مظاهر التّجديد في شعر أبي نواس وفكره الشّعوبيّ
شروق عبدالستار جبالي عازم1
1 جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين.
بريد الكتروني: s12497286@stu.najah.edu
Manifestations of Renewal in the Poetry of Abu Nuwas and His Shuʿubi Thought
Shorouq Abdul Sattar Jabali Azem1
1 An-Najah National University, Nablus, Palestine.
Email: s12497286@stu.najah.edu
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj75/7
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/75/7
المجلد (7) العدد (5). الصفحات: 126 - 139
تاريخ الاستقبال: 2026-04-05 | تاريخ القبول: 2026-04-12 | تاريخ النشر: 2026-05-01
المستخلص: تسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن مظاهر التجديد في شعر أبي نواس، وبيان صلتها بنزعته الشعوبية وبالتحولات الفكرية والحضارية التي شهدها العصر العباسي. وتنطلق الدراسة من إشكالية رئيسة مفادها: هل كان أبو نواس شاعرًا شعوبيًا؟ وما أبرز مظاهر التجديد التي تجلت في شعره؟ وقد اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، من خلال تحليل نماذج مختارة من شعر أبي نواس، وتتبع أثر البيئة العباسية وما اتسمت به من انفتاح حضاري وجدال فكري في تشكيل رؤيته الشعرية والفكرية. وتناولت الدراسة علاقة شعر أبي نواس بعلم الكلام والمنطق، وتجليات الشعوبية في شعره، ولا سيما موقفه من الحياة العربية البدوية وميله إلى تمجيد الحياة الحضرية العباسية، إضافة إلى مظاهر التجديد في لغته وموضوعاته وصوره الشعرية، وفي مقدمتها رفض المقدمة الطللية، وتطوير الخمريات، والانحياز إلى تصوير الواقع الحضري الجديد. وقد خلصت الدراسة إلى أن أبا نواس مثّل نموذجًا بارزًا للشاعر العباسي المجدد، إذ تجاوز الأطر التقليدية للشعر العربي، وربط الشعر بواقع عصره وتحولاته، كما أظهر شعره أثر الصراع الحضاري بين العرب وغيرهم في دفع حركة الشعر العربي نحو التجديد والازدهار. وتؤكد الدراسة أن تجديد أبي نواس لم يكن قطيعة تامة مع التراث، بل كان محاولة لإعادة تشكيله بما يوافق روح العصر العباسي وتحولاته الثقافية والفكرية.
الكلمات المفتاحية: أبو نواس، التجديد الشعري، الشعوبية، العصر العباسي، علم الكلام.
Abstract: This study seeks to explore the manifestations of renewal in the poetry of Abu Nuwas and to examine their connection with his Shuʿubi tendency and the intellectual and civilizational transformations of the Abbasid era. The study is based on a central research problem: Was Abu Nuwas a Shuʿubi poet? And what are the most prominent manifestations of renewal in his poetry? The study adopts the descriptive-analytical method by analyzing selected poetic examples from Abu Nuwas’s works and tracing the influence of the Abbasid environment, with its civilizational openness and intellectual debate, on the formation of his poetic and intellectual vision. The study discusses the relationship between Abu Nuwas’s poetry and Islamic theology and logic, the manifestations of Shuʿubiyya in his poetry—particularly his attitude toward Bedouin Arab life and his tendency to glorify Abbasid urban life—as well as the aspects of renewal in his language, themes, and poetic imagery. These include, most notably, his rejection of the traditional nasib and standing by the ruins, his development of wine poetry, and his inclination toward depicting the new urban reality. The study concludes that Abu Nuwas represents a prominent model of the innovative Abbasid poet, as he moved beyond the traditional frameworks of Arabic poetry and linked poetry to the realities and transformations of his age. His poetry also reveals the impact of the civilizational conflict between Arabs and non-Arabs in advancing Arabic poetry toward renewal and flourishing. The study further affirms that Abu Nuwas’s renewal was not a complete rupture with heritage, but rather an attempt to reshape it in accordance with the spirit of the Abbasid era and its cultural and intellectual transformations.
Keywords: Abu Nuwas, Poetic Renewal, Shuʿubiyya, Abbasid Era, Islamic Theology.
المقدمة
الحمد لله وبِه نستعين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين، الذي بُعث رحمة للعالمين، ليخرجهم من ظلمة الجهل إلى نور الهدى، بلسان عربي مبين، وبعد…
الحسن بن هانئ الملقب بأبي نواس؛ أحد أعلام الشعر العربي في العصر العباسي، وأكثر الشعراء تأثيرًا في عصره، وأكثرهم إثارة وجدلاً في تاريخ الأدب، والذي تمكن بفضل روحه المتمردة وموهبته الفذة من إحداث ثورة في مسار الشعر العربي، بخروجه عن المألوف وابتعاده عن القوالب التقليدية، مقدمًا بذلك أسلوبًا شعريًا متفرّدًا ورؤية جديدة، في ظل بيئة زاخرة بالتنوع والانفتاح على الحضارات الأخرى.
إن تجديد أبي نواس في أشعاره لم يقتصر على الشكل والأسلوب فحسب، إنما امتد ليشمل الموضوعات والتوجهات الفكرية، فقد انعكس فكره الشعوبي على مؤلفاته الشعرية، مما أضاف بعدًا فكريًا متميزًا وجريئًا مثيرًا للجدل، وأصبح بذلك رمزًا للإبداع والابتكار بين شعراء عصره.([1])
وقد ارتأينا لاختيار “مظاهر التجديد في شعر أبي نواس وفكره الشعوبي” عنوانًا لبحثنا، الذي يهدف لاستكشاف مظاهر التجديد في شعر أبي نواس، ويبين من خلاله كيفية تجنبه وابتعاده عن الموضوعات التقليدية؛ كالمدح والرثاء وغيرهما، وتبنيه موضوعات جديدة وغير مألوفة في الشعر العربي التقليدي؛ كالخمر والمجون والحياة الحضرية. وإلى جانب ذلك، سنتطرق إلى فكر أبي نواس الشعوبي، ذلك الفكر الذي رفض التفوق العرقي للعرب ودعا للاعتراف بمساهمات باقي الشعوب في الحضارة الإسلامية.
كما ويهدف هذا البحث لتقديم صورة متكاملة عن أبي نواس كشاعر مجدد ومتبني للفكر الشعوبي، وكيف أسهمت أعماله في تشكيل ملامح الأدب العربي الحديث. وسنعتمد في بحثنا على تحليل بعض النماذج من أشعاره، ومراجعة الأدبيات النقدية التي تناولت حياته وأعماله، لنصل إلى فهم أعمق لتأثيراته الثقافية والفكرية.
إشكالية البحث وأسئلته
تتمثل إشكالية البحث في السؤال الرئيس التالي:
هل كان الشاعر أبو نواس شعوبيًا؟ وما هي مظاهر التجديد التي تجلت في أشعاره؟
وينبثق من هذا السؤال الأسئلة الفرعية الآتية:
1 كيف تجلت شعوبية أبي نواس في شعره؟
2. ما هي مظاهر التجديد في شعر أبي نواس، وأدب الحركة المعاكسة؟
أهداف البحث
1. طرح قضية علماء الكلام وعلمهم واستفادة أبي نواس منهم.
2. إظهار تجليات الفكر الشعوبي في شعر أبي نواس.
3. الوقوف على مظاهر التجديد وأدب الحركة المعاكسة في شعر أبي نواس.
منهجية البحث
يتبع هذا البحث المنهج الوصفي – التحليلي، حيث قُدّم شعر أبي نواس كمادة أساسية للبحث، مبينين صورًا من مظاهر التجديد في شعره، وتأثره بالفكر الشعوبي، من خلال نقد العادات التقليدية البدوية.
حدود الدراسة:
تقتصر هذه الدراسة على تحليل مظاهر التجديد في شعر أبي نواس من خلال ثلاثة محاور: علاقته بعلماء الكلام، وتجليات الشعوبية، وأدب الحركة المعاكسة. وتغطي الدراسة الفترة الزمنية من (145هـ – 198هـ) في البيئة الحضارية العباسية (بغداد والبصرة)، بالاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي، وعلى نماذج مختارة من شعره والمصادر المتاحة. ولا تتناول الدراسة الجوانب النفسية للشاعر، ولا جميع أغراضه الشعرية الأخرى
خطة البحث
اشتملت خطة البحث على: مقدمة، وتمهيد، وثلاثة فصول، ونتائج، وتوصيات، وخاتمة، بالإضافة إلى قائمة المصادر والمراجع.
· التمهيد: التعريف بالشاعر أبي نواس، والمفاهيم الأساسية (العصر العباسي، الشعر فيه، مفهوم الشعوبية، علم الكلام، النزعة التجديدية).
· الفصل الأول: علاقة علماء الكلام بشعر أبي نواس.
· الفصل الثاني: الشعوبية وتجلياتها في شعر أبي نواس.
· الفصل الثالث: مظاهر التجديد في شعر أبي نواس وأدب الحركة المعاكسة.
تمهيد: مفاهيم أساسية
أبو نواس: حياته وشعره
أبو نواس رئيس شعراء عصره، وهو الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح لقب بذلك لضفيرتين على كتفيه.
ولد عام ١٤٥هـ لأب سوري وأم فارسية في إيران، وتوفي أبوه فانتقل مع أمه إلى البصرة.
نشأ في بيئة غير مستقرة؛ إذ كانت أمه تعمل في الفاحشة، فاضطر للعمل مبكرًا في عطارة ليساعد إخوته.
تعلم اللغة والأدب على يد شيوخ، فبرع حتى قيل إنه أقدر أهل البصرة، تأثرَ شعره ببيئته فاتجه إلى الخمر والمجون، متجاوزًا القيم الاجتماعية.
كان من الشعوبيين، ينتقد العرب وأشعارهم التقليدية، ويدعو للتجديد في الشعر، وكان أول من هجر الأطلال البدوية واستخدم الألفاظ الحضرية.([2])
تنوع شعره بين الغزل، المدح، الخمريات، الزهد، والرثاء.
توفي عام ١٩٨هـ ودفن غرب بغداد([3])
العصر العباسي والشعر فيه
بدأ العصر العباسي عام 136 هـ (سقوط الدولة الأموية) واستمر حتى سقوط بغداد عام 656 هـ. ازدهرت الثقافات المتنوعة، مما دفع الشعراء إلى الابتعاد عن الموضوعات التقليدية (كالخلق والدين والعادات القديمة) والتوجه نحو أساليب جديدة.
مال الشعراء إلى استخدام المحسنات البديعية والتجديد، كما اتسعت موضوعاتهم لتشمل المجون والأغراض المستحدثة، مع اعتماد أسلوب أقرب إلى “الرقّة” في النظم، فأصبح الشعر العباسي أكثر انفتاحًا على الواقع وتنوعًا في المواضيع مقارنة بالعصور السابقة.([4])
مفهوم الشعوبية
الشعوبية مصطلح سياسي عرفته الحضارة العربية الإسلامية، ويهدف إلى إزالة الفوارق العصبية بين الأمم، استنادًا إلى مبدأ المساواة الإنسانية الذي قرره القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، بموجب هذا المبدأ، تتساوى جميع الشعوب والقبائل في الحقوق، ولا تفاضل بينها إلا بالتقوى([5]).
لكن بعض الجماعات انحرفت عن هذا المبدأ، وساءت معاملتها للمواقف، مما أدى إلى ظهور “النّزعة الشعوبية” التي سعت في البداية للمطالبة بالمساواة بين العرب والعجم، ثم تطورت لتصبح مطالب بالتفاضل والانتقاص من العرب([6]).
قضية علماء الكلام
عرّف الإمام أبو حنيفة علم الكلام بأنه الفقه في أصول الدين، وهو أعظم من الفقه في فروع الأحكام، ويشمل الاعتقادات والعمليات. أما الفارابي فعرفه بأنه صناعة تمكن الإنسان من نصرة الآراء والأفعال المقررة شرعًا، والرد على المخالفين بالحجج.
وقد ارتبط هذا العلم بالجدل والمناظرة، وأدى إلى انقسام المسلمين إلى فرق كالجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، وغيرهم. واستند أصحابه في أدلتهم إلى علم المنطق، مما جعل لهم مسالك خاصة، وقد قوبلوا بمعارضة شديدة من أئمة السلف وعلمائهم([7])
النزعة التجديدية في الشعر
التجديد في الشعر الأندلسي نشأ عن وعي وبصيرة، وجمع بين الأصالة والابتكار. رغم أن الشعر الأندلسي امتداد للشعر المشرقي، إلا أن البيئة الجديدة في الأندلس ساعدت على تنمية شاعريته، فظهرت حركة تجديد تميزت بالرقة والعذوبة، وبرزت فيها الطبيعة، والغزل، والخمريات، والمدح([8])
الفصل الأول: علاقة علماء الكلام بشعر أبي نواس
تعكس العلاقة بين علماء الكلام وشعر أبي نواس تفاعلًا عميقًا مع السياق الفكري والثقافي للعصر العباسي، الذي كان مركزًا للازدهار الفلسفي والأدبي.
أما من ناحية السياق الفكري والثقافي، عاشت بغداد آنذاك حراكًا فكريًا حادًا بين علماء الكلام والسلطة، فتفاعل معها أبو نواس وتأثر بمناخ الجدل الديني والفلسفي، وهو ما انعكس في شعره من خلال استخدامه للجدل الكلامي، وتمرُّده على التقاليد السائدة، حيث كان هذا التمرّد موجهًا جزئيًا ضد التيارات الفكرية والدينية المهيمنة([9]).
وأما في النقد الاجتماعي والسياسي، فقد تضمنت بعض قصائده تلميحات نقدية للمجتمع والحكام، مما جعله يتقاطع مع القضايا التي شغلت علماء الكلام، مثل مسائل القدر والتوحيد والعدل الإلهي، ما يشير إلى تأثره بالمناظرات الكلامية التي كانت سائدة في عصره([10]).
المبحث الأول: التأثر الفكري والفلسفي
فيما يتعلق بالتأثير الفلسفي، فإن أبا نواس، رغم أنه لم يكن متكلمًا، استحضر في أشعاره أفكارًا فلسفية، خاصة في معالجته لقضايا الموت والحياة والمصير، مما يضفي على تجربته الشعرية بُعدًا تأمليًا يتجاوز المجرد الغزلي أو الخمري([11]).
المبحث الثاني: الاستفادة من علم المنطق والكلام
وظف أبو نواس تقنيات الجدل والمنطق الكلامي وهذا لم يكن مجرد تأثر سطحي، بل كان أداةً للسخرية من المفاهيم الدينية والاجتماعية السائدة. إذ إن علم الكلام الذي يعني علم أصول الدين والدفاع عن العقائد بالعقل والنقل وظفه الشاعر بطريقة معاكسة، فاستخدم أدواته العقلية لنقد الثوابت لا لدعمها([12]).
ومن النماذج الشّعرية الّتي توضح ذلك:
- قصيدة “دع عنك لومي”: استخدم فيها المفارقة بأن يكون الشيء نفسه داءً ودواءً، وهو أسلوب جدلي قريب من منهج المتكلمين.
- قصيدة “فقل لمن يدعي في العلم فلسفة”: وظف المفهوم المنطقي للجزئية والكلية للتنبيه إلى محدودية المعرفة الإنسانية ونقد ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.
- قصيدة “من لمرئ همه نفسه”: ركز على فكرة عيش الحاضر والانشغال به، متجاوزًا القلق من الماضي والمستقبل، وهي فكرة ترتبط بالنقاش الكلامي حول الإرادة الحرة.
- قصيدة “إذا غامرت في شرف مروم”: طرح من خلال المفارقة بين الحقير والعظيم أن الموت حتمي متساوٍ في كل الأحوال، مما يعكس نظرة فلسفية تأثرت بقضايا الموت والقدر في علم الكلام([13]).
- قصيدة “ليس على الحب شرط”: فكك العلاقة بين العقل والعاطفة مؤكدًا أن الحب يتجاوز المنطق، وهو ما يتصل بالجدل الكلامي حول الطبيعة غير العقلانية للمشاعر الإنسانية.
الخلاصة: لم يكن أبو نواس مجرد شاعر خمريات وغزل، بل وظف أدوات الجدل الكلامي والفلسفي في شعره لنقد المفاهيم السائدة، واستخدم المفارقات المنطقية وقضايا الإرادة والمعرفة والموت والعاطفة ليضفي على تجربته الشعرية أبعادًا فلسفية عميقة([14]).
المبحث الثالث: انعكاس علم المنطق والكلام في أدب العصر العباسي
المظاهر الرئيسيّة الثّلاثة لتأثير علم الكلام والمنطق في الأدب العباسي:
- انتشار المناظرات الفلسفية: امتلأ العصر بالمناظرات بين المذاهب الفلسفية والفرق الإسلامية، والتي اعتمدت على أساليب المنطق والجدل. استفاد الشعراء من هذه الأدوات لصياغة أفكارهم والتعبير عن مواقفهم.
- التركيز على القضايا العقلية والفلسفية: أصبح الأدب أكثر تعقيدًا بتناوله قضايا مركزية في علم الكلام كالقدر، والإرادة الحرة، والحياة بعد الموت.
- أسلوب السخرية والجدل: تأثر الأدب بالأسلوب الجدلي القائم على السخرية والمنطق، فاستخدمه الشعراء لنقد الأفكار السائدة وتأكيد مواقفهم الفلسفية والاجتماعية([15]).
استفادة أبي نواس من علم الكلام والمنطق
وظف أبو نواس أدوات المنطق والكلام في جوانب متعددة من شعره، أبرزها:
- المفارقات الفلسفية: خلق مفارقات فلسفية باستخدام مفاهيم المنطق والكلام، كما في قوله “وداوني بالتي كانت هي الداء”، حيث أظهر إمكانية أن يأتي الحل من المشكلة ذاتها.
- النقد الاجتماعي والديني: وظف الأدوات الكلامية والمنطقية لنقد المظاهر الاجتماعية والدينية من خلال المفارقات والجدل الديني.
- مفاهيم القدر والحياة: تناول قضايا الموت والقدر برؤية فلسفية، كما في قصيدته “إذا غامرت في شرف مروم”، حيث قدّم الموت كحتمية لا تختلف باختلاف الظروف.
- الأسلوب الجدلي: استخدم أسلوبًا شبيهًا بأسلوب المتكلمين في الجدل، كما في قصيدة “قل لمن يبكي على رسم درس” لنقد الحزن على الماضي.
- التأثير الكلامي: وظف المفارقة الكلامية في الجمع بين الضدين، كما في قصيدة “فقل لمن يدعي العلم فلسفة”.
- التأثير المنطقي: انتقد ادعاء المعرفة الكاملة باستخدام منطق الجزئية والكلية.
- التأثير الفلسفي: عبر عن حتمية الموت بغض النظر عن الظروف، متأثرًا بالنقاشات الكلامية حول القضاء والقدر.
- الطابع الفلسفي العقلي: مزج بين الفكر الفلسفي والخمرة بطريقة مبتكرة، فلم يصفها كوسيلة للهروب من الواقع كما فعل من سبقوه، بل جعلها في قصيدة “اشرب ولا تسأل” وسيلة للتأمل في الحالة النفسية وفلسفة الحياة والموت([16]).
الخلاصة: تأثر الأدب العباسي عامة، وأبو نواس خاصة، بعلم الكلام والمنطق تأثرًا عميقًا، فاستخدم الشاعر أدواتهما الجدلية والفلسفية ليس فقط في صياغة أفكاره، بل في نقد الثوابت الدينية والاجتماعية، وتناول قضايا القدر والحياة والموت، وإضفاء أبعاد فلسفية على تجربته الشعرية، متجاوزًا بذلك التقليد الشعبي السائد.
الفصل الثاني: الشعوبية وتجلياتها في شعر أبي نواس
المبحث الأول: تاريخ الشعوبية ومراحلها
ظهرت الشعوبية قبل العهد النبوي، لكنها تفاقمت بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية ودخول أمم غير العربية في الإسلام، مثل الفرس والروم. ورغم فشل محاولاتها زعزعة الدولة في عهد الخلافة الراشدة، فإن سوء معاملة الأمويين للموالي من خلال فرض ضرائب كبيرة عليهم والتمييز بينهم وبين العرب أعاد إحياء الشعوبية كمصطلح سياسي واجتماعي، بقيادة الفرس بشكل خاص. ومع حلول العصر العباسي، ازداد نفوذ الحركة الشعوبية، إذ ساهم أتباعها في إسقاط الدولة الأموية، فكافأتهم الدولة العباسية بمناصب وزارية وكبيرة. لكنهم استغلوا هذه المواقع لتفجير أحقادهم ضد العرب، ما جعل منهم خطرًا يهدد الدولة الإسلامية سياسيًا واجتماعيًا([17]).
المبحث الثاني: أهداف ومقاصد الشعوبية
سعت الحركة الشعوبية إلى تحقيق جملة من الأهداف التي تستهدف النيل من أسس الدولة الإسلامية والعربية، فقد عملت على محاولة القضاء على الدولة الإسلامية وإضعاف كيانها، كما ركزت على الطعن في المكانة العربية عبر التقليل من شأن العرب وشخصياتهم، وإعلاء شأن الموالى (غير العرب) وتسويتهم بالعرب. ولم تقف عند هذا الحد، بل امتد نشاطها إلى محاولة إضعاف الجانب الديني الإسلامي الذي كان العرب يمثلونه، بدعوى أن عقائد الفرس والروم تناقض الإسلام. كما سعت إلى إشاعة الفساد والمجون، وبث الفتن بين المسلمين بإثارة الأحقاد والعداوات، ومحاولة زعزعة استقرار المجتمع ونشر الرذائل، وذلك بهدف تفكيك النسيج الاجتماعي والديني للأمة الإسلامية([18]).
المبحث الثالث: مظاهر الشعوبية في شعر أبي نواس
يرى الكاتب أن أبا نواس كان من غلاة الشعوبية، حيث يهاجم العرب ويمدح الفرس، ولا يبالي بالسلطان في عصره. ويزعم أن أبا نواس اتخذ الشعر وسيلة للتعبير عن نزعته الشعوبية، بهدف الإضرار بالعروبة والإسلام والقضاء على الدولة الإسلامية، بدعوى أن الإسلام يتنافى مع معتقداته ويحارب شهوات أمثاله.
كما يشير النص إلى أن الصراع بين الشعوبية والعرب اشتد في العصر العباسي، وتشعبت مجالاته في الإدارة والسياسة والعلم والآداب والعادات، وأن زنادقة الشعوبية نشطوا لنشر الإلحاد والفسق([19]).
كان أبو نواس من غلاة الشعوبيين، حيث كان يذم العرب ويمدح الفرس… ومن تجليات الشعوبية في شعره:
- مدحه الفرس وذمه العرب.
لَيسَتْ لِذُهلٍ وَلَا شِيبَانُهَا وَطَنًا لَكِنَّهَا لِبَنِي الأحرَارِ أوطَانُ
يَحمد أبو نُواس بِالفرس كونُه فَارسيّ، قَائلًا بِأنّهم هم الأحرَار، وَأمثالهم منْ يستحق العَيش، وَليس العَرب أصحَاب الصّحراء وَالبادِيةِ.
- الخلط بين العربية والفارسية في شعره.
وَالمهرَجَانُ المدَارُ لِوَقتِهِ الكرَار
والنوكروز الكِبَار وَجَشن جَاهِنبَاز
وَأيضًا بِقَوله:
دَعِ الرَّسم الَّذي دَثرا يُقاسِي الرِّيحَ وَالمطَرا
وَكُن رَجلاً أَضاعَ العِلمَ فِي اللَّذّاتِ وَالخطَرا ([20])
دَمج أبو نُواس بَين اللّغةِ العَربيّة وَالأسمَاء الفَارسيَّة، فَيذكُرهم بِأسمائِهم وَيمدح حكامهُم.
- ثورته في الحد من الوقوف على الأطلال.
قُلْ لِمن يَبكِي عَلى رسمِ دَرسٍ وَاقِفًا مَا ضَرَّ لَو كَانَ جلس
أترُكِ الربعَ وَسَلمَى جَانِبًا وَاصطَبِح كَرخية مِثلَ القَبَسْ ([21])
وَمِنهَا أيضًا:
لِتِلكَ أَبكي وَلا أَبكي لِمَنزِلَةٍ كانَت تَحُلُّ بِها هِندٌ وَأَسماءُ
فَهنا يُشير لِبُكَائِهِ عَلى الخَمر، بِخلاف عَادات شُعراءِ العربِ مِمّن يبكونَ الأحبّةَ.
كَذلِك فِي الأبيَاتِ التّالِيَةِ يَهجو عَيش العَربِ لَيس فَقط بِوقوفِهِم علَى الأطلالِ:
دَعِ الأَطلالَ تَسفيها الجَنوبُ وَتُبلي عَهدَ جِدَّتِها الخُطوبُ
وَخَلِّ لِراكِبِ الوَجناءِ أَرضاً تَخُبُّ بِها النَجيبَةُ وَالنَجيبُ ([22])
فجاء أبُو نُواس هُنا مُخاطبًا الشّاعرَ العَربِي بِأنْ يَتخلَّى عَنْ وَصفه للأطلال، لِأنّ رِيح الجَنوبِ سيمحوهَا فَيقولُ ذَلك سَاخرًا مِنْ بِيئةِ البادِيةِ الَّتِي لَا يَنبتُ فيهَا إلَّا الشَّجر وَيأمرهُ بِألَا يَميلَ لِلعيشِ عَلَى طَرِيقةِ الأعرابِ فِي اللَّهوِ وَاللّعِبِ لأنّهَا لا تدفع بهِ لِلسَّعادَة.
- سخريته من العرب ومعيشتهم.
فَهذَا العيشُ … لَا خيمُ البَوَادِي وَهذا العيشُ … لَا اللَّبنُ الحليبُ
فَأَينَ البَدو مِن ايوَانِ كِسرَى وَأَينَ مِن المَيَادِينِ الزّرُوبُ ([23])؟!
وَمِنهَا أيضًا:
بِلادٌ نَبتُها عُشَرٌ وَطَلحٌ وَأَكثَرُ صَيدِها ضَبعٌ وَذيبُ
وَلا تَأخُذ عَنِ الأَعرابِ لَهواً وَلا عَيشاً فَعَيشُهُم جَديبُ ([24])
وَفي هَذهِ الأبيات تتجلَّى فِيها المُقابلةُ بينَ نَمطَي حَياة مختلفتين، حيثُ يُظهر أبو نُوَاس رفضه للحياةِ القديمة حياةُ العربِ وَالبادية، مُفضّلًا حياةَ الرَّفاهِيَّةِ وَالتّرف.
- حبه للخمرة وتَهجّمه على الدين.
ألَا فَاسقِنِي خَمرًا، وَقُل لِي: هِيَ الخَمرُ وَلَا تَسقِنِي سِرّاً إذَا أَمكَنَ الجَهرُ
فَمَا العَيْشُ إلَّاّ سَكرَةٌ بَعد سَكرَةٍ، فِإن طَالَ هَذَا عِندَهُ قَصُرَ الدَّهرُ
وَمَا الغَبْنُ إلَّاّ أنْ ترَانيَ صَاحِيًا وَمَا الغُنْمُ إلَّا أن يُتَعْتِعَني السّكْرُ ([25])
وَفِي قَولِهِ:
يَقُولُ النَّاسُ: قَدْ تُبتُ وَلَا وَاللهِ مَا تُبتُ
فَلَا أترُكُ تَقبِيلَ خُدُودِ المردِ مَا عِشتُ
وَقَولُهُ أيضًا:
دَعِ المَسَاجِدَ لِلعُبَّادِ تَسكُنُهَا وَطُف بِنَا حَولَ خَمَّارٍ لِيَسقِينَا
مَا قَالَ رَبُّكَ وَيلٌ لِلَّذِين سَكِرُوا وَلَكن قَالَ وَيلٌ لِلمُصَلِّينَا ([26])
فَأقوالُهُ جاءت فِي مدح الخَمر وتفاخره بشربهِ وَسكرهِ، ورَفضهِ التّوبة وَسخريتهِ وَتهجُّمهِ علَى شرعِ الله، وقد أظهرَ حُبّهُ لِغلمانِه الَّذي غلَب علَى خوفهِ مِنَ الله تَعالى.
- تجليات الصراع في شعره (صراعه مع شعوبيته).
فَقَد ذَكَرَ أبو نُوَاس فِي أبيَاتِهِ قَائِلًا:
لقد طال في رسم الديار بكائي وقد طال تردادي بها وعائي
كأني مريغ في الديار طريدة أراها أمامي، مرة وورائي
فلما بدا لي اليأس عدلت ناقتي عن الدار، واستولى على عزائي([27])
وَقد أجبر أبُو نواس علَى المقدّمةِ الطَّلليَّةِ، وَذلك ليَتِمّ قبول قَصائدهِ أمامَ أنصارِ ذلكَ المذهَب؛ أي البدء بِالطَّللياتِ، فكان يبكي الرّبع وينعى الأحبَّة ويصفُ النَّاقة والمفازةَ.
وَأيضًا:
لَا تُمَكّنّي مِنَ العَربِيدِ يشرِبُنِي وَلَا اللَّئِيمُ الَّذِي شَمَّنِي قطبَا
وَلَا المَجُوسُ، فَإِنَّ النَّار ربهُم ولا اليَهُودُ، وَلَا مَن يَعبدُ الصّلبَا
وَلَا السّفال الَّذي لَا يَستَفِيقُ وَلَا غرّ الشَّبابِ، وَلَا مَن يَجْهلُ الأدَبَا
وَلَا الأرَاذِلُ، إلَّا مَنْ يُوقّرُنِي مِنَ السّقاةِ … وَلَكم اِسقِني العربَا ([28])
فَقد كان لِأبي نُواس صراع معَ مواقفه منَ العربِ، وَشُعوبيَّتهِ عندَ الخمرةِ ومجونهَا، إذ لم يَكن يبيعُ شعرهُ لأحدٍ، وإنَّما يَقوم بهِ لِنفسهِ.
الفصل الثالث: مظاهر التجديد في شعر أبي نواس وأدب الحركة المعاكسة
المبحث الأول: الشعر العباسي بين التقليد والتجديد
يُعالج النص حركة الشعر في العصر العباسي في إطارها التاريخي والثقافي، مبينًا أن الشعراء العباسيين استفادوا من حركة التدوين والاختيارات الشعرية التي سبقتهم، مما أكسبهم أسلوبًا قويًا، غير أن أكثر أشعارهم اتسمت بالسهولة وضعف الحبك أحيانًا. وقد عايش هؤلاء الشعراء تحولات اجتماعية وسياسية وعقلية جديدة لم يعرفها سابقوهم، مما أمدهم بدوافع ذاتية وعاطفية أقوى، فانقسموا بسبب ذلك إلى اتجاهين رئيسيين: اتجاه تقليدي محافظ ظل ملتزمًا بالنهج القديم، من وقوف على الأطلال ووصف للطبيعة الصحراوية، وكان هذا الاتجاه مرضيًّا للفقهاء والمحافظين الذين رأوا فيه ضمانًا للجاه واستمرارًا للروح الجاهلية؛ واتجاه تجديدي حرر نفسه من تلك الموروثات واتجه إلى تصوير واقع الحياة المعاصرة وما يشهده الشعراء من أحداث، فابتعد عن ذكر الأطلال والديار والصحراء، وسلك سبيل التنوع في الأغراض ليواكب روح العصر، لكن النص ينتقد هذا الاتجاه بأن قصائد التجديديين خلت من حرارة العاطفة والمعاني السامية، وظلت محكومة برغبة في إرضاء اللغويين والفقهاء، فكان تجديدهم شكليًّا ولم يرقَ إلى مستوى التغيير الجوهري في المضمون الشعري([29]).
المبحث الثاني: اللغة في الشعر التقليدي والتجديد
اللغة في الشعر التقليدي: يتميّز أسلُوب الشّعر التقليديّ القَديم بالإحكام وَالرّصانة، وقد امتلك الشّعراء العبّاسيّون لغته وأسلوبهُ، لاِطّلاعهم عليهِ ووقوفهم على المفضلِيّات والأصمعيّات وغيرها، وَبَعضهم منْ نظر إليها علَى أنّها جَمع لِلفظ الغريب أو إثبات الشاهد علَى المعنَى الدَّقيق، فساعدهم أسلوبه على المحاكاة في الشّعر التّقليديّ، وانتقوا بعض الموضوعات منه كالفخر والمدح وغيرها، وعملوا على تطويرها بِالمؤثّرات الموسيقيّة كالأوزان والبحور([30]).
اللغة في الشعر التجديدي الحديث:
تلتزم لغة الشّعر الحديث بالبناء المأثُور من القديم، فيتناول موضوعاته ويجري على وزنه ويعرض معانيه، والاختلاف يبقى في تصوير الشّاعر المحدّث لما يُناسب عصره فَيستبدل مطلع القَصيدة بالحديث عن الخمريّات بدلًا من التَّعبير العاطفيّ، ويكون ذلِك مُجاراةً للواقعِ بصرف النَّاس عن الاهتمام بالقديم والنّظر للجديد([31]).
المبحث الثالث: مظاهر التجديد في شعر أبي نواس
- رفض الطلل: فَلم يكن أبو نواس ممّن يتغنّى بمطالع قصائده بالخيام والأطلال والإبل، فهو يؤمن أنّ الشّعر ينبغي له أن يكون سجلا واقعيّا يصوّر الحياة الحاضرة، فيكون مرآة صادقة تمثّل الواقع أفضل تمثيل، ويوقن في قرارة نفسه أنَّ في الشّعر رسالة للحياة، فأصرّ على رسم ملامح الحياة الحاضرة من خلال أشعاره، ليوثّق العلاقة بينَ الشّعر والواقع ويحقّق مبدأ الصّدق الفنّي من خلالها، ولذلك حرص أن تكون مطالع قصائده عن وصف القصور والطَّبيعة والتّغني بالخمر والقيان ([32]).
وجاء في ذلك وصفه:
أَحَبُّ إِلَيَّ مِن وَخدِ المَطايا بِموماةٍ يَتيهُ بِها الظَليمُ
وَمِن نَعتِ الدِيارِ وَوَصفِ رَبعٍ تَلوحُ بِهِ عَلى القِدَمِ الرُسومُ
وفي رفضه للمقدّمة الطّلليةِ قائلًا:
دَع طلُولًا تَأَبَّدت مِن سليمَى وَأقفَرَتْ
دَع الرّبعَ الَّذِي دَثَرَا يُقَاسِي الرِّيحَ وَالمَطَرَا
وتتجلى دلالة التضاد في قوله:
عَاجَ الشَّقِيّ عَلَى دَارٍ يُسَائِلُهَا وَعجتُ أسأَلُ عَنْ خَمَّارَةِ البَلَدِ
كَمْ بَينَ مَنْ يَشتَرِي خَمرًا يلذ بِهَا وَبَينَ بَاكٍ عَلَى نُؤيٍ وَمُنتَضِدِ.
ففي هذه الأبيات يظهر أبو نواس أنّ الوقوف على الأطلال الغائبة من التّقليد المتخلّف، لأنّها بعيدة عن الصّدق الفنّيّ والاجتماعيّ، معتبرا بذلك أنّ الخمر رمز للحياة الحضاريّة العبّاسيّة، ويمثّل الصّدق الفنّي الذي إن فقده الشاعر فقد يعرض نفسه للزلل والأوهام
- الخمرية النواسية: فكان الخمر عند أبي نواس من الأغراض الشّعريّة، واتّخذه وسيلة لمدح طريقته الحديثة ذمّ من سبقه، وقد جعل قصيدة الخمر إحدى مظاهر التّرف والزاد الروحيّ، فأصبحت خاصة به قدّسها وعبدها وأضفى عليها سمات الإبداع والفنّ، قائلا فيها:
فَجاءَ بِها زَيتِيَّةً ذَهَبِيَّةً فَلَم نَستَطِع دونَ السُجودِ لَها صَبرا
وَخلع عَلَى الخَمر لِبَاسُ الجَلَالَةِ وَمدَامَة تَحيَا المُلُوك بِهَا
جلّت مَآثِرُهَا عَنِ الوَصفِ وَيرَى عَلَى المُلُوكِ السُّجُود([33])
وإنّ أبو نواس يتفرّد بالحوار القصصيّ في خمريّاته ويبدع في رسمه، ويظهر من خلاله روح المرح والدّعابة، واصفا شتّى التّفاصيل برسمه الخلجات النّفسيّة والملامح الزّمانيّة والمكانيّة بما يتناسب مع المجالس الخمريّة التي يملؤها المرح والنّسوة
وَخَمّارَةٍ لِلَّهوِ فيها بَقِيَّةٌ إِلَيها ثَلاثاً نَحوَ حانَتِها سِرنا
إِلى أَن طَرَقنا بابَها بَعدَ هَجعَةٍ فَقالَت مَنِ الطُرّاقُ قُلنا لَها إِنّا
شَبابٌ تَعارَفنا بِبابِكِ لَم نَكُن نَروحُ بِما رُحنا إِلَيكِ فَأَدلَجنا
فَإِن لَم تُجيبينا تَبَدَّدَ شَملُنا وَإِن تَجمَعينا بِالوِدادِ تَواصَلنا
فَقالَت لَنا أَهلاً وَسَهلاً وَمَرحَباً بِفِتيانِ صِدقٍ ما أَرى بَينَهُم أَفنا([34])
3. صورة الزندقة النواسية: والزنديق من لا يؤمِن بالآخرة ولا بالرّبوبية، وإنّ أزمة أبو نواس النّفسيّة الّتي ورثها بجريرة أمّه وأصله الفارسيّ الّذي دفعه ليكون فاجرا حدّ المزاج واللَّهو عائد لسبب زندقته، وقد ذهب بعض من العلماء إلى أنّه يتماشى مع المجون النّواسي، والبعض منهم يرى خلاف ذلك([35]).
لَو أَطَعنَا ذَا عِتَابٍ لأَطَعنَا الله فِيها
يَامَن يَلُومُ عَلَى حَمرَاءَ صَافِيَةً صِر فِي الجِنَانِ وَدَعنِي أسكُنُ النَّارَ
فكانت زندقة أبي نواس متّصلة بالثَّقافات الأجنبية وعلم الكلام، حتّى وصل به الحال للإلحاد والشّك في أصول الدّين الاعتقاديّة
يَا أَحمَدَ المُرتَجَى فِي كُلِّ نَائِبَةٍ قُم سَيِّدِي نَعصِ جَبَّارَ السَّمَوَاتِ
مضيفا لذلك محاولة إقناعه لغيره بمذهبه، فيقول:
وَرَأيتُ إتيَانِي اللَّذَاذَةَ وَالهَوَى وَتعجّلِي مِنْ طِيبِ هَذِي الدَّار
أَجدَى وَأحزَم مَن تَنظر آجل عِلمِي بِهِ رجمٌ مِنَ الأخبَارِ
مَا جَاءَنَا أحَدٌ يُخبِرُ أنَّهُ فِي جَنَّةٍ مُذ مَاتَ أو فِي نَارِ([36])
النتائج
توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:
- أن من أهم ما أثر في الموروثات العربية، وأسهم في تغيير أساليب الحياة العربية، دخول الفرس بلاد العرب ونقلهم لعاداتهم وتقاليدهم إليها وتأثر العرب بها.
- إن الصراع الحضاري بين العرب وغيرهم أثر بشكل جلي في نهضة الشعر العربي وازدهاره، والتجديد فيه بما لم يُعرف سابقًا في الدولة العباسية.
- من أهم الأسباب التي دفعت لتغيير مضمون الشعر وشكله كانت نتيجة التطور الحضاري للحياة العباسية.
- مما يميز أشعار الشعوبيين في العصر العباسي، إبداعهم في التصوير واتساع مخيلتهم والمبالغة والتهويل من أبرز سمات أشعارهم.
- لقد ابتدأ الشعوبيون في أول الأمر بطلبهم بالمساواة بينهم وبين الموالي، إلى أن تدرجوا لتفضيل العنصر العجمي.
- أن الغاية من التجديد في الشعر لم تكن على التفاضل بينه وبين القديم، بل على التواصل ومواكبة الحاضر.
- أما عن أبي نواس فقد كان شعوبيًا متمردًا ومجددًا بارعًا في تصويره للحياة العباسية المتحضرة.
التوصيات
- إجراء بحوث ودراسات أكثر حول الشعوبية، فهي ميدان خصب ومادتها وفيرة.
- لا بد من خلق أساليب جديدة في تدريس المواد الأدبية للطلاب لجذبهم لها وترغيبهم في تعلمها، سعيًا منا لإحياء التراث وصون اللغة والدين.
الخاتمة
مما نتوصل إليه في هذا البحث، أن أبا نواس كان شاعرًا مغامرًا محبًا للحياة، عاشقًا للشعر وفنونه، استطاع من خلال شعره أن يخلق عالمًا يميزه، فجدد فيه وابتكر أساليب حديثة لم تُعرف عند من سبقه.
وبالرغم من أن أبا نواس كان أبًا للتجديد، إلا أنه اتُهم بالشعوبية، والتي لم تكن في أصلها جدية مبنية على البغض والحقد الدفين على العرب، بدليل حفاظه على بعض الأساليب اللغوية المجلوبة في أصلها من بواديهم. وبهذا يمكن القول بأن أبا نواس كان شاعرًا متفرّدًا في عصره، تمكن من التجديد على الشعر العربي.
المصادر
أولًا: الكتب
- أمين، أحمد. (2011). فيض الخاطر. القاهرة: مؤسسة هنداوي.
Amin, Ahmad. (2011). Fayd al-Khatir. Cairo: Hindawi Foundation.
- العقاد، عباس محمود. (2017). أبو نواس. القاهرة: مؤسسة هنداوي
Al-Aqqad, Abbas Mahmoud. (2017). Abu Nuwas. Cairo: Hindawi Foundation.
- النشار، علي سامي. (1974). نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام. القاهرة: دار المعارف.
Al-Nashar, Ali Sami. (1974). The Emergence of Philosophical Thought in Islam. Cairo: Dar Al-Maaref.
- شاكر، أحمد محمد. (1958). الشعر والشعراء. القاهرة: دار المعارف.
Shakir, Ahmad Muhammad. (1958). Poetry and Poets. Cairo: Dar Al-Maaref.
- طليمات، غازي، والأشقر، عرفان. (2018). الشعر في العصر العباسي الأول. الإمارات العربية المتحدة: قنديل للطباعة والنشر والتوزيع.
Tleimat, Ghazi, & Al-Ashqar, Irfan. (2018). Poetry in the First Abbasid Era. United Arab Emirates: Qandeel Printing, Publishing, and Distribution.
ثانيًا: المقالات والدراسات العلمية
- ابن النصيب، محمد مهدي. (2002). أبو نواس والشعوبية. مجلة المسار، اتحاد الكتاب التونسيين.
Ibn Al-Nasib, Muhammad Mahdi. (2002). Abu Nuwas and Shuʿubiyya. Al-Masar Journal, Tunisian Writers’ Union.
- اشنيبة، فتحية، والعكاشي، سمية. (2024). التجديد في الشعر الأندلسي. مجلة التربوي.
Ashniba, Fathiya, & Al-Akkashi, Sumaya. (2024). Renewal in Andalusian Poetry. Al-Tarbawi Journal.
- الحمد، إبراهيم مصطفى، والغزاوي، فائزة رضا. (2018). مغامرة التجديد ومظاهر التقليد في شعر أبي نواس. مجلة العلوم التربوية والنفسية.
Al-Hamad, Ibrahim Mustafa, & Al-Ghazawi, Faiza Rida. (2018). The Adventure of Renewal and the Manifestations of Tradition in the Poetry of Abu Nuwas. Journal of Educational and Psychological Sciences.
- زخرف، نادية، وسامي، صفوان. (2010). الشعوبية في العصر العباسي: أبو نواس أنموذجًا. الجزائر: معهد اللغات والأدب العربي
Zakhrif, Nadia, & Sami, Safwan. (2010). Shuʿubiyya in the Abbasid Era: Abu Nuwas as a Model. Algeria: Institute of Languages and Arabic Literature.
- الزهيري، زينب. (2013). علم الكلام ونشأته. مجلة التراث العلمي العربي. بغداد.
Al-Zuhairi, Zainab. (2013). Islamic Theology and Its Emergence. Journal of Arab Scientific Heritage. Baghdad.
- العتيبي، صفية بنت ناشي. (2019). الأيديولوجيا في شعر أبي نواس. مجلة كلية دار العلوم.
Al-Otaibi, Safiyyah bint Nashi. (2019). Ideology in the Poetry of Abu Nuwas. Journal of the Faculty of Dar Al-Ulum.
- عوض، إيمان. (2024). التجديد الإيقاعي في شعر أبي نواس. المجلة العلمية لكلية الآداب، جامعة أسيوط. مصر.
Awad, Iman. (2024). Rhythmic Renewal in the Poetry of Abu Nuwas. Scientific Journal of the Faculty of Arts, Assiut University. Egypt.
- الغندور، عبد الصبور. (1985). النزعة الشعوبية في الشعر العباسي. مجلة كلية اللغة العربية بالزقازيق
Al-Ghandour, Abd Al-Sabour. (1985). The Shuʿubi Tendency in Abbasid Poetry. Journal of the Faculty of Arabic Language in Zagazig.
- المصري، جهينة. (2022). الشعر في العصر العباسي. أوراق ثقافية: مجلة الآداب والعلوم الإنسانية
Al-Masri, Juhayna. (2022). Poetry in the Abbasid Era. Cultural Papers: Journal of Arts and Humanities.
ثالثًا: المواقع الإلكترونية
- موقع الأدب. (2024). تم الاسترجاع بتاريخ 20 أغسطس 2024.
Al-Adab Website. (2024). Retrieved August 20, 2024.
- موقع الديوان. (2024). تم الاسترجاع بتاريخ 20 أغسطس 2024.
Al-Diwan Website. (2024). Retrieved August 20, 2024.
- موقع دليل التلميذ. (2024). تم الاسترجاع بتاريخ 24 أغسطس 2024.
Daleel Al-Tilmidh Website. (2024). Retrieved August 24, 2024.
- السقاف، علوي. موقع الدرر السنية.
Al-Saqqaf, Alawi. Al-Durar Al-Saniyyah Website.
- موقع هنداوي. (2024). تم الاسترجاع بتاريخ 28 يوليو 2024.
Hindawi Website. (2024). Retrieved July 28, 2024.
Margins:
-
() زخرف، نادية، وسامي صفوان(2010م). الشعوبية في العصر العباسي – أبو نواس أنموذجا –. الجزائر: معهد اللغــات والأدب العـــــربي قســم اللغة والأدب العـربي، ص11. ↑
-
() عوض، ايمان (2024). التّجديد الإيقاعي في شعر أبي نواس. مصر: المجلة العلمية لكلية الآداب جامعة أسيوط، ع89، ص122. ↑
-
()موقع هنداوي،https://www.hindawi.org/contributors/85179472/.تاريخ الاستنساخ: 28.7.2024. ↑
-
() المصري، جهينا (2022م). الشعر في العصر العباسي. أوراق ثقافية: مجلية الآداب والعلوم الإنسانية، مج3، ع17، ص107. ↑
-
() السّقاف، علوي. موقع الدّرر السُّنيَّة. مسترجع من https://dorar.net/hadith/sharh/118505 . ↑
-
() ابن النصيب، محمد مهدي (2002م). أبو نواس والشّعوبيّة. اتحاد الكتاب التونسيين: مجلة المسار، ع57، ص90. ↑
-
() الزهيري، زينب (2013م). علم الكلام ونشأته. بغداد: مجلة التراث العلمي العربي، ع2، ص263. ↑
-
() اشنيبة، فتحية، والعكاشي، سمية (2024). التجديد في الشعر الأندلسي. مجلة التربوي، ع25، ص1024. ↑
-
() النشار، علي سامي (1974م). نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام. القاهرة: دار المعارف، ج1، ط9، ص54. ↑
-
() المصدر السابق: ص204. ↑
-
() المصدر السابق: ص204. ↑
-
() شاكر، أحمد (1958م). الشّعر والشُّعراء. دار المعارف، ج1، ص 194-325. ↑
-
() النشار، علي سامي (1974م). نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام. ص54-72. ↑
-
() طليمات، والأشقَر (2018م). الشّعر في العصر العبّاسِي الأوّل. الأمارات: قنديل للطباعة والنشر، ط1، ص315-400. ↑
-
() النشار، علي سامي (1974م). نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام. ص54-72. ↑
-
() طليمات، والأشقَر (2018م). الشّعر في العصر العبّاسِي الأوّل. الأمارات: قنديل للطباعة والنشر، ط1، ص315-400. ↑
-
() ابن نصيب، محمد المهدي. (2002). أبو نواس والشعوبية. مجلة المسار، ع57، ص90-96. ↑
-
() الغندور، عبد الصبور. (1985). النزعة الشعوبية في الشعر العباسي. مجلة كلية اللغة العربية بالزقازيق، ع 4، ص 99 – 80. ↑
-
() الغندور، عبد الصبور. (1985). النزعة الشعوبية في الشعر العباسي. ص 99 – 80. ↑
-
() العقاد، عباس (2017م). أبو نواس. مؤسسة هنداوي، ص 66-71. ↑
-
() موقع الأدب،https://www.aldiwan.net/poem63390.htm، تاريخ الاستنساخ: 20.8.2024م. ↑
-
() موقع الديوان، https://www.aldiwan.net/poem10768.html ، تاريخ الاستنساخ: 20.8.2024م. ↑
-
() موقع دليل التلميذ، https://www.dalilaltelmidh.com/2024/08/blog-post_36.html، تاريخ الاستنساخ: 24.8.2024م. ↑
-
() لغندور، عبد الصبور السيد. (1985). النزعة الشعوبية في الشعر العباسي. مجلة كلية اللغة العربية بالزقازيق، ع4، ص80-99. ↑
-
() المصدر السابق: صفحة 83-84. ↑
-
() العقاد، عباس (2017م). أبو نواس. مؤسسة هنداوي، ص 66-71. ↑
-
() ابن نصيب، محمد المهدي (م2002). أبو نواس والشعوبية. مجلة المسار، ع 57، ص 90 – 96. ↑
-
() نفس المصدر: ص90-96. ↑
-
() اشنيبة، فتحية، والعكاشي، سمية (2024). التجديد في الشعر الأندلسي. مجلة التربوي، ع25، ص1000-1030. ↑
-
() عوض، ايمان (2024). التّجديد الإيقاعي في شعر أبي نواس. مصر: المجلة العلمية لكلية الآداب جامعة أسيوط، ع89، ص122. ↑
-
() المصدر السابق: ص89-122. ↑
-
() العتيبي، صفية بنت ناشي (2019م). الأيديولوجيا في شِعرِ أبو نُواس. مجلة كلية دار العلوم، ع124، ص857-883. ↑
-
() الحمد، إبراهيم مصطفى، والغزاوي، فائزة رضا (2018م). مغامرة التجديد ومظاهر التقليد في شعر أبي نواس. مجلة العلوم التربوية والنفسية، ع136، ص592-632. ↑
-
() العتيبي، صفية بنت ناشي (2019م). الأيديولوجيا في شِعرِ أبو نُواس. مجلة كلية دار العلوم، ع124، ص857-883. ↑
-
() الحمد، إبراهيم مصطفى، والغزاوي، فائزة رضا (2018م). مغامرة التجديد ومظاهر التقليد في شعر أبي نواس. مجلة العلوم التربوية والنفسية، ع136، ص592-632. ↑
-
() العتيبي، صفية بنت ناشي (2019م). الأيديولوجيا في شِعرِ أبو نُواس. مجلة كلية دار العلوم، ع124، ص857-883. ↑