التواصل الثقافي والاجتماعي بين دول أفريقيا جنوب الصحراء (في العصور الوسطى)

Cultural and Social Communication among Sub-Saharan African Countries during the Middle Ages

د. محمد زين سليمان حماد

1 محاضر بجامعة أنجمينا، كلية الآداب، قسم التاريخ - تشاد.

بريد الكتروني: kabas14@gmail.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj610/22

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/610/22

المجلد (6) العدد (10). الصفحات: 342 - 349

تاريخ الاستقبال: 2025-09-07 | تاريخ القبول: 2025-09-15 | تاريخ النشر: 2025-10-01

Download PDF

المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أوجه التواصل الثقافي والاجتماعي بين دول أفريقيا جنوب الصحراء خلال العصور الوسطى، مع التركيز على العوامل المؤثرة في هذا التواصل مثل الجغرافيا، الدين، والعلاقات الاجتماعية، وذلك في ضوء التساند الإسلامي الذي عمّق الروابط بين الممالك الأفريقية والعالم الإسلامي. اعتمد البحث على المنهج التاريخي التحليلي لتتبع مسارات التفاعل الجيوستراتيجي والثقافي، مع بيان الدور المحوري للتجارة والحج في تعزيز التواصل الحضاري وانتشار الإسلام. أظهرت النتائج أن الهجرات العربية القادمة من الشمال الشرقي أسهمت في تشكيل البنية السكانية لمنطقة الساحل الأفريقي، كما مثّلت القوافل التجارية عبر الصحراء الكبرى أول جسر اتصال بين شمال أفريقيا وجنوبها، وهو ما تزامن مع بروز إمبراطوريات غانا ومالي وصونغاي. كذلك لعبت المراكز الإسلامية والتجارية دورًا بارزًا في تأسيس كيانات سياسية محلية تبنّت الثقافة الإسلامية، بينما أسهم الاستعراب اللغوي في ترسيخ الهوية الثقافية والدينية المشتركة. وقد مثل نفوذ العلماء وهيبة الملوك المسلمين عاملًا حاسمًا في تعزيز مكانة الإسلام وانتشاره في المنطقة. خلصت الدراسة إلى أن سكان أفريقيا جنوب الصحراء شكّلوا حزامًا استراتيجيًا للعالم الإسلامي، وأن التواصل الحضاري القائم على روابط الدين واللغة والثقافة مكّنهم من بناء ممالك وسلطنات محلية راسخة. توصي الدراسة بمزيد من البحوث حول الهجرات العربية وأثرها الديموغرافي، كتابات الرحالة العرب عن المنطقة، مشاهدات ليو الأفريقي، وكذلك دراسة أثر الاستعمار على الثقافة الإسلامية والعربية في ممالك أفريقيا جنوب الصحراء.

الكلمات المفتاحية: التواصل الثقافي، أفريقيا جنوب الصحراء، العصور الوسطى، الإسلام، الهجرات العربية، الممالك الأفريقية.

Abstract: This study aims to analyze the cultural and social communication among Sub-Saharan African countries during the Middle Ages, focusing on the driving factors such as geography, religion, and social interactions, in light of the Islamic solidarity that strengthened ties between African kingdoms and the broader Islamic world. The research employed a historical-analytical approach to trace the pathways of geostrategic and cultural interaction, highlighting the pivotal role of trade and pilgrimage in fostering civilizational exchange and the spread of Islam. The findings revealed that Arab migrations from the northeast significantly influenced the demographic structure of the Sahel region, while trans-Saharan trade caravans served as the first bridge of connection between North and Sub-Saharan Africa, coinciding with the rise of medieval empires such as Ghana, Mali, and Songhai. Islamic and commercial centers played a crucial role in establishing local political entities that embraced Islamic culture, while linguistic Arabization reinforced shared cultural and religious identity. Furthermore, the influence of scholars and the prestige of Muslim rulers were decisive in consolidating the role of Islam in the region. The study concludes that Sub-Saharan populations constituted a strategic belt for the Islamic world, where civilizational communication based on religion, language, and culture enabled the development of resilient local kingdoms and sultanates. It recommends further research on Arab migrations and their demographic impact, Arab travelers’ writings on the region, the accounts of Leo Africanus, and the colonial phenomenon and its impact on Islamic-Arabic culture in Sub-Saharan African kingdoms.

Keywords: Cultural communication, Sub-Saharan Africa, Middle Ages, Islam, Arab migrations, African kingdoms.

توطئة:

التواصل هو العملية التي يتفاعل بها الناس من أجل التكامل الذاتي والجماعي ويمثل بالنسبة للإنسان إشباعاً نفسياً واجتماعياً حيث تدور فكرة البحث حول مصفوفة أساسية وهي التواصل الحضاري بين أجزاء مناطق دول أفريقيا جنوب الصحراء ، كما أن أفريقيا تلتقي بشبه الجزيرة العربية بحكم الجوار ولا يفصل بينهما حاجز مائي وكان البحر الأحمر عامل وصل بين القارة الأفريقية وشبه الجزيرة العربية مهد الإسلام وكان المحيط الهندي مجالاً لنشاط العرب منذ القدم. وقد كان هنالك دور للتجار العرب المسلمين في تطور عملية التلاقح الديني والفكري والسياسي في المنطقة وتعتبر التجارة إحدى وسائل انتشار الإسلام في أفريقيا بصورة عامة وفي أفريقيا جنوب الصحراء بصورة خاصة. يأتي بعد التجارة الحج حيث يمثل الحجاج الأفارقة وسيلة من وسائل التواصل بين دول أفريقيا جنوب الصحراء.

منهج البحث:

سوف يتم توظيف المنهج التاريخي التحليلي لتتبع العوامل المحركة للتواصل الجيوستراتيجي لدول جنوب الصحراء.

أهمية البحث:

  • يعتبر التواصل الحضاري داخل الدول الأفريقية جنوب الصحراء تفاعل للجماعات الأفريقية مع العناصر الوافدة، وقد كان لحركة انتشار الإسلام دوراً ماثلاً في تطور عملية التواصل.
  • العلاقات الجيوستراتيجية بين دول أفريقيا جنوب الصحراء أنتجت دلالات ثقافية إسلامية واجتماعية واقتصادية.
  • اختلاط الدماء الزنجية مع السامية والحامية مع العناصر الوافدة أكسبت صفات جديدة وأضفت متغيرات إيجابية في تغير البنية الذهنية والسلالية..

محاور البحث:

نبذة جغرافية عن أوضاع ممالك أفريقيا جنوب الصحراء.

ممالك أفريقيا جنوب الصحراء في العصر الوسيط.

مظاهر الحضارة الإسلامية في ممالك جنوب الصحراء.

أهم الأنشطة الثقافية في ممالك أفريقيا جنوب الصحراء

الخاتمة

المصادر والمراجع

نبذة جغرافية عن أوضاع ممالك أفريقيا جنوب الصحراء.

يطلق مصطلح الساحل الأفريقي على المنطقة الواقعة في أطراف الصحراء الكبرى الواقعة جنوب المنطقة العربية والممتدة إلى حدود إقليم السافنا الغنية مشتملاً على إقليمي شبه الصحراوي والسافنا الفقيرة بين خطي عرض 10درجة إلى 20درجة شمال خط الاستواء. وعلى الرغم من أن هذه المنطقة لا تغطيها وحدات سياسية متكاملة في دول قومية إلا أننا نلاحظ وقوع بعض الدول كلية في نطاقها مثل تشاد والنيجر والسنغال وغينيا ومالي والسودان وإريتريا بينما تقع العديد من الأجزاء الشمالية لدول الغابة الغنية الاستوائية في نطاق هذا الإقليم مثل نيجيريا وداهومي وبنين وغانا وساحل العاج وسيراليون وتتميز منطقة الساحل الأفريقي جنوب الصحراء الكبرى وشمال الغابات الاستوائية بخلوها من الجبال أو الأحراش إلا فيما ندر([1]).

لكن بها حشائش سافنا تتخللها أشجار غير منتظمة من الهشاب والشجيرات الشوكية التي تنتج مجتمعة 96% من إنتاج الصمغ العربي للعالم كما تسمح معدلات الأمطار المدنية والتي تهطل في موسم واحد من السنة بالزراعة الجافة وتتخلل هذه المنطقة بعض البحيرات (تشاد) والأنهار الراكدة كما يخترقها نهر النيل تلك الظاهرة الطبيعية الهامة والذي يصلح للملاحة في معظم أجزائه ويمكن أن يسقي 20% من هذه المنطقة إذا تم تطوير نظم الري.

طبيعة سكان (شعوب دول جنوب الصحراء):

تستوطن هذه المنطقة شعوب لا يمكن تصنيفها بحال إلى أصول عرقية واحدة وعلى الرغم من إشارة علماء الأجناس واللغويات إلى أن هذه المنطقة كانت مهداً لقبائل زنوج الماندي منذ أربعة آلاف سنة سبقت ميلاد المسيح ولكنهم تراجعوا بفعل ضغط الصحراء والأجناس العربية والبربرية إلى مشارف الغابات الاستوائية([2]).

والواقع أن الوجود العربي في هذه المنطقة سابق لانتشار الإسلام بها فقد نقل المؤرخ الأمريكي دونالد وايديز في كتابه أفريقيا جنوب الصحراء : (… أن بعض البيض كانوا يحكمون وادي نهر النيجر في الفترة بين القرنين الخامس والثامن عشر الميلادي وبعد ذلك أتى حاكم من قبيلة الماندي يدعى سونينكي فأسس أسرة حاكمة زنجية).

كما وفدت إلى أفريقيا من ناحية الشرق شعوب القوقازين ينطقون اللغة السامية قادمون من جنوب شبه الجزيرة العربية ومن مملكة سبا وكان كثير من التجار والمهاجرون يعبرون البحر الأحمر بصفة مستمرة متجهين إلى مرتفعات الجبشة في الألف الأولى قبل ميلاد المسيح ثم انتقلت مملكة سبا وأقامت في القرن الرابع الميلادي مملكة أكسوم كما أن عدداً من البربر فضلوا الهجرة عبر الصحراء ليقيموا إلى جانب شاطئ الأطلنطي وقد أطلق هؤلاء البربر اسم قبيلتهم صهاجه أو السنغال على النهر الذي كانوا يعيشون على امتداده([3]).

ويعتبر البكري أول عربي بشير إلى الأصول العربية في مملكة غانا القديمة إذ يقول في كتابه المغرب في ذكر أفريقيا وبلاد المغرب (…وببلاد غانا قوماً يسمون بالهنيهين من ذرية الجيش الذي كان بنو أمية أنفذوه إلى غانة في صدر الإسلام وهم على دين أهل غانا إلا أنهم لا ينكحون في السودان ولا ينكحونهم وهم بيض الألوان حسان الوجوه.

ومن بين الهجرات التي أثرت في التشكيلة السكانية لمنطقة الساحل الأفريقي وما ذكره الدكتور إبراهيم على طرخان في كتابه إمبراطورية البرنو الإسلامية، وقد غزت هذا الإقليم هجرات عربية من الشمال الشرقي من المجموعات التي استقرت في منطقة تشاد مجموعة من الكانبمو وهي خليط من قبائل (الصو) و البربر والتي لها صلة قوية بقبائل الصو البربرية من سكان هضبة التبستي من ناحية فزان ويقال لهم القرعان([4]). كما وصل العرب إلى تشاد واختلطوا بالوطنين وظهرت عناصر متميزة منها التنجور والبولالا على إنهم اشتهروا باسم شوا* الذين يتحدثون العربية حتى اليوم في شمال الكمرون وشمال شرق نيجيريا وقديماً وصف ياقوت الحموي أهل كانم قائلاً ( وهم في زي العرب وأحوالهم)([5]). وفي مخطوطة عربية ترجع كتابتها إلى الفترة (1657-1669م) ورد أن بعض جنود جيش عمر بن عبدالعزيز جاءوا إلى برنو عن طريق اليمن واستطاعوا أن يكونوا أسرة مالكة([6]). كما ذكر بالبكري وأورد ذلك ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان أن قوماً من بني أمية هاجروا إلى كانم عند محنتهم أيام العباسيين([7]).

وتوضح هذه الروايات التي وردت على لسان جغرافيين ومؤخيين عرب ومسلمين أن منطقة الساحل شهدت استقرار المجموعات العربية ابتداء من السنغال مروراً بالنيجر وتشاد والسودان وأثيوبيا ولكن هذه المجموعات العربية تصاهرت مع القبائل الأفريقية لنجم عن ذلك جنس جديد يحمل مزيجاً من الأنسجة الملونة التي خرجت بهم من العروبة والزنوجة وبالطبع فإن رابطة الدم من الروابط التي دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى احترامها وحض على دعمها وصلتها.

ممالك أفريقيا جنوب الصحراء في العصر الوسيط

تحقق عن طريق القوافل التجارية عبر الصحراء الكبرى أول إتصال بين الشمال الأفريقي وجنوبه في بداية القرن التاسع الميلادي. وشهدت تلك الحقب قيام إمبراطوريات (القرون الوسطى) ، مثل غانا ومالي وصونغاي في منطقة السودان الغربي. وانبثقت في أوقات لاحقة اعبتاراً من القرن الثامن عشر الميلادي، عن تلك الأمبراطوريات الممالك الإسلامية الأخرى التي ظهرت هنالك.

غير أن المؤرخين الإسلاميين يرون أن دولة صونغاي التي قامت ما بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، كانت هي أولى الإمبراطوريات الإسلامية ظهوراً في الغرب الأفريقي بمعنى الكلمة. كما كانت هي آخر إمبراطوريات القرون الوسطى الثلاث أي : غانا ومالي وصونغاي في تلك المنطقة.

يعتبر ذلك العصر عظيم بالنسبة لتاريخ الإسلام في غرب أفريقيا في تلك الفترة قام ملك إمبراطورية صونغاي أسكيا محمد بن أبي بكر الطوري بإعلان جهاد الإصلاح الديني في مملكة موسى المجاورة ومد نفوذ دين الإسلام إليها، وسافر هذا الملك إلى مكة المكرمة وفي رحلته الشهيرة لأداء مناسك الحج([8]). وفي تلك الفترة وصل الفقيه محمد المغيلي التلمساني من شمال أفريقيا إلى تلك الإمبراطورية ، وقام ،بناءً على طلب أسيكا محمد بتأليف كتاب يحتوي على نصائح حول الطرائق المثلى لإدارة الدولة الإسلامية على هدى القرآن والسنة، يعتمد عليه هو وغيره من الملوك المسلمين في السودان الغربي في إدارة دولهم. وكانت مدينة تنبكتو مركزاً للثقافة الإسلامية والعربية في السودان الغربي آنذاك بتحديد مفهوم ديار الإسلام التي يجب على المسلم التوجه إليها والتعايش مع أهلها وديار الكفر التي يجب أن يبتعد عنها المؤمن ليضمن المحافظة على دينه وسلامته في حالة حدوث مواجهة بين الدارين. وازدهرت الحضارة الإسلامية والنمو الاقتصادي في السودان الغربي خلال تلك الفترة إلى أن جاء غزو السعدين من المغرب الأقصى في سنة 1591م في عهد سلطانهم مولاي أحمد المنصور الذهبي مستخدماً رجال عصابات ومرتزقين من أوربا ضمن جيشه بقصد نهب كميات كبيرة من الكتب. قد أطاح بتلك الأدلة الإسلامية بعد نهبه كميات كبيرة من الكتب وأسر زعمائها وعلمائها وفقهائها ومن بيهم العالم أحمد بابا بن محمد عقيت السالف الذكر، وأسموا سوء العذاب بعد ترحيلهم إلى مراكش مكبلين بسلاسل من الحديد وعلى رأسهم أحمد بابا الذي كسرت ساقه من جراء ذلك لكنه ظل مع ذلك رابط الجأش، وانتهز أقرب فرصة ليستأنف نشاطه العلمي في مراكش نفسها. ولم يسمح له بالعودة إلى تنبكتو إلا في سنة 1605م وقد سجل التاريخ أمجاد أحمد بابا وآثاره العلميةكما سجل العارعلى ظاليمه.([9])

وبالقصاء على طلائع الفكر و أصحاب المعرفة والخبرة واضمحلت تلك الدولة وأخذت في الانحطاط التدريجي حتى سقطت نهائياً بحلول القرن الثامن عشر الميلادي وكان من الطبيعي بعد حدوث تلك الكارثة المأسوية أن تشهد المجتمعات الإسلامية في غرب أفريقيا التردي الخلقي والعلمي والديني الأمر الذي أدى إلى إبتعاث فكر الإصلاح وحركات الجهاد سواء بصفة فردية أو جماعية على أيدي المصلحين من أبناء قبائل الفولاني والماندنغو، لاسيما في مناطق صوكتو وماسينا وفوتاتورو وفوتا جللو في كل من نيجيريا ومالي والسنغال وغينيا ومورينانيا* وكان هؤلاء الدعاة والمصلحين يستهدفون فيما يقومون به من تلك الحركات تحقيق الاصلاحات الدينية والامتثال للنظريات العقائدية المتضمن في أعمال رواد الفكر الأوائل من أمثال([10]): المغيلي وأحمد بابا وعثمان دان فودي وأحمد لوبو وعمر الفوتي وسيدي مختار الكونتي ومحمد الأمين الكاينمي، الذين عملوا لإقامة كيانات إسلامية في منطقة الغرب الأفريقي ابتداء من القرن التاسع عشر الميلادي.

ومن أهم النجاحات التي حققوها إنشاء ديار الإسلام لإيواء المجاهدين والمهاجرين من المسلمين ، في غرب أفريقيا، وبذلك استطاعوا إعادة رسم الخريطة الجغرافية للمنطقة برمتها. كما أوجدوا بفضل نشر الثقافة العربية الإسلامية فحول العلماء والمجاهدين وكتاب الأدب العجمي الإسلامي ، لمخاطبة الناس، وكانوا ينظمون من خلاله قصائدهم وخطبهم الدينية ، ويرزت نتيجة ذلك شخصيات إسلامية أفريقية كثيرة في تاريخ المنطقة([11]).

وفي رأي الباحث بأننا إذا نظرنا لتوطين الإسلام نجد أن عامل الاندماج في الثقافة العربية الإسلامية وبالمصاهرة والزواج وبالإقامة أصدر تلكم الرواد الأفارقة المشار إليهم في حقل الثقافة الإسلامية. ويمكن تلخيص حركة المد العربي الإسلامي في أفريقيا في الآتي:

ظهور المراكز الإسلامية والمراكز التجارية وإقامة كيانات سياسية عربية إسلامية في الساحل الشرقي وفي غرب أفريقيا مثل زيلع وسواكن وهرر ومقديشو وباضع ومصوع حتى موزمبيق أما غرباً وجنوب الصحراء فقد ظهرت تمبكتو وجني وكانو وتطورت المراكز الإسلامية إلى سلطنات ودويلات وقد درجت المصادر الإسلامية على تسمية الكيانات الشرقية بدول الطراز الإسلامي ، لأنها على جانب البحر الأحمر والمحيط الهندي كالطراز له وتشتمل هذه (الصومال السبعة) ، ( أوقات)، ( داوراو) ، أرابيني، سرخا، بالي ، جاز وجزيرة دهلك وعدل). أما غرباً برز حزام الممالك السودانية مثل سلطنة سنار الإسلامية والمسبعات ودارفور، ووداي وكانم ومملكتي غانا ومالي ثم خلافة صكتو. والقاسم المشترك بين كل هذه الممالك والدويلات والسلطنات ، أنها سلطنات أفريقية محلية تطورت وبرزت بمجهودات محلية ونبتت قياداتها من البيئة المحلية وطورت ثقافتها وحركتها الاجتماعية على هدى الثقافة الإسلامية ، ونهضت الحركة العلمية فيها على الحرف العربي ولم تبرز هذه السلطنات نتيجة لفتوحات إسلامية إنما جاءت نتيجة لتفاعل حركة الثقافة الإسلامية عبر عملية أخذ وعطاء حتى برزت سلطنات وممالك إسلامية تمثلت الثقافة الإسلامية وعبرت عنها في صورتها الموضوعية في أُطرها الأفريقية([12])

مظاهر الحضارة الإسلامية في ممالك جنوب الصحراء

رابطة الدين:

لعل أقوى الروابط التي تدعو إلى الدعم والتكامل هي رابطة الدين، ولعله من المستحيل في هذه العجالة تتبع انتشار وتطور الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء في منطقة الساحل ولكن من الممكن أن نشير إجمالاً إلى انتقال الإسلام عبر الصحراء الكبرى إلى الجزء الجنوبي من أفريقيا الغربية لم يتم إلا بعد أمنت الطرق الصحراوية بإسلام الملثمين وحفر الآبار للري كما فعل عبدالرحمن بن حبيب الفهري (127ه -1320م) ثم قامت دولة الأدارسة وبذلت جهداً كبيراً في سبيل نشر الإسلام في الصحراء الكبرى أما الفتح الكبير فقد جاء للإسلام – على قبائل الملثمين نتيجة للإتصالات التي قام بها يحي بن إبراهيم الجدالي – بعبد ا لله بن ياسين الذي أنشأ له رباطاً في جزيرة عند مصب نهر السنغال واستولى أتباعه على إمبراطورية غانا (1076- 1087م) فوجدوا أن بها أحياء للمسلمين.

ويعتبر المؤرخين الماي أوم بن عبدالجليل (1010-1097م) أول مايات برنو المسلمين ولعل ما جعلهم على هذا الاعتقاد رغم وجود من سبقه من الحكام المسلمين شهرته الإدارية والعسكرية كما يعتبر خليفته دونمه بن أوم (1097-1151م) أعظم ملوك برنو المسلمين إذ بلغت في عهده درجة كبيرة من القوة والإتساع([13]).

وتعتبر مملكة مالي الإسلامية هي ثالثة الممالك الإسلامية في غرب أفريقيا تاريخياً ولكنها أوسعها شهرة وأسلم أول سلاطينها على الإطلاق فهو مانيسا موسى (1312- 1331م) إذ بلغت دولة مالي الإسلامية في عهده ذروة مجدها وقوة اتساعها فملأت شهرته الآفاق بموكب حجة المهيب 1324م وتذكر المصادر أنه كان بصحبته خمسمائة عبد في يد كل عبد عصا من ذهب في كل منها خمسائة مثقال([14]).

مظهر اللغة والاستعراب اللغوي في ممالك جنوب الصحراء:

يتبين مظهر اللغة في عامل الاستعراب اللغوي في منطقة الساحل الأفريقي، حيث أن انتشار اللغة العربية في هذا الإقليم الساحلي وبالطبع أيضاً فإن رابطة اللغة هي رابطة ثقافية ذات جذور ضاربة في إخوة الدين بمعنى آخر فإن الاستعراب ([15]) اللغوي والحضاري الذي ارتضته بل سعت في سبيلة المجموعات السكانية لهذه الأقاليم حباً وإجلالاً للغة القرآن إشتمل أيضاً على درجات متفاوتة من التفاعل مع اللغات المحلية تفاوتاً ما بين الاستعراب التام إلى التأصيل التام متخمضاً عن تبني المهاجرين العرب للغة العربية بدلاً عن لسانهم الأصلي([16]).

وهكذا بينما نجد المجموعات المختلفة تخلت عن لغاتها الأصلية واتخذت العربية لغة أم لها كما حدث للنوبة في السودان وشمال تشاد وشمال الكميرون والسنغال حيث نجد العديد من اللغات الأفريقية المحلية استوعبت مفردات وجملاً عربية كما حدث للفلفلدية لغة الفولاني والهوسوية والبولاوية والماندنجية ولغة الولف.

ومنذ السنوات الأولى لانتشار الإسلام في منطقة الساحل الأفريقي فإن هذه الشعوب كانت تسعى لتعليم اللغة العربية ومبادئ الإسلام وتطلق صيحات الاستنجاد لأصولها العربية في منطقة الشرق الأوسط ولكن صيحاتها تتبدد في رمال الصحراء ويبدو أنها سمعت فيما وراء البحار في أوربا والأمريكيتين فجاءوا بدين جديد ولغة جديدة.

ختاماً يمكن القول أن عشرة اللغات الأفريقية تمثل نموذجاً لتلاقح وتمازج أفريقي أصيل شمل كل الأعراق الأفريقية من سامية وحامية وزنجية، ومختلف المعتقدات السماوية والوثنية ، وشمل أرجاء واسعة من القارة تغطي كل شمال أفريقيا من سيناء إلى الأطلسي وشرق القارة وغربها وأجزاء من وسطها([17])

أهم الأنشطة الثقافية في ممالك أفريقيا جنوب الصحراء

كانت الطرق التجارية التي انتشر الإسلام بها بمثابة حلقة الإتصال التي ربطت المسلمين في مناطق أفريقيا النائية بالمراكز الثقافية والسياسية الإسلامية في العالم الإسلامي آنذاك. وكانت المدن التجارية في تلك الأماكن هي عينها مراكز للتعليم الإسلامي وأنشطته التي بنبعث منها نفوذ العلماء وشهرة الملوك المسلمين([18]). وكانت مدينة تنبكتو إحدى تلك المدن التي اشتهرت بالأنشطة التجارية والثقافية الإسلامية في القرن الرابع عشر الميلادي، كما أصبحت مدينة ولاته (في موريتانيا اليوم) المقصد الرئيس لحركة التجارة عبر الصحراء. وتحولت المدنيات إلى مركز ثقافي في الغرب الأفريقي.

تأسست مدينة تنبكتو في القرن الحادي عشر الميلادي على أيدي قبائل الطوارق الصحراوية. ومن حينه بدأت الحركة التجارية تتدفق من شمال أفريقيا إلى تلك المدن ومنها إلى بقية أجزاء غرب أفريقيا. وفي النصف الثاني من القرن الرابع عشر احتلت تلك المدينة مكان الصدارة وتفوقت على مدينة (ولاته) كمركز تجاري ، ومن ثم أخذت أعداد كبيرة من العلماء تهاجر إليها وتستقر بها تدريجياً. وقد اشتهرت تنبكتو في القرن الخامس عشر بالأنشطة الثقافية الإسلامية المميزة وإتصف ملك مالي منسي موسى بالتدين وتقوى الله ،وشجع شعبه على طلب العلم وإبداء الاحترام لعلماء الدين وطلبة العلم. وأخذ يرسل كثيراً من طلاب العلم إلى مدينة فأس المغربية لتحصيل العلوم العربية والإسلامية، وامتاز الملوك المتعاقبون بعده بهذه الخصلة والممارسة إلى أن إنهارت الدولة. ويدل الحديث الآتي المنسوب إلى أحد علماء تنبكتو وهو الشيخ سيدي يحيى السقادلي المتوفى سنة ( 1461-1462) على صدق هذا الخبر: (( أتى سيدي عبدالرحمن النيمي من الحجاز واستقر في تنبكتو ووجد بها كثيراص من الفقهاء السودانيين بتفوقهم في علوم الفقه قرر أن يسافر هو أيضاً إلى مدينة فأس لداسة الفقه ليعود بعد ذلك إلى مدينة تنبكتو ويستقر بها نهائياً)).

وكان هناك مسجدان كبيران بمدينة تنبكتو في نهاية القرن الخامس عشر، وهما الجامع الذي بناه الملك منسا موسى في القرن الرابع عشر وجامع سانكوري الذي أصبح فيما بعد أول جامعة تعليمية في أفريقيا جنوب الصحراء . وكان الجامع المركزي الذي تقام فيه صلاة الجمعة يقع في الجزء الغربي من المدينة بينما يقع جامعة سانكوري في الجزء الشمالي منها.

وتعتبر منطقته في المغتربين الذين نزحوا من مناطق ولاته وجيني والمناطق الصحراوية النائية. وقد تحول هذا الجامعة فيما بعد إلى مركز ثقافي كبير لدراسة العلوم الإسلامية على غرار الجامعة الأزهر بالقاهرة وجامعة القرويين بفأس أو جامعة الزيتونة بتونس. واستوطن أفراد الأسر التي اشتهرت بالتبحر في العلوم الإسلامية بمدينة تنبكتو، وظهر فيها أجلة العلماء الذين لعبوا دوراً حيوياً في مجال الثقافة العربية والإسلامية . وكانوا ينتمون إلى عائلتي العالم عقيت أندق محمد والفقيه محمد والعالم أحمد بابا بن عبدالله أندق بن محمد عقيت ، قاضي مدينة تنبكتو الذي عاش في القرن الخامس عشر([19]) كان هو جدي الأول الذي كرس حياته في خدمة العلوم العربية والثقافية الإسلامية.

… اتصفت تلك الفئة من العلماء بحمل كميات من أمهات الكتب والمخطوطات العظيمة التي تتعلق بثقافتهم الإسلامية هذه المخطوطات القيمة أتوا بها من خلال رحلاتهم إلى الحج.

خاتمة:

خلص البحث إلى أن سكان الساحل الأفريقي الممتد في حزام عرضي للقارة الأفريقية بين خط عرض 10 درجة و20 درجة شمال خط الاستواء والذي يشمل كلا من موريتانيا والسنغال ومالي وفولتا العليا والنيجر وتشاد والسودان وأثيوبيا والأجزاء الشمالية من سراليون وساحل العاج وغانا وداهومي وبنين ونيجيريا والكميرون والصومال تربطهم بباقي العالم الإسلامي وروابط الدم والدين واللغة وقد كانوا في الماضي قادرين على القيام بواجب الدفاع عن الإسلام فيما يليهم من جهات بل ساهموا في الدفاع عنه في قلب المنطقة الإسلامية أيام محنتها بالصليبين أما الآن فقد أعجزتهم السياسات الأستعمارية والكوارث الطبيعية عن القيام بهذا الواجب وهم يشكلون حزاماً جنوبياً للعالم الإسلامي وعمقاً إستراتيجياً أساسياً. فلكل هذه الأسباب وغيرها فإنه مصلحة الدول الإسلامية أن تقوم بمساندتهم ومؤازرتهم وإلا فإنها ستجد من يقوم بهذا الدور نيابة عنها فلن يقاسمها الأرباح الدينية والسياسية والاقتصادية.

يوحي واقع الحزام الساحلي بالعديد من أوجه العون الذي يمكن أن تقدمه الدول الإسلامية لهذا الإقليم وخاصة في مجال المشاريع التنموية المتكاملة.

قائمة المراجع:

  1. عبدالرحمن أحمد عثمان، “التضامن الإسلامي مع شعوب الساحل الأفريقي”، مجلة دراسات أفريقية، العدد الثاني عشر، مركز البحوث والترجمة، جامعة أفريقيا العالمية، الخرطوم، يناير 1995م، ص 109–111.
  2. إبراهيم علي طرخان، إمبراطورية البرنو الإسلامية، الهيئة القومية المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1975م، ص 29.
  3. ياقوت الحموي، معجم البلدان، الجزء السابع، دار صادر، بيروت، ص 210.
  4. Palmer, H. R., Borno Sahara and Sudan, London, 1936, p.7.
  5. أبوعبيد الله البكري، المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب، تحقيق: دي سلان، باريس، 1857م، ص 27.
  6. عثمان برايما باري، جذور الحضارة الإسلامية في الغرب الأفريقي، ط1، القاهرة، 2000م، ص 2–4، 22، 26.
  7. حسن مكي محمد أحمد، “التواصل العربي الأفريقي على جانبي الصحراء”، مجلة دراسات أفريقية، العدد التاسع عشر، مركز البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة أفريقيا العالمية، الخرطوم، ص 45.
  8. عبدالرحمن أحمد عثمان، الهجرات السياسية وأثرها في انتشار الإسلام في أفريقيا، دار المركز الإسلامي، الخرطوم، 1990م، ص 19، 112.
  9. علي عبدالله الخاتم، “الإسلام في السودان الغربي”، مجلة دراسات أفريقية، العدد الأول، الخرطوم، ص 189.
  10. مدثر عبدالرحيم، “الإسلام والسياسة في السودان”، مجلة دراسات أفريقية، الخرطوم، ص 9–11.
  11. الطاهر محمد داؤد، عشرة اللغات الأفريقية والآسيوية كنموذج للتداخل والتواصل، ملتقى الجامعات الأفريقية، الكتاب الأول، جامعة أفريقيا العالمية، الخرطوم، 2006م، ص 179.

Margins:

  1. – د. عبدالرحمن أحمد عثمان: مقال بدورية ( التضامن الإسلامي مع شعوب الساحل الأفريقي) مجلة دراسات أفريقية العدد الثاني عشر يناير 1995م مركز البحوث والترجمة جامعة أفريقيا العالمية ، الخرطوم، ص 109.

  2. – – المصدر نفسه، ص 110

  3. – المصدر نفسه ، ص 111.

  4. – إبراهيم علي طرخان ، إمبراطورية البرنو الإسلامية ، الهيئة القومية المصرية العامة للكتاب، 1975م ،ص 29

    *- قبائل عرب شوا منتشرون في بعض مناطق القارة الأفريقية مثل تشاد وفي نيجيريا في مدينة ما يدغري وفي السودان وفي فلسطين.

  5. – ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، الجزء السابع، ص 210.

  6. – Palmer.borno sahara and Sudan. London.p7

  7. – أبوعبيد الله البكري، المغرب ، مرجع سابق، ص 27

  8. – عثمان برايما باري ، جذور الحضارة الإسلامية في الغرب الأفريقي ،ط1، القاهرة ، 2000م، ص 2.

  9. – عثمان برايما باري، مرجع سابق، ص 2

  10. – المرجع نفسه ، ص 3.

    *- تعني كلمة موريتانيا: أرض السود باللغة اليونانية: Maurso/,avrps

  11. – المرجع السابق، ص 4.

  12. – د. حسن مكي محمد أحمد ، مقال بدورية : (( التواصل العربي الأفريقي على جانبي الصحراء) مجلة دراسات أفريقية ،العدد التاسع عشر ،مركز البحوث والدراسات الأفريقية ،جاخعة أفريقيا العالمية ، الخرطوم ، ص 45.

  13. – عبدالرحمن أحمد عثمان، الهجرات السياسية وأثرها في انتشار الإسلام في أفريقيا، دار المركز الإسلامي ،الخرطوم، 1990م، ص 19.

  14. – علي عبدالله الخاتم، مقال بدورية :؛ (الإسلام في السودان الغربي) مجلة دراسات أفريقية العدد الأول الخرطوم، ص 189.

  15. – عبدالرحمن أحمد عثمان، مرجع سبق ذكره ، ص 112

  16. – مدثر عبدالرحيم ،مقال بدورية : ( الإسلام والسياسة في السودان) مجلة دراسات أفريقية الخرطوم، ص (9، 10، 11).

  17. – الطاهر محمد داؤد، عشرة اللغات الأفريقية والآسيوية كنموذج للتداخل والتواصل ، ملتقى الجامعات الأفريقية ، الكتاب الأول، جامعة أفريقيا العالمية ، الخرطوم، 2006م، ص 179.

  18. – عثمان برايما باري، مرجع سبق ذكره ، ص 22.

  19. – المصدر السابق، ص 26.