الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم: دراسة بلاغية دلاليّة تحليلية
The Single Metaphor in the Holy Quran: A Rhetorical, Semantic, and Analytical Study
د. عبدالحفيظ خضر محمد بادي1
1 أستاذ البلاغة والنقد المساعد، كلية اللغات والعلوم الإنسانية، بريدة، جامعة القصيم، المملكة العربية السعودية.
بريد الكتروني: bady@qu.edu.sa
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj69/3
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/69/3
المجلد (6) العدد (9). الصفحات: 31 - 53
تاريخ الاستقبال: 2025-08-07 | تاريخ القبول: 2025-08-15 | تاريخ النشر: 2025-09-01
المستخلص: يتناول هذا البحث موضوع (الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم – دراسة بلاغية دلاليّة تحليلية)، ويهدف إلى توضيح أبعادها الدلاليّة المختلفة وتناولها بالتحليل، يتألف البحث من مدخل ومبحثين، يمثل المدخل خطة البحث، أما المبحث الأول فقد جاء تأصيلا نظريا، بدأ بالتعريف اللغوي من خلال آراء علماء اللغة: الجوهري وابن فارس والسمين الحلبي، وقد ارتبط مفهومها بـ (التّداول) و(الانتقال المُؤقت) للشيء، ثم ناقش المبحث التعريف الاصطلاحي للاستعارة، من خلال آراء الفلاسفة أرسطو، والفارابي، وابن سينا، خاصة وأن الاستعارة تمثل قيمة معرفية وفكرية لها قدرة عاليّة على بناء المفاهيم وتعزيز الإدراك، وإحداث (تغييرٍ) لإكساب اللفظ دلالات ووظائف بديعة. كما ناقش المبحث مراتب الاستعارة وجاذبيتها، وانتهى بتوضيح العلاقة بين التشبيه والاستعارة. أما المبحث الثاني، فتعمق في دراسة الأبعاد الدلاليّة للاستعارة المُفردة في القرآن الكريم. فتناول بالدراسة أبعاداً دلاليّة مهمة، مثل: الإيحاء بمعانٍ خفية، والمبالغة المقبولة في إطار السياق القرآني. كما سلّط الضّوء على دقة التّعبير، والتّناسق والانسجام اللغوي والبياني، والتّنوع والتّجديد في الأسلوب القرآني، وبَين كذلك إسهام الاستعارة في الإيجاز البلاغي، وتوكيد المعنى من أجل ترسيخه في ذهن المتلقي. وتُؤكد خاتمة البحث أن الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم تمثل أداة جوهرية لإثراء التجربة التفسيرية للقرآن الكريم، وتُركز توصيات البحث على تعزيز الدراسات البلاغية بمنظور فلسفي، وتوسيع نطاق البحث في الأبعاد الدلاليّة للاستعارة، والإفادة من الأساليب التحليلية الحديثة لإبراز أسرار الإعجاز القرآني.
الكلمات المفتاحية: الاستعارة المُفردة التصريحية والمكنية، الفلاسفة والاستعارة، الأبعاد الدلاليّة، الإيحاء، المبالغة، التّناسق والانسجام، الإيجاز، دقة التّعبير.
Abstract: This research addresses the topic of (Single Metaphor in the Holy Quran – A Rhetorical, Semantic, and Analytical Study). It aims to clarify and analyze its various semantic dimensions. The research consists of an introduction and two chapters. The introduction outlines the research plan. Chapter One, a theoretical foundation, begins with a linguistic definition through the views of linguists: Al-Jawhari, Ibn Faris, and Al-Samin Al-Halabi. Its concept was linked to (circulation) and (temporary transfer) of a thing. The chapter then discusses the rhetorical definition of metaphor through the perspectives of philosophers such as Aristotle, Al-Farabi, and Ibn Sina, especially as metaphor represents an epistemological and intellectual value with a high capacity for building concepts, enhancing perception, and creating a "change" to give the word beautiful connotations and functions. The chapter also discusses the ranks and attractiveness of metaphor, and concludes by clarifying the relationship between simile and metaphor. Chapter Two delves into the study of the semantic dimensions of single metaphor in the Holy Quran. It examines important semantic aspects such as conveying hidden meanings through suggestion (Iha'), and acceptable hyperbole within the Quranic context. It also highlights the precision of expression, cohesion and linguistic and rhetorical harmony, diversity and renewal in the Quranic style. Furthermore, it demonstrates metaphor's contribution to rhetorical conciseness and emphasis of meaning to solidify it in the recipient's mind. The research concludes by affirming that single metaphor in the Holy Quran represents a fundamental tool for enriching the interpretive experience of the Holy Quran. The research recommendations focus on enhancing rhetorical studies with a philosophical perspective, expanding the scope of research into the semantic dimensions of metaphor, and utilizing modern analytical methods to highlight the secrets of the Quranic inimitability.
Keywords: Single Metaphor (Explicit and Implicit), Philosophers and Metaphor, Semantic Dimensions, Suggestion (Iha'), Hyperbole, Cohesion and Harmony, Conciseness, Precision of Expression.
مقدمة البحث:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد
يُعدّ أسلوب الاستعارة من أفضل الأساليب البلاغية في التّعبير، وأكثرها براعةً وتجدداً وتطوراً، وأغناها إيحاءً بالمعاني في اللغة العربية، حيث تكتسب منزلة عاليّة ومكانة سامية، وتعتبر مظهراً من مظاهر الإعجاز البياني في القرآن الكريم. فبجانب أن الاستعارة أداة جماليّة وبيانية، فهي وسيلة أسلوبية دلاليّة رفيعة، تسهم بفاعلية في الإفصاح عن المعاني العميقة، وتجسيد الأفكار المجردة، والنّفاذ نحو آفاق الخيال، وإحداث تأثير بليغ في نفس المتلقي. فالاستعارة وسيط أسلوبي ونسق تصويري بين الإنسان ومعارفه وثقافته وتجاربه والتّعبير عنها من خلال أساليب اللغة والبيان. وتتجلى الاستعارة المُفردة (التصريحية والمكنية) في القرآن الكريم بارزةً في صور متعددة ومتنوعة، متجاوزةً وظيفتها الظاهرية المتمثلة في نقل اللفظ من معناه الأصلي إلى معنى مجازي إلى فضاءات دلاليّة شاسعة مترامية الأطراف. وهذه الآفاق تُسهم بشكل مباشر في إثراء معاني آيات القرآن الكريم، وتعميق فهمها، وكشف جوانب الإعجاز البياني في نظمها وألفاظها.
يتألّف هذا البحث من مدخل ومبحثين: يتناول المدخل خطّة البحث، أما المبحث الأول فيناقش التأصيل النظري للاستعارة معتمداً في الجانب الاصطلاحي على آراء الفلاسفة أرسطو والفارابي وابن سينا، أما المبحث الثاني فيهدف إلى استكشاف الأبعاد الدلاليّة المتفرعة المتشابكة، كالإيحاء بالمعاني، والمبالغة المقبولة، ودقة التّعبير، والتّناسق والانسجام اللغوي والبياني، والتّنوع والتّجديد، والإيجاز البلاغي، وتوكيد المعنى.
وعلى الرغم من كثرة الدراسات البلاغية والقُرآنيّة التي تناولت أسلوب الاستعارة في القرآن الكريم من جوانبها المختلفة، سواء من حيث مفهومها وأنواعها وأركانها، إلا أن هناك ضرورة قصوى لتركيز البحث بشكل أعمق وأكثر منهجية على الأبعاد الدلاليّة للاستعارة المُفردة. فالدراسات السابقة غالباً ما تكتفي بالتقسيم والتّصنيف دون الغوص في دور الاستعارة المُفردة في بناء المعنى القرآني وكشف أسراره الدلاليّة.
منهج البحث:
يعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي كمنهج أساسي، وذلك من خلال تطبيق الخطوات التاليّة: يتمثل الجانب الوصفي في جمع وحصر الآيات القُرآنيّة التي تتضمن استعارة مفردة، مع تصنيفها بدقة بناءً على السياقات اللغوية والقُرآنيّة التي وردت فيها، وتحديد نوع الاستعارة (تصريحية، مكنية) في كل مثال. أما الجانب التحليلي فيتضمن تحليل هذه الاستعارات تحليلاً دلالياً مفصلاً، مع التركيز على الأبعاد الدلاليّة المستهدفة في البحث: الإيحاء، المبالغة، دقة التّعبير، التّناسق والانسجام، التّنوع والتّجديد، الإيجاز البلاغي، توكيد المعنى. وسيتم تحليل كل استعارة وبيان كيفية تحقيقها للبعد الدلالي المعني، كما سيتم الاستعانة ببعض أدوات المنهج الاستنباطي لاستخلاص القواعد والخصائص العامة المتعلقة بوظيفة الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم.
أهمية البحث:
تكمن أهمية هذا البحث في عدة جوانب معرفية ومنهجية:
– التركيز على معرفة آراء الفلاسفة للاستعارة، وقد كانوا سابقين في هذا المجال المعرفي.
– تقديم دراسة متخصصة للأبعاد الدلاليّة للاستعارة المُفردة، مما يضيف بعداً نوعياً لفهم بلاغة القرآن الكريم.
– تعزيز فهم النّص القرآني وذلك من خلال مساعدة القارئ على إدراك الأسرار البيانية والمعاني الكامنة وراء الاستعارات القُرآنيّة.
– الكشف عن بلاغة التّعبير القرآني من خلال إظهار قدرة أسلوب القرآن الكريم على نقل المعاني والدّلالات المجردة بأساليب مُكثّفة، ومُوحية، مما يُعمّق جانب الإعجاز البياني للقرآن الكريم.
– وضع إطارٍ تحليليّ يمثّل نموذجاً منهجياً يُمكن أن يَستفيد منه الباحثون في دراسات مُشابهة حول الأساليب البلاغية الأخرى.
– تجديد النظر في أسلوب الاستعارة بتقديم رؤية تحليلية تركز على الوظيفة الدلاليّة للاستعارة ودورها في بناء المعنى.
أسئلة البحث:
يسعى هذا البحث للإجابة عن الأسئلة التاليّة، والتي تمثل المحاور الأساسية للدّراسة:
– هل تتفق تعريفاتُ الفلاسفة لأسلوب الاستعارة مع تعريفات البلاغيين؟
– ما أبرز الأبعاد الدلاليّة التي تحققها الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم؟
– كيف تسهم الاستعارة المُفردة في تحقيق الإيحاء بمعانٍ خفية؟
– ما الدور المركزي الذي تلعبه الاستعارة المُفردة في إظهار المبالغة التي تخدم المعنى في آيات القرآن الكريم؟
– كيف تُسهم الاستعارة المُفردة في تحقيق التّناسق والانسجام البلاغي بين أجزاء النّص القرآني، وكيف تُضفي عليه تنوعاً وتجديداً في الأسلوب؟
– ما مدى إسهام الاستعارة المُفردة في تحقيق خاصيتي الإيجاز البلاغي، وتوكيد المعنى لتكثيف المعاني في ألفاظٍ قليلةٍ، وترسيخها في الذهن؟
أهداف البحث:
يَهدف هذا البحث إلى تحقيق الأهداف التاليّة، والتي تنسجم مع أسئلة البحث وتعمل على الإجابة عنها:
– توضيح آراء الفلاسفة في مفهوم الاستعارة، وأهمية ذلك في الفكر الفلسفي والبلاغي.
– تحديد الأبعاد الدلاليّة للاستعارة المُفردة في القرآن الكريم بشكل منهجي ومفصل.
– تحليل نماذج مختارة من القرآن الكريم لتوضيح عمل الاستعارة المُفردة للإيحاء بمعانٍ متعددة.
– الكشف عن دور الاستعارة المُفردة في توضيح المبالغة التي تتناغم مع الهدف القرآني، وكشف دقّة التّعبير في الآيات القُرآنيّة.
– بيان آليّة الاستعارة المُفردة في تحقيق التّناسق والانسجام البلاغي بين عناصر النّص القرآني، وإضفاء التّنوع والتّجديد على أسلوبه.
– تسليط الضوء على وظيفة الاستعارة المُفردة في تحقيق الإيجاز البلاغي وتوكيد المعنى من خلال تكثيف المعاني، وترسيخها في ذهن المتلقي للقرآن الكريم.
الدراسات السّابقة:
– بحث بعنوان (المُفردة القُرآنيّة خصوصيتها الدلاليّة وخواصها البيانية الجماليّة) كتبه الأستاذ: حمزة بوخزنة، الأستاذ المساعد بكلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة الوادي – الجزائر، نُشر في مجلة البحوث والدراسات، العدد 18 السنة 11 سنة 2014م، يتألف البحث من مقدمة وعناوين متنوعة متعلقة بخصائص المُفردة القُرآنيّة، ومن أهم عناوين البحث: الخصوصية الشكلية والمعرفية للمفردة القُرآنيّة، وأهم الخواص الجماليّة للمفردة القُرآنيّة، الدقة البيانية، خاصية الإيحاء الصوتي والتصويري، الكثافة الدلاليّة للمفردة القُرآنيّة، ثم هوامش البحث، ولم يخصص البحث عنواناً للنتائج والتوصيات مع القيمة العلمية الثرة للبحث، لكنها وردت ضمن السرد العام للبحث.
– بحث بعنوان (الاستعارة وأثرها في تكوين الصورة الفنية – دراسة تطبيقية على جزء (قد سمع)، كتبه الدكتور إبراهيم حسين يعقوب حسن، الأستاذ المساعد بجامعة شندي السودان- كلية الآداب، ونُشر في مجلة جامعة شندي للعلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد التاسع، ص: 127 – 147، يونيو 2023م. تناول الباحث: تعريف الاستعارة، وأركان الاستعارة، وأقسام الاستعارة المختلفة، ثم مفهوم الصورة الفنية عند النقاد العرب القدامى، والنقاد الغربيين، ثم الصورة الفنية في القرآن الكريم، وقد تناولها بالدراسة والتحليل من خلال النماذج الإنسانية، ومظاهر الطبيعة، ومشاهد القيامة وغيرها، وخلصت دراسته إلى مجموعة من النتائج، أهمها: أن الاستعارة التمثيلية أكثر وروداً في القرآن الكريم من غيرها.
– بحث بعنوان (تمثلات النّسق التصوري وبُعده الإقناعي في كتاب في ظلال القرآن لسيد قطب) كتبه ودي حدة والأستاذ الدكتور برباق ربيعة، جامعة الشهيد العربي التبسي – الجزائر، وقد نُشر في مجلة مقاربات فلسفية، المجلد 11، العدد الأول عام 2024م، ص: 208 – 223، تاريخ النشر: 24/4/ 2024م. تناول الباحثان: تعريف مصطلحات النسق والتصور والاستعارة التصورية، ثم تناولت الدراسة تجليات الاستعارة في كتاب في ظلال القرآن نماذج مختارة، ومن أهم النتائج التي توصل إليها البحث: أن سيد قطب قد استعان في تفسيره بالأنساق المادية، وأن أنساق سيد قطب التصورية قد ربطت بين قضايا القرآن والواقع المعاصر، وتكشف الاستعارات في ظلال القرآن عن النمط الثقافي الإسلامي والخلفيات الفكرية التي توجه رؤية سيد قطب للأشياء مما جعل تفسيره ذا صبغة معاصرة.
المبحث الأول
التأصيل النظري للاستعارة المُفردة
مفهوم الاستعارة في اللغة:
ترتبط لفظة الاستعارة في معناها اللغويّ ارتباطًا وثيقًا بمعنَى العاريّة؛ إذ تعني طلب شيء من أجل استخدامه لوقت محدد، وهذا المعنى اللغوي يُشكل أساساً لفهمنا لعملية نَقل المعنَى فِي الاستعارةِ البلاغيّةِ. قال الجوهري (ت393هـ): (اسْتَعَارَهُ ثوباً فأعارَهُ إيَّاه. ومنه قولهم: كيرٌ مُسْتعارٌ بمعنى متَعاوَرٌ، أو متداولٌ). (الجوهري، 1987م، عور) يُشير تعريف الجوهري إلى أن الاستعارة لغةً هي طلب شيء بصورة مؤقتة للاستخدام، كالثوب المُستعار، مما يدل على التّداول المؤقت. وهذا المعنى يوضح الآليّة الفنية للاستعارة في علم البيان، التي تتمثل في نقل معنى لفظ إلى لفظ آخر بصورة مؤقتة. ويرى أحمد بن فارس (ت395هـ) أنّ: (الْعَيْنُ وَالْوَاوُ وَالرَّاءُ، أصلٌ يَدُلُّ عَلَى تَدَاوُلِ الشَّيْءِ، وَالتَّعَاوُرُ عَامٌّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَيُقَالُ تَعَاوَرَتِ الرِّيَاحُ رَسْمًا حَتَّى عَفَتْهُ، أَيْ تَوَاظَبَتْ عَلَيْهِ). (ابن فارس، 1972م، عور) يُرسّخُ تعريف ابن فارس مفهوم أن الاستعارة في البلاغة تَجسِيد لمعنى التّداول والتّحول الذي يُشكّل أصل معناها في اللغة. فالاستعارة هي عملية نقل للدّلالة من معناها الثّابت إلى معنى آخر لغرض فنيّ، ثم يرجع اللفظ المستعار بعد الاستخدام إلى معناه الأصلي. وقال السمين الحلبي (ت657هـ): (المُعاورة: التّداول؛ يقال: تعاورنا كذا، أي تداولناه بيننا. وقيل: المُعاورة في معنى الاستعارة. والعارية من المُعاورة لانتقال العين المُعارة من واحدٍ إلى آخر). (السمين الحلبي، 1996م، عور) يُؤكد السمين الحلبي أن المعنى اللغوي لألفاظ المُعاورة والتّداول والعاريّة هو الأساس الذي بُنيت عليه الاستعارة البلاغيّة. فالاستعارة أسلوب بلاغي نستطيع من خلاله تداول المعاني بين المنطوق والمفهوم بصورة مؤقتة لإحداث أثر فنيٍّ مُعين، كما نتداول في حياتنا اليوميّة الأشياء المادية كالعاريّة.
الاستعارة اصطلاحا:
لقد حظيت الاستعارة باهتمام كبير عبر العصور، وأدرك الفلاسفة القُدامى منذ أرسطو قيمتها البلاغيّة والدلاليّة، وأطلقوا عليها ألفاظاً مختلفة تعبر عن مفهومها الاصطلاحي، مثل: (النّقل)، و(التّغيير)، و(الإبدال)، و(التّعلق) والتي أفاد منها علماء البلاغة في تعريفاتهم الاصطلاحية للاستعارة، وسنركز في هذا البحث على التعريفات الاصطلاحية للفلاسفة، وذلك لعدة أسباب موضوعية، منها: أن آراء علماء البلاغة قد تكررت كثيراً في البحوث العلمية، بينما أغفل الباحثون آراء الفلاسفة الذين سبقوا البلاغيين مثل أرسطو (ت322ق م)، والذين عاصروهم مثل الفارابي (ت339هـ)، والذين جاءوا من بعدهم مثل ابن سينا (ت1039هـ). ويعود اهتمام الفلاسفة بأسلوب الاستعارة إلى أزمان قديمة، ولم يكتفوا في تناولها بالتصنيف بل قدموا تصورات علمية للاستعارة، تناول الفلاسفة أسلوب الاستعارة ضمن مناهجهم الفلسفية كمسألة عقلية معرفية لها دور كبير في تصوير المفاهيم وتقريب الحقيقة، وبما أن اللغة تمثل مرآة للفكر، فقد أصبحت الاستعارة في التفكير الفلسفي وسيلة لاستكشاف العلاقات المتبادلة بين اللغة والتفكير والإدراك، ولا يفوتنا أن نشير إلى أن بعض البلاغيين قد تأثروا بالفلسفة اليونانية القديمة. وبناءً على ما سبق يتّضح لنا أن البحث عن جذور الفكرة لدى الفلاسفة سيوفّر لنا فهماً أعمق للمصطلح، بجانب ذلك يحصر البلاغيون نظرتهم للاستعارة على الجوانب الجماليّة، بينما تتسع نظرة الفلاسفة لتشمل جوانب اللغة والفكر والبيان والدلالة.
ومن أوائل الفلاسفة الذين تحدثوا عن مصطلح الاستعارة الفيلسوف أرسطو (ت322ق م)، وقد عرّفها بقوله: (الاستعارة هي نقل اسم شيء إلى شيء آخر، فإمّا أن يُنقل من الجنس إلى النوع، أو من النوع إلى الجنس، أو من نوع إلى نوع، أو يُنقل بطريقة المناسبة) (أرسطو، 1993م، ص:116) فحقيقة الاستعارة عند أرسطو أنها (نقل) بمعنى إطلاق اسم على شيء عن طريق العلاقة الخفيّة التي تجمع بينهما، ثم ذكر أرسطو أربعة أنواع للنقل، وسنركّز على النّوع الرّابع لأنهُ الأعمق دلالة، فأرسطو في النوع الرابع يتحدثُ عن النّقل بطريقة المناسبة، ويشير إلى العلاقات العقليّة غير الظّاهرة، وقد أبدى أرسطو إعجاباً بالاستعارة حين صوّرها بقوله: (وأعظم هذه الأساليب حقاً هو أسلوب الاستعارة، وهو آية الموهبة). (أرسطو، 1993م، ص:128) فتُعدّ هذه العبارة بمثابة تقدير عالٍ للاستعارة، حيث وضعها أرسطو في قمة الأساليب البلاغية، وربطها ربطاً وثيقاً بالملكة الإبداعية والموهبة الفنية، كما أن عبارة (أعظم هذه الأساليب حقاً) تدل على تفضيلها على غيرها من فنون البلاغة، ولفظة (أسلوب) تدل على أن الاستعارة وسيلة إبداعية لتحقيق غاية فنية، وعبارة (هي آية) تمثّل دليلاً وبرهاناً، وأن القدرة على صياغتها يعتبر مظهراً من مظاهر البراعة الفنية والذوق الرفيع. وعلى الرغم من ظهور تعريفات بلاغية كثيرة للاستعارة بعد هذا التعريف، لكن تعريف أرسطو للاستعارة لا يزال يحتفظ بقيمته الإيحائية، كما لا يزال مصدر إلهام للمهتمين بدراسة البلاغة والنقد.
وتحدث أبو نصر الفارابي (ت339هـ) عن الاستعارة من خلال أدوات الاستفهام ووجد أنها تخرج عن دلالتها الطلبية المتواضع عليها لتدل على معانٍ بلاغية أخرى، يقول الفارابي: (والخطابة تستعمل حرف (هل) على ما وُضع للدلالة عليه أولاً، وتستعمله عن طريق الاستعارة، وأما حرف (لِم) وحرف (مَا) فإنها لا تستعملهما في السؤال إلا عن طريق الاستعارة فقط، وحرف (أي) وحرف (كيف) فربما استعملتهما في الدلالة على معانيهما الأولى، وأكثر ما تستعملهما إنما تستعملهما أيضاً على طريق الاستعارة، وبالجملة فإن صناعة الخطابة تستعمل جميع هذه الحروف على طريق الاستعارة. فالاستعارة والتجوّز والمسامحة إنما تُستعمل في الصنائع التي يحتاج الإنسان إلى إظهار القوة الكاملة في غاية الكمال على استعمال الألفاظ) (الفارابي، الحروف 1986، ص:225) يُقدم الفارابي في قوله السابق رؤية مفيدة لاستخدام حروف الاستفهام المختلفة في الخطابة، مُركّزًا على دور الاستعارة في السياق. ويُفرّقُ بين حروف الاستفهام من حيث قابليتها للاستخدام الوضعي والاستعاري في الخطابة، ويرى الفارابي أن الخطابة تستعمل (هل) في معناها الحقيقي للسؤال عن التصديق، كما تستعمله عن طريق الاستعارة. فعندما تقول: وهل يخفى القمر؟ فالسؤال هنا ليس عن خفاء القمر، بل عن نفي الخفاء وتأكيد وضوحه، وهذا استخدام بلاغي. والمعروف كذلك أن حرفي الاستفهام (لِمَ) و(مَا) يستخدمان للسؤال عن السبب والماهيّة، لكن الاستعارة تستخدمهما للإنكار والتعجب، وكذلك (أي) و(كيف) فأكثر ما تستعملان للأغراض البلاغية ويتضح معناهما إن كان للنفي أو التعجب أو التعجيز من خلال السياق. ويؤكد الفارابي في حديثه أن فن الخطابة يستعمل هذه الحروف على طريق الاستعارة؛ وذلك لأن الخطابة لا تهدف إلى الاستفهام بمعنى طلب الفهم، بقدر ما تستخدمها من أجل الإقناع وتحريك عواطف المخاطبين. ويقصد الفارابي بلفظ (التّجوز) إلى استخدام اللفظ في غير ما وُضع له لعلاقة واضحة بين المعنى الأصلي والمعنى الجديد، وهذا هو المعنى الأوسع الذي يلائم الاستعارة والمجاز. أما لفظة (المُسامحة) فتعني التّسامح في تجاوز الدلالة اللغوية المعجمية واستخدامها لتحقيق غرض فنيِّ. فالخطابة لا تكتفي بنقل المحتوى الذهني بل لابد أن يكون لها قوة تأثيرية لتُلهب العاطفة وتحرك الوجدان وتُشعل الحماس في النفوس، وذلك من خلال تجاوز المعاني المعجمية للألفاظ إلى آفاق واسعة من الإيحاءات والصور، وبذلك يكتسب الخطاب قوةً وتأثيراً وعمقاً. بهذا يرى الفارابي أن الاستعارة أداة خطابية جوهرية تُمكّن الخطيب من إظهار ملكاته الخطابية وبراعته البيانية في استخدام الأساليب اللغوية.
ثم تَعمَّق الفارابي وتوغّل في شرح جوهر الاستعارة، عندما تحدّث عن مفهوم (التّعلق) كأساس لفهمها. فالاستعارة فنٌّ يكشف عن براعة الخطيب وقدراته على معرفة الروابط الخفية بين الألفاظ ومعانيها، إذ يقول: (فيعرف الخطيب أن له قدرة على الإبانة عن الشيء بغير لفظه الخاص به لأدني تعلق يكون له بالذي تُجعل العبارة عنه باللفظ الثاني، أو له قدرة على استعمال اللفظ الذي يخص شيئاً ما على ما له تعلّق به ولو يسيراً من التّعلق، وليُبين عن نفسه أن له قدرة على أخذ اتصالات المعاني بعضها ببعض ولو كان الاتصال يسيراً، ويُبيّن أن عباراته وإبانته لا تزول ولا تضعف، وإن عبّر عن الشيء بغير لفظه الخاص، بل بلفظ غيره). (الفارابي، الحروف 1986م، ص:225) وعندما يذكر الفارابي عبارات (أدنى تعلّق) و(تعلّق ولو يسيراً)، فإنه يتحدث عن وجود صلة ما بين المعنى الأصلي للفظ (موضوع الاستعارة) والمعنى الآخر الذي يُراد التّعبير عنه (المستعار له). وهذه الصّلة (التّعلق) ليس بالضرورة أن يكون واضحاً أو منطقيًا، بل قد يكون: تشابهًا في صفة مشتركة كالشجاعة والجمال، أو علاقة من علاقات المجاز كالسّببية، والمُسببية، والكليّة، والجزئيّة، والمُجاورة، أو تشابهًا في الوظيفة، فهذا (التّعلق) بين الألفاظ مهما كان طفيفاً فهو بمثابة ومضة خفية تربط بين هاتين الدلالتين المتباعدتين ظاهرياً. فالفارابي يرى أن أسلوب الاستعارة دليل على ملكات الخطيب البيانية وعبقريته، لأن الاستعارة لا تحتاج فقط إلى معرفة عميقة بمعجم اللغة، بل تحتاج كذلك إلى بصيرة نافذة وموهبة فذة لإدراك الصلات الدقيقة (التّعلق) بين تلك الدلالات، والقدرة الفائقة على التّعبير عن هذه العلاقات بأسلوب يَزيدُها جمالاً وجاذبيةً.
أما ابن سينا (ت1037هـ) فقد استخدم لفظ (التّغيير) للدلالة على مفهوم الاستعارة، إذ يقول عن مفهوم التّغيير: (واعلم أن القول يرشق بالتّغيير، والتّغيير هو أن يُستعمل اللفظ والكلام لا كما يوجبه المعنى فقط، بل أن يستعير، ويًبدل ويُشبه، وذلك لأن اللفظ والكلام علامة ما على المعنى)، (ابن سينا، المنطق، 1958، ص:202) يوضح ابن سينا أن القولَ يَزدادُ رشاقة وجمالاً وتأثيراً بـ (التّغيير)، والتغيير يهدف إلى الخروج عن الألفاظ المألوفة المباشرة إلى عقد علاقات جديدة غير مباشرة من خلال آليات الاستعارة البلاغية والإبدال والتشبيه. وتتضح العلاقة بين التّغيير والاستعارة من خلال أن الاستعارة إحدى آليات التغيير، لأنها نقلٌ للفظ من دلالته المباشرة إلى دلالة مجازية، والتغيير والاستعارة ينطلقان من فكرة أن اللفظ عبارة عن (علامة) على الدلالة المركزية، مما يسهل عملية الانزياح والإعارة لمعنى آخر، طالما توجد علاقة جامعة بين المكونين. فالاستعارة عنصر جوهري في عملية (التغيير) الذي يسبغ على القول رشاقةً وجمالاً لرسم صورٍ فنيًة توسّع الإدراك وتُعمّق الاستيعاب. ويقول ابن سينا عن مكانة الاستعارة لدى الشعراء: (والشعراء يجتنبون استعمال اللفظ الموضوع، ويحرصون على الاستعارة حرصاً شديداً، حتى إذا وجدوا اسمين للشيء، أحدهما موضوع، والآخر فيه تغيير ما، مالوا إلى المُغيَّر. كما يتركون الاسم الموضوع ويميلون إلى النعت، وكذلك يتركون الاسم الموضوع وينتقلون إلى اسم مشتق عن وصف أو إلى مستعار). (ابن سينا، المنطق، 1958م، ص:217) يكشف قول ابن سينا عن فهم عميق لأسلوب الاستعارة ومكانتها الفنية لدى الشعراء، حيث يُبيّن أنّ الشعراء يجتنبون الألفاظ المعجمية في نظمهم الإبداعي ويحرصون على استخدام الأساليب المجازية غير المباشرة، وذلك لأن الأساليب المجازية والوصف والاشتقاق عبارة عن نوافذ مشرعة نحو الخيال والإبداع المعنوي. ويحدد ابن سينا الأسس التي تُبنى عليها الاستعارات، وكيف تُستمد تلك الصور الاستعارية، حيث يقول: (وجميع الاستعارات تؤخذ من أمور إما مشاركة في الاسم، او مشاكلة في القوة، أو مغنية غناء الشيء في فعل، أو انفعال، أو مشاكلة في الكيفية المحسوسة، مبصرة كانت أو غيرها) (ابن سينا، المنطق، 1958م، ص:208) يقصد ابن سينا أن أحد أشكال الاستعارة يُبنى على وجود اسم مشترك بين شيئين، حتى وإن اختلفت الأشياء في جوهرها. فعندما نُطلق على الرجل الشجاع “أسدًا”، فالأسد معروف بالشجاعة، والتشابه هنا ليس في الفصيلة، بل في الصفة المشتركة بينهما التي تجعل اسم (الأسد) يُطلق على كليهما بطريقة ما. وذكر كذلك أن بعض الاستعارات تعتمد على التشابه في الوظيفة والتأثير بين الطرفين، فإذا كان هناك شيء يقوم بوظيفة محددة، واستعرنا له اسم شيء آخر يقوم بوظيفة تشبهها، فهذه استعارة قائمة على المشاكلة في الوظيفة والتأثير، ثم يتطرق في آخر حديثه إلى الاستعارات القائمة على التشابه في الصفات الحسية، سواء كانت هذه الصفات مرئية أو غير ذلك مثل السّمع، والشّم، واللمْس، والتّذوق، فنستطيع أن نبني الاستعارة على تلك الحواس.
مراتب الاستعارة وجاذبيتها:
تحدث ابن سينا عن قضية جوهرية تتعلّقُ بتأثير الاستعارة في المتلقي ومراتب قوّتها وجاذبيتها، مؤكدًا أن اختيار اللفظة المستعارة تخضع لمعايير دقيقة تزيد من تأثيرها في المتلقي، وذلك من خلال المعاني الإضافية والتخييلات التي تتجاوز بها الدلالة اللغوية الحرفية. يقول ابن سينا: (وللقول الانتقالي في تأثيره مراتب، فإنه إذا قال الغَزِلُ في صفة بنان الحبيب: إنها (وَرديّة) كان أوقع من أن يقول: (حمر)، وخصوصاً أن يقول: (قرمزية)، فإنّ قوله في الاستعارة للحمر (وَرديّة)، قد يُخيّل معها من لطافة الورد وعَرفة ما لا يُخيله قوله (حمر) مطلقاً، فإن قوله (حمر) مطلقاً لا يُطور بجنبه المدح والاستحسان، وذكر القرمز يتعدى إلى تخييل الدودة المستقذرة، وكذلك الحال في الأسماء الموضوعة التي ليست مستعارة فإن بعضها أفضل من بعض). (ابن سينا، المنطق، 1958م، ص:208) يستخدم ابن سينا مصطلح (القول الانتقالي) للحديث عن الاستعارة، ويؤكد أن الاستعارة لها مراتب في التأثير، ويشرح ذلك بمثال حسي ملموس، وهو وصف بنان الحبيب (أطْرَاف الأصَابِع)، فعندما نصفها بأنها (وَرديّة) يكون ذلك أبلغ وأوقع من أن نصفها باللون المباشر (حمر)، وذلك لأن لفظة (وردية) تضيف معانٍ إضافية وتخييلات مرتبطة بالورد، مثل: الرقة واللطافة والعطر والنضارة والحيوية، مما يجعل للاستعارة في لفظة (وردية) أكثر تأثيرا في النفس، وهو ما يعزز الجمال والاستحسان في وصف بنان الحبيب. أما استخدام لفظة (قرمزية) فمع أنها تُشير إلى اللون (القرمزي) الأحمر، لكن تأثيرها قد لا يكون مستحسناً لأن الذهن سيستحضر دودة القرمز، تلك الدودة التي يُستخرج منها اللون القرمزي، كما أن (الأحمر) مطلقاً لا يعتبر مدحاً ولا استحساناً، لأنه وصف بارد يخلو من الإيحاءات النفسية. وهذا يدل على أن اختيار اللفظ المستعار يجب أن يُراعى فيه الإيحاءات التي يُثيرها في نفس الشخص المتلقي سواء أكانت إيجابيّة أو سلبيّة. فاللفظة المستعارة لا تقدم معلومة ذهنية جافة بل تولّد صوراً في الذهن ومشاعر في النفس حتى تكون أداة فاعلة في التّعبير وإثارة الخيال والاستمالة والإقناع. ويؤكد ابن سينا أن قيمة الألفاظ لا تقتصر على دلالتها اللغوية فقط، بل تتعدى ذلك إلى ما تتضمنه من دلالات ضمنية، سواء كانت تلك الدلالات حسنة أم سيئة، ومع أن هذا المبدأ له صلة بالاستعارة، لكنه قد يتسع ليشمل اختيار الألفاظ اللغوية بشكل عام. يقول ابن سينا: (فإنّ اللفظ الذي يقع على الشيء من حيث له معنى أكرم، هو أحسن من اللفظ الذي يقع عليه من حيث له معنى أخس، وإن كان كل واحد منهما يُقصد به في الحقيقة معنى واحد، مثل ما يُقالُ للبغل: إنه نسل فرس من غير فرس، فإنه أوقع من أن يُقال له: نسل حمار من غير حمار. وكلاهما وإن قُصد بهما معنى واحد من جهة وفي ظاهر الأمر، فإنّ الاعتبارين المتحققين فيهما مختلفان، وأحدهما أحسن). (ابن سينا، المنطق، 1958م، ص:209) يقدم ابن سينا في النّص السابق مثالاً حيّاً لتوضيح فكرة اختيار العبارات والألفاظ بدقة، فالبغل حيوان هجين ينتج عن تزاوج الفرس وأنثى الحمار، فالعبارتان اللتان أوردها ابن سينا صحيحتان، وتشيران إلى حقيقة بيولوجية معروفة، لكن الفرق بينهما في إيحاءات كل عبارة، فعبارة: (نسل فرس من غيره) تركز على ذكر الفرس ومكانته وشجاعته في الحروب وأن الخير معقود بنواصي الخيل، وقد ارتبط وصفه في القرآن الكريم بالحرب “وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحٗا. فَٱلۡمُورِيَٰتِ قَدۡحٗا. فَٱلۡمُغِيرَٰتِ صُبۡحٗا. فَأَثَرۡنَ بِهِۦ نَقۡعٗا. فَوَسَطۡنَ بِهِۦ جَمۡعًا” (العاديات:1-5) فتضفي هذه الأدبيات على البغل هيبة وكرماً ونبلاً. ولكن العبارة الثانية: (نسل حمار من غير حمار) تركز على ذكر الحمار، الذي يستخدمه الناس في حياتهم اليومية لحمل الأمتعة، كما يتخذ الناس منه رمزاً للغباء، إضافة إلى ما ورد من وصف نهيقه وصوته في القرآن الكريم “إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ”. (لقمان:19) وكلا الوصفين لشيء واحد، ولكن الاعتبارين المتحققين من ناحية الإيحاءات والدلالات الضمنية والقيم المرتبطة بكل عبارة مختلفان، وهذا الاختلاف يتمثل في التداعيات الفكرية والتصورات الذهنية والظلال المعنوية هو ما جعل أحد التّعبيرين “أحسن” من الآخر.
العلاقة بين الاستعارة والتشبيه:
ذكر ابن سينا العلاقة التي تجمع التشبيه بالاستعارة، والفروقات التي تميزهما، وذلك عندما تحدث عن طبيعة كل فن وتأثِيره في بناء الجملة ومعناها، إذ يقول: (والتشبيه يجري مجرى الاستعارة، إلا أن الاستعارة تجعل الشيء غيره، والتشبيه يحكم عليه بأنه كغيره). (ابن سينا، المنطق، 1958م، ص:209) فتدل عبارة ابن سينا: (والتشبيه يجري مجرى الاستعارة) على أن أسلوبي التشبيه والاستعارة ينتميان إلى فئة التّعبير البلاغي التصويري، وكلاهما يعتمد على فكرة المقارنة بين شيئين وربط أحدهما بالآخر استناداً إلى صفة مشتركة تجمعهما. كما أنهما أسلوبان بلاغيّان متقاربان في وظيفتهما الفنية. فإذا أردنا أن نعبر عن الشجاعة، نستطيع أن نفعل ذلك من خلال أسلوب التشبيه أو من خلال أسلوب الاستعارة. فكلاهما يؤديان هذا الدور الفني، وقوله: (إلا أن الاستعارة تجعل الشيء غيره) فقد أراد ابن سينا أن يوضح الفارق الجوهري بينهما، فالاستعارة تُحدثُ تحويلاً مؤقتاً، فتُلبس المُشَبَّه ثوب المُشَبَّه به، لتُعلن أن المُشَبَّه قد أصبحَ هُو عينَ المُشَبَّه به. بذلك تَدَّعِي الاستعارةُ التطابق الكامل بين طرفي التشبيه في سياق تركيب الجملة، دون ذكر أداة التشبيه التي تدُل على المشابهة. وفي قوله: (والتشبيه يحكم عليه بأنه كغيره) يُوضّح ابن سينا أنّ طبيعة التشبيه الاصطلاحية هي عبارة عن عقد علاقة مشابهة بين شيئين في صفة أو أكثر مع ذكر أداة التشبيه، وهذه المشابهة لا تلغي طبيعتيهما المنفصلة. فالتشبيه يحافظ على الفصل والتمييز بين المشبه والمشبه به، أما الاستعارة فتدّعي ان المشبه أصبح المشبه به نفسه، لأنها تعتمد على طرف واحد من أطراف التشبيه.
خلاصة المبحث:
تناول المبحث الأول أسلوب الاستعارة تناولاً شاملاً، أشار إلى أصلها اللغوي من خلال آراء علماء اللغة الجوهري، وابن فارس، والسمين الحلبي، وقد دار مفهومها حول النقل المؤقت، والتّداول، وعدم الثبات. ثم انتقل المبحث إلى عرض التّعريف الاصطلاحِي، معتمداً على آراء الفلاسفة أرسطو، والفارابي، وابن سينا. ويرى هؤلاء الفلاسفة أن الاستعارة قضية معرفية، تُسهم في تصوير المعاني وتعزيز الإدراك، ثم ناقش المبحث مراتب الاستعارة وجاذبيتها، مُبينًا أثرها الجمالي في إثراء المعاني وتعميق الأفكار، وأخيرًا تناول المبحث العلاقة بين التشبيه والاستعارة؛ فالاستعارة تدّعي التطابق بين أطراف التشبيه، أما التشبيه فيحافظ على التمايز بينهما.
المبحث الثاني
الاستعارة المُفردة وأبعادها الدلاليّة
إذا كانت الأبعاد الجماليّة للاستعارة تُعنى بالقيم الشعورية والتشكيل الفني في بنية الاستعارة وما تُحدثه من تأثير في مشاعر المتلقي ووجدانه، فإنّ القيم التّعبيرية والأبعاد الدلاليّة تُشكّل العمود الفقري للمعنى، وهي التي تُكسبُ الاستعارة عمقاً فكرياً ومعرفياً لتوسيع المفهوم، وتوضيح الغاية، وتأكيد الحقيقة. فالاستعارة المفردة ليست صورةً بديعيّة لفظيّة تَسُرُّ العينَ ونَغمةً عَذبةً تُطربُ الأذنَ، بل هي مفتاح لدلالات متعددة الطبقات، وعمق في المعنى يتجاوز الظاهر إلى الباطن، إنها تُسبغ على اللفظ أبعاداً تُثري دلالته الأصلية، وتضيء جوانب خفية من المعنى المراد، وتُمكّن المتلقي من استكشاف عوالم واسعة من الفهم لم يكن ليدركها لولا هذا الانزياح البلاغي، وسنبحر في هذا المبحث في رحاب الأبعاد الدلاليّة للاستعارة المُفردة بنوعيها التصريحية والمكنية في القرآن الكريم لتوضيح قدرتها على إثراء معاني الآيات القُرآنيّة.
ما المقصود بالأبعاد الدلاليّة؟
تُمثّل الأبعاد الدلاليّة للاستعارة المُفردة؛ تلك الجوانب المتعلقة بالمعنى والمضمون الفكري والدلالات العميقة التي تضيفها الاستعارة المُفردة إلى النّص، حيث تُصبح الاستعارة أداة قوية لتوسيع المعنى، وتوضيح الحقائق، وتأكيد الأفكار، وتعزيز الحُجج. فالأبعاد الدلاليّة هي الجوانب الوظيفية والمعرفية والتفسيرية للاستعارة المُفردة، لأنها تُمكننا من إدراك المعاني العقليّة المُجرّدة، والقدرة على التّأويل والإقناع والتّوضيح، وفهم الأفكار، وتقديم تصورات جديدة. وتركز الأبعاد الدلاليّة على الإجابة عن الأسئلة التاليّة: ما المعاني المُستحدثة التي تُضيفها الاستعارة المُفردة للعبارة؟ وكيف تُسهم في بناء المضمون، وتُعزز من قدرة المتلقي على استيعاب المقصد الحقيقي للرسالة؟
هل نستطيع الفصل بين الأبعاد الجماليّة والدلاليّة؟
يأتي هذا التساؤل في هذا الموضع لتوضيح أن الأبعاد الجماليّة والأبعاد الدلاليّة لا يمكن الفصل بينهما في تحليل الاستعارة الواحدة في القرآن الكريم، ولكن الفصل الذي سرنا عليه في هذا البحث العلمي هو فصل منهجي من أجل التوضيح، ولا يعني إنكار تداخلهما، بل هو فصل إجرائي محض، إذ لا يمكن فصل الشكل عن المضمون في العمل الإبداعي وغيره من الأعمال العلمية، ولكن طبيعة البحث العلمي ومنهجه اقتضت تفكيك العناصر وتوضيح السمات، لإبراز الخصائص الفنية المميزة لكل بعد من تلك الأبعاد البلاغية. فالاستعارة المُفردة بشطريها الجمالي والدلالي كنز يكتنفه الجمال، يتعانق في صياغتها الجمال الفني والتّعبيري، لذلك تتسم بتلاحم شطريها. ولأنني حقيقة أواجه جدلية الفصل بين الأبعاد الجماليّة والدلاليّة في هذا البحث، ولكن الوعي بهذا التناقض الظاهري جعل تلك الجدلية التراثية جدلية اللفظ والمعنى ماثلة أمام عيني، وذلك جوهر ما أراد الإمام عبد القاهر الجرجاني معالجته بنظرية (النّظم). لقد كانت قضية اللفظ والمعنى وما أثير حولها من سجالات مستفيضة قضية مركزية شغلت الفكر البلاغي والنقدي ردحاً من الزمن، وظل النزاع حولها قائماً حتى كشفَ الإمام عبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم إن سرّ البلاغة يكمن في تآلف الألفاظ مع المعاني. واليوم نحن نغوص في بلاغة الاستعارة المُفردة نجد أنفسنا أمام تحدٍّ فكريّ جماليّ مُتجدّدٍ يُعيد إلينا صدى تلك الجدلية التاريخية، فبينما يُدرك البحث تمام الإدراك أن الابعاد الجماليّة والأبعاد الدلاليّة تتداخل وتلتحم في الآية القُرآنيّة الواحدة لتشكل نسيجاً بيانياً معجزاً، فإنّ الضرورة المنهجية تفرض علينا فصلهما إجرائياً من ناحية التحليل والتوضيح. وليطمئن القارئ الكريم فإنّ هذا التناول التحليلي الذي يعتمد على فصل الأبعاد الجماليّة عن الأبعاد الدلاليّة، لم يغب عن وعيه أن كثيراً من تفاسير القرآن الكريم سارت على المنهج المتكامل الذي يمزج هذين البعدين بفن وبراعة وإحكام دون فصلٍ وتمييز، ومن أمثلة ذلك: الكشاف للزمخشري، وفي ظلال القرآن لسيد قطب، والتحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، فكلها نماذج تجسد الانسجام اللغوي والبياني في التفسير.
الابعاد الدلاليّة للاستعارة المُفردة في القرآن الكريم:
تتجاوز الدلالة الناتجة عن الاستعارة المُفردة المعنى الحرفي للألفاظ، لتفتح آفاقاً واسعةً للفهم والتأويل، وإثراء معاني القرآني بظلال وإيحاءات وإشارات عميقة، يمكن إجمالها في الآتي:
1- إيحاء المعاني المستترة:
قال أحمد بن فارس: (وَحَى، الْوَاوُ وَالْحَاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ: أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى إِلْقَاءِ عِلْمٍ فِي إِخْفَاءٍ إِلَى غَيْرِكَ. فَالْوَحْيُ: الْإِشَارَةُ، والْكِتَابُ وَالرِّسَالَةُ. وَكُلُّ مَا أَلْقَيْتَهُ إِلَى غَيْرِكَ حَتَّى عَلِمَهُ فَهُوَ وَحْيٌ كَيْفَ كَانَ. وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى وَوَحَى. وَكُلُّ مَا فِي بَابِ الْوَحْيِ فَرَاجِعٌ إِلَى هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَالْوَحِيُّ: السَّرِيع، وَالْوَحَى: الصَّوْتُ). (ابن فارس، 1979م، وحى). يُقدم العلامة أحمد بن فارس في (مقاييس اللغة) تحليلاً لغويًا عميقاً للجذر اللغوي (و ح ي)، تتعدد فيه الدلالات، وتصبّ جميعها في معنى جامع يُوضح دلالة مصطلح (الإيحاء). فجذر الكلمة يدل على (إِلْقَاءِ عِلْمٍ فِي إِخْفَاءٍ إِلَى غَيْرِكَ)، ثم يوضح أن الوحي قد يكون بالإشارة كإشارة العين، وقد يكون من خلال الكتاب والرسالة وهما وسيلتان لنقل العلوم والمعارف. والسرعة في الوحي ترتبط بما هو غير مباشر مثل الإلهام، أما عبارة ابن فارس: (إلقاء علم في إخفاء) فهي جوهر معنى الإيحاء في البلاغة، فالإيحاء تسريب معانٍ للقلب والذهن بطريقة خفيّة، والسرعة متعلقة باستجابة النفس والوجدان لذلك الإيحاء، وتعتمد عملية الاستجابة للإيحاء على التجربة والثقافة والميل والشعور. فالإيحاء إحساس لطيف عميق يستشفه القارئ من نظم التعبير القرآني وفضاءاته الواسعة، فتنساب المشاعر كما في تعليق سيد قطب على قوله تعالى “وَالضُّحَىٰ. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ” (الضحى:1-3): (لقد أطلق التعبير جواً من الحنان اللطيف، والرحمة الوديعة، والرضاء الشامل والشجى الشفيف “ما ودّعك ربك وما قلى” ذلك الحنان، وتلك الرحمة، وذاك الرضى، وهذا الشجى تنسرب كلها من خلال النظم اللطيف العبارة، الرقيق اللفظ، ومن هذه الموسيقى السارية في التعبير، الموسيقى الرتيبة الحركات، الوئيدة الخطوات، الرقيقة الأصداء، الشجيّة الإيقاع، فلما أراد إطاراً لهذا الحنان اللطيف، ولهذه الرحمة الوديعة، ولهذا الرضى الشامل، ولهذا الشجى الشفيف، جعل الإطار من الضحى الرائق، ومن الليل الساجي، أصفى آنين من آونة الليل والنهار، وأشف آنين تسري فيهما التأملات). (قطب، 2004م، ص:125) الإيحاء بالمعاني نعني به قدرة اللفظة أو التّعبير على استدعاء دلالات إضافية وصور ذهنية غير مصرح بها في التّعبير بشكل مباشر، لكنها تُفهم ضمناً من خلال السياق، والجرس الصوتي، والخصائص المرتبطة باللفظ المستخدم، مما يثري النّص، ويمنحه عمقاً وتأثيراً ثقافياً وعاطفياً وفكرياً. فألفاظ اللغة العربية ليست مجرد رموز تشير إلى مفاهيم ثابتة محددة، بل هي تختزن إرثاً تاريخاً وثقافياً، وخبراتٍ بشريةٍ، وتجاربَ عاطفيةً، وسياقات متنوعة، لذلك تستمد اللفظة العربية من هذا الرصيد الضخم القدرة على إشعاع معانٍ غير مصرح بها، ونستطيع حصر مصادر تلك الإيحاءات المختلفة في جوانب لغوية وثقافية ونفسية. ويقول الدكتور عدنان حسين قاسم: (الإيحاء هو الطاقة المعنوية المتولّدة من البنية الفنيّة للصورة الاستعارية الجزئية في إطارها الكُلّي، وتعمل على توسيع رقعة الظلال التي تسبح فيها معاني الشاعر المُصَوَّرَة، وقد تتعدد معها مستويات الفهم والتفسير. ويستطيع التّصوير الاستعاري بما فيه من عناصر إيحائية، أن يعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ.) (قاسم،2000، ص:150) ومن نماذج الإيحاء الاستعارية في القرآن الكريم، قوله تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ) (الرحمن:21) فالاستعارة التصريحية في هذا التّعبير القرآني في لفظة (سَنَفْرُغُ)، والمستعار منه (المشبه المصرح به) الفراغ من عمل ما للشروع في عمل آخر، وهذا يدل على التفرغ الكلي لشيء ما بعد الانتهاء من شيء آخر، أو إخلاء الوقت والطاقة لمواجهة أمر معيّن. والمستعار له (المشبه المحذوف) قصد الله تعالى لحساب (الثقلين) الجن والأنس، ومجازاتهم على أعمالهم يوم القيامة، وإهلاك الكافرين منهم. والمعنى الجامع يعني الإقبال التام، والتركيز المطلق على أمر محدّد، والتفرغ له بشكل كامل لا يشغل عنه شيء آخر. وهذه الاستعارة البديعة تشع دلالات كثيرة تُكسبُ الآية القُرآنيّة أبعاداً متنوعة، منها: أنها توحي بأن الحق سبحانه وتعالى لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ، فقوله تعالى: (سَنَفْرُغُ لكم) لا يعني أنه كان مشغولاً قبل ذلك ثم سيتفرغ، حاشاه سبحانه! بل يوحي بأنّ الكون بكل أبعاده وتفاصيله تحت أمره وتدبيره، ومع ذلك فسيأتي وقتٌ يتجلى فيه قصد الحق سبحانه وتعالى المباشر لحساب الثّقلين، وكأنّ الأمر سينصبُّ عليهم وحدهم دون غيرهم، وهذا يوسّع معنى القدرة المطلقة. كما تفيد هذه الاستعارة بأن أفعال الثّقلين كانت تحت مراقبة الله وعلمه الدائم، وأن (الفراغ) هنا هو يعني إعلان لوقت المحاسبة الفاصلة. وكذلك تُرسّخ الاستعارة في هذه الآية أن فكرة المحاسبة ليست احتماليّة، بل هي أمر حتميّ ومقدّر، سيأتي وقت يُفرد فيه الحق سبحانه وتعالى أمره لهم. ويرسم أسلوب النداء في الآية الكريمة صورة ذهنية بأنهم محاصرون، وأن الأمر سيوجه إليهم وحدَهم فلا مكان للهربِ. وتتجلى المبالغة في هذه الاستعارة في عدة مستويات، مما يجعلها أشد وقعاً، فالحق سبحانه وتعالى يُخاطبُ الثّقلين بهذا الخطاب المباشر القوي (سَنَفْرُغُ لَكُمْ) تعني أنهم سيصبح حسابهم القضية المركزية، وهذا أبلغ في التهديد من مجرّد القول (سنحاسبكم)، فالتهديد هنا يأتي من خلال الإيحاء. كما تحمل الاستعارة دلالة التهديد بأن يوم الحساب هو يوم الفصل، حيث لا مجال للغفلة مما يثير في النفس الرهبة وشدة الخوف. وتدل نون العظمة في صيغة الفعل المضارع “سنفرُغُ لكم” على العظمة والكبرياء، كما يدل أسلوب التوكيد والتقرير على صدق الخبر، وتشير هذه الصياغة الدقيقة للفعل أن هذا الخبر صادر عن سلطة قاهرة مطلقة لا يحدها شيء. وبهذا التحليل يتضح لنا أن الاستعارة في “سَنَفْرُغُ لَكُمْ” تتجاوز المعنى الحرفي لتوسع دائرة الدلالة، وتحدثُ مبالغة مقصودة في التهديد والوعيد، مما يجعلها من أبلغ الآيات في التذكير بيوم الفصل. يقول الدكتور مجدي إبراهيم عن بلاغة الإيحاء: (فهذا “الإيحاء” هو سرٌّ الإعجاز الذي لا يقوى على فضِّ بكورته إنسان كائناً ما كان، ففيه تكمن الهداية إلى النور الإلهي، وفيه تكون الدلالة العملية في الفريضة المفروضة، وفيه القناعة التي تهدي العقل إلى العمل بأحكام الكتاب، وفيه التفسير الإشاري الذي يعلمه القادرون على استنباطه من أهل الذوق والمعرفة، فضلاً عمَّا هو كامنُ في الإيحاء من أسرار لا تحيطها مدارك المحجوبين.) (إبراهيم، الإيحاء، 2019م).
2- المبالغة (التبليغ):
قال أبو نصر الجوهري: (بالَغَ فلانٌ في أمري، إذا لم يقصِّر فيه.) (الجوهري، 1987م، بلغ)، يوضّح الجوهري أن المبالغة بذل أقصى درجات القدرة في التّعبير وعدم التقصير. وينعكس هذا المفهوم اللغوي على الدلالة الاصطلاحية للمبالغة كـتجاوز مُتعمّد لحدود المألوف في الوصف، لتحقيق أقصى درجات التأثير في المتلقي. وذكر ابن مَنظور أن المُبالغة، هي: (أَن تَبْلُغَ فِي الأَمر جُهْدَك.) (ابن منظور، 1414هـ، بلغ)، يُوضّح ابن منظور في تعريفه أن المبالغة لغةً تعني بلوغ أقصى درجات الفعل والقول. وهذا يُلقِي الضَّوء على أن أسلوب المبالغة البلاغية توجّه نحو الإفرَاط في القَول والوَصْفِ، بهدف إحداث أعلى درجات الإبهار والإعلاء والتّهويل، وذلك من خلال التصوير البياني. والمبالغة والتبليغ ضَربٌ من ضُرُوب التّعبير والبيان، تهدف إلى تصوير المعنى بطريقة تتخطي حدود المألوف والتقليد، أو هي تصوير الشيء بأكثر مما هو عليه لإثارة الدهشة بالإعجاب أو الاستنكار أو غير ذلك. ويرى أبو هلال العسكري أن المبالغة: (أن تبلغ بالمعنى أقصى غاياته، وأبعد نهاياته، ولا تقتصر في العبارة عنه على أدنى منازله وأقرب مراتبه.) (العسكري، 1419هـ، ص:365). يَنسجمُ تعريف أبي هلال العسكري للمبالغة مع ما ذكره ابن منظور والجوهري، لكنه يزيد تفصيلاً حول غاية المبالغة وما ينبغي اجتنابه في التّعبير خشية التقصير. فالمبالغة لدية سعيٌ واع واختياري نحو التضخيم، فيجب على الكاتب والشاعر ألا يكتفي بما هو معروف ومألوف من صور التّعبير، فالمبالغة مقصد لتجاوز حدود ما هو طبيعي. ويضيف الدكتور عبد الرحمن حبنكة الميداني: (والمبالغة أن يدّعي المتكلّم لوصفٍ ما أنَّه بلغ في الشدّة أو الضعف حدّاً مستبعداً أو مستحيلاً.) (حبنكة، 1996م، ص:2/450). فالمبالغة نوع من الاتساع في التّصوير اللفظي والمعنوي لزيادة وقع الكلام. وتتجلى المبالغة في صور وأساليب متعددة، منها: (التبليغ): وهي المبالغة الممكنة عقلاً وعادة. و(الإغراق): وهي المبالغة الممكنة عقلاً لا عادة. و(الغلو): وهي المبالغة غير الممكنة لا في العادة ولا في العقل.
والمبالغة في القرآن الكريم من أسمى أنواع المبالغة، لأنها لا تتجاوز حدود الواقع والحقيقة، بل تُوظف بيانياً لتعظيم شأن الخالق سبحانه وتعالى، وتصوير أهوال القيامة، وبيان انحراف البشر في العقيدة والسلوك، كما في قوله تعالى: “وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.” (البقرة:93)، وتتمثل الاستعارة في هذه الآية في هذا المقطع القرآني: “وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ” وسياق الحديث عن بني إسرائيل وتمرداتهم المتكررة عن أوامر الحق سبحانه وتعالى، ثم صناعتهم عجلاً من الذهب وعبادته. والنظم القرآني البديع لهذه الاستعارة لا يكتفي بإخبارنا بحبهم للعجل، بل يُجسّد هذا الحب، ويبلغ المشهد القرآني ذروته في المبالغة لتصوير تغلغل حبه في قلوبهم، فتنقل الاستعارة المكنية (الإشْراب) من دلالته الحسية إلى دلالة نفسية وعقدية. فالمستعار منه (المشبه به المحذوف) الماء أو السائل الذي يُشرب. والمستعار له (المُشبه): حب العجل أو عقيدة عبادة العجل. والقرينة الدالة “أُشْرِبُوا”. يقول الإمام الزمخشري: (وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) أي تَدَاخلهم حبه والحرص على عبادته كما يَتَداخل الثوب الصبغ، وقوله (فِي قُلُوبِهِمُ) بيان لمكان الإشراب كقوله: (إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارا)، و(بِكُفْرِهِمْ) بسبب كفرهم، بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ بالتوراة، لأنه ليس في التوراة عبادة العجاجيل. وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم، وكذلك إضافة الإيمان إليهم (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم له.) (الزمخشري، 1987م، ص:1/166) وتتمثل الأبعاد الدلاليّة لهذه الاستعارة المكنية في عدد من الجوانب، منها: استخدام الفعل “أُشْرِبُوا” الذي يصور تغلغل حب العجل في نفوسهم. فكما يتغلغل الماء المُشروب في كل خلية من خلايا الجسد ويمتزج بها، كذلك هذا الحب تغلغل في أرواحهم وعقيدتهم حتى أصبح جزءًا لا يتجزأ من كيانهم الداخلي. ويتمّ الشّرب عادة برغبة وطواعية لإرواء الظمأ، وهذا يُوحي بأن حبهم للعجل لم يكن مفروضًا عليهم، بل كان نابعًا من رغبة داخلية جامحة وميل قلبي دفعهم إليه، مما يُوضّح كمال انقيادهم لهذا الضلال. وتحديد “في قلوبهم” يزيد المبالغة دهشة، لأن القلب مركز الإيمان والعقيدة والوعي، واستقرار حب العجل في القلب بهذه الطريقة الحسية يُدلل على أنه لم يكن انحرافًا عارضًا أو ذلةً عابرة، بل عقيدة راسخة ومتأصلة يصعب انتزاعها، كأنها داء مزمن استشرى في أعماقهم. كما أن مشهد هذه الاستعارة يُصور الفتنة الروحية بالعجل إلى درجة من العشق والافتتان، كأنها شهوة يُروى بها ظمأ الروح، مما يُبرز مدى الضلال الذي وصلوا إليه. وتُحقق هذه الاستعارة بلفظها الوجيز أقصى درجات المبالغة المقبولة بلاغياً، فهي لا تصف مجرد حب أو عبادة، بل تُقدم صورة مُخيفة لعقيدة تشرّبها الوجدان، وسرت في النفوس حتى غدت جزءًا من كيانهم يصعب فصلها أو التّخلص منها، مما يُبرز مدى عظم جريمتهم وفساد جوهرهم العقدي. ويوضّح العلامة عبد القاهر الجرجاني أن الاستعارة تثري المعنى من خلال التّصوير والمبالغة، حيث يقول: (ومثاله قولنا: رأيت أسداً، وأنت تعني رجلاً شجاعاً، وبحراً، تريد رجلاً جواداً، وبدراً وشمساً، تريد إنساناً مضيء الوَجْه متهَلّلاً، فقد استعرت اسم الأسد للرجل، ومعلومٌ أنك أفدت بهذه الاستعارة ما لولاها لم يحصل لك، وهو المبالغة في وصف المقصود بالشجاعة، وإيقاعُك منه في نفس السامع صورة الأسد في بطشه وإقدامه وبأسه وشدّته، وسائر المعاني المركوزة في طبيعته، مما يعود إلى الجرأة، وهكذا أفدت باستعارة البحر سَعَته في الجود وفَيْضَ الكفّ، وبالشمس والبدر ما لهما من الجمال والبهاء والحسن المالئ للعيون الباهر للنواظر). (الجرجاني، أسرار البلاغة، ص:33) يُؤكد عبد القاهر الجرجاني في حديثه أن الاستعارة أداة بلاغية تهدف إلى المبالغة في الوصف ورسم صورة ذهنية مؤثرة في نفس السامع، وهذا ما يتجلى بوضوح في قوله تعالى: “وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ” فالقرآن الكريم لم يكتفِ بذكر “حب العجل”، بل استعار له الفعل “وأُشْربوا”؛ ليُبالغ في تصوير تغلغل هذا الحب وامتزاجه بقلوبهم، وهذه الاستعارة تُحقق تمامًا ما أشار إليه عبد القاهر الجرجاني، إذ تُعزز المعنى بأسلوب يتجاوز الوصف المباشر.
3- دقة التّعبير القرآني:
يقول أبو سليمان الخطابي: (ثم اعلم أن عمود هذه البلاغة التي تجتمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به، الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه إمّا تبدل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام، وإما ذهاب الرّونق الذي يكون معه سقوط البلاغة). (الخطابي، ثلاث رسائل، ص:29). تُعدّ العبارة القُرآنيّة معجزة في دقتها، وإحكام نظمها، فليست بها كلمة زائدة، ولا حرف يمكن الاستغناء عنه، فكل لفظة وُضعت في موضعها بعناية فائقة لتُؤدي معنًى دقيقاً وتُثير إيحاءً عميقاً، وتُشكّلُ جزءاً لا يتجزأ من نسيج بلاغي، (فكل لفظة وُضعت لتؤدي نصيبها من المعنى أقوى أداء، ولذلك لا تجد في القرآن ترادفاً، بل فيه كل كلمة تحمل إليك معنى جديداً). (بدوي، 2005م، ص:51). ويتجلى حرص القرآن الكريم في دقة استخدام الألفاظ، في قوله تعالى: “قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ.” (الحجرات:14)، فقد نبّه القرآن الكريم الأعرابَ أن يلتزموا الدقة في التّعبير فيقولوا (أسلمنا) بدلا من قولهم (آمنّا)، وقد لا يكتف التّعبير القرآني بانتقاء الألفاظ الدقيقة بل يصوّب استخدام بعض الألفاظ التي وردت على ألسنتهم، مثل قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (البقرة:104) وهذه الدقة حقيقة يقينية تتعلق بجوهر البيان القرآني المعجز، (فكلُّ لفظٍ مختارٌ اختياراً خاصّاً، وهو يؤدي وظيفتَه في الصّياغة الأسلوبيّة، وفي تقريرِ المعنى، بحيثُ لا ينوبُ عن لفظٌ آخر، ولا يكونُ زائداً أو حشواً أو ملغى). (الخالدي، 2000م، ص:172). فألفاظ القرآن وعباراته وأساليبه خيوط من نور نزلت متسقة متكاملة لتضيء أرجاء الكون. يقول الدكتور فاضل السامرائي عن دقة ألفاظ القرآن الكريم وأساليبه وسياقاته وسوره: (إن كل كلمة بل كل حرف في القرآن وُضع وضعاً فنياً مقصوداً في غاية الدقة والجمال، إن القرآن كله حشد فني متكامل، ونود أن نبيّن أنه قد يُراعى في اختيار التّعبير أموراً عديدةً، وجوانب كثيرة، فقد يُراعَى السياق الذي ورد فيه التّعبير، والسورة التي فيها السياق، والسياقات الأخرى التي يرد فيها تعبير مقارب لهذا التّعبير، والسور الأخرى التي فيها مواطن تعبيرية متشابهة أو مختلفة، فهو قد يراعي في تعبير السورة الواحدة وبنائها؛ تعبير جميع السور الأخرى من القرآن الكريم وبناءها) (السامرائي، 2006م، ص:252)
– وفي قوله تعالى: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة:250) تشتمل هذه الآية على استعارة مكنية، المشبه: الصبر (وهو معنى مجرد)، والمشبه به محذوف (الماء أو سائل) يفرغ بكميات غزيرة، والقرينة الدالة (اللازمة) الفعل (أفرغْ) الذي يُنسب إلى الصبر. في هذه الاستعارة الكريمة شبه الحق سبحانه وتعالى (الصبر) بسائل غزير كالماء يُمكن إفراغه أو صبّه، ثم حذف المشبه به (السائل الغزير) ورمز له بشيء من لوازمه وهو الفعل (أفرغ). وتتمثل الدقة في ألفاظ القرآن الكريم باختيار لفظة (أفرغ) التي لا تعني (أعطنا) أو (أنزل علينا) بل تُفيد الصبَّ الغزير المتواصل الذي يغمر الإنسان. كأنهم كانوا يطلبون صبراً يملأ قلوبهم وأرواحهم وأنفسهم، فلا يبقى فيهم متسع لشيء غيره. ويُشير سياق الآية إلى حجم التحدي الذي يواجهونه (جالوت وجنوده)، وأن الصبر العادي لن يكفيهم. فهم يطلبون صبراً يفوق طاقتهم البشرية المعتادة، صبراً يتدفق في عروقهم، ويغمر كل كيانهم، ويتدفق عليهم من فوق ليغمرهم بالكامل، صبراً لا يترك فيهم مجالاً للضعف والتخاذل، وهذا الصبر ينسجم تماماً مع الطلب الذي يليه (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) فالصبر المفرغ هو أساس الثبات، وتُشير دقة الصياغة إلى الصلة بين الصبر والثبات. وتجسيد الصبر المجرد في مادة محسوسة تُصبّ وتُفرغُ هذا ما يساعد المتلقي على تصور الصبر بصورة ملموسة مرئية كأنه درع يحصّن صاحبه من الخوف. وهذا ما يجعل المعنى أكثر إثارة للخيال ووقعاً في النفس.
يقول العلامة محمد بن عاشور: (“وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً” هَذَا دُعَاؤُهُمْ حِينَ اللِّقَاءِ بِطَلَبِ الصَّبْرِ مِنَ اللَّهِ، وَعَبَّرُوا عَنْ إِلْهَامِهِمْ إِلَى الصَّبْرِ بِالْإِفْرَاغِ اسْتِعَارَةً لقُوَّة الصَّبْر فَإِن الْقُوَّة وَالْكَثْرَةِ يَتَعَاوَرَانِ الْأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَيْهِمَا، فَاسْتُعِيرَ الْإِفْرَاغُ هُنَا لِلْكَثْرَةِ مَعَ التَّعْمِيمِ وَالْإِحَاطَةِ وَتَثْبِيتِ الْأَقْدَامِ اسْتِعَارَةً لِعَدَمِ الْفِرَارِ شِبْهِ الْفِرَارِ وَالْخَوْفِ بِزَلَقِ الْقَدَمِ، فَشَبَّهَ عَدَمَهُ بِثَبَاتِ الْقَدَمِ فِي الْمَأْزِقِ.) (ابن عاشور، 1984م، 2/499) كما أنّ عبارة (أفرغ علينا صبراً) تدل على الخضوع والذل والتضرع الصادق لله سبحانه وتعالى بعد أن جمعوا ما في وسعهم من عدة وعتاد. ويعزز هذا التضرع لله سبحانه وتعالى قوة إيمانهم وثقتهم في الله عز وجل في وقت الشدة، وأنه سيمدهم بقوة لا تُقهر. فالاستعارة في قوله تعالى (أفْرِغْ عَليناَ صَبْراً) صورة فنية متكاملةٌ، تُجسّد عمق الحاجة، وشمولية الطلب، وثبات الأمر، كل ذلك بلغة تُلامس الوجدان وتُثير الخيال، وتُعلي من قدر الصبر كقوة إلهية تُمكِّن المسلمين من الانتصار، والنّصر في جوهره وكنهه عطاء إلهي ومنحة ربانية لا تتنزّل إلا على القلوب التي أعدّت عدّتها، وأحكمت عتادها، واجتهدت في الأسباب، ثم توكّلت على خالق الأسباب.
4- التّناسق والانسجام:
يقول الأستاذ الرافعي عن انسجام ألفاظ القرآن الكريم، (أما ألفاظ هذا الكتاب الكريم فهي كيفما أدرتها وكيفما تأملتها، وأين اعترضتها من مصادرها أو مواردها ومن أي جهة وافقتها فإنك لا تُصيب لها في نفسك ما دون اللذة الحاضرة والحلاوة البادية، والانسجام العذب، وتراها تتساير إلى غاية واحدة وتسنح في معرض واحد، ولا يمنعها اختلاف حروفها وتباين معانيها وتعدد مواقعها من أن تكون جوهراً واحداً في الطبع والصّقل وفي الماء والرّونق كأنما تَتَلامَح بروح حيّةٍ ما هو إلا أن تتصل بها حتى تمتزج بروحك وتخالط إحساسك، فلن تكون معها إلا على حالة واحدة). (الرافعي، 1928م، ص:319) يُقدم الرافعي في النّص السابق وصفًا جميلاً لانسجام ألفاظ القرآن الكريم، مُتجاوزًا الجانب الشكلي اللغوي ليصف تأثير القرآن الروحي والنفسي على المتلقي. فميزة الانسجام جوهرية في القرآن الكريم في كل ألفاظه وتراكيبه وأساليبه ونظمه وإيقاعه، وتأثير القرآن الكريم يلامس الحس الإنساني فيحدث (حلاوة) ويلامس الوجدان فيحدث (لذة)، وانسجامه (العذب) يكسبه بعداً جماليا إذ ينسكب في النفس بسهولة ويسر. ويرى الرافعي أن ألفاظ القرآن الكريم ليست كلمات بل هي جواهر ذات روح حيّة متسقة منسجمة مع بعضها، كما تتسق وتنسجم وتتفاعل مع روح ومشاعر من أقبل عليها بصدق ورغبة.
وقضية الاتساق والانسجام من القضايا المهمة التي تهتم بها اللغة العربية وتراعيها في أساليبها الجماليّة والدلاليّة، ونعني بالتّناسق والانسجام في هذا المقام أن العلاقة بين المشبه والمشبه به، وبين الاستعارة وسياقها العام تتسم بالاتساق والاتفاق، بحيث لا يوجد تعارض أو تنافر في المعاني أو الصور، (وقديماً قال القدماء وأصابوا: إنّ لكل كلمة مع صاحبتها مقاماً) (بدوي، 2005م، ص:5) فالاستعارة تعزز المعنى الكلي للآية والسورة، وتضيف إليه عمقاً وتماسكاً. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ). (يس:37) وتأتي هذه الآية الكونية العظيمة التي تصف سلخ النهار من الليل بعد قوله تعالى: “سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ” (يس:36) تلك التسبيحة التي انطلقت في وقتها وفي موضعها؛ لترتسم لنا حقيقة ضخمة من حقائق هذا الوجود، حقيقة وحدة الخلق، ووحدة القاعدة والتكوين. فقد خلق الله سبحانه الأحياء أزواجاً، والنبات فيها كالإنسان، وهذه الوحدة تدل على القدرة العظيمة المبدعة، التي أوجدت قاعدة الخلق مع اختلاف الأشكال والأحجام والأنواع والأجناس والخصائص والسمات. وننتقل من تلك الأرض الميتة التي تنبثق منها الحياة إلى آية السماء وما يتعلق بها من ظواهر يراها العباد رأى العين. وتتمثل الاستعارة التصريحية في هذه الآية الكريمة في لفظة (نسلخ)، والمستعار منه (المشبه به المصرح به) عملية سلخ الجلد عن الذبيحة أو الحيوان. والمقصود هنا هو الفعل الدال على الفصل والإزالة. والمستعار له (المشبه المحذوف) عملية إزالة ضوء النهار، وكشف ظلمة الليل. والعلاقة الجامعة التجريد والإزالة والكشف الذي يكشف ما كان مخفياً، فكما يُسلخ الجلد فتنكشف اللحوم، كذلك يُسلخ النهار فتنكشف الظلمة. والقرينة الليل والنهار، وهما الكلمتان اللتان تمنعان المعنى الحقيقي للسلخ وتوجهان الذهن نحو المعنى المجازي. ويمثل التّناسق الدلالي في أن فعل السلخ يحمل دلالة القوة والتمام والإزالة الكاملة التي لا تترك شيئا من المسلوخ. وهنا يتسق هذا الفعل تماما مع عظمة الله سبحانه وتعالى وقدرته المطلقة في إزالة نور النهار بظلام الليل بشكل كامل وشامل وعجيب، وهنا لا يوجد تنافر بين الفعل العنيف نسبياً (السلخ) الذي يشير إلى قدرة مطلقة، وبين الظاهرة الكونية العظيمة التي تتم بدقة ونظام. وتثير هذه الاستعارة (السلخ) في الذهن صورة حسية قوية محكمة لعملية التجريد والإزالة. وكما يُنزع الجلد ويُسلخ عن الشيء لينكشف ما تحته، كذلك يُنزع ضوء النهار الأبيض عن الوجود لتظهر حقيقة الليل بظلامه الأسود الدامس. وعندما يسمع المتلقي (نَسْلَخُ مِنهُ النّهَارَ) فإنه لا يتخيّل غروب الشمس فقط، بل يتخيل قوة هائلة تسحب ضوء النهار بإتقان وبراعة وتترك وراءه ظلمة الليل. وهذا التّخييل القوي يتسق مع كون الليل آية عظيمة من آيات الله الدالة على قدرته المطلقة. ويتكامل هذا المشهد الاستعاري الضخم مع سياق الحديث عن آيات الله الكونية الدالة على وحدانيته وقدرته، فبعد ذكر الأرض الميتة التي تًحيَا يأتي ذكر الليل الذي يُسلخُ من النهار، مما يدفع للتأمل في عظمة الله الخالق، فدلالة الاستعارة لا تنحصر في حدود اللفظ، بل تتناغم مع الغاية الكبرى للآيات في إثبات قدرة الله وعظمته. (والتّعبير القرآني عن هذه الظاهرة، في هذا الموضع، تعبير فريد. فهو يصور النهار متلبساً بالليل؛ ثم ينزع الله النهار من الليل فإذا هم مظلمون. ولعلنا ندرك شيئاً من سر هذا التّعبير الفريد حين نتصور الأمر على حقيقته. فالأرض الكروية في دورتها حول نفسها في مواجهة الشمس تمر كل نقطة منها بالشمس، فإذا هذه النقطة نهار، حتى إذا دارت الأرض وانزوت تلك النقطة عن الشمس، انسلخ منها النهار ولفها الظلام، وهكذا تتوالى هذه الظاهرة على كل نقطة بانتظام. فهو تعبير مصور للحقيقة الكونية أدق تصوير). (قطب، 2003م، ص:5/2968)
5- التّنوع والتّجديد:
وقد أطلق الأستاذ الباحث حمزة بوخزنة على هذه السّمه مصطلح (التشبع الدلالي) إذ يقول: (وتُعدّ هذه الميزة من المظاهر الإعجازية التي تتميّز بها المُفردة القُرآنيّة، فكل كلمة في القرآن الكريم لها من عمق الدلالة ما يجعلها ذات مساحة واسعة، وذات عمق لا تبلغ مداه العقول، وذلك ان المُفردة القُرآنيّة مشبعة بالمعاني والدلالات المركوزة في داخل بنيتها كلفظة ضمن نص إلهي غير متناهي الدلالات). (بوخزنة، 2014م، ص:42)، ومن أمثلة التّنوع والتجدد في دلالات ألفاظ القرآن الكريم ما أشار سيد قطب في حديثة عن قوله تعالى: “وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا” (النساء:21). يقول سيد قطب: (ويدع الفعل “أفضى” بلا مفعول محدد. يدع اللفظ مطلقا، يشع كل معانيه، ويلقي كل ظلاله، ويسكب كل إيحاءاته. ولا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته. بل يشمل العواطف والمشاعر، والوجدانات والتصورات، والأسرار والهموم، والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب. يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة إناء الليل وأطراف النهار، وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان. وفي كل اختلاجة حب إفضاء. وفي كل نظرة ود إفضاء. وفي كل لمسة جسم إفضاء، وفي كل اشتراك في ألم أو أمل إفضاء. وفي كل تفكر في حاضر أو مستقبل إفضاء. وفي كل شوق إلى خلف إفضاء. وفي كل التقاء في وليد إفضاء. كل هذا الحشد من التصورات والظلال والأنداء والمشاعر والعواطف يرسمه ذلك التّعبير الموحي العجيب: “وقد أفضى بعضكم إلى بعض”. فيتضاءل إلى جواره ذلك المعنى المادي الصغير، ويخجل الرجل أن يطلب بعض ما دفع، وهو يستعرض في خياله وفي وجدانه ذلك الحشد من صور الماضي، وذكريات العشرة في لحظة الفراق الأسيف!). (قطب، 2003م، ص:606-607). وعندما يستخدم القرآن الكريم الاستعارة لا يقتصر استخدامها على جمال الصورة، بل لغاية أعمق هي التّنوع والتّجديد في الدلالة والمعنى، فالكلمة الواحدة تكتسب أبعاداً جديدة مختلفة في كل مرة تُستخدم فيها استعارياً، مما يُثري النّص ويمنحه عمقاً لا ينضبُ، وهذا التّنوع الدلالي يكسر رتابة التّعبير المباشر ويجعل المعنى أكثر رسوخاً وإبهاراً في الذهن. يقول عبد القاهر الجرجاني: (ومن الفضيلة الجامعة فيها (الاستعارة) أنها تُبرز هذا البيان أبداً في صورة مُستجَدَّةٍ تزيد قَدرَه نُبْلاً، وتوجب له بعد الفضلِ فضلاً، وإنَّكَ لَتِجِدُ اللفظة الواحدة قد اكتسبتَ بها فوائد حتى تراها مكرّرة في مواضعَ، ولها في كل واحد من تلك المواضع شأنٌ مفردٌ، وشرفٌ منفردٌ، وفضيلةٌ مرموقة، وخِلاَبةٌ موموقة.) (الجرجاني، اسرار البلاغة، ص:42) يُقدم الجرجاني هنا تصويراً دقيقاً آسراً للاستعارة ووظيفتها الدلاليّة في إثراء المعاني مما يجعلها أداة مهمة بين فنون علم البيان، ويرى الجرجاني أن من فضيلة الاستعارة أنها تُقدم المعنى بصورة خلاقة نابضة مبتكرة تحافظ على حيوية المعنى، وتُعلي من شأنه الجمالي والدّلالي، وتُكسبه ألقاً وجاذبية وعمقا، وذلك من خلال كثرة تأويلاته وتعدد مستويات فهمه.
وفي قوله تعالى: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). (الأنعام:122) تصور هذه الآية القُرآنيّة طبيعة الهدى والإيمان، وتعبر بهذه الإيقاعات التّصويرية تعبيراً حقيقياً واقعياً عن حقيقة واقعية كذلك، لكنها حقيقة روحية وفكرية. لقد اشتملت هذه الآية القُرآنيّة على مجموعة من الاستعارات التصريحية، (ميْتاً) استعارة تصريحية عن الكافر أو الضّال، (فَأحْييناَهُ) استعارة تصريحية عن هدايته بالإيمان والعلم، و(نُوراً) استعارة تصريحية عن الإيمان والهداية، و(الظّلُمات) استعارة تصريحية عن الكفر والضّلال. ففي الآية السابقة التي تناولناها من قبل، قوله تعالى: (الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ). (إبراهيم:1) كانت (الظلمات) و(النور) تشيران إلى الضّلال والهدى بشكل عام، أو (الكفر) و(الإيمان) في سياق الرسالة الإسلامية الخاتمة، ولكن في هذه الآية: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) يُضاف إلى (الظلمات) و(النور) أبعاد جديدة تجدد دلالة التّعبير، فـ (ميتاً) و(أحييناه) تجدد الدلالة بتقديم صورة الحياة والموت الروحانيين. فالكفر والجهل ليس مجرد ظلام بل (موت) روحي، والإيمان والعلم ليس مجرد (نور) بل (إحياء) للنفس والروح. وهنا تتكامل الصورة لتبيّن أن (الظلمات) هي حالة من (الموت) الروحي، وأن النور هو (إحياء) من هذا الموت، وان المشي بالنور بين الناس يدل على الاستنارة الظاهرة، والتأثير الإيجابي في المجتمع. فاستعارة الموت للكفر في قوله تعالى: “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا” تدل على أن الكفر: انقطاع عن الحياة الحقيقية الأزلية الأبدية، وانعزال عن القوة الفاعلة المؤثرة في الوجود كله، وانطماس في أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية، فهو موت. وأن الكفر حجاب للروح عن الاستشراق والاستشراف والاطلاع، وختم على الجوارح والمشاعر، وتيه في التيه وضلال. فهو ظلمة. وأن الكفر انكماش وتحجر، فهو ضيق. وشرود عن الطريق الفطري الميسر، فهو عسر. وحرمان من الاطمئنان إلى الكنف الآمن، فهو قلق.) (قطب، 2003م، ص:3/1200) واستعارة الحياة للإيمان في قوله تعالى: “فَأَحْيَيْنَاهُ” تدل على أن الإيمان: (اتصال، واستمداد، واستجابة، فهو حياة. وتفتح ورؤية، وإدراك واستقامة، فهور نور. وانشراح، ويسر، وطمأنينة، وظل ممدود. وصلة بالله، وصلة في الله، لتصل الفرد الفاني بالأزل القديم والأبد الخالد. ثم تصله بالكون الحادث والحياة الظاهرة، ثم تصله بموكب الإيمان والأمة الواحدة الضّاربة في جذور الزمان الموصولة على مدار الزمان. فهو في ثراء من الوشائج، وفي ثراء من الروابط. وفي ثراء من الوجود الزاخر الممتد اللاحب، الذي لا يقف عند عمره الفردي المحدود.) (قطب، 2003م، انظر:3/1200) فالقرآن الكريم يجدد معنى (الظلمات) و(النور) عبر ربطهما بمفهومي (الموت) و(الحياة) الروحية، مما يثري الدلالة ويجعلها تتجاوز مجرد المقابلة بين الهدى والضلال إلى تصوير حالة وجودية أعمق للإنسان.
6- الإيجاز البلاغي:
الإيجاز البلاغي في القرآن الكريم ظاهرة فنية وبلاغية رفيعة المستوى، تُشكل أحد أهم وجوه الإعجاز القرآني. ولا يقتصر الإيجاز على مجرد الاختصار اللفظي، بل هو فن في التّعبير يهدف إلى إيصال أكبر قدر من المعاني والدلالات بأقل عدد من الألفاظ والتراكيب، مع الحفاظ على وضوح المعنى وعمقه وجمال الأسلوب. وقد عرّف أبو الحسن الرّماني (ت386ه) الإيجاز بقوله: (الإيجاز تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى، وإذا كان المعنى يُمكن أن يُعبّر عنه بألفاظ كثيرة، ويُمكن أن يُعبّر عنه بألفاظ قليلة، فالألفاظ القليلة إيجاز، والإيجاز على وجهين: حذفٌ، وقِصَرٌ. فالحذف إسقاط كلمة للاجتزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام، والقِصَر بنية الكلام على تقليل اللفظ). (الرّماني، النكت، ص:76) وقال أبو هلال العسكري في تعريف إيجاز القِصَر: (فالقِصَر تقليل الألفاظ، وتكثير المعاني) (العسكري، 1952م، ص:180)، ومما أورده أبو هلال العسكري في تفضيل الإيجاز، قول جعفر بن يحيى لكتّابه: (إن قدرتم أن تجعلوا كتبكم توقيعات فافعلوا)، وقول أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: (ما رأيت بليغا قطّ إلّا وله في القول إيجاز، وفى المعاني إطالة). (العسكري، 1952، ص:179)، كما وضّح أبو هلال العسكري فضل الإيجاز في القرآن الكريم من خلال مقارنة عقدها بين قوله تعالى: ” وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ” (البقرة:179) وقول العرب: (القتل أنفى للقتل) ثم قال: (فصار لفظ القرآن فوق هذا القول لزيادته عليه في الفائدة، وهو إبانة العدل لذكر القصاص، وإظهار الغرض المرغوب عنه فيه لذكر الحياة، واستدعاء الرّغبة والرّهبة لحكم الله به ولإيجازه في العبارة، ولبعده من الكلفة بالتكرير) (العسكري، 1953م، ص:180)، ويقول الدكتور مختار عطية: (لم يتكلم البلاغيون قديمهم ومحدثهم في بلاغة آية من حيث حسنها وبلاغتها وفضلها على سائر الكلام كما تحدّثوا عن هذه الآية (آية القِصاص)، لما تحويه من قليل لفظ وكثير معنى، فهي آية في الإيجاز، وقلادة إيجاز القِصَر بخاصة). (عطية، 1995م، ص:231). ويتحقق الإيجاز في القرآن بعدة صور، منها: حذف ما يدل عليه السياق، والاستعارة والكناية والمجاز، والعموم بعد الخصوص والخصوص بعد العموم، والإشارة اللطيفة، والتكثيف الدلالي للألفاظ. والإيجاز في القرآن الكريم نعني به العمق في الدلالة، والقدرة الفائقة على إيصال المعاني الكثيرة بأقصر الطرق وأبلغ العبارات، مما يجعله صفة دلاليّة محورية تُثري النّص القرآني وتُعزز من إعجازه. وتجمع الاستعارة المكنية بين الإيجاز والتكثيف في دلالتها، وتُضيف إلى النّص القرآني جمالاً فريداً، وتكمن قوة الاستعارة المكنية في قدرتها على الإيحاء بالمعاني بأقل عدد من الكلمات، مما يُثير الذهن ويُعمّق الفهم. ففي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). (التحريم:8) نجد أن عظمة الإيجاز تتجلى في هذا التّعبير القرآني من خلال الاستعارة المكنية في قوله تعالى: (نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ)، وتتمثل أركان الاستعارة في المستعار منه (المشبه به المحذوف) هو الإنسان المسلم الذي يسعى ويتحرك، والمستعار له (المشبه): هو النور، والقرينة الدالة الفعل “يَسْعَىٰ” فالسعي هو صفة الإنسان والكائنات الحية، وليس صفة للنور بذاته. ولتوضيح كيفية تحقيق الإيجاز من خلال هذه الاستعارة نود أن نَستعرض طبيعة الاستعارة وكيفية إحداثها للتكثيف الدلالي، فالاستعارة في جوهرها تشبيه حُذف أحد طرفيه (المشبه أو المشبه به)، وهذا الحذف نفسه يُعد إيجازًا لفظيًا. فبدلًا من أن نذكر المشبه والمشبه به ووجه الشبه وأداة التشبيه في سياق واحد، نكتفي بذكر طرف واحد وقرينة تدل على الآخر. والإيجاز في الاستعارة لا يعني الاختصار في الألفاظ، بل هو تكثيف في المعاني والدّلالات كذلك، فالاستعارة المكنية تُحرك الذهن ليربط بين المشبه والمشبه به المحذوف، وهذا الربط يَحمل دلالات ضمنية كثيرة لا يمكن التّعبير عنها باللفظ الصريح إلا بجمل طويلة. إضافة إلى ذلك فالإيجاز الناتج عن الاستعارة يُحفز المتلقي على التفكير والتأمل في العلاقة بين المستعار له والمستعار منه، وهذا الإعمال الذهني يُثري عملية التلقي، ويجعل المعنى أكثر رسوخًا وتأثيرًا، لأنه لم يُقدم المعنى واضحا مباشراً بل يٌستنتج استنتاجاً، وهذا التفاعل هو جزء من الدلالة. وإذا نظرنا إلى بنية الاستعارة ونظمها نجد أن القرآن الكريم قدّم الاسم (النور)، على الفعل (يسعى) في سياق يصف حال المؤمنين، “نُورُهُمْ يَسْعَىٰ”، وذلك لأن التّعبير القرآني يخبرنا عن حقيقة ملازمة للمؤمنين في ذلك اليوم، فالنور ليس شيئًا عارضًا يأتيهم ثم يزول، بل هو جزء لا يتجزأ منهم، وصفة من صفاتهم المميزة في يوم القيامة، قال برهان الدين البقاعي: (أيْ سَعْيًا مُسْتَمِرَّ التَّجَدُّدِ، وعَلى التَّفْسِيرِ الآخَرِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ حاليّة، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا) (البقاعي، 1984م، ص:20/203) وهذه الدلالة على الثبوت والتأكيد هي جوهر ما تُفيده الجملة الاسمية. وقوله تعالى: “نُورُهُمْ” بإضافة النور إلى ضمير الغائبين (هم) العائد على المؤمنين، يُشير إلى أن هذا النور مُكتسب من إيمانهم وأعمالهم الصالحة في الدنيا. فهو نور ينبع من ذواتهم بفضل أعمالهم. وعندما تُركز الآية على (نُورهم) ككيان ثابت وملازم لهم، تُرسّخ في قلوب المؤمنين اليقين بأن هداية الله لن تخذلهم، وأن طريقهم مُضاء، مما يُضفي على المشهد شعورًا بالأمان والراحة النفسيّة في ذلك يوم العصيب. وهم في رهبة ذلك الموقف وشدته يلهمون الدعاء الصالح بين يدي الله: (يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا، واغفر لنا، إنك على كل شيء قدير). وإلهامهم هذا الدعاء في هذا الموقف الذي يُلجم الألسنة ويُسقط القلوب، هو علامة الاستجابة. فما يلهم الله المؤمنين هذا الدعاء إلا وقد جرى قدره بأنه سيستجيب. فالدعاء هنا نعمة، يمن بها الله عليهم، تُضاف إلى منة الله بالتكريم وبالنور. يقول الزمخشري: (فأولئك الذين يقولون “رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا” فإن قلت: كيف يشفقون والمؤمنون آمنون، “أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ”. “فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ”، “لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَر”ُ، كيف يتقربون وليست الدار دار تقرّب؟ قلت: أما الإشفاق فيجوز أن يكون على عادة البشرية، وإن كانوا معتقدين الأمن. وأما التقرّب فلما كانت حالهم كحال المتقربين حيث يطلبون ما هو حاصل لهم من الرحمة: سماه تقرّبا). (الزمخشري، 1987م، 4/570).
7- توكيد المعاني:
توكيد المعنى في القرآن الكريم ركن أساسي في إيصال الرسالة الإلهية بكل قوة ووضوح، بحيث لا يبقى في نفس المتلقي شك أو تردد في المراد. ويهدف التوكيد إلى ترسيخ الفكرة، ودفع الإنكار والشك، وتقرير الحكم في نفس السامع والقارئ. فالقرآن الكريم، بصفته كلام الله المعجز، يستخدم صورًا متعددة من التوكيد لإحكام معانيه وتثبيت حقائقه، ومن هذه الصور: التوكيد اللفظي، والتوكيد المعنوي، والمفعول المطلق المؤكد للفعل، وأدوات التوكيد (حروف التوكيد)، ولام الابتداء، ونونا التوكيد، وقد ولقد، وتقديم ما حقة التأخير، والقسم. ولتحليل الأبعاد الدلاليّة وتوكيد المعنى في قوله تعالى: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ). (سبأ:19) وتتمثل الاستعارة في قوله تعالى: (وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) وتأتي الاستعارة في سياق الحديث عن مصير قوم سبأ، وقد كانوا على عهد الملكة التي ورد خبرها في سورة النمل مع سليمان عليه السلام، وكان لها مُلك عظيم، وتعيش في خير عميم. وتقع أحداث هذه القصة بعد إسلام الملكة لله رب العالمين؛ وتحكي الآية ما حل بقوم سبأ بعد كفرهم بالله وإعراضهم عن العمل الصالح وشكر النعمة. وهذه الاستعارة البليغة ليست مجرد إخبار عن حدث، بل تحمل أبعادًا دلاليّة عميقة وتوكيدًا قويًا للمعنى. ولفهم نوع الاستعارة يجب أن نحدد أركانها والقرينة التي تصاحبها، فالمستعار منه (المشبه به): التمزيق الحسي لشيء مادي (مثل القماش أو الورق) وهو أمر حسي معروف. و(المستعار له (المشبه): تشتت وتفرق قوم سبأ وفساد أحوالهم. هذا معنى حسي ومعنوي. والعلاقة هي المشابهة بين التقطيع والتشتيت الحسي، والتفرق والضياع الحسي والمعنوي معاً. والقرينة “مَزَّقْنَاهُمْ” (بصيغة الجمع) و”كُلَّ مُمَزَّقٍ” (التي تدل على الشمولية والتوكيد)، وهذه القرينة لفظية. ونوع الاستعارة (تصريحية تبعية مجرّدة)، تصريحية: لأن المستعار منه (المشبه به) وهو التمزيق الحسي، قد صُرح به في اللفظ “مزّقناهم”، و(تبعية) لأن المستعار فيها فعلاً (مزّقْنَاهُمْ)، و(مُجرّدة) لأن العبارة التي ذكرت بعد الاستعارة التصريحية وهي “كُلَّ مُمَزَّقٍ” تُناسب المستعار له (أي تشتت قوم سبأ وضياعهم) أكثر مما تناسب المستعار منه (التمزيق الحسي لشيء مادي). فعبارة “كُلّ مُمَزّق” تُؤكّد التّفرق والضّياع الذي لحق بقوم سبأ كمجتمع إنساني، وهذا يُعد من ملائمات المستعار له. ويكمن توكيد المعنى في هذه الاستعارة في عدة جوانب، منها: استخدام المصدر المفعول المطلق المؤكد للفعل “مُمَزَّقٍ” بعد الفعل “مَزَّقْنَاهُمْ” يضفي قوة وتوكيدًا على حدوث الفعل وشدته. فكأن الله تعالى يقول: “مزّقناهم تمزيقًا شديدًا كاملاً”، مما لا يدع مجالًا للشك في تحقق التشتت والخراب والدّمار. وكلمة “كُلَّ”: التي وردت قبل المصدر المؤكد “مُمَزَّقٍ” تزيد من توكيد المعنى. فهي تعني أن التمزيق طالهم من كل جانب وفي كل صورة ممكنة، مما يجعل الصورة الذهنية للشتات والتّفرق أكثر وضوحًا وقوة. يقول العلامة محمد بن عاشور: (والتَّمْزِيقُ: تَقْطِيعُ الثَّوْبِ قِطَعًا، اسْتُعِيرَ هُنا لِلتَّفْرِيقِ تَشْبِيهًا لِتَفْرِيقِ جامِعَةِ القَوْمِ شَذَرَ مَذَرَ بِتَمْزِيقِ الثَّوْبِ قِطَعًا. و”كُلَّ” مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِأنَّهُ بِمَعْنى المُمَزَّقِ كُلِّهِ، فاكْتَسَبَ مَعْنى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ مِن إضافَتِهِ إلى المَصْدَرِ، ومَعْنى “كُلَّ” كَثِيرَةُ التَّمْزِيقِ لِأنَّ كُلًّا تَرِدُ كَثِيرًا بِمَعْنى الكَثِيرِ لا بِمَعْنى الجَمِيعِ. وأشارَتِ الآيَةُ إلى التَّفَرُّقِ الشَّهِيرِ الَّذِي أُصِيبَتْ بِهِ قَبِيلَةُ سَبَأٍ إذْ حَمَلَهم خَرابُ السَّدِّ وقُحُولَةُ الأرْضِ إلى مُفارَقَةِ تِلْكَ الأوْطانِ مُفارَقَةً وتَفْرِيقًا ضَرَبَتْ بِهِ العَرَبُ المَثَلَ في قَوْلِهِمْ: ذَهَبُوا، أوْ تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبا، أوْ آيادِيَ سَبا، بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ سَبَأٍ لِتَخْفِيفِ المَثَلِ). (ابن عاشور،1984م، ص:22/178) وتحمل الاستعارة في طياتها دلالة واضحة على أن هذا التمزيق كان نتيجة مباشرة لعقاب الله تعالى لهم على كفرهم وإعراضهم. فالصيغة “مزّقناهم” بصيغة (نا) العظمة التي تعود إلى الحق سبحانه تعالى، مما يؤكد أن هذا المصير كان بقدر إلهي حاسم وعادل. وترسم الاستعارة التصريحية التبعية صورة حركية عنيفة ومثيرة، حيث يشعر القارئ كأن هذا التمزيق يحدث أمامه، لأن تصوير المشهد يجعل المعنى أكثر حيوية وتأثيرًا. وبالرغم من عمق المعنى وقوة التأثير، جاءت العبارة مختصرة وموجزة، مما يدل على بلاغة القرآن الكريم وقدرته على تكثيف المعاني الكبيرة في ألفاظ قليلة. وتحمل الاستعارة إيحاءً بأن مصيرهم كان محتومًا وقضاءً إلهيًا لا رادّ له، مما يضفي على المشهد رهبة وجلالًا. وتُعدّ هذه الاستعارة بمثابة تحذير شديد اللهجة للأمم التي تكفر بنعم الله وتُعرض عن شكره. فالجمال هنا يكمن في البلاغة التي توصل رسالة قوية ومؤثرة للعبرة والاتّعاظ. ومن خلال التّصوير الفني البديع جسّدت هذه الاستعارة حال قوم سبأ المتفرقين بشيء مادي قد تم تمزيقه بالكامل، وهذا التّصوير البليغ يضفي على الآية جمالًا فنيًا وتأثيرًا بلاغيًا عميقًا. يقول عبد القاهر الجرجاني في قوله تعالى: “وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ” (وهذا الضرب يُعَدُّ استعارةٌ من حيث إن التمزيق للثوب في أصل اللغة، إلا أنه على ذاك راجع إلى الحقيقة، من حيث إنه تفريق على كل حال، إلاّ أنهم خصّوا ما كان مثل الثوب بالتمزيق، وإلا فأنت تعلم أن تمزيق الثوب تفريقُ بعضه من بعض، ومثله أن القَطْع إذا أُطلق فهو لإزالة الاتصال من الأجسام التي تلتزق أجزاؤها، وإذا جاء في تفريق الجماعة وإبعاد بعضها عن بعض، كقوله تعالى: “وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً”. (الأعراف:118) فالمعنى في الموضعين على إزالة الاجتماع ونَفْيهِ). (الجرجاني، اسرار البلاغة، ص:59-60)
خلاصة المبحث الثاني:
تُعدّ الاستعارة المُفردة أداة بلاغية لتشكيل معانٍ عميقة. حيث يصعب الفصل بين أبعادها الجماليّة والدلاليّة، فجمالها ينبع من قدرتها على خلق دلالات جديدة. وتتجلى أبعادها الدلاليّة في إيحاء المعاني المستترة، والمبالغة الفنية لتعظيم المعنى، والدقة في التّعبير عن الأفكار المركبة، وإضفاء التّنوع والتّجديد على اللغة. كما تُسهم في الإيجاز، حيث تُقدم معانٍ كثيرة بكلمات قليلة، وتُؤكد المعنى وتُثبّته في الذهن. فالاستعارة المُفردة بذلك هي ركن أساسي في البلاغة يُثري النّص ويُعمّق فهمه.
خاتمة البحث:
لقد سعى هذا البحث، عبر مدخل ومبحثين، إلى الكشف عن الأبعاد الدلاليّة للاستعارة المُفردة في القرآن الكريم. حيث تناول المبحث الأول، تأصيل الاستعارة نظريًا، مع التركيز على آراء الفلاسفة أرسطو، والفارابي، وابن سينا. وقد بين البحث أسباب هذا الاتجاه، وذلك لأن الاستعارة تمثل قيمة معرفية وفكرية مهمة، ولأنها تُسهم في بناء المعاني وتوسيع الإدراك، وتُقوي العلاقة بين اللغة والفكر والإدراك. أما المبحث الثاني، فقد ركّز على تحليل الأبعاد الدلاليّة المتشابكة التي تُثري الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم. وقد تجلّت تلك الأبعاد الدلاليّة في قضايا متنوعة، مثل: الإيحاء بالمعاني الخفية، والمبالغة المقبولة في السياق القرآني، ودقة التّعبير القرآني، وتناسقه وانسجامه، إضافة إلى التّنوع والتّجديد في أسلوب القرآن الكريم، كما أكدت الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم قدرتها على تكثيف المعاني وتحقيق الإيجاز البياني، وتوكيد المعنى بأساليب مختلفة لترسيخه في الذهن.
التوصيات:
بناءً على ما توصل إليه هذا البحث (الاستعارة المُفردة في القرآن الكريم – دراسة بلاغية دلاليّة تحليلية) نوصي ببعض القضايا المهمة:
– تعزيز الدّراسات البلاغيّة المعاصرة من منظور فلسفي، وذلك بالاستعانة بآراء الفلاسفة القدماء والمعاصرين في دراسة القضايا البلاغية، والهدف من ذلك دراسة هذه القضايا البلاغية كأدوات فلسفية معرفية تُسهم في بناء المفاهيم، وتشكيل الإدراك، وتعميق الاستيعاب.
– يُوصى البحث بإجراء المزيد من الدراسات البلاغية على الأبعاد الدلاليّة التي تناولها البحث بشكل مُفصّل، مع تطبيقات أوسع على نماذج قرآنية متنوعة.
– الإفادة من المناهج اللسانية الحديثة في تحليل القضايا البلاغية، مما قد يُكشف عن أنماط دلاليّة لم تتناولها الدراسات السابقة.
نرجو أن تُسهم توصيات هذا البحث في فتح آفاق واسعة للبحث العلمي في بلاغة القرآن الكريم.
ثبت المصادر والمراجع
– القرآن الكريم
1- إبراهيم، د. مجدي إبراهيم، عنوان المقال: الإيحاء خاصية ذاتية للقرآن الكريم، صحيفة المثقف، نُشر بتاريخ 29 أيار 2019م، تصدر عن مؤسسة المثقف العربي، صدر العدد الأول 6/6/ 2006م.
2- ابن أبي الإصبع، عبد العظيم بن الواحد بن ظافر ابن أبي الإصبع العدواني، البغدادي، اسم الكتاب: تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن، تقديم وتحقيق: الدكتور حفني محمد شرف، الناشر: الجمهورية العربية المتحدة – المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – لجنة إحياء التراث الإسلامي.
3- ابن الأثير، ضياء الدين بن الأثير، نصر الله بن محمد، اسم الكتاب: المثل السائر في أدب الكاتب، والشاعر تحقيق: أحمد الحوفي – بدوي طبانة، الناشر: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الفجالة ـ القاهرة.
4- ابن سينا، أبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سِينَا اَلْبَلْخِي، اسم الكتاب: الشفاء المنطق السفسطة، تصدير ومراجعة الدكتور إبراهيم مدكور، تحقيق الدكتور أحمد فؤاد الإهواني، الطبعة الأميرية بالقاهرة: 1377هـ – 1958م.
5- ابن عاشور، محمد الطاهر ابن عاشور، اسم الكتاب: التحرير والتنوير، تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، الناشر: الدار التونسية للنشر – تونس، سنة النشر: ١٩٨٤م.
6- ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، اسم الكتاب: مقاييس اللغة، المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: ١٣٩٩هـ – ١٩٧٩م.
7- ابن منظور، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الإفريقي، اسم الكتاب: لسان العرب، الحواشي: لليازجي وجماعة من اللغويين، الناشر: دار صادر – بيروت، الطبعة: الثالثة – ١٤١٤هـ.
8- ابن النقيب، أبو عبد الله جمال الدين محمد بن سليمان البلخي، الشهير بان النقيب، اسم الكتاب: مقدمة تفسير ابن النقيب في علم البيان والمعاني والبديع وإعجاز القرآن، تحقيق د. زكريا سعيد علي، دار العلوم جامعة القاهرة، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة.
9- أبو العدوس، الدكتور يوسف أبو العدوس، اسم الكتاب: الاستعارة في النقد الحديث الأبعاد المعرفية والجماليّة، الأهلية للنشر والتوزيع، المملكة الأردنية الهاشمية – عمان 1979م
10- أرسطو طاليس، اسم الكتاب: فن الشعر، نقل أبي بشر متى بن يونس القُنَّائي من السُّرياني إلى العربي، حققه مع ترجمه حديثة ودراسة لتأثيره في البلاغة العربية: الدكتور شكري محمد عياد، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة: سنة 1993م.
11- الألوسي، أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي، اسم الكتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ضبطه وصححه: علي عبد الباري عطية، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٥هـ – ١٩٩٤م.
12- بدوي، د. أحمد أحمد بدوي، اسم الكتاب: من بلاغة القرآن، الناشر: شركة نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى: مارس 2005م.
13- البقاعي، برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، اسم الكتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، الناشر: دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد – الهند، تحت مراقبة: د محمد عبد المعيد خان أستاذ آداب اللغة العربية بالجامعة العثمانية، ومدير دائرة المعارف العثمانية، الطبعة: الأولى، (١٣٨٩ – ١٤٠٤هـ) (١٩٦٩ – ١٩٨٤م)
14- بوخزنة، حمزة بوخزنة، اسم البحث: المُفردة القُرآنيّة خصوصيتها الدلاليّة، وخواصها البيانية الجماليّة، مجلة البحث والدراسات، جامعة الوادي الجزائر، العدد 18 السنة 11، صيف 2014م.
15- الجرجاني، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني، اسم الكتاب: أسرار البلاغة، قرأه وعلق عليه: محمود محمد شاكر، الناشر: مطبعة المدني بالقاهرة، دار المدني بجدة.
16- الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، اسم الكتاب: لصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الناشر: دار العلم للملايين – بيروت، الطبعة: الرابعة ١٤٠٧هـ – ١٩٨٧م.
17- حَبَنْكة، عبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني الدمشقي، اسم الكتاب: البلاغة العربية، الناشر: دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٦هـ – ١٩٩٦م.
18- الخالدي، صلاح عبد الفتاح الخالدي، اسم الكتاب: إعجاز القرآني البياني ودلائل مصدره الرباني، الناشر: دار عمار للنشر والتوزيع، الأردن – عمان، الطبعة الأولى 1421هـ – 2000م.
19- الخطابي وآخرون، حققها وعلق عليها محمد خلف الله ود. محمد زغلول سلام، اسم الكتاب: ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، الناشر: دار المعارف بمصر، الطبعة الثالثة.
20- الرافعي، مصطفى صادق الرافعي، اسم الكتاب: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مطبعة المقتطف والمقطم بمصر، الطبعة الثالثة، 1346ه – 1928م.
21- الزمخشري، محمود بن عمر بن أحمد الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، وبهامشه أربعة كتب: الانتصاف من الكشاف، والكافي الشافِ في تخريج أحاديث الكشاف، وحاشية الشيخ محمد عليان المرزوقي، ومشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف، ضبطه وصححه ورتّبه: مصطفى حسين أحمد، الناشر: دار الريان للتراث بالقاهرة – دار الكتاب العربي ببيروت، الطبعة: الثالثة ١٤٠٧هـ – ١٩٨٧م.
22- السامرائي، الدكتور فاضل صالح السّامِرّائي، أستاذ بكلية الآداب جامعة بغداد، اسم الكتاب: التّعبير القرآني، الناشر: دار إعمار، عمان – الأردن، الطبعة الرابعة 1427هـ – 2006م.
23- السمين الحلبي، أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي، اسم الكتاب: عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، المحقق: محمد باسل عيون السود، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٧هـ – ١٩٩٦م.
24- العسكري، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري، اسم الكتاب: الصناعتين الكتابة والشعر، المحقق: علي محمد البجاوي – محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: المكتبة العصرية – بيروت، عام النشر: ١٤١٩هـ.
25- عطية، دكتور مختار عطية، اسم الكتاب: الإيجاز في كلام العرب ونص الإعجاز – دراسة بلاغية، الناشر: دار المعرفة الجامعية، الطبعة الأولى 1995م.
26- العمادي، أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى، اسم الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت.
27- الفارابي، أبو نصر الفارابي، اسم الكتاب: كتاب الحروف، حققه وقدم له وعلّق عليه دكتور محسن مهدي، الناشر: دار المشرق، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى: 1986م.
28- قاسم، دكتور عدنان حسين قاسم، اسم الكتاب: التّصوير الشعري رؤية نقدية لبلاغتنا العربية، المؤلف: الدكتور عدنان حسين قاسم، الناشر: الدار العربية للنشر والطباعة، مصر مدينة نصر، رقم الإيداع 18377/2000
29- قطب، سيد قطب، اسم الكتاب: التصوير الفني في القرآن، الناشر: دار الشروق، لبنان – بيروت، الطبعة السابعة عشرة، 2004م.
30- قطب، سيد قطب، اسم الكتاب: في ظلال القرآن، الناشر: دار الشروق، طبعة جديدة مشروعة، لبنان – بيروت، الطبعة الشرعية الثانية والثلاثون، 1423ه، – 2003م.