المدينة والهويّة وتلاقي العلامات في الرواية العربية

The City, Identity, and the Convergence of Signs in the Arabic Novel

د. سميحة عبد القادر البوزايدي1

1 جامعة الجوف، المملكة العربية السعودية.

بريد الكتروني: sam.kader@hotmail.fr

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj71/8

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/71/8

المجلد (7) العدد (1). الصفحات: 106 - 118

تاريخ الاستقبال: 2025-12-01 | تاريخ القبول: 2025-12-07 | تاريخ النشر: 2026-01-01

Download PDF

المستخلص: يتناول هذا البحث تمثلات المدينة بوصفها فضاءً وذاتًا وعلامةً هوياتية في الرواية العربية المغاربية، من خلال مقاربة نقدية تستند إلى تحليل نماذج روائية مختارة لعبد الله العروي، محمود طرشونة، أحلام مستغانمي، واسيني الأعرج، زهور ونيسي، زهور كرام، حسن نصر، وجيلالي خلاص. ينطلق البحث من أنّ المدينة ليست مجرّد إطار مكاني لتأثيث العالم الروائي، بل بنية دلالية وجمالية فاعلة في تشكيل الحركة السردية، وبناء الشخصيات، وصياغة رؤيتها للعالم. ويبيّن كيف تتجسد الهويّة في علاقة جدلية بين الذات والمدينة عبر مستويات متشابكة: هوية فردية تحفرها التجارب الخاصة وعلاقة الإنسان بحيّه وبيته وشارعه، وهوية تاريخية تحتفظ بها المعالم الأثرية والذاكرة الجماعية، وهوية اجتماعية تعبّر عنها العمارة والعادات وأنماط العيش وقيم التآزر أو الاغتراب. كما يكشف البحث عن حضور الذاكرة – الفردية والجماعية والإنسانية – بوصفها وسيطًا حاسمًا في تثبيت هوية المدينة واستعادة صورها في الوعي السردي، بحيث تغدو المدينة مركزًا تتقاطع فيه الذات والفضاء والذاكرة، وعنوانًا مكثفًا لهوية معمارية وثقافية وحضارية متعدّدة الأبعاد.

الكلمات المفتاحية: المدينة، الفضاء، الهوية، الذاكرة، الرواية المغاربية.

Abstract: This study explores representations of the city as space, self, and identity marker in the Maghrebi Arabic novel, through a critical approach based on the analysis of selected works by Abdallah Laroui, Mahmoud Tarshouna, Ahlam Mosteghanemi, Waciny Laredj, Zhor Ounissi, Zhor Karam, Hassan Nasr, and Djilali Khalas. It starts from the premise that the city is not merely a spatial frame that furnishes the fictional world, but a semantic and aesthetic structure that actively shapes narrative movement, character construction, and the articulation of worldviews. The study shows how identity is embodied in a dialectical relationship between self and city across intertwined levels: an individual identity shaped by personal experience and by one’s relationship with the neighbourhood, home, and street; a historical identity preserved by monuments and collective memory; and a social identity expressed by architecture, customs, ways of life, and values of solidarity or estrangement. It also reveals the central presence of memory—individual, collective, and human—as a crucial mediator in consolidating the city’s identity and retrieving its images within narrative consciousness. In this way, the city becomes a core locus where self, space, and memory intersect, and a condensed sign of an architectural, cultural, and civilizational identity with multiple dimensions.

Keywords: City; space; identity; memory; Maghrebi novel.

المقدمة:

لعلّ الناظر في المنجز النقدي الحديث والمعاصر يلاحظ تزايدًا في الاهتمام بمسألة المكان (le lieu) وكذلك الفضاء ( l’espace)؛ نظرًا لما تثيره هذه المصطلحات من إشكاليات دلالية وفنيّة جديرة بالبحث، خاصّة وأنّ ازدهار الجنس الروائي ارتبط بازدهار المدن (les villes)، فتجاوزت بذلك النظرة الكلاسيكية للمكان القائمة على حصر وظيفته في تأثيث العالم الروائي ليصبح عنصرًا منمّيًا للحركة الدرامية بمختلف تجلّياتها؛ فصار المكان حاملاً وظائف عديدة ذات صلة بالشخصيات وأفكارها ورؤياتها وتصوّراتها، وبالأحداث وتعقّد نظامها وغنى دلالاتها الجمالية والفكرية، وبالأزمنة وتنوّع أنساقها، وبالخطابات وبنياتها وصيغها وتجلياتها، وباللغة في معاجمها كما في مستوياتها ودلالاتها، فتجاوز المكان بذلك وظيفة التأطير ليصبح أساس النسيج الحكائي المعقد، الذي تتشكّل فيه المدينة فضاءً يرشّح دلالاتٍ وأبعادًا وثيقة الصلة بالإنسان وممارساته اليومية؛ مما أُكسب هذا الفضاء وظيفة خاصّة، مكّنته من أن يكون العنصر الأساس في ولادتها وفي تأسيس هويّتها.

وتعدّ فكرة (الفضاء)- وتحديدًا المدينة وارتباطها بالهويّة – من بين الإشكاليات المرتبطة بالذات ومختلف عوالمها الجغرافية والفكرية والنفسية، لما يمتلكه الفضاء من علامات وصور مختلفة، ترسم ملامحه وعنوان هويّته. ومن هذا المنظور، تبدو الدراسات الأدبية والأعمال السردية المغاربية إحالات مهمّة لمعرفة المدينة واكتشاف أسرارها وفكّ رموزها وتأويل صورها ورسومها، فكان أن اكتسب الفضاء المدنيّ أهميّة كبيرة في الرواية ليس لأنّه أحد عناصرها التكوينية، وأنّه المجال الحيويّ الذي تنجز فيه الأحداث وتعاش الحالات، وتتحرّك من خلاله الشخصيات وتتفاعل فيما بينها، وإنّما لأنّه تحوّل إلى بنيته الأساسية التي تشكّل هويّته وتحدد مساراته وذاكرته الخاصّة.

ويحاول هذا البحث التقصّي في فضاء المدينة داخل أبنية السرد الروائي المغاربي وارتباطه بالهويّة في علاقتها المتشعبة بالفضاء والذات والآخر في مختلف تشكّلاته، ولأنّ المدينة عنوان هويّة والهويّة عنوان مدينة، فإنّ ذلك يسهم في رسم حدودها وتفاصيلها بكيفيات تتلاءم والكتابة أوّلا والذات الكاتبة وانفعالاتها ثانيّا، مما يجعل المدينة تغدو فضاء مكتنز الدلالة متنوّع الأبعاد. وينطلق البحث من أن تعريف المدينة لا يقصرها على تجمعات البشر ولا المنشآت المعمارية أو العادات والتقاليد فحسب وإنّما هي كل ذلك مجتمعة، فهي الذات والذاكرة والتاريخ، وهي الهويّة في أشمل صورها.

وفي ضوء هذا التعريف تتّخذ الهويّة/ المدنية عدة أشكالٍ وتتجلى في أكثر من صورة وأكثر من علامة، خاصّة ما يرتبط منها بالذاتي والاجتماعي والإنساني، وسيحاول البحث الوقوف بالتفصيل أمام أبرز تمثلات هذه الصور، موضحًا قيمتها ودلالاتها وأثرها في تشكيل الوعي والهوية في النص الروائي المغاربي.

  1. الذات/ المدينة وتعدّد صور الهويّة

تمهيد:

تعدّ المدينة بوصفها (الفضاء والذات والهويّة) من الموضوعات المهمّة، التي لقيت رواجًا في صفوف الباحثين والدارسين الغربيين والعرب، حيث أولوا اهتمامًا كبيرًا لها وإن كان ذلك في إطار نوع من التقسيم أو التفصيل، أو لنقل نظروا إلى الفضاء والذات بوصفها تيمات themes مندرجة ضمن هاجس كبير يسمّى الهويّة ID، وانطلاقًا من الذات self) سواء أكانت الذات المبدعة (الروائي le romancier) أو القارئة/ المتلقي le narrataire) فإن المستهدف في قراءة الرواية العربية ليس مقاربة مصطلح الذات في إطار المفهوم نظرًا لما يسود هذا المفهوم من إشكال والتباس يتخطّى المقولات المغلقة والسياقات الضيقة، وإنّما تمام الغاية البحث في إشكالية الهويّة المرتبطة بالفكر والتاريخ والاجتماع والواقع بمختلف تفاصيله وبالفضاء بمختلف أنواعه وأشكاله، ويعدّ فضاء المدينة متعدّد الملامح والروائح، تنسج الذات فيه كيانها وتنحت مسارها؛ فتؤثّر في محيطه وتتأثّر به؛ مما يحدث ذلك التناغم المتمثل في الاهتمام بالدراسات الرائجة في مجال النقد الروائي، المفروضة عليه وفق هذا الطرح؛ حيث تعدّ الكتابة هنا بمثابة المحاولة لتأسيس فضاء حرّ وانتزاع للهويّة وترسيخها داخل الفضاء الذاتي والمدني.

ولعلّ هذا الميل المشروع، الذي عبّر عنه عديد من الروائيين، دليل على أن ما تثيره هذه التيمات من إشكاليات وتساؤلات تختزل علاقة الذات بالمدينة والهويّة في مجمل أبعادها النفسية والحضارية وغيرها بحيث لا يمكن تجاهل هذا التفاعل، الذي تحاكيه الآثار السردية وتتبنّاه في تشكيل همزة الوصل بين هذه العناصر المتشابكة، ويكون هذا الاندماج ناتجًا عمّا تحدثه المدينة والهويّة من تأثيرات في الذات، خاصّة حين يتعلّق الأمر بالدفاع عن أهمية هذه المكوّنات لفرض وجودها، رغم كل الصعوبات التي ُيزعم أنّها قد اندثرت.

و يتأكّد أثر الذات في الخطاب الأدبي وتورّطها في رسم العالم الاجتماعي وسيطرتها على الفضاء، بوصفها النواة المشكّلة للخطاب والموجّهة له والراسمة لحدود المدينة ولتفاصيل حيوات أهلها وقاطنيها النفسية والفكرية والاجتماعية والسياسية، مثالاً على تعدد صور الهويّة مثلما يشير إلى ذلك مجموعة من المؤلفين في أسس علم النفس مُعرّفين لفظة الذات (self) بأنها “مصطلح يستخدم أحيانا بمعنى الشخصية أو الأنا، ويعني غالبًا إحساس الفرد أو وعيه بهويّته ووجوده”([1] وهي أيضًا” فكرة الفرد عن نفسه وإدراكه لها”([2]).

1-1 المدينة وتشكّل كينونة الذات:

إن كان الحديث عن الهويّة يتّخذ مسلكًا واضحًا أحاديًا – إن صحّ القول- يتمثّل في ارتباط الهويّة ببعدها الوطني القومي المتجسّد في الهوية الجمعية بمختلف تمظهراتها الدينية والعرقية واللغة والعادات والتقاليد وغيرها، فإنّ الفرد يعد خارج هذه الدائرة؛ ذلك أن الفرد لا يكون هنا عنصرًا غائبًا، بل يكون عنصرًا منصهرًا داخل المجموعة المنتمي إليها، رغم ما يمتلكه من خصوصية فردية تختلف عن خصوصية أفراد المجموعة، مما يقود إلى أن “يذوب الفرد في جسم الأمة”([3])، ولكن حين يرتبط الحديث بالفرد في علاقته بالمدينة ينكسر هذا الوهم؛ لأنّ لعنصر الفضاء- وهو هنا المدينة- وقعه في تشكيل كينونة الذات حتى تشكّل الذات كينونتها وتؤكّد انتمائها وتفاصيل هوّيتها.

إنّ ما نلمسه من خلال هذا التواصل بين هذه العناصر: المدينة والذات والهوية لا يجسّد حقيقة نوعًا من الثالوث، الذي يمنح شرعية معيّنة هدفها إقحام تصوّرات خاصّة أو ترويج رؤى شخصية داخل فضاء الرواية، وإنّما يروم طرح قضايا كانت تشكّل بالأمس شأنًا خاصًّا فأصبحت اليوم شأنًا عامًّا يهدّد أسس هذه العلاقة الترابطية بين كل من المدينة والذات والهوية، بوصفها وحدة متكاملة مؤسسة لهويّة سردية تخفي شدّة التعالق فيما بينهم. وهو ما يجعلنا نتبيّن أنّ الإنسان أو الذات غير منفصلة لا عن الفضاء ولا الهويّة، وأن هذه العلاقة التي يسودها الالتباس حينًا والتوافق والانسجام أحيانًا لها ما يبرّرها سواء أكان ذلك داخل الفضاء الروائي أم داخل الفضاء الاجتماعي.

إنّ الذات مهما تعدّدت تعريفاتها وتنوّعت دلالاتها تظلّ أبدًا مرتبطة بالفضاء تؤثّر فيه وتتأثّر به، كأن يتولّد شعور مفارق بين الطمأنينة والنفور والاغتراب. وهذا التعاقد بين الذات والمدينة يسهم في جعل الذات هي نفسها عنوانًا لتجربتها الشخصية مع فضاء المدينة، الذي تحاوره وتقيس عليه حالاتها النفسية والأخلاقية؛ فيصعب على الفضاء تجاهل الأبعاد الإنسانية، والأمثلة الروائية في هذا المنحى كثيرة ومتنوّعة و “لمّا كان للإنسان يدٌ في المكان كان- في المقابل- للمكان أثر في الإنسان، في جسمه، ونفسه، وتفكيره، ولغته”([4]).

ونعتقد أنّ هذا التواصل بين الذات والمدينة يبدو جليًّا في عددٍ من الكتابات الروائية المغاربية، التي ترى أن الفضاء المدني ليس “إطارًا موضوعيًّا، بل هو إطار لا يكتسب معناه إلاّ بدلالته الاجتماعية والسياسية”([5]وفي ذلك تأكيد على أنّ الانتماء مهما تعدّدت مسمياته وتنوّعت معانيه لا يمكنه نفي العلاقة بين الذات والمدينة فيه؛ ذلك أن هذا الفضاء الذي مثّل لدى بعض الذوات قدرًا محتومًا وإن تضارب فيه الشعور – بين حميمية باعثة على الألفة و بين تنافر- يعمّق الشعور بالتيه والضياع ويقود إلى الغربة والاغتراب.

ويقودنا الحديث عن هذه العلاقة بين الذات والمدينة إلى اختيار رواية “اليتيم” لعبد الله العروي، التي تنفتح من مدينة “البيضاء” وتنغلق عليها. وهي تمثل فضاء يمتاز بالقتامة لأنّ “البيضاء مدينة بلا قلب”([6] نظرا للانعكاس المتبادل بين المدينة بمختلف أماكنها والذات بمختلف أحاسيسها وتصوّراتها ورؤياتها، فقد يتبيّن أنّه حين تنقطع الصلة بين المدينة والذات ينتج إحساس بالعداوة يتشكّل فيها الفضاء ذاتًا تشحن الحواس، فتتحوّل بذلك المدينة إلى حسّ والحسّ إلى مدينة. وهو ما يؤكّد شدّة تغلغل الفضاء في سلوك الإنسان وتصرّفاته وأخلاقياته ونفسيته، التي لا يمكن أن يعبّر عنها إلاّ الفضاء، المتجلي من خلال مدينة البيضاء الكاشفة عن “علاقة قائمة على التوتر والإحساس بعدم الاستقرار، والإحباط، وربما يكون المكان أكثر سلبية على الشخصية فتظهر في صورة محطّمة”([7]).

وفي إطار هذا الترابط بين الذات والفضاءين: الروائي والمدني تبرز أهميّة العلاقة الجدلية بين جميع هذه العناصر، كأن تنعكس مدينة (الدار البيضاء) سلبًا على الذات، التي لا يمكنها أن تحافظ على وجودها رقمًا بين الأرقام. ولكن يمكن لهذه العلاقة بين الذات ومدينتها أن تتّخذ بعدًا إيجابيًا، كما نجده في رواية “جيلالي خلاّص” المعنونة باسم (حمائم الشفق)؛ حيث مثّل الفضاء الشخصية المحورية في بناء معمار الرواية إلى جانب قيمته الفنية والدلالية، مبرزًا علاقته بالذات التي تتجاوز الإعجاب لتعبّر عن إحساس عميق يلامس حدود العشق الصوفي، وهذا ما أعلنت عنه الذات في ثنايا الرواية معترفة بأنه “أعتقد أنني لا أعشق شيئا في الحياة كعشقي إيّاها بأزقتها المتثعبنة وشوارعها المتحلزنة وبيوتها المتسلحفة”([8]).

فهذا الارتباط النفسي والوجودي بالمدينة التي تمثل الفضاء الجغرافي يشكّل بؤرة للتفاعل بين الذات وعشقها للمدينة وبالتالي للهوية.

1-2 المدينة عنوان هويّة تاريخيّة:

تتخذ المدن عددًا من الملامح ومختلف التسميات التي تميّزها وتكسبها هويّتها الخاصّة، ولعلّ المدن العتيقة ذات الطابع الأثري تعدّ نموذجًا للمدينة ذات الطابع المعماري المتجذّر في عمق التاريخ. ولأنّ المدن فضاءات تختزل الماضي من خلال إرثها الثقافي وفنّها المعماري العريق، لأنها ليست “أحجامًا فيزيقية، وتحويلاً هندسيّا لعناصر طبيعيّة، فهي مكان، وإناء لمحتويات اجتماعية وثقافية يتفاعل فيها الحاوي والمحتوى لإفراز أنظمة من الدلالات”([9]وبالتالي فهي متاحف ذات قيمة معمارية ودلالة تاريخية وأيضًا ذات أبعاد اخلاقية واجتماعية.

تلك هي المدينة فضاء له رموزه الميتا- لغوية وصوره، التي تروي حكايات تنبض بحياة الأقدمين وذكرياتهم الفردية والجماعية وثقافتهم وحضارتهم الخالدة عبر الزمن. وإن الفضاء المدني بهذا الشكل لا تخلو معالمه الأثرية من بصمة فنيّة تحاكي الواقع وتلامس الجانب الأسطوري والخيالي، الذي يحنّ إليه الإنسان خاصّة وأنّ “للإنسان في الماضي رصيدًا كبيرًا من الخبرة والتجريب والمعرفة… فالماضي هو تاريخ المجتمع، يمنحه شخصيته، ويحدد هويته، ويغذيه بحس الانتماء، وشعور الارتباط، وهو الذي يعطيه الوعي بوجوده والإحساس بكيانه”([10]).

إنّ المدينة عنوان هويّة تاريخية، بوصفها مخزونًا ثقافيًا وفنيًّا ووجدانيًا وحضاريًا فيها يدافع الفرد عن وجوده وهويّته، وبالتالي عن صلته بالفضاء وبالآخر في مختلف مظاهره وتجلياته.

ونظرًا لهذا التفاعل بين الذات والمدينة وبين الذات والتاريخ وبين المدينة والتاريخ فإنّ في ذلك تأكيد على أنّ الماضي والحاضر يعيشان في فكر الذات ووجدانها وفي وعيها ولا وعيها، وأنّ الحنين إلى الماضي والتراث والتاريخ كان له الصدى في الكتابات الإبداعية الشعرية منها والنثرية.

ومثل هذا التشبّث بالماضي من خلال تيمة المدينة سواء أكانت العتيقة أم الأثرية فإنه تعبّر عنه النّصوص الروائية المتعددة، راسمة باللغة وملوّنة بالكلمات مدنًا تعلن عن هويّتها حتّى بعد اندثارها أو موتها، كما في رواية “التمثال” لمحمود طرشونة التي جسّدت المدينة فضاء له مكانته الخاصّة في التاريخ البشري منذ عصور قديمة، والدليل قول أمينة إحدى شخصيات الرواية: ” لكن كيف أنسى وكل ما في الكون يذكرني به؟ قرطاج أمامي تتنفّس التاريخ كما أتنفّسه، ويعبق من موانئها وأعمدتها وحجارتها القديمة أريجه، وتتصاعد إليّ أصواته وحركته حيّة صاخبة رغم مرور القرون المتتالية، فينتصب التمثال أمامي ساخرا مستفزّا… لقد استولى على كياني فلم أعد أرى غير طيفه رغم كثرة التماثيل في القاعة الكبرى”([11]).

كانت قرطاج مدينة التاريخ والحضارة، التي أغرت الروائيين والباحثين والمنقبين باستكشاف أسرارها ودراسة معالمها الأثرية، وهي مدينة تحتشد بمختلف الأبعاد الفنّية الجمالية مما ينّم عن حضارة عريقة لها ثقافتها وإبداعاتها، الظاهرة لنا من خلال كيفية بناء قصورها أو في ألوان فسيفسائها أو في أشكال أوانيها وتحفها الأثرية التي تمثل عنوان هويّتها.

1-3 المدينة مجال هويّة اجتماعية:

إنّ تشييد المدينة داخل عالم الرواية ليس الهدف منه الهروب من الواقع بقدر ما هو تصوير تفاصيله ورسم معالم فضاءاته ووصف معالمه وكلّ جزئياته، ويبدو من هذا المنظور، أنّ الروائي حين يكتب عن مدينته وعن حقيقة واقعه الاجتماعي، أنّ المدينة لا تسكن فقط داخله وإنّما هي عنوان هويّته.

ونلمس من خلال التعالق بين الذات والمدينة أنّ هذا الفضاء يمثل وحدة اجتماعية حضرية تتداخل فيها الصور وتتضارب، بعضها يبعث على الاستقرار والسعادة والتآلف وأخرى يسودها التأزّم والضيق والإحساس بالغربة والتيه. ولأنّ “العمارة تعبير لهويّة وطنيّة/ قوميّة تحمل في طياتها رموزًا حضارية وثقافية وتعكس في ظاهرها ودلالاتها قيمًا اجتماعية ودينية وجمالية وظروفًا بيئية ومناخية”)[12] وهو أمر يؤكد أنّ الفضاء المدني مهما اختلفت صوره وتعدّدت ملامحه يظلّ ذاك الفضاء، الذي تقيّده أحيانًا العادات والتقاليد والنواميس الاجتماعية التي سنّها الفرد والجماعة لتيسّر حياتهم وتنظّمها. فالفضاء المدني يحكمه نظام معقّد من العلاقات الاجتماعية وغيرها، المتداخلة حينًا والمعقدة حينًا آخر والمنسجمة أحيانًا، حيث “تتكامل فيها صورة سلوك الناس وتصرّفاتهم وأفعالهم وعلاقاتهم الاجتماعية بعضهم ببعض”([13]).

فلا غرابة إذن، أن تكون المدينة “بيتًا واحدًا، بيت المجتمع، ولا يمكن أن يكون الشارع إلاّ شيئًا واحدًا هو بَهْو الجميع”([14])، فالمدينة العتيقة فضاء يمتلك هندسة معمارية خاصّة تحقّق للفرد والجماعة فرص العيش داخلها كما تمنحهم الاستقرار والشعور بالأمان داخل أسوارها، على عكس المدينة العصرية التي تمثّل فضاء اجتماعيا يولّد النفور والشعور بالغربة والوحدة والدليل أنّ” نسيج المدينة المعاصرة متقطّع، منفصل، متهرئ، ولا يمكن أن نجد وحدة أو فضاء ذا هويّة. فالذي يلاحظ عادة هو قيام بناءات شاهقة ومنعزلة بعضها عن بعض لا ترابط بينها إلاّ طرق خاصّة للسيارات”([15]).

هكذا تبدو المدينة فضاء اجتماعيًا تختلف صوره باختلاف هندسته المعمارية وتتنوّع صلته بالذات والجماعة، كأن تنسجم الذات مع الفضاء إلى حدود التماهي والتوحّد مثلما هي المدينة العتيقة، ولكن هذا الانسجام الذي فرضته المدينة قلما نجد ما يقابله حين يتعلّق الأمر بالمدينة العصرية حيث تفقد الذات علاقتها بالفضاء، وتتفكّك تلك الوحدة فتتضاعف الهوّة بين الفرد والمدينة وبين الفرد وذاته.

فالرواية لوحة اجتماعية كاشفة لمختلف مكوّناتها، ومن بين النماذج الروائية التي ترى في المدينة ليست فقط ذاك الفضاء المعماري فحسب بل هو فضاء يسوده القتامة والزيف رواية “جسد ومدينة” لزهور كرام، التي تنقل لنا وجهًا من وجوه المدينة المتعدّدة، فمدينة زهور كرام تتشكل في إطار فضاء لم يعد له قيمة بعد أن فقد أهله الإحساس بالكرامة والحرية، وتلاشت معهم كلّ مظاهر الالتزام بالأخلاق والسلوك القويم، بل وأكثر من ذلك، فقد استطاعت المدينة بجميع صور إغرائها أن تقضي على الجانب الإنساني فيهم وأن تستبدل جوهرهم النقيّ بقشور مزيّفة همّها الوحيد المتعة. كما تمكنّت المدينة من محو كلّ القيم الأصيلة، التي تضمن للفرد ولو جزءًا قليلاً من الإحساس بإنسانيته وبمبادئه، كأن تعلن إحدى الشخصيات الروائية قائلة:

يخرج أبناء المدينة بحثًا عن المدينة

لا يعود أبناء المدينة حين يخرج

بحثا عن المدينة

وأعجب من أهل المدينة كيف لا يصرخون وقد صار الدم ماء”([16]).

ومثل هذه الصور يتم فيها تأكيد لهويّة المدينة القاتمة، التي ترسّخ أبعادًا ودلالات سلبية يلوّنها الفساد والاستسلام وتكشف عن طبقية مقيتة، ولكن يمكن للمدينة أن تبعث على الألفة والتعاون فيسودها الاستقرار والإحساس بالأمان مثلما هو حال المدينة العتيقة ذات الطابع المعماري التقليدي، المعبّر عن الأصالة؛ كما هو الحال في بعض النماذج الروائية المغاربية التي تناولت موضوع المدينة العتيقة خاصّة رواية “دار الباشا” للروائي التونسي حسن نصر وأيضا “ذاكرة الجسد” للروائية الجزائرية أحلام مستغانمي- وغيرها من النماذج الروائية – وإن كانت لا تخلو بعضها من اهتمامات بقضايا جانبية تثيرها المدينة: سياسية منها وثقافية ودينية وغيرها، حيث تكون المدينة فيها شبيهة إلى حدّ ما “بخلايا الجسد المتماسك”([17]) المتجسّد في طبيعة أسطح المنازل، هذه الممرات الفوقية- إن صحّ التعبير- التي تساعد النساء على الالتقاء والتحاور، وبالتالي يتّخذ البيت طابعًا جماليّا واجتماعيًا وكذلك أخلاقيًّا له هويّة مميّزة.

ولا يمكن التطرّق إلى المدينة العتيقة دون الإشارة إلى الجوانب الأخلاقيّة التي تتضمّنها، فالمدينة العتيقة فضاء جماليّ معماريّ يعيش فيه السكّان وفق نسق معيّن، تحكمه طبيعة العلاقات القائمة بين جميع أفراد سكّان الحيّ المؤسسة على جملة من القيم أبرزها الاحترام المتبادل بين الأفراد سواء أكان من أهل البيت أم خارجه.

وهكذا تبدو المدينة العتيقة خلية ينعكس شكلها الدائري على نظام المجتمع وعاداته وتقاليده وأساليب معيشته، حيث تستجيب بأصناف مساكنها وأشكال مسالكها وتعدّد أحيائها واختلاف شوارعها وأزقّتها إلى التصوّرات الشرقية ذات الأبعاد الدينية، وبفضلها نستطيع دراسة المجتمع وفهم طرائق عيشه وتبيّن ملامحه الحقيقية والمقاييس الخاضعة لها والمبادئ، التي تقنّنه وما تحكمه من عادات وتقاليد وما تسيّره من خلفيات، والدليل أنّنا “نحن الذين نكسبها القيمة التي تستحق، بما نمنحها من حب، وما نحققه من عمل، وننجزه من مشاريع”([18]).

  1. المدينة والذاكرة وتجليات الهويّة

تحفل الرواية العربية بكثير من النصوص التي اتّخذت من فضاء المدينة مكوّنًا مركزيًا في صياغة الأحداث وتأثييث العوالم، بل إنّ أسماء المدن تصدّرت عناوينها لغاية بناء متخيّل روائي يعكس مختلف الرؤى والملامح، التي تشخّصها المدينة بأحيائها وأزقتها وحواريها، وأحلام ساكنيها المهمشين والميسورين وحكاياتهم العجيبة والغريبة المليئة باليأس حينًا، والتآلف مع المكان حينًا آخر، وفضح الخراب العمراني والنفسي، الذي تسبّبه عبثية الحروب وتوحشها حينًا ثالثًا، وكأنّ الذات تنحت كيانها ممّا تحمله الذاكرة من وجوه متعدّدة ومتشابهة إلى حدّ ما.

وتعد الذاكرة خزانةً للأجناس الأدبية والفنون الإبداعية جميعها؛ بما في ذلك الرواية والأسطورة والخرافة وغيرها وأيضًا تعدّ وجهًا من وجوه الحياة في مختلف تجلياتها. فالذاكرة قادرة وحدها على أن تخترق الأطر المكانية والزمنية لتنفتح على بوابات تنشد من خلالها الهويّة والأصالة والتراث، فتعيد ما استعصى عليه النسيان من فضاءات وأزمنة وأسماء ووقائع وتزعزع مواقع في الذاكرة سبق أن أصاب العطب بعض تفاصيلها.

وما صياغة الماضي عبر الكتابة إلاّ حفر في الزمن لتبيّن ملامح المدن وخصائصها المعمارية ومميّزات معالمها وملامح أهلها ومحاولة القبض على أحاسيس ومشاعر مهدّدة بالفقدان وثقافة كاملة مهدّدة بالنسيان. وبين الذاكرة والنسيان تبرهن المدن قدرتها على استيعاب المتناقضات والحنين إلى الماضي بصوره وأصواته، التي تأسر الذات وتظلّ تحاصرها.

فالمكان/الفضاء في الذاكرة الإنسانية يجسّد حالة من الحنين والعشق الملازم عبر الزمن، رغم أنّ الذاكرة أكثر ما يسمها هو الحنين المؤلم المرتبط بالنفس وبالفضاء. ونجد في كثير من الروايات المغاربية استحضارًا لهذه الفكرة، التي تلخّص قدرة الفضاء المدني على استعادة الماضي ونحت ذاكرته، واحتضان الذاكرة له واحتضانه للذاكرة، مثلما هو نموذج رواية “جسر للبوح وآخر للحنين” للروائية زهور ونيسي، التي تتلمّس ذاكرة المدينة من خلال مبانيها وجسورها وقصصها المرسومة على جدرانها وأسرارها الخفية منها المعلنة المعلّقة على أبوابها، حيث “إن كان الفضاء في حدّ ذاته حياديًّا، فإنّه يصير مكان ذاكرتنا بمجرّد أن تسكنه حاسة وبوصفه حاسة تسكنه فالأثر فينا يحتفظ به الحكي، الصور والآثار”( ([19]، ولهذا السبب كان بطل رواية “جسر للبوح وآخر للحنين” يردّد قائلا: ” يا مدينتي رغم أنّ معركتي معك لم تتركني معك غير حطام وأشلاء، لكنني أبقى في ذاكرتك نجوما مزروعة، مسقية بدموع شائكة…. أنا لا أرى شيئا مما تذكرين أيّتها المدينة العجوز، عيناي لا تريان شيئًا من ذلك، ذهني غير حاضر أبدا، إنّه هناك بعيدا في الزمن حيث تركت كلّ من أحببت”([20]وفي ذلك دليل على أنّ للمدينة ذاكرتها، فضاء يمتلك هويّته الخاصّة المرسومة على المباني والأبواب والجسور وملامح الأهالي المسجّلة في أعماق الذات التي يأسرها الحنين إلى الماضي المقترن أساسًا بزمن الطفولة “طفولة عذبة مدللة، وعائلة رائعة، وجيران وأصدقاء، وعذاب حبّ ملك علي حياتي، وأشعرني أنني قد ملكت العالم وأنا أعاني عذابه وعذوبته، وشوارع وأزقة، وناسًا أشعر معهم دائمًا بالدفء والحنان والانتماء، وقضية رائعة أثبتت فيها وطنيتي وحبّي لبلادي وتاريخ وهويّة بلادي”([21]).

2-1 الذاكرة الفردية:

تتضمّن المدن بمختلف تشكّلاتها المعمارية وفنّ هندستها وتقسيماتها المتعدّدة ذاكرة فردية بل ذاكرات، ونعتقد أنّ “الحومة” باعتبارها من مكوّنات المدينة العربية الإسلامية، فهو المكان الذي يعكس صورة التآزر والتعايش بين أفراده رغم ما يتميّز به من ضيق وانغلاق، مكان يحتوي من ذاكرة الفرد الكثير. وأغلب المدن هي فضاءات (ذاكراتية) في المقام الأوّل تجمع عديد الصور، التي تبرز الهويّة الفردية والجماعية. فالذاكرة الفردية بوصفها جزءًا من الذاكرة الجماعية تمكّن الذات من استرجاع الماضي، وبعض ما خزّنته الذاكرة من صور وملامح فضاء وذكريات أليمة وسعيدة لم تصبها بعد آفة النسيان. فالمدن بمختلف مسمياتها ما لم تتشكّل على مساحاتها ذاكرة وذاكرات يمكن اعتبارها فضاءات افتراضية، لأنّ الهويّة تشكّلها ذاكرة الفضاء والتي تتفاعل مع ذاكرة الفرد، وبالتالي تتحوّل فضاءات المدينة إلى مواطن للذاكرة.

تلك هي المدينة فضاء يعبق بعطر الذاكرة مثلما هو شأن عديد الروايات المغاربية، التي تكشف عن مدى حضور تيمة الذاكرة لدى الفرد، علما وأنّ الذات وهي تكتب وتستعيد الماضي وتوقظ الذاكرة من سباتها لا يمكنها التجرّد من ذاتها كيانا كاتبا وفردا متذكّرا. ونعتقد أنّ رواية واسيني الأعرج “البيت الأندلسي” يمكن أن نعدها من بين مختلف الروايات، التي تحتفل بالذاكرة والذكريات الفردية، حيث ينفتح بابها على فضاء سردي يزاوج بين عشق للفضاء وخيبة الذات وحسرتها. ولقد تجسّدت الذاكرة الفردية في شخصية “مراد باسطا” العاشق للبيت الأندلسي، الذي يلخّص المدينة بمختلف جزئياتها وأركانها، فضاء يعبّر عن هويّة من الصعب التجرّد منها باعتبارها عنوان الفضاء وحقيقة الذات.

فالذاكرة الفردية بوسعها أن تختزن عالمًا كاملاً بتفاصيله وإن سقطت منه بعض الصور لأنّ ” كلّ شيء ننساه إلاّ الأشواق التي تحرقنا في العمق وتسلخ بعضا من جلدنا”([22] فللذاكرة الفردية قدرة هائلة ليس على الاسترجاع فحسب وإنّما على تخزين عوالم وفضاءات معمارية وتشييدها في الواقع؛ وذلك لأنّها حين تسافر تاركة عالمها الشاهد على ميلادها وأدقّ تفاصيل تجربتها الحياتية فهي ترحل” بموسيقى حنين، بروائح وبإيقاعات”([23])، فالذاكرة الفردية هي ذاكرة مكانية وثقافية وتاريخية وسياسية وحضارية، هي ذاكرة عطر وعبق، ذاكرة تظلّ تنبض بالحياة بمجرّد حضور الرائحة. يقول “مراد باسطا” في هذا الصدد: “هذا البيت بيتي، وبيت أجدادي منذ القرن السادس عشر… أنت لا تعرف ماذا تعنيه تلك الدار التي تسرق كلّ يوم قليلاً منّي؟ في كلّ زاوية منها أصوات ونداءات وحشرجات، وتقطع اللذّة، وتنفس الرعب، وصرخات استغاثة لأناس الكثير منهم كانوا منّي… أشعر بهم فيّ. لست مسكونا، ولكنّي كلّما مشيت في حديقة الدار، رأيتهم واحدًا واحدًا. أشرب معهم قهوة الصباح وأسهر معهم كلّ ليلة حتى الفجر… البيت يا ابني ليس قبرًا صامتًا وليس مساحة خالية من الأحاسيس، ولكنّه حياة مستمرّة”([24]).

ونلاحظ هنا أن استعمار الذاكرة المسلّط على الذات إنّما هو أولاً بإرادة ذاتية، وثانيًا بتأثير الأمكنة في الذات؛ وهو ما يدّعم قول “جنات بلخن” “يصف أوغسطين الذاكرة بأنّها قصر واسع تودع فيه الأشياء، فتستجمعها لتثيرها عندما تستدعي الحاجة إلى ذلك، فالتذكير يكون بإرادة الذات وقوتها”([25]).

2-2 الذاكرة الجماعية:

لم تعد الذاكرة الفردية منحصرة في الذات بقدر ما هي مرتبطة بالجماعة نتيجة تفاعل الفرد مع محيطه الاجتماعي بكلّ مكوّناته؛ فلكلّ جماعة رصيدها من الذاكرة المشتركة بينها؛ حيث يسود الحنين والرغبة في العودة إلى الماضي والحفر في أصقاعه والإحاطة بمختلف تفاصيله وجزئياته، وكل ذلك يبرز مدى تعلّق المجموعة بذاكرة الفضاء المدني. ولعلّ هذا ما يبرز حاجة الفرد- كما الجماعة- للذاكرة لتثبت هويّتها وتؤكّد انتماءها وتكشف عن مسار حياتها، الذي يشمل كلّ أركان الماضي وأجزاء الحاضر وتفاصيل الفضاء. ومن هنا فإنّ الذاكرة الجماعية ما هي إلاّ مخزون تاريخي وثقافي وسير ذاتي معماري ومكاني، وبالتالي هي جزء من الذات الجماعية، وهو الأمر الذي يحوّل الذاكرة الجماعية إلى ذاكرة مكانية أو: مكانية الذاكرة. واللافت للانتباه، أنّ الذاكرة الجماعية عادة ما تغذيها مجموعة من التمثلات والصور، الغالب عليها الطابع القدسي، التي تصطبغ به الفضاءات.

ولعلّ هذا التواصل بين الذات الجماعية والمدينة وبين الذاكرة يؤكّد أنّ الفضاء المدني ليس “إطارًا موضوعيًّا، بل هو إطار لا يكتسب معناه إلاّ بدلالته الاجتماعية والسياسية”([26]). إنه رمز الذاكرة الفردية والجماعية والإنسانية رغم ما تتأسّس عليه المدينة من صور متقابلة متضاربة بين حميمية وغربة واغتراب تعكسها الحياة وتحييها الذاكرة الفردية كما الجماعية، وهذا ما يؤكّد أنّ للهويّة دورًا بارزًا في تحديد مثل هذه العلاقة.

والمتأمّل في رواية “ذاكرة الجسد” للروائية أحلام مستغانمي يجد أنّ المدينة فضاء يختزن ذاكرة جمعية منعكسة من خلال شخصية الراوي خالد المناضل الرسام المغرق في أقطابٍ ثلاثة: حرب وسلام وحب. وداخل لوحة الحنين تتآلف الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية لترسم حقيقة مدينة قسنطينة فضاء يرشح ذاكرات وذكريات ظلت عالقة تستدعيها المناسبات لتحتفل بها لا غير وهذا ما قاله خالد: “نحن ننتمي لأوطان لا تلبس ذاكرتها إلا في المناسبات. بين نشرة أخبار وأخرى. وسرعان ما تخلعنا عندما تطفأ الأضواء وينسحب المصوّرون، كما تخلع إمرة أثواب زينتها”([27]).

فالذاكرة الجمعية لا يشفى منها أحد، كأن يقول خالد عن شهداء قسنطينة: “ما زلت أذكرهم، أولئك الذين تعوّدنا بعد ذلك أن نتحدّث عنهم بالجملة. وكأنّ الجمع في هذه الحالة بالذات، ليس اختصارًا للذاكرة، وإنّما لحقهم علينا. لم يكونوا شهداء . كان كلّ واحد منهم شهيدًا على حدة”([28]).

ويضيف متحدّثًا عن سي الطاهر الذي أعطى الجزائر كلّ شيء واستشهد في صيف 1960م دون أن يتمتّع بالنصر، فهو من “المجاهدين الذين ركبوا الموجة الأخيرة ليضمنوا مستقبلهم، مجاهدي (62) وأبطال المعارك الأخيرة… كان من الذين يذهبون إلى الموت ولا ينتظرون أن يأتيهم”([29]).

2-3 الذاكرة الإنسانية:

إنّ المتأمّل في حقيقة الذاكرة الإنسانية يكتشف أنّها موطن متشعّب بجملة من المشاعر: الحزين منها والسعيد، والوقائع الماضية والأحداث التي يصعب على الذاكرة الإنسانية نسيانها أو محوها؛ علمًا وأنّ لجدران الذاكرة ترسبات تختزن الماضي كما الحاضر. ونعتقد أنّ الذاكرة الإنسانية الفردية والجماعية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بذاكرة الفضاء/ المدينة أي أنّ هناك صلة بين التاريخ – ونقصد الماضي والجغرافيا- ونعني الفضاء. والملاحظ أنّ الفضاء بجميع أمكنته ما هو إلاّ لوحة فنيّة تزيّن أركانها الذاكرة الإنسانية، حيث تخلق منها قصصا تستعيدها وترحل بها عبر الزمن فتعيش تفاصيلها وبعض جزئياتها.

هكذا يمكننا القول إنّ الذاكرة الإنسانية هي من تخلّد ذاكرات الفضاءات ومنها الوطن بجميع تضاريسه وأركانه وزواياه ومدنه وأحداثه ومناسباته، التي تشتاق لها وتحنّ إليها. والحنين إلى الفضاء المديني هو حنين إلى الذات وإلى كلّ ما تحتضنه من مشاعر حميمية، وبالتالي إلى الهويّة الإنسانية والمكانية، علما وأنّ الأماكن كما الأفراد لها خصوصياتها وملامحها وذكرياتها. فالذاكرة الإنسانية تترك في الأمكنة أثارها كما تهب الأمكنة للذاكرة الإنسانية عديد الصور الحاملة لمعاني ودلالاتٍ ذات صلة بالذات والماضي والتاريخ . ولعلّ الثورات العربية سواء أكانت القديمة منها أم الحديثة والملقّبة بالربيع العربي تعدّ من بين الأحداث، التي خلّدتها الذاكرة الإنسانية ودوّنتها الآثار والكتابات العربية وغيرها، وستظلّ عالقة بالذاكرة الإنسانية عبر الزمن وتوالي الأجيال. ونذكر من بين الروايات العربية التي احتفت بالثورة رواية “لا سكاكين في مطبخ هذه المدينة” للروائي السوري خالد خليفة و”مدينة لن تموت” للروائي المصري يوسف الرفاعي ورواية الأديب الليبي محمد سعيد الريحاني “عدوّ الشمس البهلوان الذي صار وحشًا” و رواية “ورقات من دفتر الخوف” للروائي التونسي أبو بكر العيادي وغيرها من النماذج السردية التي أسهمت في تطعيم الذاكرة الإنسانية بأحداث ووقائع يعسر على الذاكرة محوها أو نسيانها. ولهذا السبب فإنّه “بالقدر الذي تنجح به الثقافة في تمثّل هوّيتها تنجح في أداء دورها في الإسهام الحضاري الإنساني لأنّه ما من إبداع في النّظر والعمل الإنسانيين إلاّ وتطبعه الهوّية الشخصيّة والقوميّة”([30]).

الخاتمة

يمكن لنا القول إنّ الذات حين تقرأ عن أي مدينة أو تكتب عنها فهي تستعيد ذكريات مدينتها، ذلك أن ” الأمكنة تموت وتحيا بالذاكرة”)[31](، فيستحيل على الإنسان هزيمة أثر الأمكنة والأزمنة والتجرّد نهائيًا من الرواسب العالقة بذاته. ذلك أنه مع حضور الذاكرة فإن فعل النسيان يصبح أمرًا صعبًا، وهو ما يبرهن أنّ الذات تظلّ سجينة أطرها وذاكرتها المقاومة للنسيان، الذي يعد في حدّ ذاته نوعًا من التمسك بالذاكرة.

ويخلص البحث إلى أنّ الكتابة في المدينة مجال خصب له أفاق واسعة، وأنّ دراسة تيمتي المدينة والهويّة أو الكتابة عنها من المسائل المغرية بالبحث نظرًا لما يمتاز به هذا الفضاء من صور ورموز ودلالات وخصائص ترسمها الروايات المغاربية المتنوعة السرد، وفق رؤى وتصوّرات مختلفة.

ولأنّ الذاكرة ليست فردية ولا جماعية بل هي إنسانية تحمل في طياتها سيرة مدينة تمتلك هويّتها، التي تعيد للذات صور ماضيها وعطر تاريخها. فلا غرابة أن تكون“الذاكرة، هذا الوعي بالماضي، ليست ضرورية لحياتنا العملية، ولكنّها أيضا لتشكيل هويتنا الفردية ومنح وجودنا المعنى”(([32].

ويتأكّد لنا من خلال طرحنا السابق، ومن معالجتنا لنصوص الروايات المغاربية التي تناولتها هذه الدراسة أنّ هناك علاقة جدلية تقوم بين المدينة والذات والذاكرة والهويّة، لأنّ ذات المدينة تشكّل الذات الكاتبة، وبالتالي فهي علامة دالة على هويّتها، خاصّة أنّ المدينة فضاء جمعي دالّ على الذات الفردية والجماعية والإنسانية وعلى ذاكرتها. وهو ما يفيد أنّ فضاء المدينة المحدّد في أصله للهوّية الذاتية يعدّ عنوان كيان، والكيان علامة محيلة إلى المكان أو الفضاء ودالّة عليه. وهو في مستوى ثانٍ هوّية جماعية بمعنى أنّ المدينة تستمدّ وجودها ووظيفتها من الذات الجماعية، التي تؤثّثها. ولهذا السبب لا يمكن أن ننفي حقيقة أنّ العلاقة وثيقة بين المدينة والذات والهويّة، حتّى وإن كانت هذه الهوّية تشتمل على هويّات أخرى متعدّدة مثل الهوّية المعمارية والثقافية والدينية والحضارية و(الذاكراتية) فإنّها تظلّ أبدًا رغم اختلاف دلالاتها متفاعلة فيما بينها، وهو ما يؤكّد أنّ “المكان هو الذي يحدّد صورة أصحابه ويمنحنا العماد اللازم، الذي يقتطعون بمقتضاه مستقرا لهم بأذهاننا”([33]).

هكذاهي المدن فضاءات شبيهة بالإنسان في عشقها ونفورها وتحدّيها وصمتها، وإن كان الإنسان يتدرّب على لغة الصمت فإنّ للمدن حتّى في صمتها لغة أعمق وأشدّ وقعًا على النفس والحياة كلها تعلن عنه سواء أكانت متمثلة لقبح الأشياء أم لجمالها، فهنا مكمن هويّتها وتفرد وجودها.

قائمة المصادر والمراجع

  1. المصادر:

الأعرج (واسيني): البيت الأندلسي (Mémorium)، منشورات الجمل، بيروت- بغداد، ط1، 2010.

  • العروي (عبد الله): اليتيم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2001.

خلاّص (جيلالي): حمائم الشفق، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986.

  • طرشونة (محمود): التمثال، دار شوقي للنشر والتوزيع، تونس، ط1، 1999.

صوف( محمد): كازابلانكا، مطبعة خليل، الدار البيضاء، 1989.

  • كرام ( زهور): جسد ومدينة،، مطبعة وليلي، مراكش، ط1، 1996.
  • مستغانمي (أحلام): ذاكرة الجسد، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط11، 2005.
  • نصر (حسن): دار الباشا، ، دار الجنوب للنشر، تونس، (د.ت).
  • ونيسي (زهور): جسر للبوح وآخر للحنين، منشورات زرياب، الجزائر، فيفري 2007.
  1. المراجع:
  2. المراجع العربية:

أ* الكتب :

أبو زريق (محمد): المكان في الفنّ، طبع بدعم من وزارة الثقافة، عمان، الأردن، 2003.

  • الأعرج (واسيني):شرفات بحر الشمال، منشورات الفضاء الحرّ، الجزائر، ط1، 2001.

الباردي (محمد): حنا مينة كاتب الكفاح والفرح، دار الآداب، بيروت، ط 1، 1993.

البازعي (سعد): شرفات للرؤية: العولمة والهوية والتفاعل الثقافي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط 1، 2005.

الرياحي القسنطيني (نجوى): الوصف في الرواية العربية الحديثة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، السلسلة 3، المجلد 3، ط1، السداسية الثانية، تونس 2007.

الرياحي (كمال): واسيني الأعرج دون كيشوت الرواية العربية، TRAVLING،المنزه الأول، تونس،2009.

النقاطي (حاتم): مفهوم المدينة في كتاب السياسة لأرسطو، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، سورية،ط1، 1995.

  • جلالية (حبيب): منزل بوزلفة: في ذاكرة الإنسان والمكان، مطبعة فن وألوان، الشرقية 1، (د.ت).

عبد الفتاح (بلال كمال): تلازم المرأة والبحر في أدب حنا مينة الروائي، كتاب الرياض 131، مؤسسة اليمامة الصحفية، الرياض، 1425هـ/2006م.

عبيد (محمد صبر) هادي جعفر البياتي (سوسن): جماليات التشكيل الروائي دراسة في الملحمة الروائية (مدارات الشرق) لنبيل سليمان، دار الحوار للنشر والتوزيع، سورية، اللاذقية، ط1 ، 2008.

محبك (أحمد زياد): دراسات نقدية من الأسطورة إلى القصة القصيرة، منشورات دار علاء الدين، سورية- دمشق، ط1، 2001 .

منصور (طلعت)، الشرقاوي (أنور)، عز الدين (عادل)، أبو عوف (فاروق): أسس علم النفس العام، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 2003.

ب* الكتب المعرّبة:

  • جورج (كاندليس): « هندسة معمارية أم بناء»، مقال ضمن كتاب الإنسان والمدينة في العالم المعاصر،.تعريب كمال خوري، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1977.

ت* الدوريات:

الحماد(محمد عبد الله): «العمارة التقليدية في المساكن اليمنية»، مجتمع وعمران مجلة الدراسات الحضرية، العمارة والعمران في العالم العربي نحو مفاهيم بديلة ومبادئ مستقبلية، ع13/14، رجب 1413، ديسمبر 1992.

  • الحمروني (أحمد):« “العمارة التقليديّة والقيم” من خلال نماذج من جهة باجة»، الحياة الثقافية، ع192، أفريل 2008.

العجيلي (محمد صالح): «أصالة القيم الثقافية في المدينة العربية والغزو الثقافي الأجنبي»، أفاق الثقافة والتراث، السنة العاشرة، العدد السابع والثلاثون،المحرم 1423هـ/ نيسان (أبريل) 2002م.

  • بلخن (جنات): «الاعتراف والذاكرة: تعرّف الماضي واستشراف المستقبل»، يتفكرون، مجلة فصلية فكرية ثقافية، ملف العدد التاريخ والحقيقة، مؤمنون بلا حدود، مؤسسة دراسات وأبحاث، ع3، المغرب- الرباط، شتاء 2014.
  • بن عامر (توفيق): «الهويّة الثقافية بين الثابت والتغيّر»، الحياة الثقافية، ع197، نوفمبر 2008.

محمود (عبد السلام) : «سيميائية العمارة والفنون في المجتمع العربي»، الحياة الثقافية، ع125، س26، ماي2001.

  • محنان (عماد): «مشكلة الهوّية بين الاسم والمفهوم والواقع»، الحياة الثقافية، ع213، ماي 2010.

ت* المعاجم:

ابن منظور ( أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم): لسان العرب المحيط، مادة مدر، دار الجيل، دار لسان العرب، بيروت- لبنان، المجلد 3،1408 هـ /1988م.

ث* مواقع الانترنت:

  • حوار أيوب البغدادي: الكتابة بالحبر الأبيض، حوار مع محمد عز الدين التازي، 2011، خاصّ بموقع كتّاب الانترنت المغاربية. http:// www.mohamedazedinetazi.com
  1. المراجع الأجنبية:

أ* الكتب:

Ansay (Pierre) : La ville des solidarités. exclusions, ghettos et insécurités : bâtir la ville sociale de demain, EVO a.s.b.l. , Bruxelles- Charleroi,1999.

Ferrer(Olivier Salazar) : Le temps la perception, l’espace, la mémoire, Ellipses, Edition Marketing S.A, Paris,1996.

Goetz (Benoît) :La Dislocation Architecture Et Philosophie, les éditions de la passion, 2éme édition revue et corrigée, Paris, 2002.

Poulet (Georges) : l’espace Proustien, Edition 2, Gallimard, Paris, 1982.

Poulet(Georges) : L’espace Proustien, Edition Gallimard, Paris, 1963.

Saison (Maryvonne) : «La mémoire n’a pas de lieu », article du livre Espaces et mémoires Space and Mémoires, actes du 2ème congrès méditerranéen d’esthétique Carthage du 6 au 8 mars,2003, ATEP & Maghreb Diffusion Tunis, 2005. 

        • ب* المعاجم:

Le Grand Larousse Encyclopédique, volume 2, Larousse, Paris, Octobre 2007.

Margins::

  1. – منصور (طلعت)، الشرقاوي (أنور)، عز الدين (عادل)، أبو عوف (فاروق): أسس علم النفس العام، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 2003، ص 484.

  2. -المرجع نفسه، ص 384.

  3. – أدونيس موسيقى الحوت الأزرق (الهوية، الكتابة، العنف)، دار الآداب، بيروت، ط1،2002، ص 106.

  4. -عبد الفتاح (بلال كمال): تلازم المرأة والبحر في أدب حنا مينة الروائي، كتاب الرياض 131، مؤسسة اليمامة الصحفية، الرياض، 1425هـ/2006م، ص109.

  5. – الباردي (محمد): حنا مينة كاتب الكفاح والفرح، دار الآداب، بيروت، ط 1، 1993، ص 123.

  6. – العروي (عبد الله): اليتيم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2001، ، ص 24.

  7. – عبيد (محمد صبر) هادي جعفر البياتي (سوسن): جماليات التشكيل الروائي دراسة في الملحمة الروائية (مدارات الشرق) لنبيل سليمان، دار الحوار للنشر والتوزيع، سورية، اللاذقية، ط1 ، 2008، ص 234.

  8. – خلاّص (جيلالي): حمائم الشفق، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986، صص 17- 18.

  9. -محمود (عبد السلام) : «سيميائية العمارة والفنون في المجتمع العربي»، الحياة الثقافية، ع125، س26، ماي2001، ص16.

  10. – محبك (أحمد زياد): دراسات نقدية من الأسطورة إلى القصة القصيرة، منشورات دار علاء الدين، سورية- دمشق، ط1، 2001، ص 23 .

  11. – طرشونة (محمود): التمثال، دار شوقي للنشر والتوزيع، تونس، ط1، 1999، ص7.

  12. – الحماد(محمد عبد الله): «العمارة التقليدية في المساكن اليمنية»، مجتمع وعمران مجلة الدراسات الحضرية، العمارة والعمران في العالم العربي نحو مفاهيم بديلة ومبادئ مستقبلية، ع13/14، رجب 1413، ديسمبر 1992، ص55.

  13. – العجيلي (محمد صالح): «أصالة القيم الثقافية في المدينة العربية والغزو الثقافي الأجنبي»، أفاق الثقافة والتراث، السنة العاشرة، العدد السابع والثلاثون،المحرم 1423هـ/ نيسان (أبريل) 2002م، ص 50.

  14. – جورج (كاندليس): « هندسة معمارية أم بناء»، مقال ضمن كتاب الإنسان والمدينة في العالم المعاصر،.تعريب كمال خوري، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1977، ص74.

  15. – المرجع نفسه، ص77- 78.

  16. – كرام ( زهور): جسد ومدينة،، مطبعة وليلي، مراكش، ط1، 1996، ص77.

  17. – الحمروني (أحمد):« “العمارة التقليديّة والقيم” من خلال نماذج من جهة باجة»، الحياة الثقافية، ع192، أفريل 2008، ص113.

  18. – نصر (حسن): دار الباشا، ، دار الجنوب للنشر، تونس، (د.ت)، ص162.

  19. – Saison (Maryvonne) : «La mémoire n’a pas de lieu », article du livre Espaces et mémoires Space and Mémoires, actes du 2ème congrès méditerranéen d’esthétique Carthage du 6 au 8 mars,2003, ATEP & Maghreb Diffusion Tunis, 2005, p 61. 

  20. – ونيسي (زهور): جسر للبوح وآخر للحنين، منشورات زرياب، الجزائر، فيفري 2007، صص 62- 63.

  21. – ونيسي (زهور): جسر للبوح وآخر للحنين،… المصدر نفسه، ص 184.

  22. – الأعرج (واسيني): البيت الأندلسي (Mémorium)، منشورات الجمل، بيروت- بغداد، ط1، 2010، ص 151.

  23. – Ansay (Pierre) : La ville des solidarités. exclusions, ghettos et insécurités : bâtir la ville sociale de demain, EVO a.s.b.l. , Bruxelles- Charleroi,1999, p 103.

  24. – الأعرج (واسيني): البيت الأندلسي (Mémorium)، …المصدر نفسه، صص 110-111 .

  25. – بلخن (جنات): «الاعتراف والذاكرة: تعرّف الماضي واستشراف المستقبل»، يتفكرون، مجلة فصلية فكرية ثقافية، ملف العدد التاريخ والحقيقة، مؤمنون بلا حدود، مؤسسة دراسات وأبحاث، ع3، المغرب- الرباط، شتاء 2014 ، ص 190.

  26. – الباردي (محمد): حنا مينة كاتب الكفاح والفرح، دار الآداب، بيروت، ط 1، 1993، ص 123.

  27. – مستغانمي (أحلام): ذاكرة الجسد، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط11، 2005، ص118.

  28. المصدر نفسه، ص26.

  29. المصدر نفسه، ص44.

  30. – محنان (عماد): «مشكلة الهوّية بين الاسم والمفهوم والواقع»، الحياة الثقافية، ع213، ماي 2010، ص17.

  31. – الأعرج (واسيني):شرفات بحر الشمال، منشورات الفضاء الحرّ، الجزائر، ط1، 2001، ص 80.

  32. – Ferrer(Olivier Salazar) : Le temps la perception, l’espace, la mémoire, Ellipses, Edition Marketing S.A, Paris,1996, p 49.

  33. – Poulet (Georges) : l’espace Proustien, Edition 2, Gallimard, Paris, 1982, p49.