الاستعارة في الحديث النّبويّ الشّريف

Metaphor in the Noble Prophetic Hadith

د. فائزة محمد الغفير1

1 جامعة إسطنبول آيدن، قسم الترجمة، تركيا.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj612/19

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/612/19

المجلد (6) العدد (12). الصفحات: 279 - 286

تاريخ الاستقبال: 2025-11-10 | تاريخ القبول: 2025-11-18 | تاريخ النشر: 2025-12-01

Download PDF

المستخلص: تسعى هذه الدراسة إلى إبراز البعد البلاغي في الحديث النبوي الشريف، من خلال تحليل أنماط الاستعارة وصورها الفنيّة التي استخدمها النبي ﷺ في خطابه التوجيهي والدعوي. تنطلق الدراسة من حقيقة أنّ كلام النبي ﷺ يمثّل ذروة الفصاحة العربية وغاية البيان، وقد حاز اهتمام البلاغيين وشرّاح الحديث في مراحل مبكرة من التدوين. وفي هذا الإطار، يقسّم البحث موضوعه إلى ثلاثة محاور رئيسة: المحور الأول يعرض خصائص البلاغة النبوية من حيث الفصاحة، والإيجاز، والأصالة، وعمق التأثير، مستندًا إلى نشأة النبي ﷺ اللغوية وإلى شهادات العرب بفصاحته. المحور الثاني يتناول تطوّر الدراسات البلاغية في الحديث النبوي، ويعرض جهود كبار العلماء الذين اعتنوا بتحليل الأساليب البيانية في الأحاديث، سواء من المحدّثين أو من البلاغيين. المحور الثالث يقدّم دراسة تفصيلية لفنّ الاستعارة في الحديث الشريف، من حيث تعريفها وأركانها وأنواعها، مع تحليل نماذج تطبيقية من الاستعارات التصريحية والمكنية والتخيلية والتمثيلية والتبعية وغيرها، مما يعكس ثراء الأسلوب النبوي ودقته التصويرية. واعتمدت الدراسة المنهج التحليلي البلاغي، من خلال قراءة النصوص الحديثية واستنباط الصور الفنية الكامنة فيها، وربطها بشروح الأئمة المتقدمين مع التوثيق الدقيق للمصادر. وتبيّن من خلال التحليل أنّ الاستعارة في الحديث النبوي تمثّل محورًا أساسيًا في البيان النبوي، لما تؤدّيه من وظائف مباشرة في الإيضاح، والتأثير، والإقناع، والتصوير الحسّي والمعنوي، إضافة إلى ما تكشفه من دقة اختيار النبي ﷺ لألفاظه بما يناسب المقام والهدف. وتخلص الدراسة إلى أنّ الحديث النبوي الشريف زاخـر بصور بلاغية رفيعة لم تنل حظها الكافي من البحث المستقل، وأنّ استثمار هذه الصور في الدراسات اللغوية والتربوية والبلاغية يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة لفهم النصّ النبوي وفلسفته التعليمية. وتوصي الدراسة بتوجيه مزيد من الجهود العلمية نحو دراسة الأساليب البيانية في الحديث الشريف دراسة متخصصة ومعمقة، لما تحمله من قيم معرفية وجمالية وتربوية واسعة.

الكلمات المفتاحية: Metaphor in the Noble Prophetic Hadith

Abstract: This study aims to highlight the rhetorical dimension within the Noble Prophetic Hadith by analyzing the patterns and artistic imagery of metaphor employed by the Prophet Muhammad (peace be upon him) in his instructional and devotional discourse. The research is grounded in the fact that the Prophet’s speech represents the pinnacle of Arabic eloquence and the highest level of expressive clarity, which has captured the attention of rhetoricians and Hadith commentators since the early stages of Islamic scholarship. The study is organized into three principal sections. The first section examines the characteristics of Prophetic eloquence in terms of clarity, brevity, originality, and persuasive impact, drawing upon the Prophet’s linguistic upbringing and testimonies of the Arabs concerning his exceptional eloquence. The second section presents the historical development of rhetorical studies related to the Prophetic Hadith, outlining the contributions of major scholars—both Hadith specialists and rhetoricians—who analyzed its stylistic and rhetorical features. The third section offers a detailed rhetorical study of metaphor in the Prophetic Hadith, defining its concept, components, and classifications, and providing applied analyses of various types, including explicit, implicit, imaginative, representational, and derivative metaphors, all reflecting the richness and precision of Prophetic expression. The research adopts an analytical rhetorical methodology by closely examining Hadith texts, uncovering the embedded rhetorical imagery, and correlating them with classical scholarly interpretations, accompanied by precise source documentation. The findings reveal that metaphor constitutes a central pillar in Prophetic rhetoric due to its essential role in clarification, persuasion, emotional impact, sensory visualization, and conceptual refinement. Moreover, the Prophet’s deliberate and context-appropriate selection of words further amplifies the aesthetic and communicative power of metaphor in his speech. The study concludes that the Prophetic Hadith abounds with refined rhetorical images that have not yet received adequate dedicated scholarly attention. Integrating these images into linguistic, rhetorical, and educational research can open new avenues for understanding the Prophetic discourse and its pedagogical philosophy. The research recommends intensified academic efforts to study rhetorical devices in the Hadith comprehensively and independently, given the profound ethical, aesthetic, and cognitive values they embody.

Keywords: Prophetic rhetoric, metaphor, rhetorical analysis, Hadith studies, eloquence.

.

المقدّمة

امتنّ الله تعالى على نبيه محمد ﷺ بأنّه أنزل عليه الكتاب والحكمة، وعلمه مالم يكن يعلم، فقال تعالى:

{ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً}[1], كما نبّهه إلى ضرورة أن يبلُغ الغاية في البيان في عرض الدّعوة، فقال:{ فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً}[2]. وقد أخبر القرآن الكريم أنّ الغاية التي تأتي كلّ الغايات بعدهـا هي (البيان والتّبيين)، قال تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلّا لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقومٍ يؤمنون}[3]. ولِما للبيان والتّبيين من أثرٍ في الدّعوة والدّاعية طلب موسى ـ عليه السّلام ـ من الله تعالى أن يرسل معه أخاه (هارون) وزيراً، لأنّ (هارون) أفصح منه لساناً، وأقوى بياناً، فقال تعالى حكاية عن موسى – عليه السّلام ـ : { وأخى هارون هو أفصح منى لساناً فأرسله معي ردءاً يصدّقني إنّي أخاف أن يكذبون}[4]. وهذا ما يدفع الباحث للكتابة في بلاغة الحديث فللحـدیث الشّریف ارتباط وثیق بكتـاب االله الكـریم, وإبراز حدیث النّبي صلى الله عليه وسلم في بحثٍ مسـتقلّ یجعل العقول والقلوب أكثر توجّهاً إلى السـّنة المطهّرة لما فیها من سمات بلاغیّة تجذب الدّارسین إلى البحث. القسم الأوّل من البحث في الحديث عن بلاغة النّبي صلى الله عليه وسلم, والثّاني لمحة موجزة عن تاريخ دراسة بلاغة الحديث النّبوي, وفي القسم الثّالث الحديث عن فنّ الاستعارة المعنى والأنواع والتي تحتل المرتية الثّانية في الأساليب البيانيّة في الحديث الشّريف بعد التّشبيه, ومع كلّ نوعٍ ذكرنا عليها أمثلة حيّة من الحديث تبيّن ما تميّز به الأسلوب النّبويّ من الأصالة والإيجاز.

1. بلاغة النّبي صلى الله عليه وسلم

أرسل الله سبحانه نبيّه عليه الصّلاة والسّلام من خير العرب قبيلة، ومن أوسطهم نسباً وأكرمهم بيتاً، وتلقّى الفصاحة في السّنوات الأولى من عمره في قبيلة بني سعد، قضي في ربوعها خمس سنوات بعد ولادته مباشرة, و(بنو سعد) إحدى القبائل التي كانت وسط الجزيرة العربيّة، حيث كانت في مأمن من الاختلاط بالشّعوب التي كانت تسكن في أطراف الجزيرة، وقضى الرّسول حياته الأولى بينهم، فتربّي على الفصاحة، وشبّ عليها، وظهرت آثار هذه التّربية وتلك النّشأة في حياته.

يُروى أنّ أبا بكر رضي الله عنه قال للنبي ﷺ لقد طُفت في العرب، وسمعت فصحاءهم، فما سمعت الذي هو أفصح منك فمن أدّيك؟. فقال عليه الصّلاة والسلام : (أدّبني ربي فأحسن تأدیبی )[5].

“يعتبر كلام النّبي صلى الله عليه وسلم ذروة ما انتهى إليه‏ كلام العرب, بلاغة وروعة وإشراقاً, خلا من التكلّف المسجوع والحوشي, وتنزّه عن الاختصار مع الحاجة, والتّطويل بدون طائل, إذا شبَّه التقط أقرب الأشياء وألطفها دون تعقيد ‏أو تقعير, وإذا نصح صاغ نصائحه حكماً مرسلة ‏كان يبدو عليها ‏جلالة النّبوة وأثر الإلهام وحلاوة الصّدق”[6]. ثمّ إنّ أخصّ ما يميّز الأسلوب النّبويّ الأصالة والإيجاز، فالأصالة هي خصوصيّة اللّفظ, وطرافة العبارة تتجلّى فيها ما كان ينهجه الرّسول صلى الله عليه وسلم من المذاهب البيانيّة، ويرتجله من الأوضاع التّركيبية, ويضعه من الألفاظ الاصطلاحيّة. وشملت الصّورة البیانیّة مساحة كبیرة في الحدیث الشّریف وكان التّشبیه أكثر الأنماط وروداً في الحدیث يليه الاستعارة والكنایة، ثمّ المجاز المرسل[7].

ولكلّ ما سبق ذكره كان للرّسول صلى الله عليه وسلم قدرة فائقة على التّشبيه والتّمثيل, وإيصال الحكمة وحسن الحوار، وتلك ميزة الرّسل من قبل، لأنّ الرّسل في مقام المعلّمين، وأنجح ما يكون التّعليم اذا كان على طريقة التّمثيل والمحاورة[8].

2. لمحة عن تاريخ دراسة بلاغة الحديث النّبوي

حظيت الدراساتُ البلاغيةُ المتصلةُ بالإعجازِ بعنايةِ كبارِ أهلِ العلـم إلى مرحلة تدوين الحديث, وكان اهتمامِ علماء المسلمين الأكبر في مجال الدراسات البلاغية نحو القرآن الكـريم, وقضـية الإعجاز فيه؛ ممّا جعل حظ الحديث النبوي من الدراسات البلاغية ضئيلاً إذا ما قورن بالدّراساتِ القيمةِ التي عُنيتْ بالقرآنِ وقضية الإعجاز.

بدأ الاهتمامِ عند أغلب شرّاح الحديث النّبوي بعـد مرحلة التّدوين؛ فلقيت دراسة الحديث النّبوي العناية من الوجهةِ البيانية, وكانت غالباً عبارة عن إشارات مختصرة إلى بعض المواطن البلاغية, من هؤلاء العلماء:

الخطابي ت 388هـ, والنّوويّ ت 676هـ, والبيضاويّ ت 685هـ, ولعلّ دراسة الإمام الطّيبيّ ت 223 هـ كانت من أوائل الدّراسات القيّمة التي تدرس الحديث النبوي من الوجهة البيانيّة دراسة مستفيضة. ولقيت كذلك دراسةُ الحديثِ النّبويّ من الوجهةِ البيانيّة بعضَ الاهتمام عند بعضِ عُلماءِ الأدب والبلاغة ومن هؤلاء: الجاحظ ت255هـ, والشّريف الرّضي ت406هـ, وابن رشيق القيروانيّ ت463هـ, وعبد القاهر الجرجانيّ ت 471هـ, وضياء الدّين ابن الأثير ت 622هـ, ويحيى بن حمزة العلويّ ت 745هـ .

3. فنّ الاستعارة المعنى والأنواع

3.1. معنى الاسـتعارة: ضرب مـن المجاز اللغـوي علاقته المشابهة، وهـي لغة: مأخوذة من العاریة، أي: نقل الشّيء من شخصٍ إلى آخر، حتّى تصـبح تلك العاریة من خصائص المعار إلیه . یقـول ابـن منظـور: “والعاریـة العـارة: ما تداولوه بیـنهم، وقد أعاره الشّيء، وأعاره منه، وعاوره إیاه، والمعاورة والتّعاور: شبه المداولة… واسـتعاره الشّيء واسـتعاره منه: والتّداول في الشّيء یكـون بـین اثنـین طلب منه أن یعیره إیّاه”[9]

ولعـل تعریف السّكاكي للاسـتعارة أدق تحدیـداً، وأشهر فـــي علم البلاغة حیث یقول: “هي أن تذكر أحد طرفيّ التّشـبیه، وترید به الطّرف الآخر، مدعیاً دخول المشـبّه فـي جنس المشبّه به، دالاً على ذلك بإثباتك للمشبّه ما یخصّ المشـبّه به، كما تقول: ” في الحمام أسـد ” وأنـت تریـد بـه الرّجل الشّجاع، مدّعیاً أنّـه مـن جـنس الأسـود، فتثبـت للرّجال المشبه به؛ وهـو اسـم جنسـه، مـع سـدّ طریـق الشّجاع ما یخصّ التّشــبیه بإفراده بالذكر”.[10]

والاستعارة أسلوب جمیل، وبیان باهر ساحر حيث فیها التّزیین، والاختصار والإیجاز، والجدّة والإیضاح، والتّأكید والمبالغة.[11]“ومن خصائصها التي تذكر بها أنها تعطیـك الكثیر من المعاني بالیسیر من اللّفظ ، حتّى تخرج من الصّدفة الواحدة عدة الكثیر مـن الدّرر، وتجني من الغصـن الواحد أنواعاً من الثمر”.[12]

3.2. أركان الاستعارة

الأركان التي تقوم علیها الاستعارة ثلاثة :

المستعار منه وهو : المشبّه به .

المستعار له وهو : المشبّه.

والمستعار وهو : اللّفظ المنقول.

3.3. أقسام الاستعارة

قسـّم السّكاكي الاسـتعارة إلـى قسـمین رئیسـیین:

تصـریحیّة ومكنیّة, والمصرّح بها تنقسم إلى تحقیقیّة وتخییلیّة، والمراد بالتّحقیقیة: أن یكون المشبه المتروك شیئاً متحقّقـاً إمّا حسـیّاً وإمّا عقلیـّاً. والمـراد بالتخییلیّة: أن یكون المشبّه المتروك مـا لا تحقـّق له إلا فـي مجـرّد الـوهم، ثمّ تنقســم كلّ واحدة منهما إلى قطعیّة: وهي أن یكون المشـبه المتروك متعیّن الحمل على ما له تحقّق حسّيّ أو عقليّ[13].

وفيما يلي توضيح أهمّ أنواعها مع الأمثلة عليها من الحديث النّبويّ الشّريف:

1. الاستعارة التّصريحيّة يطلق عليها اسم “الاستعارة المصرّحة”: وهي ما استعير فيها لفظ المشـبه به للمشبه.

ومـن أمثلة الاستعارة التّصریحیّة الأصـلیّة في الحـدیث الشّـریف:

1. قولـه صلى االله علیه وسلم في حدیث طویل یبدؤه بقوله: (إنّ الله أمر یحیى بـن زكریا بخمس كلمات وممّا جاء فیه: فإنّه من فارق الجماعة قید شـبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن یرجع)[14].

ففي قوله صلى الله عليه وسلم (ربقه) اسـتعارة تصریحیّة؛ وذلـك لأن يشبّه تعالیم الإسلام وأوامره ونواهیه ولزومها للمسلم بربقة الدّابة التي تربط الدّابة فتمنعها من الفرار كما تمنع تعاليم الاسلام من الخروج عليها.

یقول الشّریف الرّضي:” فشـبّه علیه الصّلاة والسّلام مافي عنق الإنسان من لوازم الإسلام ومعاقد الإیمان ب “الرّبقة” التي في عنق “السّخل” لأنّه تصـدّه إذا هـمّ بالشـرود، وتمســكه إذا جـاذب إلــى النّـزوع، وكذلك الإسلام یمنع صاحبه من الارتكاب في المحظورات والانزلاق في الضّلالات، وهـذه الاسـتعارة كما یتّضح اسـتعارة المحسـوس للمعقـول، فشـبّه صـلى االله علیـه وسـلم تعـالیم الإسـلام مـن أوامـر ونـواه، وهـي من الأمور المعقولة بما یقع تحت مشاهدة المسـلم الیومیّة فشـبّهها بربقة الدّابة, ویسـتوعبه كامـل الاستیعاب فیزید من تمسّكه بالإسلام وتعالیمه، لأنّ الخـروج عنها یمثّل لديه انفلاتاً واضحاً نتیجةً لهذه الصّورة المحسوسـة الماثلة أمامه[15].

2. قوله صلى الله عليه وسلّم: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّار عَلَى وُجُوهِهِمْ أَو عَلَى مَنَاخِرهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهمْ)[16].

قال الطّيبيّ مبيناً الاستعارة في كلمة وقرينة هذه الاستعارة: الحصائد جمع حَصيدَة, فعليه بمعنى مفعولة, من حصد إذا قطع الزّرع, وهذا من إضافة اسم المفعول إلى فاعله, أي: محصودات الألسنة؛ فشبّه ما تكلّم به اللّسان بالزّرع المحصود بالمنجل, فكما أنّ المنجل يقطع ولا يميّز بين الرّطب واليابس والجيّـد والـرّديء فكذلك لسان بعض النّاس يتكلّم بكلّ نوع من الكلام القبيح والحسن, ثمّ حذف المشبه وأقيم المشبه به مقامه على سبيل الاستعارة المصرّحة, وجعل الإضافة قرينة لها[17].

2. الاستعارة المكنيّة: هي ما حذف فيها المشبّه به ورمز له بشيءٍ من لوازمه[18].

من أمثلتها في الحديث الشّريف:

1. تحدّث صلّى الله عليه وسلّم عن الخيل فقال: ( ونواصيها معقود فيها الخير)[19]معقود فيها الخير من الاستعارة المكنيّة لأنّ الخير ليس بالمحسوس حتّى تعقد عليه النّاصية فكيف جعله محسوساً ها هنا ونهى عن قطعها!؟ ‏يقال أنّهم قد يدخلون المعقول في جنس المحسوس ويحكمون عليه بما يحكم على المحسوس مبالغةً في اللّزوم, قال الشّاعر:

ويصعد حتى يظنّ الجهول بأنّ له حاجة في السّماء[20]

2. قوله صلى الله عليه وسلم: (… ثمّ فتنة الدّهيماء لا تدع أحداً من هذه الأمّة إلى لطمته لطمة)

شبّه الفتنة بإنسان ثمّ خيل لإصابتها النّاس اللّطم الذي هو من لوازم المشبهة به وجعله قرينة لها.

3. الاستعارة التّخييليّة: هي قرينة للاستعارة المكنيّة فهما متلازمتان, ولا توجد إحداهما بدون الأخرى؛ إذ لا بدّ للاستعارة من قرينة. من أمثلة الاستعارة التّخييليّة في الحديث الشّريف:

1. قال النبي ﷺ: (ثلاثٌ من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النّار)[21]

شبّهت شدّة رغبة المؤمن في إيمانه بشيءٍ ذي حلاوةٍ, وأثبت له لازم ذلك الشّيء, وأضيف له على التّخييليّة.[22]

2. قوله صلّى الله عليه وسلّم : ( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً )[23]
قال الطّيبيّ: “أقول: مجاز قول: كمجاز قول: وكذلك موقع كموقع ؛ لأنّ من أحبّ أحداً يتحرّى مراضيه, ويؤثر رضاه على رضا نفسه, ومقام الرّضا عند أهل العرفان مقام جليل رفيع”[24].

4. الاستعارة التّبعيّة: هي التي يكون فيها اللّفظ الذي جرت فيه الاستعارة اسمـاً مشـتقّاً أو فعلاً.

وقـد عرّفها السّكاكي بقوله: “هي ما تقع في غير أسماء الأجناس كالأفعال والصّفات المشتقّة منها, وكالحروف, بناءً على دعوى أنّ الاستعارة تعتمد التّشبيه والتّشبيه يعتمد كون المشبه موصوفاً, والأفعال والصّفات المشتقة منها والحروف عن أن توصف بمعزلٍ, فهذه كلّها عن احتمال الاستعارة في أنفسها بمعزلٍ وإنّما المحتمل لها في الأفعال والصّفات المشتقّة منها مصادرها وفي الحروف متعلّقات معانيها فتقع الاستعارة هناك ثمّ تسري فيها”[25].

من أمثلتها في الحديث الشّريف:

1. قول رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ لَمْ يُعَذَّبْ فِي قَبْرِهِ)[26].

القرينة هنا نسبة القتل إلى البطن إشارة إلى النّسبة إلى الفاعل, وهي إحدى قرائن الاستعارة التّبعيّة.

2. قول النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيه وسَلم: (دَبّ إِلَيكُم داءُ الأُمَمِ قَبلَكُمُ الحَسَد والبَغضاءُ)[27].

قوله دبّ إليكم: نَقَل الدّاء من الأجْسام إلى المعاني ومن أمر الدّنيا إلى أمر الآخرة, والدّبّ يستعمل في الأجسام فاستعير للسّراية على سبيل التّبعيّة[28].

5. الاستعارة المرشّحة هي التي ذكر معها ما يلائم المستعار منه، فإذا كان المذكور استعارة أخرى، عندئد تكون كالتّرشيح للأولى. من أمثلتها:

1. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيباً، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ)[29].

قال الطّيبي: “لا يخلو إمّا أن يستعار الإسلام للمسلمين فالغربة هي القرينة فيرجع معـنى الغربة والوحشة إلى نفس المسلمين, وإمّا أن يجري الإسلام على الحقيقة فالكلام في التّشبيه والوجه الوحدة والوحشـة باعتبار ضعف الإسلام وقلته, فعلى هذا غريباً إمّا حال أي بدأ الإسلام مشابهاً للغرباء, أو مفعول مطلـق أي الإسلام ظهر ظهور الغرباء حين بدأ فريداً وحيداً لا مأوى له, حتى تبوأ دار الإيمان يعني طيبة؛ فطوبي له فطاب عيشاً ثمّ أتمّ الله نوره فأنبث في الآفاق فبلغ مشارق الأرض ومغاربها, فيعود في آخر الأمر فريداً وحيداً شريداً إلى طيبة كما بدأ فطوبى له ولهفي عليه, فعلى هذا طوبى ترشيح للاستعارة” [30].

6. الاستعارة المجرّدة: التّجريد هو: ذكر ما يلائم المستعار, وقد ذكر التّجريد في مواضع قليلة؛ منها الحديث الآتي: ( الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ )[31]. قال الطّيبيّ: “قوله معقود أي ملازمٌ لها كأنّ معقودٌ فيها. أقول: ويجوز أن يكون الخير المفسّر بالأجر والغنيمة استعارة مكنيّة شبّه لظهوره وملازمته بشيءٍ محسوس معقود بخيل على مكان رفيع ليكون منظوراً للنّاس ملازماً لنظره فنسب الخير إلى لازم المشبه به و وذكـر النّاصـية تجريداً للاستعارة”[32].

7. الاستعارة اللّفظيّة: تجري بين الأسماء التي تتّحـد أجنـاس مسمياتها, كالشّفة للإنسان والجَحْفَلَةِ للفرس والمِشْفَر للبعير, من أمثلته في الحديث الشّريف: حديث (يا نساء المسلمات، لا تحقرنّ جارة لجارتها، ولو فرسن شاة)[33]. الفِرْسِنُ: عظم قليل اللّحم وهو خفّ البعير كالحافر للدّابة.

8. الاستعارة التّمثيليّة تكون في التّركيب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة وقرينة مانعة مـن إرادة المعنى الحقيقيّ, فإذا اشتهرت الاستعارة التّمثيليّة سميت مثلاً.

مثاله حديث: (من صامَ يوماً في سبيلِ اللَّهِ جعلَ اللَّهُ بينَهُ وبينَ النَّارِ خَندقاً كما بينَ السَّماءِ والأرضِ)[34].

هو استعارة تمثيليّة عن الحاجز المانع شبّه الصّوم بالحصن وجعل لـه خنـدقاً حاجزاً بينه وبين النّار التي شبّهت بالعدو, ثمّ شبّه الخندق في بُعد غَوره بما بين السّماء والأرض.

خاتمة

مــن خلال ماعرض مــن عددٍ یسـیر مــن الأحادیث الشّریفة التي تناولتها الدّراسة رأينا أنّ الحدیث الشریف ملیئاً بكنوزٍ لم تُكشف بعد, وأنّ الرّسـول الكریم اسـتخدم مختلف وسائل التّصویر الفنّي، بخاصّة الصّور الحسّیّة، وأنّ أغلب تلك الصّور قد أدّت وظائفها عـن طريق الایحاء والتّشخیص وغیرهما .فوضوح الصّورة البیانیّة في كلامه صلّى الله عليه وسلم أظهر السّمات المعنویّة، وأنـّه صـلى االله علیـه اسـتعان بالتّشـبیه، والاسـتعارات، والكنایـات، كما استعان على وضوح الصّورة بوضوح العبارة، وسـلامة التّركیب، والبعـد عن الغموض والإبهام, ومن خلال البحث رأينا أنّ أغلب الدّراسات التـي كانـت فـي الحـدیث كانـت منصـبّة فـي صحیح البخاريّ ومســـلم، وقلیل منها كانت في غیرهما: مثل صحیح التّرمذي. ولم یعنَ الدّارسـون كثیراً بإبراز محاسن الحديث الشّريف البلاغيّة، ومافیه من صور بیانیّة، فقد كان جهدهم ینصــبّ في شرحه اللّغويّ، والمعنويّ، أو النّحويّ، ولـم یلتفتـوا إلّا القلیـل مـنهم لإظهار مافیه من أسالیب بلاغیّة رائعة, وصور بیانیّة زاهیّة.

يوصي البحث بدراسة أحادیث الرّســول صلى الله عليه وسلم دراسـة بلاغیّة مســتقلّة؛ حتّى یتمكّن الباحثين من التّعمق والاستقصاء؛ إذ أنّ كلّ أحادیث الرّسول الكریم جدیرة بالدّراسة والبحث. وینبغــي للمعلّمين والباحثين أن یستفیدوا منها في مجال عملهم وبحوثهم، فأحادیثـه الشّریفة ملیئة بالمعـاني السّامیة، وثـريّة بـالقیم النّبیلـة، فضـلاً عـن الأسـالیب البیانیّة الرّائعـة التي تعینهم في تجلیة وتوضیح ما في خواطرهم.

المراجع والمصادر

  1. البوطي, محمد سعيد رمضان, في الحديث الشّريف والبلاغة النّبويّة, دمشق: دار الفكر,2011م.
  2. الترمـذي, محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي البوغي الترمذي، سنن الترمذي, مح. محمـد الألبـاني ناصـر الدین، الریاض: مكتبة المعـارف، د.ت.
  3. الجرجــاني, عبــد القــاهر, أسرار البلاغة, مح. محمــود شــاكر, جدة: دار المدني, ط1, 1992م.
  4. ابن حبان, محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ التميمي، أبو حاتم الدارمي البُستي, الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان, مح. شعيب الأرنؤوط, بيروت: مؤسسة الرسالة 1988م.
  5. ابن حجر العسقلاني؛ أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني أبو الفضل شهاب الدين، مشكاة المصابيح, مح. محمد ناصر الدين الألباني, المكتب الإسلامي, ط2, 1979م.
  6. الدارقطني, علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن الدارقطني الشافعي, علل الدارقطني, مح. محفوظ الرحمن زين الله السلفي, دار طيبة, 1985م.
  7. أبو داود, سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، سنن أبي داود, مح. شعيب الأرناؤوط وآخرون, بيروت: دار الرسالة العالمية, 2009م.
  8. رحمة االله, الطيب رحمة االله, الصورة البيانية في الحديث النبوي الشريف دراسة تطبيقية في سنن الترمذي, السودان: جامعة أم درمان الإسلامية, بحث ماجستير,2008م.
  9. زنجي, محمد رفعت أحمد محمد سليم, دراسات في الحديث النبوي, دمشق: دار اقرأ, 2007م.
  10. السكاكي, يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاك, مفتاح العلوم, القاهرة: 1937م.
  11. الشريف الرضي, المجازات النبوية, مح. طـــه محمـــد الزیني، مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزیع.
  12. الشوكاني, محمد بن علي بن محمد بن عبد الله, الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة, مح. عبد الرحمن بن يحي المعلمي اليماني, بيروت: دار الكتب العلمية ,1995م.
  13. الصّاوي, أحمــد الســید, فن الاستعارة, الاسكندرية: الهیئــة المصــریة العامة للكتاب, 1971م.
  14. الطيبي, شرف الدين, الحسين بن عبد الله بن محمد, شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى بالكاشف عن حقائق السنن, مح. عبد الحميد هنداوي, مكتبة نزار مصطفى الباز, 1997م.
  15. الفتيان, مزهر مالك, البلاغة النبوية, https://www.azzaman.com //
  16. لاشـین, عبـد الفتـاح, مـن بلاغـة الحـدیث الشـریف, شـركة ومكتبـات عكاظ للنشر والتوزیع, 1982م.
  17. الإمام مسلم؛ مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابورى، أبو الحسين, مح. د محمـد فـؤاد عبد البـاقي، دار إحیـاء الكتـب العربیة، عیسى البابي الحلبي، القاهرة1955م.
  18. ابن منظور, لسان العرب, بیروت: دار صادر، 1956م.
  19. النووي, أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف, المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج, بيروت: دار إحياء التراث العربي, ط2, 1972م.

Margins:

  1. النساء: 113.

  2. النساء: 63.

  3. النحل: 64.

  4. . القصص: 34

  5. الشوكاني, الفوائد المجموعة, رقم الحديث 1020.

  6. البوطي, في الحديث الشّريف والبلاغة النّبويّة, 47.

  7. الطيّب, الصورة البيانية في الحديث النبوي الشريف, 7.

  8. https://www.azzaman.com// مزهر مالك الفتيان, البلاغة النبوية

  9. لسان العرب, 4/613.

  10. مفتاح العلوم, 369.

  11. الصّاوي, فن الاستعارة, 322.

  12. أسرار البلاغة, 42_43.

  13. السكاكي, مفتاح العلوم, 176.

  14. سنن الترمذي, رقم الحديث2863, 640.

  15. المجازات النبوية, الشريف الرضي, 170.

  16. رواه أحمد, المشكاة, 1/16, رقم الحديث 16.

  17. الكاشف, 2/ 488.

  18. رفعت زنجير, دراسات في الحديث النبوي, 250.

  19. حديث رواه أبو داود, المشكاة, 2/ 1139, رقم الحديث/3880.

  20. رفعت زنجير, دراسات في الحديث النبوي, 251.

  21. أخرجه البخاري, رقم الحديث 3044.

  22. الكاشف, 2/ 444.

  23. شرح النووي على مسلم, 1/ 200.

  24. الكاشف, 2/ 446..

  25. مفتاح العلوم, 180.

  26. صحيح ابن حبان, رقم الحديث: 2995.

  27. علل الدارقطني, رقم الحديث 544.-

  28. الكاشف, 10/3214.

  29. رواه مسلم, رقم الحديث 145.

  30. الكاشف, 2/626.

  31. رواه مسلم , المشكاة, 2/1136.

  32. رفعت زنجير, دراسات في الحديث النبوي, 270.

  33. متفق عليه, المشكاة, رقم الحديث:1892, 1593.

  34. أخرجه الترمذي, رقم الحديث 1624.