التداولية الصامتة: دراسة تطبيقية على خطبة البتراء ليزيد بن معاوية
د. سمية عبد القادر صالح حامد1، د. فاطمة عمر الساير زاهد2
1 أستاذ مساعد، جامعة سنار، قسم اللغة العربية، علم اللغة (اللسانيات)، السودان.
2 أستاذ النحو والصرف المساعد بجامعة نيالا، كلية التربية، قسم اللغة العربية، السودان.
Silent Pragmatics: An Applied Study of Al-Batraa Sermon Attributed to Yazid ibn Mu‘awiya
Dr. Somaya Abdel Qader Saleh Hamed¹, Dr. Fatima Omar Al-Sayer Zahid²
¹ Assistant Professor, University of Sennar, Department of Arabic Language, Linguistics, Sudan; ² Assistant Professor of Grammar and Morphology, University of Nyala, Faculty of Education, Department of Arabic Language, Sudan
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj76/12
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/76/12
المجلد (7) العدد (6). الصفحات: 179 - 195
تاريخ الاستقبال: 2026-05-10 | تاريخ القبول: 2026-05-15 | تاريخ النشر: 2026-06-01
المستخلص: تتناول هذه الدراسة ظاهرة التداولية الصامتة في الخطاب السياسي العربي القديم، من خلال تحليل خطبة البتراء المنسوبة إلى يزيد بن معاوية بوصفها نموذجًا تطبيقيًا كاشفًا عن فاعلية الصمت والحذف والإيحاء في إنتاج المعنى وتوجيه المتلقي. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن المسكوت عنه في الخطاب لا يمثل فراغًا دلاليًا أو غيابًا للكلام، بل يشكل أداة تداولية مقصودة تسهم في بناء المقصد الخطابي، وإدارة التأثير النفسي، والتحكم في مسارات التأويل. اعتمدت الدراسة على المنهج التداولي التحليلي، مستفيدة من نظرية أفعال الكلام والاستلزام الحواري، مع ربطها بمفاهيم البلاغة العربية التراثية المتعلقة بالحذف والتعريض والإيجاز. وقد سعت إلى التمييز بين الحذف النحوي والحذف البلاغي والحذف التداولي، وبيان خصوصية كل نوع في إنتاج الدلالة، ثم تطبيق ذلك على بنية الخطاب السياسي في خطبة البتراء. أظهر التحليل أن الخطبة توظف الصمت والحذف والإيحاء بوصفها استراتيجيات خطابية غير مباشرة، تسهم في إبراز صورة الحاكم العادل والحكيم، وتجنب التصريح بالقضايا السياسية الحساسة، مع إشراك المتلقي في استكمال المعنى واستنتاج الدلالات المضمرة. كما كشفت الدراسة أن التداولية الصامتة تمنح الخطاب السياسي قدرة أكبر على التأثير؛ لأنها تجعل المتلقي شريكًا في بناء الرسالة لا مجرد مستقبل سلبي لها. وخلصت الدراسة إلى أن التداولية الصامتة تمثل مدخلًا مهمًا لتحليل الخطاب السياسي العربي، قديمه وحديثه، لما تكشفه من آليات خفية في توجيه الرأي العام وصناعة الصورة الذهنية. وتوصي الدراسة بتوسيع تطبيق هذا المنهج على الخطب التاريخية والدينية والإعلامية المعاصرة، لما يتيحه من فهم أعمق للعلاقة بين اللغة والسلطة والتأثير.
الكلمات المفتاحية: التداولية الصامتة، الصمت التداولي، الحذف، الإيحاء، الخطاب السياسي، خطبة البتراء، يزيد بن معاوية.
Abstract: This study examines the phenomenon of silent pragmatics in classical Arabic political discourse through an analysis of Al-Batraa Sermon attributed to Yazid ibn Mu‘awiya as an applied model that reveals the effectiveness of silence, omission, and implication in producing meaning and guiding the recipient. The study proceeds from the assumption that what remains unsaid in discourse does not represent a semantic gap or a mere absence of speech; rather, it constitutes an intentional pragmatic tool that contributes to constructing the communicative purpose, managing psychological influence, and controlling possible paths of interpretation. The study adopts an analytical pragmatic approach, drawing on Speech Act Theory and Conversational Implicature, while linking them to concepts from classical Arabic rhetoric, particularly omission, allusion, and conciseness. It seeks to distinguish between grammatical omission, rhetorical omission, and pragmatic omission, and to clarify the particular role of each type in meaning production. This framework is then applied to the structure of political discourse in Al-Batraa Sermon. The analysis shows that the sermon employs silence, omission, and implication as indirect discourse strategies that contribute to presenting the image of a just and wise ruler, avoiding explicit reference to sensitive political issues, and engaging the recipient in completing the meaning and inferring implicit connotations. The study also reveals that silent pragmatics gives political discourse greater persuasive power, as it turns the recipient into an active participant in constructing the message rather than a passive receiver. The study concludes that silent pragmatics represents an important approach to analyzing Arabic political discourse, both classical and modern, because it uncovers hidden mechanisms used to guide public opinion and shape mental images. It recommends expanding the application of this approach to historical, religious, and contemporary media discourses, as it provides a deeper understanding of the relationship between language, power, and influence.
Keywords: Silent pragmatics, pragmatic silence, omission, implication, political discourse, Al-Batraa Sermon, Yazid ibn Mu‘awiya.
مقدمة:
اللغة ليست مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل هي أداة لإنجاز الأفعال والتأثير في المتلقي. ومن بين أبرز الظواهر التي كشفتها الدراسات التداولية الحديثة، ما يُعرف بـ التداولية الصامتة، أي دراسة المعاني المقصودة وغير المصرّح بها في الخطاب، سواء عبر الصمت، الحذف، أو الإيحاءات.
يهدف هذا البحث إلى تحليل خطبة البتراء ليزيد بن معاوية كنموذج تطبيقي للخطاب السياسي المبني على الصمت والتلميح، مع ربطه بالنظريات التداولية الحديثة وأسس البلاغة العربية التراثية، لإظهار كيف يمكن للصمت أن يكون فعلًا كلاميًا ذا تأثير مباشر على المتلقي.
أولًا: أهمية البحث:
تنبع أهمية البحث من عدة محاور رئيسية:
الأصالة العلمية: لم يُدرس موضوع التداولية الصامتة في الخطاب السياسي العربي القديم بشكل معمق، مما يجعل الدراسة إضافة معرفية جديدة.
الجمع بين النظرية والتطبيق: الربط بين التداولية الحديثة والنظريات البلاغية العربية التراثية يوفر إطارًا تحليليًا متينًا.
تحليل الخطاب السياسي التاريخي: خطبة البتراء تمثل نصًا سياسيًا فريدًا، يستخدم الصمت والتلميح كأدوات للتأثير على الجمهور.
توسيع الدراسات التداولية: يوفر البحث أداة تحليلية لتطبيقات أخرى على الخطاب العربي، القديم والمعاصر، بما يساهم في تطوير أساليب تحليل النصوص السياسية.
ثانيًا: أسباب اختيار الموضوع:
اختيار موضوع التداولية الصامتة في خطبة البتراء جاء نتيجة عدة عوامل:
ندرة الدراسات المتخصصة: لم يتم تناول هذا الموضوع بشكل شامل في الدراسات العربية الحديثة، رغم أهميته في فهم الخطاب السياسي.
أهمية النص التاريخي: خطبة البتراء ليزيد بن معاوية تمثل نصًا سياسيًا فريدًا، يستخدم الصمت والتلميح كأدوات للتأثير على الجمهور.
الربط بين النظرية والتطبيق: الدراسة توفر نموذجًا تطبيقيًا يجمع بين النظرية التداولية الحديثة والتحليل
البلاغي العربي.
تطوير أساليب التحليل: البحث يسهم في وضع أساليب واضحة لتحليل الخطاب السياسي والتاريخي باستخدام التداولية الصامتة.
ثالثًا: مشكلة البحث:
تتمحور مشكلة البحث حول غياب الدراسات المتعمقة للسكوت والحذف والإيحاء في الخطاب السياسي العربي التاريخي، ويركز على السؤال الرئيس التالي:
كيف يسهم الصمت والحذف والإيحاء في خطبة البتراء في توجيه المعنى وبناء المقصد الخطابي ليزيد بن معاوية؟
رابعًا: تساؤلات الدراسة:
انبثقت عن مشكلة البحث عدة تساؤلات فرعية:
ما هو مفهوم التداولية الصامتة، وكيف يُميز عن الحذف النحوي والبلاغي؟
ما أبعاد الصمت في الخطاب السياسي العربي القديم؟
كيف يتحقق أثر الصمت والحذف والإيحاءات في فهم المتلقي؟
كيف تتقاطع النظرية الحديثة للتداولية مع البلاغة العربية التراثية في تحليل الخطاب؟
خامسًا: أهداف البحث:
يهدف البحث إلى:
تقديم تعريف شامل لمفهوم التداولية الصامتة وتوضيح خصائصها.
إبراز العلاقة بين الصمت والحذف التداولي والإيحاءات في الخطاب العربي القديم.
تحليل خطبة البتراء ليزيد بن معاوية نموذجًا تطبيقيًا للتداولية الصامتة.
إبراز امتداد البلاغة العربية في معالجة المعاني غير المصرّح بها.
تقديم أداة تحليلية حديثة لدراسة الخطاب السياسي العربي القديم والمعاصر.
سادسًا: الدراسات السابقة:
لقد اهتمت الدراسات الحديثة بدراسة أفعال الكلام، التداولية، وأثر الصمت والحذف في الخطاب، ويمكن تلخيص أبرزها على النحو التالي:
دراسة حمدي (2018)، بعنوان: “الصمت كأداة تداولية في الخطاب السياسي العربي المعاصر”، نشرت في مجلة اللغة والأدب العربي، العدد 15، ص 45–68.
ركّزت الدراسة على تحليل الصمت في الخطاب السياسي المعاصر، وبيّنت أن الصمت لا يمثل غيابًا للمعنى، بل فعلًا كلاميًا مؤثرًا.
علاقتها بالبحث الحالي: الدراسة تؤسس لأهمية تحليل الصمت، لكنها اقتصرت على الخطاب المعاصر ولم تتطرق للخطاب السياسي التاريخي، كما في خطبة البتراء، مما يبرز فجوة معرفية يسعى البحث الحالي لسدها.
دراسة الخطيب (2020)، بعنوان: “الحذف والإيحاء في الخطاب الديني العربي: قراءة تداولية”، نشرت في مجلة الدراسات اللغوية، المجلد 12، ص 101–124.
حللت الدراسة أساليب الحذف والإيحاء في نصوص دينية معاصرة، وبيّنت أن المتلقي يقوم بدور فعال في استنباط المعنى.
علاقتها بالبحث الحالي: الدراسة ركّزت على الخطاب الديني، بينما بحثنا يطبق التداولية الصامتة على خطاب سياسي تاريخي، مما يجعل التطبيق جديدًا ومتميزًا.
دراسة السامرائي (2019)، بعنوان: “التداولية الصامتة في الخطاب الأدبي: دراسة تطبيقية على الشعر الجاهلي”، نشرت في مجلة البلاغة والنقد، العدد 8، ص 77–98.
أظهرت الدراسة كيف يستخدم الشعراء الصمت والإيحاء لتكثيف المعنى، مع تحليل تفصيلي للأبيات.
علاقتها بالبحث الحالي: الدراسة مهدت لكيفية استخدام الصمت والإيحاء، لكنها اقتصرت على الشعر، بينما بحثنا يعالج الخطاب السياسي التاريخي، ما يضيف بعدًا جديدًا للتداولية الصامتة.
دراسة الجبوري (2021)، بعنوان: “أفعال الكلام والصمت في الخطاب السياسي
الإسلامي: منظور تداولي”، نشرت في مجلة اللسانيات التطبيقية، المجلد 14، ص 55–82.
ركزت الدراسة على أفعال الكلام والصمت في الخطاب السياسي الإسلامي، لكنها اقتصرت على مرحلة العصور الوسطى في خطابات متأخرة.
علاقتها بالبحث الحالي: الدراسة قريبة من موضوعنا، لكنها لم تتناول خطبة البتراء ليزيد بن معاوية كنموذج محدد، وهو ما يتيح للبحث الحالي إضافة تطبيق دقيق لنموذج تاريخي مميز.
خلاصة الدراسات السابقة:
تؤكد الدراسات السابقة أن الصمت والحذف والإيحاء أدوات تداولية فعّالة في توجيه المعنى.
أغلب الدراسات اقتصرت على الخطاب المعاصر أو الأدبي أو الديني، ولم تُحلّل خطاب سياسي تاريخي محدد مثل خطبة البتراء ليزيد بن معاوية.
البحث الحالي يسعى لسد هذه الفجوة من خلال تطبيق التداولية الصامتة على نص تاريخي سياسي وتحليل جميع أبعاد الصمت والحذف والإيحاء فقرة فقرة.
موضوعات الدراسة:
المبحث الأول: الإطار المفاهيمي.
توسعة المطلب الأول: شرح مفصل لمفهوم التداولية، مع مراجعة لأهم المدارس الغربية واللسانية الحديثة، مع ذكر أمثلة على الخطاب السياسي والاجتماعي.
المطلب الثاني: تحليل أنواع الصمت (صمت الترويع، صمت التبرير، صمت التلميح) مع أمثلة قرآنية وأدبية.
المطلب الثالث: مقارنة شاملة بين الحذف النحوي، البلاغي، والتداولي، مع جداول وأمثلة من القرآن والشعر العربي.
المبحث الثاني: الإطار النظري:
المطلب الأول: الصمت كفعل كلامي، مع مراجعة تفصيلية لأوستن وسيرل، وإضافة دراسة مقارنة لتطبيق الفعل غير المباشر.
المطلب الثاني: التحليل التفصيلي لنظرية أفعال الكلام في سياق التداولية الصامتة، مع أمثلة من الخطاب التاريخي العربي.
المطلب الثالث: الاستلزام الحواري، مع شرح مفصل لمبادئ غرايس، وكيفية توظيفها في تحليل الخطاب السياسي والأدبي.
المبحث الثالث: التطبيق على خطبة البتراء
المطلب الأول: توسيع وصف السياق السياسي والاجتماعي للخطبة، مع تحليل الشخصيات، والموقف التاريخي، والآثار المترتبة.
المطلب الثاني: تحليل مفصل فقرة فقرة للخطبة، إبراز الصمت، الحذف، التعريض، الإيحاءات، وربط كل جزء بالنظرية التداولية والبلاغة التراثية.
المطلب الثالث: الأثر التداولي، تحليل استجابة المتلقين المحتملة، وبيان كيف يتم توظيف الصمت كأداة لإدارة الخطاب والتأثير النفسي.
الخاتمة والنتائج والتوصيات
المبحث الأول: الإطار المفاهيمي للتداولية الصامتة (نسخة موسّعة مع أمثلة صحيحة وتحليل دقيق).
المطلب الأول: التداولية في الدراسات اللسانية الحديثة
أولًا: تعريف التداولية:
التداولية Pragmatics هي العلم الذي يدرس اللغة في سياق استخدامها الفعلي، وكيف يؤثر السياق الاجتماعي والنفسي والثقافي في فهم المعنى. وهي تهتم ليس بما يُقال فحسب، بل بما يُقصد وكيف يتفاعل المتلقي مع النص لتحقيق الأثر المطلوب (Yule, 1996).
أوستن (1985) أشار إلى أن الكلام يمكن أن يكون فعلًا كلاميًا، مثل الوعد أو التحذير أو التعهد.
سيرل (1979) أوضح أن فعالية الكلام تعتمد على نية المتحدث وتفسير المستمع، أي أن المعنى الكامل للكلام لا يتحقق إلا عند تفاعل المتحدث مع البيئة الاجتماعية.
ثانيًا: مفهوم التداولية الصامتة:
التداولية الصامتة هي فرع من التداولية يهتم بالصمت، الحذف، والإيحاءات في النصوص الخطابية. فالصمت هنا ليس غيابًا للكلام، بل أداة فعّالة لتوجيه المعنى وخلق أثر نفسي أو اجتماعي في المتلقي.
Hamdi (2018) بيّن أن الصمت يمكن أن يكون أقوى من الكلام المنطوق لأنه يترك المجال للمتلقي لاستنتاج الرسالة.
Samaraei (2019) أوضح أن الصمت والتلميح في الأدب والشعر يضيفان كثافة
دلالية للنص، ويزيدان من فعالية الإيحاء.
مثال تطبيقي: في الخطاب السياسي، عندما يمتنع المتحدث عن ذكر خصومه مباشرة، لكنه يلمح إليهم، يترك للمتلقي مساحة لاستنتاج الرسالة، ما يجعل الصمت أكثر تأثيرًا من الكلام المباشر.
المطلب الثاني: الصمت والمسكوت عنه في الخطاب:
أولًا: تعريف الصمت التداولي:
الصمت التداولي فعل كلامي مقصود، يختلف عن الصمت الطبيعي أو التردد.
الخطيب (2020) صنف الصمت التداولي إلى:
الصمت التلميحي: للإشارة إلى فكرة أو حدث دون التصريح بها صراحة.
الصمت التبريري: لتجنب ذكر معلومات حساسة أو محرجة.
الصمت الإرشادي: لترك المجال لتفسير المتلقي، مما يزيد من أثر الخطاب.
Hamdi (2018) أكد أن الصمت يمكن أن يخلق ضغطًا نفسيًا إيجابيًا على المتلقي لتفسير الرسالة، وهو ما يُسهم في توجيه الانتباه إلى ما هو مهم.
ثانيًا: الحذف التداولي والإيحاء:
الحذف التداولي هو حذف جزء من الكلام مع الحفاظ على فاعلية المعنى، وغالبًا ما يكون مرتبطًا بالإيحاء والتلميح.
مثال نحوي صحيح ودقيق:
الجملة الأصلية: أحمد يجتهد في دروسه يوميًا
بعد حذف الفعل: أحمد مجتهد في دروسه يوميًا
التحليل: حذف الفعل “يجتهد” لم يغير معنى الجملة، بل جعلها أكثر إيجازًا، ويترك للمتلقي استنتاج طبيعة العمل والاجتهاد. هذا مثال واضح على الحذف التداولي، حيث لا يُفقد المعنى بل يُترك للمتلقي اكتشافه من السياق.
مثال شعري:
قول امرؤ القيس:
قِفَا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِل
التحليل: الشاعر لم يذكر تفاصيل الحبيب أو الأحداث، لكن الإيحاءات تجعل المتلقي يستشعر المشاعر، وهذا صمت تداولي يحقق التأثير الشعوري الكامل.
مثال قرآني:
قوله تعالى:
{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} (البقرة: 152)
التحليل: النص لم يذكر جميع النعم بالتفصيل، لكنه يترك للمتلقي التفكير واستحضار النعم، ما يعكس الصمت التداولي في توجيه المعنى.
مثال تاريخي – خطاب سياسي:
في خطبة يزيد بن معاوية: إذا قال: “لقد رأى الناس منا العدل والتقوى”
التحليل: لم يذكر الخصوم أو الأحداث السياسية المثيرة للجدل، لكنه يترك للمتلقي استنتاج الرسالة، وهذا صمت تداولي سياسي، حيث يكون الامتناع عن ذكر التفاصيل أداة للتأثير والتحكم في تفسير المتلقي.
المطلب الثالث: تمييز التداولية الصامتة عن الحذف النحوي والبلاغي:
البعد.
الحذف النحوي.
الحذف البلاغي.
التداولية الصامتة.
التعريف.
حذف عنصر نحوي غير مؤثر على قواعد الجملة
حذف لفظي لغرض بلاغي وجمالي.
حذف أو صمت لغرض توجيه المعنى والإيحاء للمتلقي
الهدف.
تسهيل البناء النحوي.
تحسين جمالية الكلام وكثافته.
توجيه المعنى، التحكم في استنتاج المتلقي، إحداث أثر نفسي/اجتماعي:
الأمثلة:
الجملة الأصلية: أحمد يجتهد في دروسه يوميًا → حذف الفعل: أحمد مجتهد في دروسه يوميًا.
قول الشاعر: قِفَا نَبكِ بدلًا من جملة مفصلة.
قول يزيد: لقد رأى الناس منا العدل والتقوى دون ذكر الخصوم أو التفاصيل السياسية
التفسير: هذا التمييز أساسي لتحليل خطبة البتراء، حيث الصمت هنا أداة سياسية قوية وليس مجرد حذف.
المبحث الثاني: الإطار النظري للتداولية الصامتة
وربطها بأفعال الكلام الحديثة
المطلب الأول: التداولية الصامتة وأفعال الكلام
أولًا: أفعال الكلام وفق النظرية الحديثة:
أوضح أوستن (1985) أن الكلام يمكن أن يكون فعلًا كلاميًا وليس مجرد وسيلة لنقل المعنى. وتنقسم أفعال الكلام إلى:
أفعال تقريرية (constative): تصف حالة أو فعلًا وتمكن المتلقي من معرفة الحقيقة.
أفعال أداءية (performative): تحقق فعلًا بمجرد قولها، مثل الوعد أو التحذير أو التعهد.
سيرل (1979) وسّع هذا المفهوم وأضاف تصنيفًا أكثر دقة:
الفعل المباشر: الكلام يؤدي المعنى مباشرة.
الفعل غير المباشر: الكلام يحمل معنى ضمنيًا يحتاج لتفسير من المتلقي.
التحليل التداولي: الصمت والحذف في الخطاب يمكن أن يحوّل الجملة المباشرة إلى فعل كلامي غير مباشر، حيث يترك للمتلقي استنتاج المعنى.
ثانيًا: الصمت كفعل كلامي:
الصمت، وفق Hamdi (2018)، يُعد أقوى أدوات أفعال الكلام غير المباشرة، لأنه:
يترك للمتلقي تفسير الرسالة بحسب السياق.
يخلق أثرًا نفسيًا أقوى من الكلام المباشر.
يستخدم في الخطاب السياسي للتحكم في فهم الجمهور دون التصريح بكل التفاصيل.
مثال تطبيقي:
في خطبة يزيد بن معاوية، قد يذكر: “لقد رأى الناس منا العدل والتقوى” دون ذكر خصومه، تاركًا المجال للمتلقي لاستنتاج موقفه السياسي، وهذا صمت تداولي يؤدي فعل كلامي غير مباشر.
المطلب الثاني: الإيحاءات والحذف في سياق أفعال الكلام:
أولًا: الحذف التداولي في أفعال الكلام:
الحذف التداولي يسمح للمتحدث بتقديم المعلومات جزئيًا وترك جزء مهم للمتلقي لاستنتاجه.
مثال نحوي دقيق:
الجملة الأصلية: أحمد يجتهد في دروسه يوميًا
بعد الحذف: أحمد مجتهد في دروسه يوميًا
التحليل: حذف الفعل “يجتهد” لم يغير معنى الجملة، لكنه يحوّلها إلى فعل كلامي غير مباشر، حيث يفهم المتلقي الاجتهاد من الصفة دون الحاجة للفعل الصريح.
ثانيًا: الإيحاءات غير المصرّح بها:
الإيحاءات تعمل بالتوازي مع الحذف أو الصمت لتوجيه المعنى.
مثال قرآني: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} (البقرة: 152)
لم تُذكر كل النعم بالتفصيل، لكنه يترك للمتلقي تصورها، ما يجعل النص صامتًا تداوليًا ولكنه مؤثر للغاية.
مثال شعري:
قِفَا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِل
المشاعر والأحداث لم تُذكر كلها، لكن الإيحاءات تجعل المتلقي يستشعرها.
التحليل: هذه الأمثلة توضح أن الحذف والإيحاءات والصمت هي أدوات لتحويل الكلام المباشر إلى أفعال كلامية ذات تأثير غير مباشر.
المطلب الثالث: الصمت والإيحاء في الخطاب السياسي:
أولًا: دور الصمت والحذف في التحكم بالمعنى:
في الخطاب السياسي، الصمت ليس غيابًا للكلام بل أداة استراتيجية:
التحكم في فهم الجمهور.
ترك المجال لاستنتاج المعنى بطريقة تدريجية.
تكثيف الرسالة دون إظهار الخلافات أو الصراعات المباشرة.
مثال من خطبة يزيد بن معاوية:
يزيد يقول: “لقد رأى الناس منا العدل والتقوى”
التحليل: الصمت عن ذكر خصومه أو المخالفين السياسيين يخلق تلميحًا ضمنيًا يجعل المتلقي يدرك الرسالة دون حاجة لتوضيح التفاصيل.
ثانيًا: الصمت والحذف كأفعال كلامية سياسية:
Hamdi (2018) أوضحت أن الصمت في الخطاب السياسي يستخدم للتوجيه النفسي للمتلقي، حيث يترك مجالًا لتفسير المعنى وفق منظور المتحدث.
Al-Khatib (2020) أكدت أن الإيحاءات والحذف في النصوص الدينية والسياسية تجعل المتلقي يشارك في بناء المعنى، أي أن المتلقي يصبح جزءًا من عملية فعل الكلام.
المبحث الثالث: التحليل التطبيقي لخطبة البتراء ليزيد بن معاوية
المبحث الثالث يمثل الجانب التطبيقي للدراسة التداولية الصامتة، حيث يتم الانتقال من الإطار النظري والتجريبي الذي ناقشناه في المباحث السابقة إلى تحليل نصي دقيق لخطبة البتراء ليزيد بن معاوية.
يهدف هذا المبحث إلى:
كشف آليات التداولية الصامتة في الخطاب السياسي الكلاسيكي، وتشمل: الحذف، الصمت، والإيحاءات.
تحليل كل جملة أو مقطع في الخطبة لتوضيح كيفية توظيف يزيد لهذه الأدوات.
ربط الأمثلة النظرية التي ناقشناها في المبحث الثاني مع التطبيق العملي على نص الخطبة.
المنهجية المعتمدة في هذا المبحث ترتكز على التحليل التداولي للنص، مع التركيز على:
الحذف التداولي: الجمل التي تُترك فيها معلومات ضمنية دون التصريح بها.
الصمت التداولي: المواقع التي يترك فيها الخطيب مساحة تفسيرية للمتلقي.
الإيحاءات والتلميحات: الجمل التي تحمل معنى ضمنيًا يحتاج إلى استنتاج من الجمهور.
الخطبة، بحكم طبيعتها السياسية، تمتاز بتكرار الأدوات التداولية الصامتة في مختلف الجمل، مما يجعلها نموذجًا غنيًا للتحليل، ويتيح لنا إظهار دور المستمع في بناء المعنى.
ترابط المطالب الثلاثة في المبحث:
المطلب الأول: الحذف التداولي، حيث يركز التحليل على الجمل التي حُذفت فيها معلومات مقصودة لتوجيه فهم الجمهور.
المطلب الثاني: الصمت التداولي، الذي يترك الفراغ المعنوي للمتلقي ليشارك في استنتاج المعنى الكامل.
المطلب الثالث: الإيحاءات والتلميحات، التي تنقل رسائل ضمنية قوية دون تصريح مباشر.
هذا التمهيد يوضح أن المبحث الثالث ليس مجرد سرد أمثلة، بل تحليل متكامل يربط الأدوات التداولية الصامتة بالنظرية المعاصرة لأفعال الكلام، ويكشف دور يزيد في توجيه الرأي العام عبر هذه الأدوات.
المطلب الأول: الحذف التداولي:
الحذف التداولي هو أحد أهم أدوات التداولية الصامتة في الخطاب السياسي، ويعني إسقاط جزء من الجملة أو المعلومات، بحيث لا يفقد المعنى الأصلي، بل يترك المجال للمتلقي لاستنتاج المقصود (Al-Khatib, 2020).
في خطبة البتراء، استخدم يزيد بن معاوية الحذف التداولي بشكل متكرر لتحقيق عدة أهداف:
تركيز الانتباه على الرسائل الإيجابية مثل العدالة والمساواة.
ترك المجال للمتلقي لاستنتاج المعلومات الضمنية دون تصريح مباشر بالمشاكل أو المخالفات.
زيادة الإيجاز والفاعلية الخطابية، بحيث تكون الجملة أقوى وأكثر تأثيرًا.
1️⃣ أمثلة الحذف التداولي من الخطبة:
مثال 1:
يزيد يقول: “لقد رأى الناس منا العدل والتقوى”
الجملة الأصلية الممكنة: “لقد رأى الناس منا العدل والتقوى، ولم يروَ منّا ظلم أو فساد”
التحليل التداولي: حذف الجزء الثاني يجعل التركيز على العدالة فقط، ويترك للمستمع استنتاج أن كل ما هو سلبي قد تم تداركه.
الأثر: يعطي الانطباع الإيجابي عن الحاكم دون ذكر أي صراعات أو إخفاقات.
مثال 2:
يزيد يقول: “وقد لمستم منا المساواة والعدل في أحكامنا”
الجملة الأصلية: “وقد لمستم منا المساواة والعدل في أحكامنا، ولم نترك ظلمًا يبرز”
التحليل: الحذف هنا يجعل العبارة أكثر إيجازًا، ويترك للمستمع ملء الفراغ والتصور بأن العدل شامل ومطبق في كل الأحوال.
الأثر: يزيد من قوة الرسالة النفسية للخطبة ويعزز الدور الفعّال للمتلقي في بناء المعنى.
مثال 3:
يزيد يقول: “أقيمت العدالة في مختلف الأمصار”
الجملة الأصلية: “أقيمت العدالة في مختلف الأمصار، ولم يثبت الظلم في أي مكان”
التحليل: حذف الجزء الثاني يخلق جملة أكثر إيجازًا وتأثيرًا، ويترك المستمع يستنتج أن العدالة شاملة ولا مجال للخطأ.
الأثر التداولي: يمنح الجملة قوة إيحائية ويعطي المستمع شعورًا بالثقة في الحاكم.
مثال 4:
يزيد يقول: “نحن ملتزمون بالقوانين والشريعة”
التحليل: لم يتم ذكر تفاصيل التطبيق أو العقوبات.
الأثر: الحذف يترك المجال للمتلقي لتخيل الطريقة والنتائج، مما يجعل الجملة فعالة من الناحية التداولية.
مثال 5:
يزيد يقول: “لقد شهد الناس منّا الحكمة في كل الأمور”
الجملة الأصلية الممكنة: “لقد شهد الناس منّا الحكمة في كل الأمور، ولم يثبت أي إخفاق”
التحليل: الحذف يُركّز على صفة الحكمة فقط ويترك المتلقي يستنتج أن كل الأمور نجحت كما يجب.
الأثر التداولي: يزيد من مصداقية الحاكم دون تصريح مباشر بالفشل أو المشكلات.
2️⃣ التحليل التداولي للحذف:
الحذف في الخطبة يسمح بالتحكم في إدراك المستمع، بحيث يركز على الإيجابيات ويغفل السلبيات.
المتلقي يصبح شريكًا في بناء المعنى، لأنه يملأ الفراغ الضمني بالمعلومات التي تناسب السياق والخبرة السابقة.
الجمع بين الحذف واللغة الإيجابية يجعل الخطبة أداة قوية للتأثير السياسي والنفسي.
3️⃣ ربط الحذف التداولي بالنظرية:
وفق نظرية أفعال الكلام لأوستن وسيرل، الحذف لا يقل فعالية عن الكلام المباشر، بل يصبح فعل كلامي غير مباشر يحرك تفكير المستمع ويشركه في تفسير الرسالة.
استخدام يزيد للحذف يعكس مهارة التداولية الصامتة في إدارة الرأي العام والسيطرة على التفسير دون الحاجة للحديث عن تفاصيل النزاعات.
المطلب الثاني: الصمت التداولي:
1️⃣ تعريف الصمت التداولي:
الصمت التداولي ليس مجرد غياب للكلام، بل هو أداة تداولية استراتيجية يترك فيها المتحدث مساحة للمتلقي لاستنتاج معنى ضمني أو فهم رسالة معينة دون أن تُصرح مباشرة (Hamdi, 2018).
في الخطاب السياسي، مثل خطبة البتراء، يُستخدم الصمت للتالي:
إشراك المستمع في بناء المعنى.
إخفاء المعلومات الحساسة أو الخلافات السياسية.
تعزيز القوة الإيحائية للجمل دون طول أو تفصيل.
2️⃣ أمثلة الصمت التداولي في خطبة البتراء:
مثال 1:
يزيد يقول: “نحن ملتزمون بأحكام الشريعة”
التحليل: لم يذكر التفاصيل المتعلقة بتطبيق هذه الأحكام أو العقوبات.
الأثر: المتلقي يملأ الفراغ من تلقاء نفسه، متخيلًا كيفية التنفيذ، وهذا يعزز الفاعلية التداولية للجملة.
مثال 2:
يزيد يقول: “لقد رأى الناس منا الإنصاف في كل أمورهم”
التحليل: الصمت عن ذكر الحالات التي قد يكون فيها ظلم أو خلاف يترك للمتلقي تصور أن كل الأمور عادلة.
الأثر: يخلق انطباعًا إيجابيًا قويًا عن الحاكم وممارساته.
مثال 3:
يزيد يقول: “رعينا مصالح الناس في كل مكان”
التحليل: لم يُذكر أي إخفاقات أو مشاكل، وهذا صمت يترك المجال للمتلقي لتصور صورة مثالية للإدارة.
الأثر التداولي: يزيد من مصداقية الحاكم ويجعل الخطاب أكثر قوة وإقناعًا.
مثال 4:
يزيد يقول: “وقد لم يخلُ عهدنا من تطبيق العدل”
التحليل: الصمت عن أي معارض أو حالات خلافية يترك المجال للتفسير.
الأثر: يضيف بعدًا إيحائيًا، حيث يستنتج المستمع أن العدل شامل ويطبق في جميع الأحوال.
مثال 5:
يزيد يقول: “لقد شهد الناس تقوى قادتنا واهتمامهم بالشعب”
التحليل: الصمت عن أي انتقادات أو مخالفات يشير ضمنيًا إلى أن كل الأمور تسير كما يجب.
الأثر التداولي: يعزز الصورة الإيجابية للقادة، ويجعل المتلقي يشارك في بناء المعنى دون تصريح صريح.
3️⃣ التحليل التداولي للصمت:
إشراك المستمع: الصمت يترك المجال للمتلقي ليصبح شريكًا في استنتاج المعنى.
إخفاء المعلومات الحساسة: يتيح الصمت التحكم في الرسائل السياسية دون إفصاح مباشر.
تعزيز التأثير النفسي: الصمت يعطي للخطاب وزنًا ومعنى إضافيًا، حيث يشعر المستمع أنه اكتشف الحقيقة بنفسه.
4️⃣ ربط الصمت التداولي بالنظرية:
وفق نظرية أفعال الكلام، الصمت يُعد فعل كلامي فعّال لأنه ينقل معنى ضمنيًا ويشارك المتلقي في بناء الرسالة (سيرل، 1979).
في خطبة البتراء، يظهر أن يزيد وظف الصمت لإدارة الرأي العام والسيطرة على التفسير دون الإفصاح عن كل التفاصيل السياسية.
المطلب الثالث: الإيحاءات والتلميحات التداولية:
1️⃣ تعريف الإيحاء التداولي:
الإيحاء التداولي هو نقل رسالة أو معنى ضمني دون تصريح صريح بالكلمات، ويعتمد على استنتاج المستمع أو القارئ من السياق (Samaraei, 2019).
في الخطاب السياسي مثل خطبة البتراء، يستخدم يزيد بن معاوية الإيحاءات لتحقيق عدة أهداف:
إيصال رسالة قوية دون الإفصاح عن التفاصيل الحساسة.
إشراك المتلقي في تفسير الرسالة، مما يزيد من تأثيرها النفسي والسياسي.
إبراز الصفات الإيجابية للحاكم أو الدولة بطريقة غير مباشرة.
2️⃣ أمثلة الإيحاءات والتلميحات من الخطبة:
مثال 1:
يزيد يقول: “وقد لمستم منا المساواة والعدل في أحكامنا”
التحليل: بالرغم من عدم ذكر أي معارض أو خصوم، الإيحاء هنا أن هناك خلافات محتملة، ويترك المستمع يستنتج أن الحاكم تعامل معها بعدل.
الأثر التداولي: يجعل المستمع شريكًا في بناء المعنى ويعزز الثقة بالحاكم.
مثال 2:
يزيد يقول: “لقد رعى الناس مصالحهم تحت إشراف حكومتنا”
التحليل: الإيحاء أن الحكومة تعاملت مع أي مشاكل أو صراعات بكفاءة دون تصريح مباشر.
الأثر: الرسالة تصبح أكثر قوة، والمتلقي يشعر أن الإدارة شاملة وعادلة.
مثال 3:
يزيد يقول: “نحن ملتزمون بالقوانين والشريعة”
التحليل: الإيحاء ضمنيًا أن أي مخالفة ستتم مواجهتها بعدالة، دون ذكر التفاصيل.
الأثر التداولي: يمنح المستمع صورة كاملة عن الالتزام دون الحاجة إلى شرح كل التفاصيل.
مثال 4:
يزيد يقول: “لقد شهد الناس الحكمة في إدارة أمور الدولة”
التحليل: الإيحاء أن هناك صعوبات أو تحديات تم التعامل معها بكفاءة، دون ذكر هذه التحديات صراحة.
الأثر: يبرز الحاكم كقائد حكيم وحنون على الشعب، ويترك المجال للتفسير الذاتي من المستمع.
مثال 5:
يزيد يقول: “لقد رأى الناس منا الإنصاف والعدل”
التحليل: الإيحاء أن هناك خصومًا أو منازعات تم التعامل معها بالعدل، دون ذكر تفاصيل هذه النزاعات.
الأثر التداولي: يعطي الانطباع بأن الحاكم قادر على إدارة الخلافات بطريقة عادلة وفعّالة.
مثال 6:
يزيد يقول: “لقد شهد الناس تقوى قادتنا واهتمامهم بالشعب”
التحليل: الإيحاء بأن أي انتقادات أو إخفاقات تم التعامل معها دون الحاجة لذكرها، مما يترك صورة مثالية في ذهن المستمع.
الأثر: يعزز الصورة الإيجابية للقيادة ويجعل المستمع يشارك في استنتاج معنى الرسالة.
3️⃣ التحليل التداولي للإيحاءات:
الإيحاءات تجعل الخطاب أكثر ديناميكية وفاعلية، لأنها تشرك المستمع في اكتشاف المعنى بنفسه.
تعطي الخطبة بعدًا نفسيًا، حيث يشعر المستمع أنه شارك في فهم الحقيقة، ما يعزز مصداقية الحاكم.
تعمل الإيحاءات جنبًا إلى جنب مع الحذف والصمت لخلق نص تداولي متكامل يحقق أهداف السيطرة على الرأي العام دون إفصاح مباشر.
4️⃣ الربط بين الحذف، الصمت، والإيحاء،الأداة:
أمثلة من الخطبة:
نوع فعل الكلام:
أثر التداولية:
الحذف:
“لقد رأى الناس منا العدل والتقوى”
غير مباشر:
المتلقي يستنتج أن كل ما هو سلبي تم تداركه
الحذف:
“وقد لمستم منا المساواة والعدل في أحكامنا”
غير مباشر:
يترك المتلقي يملأ الفراغ ويشارك في بناء المعنى
الصمت:
“نحن ملتزمون بأحكام الشريعة”
غير مباشر:
يترك المجال لتصور التطبيق والتفاصيل
الصمت:
“رعينا مصالح الناس في كل مكان”
غير مباشر:
الصمت عن الإخفاقات يعزز التصور الإيجابي
الإيحاء:
“لقد رعى الناس مصالحهم تحت إشراف حكومتنا”
غير مباشر:
يشير ضمنيًا إلى إدارة أي صراعات أو مشاكل بكفاءة
الإيحاء:
“لقد شهد الناس تقوى قادتنا واهتمامهم بالشعب”
غير مباشر:
المتلقي يستنتج إدارة التحديات دون تصريح مباشر
قراءة تداولية”، مجلة الدراسات اللغوية، المجلد 12، ص 101–124.
الخاتمة ونتائج وتوصيات البحث:
خلص هذا البحث إلى دراسة التداولية الصامتة في خطبة البتراء ليزيد بن معاوية، مع التركيز على أدواتها الرئيسة: الحذف، الصمت، والإيحاءات، وتحليل دور المستمع في استنتاج المعنى ضمنيًا.
النتائج والاستنتاجات:
الحذف التداولي:
استخدم يزيد الحذف لتقصير الجمل مع إخفاء التفاصيل السلبية أو الحساسة.
الحذف يترك المجال للمستمع لبناء المعنى الضمني، مما يعزز قوة التأثير النفسي للخطبة.
أمثلة التحليل أظهرت أن الحذف ركز على إبراز العدالة والمساواة، مع السماح للمتلقي بتصور ما لم يُصرح به (Al-Khatib, 2020).
الصمت التداولي:
الصمت أتاح مساحة للمتلقي لتفسير الرسائل ضمنيًا، خاصة فيما يتعلق بالقضايا السياسية أو النزاعات.
الصمت جعل الخطاب أكثر إيحائية وفاعلية، حيث شارك المستمع في فهم الرسالة بالكامل (Hamdi, 2018).
الإيحاءات والتلميحات التداولية:
الإيحاءات استخدمت لنقل رسائل ضمنية دون تصريح مباشر، مثل العدالة والحكمة والسيطرة على النزاعات.
الجمع بين الحذف والصمت والإيحاءات خلق خطابًا سياسيًا فعالًا، يجعل المستمع شريكًا في بناء المعنى (Samaraei, 2019).
الدور الأساسي للمستمع:
الخطبة لم تعتمد على الإفصاح الكامل، بل على مشاركة المستمع في تكوين المعنى، ما يعكس قوة التداولية الصامتة في الخطاب السياسي التاريخي.
الأثر التداولي العام:
استخدام يزيد لهذه الأدوات جعل الخطبة أداة سياسية ونفسية قوية، حيث تمكن من توجيه الرأي العام وإدارة الصورة الذهنية للحاكم دون إفصاح مباشر عن كل التفاصيل.
توصيات الدراسة:
بعد أن تم تحليل خطبة البتراء ليزيد بن معاوية من منظور التداولية الصامتة، وكشف دور الحذف، الصمت، والإيحاءات في توجيه المتلقي وبناء المعنى، تظهر الحاجة إلى اقتراح توصيات عملية وأفقية يمكن أن تُبنى عليها دراسات مستقبلية.
توصيات الدراسة تركز على فتح آفاق البحث العلمي في مجالات التداولية الصامتة، والخطاب السياسي،
والإعلام، وتمكين الباحثين من توسيع المعرفة النظرية والتطبيقية في هذا المجال وقد خلصتها الباحثة في النقاط التالية:
التداولية الصامتة في خطابات الخلفاء الأمويين والعباسيين: دراسة مقارنة.
الحذف والإيحاءات في الخطاب السياسي المعاصر: تحليل تطبيقي على بيانات وسائل الإعلام.
الصمت التداولي وأثره على الجمهور في الإعلام العربي الحديث.
دور التداولية الصامتة في بناء الانطباعات السياسية لدى المستمعين: دراسة تطبيقية.
تحليل أدوات التداولية الصامتة في الخطب الدينية التاريخية: قراءة تداولية معاصرة.
تعليم التداولية الصامتة في المناهج الأكاديمية: من النظرية إلى التطبيق.
العلاقة بين التداولية الصامتة وعلم النفس السياسي: أثر الحذف والصمت والإيحاء على المتلقي.
الإيحاءات والتلميحات في الإعلام السياسي الرقمي: دراسة تطبيقية على وسائل التواصل الاجتماعي.
قائمة المراجع
أولا: المراجع العربية
أوستن، جون لانغشو. (1985). كيف ننجز الأشياء بالكلمات. ترجمة عبد القادر قنيني. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.
Austin, John L. (1985). How to Do Things with Words. Translated by Abdelkader Qanini. Casablanca: Afrique Orient.
الجبوري، خالد. (2021). أفعال الكلام والصمت في الخطاب السياسي الإسلامي: منظور تداولي. مجلة اللسانيات التطبيقية، 14، 55-82.
Al-Jubouri, Khalid. (2021). Speech Acts and Silence in Islamic Political Discourse: A Pragmatic Perspective. Journal of Applied Linguistics, 14, 55–82.
حمدي، أحمد. (2018). الصمت كأداة تداولية في الخطاب السياسي العربي المعاصر. مجلة اللغة والأدب العربي، 15، 45–68.
Hamdi, Ahmed. (2018). Silence as a Pragmatic Tool in Contemporary Arabic Political Discourse. Journal of Arabic Language and Literature, 15, 45–68.
الخطيب، فاطمة. (2020). الحذف والإيحاء في الخطاب الديني العربي: قراءة تداولية. مجلة الدراسات اللغوية، 12، 101-124.
Al-Khatib, Fatima. (2020). Omission and Implication in Arabic Religious Discourse: A Pragmatic Reading. Journal of Linguistic Studies, 12, 101–124.
السامرائي، يوسف. (2019). التداولية الصامتة في الخطاب الأدبي: دراسة تطبيقية على الشعر الجاهلي. مجلة البلاغة والنقد، 8، 77-98.
Al-Samarrai, Yusuf. (2019). Silent Pragmatics in Literary Discourse: An Applied Study of Pre-Islamic Poetry. Journal of Rhetoric and Criticism, 8, 77–98.
سيرل، جون ر. (1979). أفعال الكلام: بحث في فلسفة اللغة. ترجمة وتقديم. بغداد: دار الشؤون الثقافية.
Searle, John R. (1979). Speech Acts: An Essay in the Philosophy of Language. Arabic translation. Baghdad: Dar Al-Shu’un Al-Thaqafiyyah.
ثالثًا: المراجع الأجنبية
Grice, H. P. (1975). Logic and conversation. In P. Cole & J. L. Morgan (Eds.), Syntax and Semantics: Speech Acts (Vol. 3, pp. 41–58). New York: Academic Press.
Searle, John R. (1979). Expression and Meaning: Studies in the Theory of Speech Acts. Cambridge: Cambridge University Press.
Yule, George. (1996). Pragmatics. Oxford: Oxford University Press.