ضرورة تغليب سلطة الحاكم المدني على سلطة الكنيسة (زروخي، ب س: 198)

  1. الفلسفة عند توماس هوبز

يعتبر توماس هوبز الفلسفة أساسًا للمعرفة الشاملة، حيث يرى أن الحكمة ليست مجرد إلهام عابر، بل هي ثمرة العقل المنظم تمامًا، الذي يسعى لفهم جميع الموضوعات بشكل منهجي. وهذا يتوافق مع تشبيه الفلسفة بشجرة، وهو تشبيه استعمله أيضًا الفيلسوف رينيه ديكارت. ديكارت كان يرى أن جذور الفلسفة هي الميتافيزيقا، وجذعها الفيزياء، وفروعها تمتد إلى علوم أخرى مثل الطب والميكانيكا والأخلاق. هوبز يتبنى هذا التصور، مضيفًا أن الفلسفة تنقسم إلى فروع تتنوع بحسب المادة التي تدرسها: فالهندسة تعنى بالأشكال، والفيزياء بالحركات، والأخلاق بالقوانين، وهذه الفروع مجتمعة تكوّن علم الفلسفة (Hobbes:91).

قسّم هوبز الفلسفة إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

1. الفلسفة في الجسم (De Corpore)، والتي تشمل دراسة الطبيعة، ما بعد الطبيعة، والرياضيات.

2. الفلسفة في الإنسان (De Homine)، التي تعنى بسيكولوجيا الإنسان.

3. الفلسفة في المواطن (De Cive)، التي تتناول الفلسفة المدنية أو السياسية، بالإضافة إلى الأخلاق.

يهدف هوبز من هذا التقسيم إلى معالجة موضوعات المعرفة المختلفة من خلال منهجية فلسفية متكاملة، حيث يدرس كل قسم جانبًا من جوانب الواقع البشري والطبيعي، بدءًا من الأمور المادية وصولاً إلى القوانين التي تحكم السلوك البشري والسياسي.

يبدأ توماس هوبز بتحديد الفلسفة بشكل عام ومنهجها بشكل خاص، مما يكشف عن توجهه العقلاني الواضح. هوبز يعرّف الفلسفة بأنها “المعرفة المستنبطة من الاستدلال الصحيح من المبادئ الصحيحة”. أي أنها ليست مجرد تأملات أو حدس، بل هي منهج استدلالي قائم على التفكير المنطقي والنظر في الأسباب والنتائج. (Thomas :3)

ينظر هوبز إلى الفلسفة باعتبارها علماً عاماً يشمل جميع المعارف البشرية التي يمكن الوصول إليها من خلال العقل. ثم يتناول تعريف الجسم وخصائصه العامة في بداية كتابه. بالنسبة لهوبز، “الجسم” هو أي شيء له وجود مادي ويشغل حيزاً في الزمان والمكان. ينطلق هوبز من محاولة فهم أساسيات الوجود المادي مثل الزمان والمكان، العلة والنتيجة، القوة، النسبة، الكمية، الشكل، والحركة.

هوبز ينظر إلى الفلسفة على أنها تشمل:

1. الفلسفة الأولى، والتي تتناول المبادئ الأساسية للوجود والطبيعة، بما في ذلك الزمان والمكان، والعلية.

2. علم الطبيعة، الذي يتناول الظواهر المادية، ويشمل دراسة مفاهيم مثل القوة، الحركة، والعلاقة بين الأجسام. (لديكارت ,1975 :3-71)

  1. الفلسفة السياسية عند توماس هوبز

هوبز يعتبر المعرفة الحسية، مثل الإحساس والذاكرة، معرفة عامة يشترك فيها البشر مع الحيوانات، وهي معرفة تلقائية وغير مكتسبة عبر الاستدلال العقلي. لذلك، فهي ليست جزءًا من الفلسفة الحقيقية، بل هي معرفة ظنية، أي ليست يقينية. في المقابل، المعرفة الفلسفية هي معرفة عقلية حقيقية تقوم على الاستنتاج والاستدلال المنطقي من النتائج إلى الأسباب أو من الأسباب إلى النتائج. وهذا النوع من المعرفة هو الذي يسعى إلى اليقين، وليس فقط إلى التوقعات المبنية على التجربة السابقة (بدوي ,11958:50)

في حديثه عن التجربة والحيطة أو التبصر، يشير هوبز إلى أن توقع المستقبل يعتمد على ما تعلمناه من الماضي، لكنه يرى أن هذا النوع من المعرفة ليس فلسفيًا بالمعنى الدقيق، لأنه يعتمد على الذاكرة والتوقع، وليس على الاستدلال العقلي المحض. الفلسفة عند هوبز، إذاً، هي المعرفة التي تقوم على التأمل العقلي العميق، والاستدلال الدقيق الذي يصل إلى الأسباب الجوهرية للظواهر، وليس مجرد التوقع أو الاعتماد على الخبرة الحسية

يوضح توماس هوبز تمييزه بين نوعين من المعرفة، حيث يُعبر عن هذين الضربين من المعرفة بشكل دقيق.

  1. معرفة الوقائع:

– يُشير هوبز إلى أن هذه المعرفة تتعلق بما يتم إدراكه عن طريق الحواس أو الذاكرة. فهي تُعتبر “المعرفة المطلقة”، لأنها تستند إلى التجربة المباشرة أو الذكريات، مثل رؤية حدث ما أو تذكره. هذه المعرفة ضرورية لشهادات الشهود في الحالات القانونية، حيث تُعتبر موثوقة وتُعطي دقة في التوثيق. (الطعان , 1990: 135).

  1. معرفة النتائج:

يُطلق هوبز على هذا النوع من المعرفة اسم العلم أو الفلسفة، ويعتبرها “معرفة شرطية”. هذه المعرفة تعتمد على الاستدلال، مثل فهم العلاقات بين الأشياء والنتائج المترتبة على شروط معينة. على سبيل المثال، إذا كان الشكل الموجود أمامنا دائرة، فإن أي خط مستقيم يُرسم من المركز سيقطعه إلى قسمين متساويين.

يُشير هوبز إلى أن المعرفة الشرطية هي ما يتطلبه الفيلسوف أو كل من يسعى وراء الاستدلال العقلي. هذا النوع من المعرفة يُعبر عن كيفية استنتاج النتائج من المبادئ أو الشروط المعروفة، وهو يتجاوز الحواس إلى التفكير المجرد.74 (جورج اسباين , 1971: 628)

باختصار، يقدم هوبز تمييزًا حاسمًا بين المعرفة المباشرة التي تعتمد على الحواس (المعرفة المطلقة) والمعرفة التي تُستنتج من خلال العقل (المعرفة الشرطية)، مما يعكس منهجه العقلاني في الفلسفة.

في هذه الحالة، حيث لا توجد سلطة أو قانون، لا يُعتبر هناك عدل أو ظلم، ويكون كل شيء مُباحًا لكل فرد حسب قدرته على الاحتفاظ به. ومع ذلك، يؤكد هوبز أن البشر قادرون على الخروج من هذه الحالة الفوضوية عبر تأسيس سلطة مركزية قوية، وهي ما يسميه “العقد الاجتماعي”، الذي يمنح السلطة للحاكم لحماية الأفراد وتأمين السلام.

فان هذه الأفكار في تحليلها للطبيعة البشرية ودوافع الأفراد، وتقديمها لتصور شامل عن كيفية تنظيم المجتمع والحفاظ على النظام والأمن. وآراء توماس هوبز حول الطبيعة البشرية، القوانين الطبيعية، وعلاقتها بالنظام السياسي والاقتصادي في عصره. في هذه السياق، يعبر هوبز عن أن الاضطرابات والحروب التي شهدتها مجتمعاته كانت سببًا في خوفه وقلقه من الفوضى، مما دفعه إلى الترويج لفكرة السلطة المطلقة كوسيلة لضمان النظام والاستقرار فان فلسفة توماس هوبز حول الطبيعة البشرية والأمن. يرتكز على فكرة أن الرغبة في المحافظة على الذات تدفع البشر نحو السعي المستمر للحصول على القوة والموارد. وفقًا لهوبز، فإن الحالة الطبيعية للإنسان تتميز بالصراع الدائم بسبب المنافسة على القوة والموارد، مما يؤدي إلى “حرب الكل ضد الكل”.75(بدوي ,2006 ,554)

في هذه الحالة، حيث لا توجد سلطة أو قانون، لا يُعتبر هناك عدل أو ظلم، ويكون كل شيء مُباحًا لكل فرد حسب قدرته على الاحتفاظ به. ومع ذلك، يؤكد هوبز أن البشر قادرون على الخروج من هذه الحالة الفوضوية عبر تأسيس سلطة مركزية قوية، وهي ما يسميه “العقد الاجتماعي”، الذي يمنح السلطة للحاكم لحماية الأفراد وتأمين السلام.

تتجلى أهمية هذه الأفكار في تحليلها للطبيعة البشرية ودوافع الأفراد، وتقديمها لتصور شامل عن كيفية تنظيم المجتمع والحفاظ على النظام والأمن. والسياسي والاقتصادي لبلده وعصره في الفترة التي عايشها. كل ذلك كان تعبيرا عن الاضطرابات والحروب التي مر بها مجتمعه، والتي تسببت في هاجس الخوف لديه، فضلا عن انه وضح (الحركة) التي تحكم الطبقة البرجوازية في مجتمعه ليجعل من واقعها الفعلي مبررا لوجود السلطة المطلقة، اذ ان البرجوازية الانكليزية في عصره، تركت النزعة الميركانتيلية وراءها، وأضحى تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية امرا لا يلاقي القبول والترحيب في نظر هذه الطبقة الاجتماعية. وبعبارة اخرى ان هذه الطبقة قد تحولت إلى النزعة الليبرالية التي تقوم على المنافسة التي تتحكم فيها المصالح الفردية بالدرجة الاساسية (بدوي ,2006 ,554)

وهذه المنافسة تتخذ شكل الاحتراب الاقتصادي ما بين الأفراد، يكون فيها البقاء لمن هو اقوى اقتصاديا، وينطبق ذلك على المستوى السياسي ايضا، لذلك اراد من السلطة الملكية المطلقة ان تكون الاداة الاساسية في ضمان توازن المصالح، في إطار حالة المنافسة هذه.

يوجد عند هوبز حق الطبيعة وقوانين الطبيعة، لكن هذه المفاهيم ليس لها نفس المدلول عند قياسها لما موجود عند منظري الحق الطبيعي فحق الطبيعة يمت بصلة الى غريزة البقاء.

ما القانون الطبيعي فهو حكمة أو قاعدة عامة مكتشفة من قبل العقل، وهي من جهة تمنع القيام بكل ما يمكن ان يقضي على الحياة، ومن جهة اخرى، عدم القيام بكل ما يعتقد انه يحفظ الحياة بصورة أفضل.

ان على الانسان ان يخرج من حالة الطبيعة تم وصفها، وان امكانية الخروج يملكها الانسان، وهي قائمة جزئيا في أهوائه، وجزئيا في عقله. فبعض اهوائه تجعله يميل نحو السلام. اما العقل فأنه يوحي له ببنود السالم المناسبة ليستطيع من خلالها الاتفاق مع الآخرين. وهذه البنود السليمة والاحكام العقلية، يسميها القوانين الطبيعية. ويقول “لا تفعل للغير ما لا تريد ما يفعله لك”. او بعبارة اخرى عامل الناس كما تحب ان يعاملوك”.

ان قوانين الطبيعة عنده تعني، مجموعة من القواعد يعمل وفقها كائن بشري عاقل لتحقيق منفعة لنفسه من خلال جميع الظروف التي يعمل في ظلها، ولا يميل به تماما للاندفاع باتجاه اهوائه. ولما يفترض ان الناس بوجه عام يتصرفون بهذه الطريقة، فان قوانين الطبيعة تقرر ظروفا افتراضية على اساسها تسمح سمات البشر الاساسية بإقامة حكومة مستقرة. انها لا تقرر قينا، لكنها تحدد الاسباب والمبررات ما يمكن اضفاء قيمة عليه في المذاهب القانونية والأخلاقية عند توماس هوبز، مركزًا على المفاهيم الأساسية المتعلقة بالطبيعة البشرية وعلاقتها بالمجتمع (توشاك , 1983: 261).

  • تلخيص للأفكار الرئيسية:

1. مبدئين في الطبيعة البشرية:

– الرغبة والعقل: يؤكد هوبز أن الطبيعة البشرية تتكون من عنصرين متعارضين: الرغبة التي تدفع الناس للاستيلاء على ما يحتاجه الآخرون، مما يخلق الشقاق، والعقل الذي يساعد على تنظيم العلاقات ويحث على السعي نحو الأمن بطريقة أكثر فعالية (اسباين , 1971: 630-631)

2. الصراع بين الرغبة والعقل:

– قوة العقل التنظيمية: يعتبر العقل أداة تنظيمية تمكن الأفراد من توجيه أفعالهم نحو الحفاظ على الذات، مما يسهل الانتقال من حالة الفوضى إلى الحضارة. يتطلب هذا الانتقال اتباع “قوانين الطبيعة”.

3. قوانين الطبيعة:

– تعريف قانون الطبيعة: يُعرف قانون الطبيعة بأنه ما يمليه العقل السليم، ويحدد الأشياء التي يجب القيام بها والأخرى التي يجب تجنبها من أجل الحفاظ على الحياة.

– قوانين الطبيعة الأساسية: يذكر هوبز تسعة عشر قانونًا طبيعيًا، لكنه يركز بشكل خاص على قانونين رئيسيين:

– البحث عن السلام.

– الدفاع عن النفس بكل الوسائل المتاحة. (الطعان , 1990: 107)

4. المحافظة على الذات والثقة المتبادلة:

– أهمية التعاون: يشدد هوبز على أن المحافظة على الذات هي نقطة محورية في فلسفته، ويجب أن يلتزم الأفراد برغبتهم في السلام والدفاع عن النفس، مع ضرورة وجود قدر من الحرية بين الأفراد.

– الثقة المتبادلة: تعتبر الثقة المتبادلة شرطًا أساسيًا للأمن والتعاون بين الناس. ( بريلو وجورج , 1993 :208)

5. الدولة كسلطة مركزية:

– ضرورة وجود القوة: يؤكد هوبز على أن العقود الاجتماعية لا تعني شيئًا دون وجود قوة مركزية، وهو ما يسميه “الدولة”، التي تملك القدرة على تنفيذ العقوبات.

– تكوين الدولة: يرى أن الناس يجب أن يتعاونوا لتشكيل سلطة قادرة على توفير الحماية والخروج من حالة الطبيعة.

6. التزامات الأفراد:

– تنفيذ العقد الاجتماعي: يشدد هوبز على ضرورة التزام الأفراد بتنفيذ العقد الاجتماعي، مما يتطلب وجود سلطة ذات سيادة.

– قوانين أخرى تابعة: بالإضافة إلى القوانين الثلاثة الأساسية، يذكر هوبز مجموعة من القيم الأخلاقية مثل الإخلاص، الحشمة، والاعتراف بالمساواة الطبيعية. (نصير , 1981: 70)

  1. التطور الفكري عند توماس هوبز

فان تطوره الفكري فقد تحول اهتمامه من دراسة الكلاسيكيات الى دراسة الفلسفة والعلم. فقد اطلع بالصدفة في احدى مكتبات جنيف على كتاب الاصول للمؤلف اوقليدس وقد الهبته الطريقة الاستنتاجية التي عرض فيه اوقليدس افكاره، فأثارت اعجابه واراد تطبيقها على شتى مجالات

المعرفة، وخصوصا في المجالات التي تتركز فيها اهتمامات غالبية البشر، وتكثر فيها اسباب الشقاق والخلاف بينهم. كما كانت الصدفة اخرة في هذه الرحلة، هو حضوره لمناقشة المجموعة من العلماء في موضوع سبب الاحساس (The causes of sensation)، ووجد في حينها انه لم يكن أحد على معرفة بماهية الاحساس، الأمر الذي اثار اهتمامه وشغل تفكيره بمشكلة سبب الاحساس وطبيعته (الحنفي , 1999: 1481) . وفي عام ١٦٣٧، اختمرت في ذهن هوبز فكرة صياغة نظام فلسفي متكامل، وكان يعتزم وضعه في ثلاثة اجزاء، ويعالج فيه وبالترتيب كل ما يتصل بالجسم المادي، والجسم الانساني، والجسم المصطنع المركب من اجتماع الافراد (الدولة). فقام باعداد القسم الأول في الجسم)، لكن الاحداث التي شهدتها بلاده آنذاك، جعلته يؤجل تنفيذ مخططه لبناء نظامه الفلسفي كي يكرس جهوده لمعالجة أوضاع بلاده. واسفرت جهوده عن نشر كتابه (مبادئ القانون الطبيعي والسياسي، والثاني بعنوان (الهيئة السياسية)، ويمثل الكتاب الاخير مخططا لنظريته الجديدة ومحاولة منسقة لاستخدام طريقته الهندسية وعلم النفس الميكانيكي في عرض الحقائق الكامنة وراء الخلافات الناشئة آنذاك (فرانسوا , 2007: 15-16). ان ظهور هذا الكتاب، كان له الاثر في اغضاب الطرفين المتنازعين في بلاده. فقد كانت هناك حملة شديدة من قبل البرلمان على امتيازات الملكية، وجاء رأي هوبز هو ان الانتقاص من هذه الامتيازات سوف يعكر صفو السلام في البلاد، وان هذه الامتيازات من حقوق السيادة، وان السيادة للملك، وبذلك اغضب البرلمان بدعوته للملكية المطلقة، ومن جانب اخر اغضب الجانب الملكي من خلال رأيه بأن هذه السيادة تكون على اساس عقد اجتماعي ( بدوي ,2006 : 26) (أي قيام حكم مطلق بموافقة الشعب بموجب العقد وليس على اساس نظرية الحق الالهي)، من حيث ان الملكية المطلقة القائمة على اساس العقد الاجتماعي تبتعد عن المنازعات الحزبية وفوضى الديمقراطية التي تكرس التنابذ والتخاصم، وكان يؤيد الملكية باعتبار ان من مزاياها هو ان شخصا واحدا قد يتجاوز العدل ويسيئ الحكم وليس من حق البرلمان وبكل اعضائه القيام بهذا التجاوز ) وكان يعتبر الديمقراطية هي ارستقراطية خطابية(الحنفي , 1999: 1481 ) ولما امتد الصراع بين البرلمان والملك ترك هوبز بلاده واختار فرنسا منفى له، وهناك دخل في مساجلات مع ديكارت حول كتاب الاخير الذي هو بعنوان (التأملات) وحاول الرجوع الى تنفيذ مخططه في بناء نظامه الفلسفي، وقام بترجمة كتابه في المواطن) الى الانكليزية، حيث كان قد كتبه اول مرة باللغة اللاتينية ونشره بعنوان (المبادئ الفلسفية الخاصة بالحكومة والمجتمع والذي حاول فيه ان يبرهن بشكل حاسم عن الغرض الاساس من السلطة المدنية، ويعالج بالتفصيل العلاقة بين الكنيسة والدولة وبعد ذلك قام بصياغة نظريته في البصريات واستمر بمتابعة مخططه الفلسفي وبلورة آرائه السياسية نظريته الشاملة حول الفلسفة السياسية، والتي بلغت ذروتها في كتابه الشهير “اللوياثان” (Leviathan) الذي نُشر عام 1668. في هذا الكتاب، حاول هوبز تقديم تفسير شامل لطبيعة الإنسان والمجتمع والدولة، مجادلاً بأن الإنسان في حالته الطبيعية يميل إلى الفوضى والصراع. لذلك، رأى أن الحاجة إلى سلطة قوية ومركزية ضرورية لضمان السلام والنظام في المجتمع (عبد الحميد , 2007: 44).

من خلال رؤيته المادية للعالم، ربط هوبز بين النظام السياسي والبقاء على قيد الحياة، مجادلاً بأن الناس، في إطار عقد اجتماعي، يتنازلون عن حرياتهم الفردية لحاكم أو سلطة للحفاظ على الأمن والاستقرار، لقاء هوبز والاستماع إلى آرائه. رغم الضغوط التي واجهها في بلاده، إلا أن شهرته وانتشار أفكاره على مستوى أوروبا منحاه تأثيرًا واسعًا في الأوساط الفكرية والسياسية. العديد من الفلاسفة الأوروبيين، بمن فيهم سبينوزا، تأثروا بأفكاره، وناقشوا نظرياته حول الدولة والسلطة.

رغم الانتقادات الشديدة التي وُجهت له في إنجلترا، إلا أن تأثيره على الفلسفة السياسية ظل كبيرًا. أسس هوبز مفهوم الدولة الحديثة، بوصفها كيانًا يقوم على عقد اجتماعي، وجادل بأن الأمن والاستقرار يقدمان الأولوية على الحريات الفردية في ظل سلطة مركزية قوية. ورغم أنه لم يكن محبوبًا في بلاده في نهاية حياته، إلا أن أعماله، خاصة “اللوياثان”، أصبحت من الكلاسيكيات التي لا تزال تُدرس في الفلسفة والسياسة حتى اليوم.

هوبز بذلك كان جزءًا أساسيًا في تطور الفكر السياسي في أوروبا، وبقيت أفكاره مؤثرة في النقاشات حول السلطة والحكم والقانون في العصور التي تلته. ( شتراوس و كروبس , 2005: 573)

  1. النتائج

أظهرت تحولاً جذرياً في الفكر السياسي الكلاسيكي، حيث عملت النظريات التعاقدية، مثل تلك التي قدمها هوبز على إبعاد أي دور للكنيسة في السياسة ورفض الربط بين الدين والدولة، وفق هذه الفلسفات ، أصبحت كياناً بشرياً واقعياً يعتمد على العلاقات الإنسانية، وليس تجسيداً للمملكة السماوية. كما جعلت هذه الفلسفات الفرد في قلب الفعل السياسي، حيث أُعطي الأولوية له على الجماعة، وتمثل دور المجتمع المدني في خدمة الأفراد وتحقيق مصالحهم وضمان حرياتهم.

أن الدولة وكل النظم الإنسانية تعتبر تركيبات مبنية على حركة، حيث يرى هوبز أن كل حادثة في الكون هي نوع من الحركة. وبالتالي، يُفهم أن الفعل السياسي والاجتماعي هو سلسلة من الحركات التي تعتمد على القوة لتحقيق الأهداف.

يرى هوبز أن استخدام الإنسان لعقله في التفكير بشأن الرغبات المستقبلية يتطلب منه معرفة قدرته الفعلية على تحقيق تلك الرغبات. كل تصور للمستقبل، حسب هوبز، هو تصور لقوة قادرة على تحقيق شيء ما. وبالتالي، تصبح القوة أهم وسيلة تمكن الإنسان من الحصول على ما يرغب فيه، سواء كان ذلك على مستوى الفرد أو المجتمع.

بما أن القوة وسيلة عامة لتحقيق الأهداف والرغبات، فإن القوة السياسية تصبح ضرورة لضمان السلم والاستقرار، وهو ما يبرر الحاجة إلى سلطة مركزية قوية تحافظ على النظام وتمنع الفوضى.

  1. المصادر
  2. اسماعيل زروخي دراسات في الفلسفة السياسية، دار الفجر، القاهرة، بدون سنة. ص ۳۲۳
  3. بيير فرانسوا مورو هوبز فلسفة علم دين ترجمة اسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر،۲، بیروت ۲۰۰۷، ص ١٥ – ١٦.
  4. جان توشار، تاريخ الفكر السياسي، ترجمة على مقلد دار العالمية ، بيروت، ۱۹۸۳، ۲4۰
  5. جان جاك شوفالييه، تاريخ الفكر السياسي، ترجمة: محمد عرب صاصيلا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت ص 562
  6. جورج اسباين، تطور الفكر السياسي، جـ ۳، ترجمة راشد البراوي، دار المعارف، مصر، ۱۹۷۱، ص ٥٠
  7. عبد الرحمن بديوي، موسوعة الفلسفة، ج ۲، مؤسسة ذو القربي ، ايران، ۲۰۰6، ص ٥٥٤
  8. عبد الرضا حسين الطعان تاريخ الفكر السياسي الحديث، دار الحكمة، بغداد، ۱۹۹۰، ص ۱۰۷
  9. عبد المنعم الحفني، موسوعة الفلسفة والفلاسفة، ج ۲، ط ۲ ، مكتبة مدبولي القاهرة، ۱۹۹۹ ، ص ١٤٨١
  10. ليو شتراوس وجوزيف كروبس تاريخ الفلسفة السياسية، ج1، ترجمة: محمود سيد أحمد،
  11. مارسيل بريلو وجورج ليسكسه، تاريخ الفكر السياسي، الأهلية للنشر، بيروت، ۱۹۹۳، ص ۲۰۷.
  12. مبادىء الفلسفة لديكارت ترجمة الدكتور عثمان أمين ص ٣٠٠ طبعة دار الثقافة بالقاهرة عام ١٩٧٥
  13. المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة، ٢٠٠٥.
  14. مجموعة مؤلفين، موجز تاريخ الفلسفة، ترجمة، توفيق سلوم دار فارابي، بيروت، ۱۹۸۹ ، ص ١٦٦.
  15. محمد طه بدوي مهات الافكار السياسية الحديثة وصداها في نظم الحكم، دار المعارف، مصر، ١٩٥٨
  16. محمد عبد المعز نصر، في النظريات والنظم السياسية، دار النهضة العربية، بيروت، ۱۹۸۱.
  17. مهدي محفوظ اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت ط، ۲۰۰۷، ص ۸۰
  18. موسى إبراهيم معالم الفكر السياسي الحديث والمعاصر، مؤسسة عز الدين للنشر، بيروت، ١٩٩٤، ص ۸۷.
  19. نبيل عبد الحميد عبد الجبار، توماس هوبز ومذهبه في الأخلاق والسياسة، دار دجلة، عمان، ۲۰۰۷، ص ۲۳
  20. Thomas Hobbes. English Works Vol. 3. P. 71 and Le- viathan P. III Fontana Edition.
  21. Thomas Hobbes: English Works, Vol. I, p. 3