أدوات السياسة الصينية في النظام العالمي الجديد
رسول يعقوب يوسف1
1 الجامعة الإسلامية في لبنان.
اشراف: الأستاذ الدكتور محمد منذر/ تدريسي في الجامعة الاسلامية في بيروت. لبنان.
Chinese Policy Tools in the New World Order
Rasool Yaqoub Youssef¹
¹ Islamic University of Lebanon. Supervised by: Prof. Dr. Mohammad Monzer, faculty member at the Islamic University of Beirut, Lebanon.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj74/43
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/74/43
المجلد (7) العدد (4). الصفحات: 733 - 746
تاريخ الاستقبال: 2026-03-12 | تاريخ القبول: 2026-03-20 | تاريخ النشر: 2026-04-01
المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أدوات السياسة الصينية في ظل التحولات البنيوية التي يشهدها النظام العالمي الجديد، وذلك من خلال الوقوف على طبيعة توظيف الصين لمصادر القوة الناعمة والصلبة في تعزيز مكانتها الدولية وإعادة تشكيل توازنات القوة العالمية. تنطلق الدراسة من إشكالية رئيسة مفادها: إلى أي مدى استطاعت الصين توظيف أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية والتكنولوجية والعسكرية والثقافية لإعادة تحديد موقعها في النظام الدولي؟ وقد اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي بوصفه الأنسب لتفسير طبيعة التحولات الدولية وانعكاساتها على الاستراتيجية الصينية. وتوصلت الدراسة إلى أن الصين لم تعد فاعلاً اقتصادياً صاعداً فحسب، بل أصبحت قوة دولية تمتلك رؤية استراتيجية متعددة الأدوات، حيث تمثل مبادرة الحزام والطريق إحدى أبرز آلياتها الاقتصادية لتوسيع النفوذ وربط المصالح مع دول آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية. كما أظهرت الدراسة أن الدبلوماسية الصينية، والمشاركة الفاعلة في المنظمات الدولية، وتطوير القدرات التكنولوجية والعسكرية، أسهمت في تعزيز الحضور الصيني في مراكز القرار الدولي. وخلصت الدراسة إلى أن صعود الصين يعكس تحولاً تدريجياً نحو نظام عالمي أكثر تعددية، إلا أن هذا الصعود يواجه تحديات مرتبطة بردود فعل القوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة، وبمخاوف بعض الدول من اتساع النفوذ الصيني. وتوصي الدراسة بضرورة تعميق الدراسات العربية حول السياسة الصينية، وتطوير سياسات خارجية عربية متوازنة تستفيد من الفرص التي يتيحها الصعود الصيني دون إغفال تعقيدات التنافس الدولي.
الكلمات المفتاحية: الصين، النظام العالمي الجديد، القوة الناعمة، القوة الصلبة، الحزام والطريق.
Abstract: This study aims to analyze the tools of Chinese policy in light of the structural transformations taking place in the new world order, by examining how China employs sources of soft and hard power to strengthen its international position and reshape global balances of power. The study is based on a central research problem: To what extent has China been able to employ its economic, diplomatic, technological, military, and cultural tools to redefine its position in the international system? The study adopts the descriptive-analytical method, as it is the most appropriate approach for interpreting the nature of international transformations and their implications for Chinese strategy. The study concludes that China is no longer merely a rising economic actor, but has become an international power with a multi-tool strategic vision. The Belt and Road Initiative represents one of its most prominent economic mechanisms for expanding influence and linking interests with countries in Asia, Africa, Europe, and Latin America. The study also shows that Chinese diplomacy, active participation in international organizations, and the development of technological and military capabilities have contributed to strengthening China’s presence in international decision-making centers. The study further concludes that China’s rise reflects a gradual shift toward a more multipolar world order. However, this rise faces challenges related to the reactions of major powers, particularly the United States, as well as concerns among some countries regarding the expansion of Chinese influence. The study recommends deepening Arab academic research on Chinese policy and developing balanced Arab foreign policies that benefit from the opportunities offered by China’s rise without overlooking the complexities of international competition.
Keywords: China, New World Order, Soft Power, Hard Power, Belt and Road Initiative.
المقدمة
القوة ظاهرة اجتماعية سياسية يرجع تاريخها إلى عصور قديمة، واستخدمت في معظم حقب تاريخ البشرية وتطورها بأشكال مختلفة وأدوات متعددة ولأهداف وغايات شتى، وتبعا لتطور الحياة وتوسع الحاجات الإنسانية والاجتماعية، نال استخدام القوة تطوراً هو الأخر حتى لاح أكثر المستويات وبطرق ومجالات متعددة بل وازدادت طرق استخدامها وتأثيرها على الصعد والمستويات كافة والقوة هي المفتاح الرئيس الذي استخدمه الفكر الغربي الخاص بشرح وتفسير الظواهر، ذلك وعلى الرغم من قدمها لم تزل تمثل مفهوماً يفتقر في المستويات التحليلية إلى اتفاق آراء المفكرين حول معناها المحدد في حين تقر لدى الغالبية أن القوة هي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين أو التحكم في سلوكهم تجاه قضية معينة([1]).
ففي مجال السياسة العالمية، تعتبر القوة من أهم المفاهيم المركزية، وعادة ما يتم تعريفها على أنها قدرة جهة فاعلة معينة على السيطرة أو التأثير على الآخرين ونتائج التطورات ” وعلى الرغم من أن القوة التقليدية تنبع من السكان والأراضي والموارد الطبيعية والعظمة الاقتصادية والقوى العسكرية والاستقرار السياسي، وتمارس في المقام الأول من خلال الوسائل العسكرية، إلا أن هناك مصادر وطرقاً أخرى للقوة تحت تصرف الجهات الفاعلة تسمى “القوة الناعمة”، لتحقيق أهدافها ” وأساس القوة الناعمة في السياسة العالمية، هو أن يقوم الفاعلون الآخرون بما يريده صاحب القوة الناعمة، لأنهم يشرعون صاحب القوة الناعمة وأهدافه، ولا يفعلون ذلك بدافع الخوف أو المكافأة وهكذا، فإن القوة الناعمة تتناقض مع الأنواع التقليدية للقوة أو “القوة الصلبة”([2]).
أولاً_ أهمية البحث
تنبع أهمية دراسة أدوات السياسة الصينية في النظام العالمي الجديد من:
1_ التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي المعاصر، حيث برزت الصين كقوة صاعدة تنافس القوى التقليدية، خصوصاً الولايات المتحدة، في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية والأمن.
2_ يسلط الضوء على الكيفية التي توظف بها الصين أدوات متعددة—اقتصادية، دبلوماسية، عسكرية، وثقافية—لإعادة تشكيل موازين القوى الدولية، وتعزيز نفوذها في مناطق استراتيجية مثل آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
3_ يكتسب الموضوع أهمية خاصة لفهم مستقبل العولمة، وطبيعة التنافس الدولي، وإمكانات التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب.
ثانياً_ أهداف البحث
يسعى هذا البحث إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، أبرزها:
1_ تحليل أهم الأدوات التي تعتمدها الصين في سياستها الخارجية ضمن النظام العالمي الجديد.
2_ بيان دور الأدوات الاقتصادية، وعلى رأسها مبادرة “الحزام والطريق”، في تعزيز النفوذ الصيني.
3_ دراسة الأبعاد الدبلوماسية والسياسية للسياسة الصينية في المؤسسات الدولية.
ثالثاً_إشكالية البحث
تتمحور إشكالية البحث حول السؤال الآتي:
إلى أي مدى استطاعت الصين توظيف أدوات سياستها المختلفة لإعادة تشكيل موقعها في النظام العالمي الجديد، وما تأثير ذلك على بنية النظام الدولي وتوازن القوى العالمي؟
رابعاً_ منهج البحث
يعتمد هذا البحث على المنهج التحليلي الوصفي في تحليل أدوات السياسة الصينية من خلال وصف الظواهر المرتبطة بالسياسة الخارجية الصينية وتفسيرها في ضوء التحولات الدولية.
خامساً_ خطة البحث
المطلب الأول: استراتيجية القوة الناعمة.
الفرع الأول: معنى القوة الناعمة واشكاليتها.
الفرع الثاني : أشكال القوة الناعمة.
المطلب الثاني: القوة الصلبة واختلافها عن القوة الناعمة.
الفرع الأول: مفهوم القوة الصلبة.
الفرع الثاني: الفرق بين القوة الصلبة والقوة الناعمة.
المطلب الأول
استراتيجية القوة الناعمة
إن القوة الناعمة والتفضيل القيمي لها من الباحثين وصناع القرار من أصحاب النزعة الأخلاقية أثر كثيراً في بلورة المفهوم والأشكال والتأثير لتوظيف القوة، إلا أن مفهوم القوة الناعمة في حقيقته، هو مفهوم وصفي أكثر منه ومعياري أو قيمي تفضيلي وتتشابه القوة الناعمة مع الأشكال الأخرى للقوه في امكانية استخدامها أو توظيفها لأغراض جيدة أو سيئة من الناحية المعيارية، وقد أضحى من الصعب في العالم المعاصر استخدام القوة العسكرية لتحقيق الأهداف، فعلى الرغم من ضرورتها أحيانا، أصبحت صعبة جداً وأمراً مكلفاً جداً من الناحية المادية والبشرية([3]). بناءً على ما تقدم سنقوم بتقسيم هذا المطلب إلى فرعين، سنتناول في الفرع الأول معنى القوة الناعمة واشكاليتها، ونخصص الفرع الثاني: لدراسة أشكال القوة الناعمة.
الفرع الأول
معنى القوة الناعمة واشكاليتها
القوة الناعمة هي القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلا من الارغام أو دفع الأموال وهي تنشأ من جاذبية ثقافة بلد ما ومثله السياسية، وسياساته، فعندما تبدو سياساتها مشروعة في عيون الأخرين تتسع القوة الناعمة. والقوة الناعمة القدرة على الجذب والاستقطاب اللذين يؤديان إلى التراضي، ويمكن أن تجعل الآخرين يحترمون قيمك و مثلك ويفعلون ما تريده([4])، وعليه سنقوم بدراسة هذا الفرع على النحو الآتي:
أولاً: مفهوم القوة الناعمة:
إن التعريف الواسع للقوه الناعمة يأتي من نظرية العلاقات الدولية التي تشير إلى تحقيق الأهداف الدولية عن طريق الاقناع والتعاون بدلاً من استخدام القوة المسلحة أو العقوبات الاقتصادية وغيرها من أشكال الإكراه، والقوة الناعمة هنا تكمن في القدرة على الاحتواء الخفي والجذب اللين بحيث يرغب الآخرون في فعل ما ترغب فيه القوة المهيمنة من دون حاجة لاستخدام القوة أو بما يغني عن استخدام سياسة العصا والجزرة، وإذ كانت القوة الصلبة تنبع أساسا من القدرات العسكرية والاقتصادية فإن القوة الناعمة تأتي من جاذبية النموذج وما يمتلكه من قدرة التأثير والاغراء للنخب على السواء، فحينما تبدو السياسة الأمريكية مقبولة ومشروعة في أعين الآخرين على وفق ما يقول جوزيف ناي يتعاظم دور القوة الناعمة أكثر، وبموازاة ذلك تتراجع الحاجة إلى استخدام القوة العادية وعلى العكس من ذلك، كلما تضخم استخدام القوة الاكراهية وضعفت شرعية مثل هذا الاستخدام، يتضاءل معها النفوذ الثقافي والسياسي والتجاري وكل ما يدخل ضمن دائرة القوة الناعمة على ما يقول جوزيف ناي، إذ غالباً ما تكون في وضع أفضل يسمح لها بتوجيه مسالك الآخرين والتحكم في أفكارهم وتوجيه مسالكهم الخاصة والعامة، من دون حاجة اصلاً إلى استخدام الجيوش واستعمال الأسلحة([5]).
حينها تكون القوة الدولية المعينة، موضع القبول وتحظى بالجاذبية الكافية، فإن الآخرين يطمحون إلى السير على منوالها وتقليدها، ومن ثم تتضاءل الحاجة عندئذ لاستخدام العنف أو الاكراه العسكري لتصريف مصالحها وتعزيز مكانتها الدولية، فأليات الجذب والاغراء الناعمين تغني في هذه الحالة عن استخدام القوة الناعمة العسكرية، مادام من الممكن الوصول إلى الأهداف المبتغاة من دون اللجوء إلى استخدام القوة أو التهديد باستخدامها اصلاً، يقول جوزيف ناي: حينما اجعلك تريد فعل ما أريد منك فعله، فليس ثمة موجب لاستخدام القوة اصلاً، والقوة الناعمة محتواها ينص على أنه كيف تؤثر بالأخرين وتجعلهم يفعلون ما تريد دون ارغامهم أو اجبارهم([6]).
ثانياً_ القوة الناعمة وإشكالية التأثير والتأثر
هنالك ارتباط واندماج بين القوة الناعمة والاستراتيجية، وبما أن القوة الناعمة لا تستخدم وسائل الاكراه في تحقيق أهدافها فأنها لا تعمل دون أن تكون هنالك استراتيجية شاملة للدولة تكون الإطار العام الذي يعتمدها صانع القرار في تنفيذ أهدافه، من هنا لايمكن الفصل بين القوة الناعمة والاستراتيجية بسبب الاندماج والتفاعل بينهما وهذا الاندماج والتفاعل قائم على أساس التأثر والتأثير للتحول من حالة إلى أخرى، فعندما يكون الانسجام متوافق تستحق الفاعلية، من هنا جاء الاقتران بين القوة الناعمة والاستراتيجية، فالقوة الناعمة هي وسيلة وليست غاية والدول تسعى إلى اكتساب القدرة على التأثير من أجل تحقيق مصالحها العليا([7]).
ولا يعتمد التأثير هنا على الترغيب والاغراء وإنما قد يكون الجديد هنا أنزالها بمنزلة القوة وليس الضعف لأن الترهيب في الغالب يصنف في خانة الضعف والترغيب والاغراء هما أكثر فاعلية من الاكراه إذا كان الاكراه بالمعنى التسلطي والقمعي أو بالشكل الذي يأتي في سياق كسر الإرادة بطريقة مباشرة أو عنيفة ومغايرة لإرادة الاخر، وعلى العكس من ذلك قد يكون التأثر والتأثير انعكاس لحاله الاكراه أو الترحيب، وان يعتمد الترغيب أو الاغراء على التخويف من النتائج، أو التأثير في الآخر عن طريق الايحاء بالنتائج السلبية فيما لو لم يمتثل الآخر للأوامر، وهنالك الكثير من القيم كالديمقراطية وحقوق الإنسان، والفرص الفردية الاجتماعية هي أكثر فعالية للقوة الناعمة التي عبرها يقوم صانع القرار بتوظيف هذه القيم على وفق الاستراتيجية الشاملة للدولة لتصبح أكثر فاعلية في بلورة قدرتها على تحقيق السعادة والرفاهية، وعبر استراتيجية تستمد الدولة كيفية استخدام تلك الادوات والقوة الناعمة ليست شبيهة بالتأثير فقط إذ أن التأثير قد يرتكز على القوة الصلبة للتهديدات، ثم أن القوة الناعمة أكثر من مجرد الاقناع أو القدرة على استمالة الناس بالحجة، فهي تعمل في ظل الاستراتيجية عبر السلوك أنها ببساطة قوة الجاذبية([8]).
وعليه فإن القوة الناعمة تستند إلى فواعل للتأثير عبر وضع برنامج سياسي يترتب الأولويات بالنسبة للآخرين، وأن القدرة على تأسيس الأولويات تميل دائما إلى الارتباط بين القوة الناعمة والاستراتيجية، كان تكون ثقافة جذابة أيديولوجيا أو مؤسساتها. فلو أن الولايات المتحدة لديها قوة ناعمة واستراتيجية يتأثر بها الآخرين، لكانت الكلفة التي تدفعها للقيادة قيادة العالم أقل.
فالقوة الناعمة لا تعني الاقناع وحسب فهي أكثر من الاقناع والبرهنة بالجدال، فهي الاغراء والجذب معاً وغالباً ما تؤدي إلى الرضوخ والتقليد وهذا لم يأتي من فراغ بل عبر استراتيجيات الدولة التي تضعها أو ترسمها وتحدد لها المسار ومن خلالها يتم التأثير بالأخرين بالاعتماد على القوة الناعمة([9]).
الفرع الثاني
أشكال القوة الناعمة
تعتمد القوة الناعمة على الجذب والاعجاب اللذين يؤديان إلى التعاون والتراضي والقبول وذلك عبر المصادر المعنوية من الجاذبية والثقافة والقيم السياسية والمثل الدبلوماسية العامة وكل جانب لم يدخل فيه الاكراه والارغام هو شكل من أشكال القوة الناعمة التي تعمل على وضع جدول الأعمال السياسية بطريقة وتشكل تفضيلات الآخرين وتجعل الدول تختار سياستها، بدلاً من إجبارها، وهنالك أشكال مهمة للقوه الناعمة سنحاول التطرق إليها على النحو الآتي:
أولاً: الثقافة: يعد مفهوم الثقافة أحد المفاهيم العامة والشاملة في علم الاجتماع ولقد قدم له العلماء والمفكرون تعاريف مختلفة ومتفاوتة نكتفي بالإشارة إلى المتداول من هذه التعاريف. إذ قدم تايلور في كتاب الثقافة الأولية أول تعريف للثقافة في عام 1871، فعرفها أنها مجموعة العلوم والفنون والافكار والمعتقدات والاخلاقيات والتعليمات والقوانين والآداب والرسوم وسائر التعليمات والعادات والتقاليد التي يكسبها الإنسان بوصفها أحد أفراد المجتمع والثقافة هنا جزء من أشكال القوة اللينة وستكون الثقافة بأهمية القوة الصارمة نفسها وبينهما اعتماد متبادل.
ثانياً: القيم السياسية:
تعد القيم السياسية شكل مهم وفاعل من أشكال القوة الناعمة وتؤدي دورا محوريا في العلاقات الدولية والقيم السياسية وتكمن أهميتها عبر الواجبات والحقوق والمسؤولية التي تقع على الفرد وأن المسالة التقييمية الدولية هي مرتكز مهم من مرتكزات القوة الناعمة، وهنالك هرماً من القيم، وقاعدة هذا الهرم هي قيم الفرد، ثم قيم الجماعة، ثم قيم صانع القرار الذي يحتل قمة الهرم، ويؤثر في التفاعلات الدولية. فالتعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان والانفتاح والثقافية والشرعية والمساواة وحرية الصحافة والتماسك الوطني جميعها قيم سياسة وشكل مهم من أشكال القوة الناعمة وان تم تطبيقها بإخلاص فإنها تؤدي إلى الاعجاب والاجتذاب والتقارب وتؤثر تأثيراً قوياً على الآخرين، فالحكومات يمكن أن تجتذب الآخرين عبر قوتها الناعمة والقوة الناعمة تحقق أهدافها من عدة أشكال والقيم الثقافية أحد هذه الأشكال المهمة والتي تحقق أهدافها عندما تستخدم بالشكل الصحيح وتطبق بإخلاص في الداخل والخارج([10]).
ثالثاً: السياسة الخارجية:
هي الخطة التي ترسم العلاقات الخارجية لدول معينة مع غيرها من الدول الأخرى والتخطيط للسياسة الخارجية أمر ضروري بالنسبة للدولة الحديثة بوصفها عضوا في المجتمع الدولي طالما بدت لا تستطيع العيش دون التفاعل مع هذا المجتمع. وتصبح السياسة الخارجية صادقة ومؤثرة عندما تتحرك خلالها الدولة حيال الوحدات الدولية الأخرى منفردة أو مجتمعة.
وتعد الدبلوماسية من أهم وسائل السياسة الخارجية والتي تؤثر على القوة الناعمة بصورة مباشرة وبدورها تقوم بجذب الآخرين في المرغوب بالاعتماد على الدبلوماسية العامة والدبلوماسية العامة أو الشعبية تخاطب وتتصل به عن طريق الوسائل الحديثة التي تجعل من المخاطبة والمواجهة امرا ممكنا عبر التطور والتمتع العلمي والتكنولوجي الذي أوجد فرص جديدة للاتصال بالجماهير ومخاطبتهم بصورة مباشرة من أجل تحقيق ما يطمح إليه صانع القرار والدبلوماسية العامة هي التي عبرها يتم كسب الرأي العام خارج نطاق السفارات والبعثات الرسمية والإعلام التقليدي للدبلوماسية الرسمية مستخدمة كل امكاناتها وعلاقاتها واتصالاتها مثل النقابات العمالية واتحادات الطلاب ومنظمات الشباب والمرأة والأحزاب والمنظمات الأهلية والحكومية، والدبلوماسية تشكل أداء مهمة في إنتاج القوة الناعمة بالاعتماد على عقول الآخرين واستيعاب مفاهيمهم وتعمل من أجل تنمية العلاقات مع جميع الفئات والطبقات سواء أكانت رسمية أم غير رسمية عبر المنح الدراسية والمؤتمرات والوصول إلى القنوات الإعلامية، وعير الدبلوماسية يتم تحقيق أهداف السياسة الخارجية التي بدورها تعد شكل مهم من أشكال القوة الناعمة عبر التأثير الذي تحدثه في الأطراف الأخرى فكل دولة لها قوة ناعمة تعمل من خلالها على جذب الأخرين وتسويق نموذجها للأخرين عبر سياستها الخارجية التي تعد الاداة الرسمية التي تستخدمها الدولة للتعامل مع الأطراف الخارجية([11]).
وتؤدي السياسة الخارجية دوراً مهما في المساعدة على خلق صورة جذابة للبلد، وهذا مما يحسن فرص حصوله على النتائج المرغوبة، فالثقافة والقيم والسياسة الخارجية تتفاوت درجة تأثيرها كشكل من أشكال القوة الناعمة وباختلاف المستويات الموجهة إليها.
المطلب الثاني
القوة الصلبة واختلافها عن القوة الناعمة
تحاول الدول جميعاً، أن تؤسس لها مكانة متميزة وواضحة في حقل العلاقات الدولية الذي هو مجال صراعي بين وحداته المتماثلة، عن طريق أشكال عدة، سياسية واقتصادية ودينية واعتبارية، غايتها في ذلك، أن تكون عنصراً فاعلاً ومؤثراً في الحياة الدولية، ومن أهم وأبرز هذه الأشكال القوة بمساراتها المتعددة، ولأن القوة لا يمكن تلمس أثرها إلا عن طريق التطبيق الفعلي على ارض الواقع، بات الأمر أن تسعى الوحدات الدولية بتوظيف قدراتها في هذا المجال عن طريق نشاطها الحركي في المجتمع الدولي. وفي العصر الحديث، جرى توظيف القوة وإمكاناتها على وفق مسارين، الأول القوة الصلبة والثاني: القوة الناعمة، ولأن التداخل فيما بينهما كبير ومؤثر، فقد بات التوظيف المتداخل لهما يدخل في صلب الأهداف الاستراتيجية للدول([12]). وبناءً على ما سبق نقسم هذا المطلب إلى فرعين، حيث نتناول في الفرع الأول مفهوم القوة الصلبة أما الفرع الثاني نتناول الفرق بين القوة الصلبة والقوة الناعمة.
الفرع الأول
مفهوم القوة الصلبة
تعددت مفاهيم استخدام القوة الصلبة في العلاقات الدولية من حيث الشكل والقدرة والتأثير وكيفية الاستعمال والممارسة لأن الأساس لكل صراع هو القوة التي تتمثل في محاولة الأفراد وإمكانية الخضوع عن طريق استخدام القوة الصلبة، وعليه سنتناول في هذا الفرع الاتجاهات في تعريف القوة وكذلك التطرق إلى مفهوم القوة على النحو التالي:
أولاً: اتجاهات مفهوم القوة:
عرف الاتجاه الأول القوة على ” أنها القدرة في التأثير على الغير أي بمعنى القدرة على حمل الآخرين على التصرف بالطريقة التي تضيف لمصالح صاحب القوة”، أما الاتجاه الثاني: الذي يعرَف القوة على أنها “المشاركة بنشاط في قرارات المجتمع الهامة، والاتجاه الثالث والأخير: يعرف القوة على أنها “المحاولة للجمع بين الاتجاهين السابقين معينة على القضايا السياسية، أو إسناد المهام والقدرة الناتجة على تحديد أو التأثير على ويعرف القوة بأنها: “عملية التحكم والسيطرة المباشرة أو غير المباشرة لفرد أو مجموعة الموقف في الاتجاه الذي يرغب فيه صاحب السلطة”، ويعتبر ميكيافيللي القوة هي أهم الأغراض التي يمكن إنجازها، دون النظر لشرعية الوسيلة وشكلها أو أخلاقياتها، التي من خلالها تنفذ القوة، وفي سبيل تحقيق هذه القوة لا يعطي أي اعتبارات إلى مدى شرعية تلك الوسائل وأخلاقيتها، وهذا ما يضعه في قمة المذهَب الواقعي، لتبرز أهمية القوة ودورها في قيام الدولة واستمرارها([13]).
ثانياً: مفهوم القوة
إن مفهوم استخدام القوة قد تجاوز المضمون الفكري الشائع الذي يعتمد على المفهوم التقليدي العسكري، بل انتقل إلى المعنى الحضاري الذي ينظر إلى القوة بفكر شمولي([14])، فمهما تعددت مصادر استخدام القوة، فإنها لا تكتسب وزناً ولكن يرتبط هذا الوزن والتأثير بالقدرة على تحويل مصادر القوة المتاحة إلى طاقة مؤثرة وسلاح فعال، فالقوة تبرز من خلال امتلاكها المصادر كالموارد والقدرات الاقتصادية والعسكرية والسكان وغيرها، وقدرتها على تحويل هذه المصادر إلى عناصر ضغط وتأثيرها في إرادات الآخرين، ومن ناحية أخرى يمكن ممارسة القوة بالتأثير باستخدام الوسائل الدبلوماسية من جهةٍ، أو باستخدام وسائل الإجبار والإكراه من جهةٍ ثانية، وفي الواقع، يكون اللجوء إلى القوة في مرحلةٍ لا يمكن حلها سلمياً، حيث يعتمد السعي وراءَ القوة على الموارد المتاحة من أجل تنفيذ سياسة الدولة.
فهي إحدى المفردات التي توقف عندها كل المفكرين، وذهبوا إلى أن معناها هو القدرة على الفعل القوي والاستطاعة، وعلى التأثير والنفوذ والسلطة([15]).
فإن أفضل تعريف للقوة الصلبة أو الخشنة هو أنها القدرة على إنشاء علاقة تبعيةٍ، فعند القول إن الأفراد ما هي إلا قوة سياسيةً تفوق قوى الآخرين، فهذا يعني أن الآخرين يتبعون نظام أفضليات، والقوة ليست مجردَ التسلط ولكنها تتضمن أيضًا الاستمالة والنفوذ لدى الآخرين، فالقدرة على الاستخدام الصحيح والمناسب للقوة يمكن للطرف أ أن يجعل الطرف ب يفعل ما يريد دون إرغام أو قهر بمعنى يمكن تحويل القهر إلى اتفاق وتزامن كنفوذ جماعات الضغط في المجتمعات المتحضرة.
أما ميكافيللي فقد أكد بأن القوة هي الطريق والغاية الأخيرة التي تعمل الدولة للوصول إليها في مجال العلاقة الدولية، في حين بلوز علماء الجيوبولتيكا مفهوم استخدامات القَوَة بأنه مرادف لمفهوم السيطرة ومنهم راتزل الذي رأى بأن الدولة هي كائن حي يحتاج إلى النمو والتطور حتى لو كان عن طريق استخدام القوة، وقد عرفت كلية الحرب الأمريكية مفهوم “استخدام القوة القومية” للدولة على أنها الإمكانية أو القدرة التي تمكن الدولة أثناء الصراعات الدولية، أي بمعنى هي الطاقَة العَامَة التي تستخدمها الدولة، والتي تساهم في تسهيل التحكم في تصرفات الآخرين والسيطرة عليهم([16]).
ثالثاً: سمات وخصائص استخدام القوم الصلبة:
تكون خصائص وسمات القوة متنوعة الأشكال والمصادر، فهي تعتبر مفهوماً حركياً ديناميكياً غير ثابت، ويكون داخلاً في تكوينها عدد كبير من العناصر والمتغيرات المادية وغير المادية التي ترتبط مع بعضها البعض، وهي كذلك شيءٌ نسبي، لأن قوة الدولة تقاس بمقارنتها بقوة الدول الأخرى، لذلك تظهر القوة بشكل تدريجي وليس بشكل سريع، مما يعني أنه يمكن لبعض الدول الضعيفة نسبياً أن تلعب الأدوار المعنية بالشكل السريع وغير المتوقع، بحيث يصبح بإمكانها التأثير على الدولة الفعالة في الأزمات الأخرى التي تعد الأقوى منها وحتى إجبارها على تغيير سياستها، ومثال على ذلك فقد تراجعت قوة الولايات المتحدة الأمريكية خوفاً من رد فعل أمام مقاتلي فيتنام مع أنها تملك أسلحة دمار شامل، ولكنها خشيت من استخدامها من الصين الشعبية والاتحاد السوفياتي آنذاك مما دفع صانع القرار الأمريكي إلى حصر المجهود الحربي في أسلحة تقليدية، وهكذا ظهرت محددات استخدام القوة الأمريكية متمثلة بمعطيات دولية خارجية، بمعنى أن الدولة لا تمتلك القدرة على استخدام قواتها ذاتياً.
حيث تتدرج ممارسات القوة بينَ التأثير بالطرق الدبلوماسية من جهة وبين أسلوب الإجبار والقسر الذي يتمثل بآلة الحرب، فاللجوء إلى القوة الخشنة يعرف على أنه الوصول إلى مرحلة العجز عن الحسم بالطرق المسالمة ويعول على التطلع نحو بناء الموارد المتاحة من أجل تنفيذ سياسة الدولة، وليس هناك حد معين لمصادر قوة الدولة خاصة في المجال الدولي إذ يتعلق بالاختلافات ذات التأثير في المصادر من دولة لأخرى، ومن مدةٍ زمنيةٍ إلى أخرى على الدولة، ويرتبط بطبيعة الإطار الدولي وأيضاً بمصادر قوة الطرف الآخر في العلاقات الدولية، وتوفير القدرة على إدارة مصدر القوة من قبَل القيادات السياسية أو استغلاله، لذلك فإن هناك اختلافاتٍ في القوة النسبية للدول، ومرد هذا الاختلاف يعود إلى تباين ما هو متاح لكل دولة من المصادر والمكونات والموارد المادية وغير المادية([17]).
رابعاً: استخدام القوة الصلبة في ظل القانون الدولي:
على الرغم من أن النظام الدولي النقلي كان يعرف منذ وقتٍ بعيد عددًا من الوسائل والأساليب الخاصة بتسوية المنازعات الدولية تسوية سلمية، فإن الاتجاه نحو تنظيم المجتمع اللجوء إلى القوة وشن الحروب، وبعد أن كانت الوسائل التقليدية لتسوية تلك المنازعات ذات طابع الدولي تنظيما قانونيا، والعمل على إخضاع أشخاصه الدول بصفة خاصة لحكم القانون، قد فرض بالضرورة تقرير مبدأ وجوب تسوية المنازعات الدولية بالوسائل والأساليب السلمية وعدم اختياري في ظل مجتمع الدول، فإن بروز المجتمع الدولي حاول تنظيم مجتمع بشري حقيقي لصالح البشرية، دون المساس أو الإخلال بالتصور القانوني للدولة و لمبدأ السيادة.
وهذا يلعب دورًا مهما في جهود حل النزاعات الدولية بالطرق السلمية، لا سيما إذا كانت تخل بالسلم والأمن الدولتين، ومن هنا فقد جاءَ قانون التنظيم الدولي ليساهم بتلك الوسائل السلمية، بعد إلغاء حق الدول في شن الحرب، وكان السبيل الوحيد لحل هذه الخلافات هو عدم اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية.
الفرع الثاني
الفرق بين القوة الصلبة والقوة الناعمة
يقصد بالقوة الصلبة القوة العسكرية، التي يمكن توظيفها أو استخدامها فعلاً لإنجاز أهداف يراد بلوغها أو تحقيقها، ويحفل تاريخ الولايات المتحدة بالعشرات من الحالات استخدمت فيها الأداة العسكرية مما جعل سياستها وسلوكها يتسم في الكثير من الأحيان، ليس بالطابع العسكري فحسب، إنما مخالفاً لمقتضيات الشرعية الدولية أحياناً، وللقواعد الأخلاقية والإنسانية أحياناً أخرى([18])، ما دفع ببعض الكتاب والمفكرين، وفي مقدمتهم جوزيف ناي إلى البحث عن وسائل أخرى ناعمة لا تقترن بالإكراه، والإجبار القسري الذي يرافقه آلاف الضحايا من البشر 2003 ويلاحظ المتتبع لاستخدامات الولايات المتحدة لقوتها العسكرية المباشرة.
وإن القوة العسكرية لأية دولة يكون الغرض منها إما توظيفها بشكل مباشر أو غير مباشر والتوظيف غير المباشر يكون الغرض منه دفع الخصم إلى أوضاع أو إتباع سياسات تتوافق مع الهدف الذي استخدمت فيه القوة العسكرية لأغراض التهديد، فقد يكون الغرض من التهديد هو الردع والذي يعني كما سبقت الإشارة، منع الخصم من الإقدام على سياسات تتوافق مع ما يريده الطرف الرادع، وإلا تعرض لخسائر تفوق المنافع التي يتوقعها، أما الإجبار، وهو الشكل الآخر للتهديد، فتكون غايته إرغام الخصم لإتباع سياسات تتوافق مع ما يريده الطرف المرغم، أما الشكل الثاني لتوظيف القوة الصلبة والعسكرية فهو ينطوي على شقين، الدفاع أو الهجوم، وفي النوع الأول الدفاع تكون القوات العسكرية للدول في أوضاع قتالية دفاعية تمنع الخصم من تحقيق الغاية التي وظف من أجلها قوته العسكرية، في حين يعني الهجوم تغير الوضع القتالي للقوات لقوات العسكرية للدولة من النمط المستكن الدفاع إلى نمط التعرض بالهجوم([19]).
وعليه، إذا كانت القوة الصلبة تركز على الأداة العسكرية، فإن القوة الناعمة تنصرف إلى تفصيلات أخرى وأدوات أخرى غير القوة العسكرية، ولكن في كيمياء الجاذبية الغامضة، إذا صح التوصيف، وفي عالم الأعمال التجارية يعرف الموظفون التنفيذيون الأذكياء إن القيادة ليست مجرد قضية إصدار أوامر ونواهي، بل تنطوي أيضاً على القدوة واجتذاب الآخرين لعمل ما تريد وإن من الصعب إدارة منظمة كبيرة بالأوامر وحدها، بل تحتاج كذلك إلى جعل الآخرين يعتنقون قيم المنظمة وأهدافها([20]).
وبالمثل فإن الممارسات المعاصرة لأعمال الشرطة القائمة على أساس اجتماعي تعتمد على جعل رجال الشرطة ودودين بما يكفي لجعل مجتمعهم يرغب بمساعدتهم على تحقيق أهداف الجميع المشتركة ولطالما فهم الزعماء السياسيون القوة التي تأتي من الجاذبية فإذا أقنعتك بالرغبة في أن تفعل ما أريد فعندئذ لن اضطر إلى استخدام الجزر والعصي لأجعلك تفعله.
وإن في الوقت الذي يستطيع فيه الزعماء في البلدان الفاشستية أن يستخدموا أسلوب الإجبار والإكراه ويصدروا الأوامر المقترنة بالعقاب، فإن السياسيين في الدول الديمقراطية مضطرون على الاعتماد أكثر على مزيج من الإغراء والجاذبية. فالقوة الناعمة عنصر ثابت في السياسة الديمقراطية، فالقدرة على ترسيخ التفضيلات تميل إلى الارتباط مع الموجودات غير الملموسة مثل الشخصية الجذابة والثقافة والمؤسسات والقيم السياسية والسياسات التي يراها الآخرون مشروعة، أو ذات سلطة معنوية أخلاقية، فإذا كان القائد يمثل قيماً يريد الآخرين أتباعها فستكون القيادة أقل كلفة.
إن القوتين الصلبة والناعمة مترابطتان معاً، ذلك لأن كلاهما من جوانب قدرة المرء على تحقيق أغراضه بالتأثير على سلوك الآخرين، وما يميز بينهما هو الدرجة في طبيعة السلوك وفي كون الموارد ملموسة. فالقوة الآمرة، أي القدرة على تغيير ما يفعله الآخرون، يمكن أن ترتكز على الإرغام أو على الإغراء، أما قوة التعاون الطوعي، أي القدرة على تشكيل ما يريده الآخرون، فيمكن أن ترتكز على جاذبية ثقافة المرء وقيمه أو مقدرته على التلاعب بأولويات الخيارات السياسية بطريقة تجعل الآخرين يعجزون عن التعبير عن بعض التفضيلات لأنها تعبر عن الواقع بشكل أكثر من اللازم.
وتتدرج من أنماط السلوك بين الأمر والتعاون الطوعي، إلى الإغراء الاقتصادي وتميل موارد القوة الناعمة إلى الترابط مع طرف التعاون الطوعي، بينما تترابط موارد القوة الصلبة في العادة مع السلوك الآمر ولكن العلاقة غير كاملة، كما أن القوة الأمرة قد تستخدم أحياناً لإقامة مؤسسات تعتبر مشروعة وقانونية فيما بعد، فالاقتصاد القوي يقتصر على تقديم موارد للعقوبات والمدفوعات فحسب، بل يمكنه أيضاً أن يكون مصدراً للجاذبية من خلال القوة الاقتصادية التي تعتبر عامل مؤثر في العلاقات الاقتصادية الدولية في ضوء ما تمتلكه الدول من إمكانيات وحاجتها إلى المساعدات الخارجية، بما تشكله من أداة ضغط على تلك الدول، كما تنشأ الموارد المنتجة للقوة الناعمة في السياسة الدولية، إلى حد كبير من القيم التي تعبر عنها منظمة أو بلد ما في ثقافته وفي الأمثلة التي تضربها ممارساته الداخلية والسياسية، وفي الطريقة التي يعالج بها علاقته مع الآخرين وقد تجد الحكومات أن من الصعب السيطرة على القوة الناعمة واستخدامها أحياناً، ولكن ذلك لا يقلل أهميتها([21]).
أن القوتين الصلبة والناعمة تعزز كل منهما الأخرى أحياناً وتتداخلان فيها أحياناً أخرى، فالدولة التي تحاول كسب الشعبية قد تلجأ أحياناً إلى ممارسة قوتها الصلبة عندما تجد نفسها مرغمة على ذلك، ولكن البلد الذي يتأرجح بين القوة الصلبة والناعمة دون اعتبار لأثر ذلك على قوته الناعمة، ومن الطبيعي أن يواجه تحديات وتأثيرات للحد من ممارسة القوة، وإن القوة الصلبة قد تخلق أساطير عن عدم إمكانية الانحدار، أو عن الحتمية بشكل يجتذب الآخرين حيث أن في عام 1961 قام الرئيس جون كيندي إجراء التجارب النووية بالرغم من ردود الأفعال السلبية في استطلاعات الرأي، لأنه كان قلقاً من التصورات العالمية عن المكاسب السوفيتية في سباق التسلح فكان مستعداً للتضحية بشيء من امتياز أميركا في مقابل مكاسب بالعملة الصعبة للامتياز العسكري، وقد استخدمت دور الأزياء في مدينتي لندن وميلانو ملابس ميدان عسكرية أميركية للكوماندوس مع بالونات متفجرة في إشارة إلى إن الرموز الأميركية لا تزال أقوى غطاء أمني.
وعبر عصور التاريخ كلها، كثيراً ما كانت الدول الأضعف تتشارك معاً كي تحدث توازناً يحد من قوة دولة أقوى منها تهددها ولكن ليس دائماً، ففي بعض الأحيان كانت الدول الضعيفة تنجذب للانضمام إلى الموكب الذي تقوده دوله قوية، وخاصة عندما لا يكون أمامها خيار أو عندما تكون القوة العسكرية للبلد الكبير مرتبطة بقوة ناعمة، وعلاوة على ذلك، وكما ذكر من قبل، فإن القوة الصلبة يمكن أن يكون لها جانب جذاب أو ناعم أحياناً([22]).
وتعتبر الحرب على العراق عام 2003 نموذجاً عن تفاعل القوة بشكليها الصلب والناعم، فقد كانت معظم إن لم تكن كل جوانب تلك الحرب، مبنية على الأثر الرادع للقوة الصلبة، ويقال عن دونالد رامسفيلد، عندما تسلم منصبه، كان يعتقد أن العالم ينظر إلى الولايات المتحدة على أنها نمر من ورق وعملاق ضعيف عاجز عن تحقيق انتصارات عسكرية على مستوى العالم، لذا عمل على تغيير هذه الصورة السلبية عن الولايات المتحدة من خلال انتصار أميركا في حرب الخليج الأولى 1990 وانطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط من خلال مؤتمر مدريد عام 1991م بالإضافة إلى الحرب على أفغانستان فإن لها تأثير كبير في تغيير هذه الصورة وكانت هذه دوافع استخدام القوة الصلبة للاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، ولكن كانت هناك مجموعة أخرى من الدوافع لها علاقة بالقوة الناعمة([23]).
الخاتمة
يظهر تحليل أدوات السياسة الصينية في النظام العالمي الجديد أن الصين لم تعد فاعلاً إقليمياً محدود التأثير بل أصبحت قوة دولية صاعدة تمتلك رؤية استراتيجية واضحة لإعادة تشكيل موقعها في بنية النظام الدولي وقد اعتمدت في ذلك على توظيف مجموعة متكاملة من الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية والتكنولوجية والعسكرية والثقافية بما ينسجم مع أهدافها في توسيع نفوذها العالمي وتعزيز حضورها في مراكز القرار الدولي.
وقد بين البحث أن الأداة الاقتصادية، ولا سيما مبادرة الحزام والطريق، شكلت الركيزة الأساسية في تعزيز الحضور الصيني عالمياً، في حين أسهمت الدبلوماسية الصينية في ترسيخ علاقات متعددة الأطراف مع الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، كما أن التطور التكنولوجي والعسكري للصين عزز من قدرتها على المنافسة في النظام الدولي، وأضفى بعداً جديداً على مفهوم القوة في العلاقات الدولية، ومع ذلك فإن هذا الصعود لا يخلو من تحديات تتعلق بتوازنات القوى العالمية وردود الفعل الدولية، ومستقبل الاستقرار في النظام الدولي. ومن هنا تبرز أهمية فهم الأدوات الصينية بوصفها عناصر فاعلة في إعادة تشكيل النظام العالمي، وليس مجرد أدوات نفوذ تقليدية.
أولاً_ الاستنتاجات
1_ تعتمد الصين على استراتيجية متعددة الأدوات تجمع بين الاقتصاد والدبلوماسية والتكنولوجيا لتحقيق أهدافها في النظام الدولي.
2_ تُعد مبادرة “الحزام والطريق” الأداة الأبرز في توسيع النفوذ الصيني وتعزيز الارتباط الاقتصادي مع مختلف دول العالم.
3_ إن صعود الصين يمثل تحولاً تدريجياً نحو نظام دولي متعدد الأقطاب يحد من هيمنة القطب الواحد.
ثانياً_ المقترحات
1_ضرورة تعزيز الدراسات الأكاديمية العربية حول السياسة الصينية لفهم أعمق لتحولاتها وتأثيراتها العالمية.
2_ أهمية تطوير سياسات خارجية عربية متوازنة تأخذ بعين الاعتبار صعود الصين وتنامي نفوذها الدولي.
3_تشجيع التعاون البحثي بين مراكز الدراسات العربية والصينية لفهم أبعاد النظام العالمي الجديد بشكل أكثر دقة وموضوعية.
قائمة المصادر والمراجع
أولاً: الكتب
- كيسنجر، هنري. (2007). الفرصة: لحظة أمريكا لتغيير مجرى التاريخ. ترجمة: أسعد كامل إلياس. الرياض: مكتبة العبيكان.
Kissinger, H. (2007). Does America Need a Foreign Policy? Toward a Diplomacy for the 21st Century [Arabic translation: The Opportunity: America’s Moment to Alter History]. Translated by Asaad Kamel Elias. Riyadh: Obeikan Library.
- فرج، أنور محمد. (2009). نظرية الواقعية في العلاقات الدولية. ط1. السليمانية، العراق: مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية.
Faraj, A. M. (2009). The Theory of Realism in International Relations (1st ed.). Sulaymaniyah, Iraq: Kurdistan Center for Strategic Studies.
- عبد الفتاح، بشير. (2010). تجديد الهيمنة الأمريكية. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات.
Abdel Fattah, B. (2010). Renewing American Hegemony. Beirut: Arab Scientific Publishers; Doha: Al Jazeera Center for Studies.
- الحديثي، خليل إسماعيل. (2011). العلاقات الدولية: النظرية والوقائع، الأشخاص والقضايا. ط1. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية.
Al-Hadithi, K. I. (2011). International Relations: Theory and Facts, Actors and Issues (1st ed.). Beirut: Al-Halabi Legal Publications.
- عبد السلام، رفيق. (2011). الولايات المتحدة بين القوة الصلبة والقوة الناعمة. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي.
Abdel Salam, R. (2011). The United States between Hard Power and Soft Power. Beirut: Al-Intishar Al-Arabi Foundation.
- الناصري، سلام خطاب. (2000). الإعلام والسياسة الخارجية الأمريكية. ط1. لبنان: جروس برس.
Al-Nasiri, S. K. (2000). Media and American Foreign Policy (1st ed.). Lebanon: Jarrous Press.
- عواد، عامر هاشم. (2021). دور القوة العسكرية في الاستراتيجية الأمريكية. بغداد: مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد.
Awad, A. H. (2021). The Role of Military Power in American Strategy. Baghdad: Center for International Studies, University of Baghdad.
- حسين، عدنان السيد. (2010). نظرية العلاقات الدولية. ط3. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.
Hussein, A. S. (2010). The Theory of International Relations (3rd ed.). Beirut: University Foundation for Studies, Publishing and Distribution.
- الرفيعي، علي محمد أمنيف. (2016). القوة الناعمة وأثرها في مستقبل الهيمنة الأمريكية. ط1. بغداد: مكتبة السنهوري.
Al-Rifai, A. M. A. (2016). Soft Power and Its Impact on the Future of American Hegemony (1st ed.). Baghdad: Al-Sanhouri Library.
- محمد، فاضل زكي. (2000). الدبلوماسية في عالم متغير. ط1. بغداد: دار الحكمة للطباعة والنشر.
Mohammed, F. Z. (2000). Diplomacy in a Changing World (1st ed.). Baghdad: Dar Al-Hikma for Printing and Publishing.
- شيفر، مايكل. (2009). الولايات المتحدة والقوى الصاعدة. ط1. أبو ظبي: مركز الجزيرة للدراسات الدولية.
Schiffer, M. (2009). The United States and Rising Powers (1st ed.). Abu Dhabi: Al Jazeera Center for International Studies.
- ناي، جوزيف س. (2007). القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية. ترجمة: محمد توفيق البيجرمي. الرياض: مكتبة العبيكان.
Nye, J. S. (2007). Soft Power: The Means to Success in World Politics. Translated into Arabic by Mohammed Tawfiq Al-Bijermi. Riyadh: Obeikan Library.
- حمدان، محمد. (2010). الحرب الناعمة. بيروت: دار الولاء للطباعة والنشر والتوزيع.
Hamdan, M. (2010). Soft War. Beirut: Dar Al-Walaa for Printing, Publishing and Distribution.
- حمدان، محمد. (2013). القوة الناعمة وإدارة الصراع عن بُعد. ط1. بيروت: دار المحبة للنشر والتوزيع.
Hamdan, M. (2013). Soft Power and Remote Conflict Management (1st ed.). Beirut: Dar Al-Mahabba for Publishing and Distribution.
- الموسوي، مرتضى. (2018). الصراع الحضاري الغربي مع العالم الثالث. ط1. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
l-Moussawi, M. (2018). Western Civilizational Conflict with the Third World (1st ed.). Beirut: Arab Institute for Studies and Publishing.
ثانياً: المجلات
- سالم، أحمد علي. (2008). القوة والثقافة وعالم ما بعد الحرب الباردة. المجلة العربية للعلوم الإنسانية، العدد 20، جامعة زايد، الإمارات العربية المتحدة.
Salem, A. A. (2008). Power, Culture, and the Post-Cold War World. The Arab Journal of Humanities, 20, Zayed University, United Arab Emirates.
ثالثاً: الأطاريح والرسائل الجامعية
- العبيدي، خلود وليد صالح. (2010). دور المتغير التكنولوجي في النظام الدولي بعد الحرب الباردة. رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة النهرين، بغداد، العراق.
Al-Obaidi, K. W. S. (2010). The Role of the Technological Variable in the International System after the Cold War. Unpublished master’s thesis, Al-Nahrain University, Baghdad, Iraq.
- الكعود، إياد خلف عمر. (2016). استراتيجية القوة الناعمة ودورها في تنفيذ أهداف السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة العربية. أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية، جامعة الشرق الأوسط، الأردن.
Al-Kaoud, I. K. O. (2016). Soft Power Strategy and Its Role in Implementing the Objectives of American Foreign Policy in the Arab Region. PhD dissertation in Political Science, Middle East University, Jordan.
Margins:
-
() مرتضى الموسوي، الصراع الحضاري الغربي مع العالم الثالث، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2018، ص28. ↑
-
() محمد حمدان، الحرب الناعمة، دار الولاء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2010، ص54. ↑
-
() محمد توفيق البيجرمي، القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية، مكتبة العكيبان، الرياض، 2017، ص12. ↑
-
() رفيق عبد السلام، الولايات المتحدة بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2011، ص9. ↑
-
() عامر هاشم عواد، دور القوة العسكرية في الاستراتيجية الامريكية، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، بغداد، 2021، ص77. ↑
-
() اسعد كامل الياس، الفرصة لحظة أمريكا لتغير مجرى التاريخ، مكتبة العكيبان، الرياض، 2017، ص26. ↑
-
() اسعد كامل الياس، الفرصة لحظة أمريكا لتغير مجرى التاريخ، المرجع السابق، ص87. ↑
-
() خلود وليد صالح العبيدي، دور المتغير التكنولوجي في النظام الدولي بعد الحرب الباردة، رسالة اعددت لنيل درجة الماجستير، جامعة النهرين، بغداد، 2010، ص111. ↑
-
() فاضل زكي محمد، الدبلوماسية في عالم متغير، ط1، دار الحكمة للطباعة والنشر، بغداد، 2000، ص89. ↑
-
() علي محمد أمنيف الرفيعي، القوة الناعمة واثرها في مستقبل الهيمنة الأمريكية، ط1، مكتبة السنهوري، 2016، ص77. ↑
-
() محمد حمدان، القوة الناعمة وإدارة الصراع عن بعد، ط1، دار المحبة للنشر والتوزيع، بيروت، 2013، ص154. ↑
-
() علي محمد أمنيف الرفيعي، القوة الناعمة وأثرها في مستقبل الهيمنة الأمريكية، المرجع السابق، ص287. ↑
-
() مايكل شيفر، الولايات المتحدة والقوة الصاعدة، ط1، مركز الجزيرة للدراسات الدولية، أبو ظبي، 2009، ص123. ↑
-
() إياد خلف عمر الكعود، استراتيجية القوة الناعمة ودورها في في تنفيذ أهداف السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة العربية، أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية، جامعة الشرق الأوسط، الأردن، 2016، ص38. ↑
-
() سالم، احمد علي، القوة والثقافة وعالم ما بعد الحرب الباردة، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، العدد 20، جامعة زايد، الامارات العربية المتحدة، 2008، ص221. ↑
-
() علي محمد أمنيف الرفيعي، القوة الناعمة وأثرها في مستقبل الهيمنة الأمريكية، المرجع السابق، ص190. ↑
-
() إياد خلف عمر الكعود، استراتيجية القوة الناعمة ودورها في في تنفيذ أهداف السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة العربية، مرجع سابق، ص89 . ↑
-
() صلاح عبد الحميد، القوة الناعمة بين المفهوم والتطبيق، مرجع سابق، ص290. ↑
-
() أنور محمد فرج، نظرية الواقعية في العلاقات الدولية، ط1، مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية، العراق، السليمانية، 2009، ص35. ↑
-
()خليل إسماعيل الحديثي، العلاقات الدولية النظرية والوقائع الأشخاص والقضايا، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2011. ↑
-
() عدنان السيد حسين، نظرية العلاقات الدولية، ط3، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2010 ، ص200. ↑
-
() بشير عبد الفتاح، الدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان، 2010 ، ص203. ↑
-
() سلام خطاب الناصري، الإعلام والسياسة الخارجية الأمريكية، ط1، جروس برس، لبنان، 2000، ص 38. ↑