الأثر السياسي في شعر حزب الخوارج في العصر الأموي
The Political Impact in the Poetry of the Kharijite Movement during the Umayyad Period
د. الفاتح صديق عبد الفراج أحمد1
1 أستاذ مشارك، كلية التربية، جامعة كردفان، السودان.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj71/57
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/71/57
المجلد (7) العدد (1). الصفحات: 950 - 963
تاريخ الاستقبال: 2025-12-10 | تاريخ القبول: 2025-12-17 | تاريخ النشر: 2026-01-01
المستخلص: تناولت هذه الدراسة الأثر السياسي في شعر حزب الخوارج خلال العصر الأموي، بوصفه أحد أبرز أنماط الشعر السياسي في التاريخ الإسلامي المبكر. وهدفت إلى الكشف عن دور الشعر في التعبير عن العقيدة السياسية للخوارج، وتحليل سماته الفنية والفكرية، وبيان مدى إسهامه في تشكيل وعيهم السياسي وتعزيز حضورهم المعارض للدولة الأموية. واعتمدت الدراسة المنهج التاريخي الوصفي التحليلي، من خلال تتبع النصوص الشعرية وتحليل مضامينها في ضوء السياقين الديني والسياسي. وتوصلت إلى أن شعر الخوارج السياسي اتسم بطابع ديني واضح مستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية، مما أكسبه جدة في المعاني والغايات، وجعله أداة فاعلة للتحريض على الثورة، وترسيخ مبادئ العدل، ورفض الظلم، والدعوة إلى الحكم الصالح كما تصورته عقيدتهم. كما تميز هذا الشعر بالبساطة والوضوح، والنبرة الحماسية، والابتعاد عن أغراض المدح والغزل، مع تركيزه على قيم الجهاد والشهادة والزهد. وخلصت الدراسة إلى أن الشعر السياسي لم يكن مجرد نتاج أدبي عند الخوارج، بل كان وثيقة فكرية وتاريخية أسهمت في بناء هويتهم السياسية، وتسجيل مواقفهم، وإبراز دور الكلمة في توجيه الأحداث والصراع السياسي في العصر الأموي.
الكلمات المفتاحية: شعر الخوارج، الشعر السياسي، العصر الأموي، الخطاب الديني، المعارضة السياسية.
Abstract: This study examines the political impact reflected in the poetry of the Kharijite movement during the Umayyad period, as one of the most prominent forms of political poetry in early Islamic history. It aims to explore the role of poetry in expressing the Kharijites’ political doctrine, analyzing its artistic and intellectual features, and clarifying its contribution to shaping their political awareness and strengthening their opposition to the Umayyad state. The study adopts a historical descriptive-analytical approach by tracing poetic texts and analyzing their contents within their religious and political contexts. The findings reveal that Kharijite political poetry was characterized by a strong religious tone derived from the Holy Qur’an and the Prophetic Sunnah, which gave it originality in meaning and purpose, making it an effective tool for inciting rebellion, promoting justice, rejecting oppression, and calling for righteous governance as perceived by the Kharijites. Moreover, this poetry is distinguished by simplicity, clarity, and an intense enthusiastic tone, while avoiding themes of praise and love, and focusing instead on jihad, martyrdom, and ascetic values. The study concludes that political poetry among the Kharijites was not merely a literary product, but a significant intellectual and historical document that contributed to constructing their political identity, documenting their positions, and demonstrating the influential role of the word in directing events and political conflict during the Umayyad era.
Keywords: Kharijite poetry, political poetry, Umayyad period, religious discourse, political opposition.
المقدمة
شكل ظهور الخوارج أحد أبرز التحولات الفكرية والسياسية في التاريخ الإسلامي المبكر، فقد نشأ نتيجة الصراعات السياسية في زمن الفتنة الكبرى، ثم استمر حضورهم المؤثر خلال العصر الأموي بوصفهم قوة عسكرية، وفكرية معارضة، ولعب الشعر السياسي دوراَ كبيراً في تكوين توجهاتهم وتوسيع دائرة تأثيرهم، واصبح شعرهم وسيلة لتعبير عن العقيدة، والتحريض عن الثورة، وتثبيت الهوية الجماعة للمجموعة. تهدف هذه الورقة البحثية إلى دراسة أثر الشعر السياسي على حزب الخوارج الأموي، وكيف أسهم في تشكيل وعيهم وحركتهم السياسية والعسكرية. إن من أبرز ما يميز طبيعة شعر الخوارج السياسي أنه شعر العقيدة المناضلة، والكفاح المسلح، وهذه الطبيعة دفعتهم إلى إرساله على السجية ليعبروا به عن موقف سياسي، يعارض نظام الحكم الأموي الرسمي بأسلوب حماسي عنيف، وأنفاس قصيرة حادة، فجاء شبيهاً بنظام الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي، ومثل ما انشده شعراء الفتوح في العصر الأسلامي.
فقد استطاع شعراء الخوارج أن يسجلوا الأحداث السياسية التي كانت في زمانهم، ويطلعوننا على اتجاهات شعرهم السياسي في معظم غاراتهم وغزواتهم ضد نظام الحكم الأموي، وهكذا كان للخوارج نصيب كبير في تأسيس الشعر السياسي الذي ازدهر في عصر بني أمية.
أهمية الموضوع:
تأتي أهمية هذا الموضوع في أنه يقدم دراسة أدبية لأثر الشعر السياسي في حزب الخوارج في العصر الأموي، ومن أهميته كيف انعكست الأحداث السياسية في عصر بني أمية على نفوس شعراء الخوارج، والسبب الذي أدى إلى ظهور اتجاهات سياسية واضحة في اشعارهم.
أهداف الموضوع:
1ــ دراسة نشأة حزب الخوارج وشعرائه بين الاحزاب السياسية الاخرى في العصر الأموي.
2ـ دراسة أثر الشعر السياسي في حزب الخوارج الأموي.
3ــ التعرف على سمات شعر الخوارج الأموي.
حدود الدراسة
1ــ حدود زمانية: الفترة الزمنية التي انفصل فيها الخوارج عن علي بن أبي طالب، رضى الله عنه، بعد معركة صفين سنة ( 657م ــ37هـ). هي الفترة الزمنية التي نشأ فيه حزب الخوارج.
2ــ حدود مكانية الأساسية: وهي البيئة التي تمتد من البصرة إلى الكوفة بالحدود الجغرافية المعروفة في العراق .
منهج الدراسة:
اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي الذي يعمل على ايراد النص الأدبي وتحليله تحليلا ليظهر ما يحويه النص الشعري.
هيكل الدراسة:
قُسمت هذه الدراسة إلى أربع مباحث وهي كالاتي.
المبحث الأول: التعريف بالخوارج في العصر الأموي، المبحث الثاني: التعرف على الشعر السياسي، المبحث الثالث: أثر الشعر السياسي في شعر الخوارج. المبحث الرابع: خصائص شعر الخوارج الأموي.
المبحث الأول
الخوارج
الخوارج: هم مجموعة من التيارات والحركات التي انشقت عن جماعة المسلمين بعد أحداث الفتنة الكبرى، وظهروا أولاً في أواخر عهد الخلفاء الراشدين، ثم ازداد نشاطهم وتمردهم في العصر الأموي ( 41 ــ 132هــ).
والخوارج : هم فرقة قديمة محسوبة على الإسلام، مهتمه في معتقداتها الدينية، ظهرت في السنوات الأخيرة من خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه، اشتهرت بالخروج على علي بن أبي طالب رضى الله عنه بعد معركة صفين سنة 37هــ، لرفضهم التحكيم بعد أن عرضوا عليه، وقد ارتبط الخوارج على مدى تاريخهم بالتفكير والتطرف، وهم عقائدهم تكفير أصحاب الكبائر، ويقولون بتخليدهم في النار. ويكفرون عثمان وعلي وطلحة والزبير وعائشة، ويقولون بالخروج على الحكام الظالمين والفاسدين.
ويقلب الخوارج بالحرورية والنواصب والشراة والبغاة والمُحَكمة، والسبب الذي من أجله سموا خوارج لأنهم خرجوا على الإمام علي بن أبي طالب ولم يرجعوا معه إلى الكوفة واعتزلوا صفوفه ونزلوا بحروراء في أول أمرهم ، وسموا شراة لأنهم قالوا شرينا أنفسنا في طاعة الله، أي بعناها بالجنة.([1])
لقد كانت نشأة الخوارج نتيجة للأحداث السياسية، واستحوذت تلك الأحداث على اهتمامتهم، فانشغلوا في المقاومة والحروب والثورة على السلطة القائمة، والمعارك التي قامت بينهم وبين مخالفيهم، وفضلاً عن ذلك فهم أصحاب سلوك عملي في العبادة، كل ذلك جعلهم أهل عمل لا نظري، لذا قل الجانب النظري عندهم مما يجعل انتاجهم في المسائل الكلامية قليلا، لكنه ليس منعدما، حيث إن هذه المواقف العملية قد استندت إلى اساس اعتقادي نظري، ولقد ذكر ابن النديم أسماء متكلميهم، ومنهم اليمان بن رباب حيث كان نظاراً متكلماً منصفاً للكتب، وله في ذلك كتاب المخلوق، وكتاب التوحيد، وكتاب أحكام المؤمنين. ومنهم يحيى بن كامل بن طليحة الخدري، وكان أباضياً، وله كتاب في الرد على الغلاة وطوائف الشيعة. ومنهم عبد الله بن يزيد كان أباضياً ومن أكابر الخوارج ومتكلميهم، وله كتاب في التوحيد، والرد على المعتزلة، ويشير هذا إلى المصنفات الكلامية عند الخوارج وأنهم اهتموا بالرد على مخالفيهم.([2])
انقسم الخوارج إلى فرق كثيرة قال عنها الإمام عبد القادر البغدادي، في كتابه الفرق بين الفرق، وهم عشرون فرقة وهذه أسماؤها، المحكمة الأولى والأزارقة والنجدات والصفرية، والعجاردة المفترقة فرقاً منها: الخازمية والشعبية والمعلومية والمجهولية وأصحاب طاعة لا يراد الله تعالى بها، ومنها الصلتية والأخنسية والشبيبية والشيبيانية والمعبدية، والرشيدية والمكرمية والحمزية والشمراخية والابراهيمية، والوقفة والاباضية: ومنهم افترقت فرقاً عظيمة وهي حفصية وحارثية، فأما اليزيدية من الاباطية والميمونية من العجاردة فإنهما فرقتان من غلاة الكفرة الخارجين عن فرق الأمة.([3])
ومن أشهر فرق الخوارج، وأكثرها انتشاراً: الاباطية اتباع عبد الله بن أباض التميمي، والأزارقة أتباع نافع بن الآزرق، والنجدات أتباع نجدة بن عامر الحنفي، والصفرية أتباع زياد بن الأصفر.
وقد اختلفوا فيما يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها، فذكر الكعبي في مقالاته: أن الذي يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها إكفار علي وعثمان بن عفان والحكمين، وأصحاب الجمل، وكل من رضي بتحكيم الحكمين: والإكفر بارتكاب الذنوب، ووجوب الخروج على الإمام الجائر، وقال: الشيخ أبو الحسن، الذي يجمعهما إكفار علي وعثمان، وأصحاب الجمل، ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما، والخروج على السلطان الجائر.([4])
وقد شارك الخوارج بشعرهم في طرح نظريتهم السياسية، ويمتاز شعرهم بإنه أصدق صورة أدبية لمذهب ديني سياسي، وقد احتفظوا بسيمتهم البدوية فجاء شعرهم صريحاً جريئاً قوياً جمع صدق الشعور وقوة العقيدة وسلامة الخُلق والطبع، كما يمثل صورة للشعر الذي نشأ في ظل الإسلام. وتأدب بأدابه فأخذ بلاغة القرآن ومن السًنة المطهرة، ويلفت النظر أن شعراء الخوارج هم زعماء المذهب وحملة السيوف، ولذلك لم يظهر منهم فحول إذ كانوا في عجلة من أمرهم للفراغ من الشعر للدخول في المعركة، فمعظم شعرهم مقطوعات لا قصائد، في ايقاع قوي، وموضوعه الجهاد والشهادة والتحذير من القعود والاستبشار بأولئك الذين نالوا الشهادة. وشعرهم أكثر أشعار الفرق بعداً عن المدح أو الفخر أو الغزل. وأكثر اهتماماً بالحماسة ومواقف الجهاد الثائر. وقد أفنى شعراء الخوارج عصبياتهم القبلية والعرقية في عقيدتهم المذهبية. ومن أشهر شعراء الخوارج عمرآن بن حطان الذي قال: ([5])
لقد زاد الحياة إليَ بغضاً *** وحباً للخوارج أبو بلال
أحاذر أن أمُوت على فراشي *** وأرجوا الموت تحت ذرا العوالي
ولو أني علمتُ بأن حتفي *** كحتف أبي بلال لم أبال
وكان منهم شاعرات مثل أم حكيم الخارجية ومن قولها وقد حملت على الناس في القتال.
أحملُ رأساً قد سئمتُ حملهُ
وقد مللتُ دهنه وغسلهُ
ألا فتى يَحملُ عني ثقلهُ
ومن شعرائهم قطري بن الفجاءة، وأبو بلال مرداس بن أدية، وعمرو بن الحصين، وعمرو بن ذكينة الربعي وغيرهم.
المبحث الثاني
الشعر السياسي
تعريف الشعر السياسي: هو الشعر الذي استخدمة الخوارج للتعبير عن موقفهم العقائدي والسياسي، وللدعوة إلى مبادئهم والتحريض على الثورة ضد السلطة القائمة ( الأمويين).
الشعر السياسي : وهو ما ينظم في شأن من شؤون السياسة، يدعو به الشعراء لقبيلة أو حزب أو دولة أو لمبدأ متصل بالسياسة، لذا فإن دواعي نظمه هي: المنفعة أو العصبية. وعبر هذا كان الشعر السياسي القديم، يقتصره الشاعر على قبيلته في السلم والحرب متغنيا بأمجادها وفضائلها، ومفتخراً بانتصاراتها وبطولاتها، وهو في كل ذلك متبنياً لمواقف قبيلته، معتمداً على الفخر والحماسة والمدح والهجاء، وهي الأغراض الشعرية الشائعة، وهذا ما عبر عنه الشاعر دريد بن الصمة قال: ([6])
وما أنا إلا من غزية إن غوت *** غويتُ وإن ترشد غزية أرشد
أما في العصر الإسلامي: احتدم الصراع الكلامي بين المسلمين ومشركي قريش فأنبرى حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة يردون عليهم بأشعارهم، مدافعين عن المبادئ والقيم الاسلامية السمحة وفي ذلك اصطبغ شعرهم بصبغة سياسية، نابذاً فكرة العصبية القبلية، داعياً إلى الإسلام معنياً بأمور الدولة الإسلامية قال حسان بن ثابت: ([7])
أما قريش فإني لن أسالمهم *** حتى ينيبوا من الغيات للرشدِ
ويتركوا الللات والعزى بمعزلةٍ *** ويسجدوا كلهم للواحد الصمدِ
أما في العصر الأموي: فقد كان هناك مجموعة من الاحزاب السياسية من أشهرها حزب بني أمية ، والخوارج، والشيعة، والزبيرين، وكان لكل حزب من هذه الاحزاب شعراء يدافعون عنه في السراء والضراء. قال عبد الله بن همام السلولي مدافعاً عن حق بني أمية في الخلافة.
خلافة ربهم كونوا عليها *** كما كنتم عنابسة أسودا
وقال شاعر الزبيرين عبد الله بن قيس الرقيات ساخطاً على بني أمية. ([8])
أنا عنكم بني أمية مزور *** وأنتم في نفسي الأعداء
وأشار الكميت بن زيد الأسدي إلى مذهبه الشيعي معبراً في ذلك عن ولائه لال البيت قال: ([9])
إلى النفر البيض الذين بحبهم *** إلى الله فيما نابني أتقربُ
بنيَ هاشم رهط النبي وأنني *** بهم ولهم أرضى مراراً وأغضبُ
ومالي إلا آل أحمد شيعة *** ومالي إلا مذهب الحق مذهب
أما شاعر الخوارج عمرآن بن حطان قال عن أصحابه. ([10])
فنحن بنو الإسلام والله واحد *** وأولى عباد الله بالله من شكر
أما في العصر العباسي: ضعف الشعر السياسي لضعف الاحزاب السياسية، فالحزب الزبيري سقط نهائياً والخوارج طحنتهم معاركهم مع الأمويين: أما الشيعة فظلت ثوراتهم مطالبين بزوال العباسيين عن الحكم ورد الأمور إلى نصابها، إلا أن خوفهم من العباسيين جعلهم لا يعلنون من الشعر. وما ينشرونه بينهم سراً.
قال الشاعر منصور النمري مندداً بالعباسيين: ([11])
شاء من الناس راتع هامل *** يعللون النفوس بالباطل
تقتل ذرية النبي وير *** جنون جنان الخلود للقاتل
وكان شعراء الدولة العباسية يحرضون الحكام على فتك ببني أمية، وهو ما استجاب له الحكام العباسي السفاح، قال سديف بن ميمون.([12])
لا يغرنك ما ترى من أناس *** إن بين الضلوع داءً دويا
فضع السيف وارفع السوط حتى *** لا ترى فوق ظهرها أمويا
وتلاشى الحديث عن الخلافة وحين غلب العنصر الأعجمي على الحكم ظهرت نزاعات شعوبية عنصرية وكان من روادها أبو نواس الذي عبر عن ازدرائه للعنصر العربي قال: ([13])
عاج الشقى على رسم يسائله *** وعجت أسأل عن خمارة البلد
يبكي على طلل الماضين من أسد *** لا در درك قل لي من بنو أسد
ومن تميم ومن قيس ولفهما *** ليس الأعاريب عند الله من أحد
في القرن الرابع الهجري أصبح بعض العرب يتذمرون من حكم الأعاجم على أنهم لا يصلحون للحكم ولا عهد لهم ولا ذمم وقال المتنبيء. ([14])
وإنما الناس بالملوك وما *** تفلح عرب ملوكها عجم
لا أدب عندهم ولا حسب *** ولا عهود لهم ولا ذمم
إن في معظم الدويلات التي تعاقبت على الحكم الدولة الإسلامية، خاصة في عصري المماليك والعثمانيين، حيث حكم المماليك والعثمانيون كثيراً من البلاد العربية، فلم يجد العرب غضاضة على أنفسهم في حكمهم وهلل بعض الشعراء وفرحوا بانتصاراتهم مما كان له أثر واضح في الحياة السياسية.
وفي العصر الحديث عرف الشعر السياسي والوطني نشاطاً كبيراً، فقد أهتم الشعراء بجميع مناحي الحياة ذات الصلة بالسياسة ولم يقتصر شعرهم على ما يقع في بلدانهم فقط، وإنما شمل جميع أحداث الوطن العربي والاسلامي، نظم أغلب الشعراء قصائد كثيرة يستنهضون شعوبهم للتحرر من الاستعمار بشتى أشكاله ، عرف هذا النوع بالشعر السياسي التحريري أو الثوري.
قال محمد العيد آل خليفة: ([15])
يا قوم هبوا لاغتنام حياتكم *** فالعمر ساعات تمر عجالا
الأسر طال بكم فطال عناؤكم *** فكوا القيود وحطموا الاغلال
والشعب ضج من المظالم فانشدوا *** حرية تحميه واستقلال
إن الشعر السياسي فضح أساليب الاستعمار في قمع الشعوب، وتأدييد الثورات التحريرية والتنديد بالفساد السياسي وتمجيد البطولة والفدأء، وتشجيع المواقف الداعية إلى وحدة الشعوب العربية والاسلامية.
المبحث الثالث
أثر الشعر السياسي في حزب الخوارج
كان الشعر السياسي عند الخوارج خلال العصر الأموي أثر كبير وفعًال، لأنهم كانوا جماعة معارضة مسلحة تعتمد على الاقناع والتحريض، في الوقت لم تتوفر فيه وسائل نشر الافكار إلا الخطابة والشعر. ومن أهم أثر الشعر السياسي في الآتي.
1 ـ وسيلة دعائية لنشر أفكارهم: اعتمد الخوارج على الشعر لنشر معتقداتهم السياسية والعقدية، مثل مبدأ تكافؤ المسلمين، وإن لا حكم إلا الله، ورفض ظلم الحكام الأمويين وانتقاد سياستهم، واصبح الشعر وسيلة للوصول إلى عامة الناس وتحريضهم على الانضمام إلى صفوفهم.
2ــ التحريض على الثورة والجهاد. أغلب شعر الخوارج يتسم بالحماسة، مما جعله أداة فعالة لرفع الروح القتالية داخل صفوفهم وتحريض الناس على الثورة ضد الدولة الأموية .
3ــ تعزيز هويتهم الجماعية. ساعد الشعر في رفع معنويات المقاتلين، وتأكيد وحدة الجماعة رغم تفرًق فرقها، وتمجيد القيم، مثل الشجاعة والزهد، والصبر، والشهادة، وكان الشعر يخلق لديهم إحساساً بأنهم أصحاب قضية وليسوا مجرد ثوار مسلحين.
4ــ تشويه صورة السلطة الأموية. استخدم شعراء الخوارج، مثل عمران بن حطان وقطري بن الفجاءة، الشعر في نقد الحكام الأمويين، وفضح سياساتهم، وإظهارهم في صورة الظالمين، وقد ساهم ذلك في انتشار صورة سلبية عن الحكم الأموي لدي بعض الناس خاصة في المناطق البعيدة عن مركز السلطة.
5ــ صناعة رموز بطولية. كان الشعر يخلد أبطال الخوارج مثل، شبيب بن يزيد الشيباني، وقطري بن الفجاءة، هذا الخلود الشعري جعلهم رموزاً للمقاومة في الوعي الشعبي، واستمر تأثير شعرهم بعد زوال حركاتهم العسكرية.
6ــ حفظ تاريخ الخوارج وفكرهم، لولا الشعر لاصبح كثير من أخبار الخوارج مجهولاً، فالشعر كان وثيقة تارخية تحكي معاركهم وعقائدهم وآراهم في الحكم، وهو ما حفظ جزءًا مهماً من تاريخ المعارضة الإسلامية المبكرة. وخلاصة الأثر : الشعر السياسي عند الخوارج في العصر الأموي كان سلاحاً فكرياً وإعلامياً ساهم في نشر عقيدتهم، ودعم ثوراتهم ، وإضعاف هيبة الدولة، وتثبيت صورتهم في التاريخ.
وتميز الشعر السياسي في العصر الأموي، بسمات دينية، وكان أساس مذهب الخوارج مستمد من القرآن الكريم. وفي السنة حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى). ([16])
وعلى هذا الاساس بنوا نظريتهم السياسية في حكمهم على النحو التالي: ليست الخلافة حكراً لقبيلة أو أسرة كأسرة قريش أو آل البيت، ورأوا أن هذه الاحزاب كلها تمثل سرًة العرب وأشرفهم، ولا تمثل سواد الأمة، ومن هنا جاءت اتجاهات شعرهم السياسي على الاتي:
1ــ المبدأ والشعار.
مبدأ الخوارج تقوى الله ، وشعارهم لا حكم إلا لله، ووفق هذا المبدأ باعوا الله أنفسهم في سوق الجهاد تصديقاً لقوله تعالى: ( إن الله أشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون…). ([17])
وشعارهم تحكيم الكتاب ورفض ما قبل به عليً بن أبي طالب، رضى الله عنه من تحكيم الرجال قال: الجعدي بن أبي صمام يصف الخوارج. ([18])
شباب أطاعوا الله حتى أحبهم *** وكلهم شارِ يخاف ويطمعُ
دعوا خصمهم بالحكمات فبينوا *** ضلالتهم والله ذو العرش يسمع
وقال الشاعر ابن الجعد مخاطباً الحجاج بن يوسف الثفقي. ([19])
ينادون بالتحكيم لله إنهم *** رأوا حُكم عمرو كالرياح الهوائج
وحكم ابن قيس مثل ذاك فأعصموا *** بحبل شديد بناهج
في هذه الأبيات خاطب الشاعر الحجاج بن يوسف ، وذكر فيها أن تحكيم أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص في مصير الأمة كان هباء طارت به رياح السياسة المتقلبة، وأن التحكيم الصحيح لا يتهيأ إلا بالاحتكام إلى كتاب الله، ففي آياته سعادة البشر في الدارين، ونجاتهم من الآراء المتضاربة والسبل الملتوية.
2ــ تكفير المسلمين: كان للشعار الذي رفعه الخوارج أثر سلبي في موقفهم السياسي من عامة المسلمين، فالذين يرضون شعارهم ينجون من سيوفهم، والذين يرفضون تسلط السيوف على رقابهم ويستأصلون. وفي ذلك قال قطري بن الفجاءة يفخر بإغارته على المسلمين الامنين، ويسميهم كفاراً، ويعتز باستباحة حُرماتهم، ويعد أصحابه بمرضاة الله، وبالفوز يوم القيامة بالخلود في جنته، قال في حديثة عن زوجته أم أحكيم.([20])
فلو شهدتني يوم ذاك وخيلنا *** تبيح من الكفار كل حريم
رأت فتية باعوا الاله نفوسهم *** بجنات عدن عنده ونعيم
وسميرة بن الجعد ذهب المذهب نفسه في مخاطبته للحجاج بن يوسف إذ أنكر كل الاحزاب السياسية، وكل آرائها في الخلافة، ولم ير الرشاد إلا فيما ذهب إليه الخوارج، فهم وحدهم على حق، وكل من خالفهم على باطل لأنهم بالتحكيم ضلوا وأضلوا، وحادوا على الصراط المستقيم، فهم يستحقون اللعنة لا الجنة، والعقاب لا الثواب قال: ([21])
فمن مُبلغُ الحجاج أن سُميرة *** قلى كلً دين غير دين الخوارج
رأى الناس إلا من رأى مثل رأيه *** ملاعين ترَكين قصدَ المناهج
3ــ الحكَام ظلام وقتالهم واجب.
كانت الخلافة الإسلامية محور الخلاف بين الأحزاب السياسية، لهذا فإن أهم ما كان يهمَ الخوارج انتزاع الحكم من بني أمية وإذا كان عاجزين عن انتزاعه منهم فليسوا عاجزين عن قتالهم سواء أفضى بهم القتال إلى النصر أم الشهادة.
قال الشاعر أبو وازع الراسي محرضاً نفسه وقومه على مقاومة بني أمية بالسيف لا بالقول، لأن قتالهم بالسيف سيبلغه إحدى الحسنيين، الشهادة أو الانتصار على الحاكم الأموي الظالم الذي ضلً وأضل، وخالف دين الإسلام بحكمه الجائر.([22])
لسانك لا ينكى به القوم إنما *** تنال بكفيك النجاة من الكرب
وقال أبو بلال مرداس بن أدية ملتمس من ربه العون على محاربة الجائرين الغادرين من ولاة الأمويين لمحق الكافرين، وسحق الملحدين واثقاً بقدرة الله وتأييده، ومصراً على مقاومة الحكم الظلام ليطهر الدنيا من مخازيهم. ([23])
إلهي هب لي زلفة ووسيلة *** إليك فإني قد سئمت من الدهر
وقد أظهر الجور الولاة وأجمعوا *** على ظلم الحق بالغدر والكفر
وفيك إلهي إن أردت مغيرُ *** لكل الذي يأتي إلينا بنو صخر
فيا رب لا تسلم ولاتك للردى **** وأيدهم يا رب بالنصر والصبر
ويسر لنا خيراً ولا تحرمنا *** لقاء ذوي الإلحاد في عددٍ دثر
4ــ بين تقدير الأمراء وتحذيرهم.
لم تكن مواقف الخوارج السياسية من الخلفاء والأمراء مبنية في كل حين على عداوة أو صرف وتنافر محض، بل كان يعرض لبعض المواقف بعض المهادنة، ومن هنا استخدموا سياسيتهم التي تقدر صنائع الأمويين لهم.
ومن الشعراء الخوارج الذين يقدرون الأمويين أيما تقدير، الشاعر عمران بن حطان رأس الصفرية وخطيبهم وشاعرهم، إذ نراه يقر بفضل أمير أموي يسمى روح بن زنباح الجذامي، شاكراً له ما لقيه في كنفه من كرم وطمأنينة طوال عام كامل.([24])
أكرم بروح بن زنباح وأسرته *** قومُ دعا أوليهم للعلا داع
جاورتهم سنة فيما أسر به *** عرضي صحيح ونومي غير تهجاع
ولم تكن مواقف الخوارج السياسية في كل حين تشدداً معتمداً، وإنما كانت في بعض الأحيان رداً على ظلم، أو اعتراضاً على حاكم، فعتبان بن وصيلة الشيباني حاول أن يتودد إلى عبد الملك بن مروان بالمصالحة والمناصحة على أن يعزل الحجاج بن يوسف الثقفي ، ويولي العراق رجلاً يترقق بالأمة، ولا يشق عليها، فقال: ([25])
لعمري لقد نادى شبيب وصحبه *** على الباب لو أن الأمير يجيب
فأبلغ أمير المؤمنين رسالة *** وذو النصح لو تصغى إليه قريب
فلا صلح ما دامت منابر أرضنا *** يقوم عليها من ثقيف خطيب
5ــ كراهية الحياة والشهوات.
لم يكن في سياسة الخوارج طلباً للدنيا مع أنهم كانوا يحاربون طلابها، وهذا ما أورده المبرد في كتابه قال: ( إن الخوارج ولوا قيادتهم مرداس بن أدية، فمضى بهم حتى نزل فمر به مالُ يحمل لابن زياد، وقد قارب أصحابه الأربعين، فحط ذلك المال، فأخذ منه عطأه، وأعطيات أصحابه، ورد الباقي على الرسل). ([26])
وأعجب ما يثير عجبك من الخوارج أن نساءهم لم يكن أقل زهداً من الرجال، وإنما كن ينافسنهم في احتقار المال، وفي الاستبسال في القتال. كانت أم حكيم زوجة قطري بن الفجاءة ذات جمال وبها تقوى، فكانت على تقواها أحرص منها على جمالها وبهائها، حتى إنها كانت تزهد في التجميل، وتقبل على ميادين القتال، متصدية للفرسان، متحدية جند الأمويين، قالت: ([27])
أحمل رأساً قد سئمت حملهُ
وقد مللت دهنه وغسله
ألا فتى يحمل عني ثقله
وكانت عُميرة، وكان زوجها مجاشع من قعد الخوارج إذ تركت زوجها مضجعاً على مهاد الجبن مع الخوالف، واندفعت إلى الميدان تشتق الصفوف بين الرماح والسيوف، لكي تتجرع أو تجرع أعداءها الحتوف، بعدما زهدت فيما تكلف به الحسناء من سرير، وخلاخيل ذوات صليل، لأن ما بعد الشهادة أحب إليها من الدنيا وزينتها، قالت: ([28])
أبلغ مجاشع إن رجعت فإنني *** بين الأسنة والسيوف مقيلي
أرجو السعادة لا أحداث ساعة *** نفسي إذا ناجيتها بقفول
ووهبت خدري والفراش لكاعب *** في الحي ذات دمالج وحجول
6ــ الشوق إلى الموت والجنة:
عندما أحس الخوارج بضؤولة الدنيا وتفاهة الحياة وإيمانهم بعظمة الاخرة، هذا الإحساس، تضاعف لديهم حينما قرنوا حكم الصديق والفاروق، رضى الله عنم، بحكم الأمويين، فذهبوا إلى أن خلافة العمرين مشروعة، وأن خلافة الأمويين مغتصبة، فلما عجزوا عن رد الحق إلى نصابه، وتوليه الحكم من هو له أهل كرهوا الدنيا وما فيها، فجاء شعرهم السياسي للتشوق إلى الموت، ليشفيهم من النقمة على الحياة الدنيا العامة وعلى الحكم الظلام خاصة.
وهذا الإحساس صغر في أعينهم البشر، وكبرَ الكون، فلم يأبهوا لما أنذرهم به أهل الكوفة حينما هددوهم بأن يحرقوهم إذا ظفروا بهم لأن إحراق الجسوم لن يمنع خلود الأرواح، والسعادة الحقيقية ليست في نجاة الإنسان من الموت في الدنيا، بل في نجاته من الجحيم في الآخرة، وأدل ما يدلل على تفاهة الأجساد البشرية أن موت ألف إنسان لا يغير من قوانين الفلك الكونية قيد أنملة، قال فروة بن نوفل الحروري. ([29])
ما إن نبالي إذا أرواحنا قبضت *** ماذا فعلتم بأجساد وأبشار
تجري المجرة والنسران بينهما *** والشمس والقمر الساري بمقدار
لقد علمتُ وخير العلم أنفعه *** أن السعيد الذي ينجو من النار
المبحث الرابع
خصائص شعر الخوارج السياسي
يعد شعر الخوارج من أبرز النتاجات الأدبية التي ظهرت في صدر الإسلام، وقد تميز بخصائص فنية وفكرية تعكس طبيعة هذه الفرقة ومواقفها العقائدية والسياسية، فقد عاش الخوارج في أجواء الصراع والقتال والأحداث الكبرى، مما جعل شعرهم مرتبطاً وثيقاً بالحياة الحربية والروح الدينية المتشددة التي اتسموا بها، وقد اكتسب شعرهم طابعاً خاصاً به يختلف في كثير من ملامحه عن شعر القبائل العربية التقليدي ومن أهم خصائصه.
1ــ الطابع العقائدي: امتزج الشعر بعقيدتهم، وخاصة مبدأ تحكيم شرع الله، ورفض الظلم، وتكفير الحكام الجائرين.
2ــ التحريض والثورة: وظفوا الشعرللدعوة إلى القتال والخروج على السلطة، وتصوير الموت في سبيل العقيدة كأعلى قيمة.
3ــ البساطة والوضوح: كان شعرهم مباشراً وسهل الفهم، لأن هدفه الدعوة والتحريض لا التزيين البلاغي.
4ــ التركيز على العدل والمساوة: أكد شعرهم على أن الحكم يجب أن يكون للأصلح، بغض النظر عن النسب أول القبيلة.
5ــ الإيمان بالاخرة والجنة: حضر الوعد باثواب والنعيم في الاخرة بكثرة التشجيع الاتباع على التضحية.
6ــ النبرة الحماسية: يمتاز بإقاع قوي وصوت حربي يعكس شدة اندفاعهم واستعدادهم للموت.
ومن أهم سمات شعر الخوارج ، قال صاحب الكتاب ( الشعر السياسي) عن شعر الخوارج، هو جديد في معانية يستمدها من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهو جديد في غايته، إذ كان جهاداً في سبيل الحكم الصالح، وهو جديد في خلق رجاله وعواطفه، وهو جديد في أساليبه الرقيقة السلسة الجزلة، ومن أهم سمات شعر الخوارج السياسي منها.
1ــ الالتزام:
لم يظهر في العصر الأموي حزب سياسي ألتزم أبناؤه على نحو الذي تجلى في حزب الخوارج، لقد التزم أعضاء هذا الحزب أفكارهم من الشعار الكليً إلى السلوك اليومي، ولم يقاربهم في هذه الخصيصة إلا الشيعة ، غير أن الشيعة مزجوا الالتزام بالمحاورة والجدل، وبالمسالمة والاعتدال، أما الخوارج فقد كانت أفعالهم أسبق من أقوالهم، ونساؤهم أشجع من رجالهم، حتى أن زوجة أبي حمزة الخارجي، واسمها الجديعاء اشترت سلاح الرجال بحلية النساء، ونزلت إلى الميدان وقالت: ([30])
أنا الجديعاء وبنت الأعلم
من سال عن اسمي فاسمي مريم
بعتُ سواري بعضبٍ مخذمِ
وقالت: ([31])
كُنا أناساً على دين ففرقنا *** طول الجدال وخلطُ الجدِ باللعب
ما كان أغنى رجالاً ضلَ سعيهم *** عن الجدال وأغناهم عن الخُطب
إني لأهونكم في الأرض مُضطَرباً *** ما لي سوى فرسي والرمح من نشب
2ــ الاقتباس من القرآن الكريم.
إن القرآن الكريم بعد نزوله أضاف إلى الفكر العربي صناعة جديدة في قول الشعر خاصة في العصرين الأموي والاسلامي، حيث كان المقصود من هذا تميز شعراء حزب الخوارج الأموي من غيرهم لاقتباسهم من معاني القرآن الكريم.
ما استلهمه شعراء الخوارج في شعرهم السياسي من معاني القرآن الكريم كثير جداً، وذلك مثل قول عمرو بن الحصين في وصف الخوارج. ([32])
متأهبون لكل صالحة *** ناهون من لاقوا عن النُكرِ
إلا نحيهم فإنهم *** رجف القلوب بحضرة الذكر
اقتبس عمرو بن الحصين في البيت الأول من قوله تعالى : ( التأبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون …) ([33]) وفي البيت الثاني كان اقتباسه من قوله تعالى: ( إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم …)([34]) قال الشاعر مرداس بن أدية مقتبساً من القرآن الكريم. ([35])
فيا رب لا تسلم ولا تكن للردى *** وأيدهم يا رب بالنصر والصبرِ
وفي هذا البيت اقتباس واضح من قوله تعالى : ( قد كان لكم آية فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثلهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء…) ([36])
وكذلك نرى الشاعر الرهين المرادي يقتبس من القرآن الكريم.قال: ([37])
وابن المنيح ومرداساً واخوته *** إذ فارقوا زهرة الدنيا مخاميصا
تخالُ صفهم في كلِ معترك *** للموت سوراً من البنيان مرصاصا
حيث اقتبس من البيت الثاني من معنى قوله تعالى: ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيل الله صفاً كأنهم بنيان مرصوص …) ([38])
3ــ الاقتباس من الحديث النبوي.
لا يكثر الشعراء الخوارج في شعرهم السياسي اقتباس المعاني من الحديث كما أكثروا اقتباسها من القرآن الكريم. وعلى الرغم من هذه القلة فإن البيان النبوي فرض نفسه عليهم وعلى غيرهم، فأخذوا منه بعض الاحاديث بالمعنى، كما في قول حصين بن حفصة مقتبساً من قوله صلى الله عليه وسلم ( سبحان مقلب القلوب…) ([39]) فقال: ([40])
فما جئته أعشو إليه بشبهة *** ولا طالباً مالاً ولا الجاه أطل
ولكنني أحدثت لله توبة *** نقلت إليها والقلوبُ تقلبُ
واقتبس أبو الحديد من معنى الحديث النبوي بقوله: ([41])
أسلمت عرسك والبلاءُ موكل *** بالقول عند تشاجرٍ المران
وفي البيت اقتباس واضح من قوله صلى الله عليه وسلم ( والبلاء موكل بالقول). ([42])
الخاتمة
جاءت هذه الورقة بعنوان ( أثر الشعر السياسي في حزب الخوارج الأموي) وتوصلت الدراسة إلى الاتي.
1ــ إن شعر الخوارج السياسي اصطبغ بصبغة دينية مستمدة ألفاظها ومعانيها من القرآن الكريم والسنة النبوية.لهذا كان جديد في معانيه، وجديد في غايته، لأنه كان جاهداً في سبيل الحكم الصالح كما يرى الخوارج.
2ــ يمتاز شعرهم السياسي بأنه أصدق صورة أدبية لمذهب ديني سياسي وذلك من خلال احتفاظهم بسمتهم البدوية، فجاء شعرهم السياسي صريحاً جريئاً قوياً جمع صدق الشعور وقوة العقيدة وسلامة الخُلق والطبع.
3ــ جاء معظم شعرهم السياسي عبارة عن مقطوعات لا قصائد، في ايقاع قوي وموضوعه الجهاد والشهادة والتحزير من القعود والاستبشار بأولئك الذين نالوا الشهادة.
4ــ يمثل شعرهم السياسي أكثر أشعار الأحزاب الأخرى، بعداً عن المدح أو الفخر أو الغزل، وأكثر اهتماماً بالحماسة ومواقف الجهاد الثائرة، وضمن هذا الغرض الكلي تتبعثر المعاني الجزئية لشعرهم السياسي وتنسج من خيوطها أفكار الخوارج وأخلاقهم ومشا عرهم وسلوكهم.
وفي الختام يتبين أن الشعر السياسي في شعر الخوارج لم يكن مجرد تعبير أدبي، بل كان ركناً أساسياً في بناء هويتهم الفكرية وموقفهم من السلطة والمجتمع، فقد استخدم الخوارج الشعر وسيلة لشرح عقيدتهم، وتأكيد مبادئهم القائمة على العدل، والدعوة إلى الثورة، وقد شكل هذا الشعر وثيقة تارخية حية تظهر مدى فاعلية الكلمة في تغيير الواقع أو محاولة تغييره، واسهم في رسم صورة الخوارج في الذاكرة الأدبية والسياسية. وبذلك اصبح شعرهم السياسي ليس مجرد نتاج أدبي،بل وثيقة تعكس روح العصر والصراع القوى، وتبرهن على قدرة الكلمة على صنع التأثير وتوجيه الأحداث، ومن هنا يتجلى أثر الشعر السياسي في شعر الخوارج باعتباره جزءاً أصيلاً من تجربتهم النضالية، وشاهداً على حيوية الدور الذي لعبه الأدب الإسلامي.
المصادر والمراجع:
القرآن الكريم
1ــ البيان والتبين: عمرو بن بحر الجاحظ، دار ومكتبة الهلال، بيروت عام 1423هــ
2ــ تاريخ الأدب العربي العصر الجاهلي : شوقي ضيف، دار المعارف القاهرة، ب ت .
3ــ حماسة القرشي: عباس بن محمد بن مسعود القرشي: تحقيق، خير الدين محمود قبلاوي، وزارة الثقافة، سوريا، دمشق، عام 1995م.
4ــ خزانة الأدب، لسان العرب: عبد القادر عمر البغدادي، تحقيق وشرح، عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1418هــ .
5ــ ديوان الخوارج، نايف محمود معروف، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عام 2010م.
6ــ ديوان عبد الله بن قيس الرقيات: دار صادر بيروت، 1985م.
7ــ ديوان محمد العيد آل خليفة، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر.
8ــ زهر الأداب وثمرة الألباب: إبراهيم بن علي بن تميم الأنصاري، دار الجيل بيروت.
9ــ زهر الأكم في الأمثال والحكم: الحسن بن مسعود، تحقيق، د محمد حجي، د محمد الأخضر، الدار البيضاء، المغرب، 1981م.
10ــ سنن الترمزي: محمد بن عيسى الترمزي، وزارة الأوقاف المصرية، القاهرة.
11ــ السيرة النبوية: عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري، تحقيق: عمر عبد السلام، دار الكتاب العربي، 1410هــ
12ــ شعر الخوارج : إحسان عباس، دار الثقافة بيروت، لبنان، ط3، 1974م.
13ــ الشعر السياسي في العصر الأموي، كاظم الظواهري، دار الصحوة للنشر، عام 1987م.
14ــ الشعر والشعراء: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، دار الحديث، القاهرة، 1423هــ.
15ــ العقد الفريد: أبو عمر، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه، دار الكتب العلمية، بيروت 1404هــ
16ــ العمدة في محاسن الشعر وآدابه: أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني، دار الجيل ط5 1401هــ
17ــ الفرق بين الفرق: عبد القاهر البغدادي، تحقيق، محمد محي الدين عبد الحميد، دار التراث، القاهرة.
18ــ الفرق الكلامية الإسلامية: علي عبد الفتاح المغربي، ط1995م.
19ــ الفن ومذاهبه في الشعر العربي: شوقي ضيف، دار المعارف بمصر ط12.
20ــ الكامل في اللغة والأدب: محمد بن يزيد المبرد، دار الفكر العربي، القاهرة، ط3 1417هـ.
21ــ المعجم الوسيط ، معجم اللغة العربية، ابراهيم مصطفى وآخرون، دار الدعوة القاهر.
Margins:
-
() ــ الفرق الكلامية الإسلامية: علي عبد الفتاح المغربي، ط2، 1995م، ص169. ↑
-
() ــ الفهرست بن النديم: تحقيق إبراهيم رمضان، دار المعرفة بيروت، لبنان، ط2، 1417هــ. ص258. ↑
-
() ــ الفرق بين الفرق: عبد القادر البغدادي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة دار التراث، القاهرة، 2007ـ ص81. ↑
-
() ــ الفرق بين الفرق: عبد القادر البغدادي، ص90. ↑
-
() ــ شعر الخوارج إحسان عباس، دار الثقافة بيروت، لبنان ص3، 1975م، ص23. ↑
-
() ــ تاريخ الأدب العربي العصر الجاهلي: شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة، ص61. ↑
-
() ــ السيرة النبوية: عبد الملك بن هشام الانصاري، تحقيق، عبد السلام دار الكتاب العربي، ط3، 1410هـ ص87. ↑
-
() ــ ديوان عبد الله بن قيس الرقيات: دار صادر بيروت، ط2، 1985. ↑
-
() ــ خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب: عبد القادر بن عمر البغدادي: تحقيق وشرح ، عبد السلام محمد هارون، القاهرة، ط4، 1418هــ. ↑
-
() ــ الكامل في اللغة والأدب: محمد بن يزيد المبرد، دار الفكر العربي، القاهرة، ط3، 1417هــ ص127. ↑
-
() ــ الشعر والشعراء أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، دار الحديث، القاهرة، 1423هــ ص 848. ↑
-
() ــ العمدة في محاسن الشعر وآدابه، أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني، دار الجيل 1401هــ ص 62. ↑
-
() ــ الفن ومذاهبه في الشعر العربي: شوقي ضيف، دار المعارف بمصر، ط12، ص99. ↑
-
() ــ زهر الأدب وثمر الألباب: إبراهيم بن علي بن تميم الانصاري، دار الجيل، بيروت، ص644. ↑
-
() ــ ديوان محمد العيد آل خليفة: دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2010م، ص 307. ↑
-
() ــ كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: علاء الدين علي بن حسام الدين، تحقيق بكري حباني، صفوة السقا، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر، ط5، 1981م، ص 699. ↑
-
() ــ سورة التوبة الاية ( 111). ↑
-
() ــ شعر الخوارج: إحسان عباس، ص 179. ↑
-
() ــ ديوان الخوارج: نايف محمود معروف، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عام 1983م، ص 38. ↑
-
() ــ زهر الأكم في الأمثال والحكم: الحسن بن مسعود، تحقيق، د. محمد حجي، د. محمد الأخضر، الدار البيضاء، المغرب، 1401هــ ص165. ↑
-
() ــ شعر الخوارج: إحسان عباس، ص 122. ↑
-
() ـ الكامل في اللغة والأدب: للمبرد، ج3، ص202. ↑
-
() ــ شعر الخوارج: إحسان عباس ص51. ↑
-
() ــ خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب: للبغدادي، ص358. ↑
-
() ــ شعر الخوارج : إحسان عباس، ص 182. ↑
-
() ــ الكامل في اللغة والأدب: المبرد، ص 183. ↑
-
() ــ ديوان الخوارج، ص27. ↑
-
() ــ ديوان الخوارج ص 150. ↑
-
() ــ العقد الفريد: أبو عمر، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه، دار الكتب العلميةـ بيروت، ط1، 1404هــ ص254. ↑
-
() ــ ديوان الخوارج، ص 37. ↑
-
() ــ البيان والتبين: عمرو بن بحر الجاحظ، مكتبة الهلال، بيروت، ص 58. ↑
-
() ــ حماسة القرشي: عباس بن محمد بن مسعود القرشي، تحقيق، خير الدين محمود قبلاوي، دمشق، ص187. ↑
-
() ــ سورة التوبة: الآية ( 112). ↑
-
() ــ سورة الانفال: الاية ( 2). ↑
-
() ـ شعر الخوارج: إحسان عباس، ص 51. ↑
-
() ــ سورة آل عمران ، الاية ( 13). ↑
-
() ــ شعر الخوارج: إحسان عباس ص62. ↑
-
() ــ سورة الصف : الاية (4). ↑
-
() ـ سنن الترمزي: محمد بن عيسى الترمزي، القاهرة، ص21. ↑
-
() ــ شعر الخوارج: إحسان عباس، ص 105. ↑
-
() ــ ديوان الخوارج ص 11. ↑
-
() ــ مسند ابن الجعد: علي بن الجعد، الجوهري، تحقيق: عامر أحمد حيدر، مؤسسة نادر بيروت، ص290. ↑