مصير العقود المبرمة بالدولار في ظل تدهور سعر صرف العملة المحلية
The Fate of Contracts Concluded in US Dollars in Light of the Deterioration of the Local Currency Exchange Rate
د. عبدو امين مطر1
قسم القانون الخاص، كلية الحقوق، الجامعة الإسلامية في لبنان.
اشراف الاستاذ الدكتور محمد عبده
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj612/44
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/612/44
المجلد (6) العدد (12). الصفحات: 635 - 651
تاريخ الاستقبال: 2025-11-10 | تاريخ القبول: 2025-11-18 | تاريخ النشر: 2025-12-01
المستخلص: يتناول البحث مصير العقود المحلية المبرمة بالدولار الأمريكي في لبنان على ضوء الانهيار الحاد في سعر صرف الليرة وتعدد أسعار الصرف منذ أواخر عام 2019، وما نتج عنه من اضطراب في تنفيذ الالتزامات وتزايد المنازعات بين المتعاقدين. ينطلق الباحث من مبدأ “العقد شريعة المتعاقدين” بوصفه أساس القوة الملزمة للعقد في قانون الموجبات والعقود، ثم يبين أن هذا المبدأ يصطدم بواقع اقتصادي استثنائي يجعل التنفيذ بالدولار مرهقاً أو متعذراً عملياً، ويثير إشكاليات تتعلق بسلامة الرضا والعدالة العقدية. ويقارن البحث بين القاعدة العامة المتمثلة بوجوب تنفيذ الالتزام وفق ما اتفق عليه، وبين الاستثناءات التي تتيح التخفف من جمود العقد، مع إبراز الدور الذي تلعبه القوة الإبرائية للعملة الوطنية داخل الأراضي اللبنانية، استناداً إلى النصوص ذات الصلة في قانون الموجبات والعقود وقانون النقد والتسليف، وما يرتبط بها من آليات كـ العرض والإيداع لإبراء ذمة المدين عند رفض الدائن القبض بالليرة. كما يناقش التعارض الظاهري بين الاتجاه الذي يوجب الإيفاء بذات العملة الأجنبية وبين الاتجاه الذي يجيز الإيفاء بالعملة الوطنية، مع التشديد على أن الإشكال العملي الأكبر يتمثل في تحديد سعر الصرف الواجب اعتماده عند الإيفاء بالليرة في ظل غياب سعر موحد. وفي الفصل الثاني، يسلط البحث الضوء على قصور التشريع اللبناني عن استيعاب نظرية “الظروف الطارئة” مقارنةً بتشريعات كالمصري والفرنسي التي تمنح القاضي صلاحيات لإعادة التوازن العقدي عند وقوع أحداث استثنائية غير متوقعة. ويخلص إلى أن غياب إطار تشريعي واضح ومعايير رسمية موحدة لسعر الصرف أدى إلى تشتت الحلول القضائية وتعميق الشعور بانعدام العدالة بين الأطراف. ويقترح البحث تشجيع التسوية وإعادة التفاوض وإدراج بنود تعاقدية مسبقة تحدد آلية الإيفاء ومؤشراته، مع التأكيد على ضرورة تدخل المشرّع بإصدار نصوص استثنائية مؤقتة تعالج الأزمة وتعيد الاستقرار والوضوح لمصير العقود المبرمة بالدولار.
الكلمات المفتاحية: العقود بالدولار، سعر الصرف، القوة الإبرائية، الظروف الطارئة، العدالة العقدية.
Abstract: This study examines the fate of domestic contracts denominated in US dollars in Lebanon in light of the sharp collapse of the Lebanese pound and the multiplicity of exchange rates since late 2019, and the resulting disruption in the performance of contractual obligations and the rise in disputes between contracting parties. The research starts from the principle that “the contract is the law of the parties,” as the cornerstone of contractual binding force under the Lebanese Code of Obligations and Contracts, and shows how this principle clashes with an exceptional economic reality that renders performance in foreign currency excessively burdensome or practically impossible, raising issues related to consent and contractual fairness. The study analyzes the balance between the general rule requiring performance in accordance with the agreed currency and the exceptions that allow relief from contractual rigidity, highlighting the discharging power of the national currency within Lebanese territory, as established in the relevant legal texts, as well as mechanisms such as tender and deposit to release the debtor when the creditor refuses payment in Lebanese pounds. It further addresses the core practical dilemma of determining the applicable exchange rate for performance in national currency amid the absence of a unified official rate. In its second part, the research underscores the legislative deficiency in Lebanese law regarding the theory of unforeseen circumstances, compared with Egyptian and French legislation, which empower judges to restore contractual equilibrium when exceptional and unforeseeable events occur. The study concludes that the lack of clear legislative intervention and unified exchange-rate standards has led to inconsistent judicial solutions and undermined contractual justice. It recommends encouraging amicable settlement and renegotiation, inserting contractual clauses that regulate methods of performance and exchange-rate references, and calls for urgent legislative action through exceptional and temporary rules to address the crisis and restore stability to dollar-denominated contracts.
Keywords: Dollar-denominated contracts, Exchange rate, Discharging power of currency, Unforeseen circumstances, Contractual justice.
المقدمة
النظام الرأسمالي الحر هو نظام اقتصادي مالي يقوم على أساس الرفع من شأن المادة لتكون في طليعة الأولويات على الصعيد الاقتصادي ويكون سعر صرف العملة الأجنبية فيه مقابل العملة الوطنية خاضعاً لمبدأ العرض والطلب، فكل ما زاد الطلب على العملة الأجنبية ارتفع سعرها وانخفضت قيمة العملة الوطنية، وكل ما انخفض الطلب على العملة الأجنبية ارتفعت قيمة العملة الوطنية.
في أواخر الثمانينات وبسبب مطامع سياسية، حصلت أزمة اقتصادية في لبنان تدخل جراءه المصرف المركزي، وبسبب نكاوات سياسية أيضا، باستعمال الاحتياط من العملة الأجنبية الدولار مما أنذر بوجود شح بهذه العملة، مما زاد الطلب عليها بشكل كبير، حيث وصل سعر الدولار الواحد إلى 3000 ليرة لبنانية، حتى مجيء الرئيس رفيق الحريري بمشروع إنقاذ ي للوضع الاقتصادي، الذي بدأ فيه لبنان مرحلة أشبه بالنظام الاشتراكي الذي يثبت فيه سعر صرف الدولار على 1515 ليرة لبنانية لك ل دولار دون اللجوء لمبدأ العرض والطلب.
ومنذ تاريخ 31 تشرين أول 1992 وحتى الثلث الأخير من عام 2019، أي 27 عاماً على التوالي، وعلى الرغم من حرب عناقيد الغضب عام 1996 وحرب تموز عام 2006، لم يشهد لبنان أي تغير في سعر الصرف وذلك ب اتفاق سياسي بأن يقوم مصرف لبنان بضخ الدولار كل ما وجد حاجة للتدخل.
لكن وعلى الرغم من علم اللبنانيين بأن المصرف المركزي يأتي بالعملة الأجنبية لضخها بالسوق عن طريق الاستدانة من الدول الغنية وأغلبها من فرنسا (باريس 1 وباريس 2) إ لا أن اللبنانيون ظنوا، كما قيل لهم، أن لبنان بلد منتج للدولار من عدة قطاعات، منها السياحي والتجاري. وعلى مدار27 عاماً، وهو جيل كامل، تعودوا على نظام اقتصادي متأرجح بين النظام الحر والنظام الاشتراكي، ليس له تسمية معينة الأمر الذي يجعله غير مفهوم بشكل مفصل. مما دفع بعض الخبراء لوصف الوضع بأنه عملية تحول من اقتصاد مفترس إلى اقتصاد يلتهم نفسه[1].
خلال 27 عاماً، تواترت العمليات التجارية والاقتصادية عبر عقود مبرمة بعملات وطنية وأخرى بالعملات الأجنبية. إذ كان أغلب المتعاقدين غير آبيهن بالعملة المحرر على أساسها العقد، نتيجة تعودهم على استقرار في سعر الصرف، دون معرفة ال سبب الحقيقي لهذا الثبات.
إلا أن المشكلة بدأت في الثلث الأخير من عام 2019، حيث وصل البلد لحالة من الشح بالعملة الأجنبية وعندما توجهت الحكومة للاستدانة، كما جرت العادة وكمحاولة لإخفاء الانهيار الحتمي، اصطدموا برفض الدول إعطاء لبنان مبلغ مالي للاستمرار بسياسة الصرف والاستهلاك دون الالتفات لطريقة يسدوا به الديون المتراكمة خلال تلك السنوات، فتو ق ف المصرف المركزي عن ضخ الدولار بالسوق، مما أدى إلى توجه الناس للصرافين الذين بدأوا بدورهم برفع سعر الدولار كل ما زاد الطلب عليها. وما بين أواخر 2019 وحتى منتصف عام 2021، وصل سعر صرف الدولار الواحد حد 13,000 ألف ليرة دون أن تتبنى الدولة هذا السعر رسميا ودون أن ترفضه قطعا وما بين سعر الصرف الرسمي (الوهمي) 1515 ل.ل، سعر المنصة التي أطلقها مصرف لبنان 3900 ل.ل. سعر المنصة الجديد التي أطلقها الأخير أيضا 10500 ل.ل. وسعر الصرف المتداول والذي وصل عند الصرافين إلى 13000 ل.ل.واعتبارا من 1 نوفمبر2022 تم الاتفاق بين وزارة المالية ومصرف المركزي الى اعتماد سعر 15000 الف ليرة مقابل الدولار الواحد وفي أيلول من عام 2023 عمد الى رفع الدولار عبر منصة صيرفة الى 85500 حيث بقى سعر صرف الدولار في السوق السوداء حوالي 89000 ليرة لبنانية للدولار الواحد.
يبقى التساؤل حول السعر الأجدر بالتطبيق مطروحاً ما بين العقد شريعة المتعاقدين والزامية العقد المحمية بموجب القانون من جهة وما بين سعر الصرف المشتت (مع الإشارة إلى أن الدولة لم تحدد الترام سعر موحد على جميع الأراضي اللبنانية) من جهة أخرى يبقى مصير العقود المحلية المبرمة والمحدد فيها الدفع حصرا بالعملة الأجنبية مجهولا لا في ظل هذا التفاوت بسعر الصرف وفي ظل تمسك الطرف الأضعف بمبدأ البطلان لعيب شاب رضاه (كونه أو علم بأن السعر الذي ثبت لسبعة وعشرين عاما سيتغير لهذا الحد لما أبرم العقد بالعملة الأجنبية)
وانطلاقا مما تقدم، سيتمحور بحثنا حول الإشكالية التالية ما هو مصير العقود المحلية المبرمة بالعملة الأجنبية؟ الأمر الذي يثير بدوره طرح التساؤلات التالية، أي سعر صرف نعتمد من بين الأسعار؟ ما بين مبدأ الزامية العقد وقوته والاستثناءات الواردة على الأخير، اين دور المشرع إزاء هذا التخبط؟
لذلك ستحاول أن نعالج هذه الإشكالية وفقا للتصميم التالي:
الفصل الأول: العقود ما بين قوة مبدأ الإلزامية والتحرر من الجمود.
المبحث الأول: مبدأ إلزامية العقود.
المبحث الثاني: الاستثناء على مبدأ الإلزامية.
الفصل الثاني: غياب العدالة ما بين سعر صرف فاحش وقصور تشريعي.
المبحث الأول: نظرية الظروف الطارئة ودورها في مواجهة تداعيات أزمة سعر الصرف.
المبحث الثاني: موقف الاجتهاد في ظل تأرجح سعر الصرف.
الفصل الأول
العقود ما بين قوة مبدأ الإلزامية والتحرر من الجمود
العقد في مفهومه القانوني هو توافق إرادتين أو أكثر على إنشاء علاقات قانونية يترتب عنها مفاعيل إلزامية، وهو من أهم الأعمال القانونية المنشئة للموجبات ولعله أقدمها من شروط صحته. أن يكون وليد إرادتين حرتين سليمتين وغير مشوبتين بعيب يفسدهما([2]) باختصار أن لا يعتري العقد أي عيب يُنشئ في أركانه خللاً و يفقده قوته الإلزامية. لا شك في أن العقود المبرمة على الوجه القانوني جامدة، أي ملزمة بشكل قاطع للطرفين، إلا أن العقد قد يصطدم أحياناً بظروف تحول دون التمسك بحرفتيه والتذرع بإلزاميته.
لذلك، سنتطرق في هذا الفصل إلى مقولة “العقد شريعة المتعاقدين” المتمثلة بمبدأ الزامية العقود (مبحث أول) ومن ثم سوف نتطرق إلى الاستثناء على مبدأ الإلزامية التي تجيز للمتعاقدين التحرر. نوعا ما من جمود العقد مع مراعاة الظروف التي يمر بها المتعاقدين (مبحث ثان).
المبحث الأول
مبدأ الزامية العقود
ينتج عن العقد بشكل عام أمرين مهمين هما مبدأ النسبية في العقود ومبدأ إلزامية العقد([3]). فقد نصت المادة 221 م.ع أن العقود المبرمة على الوجه القانوني تلزم المتعاقدين …. مما يدعو للقول بأن القوة الملزمة للعقد تنتج عن مبدأ أن العقد شريعة المتعاقدين الذي يقضي بترك الحرية للمتعاقدين باختيار القواعد التي ترعى العقد الذي أبرموه وبالتالي إعطاء القوة الملزمة لهذه القواعد، طالما أنها لا تخالف النظام العام والآداب العامة في الدولة المعنية([4]). وهذا من المبادئ الدستورية التي لا يمكن لأحد مخالفتها.
فالقانون لم يفرض أحكامه بالقوة على المتعاقدين، بل ترك لهم الباب مفتوحاً لاختيار ما هو أكثر ملائمة لعلاقتهم التعاقدية، إما عن طريق اللجوء إلى قواعد خاصة بهم أو إلى مصادر أخرى تحدد انطلاقا من نوع العقد وموضوعه وغير ذلك من المعايير. هذا ما يعطي العقد صفة القانون، بحيث يصبح ملزماً لطرفي العقد ([5]).
أما التباين الذي حصل، فقد تمحور حول مصدر هذه الإلزامية، فالبعض يرى أن الإلزامية تنبع عن إرادة المدين الحرة، عندما يفرض على نفسه وجوب نفاذ الموجب البعض الآخر يقول بأن الإلزامية تنبع عن ثقة الدائن الموضوعة في شخص المدين. أما آخرون اعتبروا أن مبادئ الاستقرار في العلاقات المالية هي التي تفرض احترام أطراف العقد للالتزامات التي أقروها والزموا أنفسهم بها. تيار آخر يقول إن إرادة الطرفين هي مصدر للقوة التنفيذية للعقد بوضعهم قواعد تعامل فيما بينهم. هذا ما نصت عليه المادة 221 م. ع وعبرت عنه المادة 1134 مدني فرنسي عندما عبرت أن الاتفاقيات المعقودة وفقاً للقانون هي بمثابة القانون تجاه من عقدها ([6]).
كذلك يعتبر مبدأ حسن النية مصدر مهم لمبدأ القوة الملزمة للعقد([7]). فعندما يلتزم طرفان في العقد بموجبات معينة سعياً إلى تحقيق غاية مفيدة لهما وقبلوا بالوسائل والغاية، فهذا الالتزام يكون مصدر للقوة التنفيذية للعقد، فأي مخالفة لهذه الالتزامات تعتبر مخالفة لمبدأ حسن النية الذي يجب أن تقوم عليه العلاقة التعاقدية، وهو مبدأ قانوني يدخل في صلب النظام القانوني للعقد.
تيار ثان اعتبر أن القانون الوضعي هو مصدر القوة التنفيذية للعقد، لأنه يضع قاعدة إلزامية وجزاءاتها، والعقد يعتبر قاعدة كسائر القواعد التي يخضع لها الناس فيكون إلزامي طالما أن النظام القانوني يجعل منه مصدر للحقوق ([8]).
إلا أنه ومهما كان مصدر هذه الإلزامية يجب التأكيد مجدداً على أن مقولة “العقد شريعة المتعاقدين” هي من أهم الأسس النظامية، إذ أصبحت قاعدة راسخة في العديد من التشريعات حول العالم([9]). فالعقد انطلاقا، من كونه تعبير عن مشيئتين بعد نظام خاص بالمتعاقدين طالما تم احترام المعايير التي وضعها القانون وإن كان مصدره اتفاقهما، كما قد أورد عز وجل تأكيداً على الزامية العقد حين قال (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) ([10])كما قد جاء في حديث شريف: المسلمون عند شروطهم ([11])“.
إن معنى التمسك بمبدأ إلزامية العقود يعادل التمسك بتطبيق القوانين والأنظمة التي تفرضها السلطات الأمر الذي يحرم أي طرف من التحلل مما التزم به. بالتالي يمكن القول أن هذا المبدأ يقوم على أسس ومعايير أخلاقية قانونية و اقتصادية تنبع أولاً) وبشكل بديهي) مما تفرضه المواد القانونية في هذا الإطار ثانياً من قدسية مبدأ سلطان الإرادة فمن الصحيح و المتعارف عليه أن الفرد لا يلزم إلا بما اتجهت إليه إرادته السليمة إلا أنه متى أعرب بشكل صريح عن رضاه و تبليه الموضوع التعاقد وقام العقد يستحيل عليه التحلل من التزامه) إلا في الحالات المشار إليها قانوناً) ولعل استحضار أحكام مجلة الأحكام العدلية في هذه الحالة يفيد في تدعيم الفكرة، إذ جاء فيها أن “من معي في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه([12])، الأمر الذي يؤكد أنه متى وقع الاتفاق بطل التراجع احتراما لمبدأ إلزامية العقد إضافة إلى ذلك يجب التنويه إلى أن القواعد الدينية والأخلاقية والقانونية توصى بضرورة احترام العقود والوفاء بالعهود. حيث جاء في محكم كتابه الكريم: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً)([13]).
أخيراً وليس آخراً، لا يمكن أن تنسى السبب الأهم الذي يتمسك به أغلب رجال القانون المتمثل باستقرار المعاملات التعاقدية الذي من خلاله تعزز الثقة وتجلب الفوضى. فكلما كان التعامل قائما على أسس ثابتة، كلما زادت الثقة والسرعة في هو وارد في العقد وتنفيذ التزاماته بشكل سليم وفق الاتفاق. التزام كل طرف بما. إنجاز العاملات، إذ أن: ينعكس بشكل إيجابي ليس فقط. على المتعاقدين، بل على اقتصاد الدولة ككل.
لا يجب أن تغفل أيضاً عن دور القاضي إزاء مبدأ الزامية العقود، فمن حيث المبدأ، لا يجوز لأي متعاقد أن ينفرد بتعديل العقد أو رده دون موافقة الطرف الآخر ما عدا حالات الإلغاء بالإرادة المنفردة وغيرها والتي لن تتطرق لها نظراً لخروجها عن موضوع بحثنا). إلا أن القاضي دور في هذا الإطار إذ يتعين عليه عند عرض نزاع أمامه أن يحمي هذه العقود ويرعاها ويحرص على تنفيذها وتصيرها تماماً كحرصه على تطبيق القوانين الوضعية مع التزامه بالبنود الواردة في متن العقد كونها تشكل نظاماً خاصاً بالمتعاقدين لا يمكن التغاضي عنه بذلك، ومتى كان العقد ميرنا على أساس الركائز القانونية السليمة وتقاعس أحد الأطراف عن أداء التزاماته، وجب على القاضي إلزام الأخير بتنفيذ موجبه على أن يتم ذلك بناءً على طلب مقدم من الطرف المتصور طبعا). مما يؤكد أيضاً أن كل القواعد القانونية والكوادر القضائية مسطرة الخدمة إرادة الطرفين وتعزيز مبدأ العقد شريعة المتعاقدين طالما جاء العقد على توافق مع مقتضبات الآداب العامة والنظام العام. من الأمثلة الواردة في إطار الزامية العقد ما صدر عن محكمة تمييز بيروت حيث ورد في متن الحكم أنه وبما أن محكمة الاستئناف أشارت أن المدعي المميز عليه لم يشتر على أساس خريطة الافراز التي نظمها البائع المميز، بل اشترى مساحة معينة لتناول الجزء الشمالي من العقار 662 بعبدا وهذه المساحة تتفق مع نحن المرسوم 9985 تاريخ 1955/8/10. وبما أنها اعتبرت أن المشتري لم يكن مسؤولاً عن هذا المرسوم وفضلاً عن ذلك فإنها أشارت إلى عرض المشتري شراء القطعة “ب “التي لا تحرز شروط المرسوم المذكور من البائع أو المميز وإضافتها إلى المساحة المشتراة الأمر الذي يجعل شروط المرسوم متوفرة ونافذة بهذه القطعة الأخيرة. وبما أن المحكمة المرما إليها لمنت بعين الاعتبار رفض المميز لهذا العرض على سبيل الاستفاضة واعتبرت العقد ملزما وبالتالي نافذاً، الأمر الذي يعود لها فيه سلطة تقدير مطلقة([14]).
كما في قرار أخر صادر عن محكمة الاستئناف المدنية و التي تبنت فيه مبدأ العقد شريعة المتعاقدين، حيث قامت الأخيرة برد السبب الاستئنافي على المطالبة بفسخ الحكم المستأنف لأنه استند بشكل خاطئ ومغاير للقانون إلى تنازل فريقي عقد الإيجار عن مفاعيل حكم ابتدائي كان قد صدر بخصوص حق الإيجار بموجب اتفاقية مخالصة معتبرة أنه من أهم المبادئ القانونية التي تحكم علاقات الأفراد و التعاقد فيما بينهم هو أن العقد شريعة المتعاقدين و أن العقد المنشأ على وجه قانوني ملزم لأطرافه وعليهم تنفيذ كل ما اتفقوا عليه وفقا لما هو منصوص عليه في المواد 165 و 166 و 176 و 221 م.ع. وأن اتفاقية المصالحة تضمنت تنازلاً تاما نهائيا لا رجوع عنه و عن كل حق مرتبط بالإيجار لقاء تعويض مقطوع محدد في الاتفاقية و أن الفريقين توافقا في متن هذه الاتفاقية على تسوية النزاع بينهما حبيا وبمعزل عن الأحكام القضائية, وبالتالي فإن الحكم المستأنف يكون قد احسن تطبيق القانون وطبق مباشرة المادة 526 أ.م.م. ذلك أن التنازل عن الحكم يستتبع التنازل عن الحق الثابت فيه وتوصلت المحكمة إلى تصديق الحكم المستأنف بالنتيجة([15]).
كذلك فعل مجلس العمل التحكيمي في إحدى قراراته حيث أقدم على رد طلب متعلق بفروقات الراتب المطالب به لأن المدعي لم يثبت أنه حين دخل العمل دخل على أساس الدرجة العاشرة، بل ان عقد عمله يدل عكس ذلك. وما دام أن العقد شريعة المتعاقدين فإن الراتب المتفق عليه هو المعمول به، ويكون بالنتيجة طلب فروقات الراتب مستوجب الرد ([16]).
خلاصة القول نستنتج أن العقد ملزم لطرفيه بكل ما تقدم من قواعد والتزامات ولا يمكن لأحد منهما مخالفته أو مخالفة ما تضمن إضافة إلى ضرورة التشديد على أنه بالرغم من تعدد المصادر التي تنبع عنها هذه الإلزامية، إلا أنها تشكل قاعدة راسخة ومكرسة في مختلف التشريعات. فمن خلال ربط ما تقدم ذكره مع موضوع بحثنا الأساسي قد يتراءى للبعض، وللوهلة الأولى أن من يبرم عقداً بالعملة الأجنبية تحديداً الدولار كونه أصل المشكلة من حيث تقلب قيمة العملة الوطنية مقابله يكون ملزماً بالإيفاء بذات العملة عملاً بقاعدة الإلزامية التي طال شرحها. لكن شأنها شأن سائر القواعد تحمل في طياتها بعض الاستثناءات.
المبحث الثاني: الاستثناء على مبدأ الإلزامية
لا شك في أن مقولة “العقد شريعة المتعاقدين” مكرسة بشكل واضح في قانون الموجبات والعقود اللبناني كما هو وارد في المواد 166 و221 وغيرها من هذا القانون ومن قوانين الدول المختلفة. والتي تؤكد على أن العقود المنشأة بشكل قانوني تلزم المتعاقدين، إذ يصبح من الصعب على أي من طرفي العقد التنصل مما التزم به.
إلا أن هذه القاعدة حالها كحال غيرها من القواعد العامة تحمل بعض الاستثناءات نذكر منها حالة القوة القاهرة الظروف الطارئة وإمكانية تعديل العقد من قبل الطرفين أو من قبل القاضي (مع الإشارة إلى أن التشريع اللبناني لم يعط القاضي بعد صلاحية تعديل العقود). إلا الله وبالعودة الموضوع بحثنا المتمحورة حول مصير العقود المبرمة بالدولار في ظل التخبط الحاصل في سعر
صرف العملة الوطنية نرى أنه وللوهلة الأولى، متى كانت عملة الإيفاء الواردة في متن العقد هي الدولار فإن هذا يقيد المتعاقد بموجب الإيفاء بهذه العملة عيناً ذلك تطبيقاً للقاعدة العامة آنفة الذكر ومراعاة لمبدأ استقرار المعاملات.
بالمقابل، ومن خلال بحث بسيط في بعض المواد القانونية تبين لنا أن الإيفاء بالعملة الوطنية في العقود المبرمة بالعملة الأجنبية الدولار) خصوصاً أمر جائز مما يخولنا إيراد هذا الأمر كنوع من الاستثناء على مبدأ الزامية العقد في الحالات التي يتمتك فيها أحد المتعاقدين بوجوب الإيفاء بالدولار. إذ أن من المسلم به أن الليرة اللبنانية تتمتع بقوة إيرانية للديون والالتزامات. ففي عقود الإيجار مثلاً. وفي حال رفض المالك قبض بدلات الإيجار بالعملة الوطنية يحق للمستأجر إيداع هذه البدلات فعلياً لدى كاتب العدل وفقاً لما جاء في المادة 43 من قانون الإيجارات 2017/2، مما يقودنا إلى ضرورة التنويه إلى آلية العرض والإبداع المذكورة في المواد 822 وما يليها من قانون أصول المحاكمات المدنية حيث أن المدين الذي يرغب بإبراء ذمته إزاء الدائن يعرض على الأخير بواسطة كاتب العدل المبلغ أو الشيء الذي يعتبر نفسه مديناً به حيث ينظم كاتب العدل محضراً يثبت فيه العرض و الإبداع يكون بالتالي الخيار للدائن، إما بالقبول أو بالرفض على أن يشير إلى موقفه عبر تصريح لدى كاتب العدل خلال 48 ساعة من تاريخ التبليغ على أن يبلغ المدين في حالة الرفض مع الإشارة إلى أن الموافقة لا يجب أن تكون معلقة على شرط أو تحفظ أخيراً.
اخيرا تجدر الإشارة إلى أن القانون فرض بعض المهل الواجب احترامها من قبل الطرفين، إذ أنه على المدين تحت طائلة سقوط الآثار المترتبة العرض والإبداع أن يتقدم خلال مهلة 10 أيام من تاريخ تبلغه رفض الدائن لدعوى إثبات صحة العرض والإيداع.
كما على الدائن خلال مهلة 10 أيام من تاريخ صدور رفضه أن يتقدم بدعوى لإثبات بطلان العرض والإبداع كما منح القانون حق تقديم طلب طارئ وذلك خلال مهلة 10 أيام من تاريخ رفض الدائن للعرض والإيداع.
زد على ذلك، وبالعودة إلى القوة الإيرانية لليرة اللبنانية لا بد من الإشارة إلى المادة 1992/159 التي أجازت إمكانية الإبقاء بالعملة الوطنية.
كما ورد في الفقرة الأولى من المادة 301 م. ع أنه: “عندما يكون الدين مبلغا من النقود يجب إيفاؤه من عملة البلاد ([17])، كذلك الأمر بالنسبة للمادة 7 من قانون النقد والتسليف التي تنص على أن للأوراق النقدية التي تساوي قيمتها الخمسمائة ليرة وما فوق قوة إيرانية غير محدودة في أراضي الجمهورية اللبنانية”، إضافة إلى المادة 192 من القانون أنف الذكر والتي فرضت تطبيق عقوبات المادة 319 من قانون العقوبات على كل من يمتنع عن قول العملة الوطنية بالشروط المحددة في المادتين 7 و8 من قانون النقد والتسليف يقتضي التذكير بأن هذه الأحكام تطبق على العقود المحلية التي هي محور بحثنا وترتبط بالنظام العام المالي([18]) اللبناني الحامي للعملة الوطنية([19]).
يتبين مما تقدم أن هذه المواد قد كرست مبدأ القوة الإيرانية لليرة اللبنانية بصورة قاطعة إذ أكدت على أن تسديد الدين أو الموجب أو الالتزام بالعملة الوطنية ضمن الأراضي اللبنانية يشكل إيفاءاً بالمعنى القانوني وبالتالي يبرئ ذمة المدين بعض النظر عن العملة المحرر على أساسها العقد. بذلك فمن الجائز تحرير الالتزامات بالعملة الأجنبية، إذ لا يوجد مانع قانوني على أن الإيفاء يكون جائز أيضاً إما بالعملة الواردة في العقد أو ما يعادلها بالليرة اللبنانية.
تجدر الإشارة أيضاً في هذا الإطار إلى ضرورة التمييز قانوناً بين كل من عملة الإبقاء والعملة المحرر بها العقد أو الواردة في متن العقد) بحيث أن ما تم ذكره من مواد قانونية فيما سبق تتعلق بعملة الإيفاء.
يقتضي أيضا التنويه إلى أن الآراء في هذا المجال قد تضاربت فصحيح أن البعض قد تممنك بالتناقض الوارد بين المادتين 299 و301 المذكورة سابقاً) من قانون الموجبات والعقود اللبناني. مطالباً بأن يتم الوفاء بالالتزام بالدولار حصراً، حيث ورد في المادة 299 منه أنه من الواجب إيفاء الشيء المستحق نفسه مع ما يعنيه ذلك من وجوب قيام المدين بإيفاء الدين أو الالتزام بنفس العملة (الأجنبية) المحرر بها الأخير في حين أشارت المادة 301 إلى إمكانية الإيفاء بالعملة الوطنية. إلا اننا، وفي ظل هذا الواقع التشريعي تؤيد الرأي الذي يشير إلى إمكانية الإيفاء بالعملة الوطنية في العقود المبرمة بالعملة الأجنبية أو الدولار خصوصاً نظراً لما تملكه العملة الوطنية من قوة إيرانية واحتراماً لهذه القوة والقيمة هذه العملة خصوصاً أن العقود موضوع بحثنا هي العقود المحلية التي تنقذ في لبنان، زد على ذلك أن الأوضاع التي تمر بها البلاد لا تخفى على أحد. إذ أن هناك شخ فيما يتعلق بالدولار الأميركي بحيث أن هذه العملة غير متوفرة في السوق، وإن توافرت فهي صعبة المنال. انطلاقا مما تقدم نرى جواز الإيفاء بالعملة اللبنانية ما يمكن المتعاقد من الحصول على ذات القيمة فيما لو أو في الالتزام بالدولار.
لكن السؤال الأهم والذي سنتناوله في الفصل الثاني على أي سعر صرف ستوفى هذه الالتزامات؟ خلاصة القول إن الليرة اللبنانية هي دائما عملة إبقاء إلزامية نتيجة تمتعها بقوة إيرانية مطلقة داخل حدود الأراضي اللبنانية على الرغم من اختلاف الآراء في هذا السياق، بذلك يكون رفض قبول التعامل بها كعملة إيفاء سبباً لفرض عقوبات جزائية بموجب المادة 319 من قانون العقوبات اللبناني.
في ختام هذا الفصل، نرى أن العقد سيجد قوته الإلزامية ويصبح بمثابة قانون بالنسبة للفرقاء. انطلاقا من مبدأ أن العقد شريعة المتعاقدين وسمح القانون للأطراف انتقاء بنود العقد كما يشاؤون شرط عدم مخالفة النظام العام والمبادئ العامة كما ذكرنا سابقاً.
إضافة إلى ذلك فقد فرض المشترع على المتعاقدين عند اختيار ما يعتريه العقد من موجبات متبادلة وبنود التصرف ضمن ما تفرضه مبادئ حسن النية والاستقامة بالتعامل والوقوف عند النية الحقيقية لكل فريق، كما أنه عند الموافقة على بنود العقد ومضمونه لا يحق لأي من الأطراف مخالفة ما فيه لأن ذلك يشكل مخالفة جوهرية، مما يستتبع تحميل مرتكبها وزر المسؤولية التعاقدية. على الرغم من ذلك أعطى المشترع للمتعاقدين نافذة تحرر بسيطة بحيث سمح بالإيفاء بالعملة الوطنية في العقود المحلية المبرمة بالدولار على الرغم من اختلاف الآراء حول هذه المسألة إلا أن الرأي الذي يمكن التماس العدالة عبره هو ذلك الذي سمح بحصول عملية الإيفاء بالليرة اللبنانية، خصوصاً في ظل ما يمر به لبنان اليوم من ظروف استثنائية، إذ أن الواقع اليوم يخرج عن نطاق التعامل العادي.
كما أننا قد أشرنا إلى ظاهرة العرض والإبداع التي يلجأ إليها أغلب المدينين كمحاولة لإبراء ذمتهم والتي أثير حولها لغط كبير لن نغوص فيه نظراً لخروجه عن موضوع بحثنا. إضافة إلى ذلك فقد تطرقنا أيضاً إلى القوة الإبرائية التي تتمتع بها العملة الوطنية التي كرسها القانون بشكل واضح في المواد المشار إليها سابقاً. لكننا نرى أيضاً أن القانون لم يحقق بعد الغاية المرجوة بحماية العملة الوطنية، إذ كان من باب أولى توافر قوانين أكثر صرامة بغية تحصين هذه العملة. كما أن مشاكل الإيفاء لا تزال تتزايد في أيامنا الحالية والمشاكل تتفاقم في حين أن المشترع لم يأخذ بعد خطوة إصدار القانون اللازم لمسك زمام الأمور ومنح العملة اللبنانية قوة حقيقية لا نقاش حولها.
الفصل الثاني
غياب العدالة ما بين سعر صرف فاحش وقصور تشريعي
قد أشرنا سابقاً إلى مبدأ الزامية العقود والصلاحية الممنوحة للمدين بتأدية التزامه بالعملة الوطنية شارحين ما تملكه من قوة إيرانية مما يقودنا إلى القول بأن الدول عادة تلجأ، عند حدوث تقلبات اقتصادية مفاجئة إلى ضبط الوضع بإصدار تشريعات أو مراسيم تحد من التداعيات وعلى الرغم من تبلى العديد من الدول لنظرية الظروف الطارئة التي تواجه الأحداث الاستثنائية، وإدراجها في تشريعاتها المحلية كما هو الحال في كل من مصر وفرنسا وغيرها. إلا أن لبنان لم يلحظ بعد ضرورة اتخاذ خطوة مماثلة، إذ أن القوانين المحلية لا زالت تفتقر لمثل هذه النظرية، كما تعتقر للركائز التي يحدد على أساسها سعر الصرف.
سوف نتطرق في هذا الفصل إلى نظرية الظروف الطارئة وما إذا كان للقاضي دور في إعادة التوازن للعقد (مبحث أول) ثم سنتطرق إلى موقف الاجتهاد مما يحصل (مبحث ثان).
المبحث الأول: نظرية الظروف الطارئة ودورها في مواجهة تداعيات أزمة سعر الصرف
فقد عرف بعض فقهاء القانون الظروف الطارئة بأنها ” كل حادث عام الحق على تكوين العقد وغير متوقع الحصول أثناء التعاقد، ينجم عنه اختلال تين في المنافع المتولدة عن عقد يتراخى تنفيذه إلى أجل أو أجال، بحيث يصبح تنفيذ المدين لالتزامه كما أوجبه العقد يرهقه إرهاقا شديدًا، ويهدده بخسارة فاضحة تخرج عن الحد المألوف في خسارة التجار، وذلك كخروج سلعة تعهد المدين بتوريدها من التسعيرة، وارتفاع سعرها ارتفاعا فاحتنا غير مألوف ولا متوقع”.
كما قبل أيضا بأنها “حالة عامة غير مألوفة أو غير طبيعية، أو واقعة مادية عامة لم تكن في حسبان المتعاقدين وقت التعاقد ولم يكن في وسعهما ترتيب حدوثها بعد التعاقد، ويترتب عنها كون تنفيذ الالتزامات التعاقدية مرهقا للمدين بحيث يهتده بخسارة فادحة، وإن لم يصبح مستحيلاً”.
وبناء عليه فإن نظرية الظروف الطارئة تفترض وجود عقود يتراخى وقت تنفيذها إلى أجل أو اجال مثل عقد التوريد، ويحل ميعاد التنفيذ فإذا بالظروف الاقتصادية التي كان توازن العقد يقوم عليها وقت تكوينه قد تغيرت بسبب حادث لم يكن متوقعا ، فيصبح تنفيذ الالتزام شاقا على المدين ومرهقا له على الحد الذي يجعله مهددًا بخسارة فادحة دون أن يبلغ حد القوة القاهرة التي تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً مؤدى ذلك أنه إذا صار الالتزام التعاقدي مستحيلاً لخضع لنظرية أخرى وهي نظرية القوة القاهرة وجزاؤها الفسح وانقضاء الالتزام، أما الظروف الطارئة فجزاؤها رد الالتزام إلى الحد المعقول.
وعليه فإن الظروف الطارئة تأخذ أشكالاً عدة وفقا لمصدرها، تتناولها على النحو التالي:
1- الظروف الطبيعية هي الظروف التي يكون مصدرها الطبيعة وتحدث دون تدخل من الإنسان، ومثال ذلك الزلازل والفيضانات والأوبئة وسقوط الشهب والصواعق.
2- الظروف البشرية هي الظروف التي يكون مصدرها فعل الإنسان، كالحروب أو الثورات التي تحدث بشكل مفاجئ وتؤدي إلى تعطيل المرافق أو إتلاف المزروعات مثال ذلك الحرب التي كانت بين إيران والعراق التي ترتب على إثرها تهديد للملاحة البحرية في الخليج العربي والتي تولد عنها ما يسمى بحرب ناقلات البترول.
3-الظروف التشريعية هي ظروف قد يكون مصدرها إجراء تشريعي أو إداري، مثل التشريعات
الخاصة بتحديد الأسعار الجبرية للسلع.
4 _الظروف الاقتصادية كزيادة الأسعار بطريقة مبالغ فيها مما يؤدي لغلاء المعيشة غلاء
فاحشا وارتفاع أسعار المواد الإنشائية وأجور الأيدي العاملة.
انطلاقاً مما تقدم قد تطرأ بعد إبرام العقد ظروف خارجة عن إرادة طرفيه تحول دون تنفيذه إلا إذا تكبد المدين خسارة كبيرة تقلب التوازن الاقتصادي الذي قام عليه العقد أصلاً. فهل يمكن للقاضي التدخل في إعادة التوازن للعقد أو إلغائه لعدم توازن الموجبات المتبادلة ومناهضتها لمبادئ العدالة والإنصاف؟
هناك تشريعات عربية وأجنبية تداركت مسألة الظروف الطارئة وأدخلت في تشريعها المدني ما يعرف بنظرية “الظروف الاستثنائية الطارئة. في هذا الصدد لا بد أن نأتي على ذكر الفقرة الثانية من المادة 147 من القانون المدني المصري التي نصت على التالي: “إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلاً. صار مرهق للمدين، بحيث يهدده بخسارة فاتحة جاز للقاضي تبعاً للظروف وبعد موازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول. ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك. بتبين من نص المادة انفة الذكر أن المشرع المصري لم يكتفي بلحظ حوادث بل اشترط أن تكون استثنائية عامة أي ظرف غير عادي وغير مألوف مخالف للسير العادي للأمور أو ظرف نادر الوقوع بحيث يكون الحدث خارجاً عن المألوف.
أما المشرع الفرنسي بنص المادة 1195 من القانون المدني ([20])صرح بضرورة أن يكون هناك تغير في الظروف غير ممكن توقعه عند إبرام العقد يستنتج من ذلك أن المشرعين اشترطا في حالة الظروف الطارئة أن لا يكون بالوسع توقعه بحيث تكون الظروف التي كانت متوقعة خارج نطاق تطبيق هذه النظرية اختار المشرع الفرنسي أن يترتب على تغيير الظروف أن يصبح التنفيذ مكلفاً إلى حد مبالغ فيه بالعودة للمشرع المصري، فقد قصد بعبارة “الإرهاق” ما يهدد المدين بخسارة فادحة نتيجة ظرف طارئ([21]).
فالتغيير المقصود به هنا هو الذي يترك تأثير جوهري في اقتصاديات العقد فقط على أن تترك مسألة تقدير الواقع للقاضي من خلال اعتماد معيار موضوعي بعيداً عن أي تأثير المكانة المدين الاقتصادية. أعطى المشترع الفرنسي للقاضي حق التقدير بين تعديل العقد أو إلغاءه بعد أن يكون التعاقدين قد استنفذا الوسائل القانونية المقررة لهما بموجب القانون دون التوصل إلى حل مرض أو في حال رفض أحدهما الحل المقترح من الآخر. على عكس ما هو الحال في التشريع المصري إذ انحصرت صلاحية القاضي بالتعديل ورد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول دون أن تمتد صلاحياته حد فسخ أو إلغاء العقد.
تجدر الإشارة. وعلى سبيل التذكير صحيح أن ما تبلته كل من فرنسا ومصر فيما يتعلق بنظرية الظروف الطارئة يختلف بعض الشيء لجهة التعامل مع هذه الظروف الاستثنائية والخطوات الواجب إتباعها في هذه السياق. بحيث نرى أن القانون الفرنسي قد أعطى وبصورة صريحة الطرفي العقد الحق في إعادة التفاوض قبل اللجوء إلى القضاء على عكس ما فعل المشترع المصري الذي عهد بمهمة مواجهة الظروف الطارئة للقاضي وحده، إلا أنه لا شك في أن هذه النظرية تشكل ضرورة واجبة التوافر في جميع التشريعات.
أما بالعودة إلى المشرع اللبناني، فلم يأخذ بعد بنظرية الظروف الطارئة على غرار ما فعلت الدولة التي تعد مصدراً لغالبية القوانين اللبنانية (فرنسا). بالتالي تتمحور المشكلة في لبنان حول غياب النص الذي يجيز للقاضي تعديل مضمون العقود وفقاً لما يفرضه واقع الحال من ظروف استثنائية غير متوقعة فطالما نحن أمام قصور تشريعي يبقى القاضي ملزماً بتطبيق ما هو وارد ضمن قانون الموجبات والعقود اللبناني فيقف مكتوف اليدين عاجزاً عن تحقيق العدالة حائراً بين مبدأ الإلزامية و ما تفرضه معايير الإنصاف فالبعض يتملك بالمقولة الشهيرة “العقد شريعة المتعاقدين و يلزم المدين بالتنفيذ رغم المعوقات فيما البعض الآخر يحاول التخفيف من وطأة الواقع على المدين, بينما آخرون يعتمدون سياسة التأجيل علهم يجدون الحل. إلا أنه ومع إدراك الجميع لضرورة إدراج مثل هكذا نظرية في التشريع الوطني دون أخذ الخطوات الجدية حيالها، يبقى مفهوم العدالة حاضراً مع وقف التنفيذ.
المبحث الثاني: موقف الاجتهاد في ظل تأرجح سعر الصرف
ما بين الزامية العقود الاستثناءات والظروف الطارئة الغير مقوننة في لبنان مع عدم وجود أي مادة قانونية تجيز للمتعاقدين التحرر من التزاماتهم بعد إبرام العقد بإرادة منفردة إلا في حالات استثنائية تتمثل بالضرورة القصوى. لكن يبقى التساؤل قائماً عن دور القاضي في هذه المرحلة وفي ظل تصاعد سعر الصرف بشكل كبير وغير متوقع.
في ظل التناقض الحاصل بين الزامية العقود التي تحتوي بند الإيفاء بالعملة الأجنبية وبين المواد 301 من قانون الموجبات والعقود و7 من قانون النقد والتسليف، و 319 من قانون العقوبات ترى أن الغلبة للمواد التي تجيز للمدين إيفاء التزامه بالعملة الوطنية التي تعادل قيمة العقد بالعملة الأجنبية. لكن المسألة الأهم التي تحاول معالجتها في سياق بحثنا هذا تكمن في تحديد سعر الصرف الذي سيتم الإيفاء على أساسه.
قد كان لرئيس منظمة “جوستيسيا” الحقوقية حديث في هذا الموضوع حيث قسمه إلى عدة حالات الحالة الأولى: إذا كان القرض مسنداً بالعملة المحلية، لا يمكن للمصرف مطالبة العميل تسديد القرض بالعملة الأجنبية، حتى في ظل تراجع قيمة العملة، حيث أن العقد هو شريعة المتعاقدين، وهناك اجتهادات ثابتة في هذا الإطار من قبل المحاكم. تجدر الإشارة إلى أن القاعدة تنص على أن النيون توفى بأمثالها، بمعنى أن الدائن ملزم باستيفاء دينه بالعملة المتفق عليها بعض النظر عن ارتفاع القيمة الشرائية للعملة أو تراجعها بحيث لا يمكن إلزام المقترض بالتسديد بغير عملة.
الحالة الثانية: لا يحق للدائن المطالبة بإيفاء الدين بعملة أجنبية في حال لم يتم الاتفاق مسبقاً ضمن العقد المبرم بين الطرفين على نوع العملة التي يجب التسديد وفقها. وفي هذا الإطار، ينص تعميم مصرف لبنان القرار الأساسي رقم 10439 تاريخ 17-5-2010 في المادة 10 منه، على إلزام المصرف تضمين العقد عملة التسليف، وبالتالي تتبدد بالنسبة للمصارف، إمكانية وجود الحالة الثانية المشار اليها.
الحالة الثالثة: استنادا إلى المادة 301 من قانون الموجبات والعقود التي تنص على حرية التعاقد بالعملة الأجنبية، بحيث يسمح للمصرف بالتعاقد مع المقترض بالدولار الأميركي، كما أنه استنادا إلى قاعدة يجب إيفاء الشيء المستحق ذاته المكرسة في المادة 299 من قانون الموجبات والعقود، والتي لا يمكن بموجبها إلزام المصرف أو أي دائن على قبول غير العملة المشار إليها في العقد (أي الدولار الأميركي)، وإن كانت العملة البديلة ذات قيمة أعلى من قيمة العملة المحددة في العقد.
لا بد من الإشارة إلى أن الإيفاء بالعملة المحلية، وإن كان العقد محررًا بالعملة الأجنبية لا يقتصر فقط على قانون النقد والتسليف أي العقود التي يكون المصرف طرفا فيها بل يمتد بأثاره للعقود المبرمة بين أطراف عاديين خاضعين لقانون الموجبات والعقود.
فعقود الإيجار مثلاً أثارت جدلاً كبيراً في ظل أزمة الدولار التي يعيشها لبنان، إذ أن نسبة لا يستهان بها من تلك العقود مبرمة بالدولار الأمر الذي يدفع المؤجر في الكثير من الحالات) إلى الطلب من المستأجر إيفاء بدلات الإيجار بالدولار مما يهلك عائق الأخير ليس فقط بسبب ارتفاع سعر الصرف إنما لصعوبة الحصول على الدولار، إذ غالبًا ما يلجأ الصرافين الرفض بيع الدولار بحجة عدم توفره.
من الإشكالات الأخرى الحاصلة مسألة العقود المبرمة بين شاري وبائع الشقة سكنية كانا قد اتفقا على دفع جزء من المبلغ وتقسيط الباقي إلا أنه مع حصول الأزمة، توقف الشاري عن الدفع لعدم قدرته على شراء الدولار وبالمقابل رفض البائع استيفاء المبلغ على سعر الصرف الرسمي أمام هذا المشهد يقتضي التذكير بالمادة 301 من قانون الموجبات والعقود، والت بدت واضحة في هذا الشأن إذ أشارت إلى أنه لا يمكن للدائن أن يرفض إيفاء المدين بالعملة الوطنية “بمعنى آخر على مالك المبنى أن يتقاضى الثمن على السعر الرسمي على 15000 إلى حين تغيير هذا السعر رسمياً أيضا”، مع التشديد على ضرورة أن يوجه من اشتري الشقة إنذارًا لمالك المبنى أو اللجوء إلى عملية العرض والإبداع أيضا لتبرئة ذمته.
تتعدد حالياً في لبنان أسعار الصرف حيث لم يعد بإمكان أحد تحديد سعر الصرف الذي يجب أن يعتمد كي لا يكون هناك ظلم لأحد أطراف العقد. وكون الجهة المخولة في لبنان تحديد سعر صرف رسمي هو المجلس التشريعي تبقى أسعار الصرف التي يحددها مصرف لبنان أو سعر السوق هي أسعار ثانوية إلى جانب السعر الرسمي ولو أن سعر السوق يعتبر هو السعر الأقرب للواقع أخذين بعين الاعتبار أن ارتفاعه وانخفاضه بشكل سريع ومبالغ فيه يتعدى مبدأ العرض والطلب ويدخل في عداد المناكفات السياسية الأمر الذي يترك أثر كبير لجهة التقلبات الحاصلة مما يؤثر بدوره على اقتصاديات العقود.
تعقيباً على ذلك يبقى أن نتصدى لتساؤلين هامين في هذا الشأن: هل حدد المشترع اللبناني سعر صرف رسمي للعملة الوطنية في مقابل الدولار المرتبط به في التعامل في السوق؟ وما الحل القضائي في حال عدم وجود تقنين تشريعي يعالج هذا الأمر؟
يقتضي أولا التطرق بصورة مقتضبة إلى تعريف سعر الصرف بأنه الشعر النسبي لعملة بلد معين. مقارنة مع عملة دولة أخرى بمعنى آخر فهو يمثل عدد الوحدات التي من الممكن الحصول عليها من عملة أجنبية مقابل وحدة من العملة الوطنية ([22]). تقارن العملة الوطنية مع اليورو في بعض الحالات. إلا أن الغالب الأعم هو مقارنتها بالدولار الأميركي باعتبارها عملة عالمية بغية تحديد سعر صرف العملة الوطنية.
مع الإشارة إلى أن طريقة تحديد سعر الصرف تختلف بين دولة وأخرى، فإما أن يتم اعتماد سعر الصرف الثابت، حيث تتولى السلطات مهمة تثبيت هذه العملة أو تغييرها عند الحاجة عن طريق ربط قيمتها بعملة تكون أكثر استقراراً وقوة يطلق على عملية تثبيت سعر الصرف أيضاً مصطلح ربط العملة”، وإما أن يتم اعتماد سعر الصرف العالم إذ يحدد سعر العملة دون أي تدخل من الدولة، بل أن الدور الأكبر تلعبه قوى السوق (العرض والطلب).
ففي الحقيقة لم يصدر لغاية تاريخه أي تشريع خاص يحدد صراحة قيمة الليرة في مقابل الدولار أو غيره من العملات الأجنبية المتعامل بها في لبنان لاتخاذ ذلك كأساس لاحتساب سعر صرف العملة الوطنية في التعامل الرسمي ؛ بيد أنه ينبغي الإشارة إلى أن المشترع اللبناني كان قد أصدر مؤخراً القانون رقم 2020/193 والذي اصطلح على تسميته بقانون الدولار الطالبي” وقد ورد في القانون المذكور وجوب صرف المصارف للطلاب الجامعيين في الخارج مبلغ عشرة آلاف دولار أمريكي من حساباتهم أو حسابات أوليائهم وذلك بالعملة الأجنبية أو بالعملة الوطنية وفق (سعر الصرف الرسمي للدولار 15000 ل.ل.) وهذا الأمر يمكن اعتباره قانوناً بمثابة إقرار تشريعي صريح غير مباشر على كون سعر الصرف الرسمي الصحيح والوحيد للدولار في مقابل العملة الوطنية هو فقط 15000 ل. ل دون غيره وخاصة أن المشترع لم يذكر في القانون المذكور من خلال الصياغة التشريعية الواردة فيه ما يفيد بوجود سعر صرف رسمي آخر، كما لو كان قد نص مثلاً ….. وفق سعر صرف للدولار محدد ب 15000 فقط دون سواه، بل على العكس من ذلك جاء النص بصياغته المذكورة ليجزم فيها بوحدة تسعيرة الصرف الرسمي للدولار، وبذلك يكون المشترع قد حدد وأقر بصورة غير مباشرة وفي معرض مسألة لا تتعلق مباشرة بقيمة العملة الوطنية في مقابل الدولار التسعيرة هذه العملة الوطنية رسميا.
وعلى كل حال لا يعني هذا الأمر عن تدخل تشريعي واضح الدلالة ويقطع الشك باليقين ويجزم بصورة لا لبس حولها بسعر الصرف الرسمي لليرة اللبنانية، كي لا يبقى الإقرار التشريعي غير المباشر والمنوه عنه موضوع تجاذب.
وعلى سبيل الاستفاضة في البحث وعلى فرض اعتبار عدم صحة وجود أي اقرار تشريعي بسعر الصرف الرسمي للعملة الوطنية في مقابل الدولار، فإنه يبقى على القاضي أن يجتهد بحثا عن الحل إذ لا مفر أمامه من أحكام المادة 4 من القانون الإجرائي العام والتي تنص على أنه: ” لا يجوز للقاضي تحت طائلة اعتباره مستنكفاً عن إحقاق الحق… أن يمتنع عن الحكم بحجة غموض النص أو انتقائه ….. وعند انتقاء النص يعتمد القاضي المبادئ العامة والعرف والإنصاف.
انطلاقا من ذلك وفي ظل عدم مشروعية سعر الصرف الرسمي المحدد من قبل المصرف المركزي لانعدام الصلاحية والاختصاص وفي ظل اعتبار عدم وجود قانون يحدد سعر الصرف الرسمي من قبل المشترع، يصبح من الوجوب على القاضي أن يجتهد لتحديد هذا السعر متوسلا في ذلك إلى تقنيات قانونية كرستها له المادة السالفة الذكر في هذه الحالة.
إن وجد غرفاً معمولاً به في التعامل بخصوص القضية المعروضة أمامه، فيقتضي لراما إعماله بين المتخاصمين وخاصة أن التعيين بالعرف كالتعيين بالنص والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً كحال مثلاً العرف المعمول به حاليا في بيع الصخور العرسالية والذي على أساسه يتم تحديد سعر صرف الدولار الخاص ببيع وشراء المتر الواحد 15000 الاف ل.ل. لغاية كتابة هذه السطور رغم كون سعر الصرف في السوق السوداء تجاوز عتبة 89000 ألف ل.ل. للدولار الواحد.
إن لم يجد عرفاً متعلقاً بالقضية المعروضة عليه، فيقتضي تفعيل المبادئ العامة وتغليفها بطابع الإنصاف لرفع الظلامية وتحقيق العدالة وذلك تطبيقاً لنص المادة المشار إليها، كحال المبدأ الذي يقضي بأن “الصلح على الأوسط”، وعلى ذلك إذا كان سعر الصرف الاقتصادي للعملة الوطنية في السوق السوداء هو 89000 ألف ل.ل. للدولار الواحد، فإن الإيفاء على الأوسط الذي يبرى الذمم يُصبح 45000 آلاف ليرة وهذا ينسجم مع روح العدالة والإنصاف بحيث يتحمل كلا الفريقين المتخاصمين الضرر الناجم عن تقلبات الأسعار والظروف الطارئة ، فلا تجلب بذلك المشقة لفريق والميسرة الفريق آخر ولا يغنى فريق على حساب إفقار فريق آخر من جراء تغير سعر الصرف بظروف طارئة([23]).
كما أله وبعد الاطلاع على عدة ملفات عالقة أمام المحاكم فيما خص العقود المبرمة بالدولار والتي تشكل أزمة حقيقية يتبين أن مسألة البت بهذه القضايا لم تأخذ مسلكاً جدياً بعد، إذ لا تزال الملفات عالقة بالأدراج. إضافة إلى أن الخطوة الأبرز التي يتم الإقدام عليها هي عملية العرض والإيداع المشار إليها سابقاً إلا أن جواب الدائن غالبا ما يأتي بالرفض معتبراً أن ذلك يُشكل انتقاص من حقه.
ختاماً في ظل القصور التشريعي وغياب دور القاضي في عملية إعادة التوازن للعقد، زد على ذلك زحمة التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان والتي بدورها لم تساعد كثيراً في حل هذه الأزمة. إلى غياب التعاون الجلي بين طرفي العقد كلها امور أمور ساهمت في. خلق جدل واضح في المحاكم. اليوم أن تأخذ موقفاً صريحاً وموحد مما يجري.
الخاتمة
لا شك في أن لبنان يخوض اليوم تحدياً صعباً كلله أخيراً أزمة انهيار قيمة عملته الوطنية مقابل الدولار قابلها شتات بين سعر صرف رسمي “وهمي” وبين سعر صرف المنصات والسوق السوداء إضافة إلى زحمة التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان الأمر الذي أثر بشكل مأساوي على مختلف الأصعدة أبرزها ما يتعلق بتنفيذ الالتزامات في العقود المبرمة بالدولار فاختل التوازن الاقتصادي بين الطرفين وانهارت روحية العقد التي لا تتمحور فقط حول تبادل الالتزامات، بل أيضاً حول كونها عملية اقتصادية تفرض توافر التوازن بين الطرفين. ففي خضم هذا التخبط يقف الاجتهاد حائراً. عاجزاً عن اتخاذ موقف واضح موحد من كل ما يحدث غير قادر في أغلب الحالات على التصدي التداعيات ما يسمى بالحرب النقدية إضافة إلى ذلك فإن القصرية في القانون وغموض نصوصه زادت حالات لجوء المتعاقدين للقضاء لمحاولة التماس حل يخرجهم من هذه الدوامة. إلا أنه بين مبدأ “العقد شريعة التعاقدين” وعدالة العقد | التعاقد تشتت المحاكم فمنها من أخذ بالرامية العقد تحت ذريعة استقرار المعاملات التعاقدية ومنها من حاول البحث، ولو بشكل سطحي ضمن صلاحيات ضيقة عن ثغرة تحقق نوع من المساواة بين طرفي العقد الأمر الذي يعكس التنوع الواسع في الآراء وحالة الضياع التي يعيشها كل من المتعاقدين المحاكم ورجال القانون.
إلا أننا نرى بوجوب محاولة تسوية الأمور بصورة حبية بين المتعاقدين كمحاولة لإعادة العدالة والتوازن للعقد. إلا أنه مع ذلك لا مفر من تدخل المشترع إذ أن التشريعات العامة الموضوعة الحالات التعامل العادي، لم تعد تحاكي الظروف الاستثنائية الطارئة التي تمر بها فالنص الذي لا يتناغم مضمونه مع الواقع يبقى أحرفاً ميتة. فتجلباً الحصول حالة من الطلاق بين القانون والواقع أو ما يطلق عليه بالفرنسية “الطلاق المؤيد للنطق ضد النص والواقع”. ([24])
آن الأوان لأن يتبنى المشترع نظرية الظروف الطارئة التي دخلت كنف العديد من التشريعات الإقليمية والدولية نذكر منها (فرنسا، مصر) كنوع من تشريع خاص لحل أزمة استثنائية داهمه. كما أنه وتجنباً لهدر الوقت وتداركاً للتداعيات نرى أنه قد حان وقت إعادة إحياء التشريع بمراسيم لمدة محددة، بحيث تكون محصورة بمعالجة الظروف الاستثنائية.
إلى حينها تقترح على المتعاقدين التنبه لوضع بند في متن العقد تحدد فيه المؤشرات التي سيتم الإيفاء على أساسها أما فيما يتعلق بالعقود التي حدث وأبرمت نقترح على المتعاقدين إعادة التفاوض على البنود المتعلقة بعملية الإيفاء لمحاولة إيجاد حل وسط يعيد إلى العقد توازنه.
ختاماً إن كل ما ذكر يثير طرح التساؤلات التالية: ما مدى أهمية الخروج من عباءة التشريعات العامة عبر إدراج بعض النصوص الخاصة في صلب القانون لمقابلة الحالات الاستثنائية التي تخرج عن نطاق التعامل في الظروف العادية الهادئة.
والسؤال الأهم متى سيخرج المشرع من غفوته وينقض عنه غبار القوانين المتحجرة باتخاذه موقفاً حازماً وتبنيه بعض القوانين المعاصرة؟
قائمة المصادر والمراجع
أولاً: المصادر الشرعية
- القرآن الكريم. سورة المائدة، الآية (1).
- السنة النبوية الشريفة. حديث: «المسلمون عند شروطهم».
ثانياً: الكتب والمؤلفات القانونية
- السنهوري RA. الوسيط في شرح القانون المدني الجديد. المجلد الأول: نظرية الالتزام بوجه عام – مصادر الالتزام. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية؛ 1998. ص 75.
- العوجي م. العقد: مع مقدمة في الموجبات المدنية. ج1، ط6. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية؛ 2016. ص 221–226.
- سيوفي ج. النظرية العامة للموجبات والعقود. ج2: الموجبات. ط2. بيروت؛ 1994. ص 233.
- مزهر ح. محاضرات في قانون البيع الدولي. بيروت؛ دون ناشر. ص 527.
ثالثاً: القوانين والتشريعات
- قانون الموجبات والعقود اللبناني.
- قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني.
- قانون النقد والتسليف اللبناني.
- قانون الإيجارات اللبناني الجديد.
- القانون المدني الفرنسي (Code civil). المادة 1134 (1804).
- القانون المدني الفرنسي المعدل. المادة 1195.
- مجلة الأحكام العدلية. المادة 100.
رابعاً: الدراسات والمقالات العلمية
- أسود ل. الاقتصاد السياسي اللبناني. مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط؛ 22 آذار 2021.
متاح من: https://carnegie-mec.org/2021/03/22/ar-pub-83907
تاريخ الزيارة: 28 أيار 2021. - النويصر خ. قراءة قانونية في قاعدة العقد شريعة المتعاقدين. جريدة الاقتصادية (العرب الاقتصادية الدولية)؛ 6 تشرين الثاني 2011.
متاح من: https://www.aleqt.com/2011/11/06/article_596219.html
تاريخ الزيارة: 28 أيار 2021. - زوين ج. الإيفاء بالعملة الوطنية لدين محرر بالعملة الأجنبية في ضوء عدم قابلية الليرة اللبنانية للتحويل بسعر صرفها الرسمي. مجلة العدل. 2020؛54(2).
- زوين ج. الإيفاء بالعملة الوطنية في ظل الاجتهاد القضائي اللبناني. مجلة محكمة. 2020؛50:1–10.
- CARREAU D, KLEINER C. Monnaie. Répertoire de droit international. Dalloz; 2017. n°126.
خامساً: المحاضرات والندوات العلمية
- منصور س. محاضرة في مادة القانون المدني المقارن. ألقيت بتاريخ 13 شباط 2021.
- قاسم م ح. نظرات في قانون العقود الفرنسي الجديد. دراسة مقدمة في ندوة كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة بيروت العربية؛ شباط 2016 (تاريخ الإلقاء: 18 أيار 2016).
- غصوب ع. إشكالية الإيفاء بالعملة اللبنانية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. ورشة عمل في معهد المحاماة؛ 17 تموز 2020.
سادساً: الاجتهادات القضائية
- محكمة التمييز المدنية اللبنانية. قرار رقم 7/1958. تاريخ 13 كانون الثاني 1958.
- محكمة الاستئناف المدنية اللبنانية. قرار رقم 61/2014. تاريخ 16 كانون الثاني 2014.
- مجلس العمل التحكيمي اللبناني. قرار رقم 16/2016. تاريخ 13 كانون الثاني 2016.
- رئيس دائرة تنفيذ بيروت، القاضي فيصل مكي. قرار صادر بتاريخ 15 كانون الثاني 2020.
سابعاً: المراجع الإلكترونية والإعلامية
- صفير ر. نحن والقانون. الموقع الرسمي للجيش اللبناني؛ العدد 209؛ تشرين الثاني 2002.
متاح من: https://www.lebarmy.gov.lb/ar
تاريخ الزيارة: 27 أيار 2021. - Harvard Business Review العربية. سعر الصرف – المفاهيم الإدارية.
متاح من: https://hbrarabic.com
تاريخ الزيارة: 15 أيار 2021. - عزو هـ ع. كيفية تحديد قانوناً سعر الصرف الرسمي لليرة مقابل الدولار. موقع اللبنانية؛ 15 آذار 2021.
متاح من: https://www.alloubnania.com/Newsdet.aspx?id=417180
تاريخ الزيارة: 5 أيار 2021.
Margins:
-
ليديا أسود – الاقتصاد السياسي اللبناني – مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط – تاريخ 22 آذار 2021 تاريخ زيارة الموقع: 28 أيار 2021 ملاحظة.: https://carnegie-mec.org/2021/03/22/ar-pub-83907 ↑
-
() رلى صفير- نحن والقانون- الموقع الرسمي للجيش اللبناني- العدد209-تشرين الثاني2002. https://www.lebarmy.gov.lb/ar/content/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%91%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%84%D9%88%D8%A7%-D8%A9 تاريخ زيارة الموقع: 27 أيار 2021. ↑
-
() سامي منصور – محاضرة في مادة القانون المدني المقارن – تاريخ 13 شباط 2021. ↑
-
() حبيب مزهر – محاضرات في قانون البيع الدولي – ص 527 – الفقرة ج. ↑
-
() حبيب مزهر – المرجع السابق. ↑
-
() المادة 1134 من القانون المدني الفرنسي Dalloz – لسنة (1804) على أنه تقوم الاتفاقيات المبرمة بشكل قانوني مقام القانون بالنسبةإلى من أبرموها، ولا يمكن الرجوع عنها إلا برضاهم المتبادل أو للأسباب التي يجيزها القانون، ويجب أن يتم تنفيذها بحسن نية). ↑
-
() عبد الرزاق أحمد السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني الجديد (المجلد الأول – نظرية الالتزام بوجه عام – مصادر الالتزام – منشورات الحلبي الحقوقية – بيروت – 1998 – ص 75. ↑
-
() مصطفى العوجي – العقد مع مقدمة في الموجبات المدنية – الجزء الأول – الطبعة السادسة – منشورات الحلبي الحقوقية – 2016 – ص226,221. ↑
-
() خالد النويصر – قراءة قانونية في قاعدة العقد شريعة المتعاقدين – الاقتصادية (جريدة العرب الاقتصادية الدولية) – 6 تشرين الثاني 2011. https://www.aleqt.com/2011/11/06/article_596219.html تاريخ زيارة الموقع: 28 أيار 2021 ↑
-
() القرآن الكريم – سورة المائدة – الآية 1. ↑
-
() حديث الرسول – السنة النبوية.
https://www.aleqt.com/2011/11/06/article 596219.html ↑
-
() المادة 100 من مجل ة الأحكام العدلية ↑
-
() القرآن الكريم – سورة المائدة – الآية 1. ↑
-
() تمييز مدني لبناني – قرار رقم 7 \ 1958 تاريخ 13 كانون الثاني 1958. ↑
-
() استئناف مدني لبناني – قرار رقم 61 \ 2014 تاريخ 16 \ 1 \ 2014. ↑
-
() مجلس العمل الت حكيمي – قرار رقم 16 \ 2016 تاريخ 13 \ 1 \ 2016. ↑
-
() أما الفقرة الثانية من هذه المادة – التي تنص على أنه “وفي الزمن العادي، حين لا يكون التعامل إجباريا بعملة الورق، يظل المتعاقدون احرارا في اشتراط الايفاء نقودا معدنية معينة او عملة اجنبية –” فهي لم تعد مطبقة نظرا الى أن التعامل بالعملة الورقية إلزامي بحيث لا يمكن التعامل ب “عملات” من نوع آخر وبشكل خاص الذهب وفقاً للقرار رقم 18 تاريخ 26 كانون الثاني 1940. راجع: جورج سيوفي- النظرية العامة للموجبات والعقود – الجزء الثاني – الموجبات- الطبعة الثانية – بيروت – 1994 – ص 233. ↑
-
() جيزال زوين – الإيفاء بالعملة الوطني ة لدين مُحرر بالعملة الأجنبي ة في ضوء عدم قابلية الليرة اللبنانية للتحويل بسعر صرفها الرسمي – مجلة العدل – السنة الرابعة و الخمسون – العدد الثاني – 2020 – نقلاً عن :
Comp. D. CARREAU et C. KLEINER, Rép. dr. int., Dalloz, V° Monnaie, Juin 2017, n°126 : « le nouvel article 1343-3 du code civil s’analyse ainsi comme une norme impérative, au sens où cette disposition s’appliquera, quelle que soit la loi applicable au contrat (…) le nouvel article 1343-3 du code civil jouera bien comme une loi de police, et s’appliquera dès lors que le paiement doit avoir lieu en France ». ↑
-
() جيزال زوين – المرجع السابق – نقلاً عن: رئيس دائرة تنفيذ بيروت – القاضي فيصل مكي – القرار تاريخ 15 كانون الثاني 2020 ، الكعكي \العماد – مجل ة محكمة العدد 50 ، شباط 2020 – ص 1 – و العدل – العدد 1 العام 2020 – ص 363 . ↑
-
() نص المادة بالفرنسية :
“Art.1195. – Si un changement de circonstances imprévisible lors de la conclusion du contrat rend l’exécution excessivement onéreuse pour une partie qui n’avait pas accepté d’en assumer le risque, celle-ci peut demander une renégociation du contrat à son cocontractant. Elle continue à exécuter ses obligations durant la renégociation
. En cas de refus ou d’échec de la renégociation, les parties peuvent convenir de la résolution du contrat, à la date et aux conditions qu’elles déterminent, ou demander d’un commun accord =
au juge de procéder à son adaptation. A défaut d’accord dans un délai raisonnable, le juge peut, à la demande d’une partie, réviser le contrat ou y mettre fin, à la date et aux conditions qu’il fixe.” ↑
-
() محمد حسن قاسم – دراسة أُلقيت في ندوة كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة بيروت العربي ة بعنوان: نظرات في قانون العقود الفرنسي الجديد شباط 2016– بتاريخ 18 أيار 2016. ↑
-
() هارفارد بزنس ريفيو – مقال حول المفاهيم الإداري ة.
تاريخ زيارة الموقع: 15 أيار 2021. ↑
-
() هيثم عدنان عزو – كيفية تحديد قانوناً سعر الصرف الرسمي لليرة مقابل ال دولار – موقع “اللبنانية” – بتاريخ 15 آذار 2021 .
https://www.alloubnania.com/Newsdet.aspx?id=417180. تاريخ زيارة الموقع: 5 أيار 2021. ↑
-
() عبدو غصوب – ورشة عمل في معهد المحاماة تحت عنوان “إشكالية الإيفاء بالعملة اللبنانية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة” – تاريخ 17 تموز 2020. ↑