لولا: نافذة على المعاني المعتمدة في القرآن الكريم (دراسة لغوية)
Lawlā: A Window into the Established Meanings in the Qur’an (A Linguistic Study)
د. سمية عبد القادر صالح1
1 أستاذ مساعد – جامعة سنار، كلية الآداب – قسم اللغة العربية، السودان.
بريد الكتروني: somia5salih@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj71/36
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/71/36
المجلد (7) العدد (1). الصفحات: 561 - 571
تاريخ الاستقبال: 2025-12-10 | تاريخ القبول: 2025-12-17 | تاريخ النشر: 2026-01-01
المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أداة «لولا» في القرآن الكريم، والكشف عن دلالاتها المعتمدة ووظائفها اللغوية والبلاغية في ضوء السياق القرآني، مع التركيز على سياقي التوبيخ والتحذير بوصفهما من أكثر السياقات تأثيرًا في توجيه الخطاب. اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، مستندة إلى تتبع مواضع «لولا» في النص القرآني، وربط بنيتها النحوية بدلالتها السياقية والتداولية، مع الإفادة من أقوال النحاة والمفسرين والبلاغيين. وتوصلت الدراسة إلى أن «لولا» أداة مركبة ذات طاقة دلالية متجددة، تتنوع معانيها بين الامتناع لوجود، والتحضيض، والعتاب، والتحذير، تبعًا للسياق اللغوي والمقامي، وأن فهمها لا يكتمل بمعزل عن السياق العام للآية ومقصد الخطاب. وتبرز أهمية الدراسة في إبراز التداخل بين النحو والدلالة والبلاغة في تحليل أدوات المعاني القرآنية، والإسهام في تعميق الوعي بوظيفة السياق في توجيه المعنى وبناء الخطاب القرآني.
الكلمات المفتاحية: لولا، السياق القرآني، التوبيخ، التحذير، أدوات المعاني، الدراسة اللغوية.
Abstract: This study aims to analyze the particle Lawlā in the Qur’an and to uncover its established meanings and linguistic and rhetorical functions in light of the Qur’anic context, with particular emphasis on the contexts of reproach and warning as among the most influential in directing discourse. The study adopts a descriptive–analytical approach, based on tracing the occurrences of Lawlā in the Qur’anic text and examining the relationship between its syntactic structure and its contextual and pragmatic meanings, drawing on the insights of classical grammarians, exegetes, and rhetoricians. The findings reveal that Lawlā is a composite particle endowed with dynamic semantic potential, whose meanings vary between prevention due to existence, exhortation, reproach, and warning, depending on the linguistic and situational context. The study further demonstrates that a proper understanding of Lawlā cannot be achieved in isolation from the broader context of the verse and the communicative purpose of the discourse. This research highlights the interconnection between grammar, semantics, and rhetoric in the analysis of Qur’anic particles of meaning and contributes to a deeper understanding of the role of context in shaping meaning and constructing Qur’anic discourse.
Keywords: Lawlā, Qur’anic context, reproach, warning, particles of meaning, linguistic study.
مقدمة :
تمثّل أدوات المعاني بابًا غنيًا في الدراسات اللسانية والبلاغية، إذ تتعدد دلالاتها وتتنوع وظائفها تبعًا للسياق الذي ترد فيه، ومن بين هذه الأدوات تبرز أداة “لولا” بما تحمله من عمق دلالي وتنوّع وظيفي داخل النص القرآني، حيث تتراوح بين الامتناع والتحضيض، والتوبيخ، والتحذير، وغيرها. وقد شكّلت “لولا” عنصرًا بنائيًا دقيقًا في عدد من الآيات القرآنية، أسهم في توجيه الخطاب، وتحقيق غايات بلاغية عالية التأثير.
وقد لفتت انتباهي هذه الأداة أثناء حضوري لدورة علمية موسومة بـ”ثوابت المبتدأ” للدكتور محمد مكاوي، حيث برزت “لولا” كأداة ذات تأثير نحوي ودلالي خاص، ما حفّزني للغوص في أعماقها، وتتبع تجلياتها داخل النص القرآني. ومن هنا نشأت فكرة هذه الدراسة، التي تسعى إلى الوقوف على دلالات “لولا” في سياقي التحذير والتوبيخ تحديدًا، لما لهما من خصوصية في التوجيه الخطابي، وقوة في التأثير النفسي والمعنوي.
أسباب اختيار الموضوع :
مشاركة الباحث في دورة علمية تخصصية أثارت الانتباه إلى عمق دلالة “لولا” واستعمالها في سياقات مركبة. قلة الدراسات المستقلة التي عالجت أداة “لولا” في القرآن الكريم، خاصة في سياقي التوبيخ والتحذير. الرغبة في إبراز التوظيف القرآني الدقيق للأدوات اللغوية في بناء المعنى والتأثير البلاغي.
أهمية الدراسة :
تنبع أهمية هذه الدراسة من الجوانب الآتية: أنها تسلط الضوء على أداة لغوية لم تنل ما تستحقه من دراسة مستقلة. تعالج “لولا” من منظور دلالي وظيفي، يُبرز ثر السياق في توجيه المعنى. تكشف عن التمازج بين النحو والبلاغة في بناء التوبيخ والتحذير داخل الخطاب القرآني. تُسهم في تطوير الدراسات اللسانية القرآنية في جانب الأدوات النحوية ذات الوظيفة البلاغية.
أهداف الدراسة :
تهدف الدراسة إلى ما يلي:
تحليل دلالة “لولا” في ضوء السياق القرآني، مع التركيز على مواضع التوبيخ والتحذير. تمييز المعاني المتنوعة لأداة “لولا”، والكشف عن الفروق الدقيقة بينها وبين غيرها من الأدوات المشابهة. إبراز الأثر البلاغي والدلالي لاستخدام “لولا” في السياقات القرآنية المختلفة، ومدى مساهمتها في بناء المعنى. تسليط الضوء على التوظيف القرآني الدقيق للأداة، بما يعكس فصاحة التعبير وعمق التوجيه اللغوي في القرآن الكريم. الإسهام في الدراسات اللسانية القرآنية من خلال معالجة أداة نحوية دلالية لم تنل حظًا كافيًا من الدراسة المستقلة.
تساؤلات الدراسة :
تسعى الدراسة للإجابة عن الأسئلة الآتية:
ما المعاني التي تؤديها “لولا” في القرآن الكريم؟ كيف تتجلّى دلالة “لولا” في سياقي التوبيخ والتحذير؟
ما الفرق بين “لولا” وغيرها من الأدوات التي قد تؤدي معاني مشابهة (كالتحضيض أو الشرط)؟
ما الأثر البلاغي لاستعمال “لولا” في توجيه الخطاب القرآني في هذه السياقات؟
منهج الدراسة :
تعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، وذلك من خلال:
تتبع مواضع “لولا” في القرآن الكريم ضمن السياقين المحددين (التحذير والتوبيخ). تحليل دلالة الأداة في كل موضع بالرجوع إلى كتب التفسير والبلاغة والنحو. المقارنة بين دلالات “لولا” في السياقات المتعددة. استنتاج الأثر البلاغي والدلالي للأداة في بناء المعنى.
حدود الدراسة: تقتصر الدراسة على أداة “لولا” فقط دون غيرها من أدوات الشرط أو التحضيض. تركّز على سياقَي التحذير والتوبيخ فقط، دون المعاني الأخرى للأداة. تعتمد على الشواهد القرآنية دون التوسّع في النصوص الأدبية الأخرى.
الدراسات السابقة :
لم تُفرد أداة “لولا” غالبًا في دراسات مستقلة، بل وردت ضمن دراسات أشمل حول أدوات الشرط أو الأدوات النحوية في القرآن الكريم، مثل:
دراسات تحليلية لأدوات الشرط في النص القرآني. بحوث لغوية تناولت “لولا” ضمن باب الامتناع أو التحضيض فقط. دراسات بلاغية ناقشت أثر أدوات الشرط في الخطاب القرآني إجمالًا.
وتأتي هذه الدراسة لتملأ فراغًا علميًا بتخصيص أداة “لولا” في سياقَي التوبيخ والتحذير خاصة.
ومن أمثلة الدراسات:
دراسة محمد فوزي نصير (2014م، مجلة الدراية – جامعة الأزهر) استعمالات “لولا” التحضيضية في القرآن الكريم، مبيّنًا أثرها في الحث على الفعل، وقد أفادت هذه الدراسة في توضيح البعد التحضيضي للأداة، وهو ما تلتقي معه دراستنا في إبراز أحد معاني “لولا”، لكنها تختلف عنه بتركيزها على سياقي التوبيخ والتحذير.
كما درست مريم نافل الدويلة (2019م، مجلة الدراسات الإسلامية والبحوث الأكاديمية – جامعة القاهرة) “لولا” في آيات الإفك بسورة النور دراسة تطبيقية، إذ ركزت على تحليل سياق محدد، بينما تمتد دراستنا لتشمل جميع السياقات القرآنية ذات الصلة، مما يجعلها أكثر شمولًا واتساعًا.
وقدّم ميسرة محمد مصطفى العتربي (2022م، مجلة الزهراء – جامعة الأزهر) دراسة وافية عن “لولا” التحضيضية في اللغة والقرآن الكريم، مبرزًا دلالاتها على التحضيض والتوبيخ والإنكار، مع إحصاء مواضعها في القرآن الكريم، وقد استفادت دراستنا من نتائجه، غير أنها تخصّصت في إبراز الأثر التداولي والبلاغي للأداة في سياقي التحذير والتوبيخ تحديدًا.
وقد وردت إشارات متفرقة إلى “لولا” في مؤلفات نحوية وبلاغية قديمة، مثل ما ذكره سيبويه (الكتاب، ج1، ص345) عن كونها مركبة من “لو” و”لا”، وما قرره ابن هشام (مغني اللبيب، ج1، ص256) من أنها شرطية غير جازمة تفيد الامتناع لوجود، إضافةً إلى ما أورده الزمخشري (الكشاف، ج2، ص394) والسكاكي (مفتاح العلوم، ص412) والفخر الرازي (مفاتيح الغيب، ج6، ص132) عن دلالاتها البلاغية والسياقية. وهذه الإسهامات تمثل الأساس الذي بُنيت عليه الدراسة الحالية، غير أن تناولها جاء عامًا غير مخصص بسياق التوبيخ والتحذير.
تميّزت الدراسة الحالية بكونها تجمع بين الجانب النحوي والدلالي والبلاغي التداولي، وتسد فراغًا علميًا بتركيزها على “لولا” في سياقي التحذير والتوبيخ، وهو ما لم تعالجه الدراسات السابقة بصورة مستقلة.
مصطلحات الدراسات:
“لولا”: أداة شرط غير جازمة، تفيد الامتناع لوجود، وقد تأتي للتحضيض أو التوبيخ أو التحذير حسب السياق. التوبيخ: توجيه لوم ضمني على ترك فعل محمود كان ينبغي فعله. التحذير: تنبيه إلى أمر خطير أو عاقبة سلبية يجب اجتنابها. الدلالة: المعنى الذي يحمله اللفظ أو التركيب في سياقه.
التمهيد:
يحفل القرآن الكريم بطيف واسع من الأدوات اللغوية التي تؤدي أدوارًا دقيقة في تشكيل المعنى، ومن بين هذه الأدوات “لولا”، التي تتسم بتعدد الدلالات وتنوّع السياقات التي ترد فيها. وقد شغلت هذه الأداة حيّزًا معتبرًا من اهتمام النحاة والمفسرين والبلاغيين، لما تحمله من قدرة على التوجيه الدلالي، وتأثير في بناء المعنى القرآني.
تنبع أهمية دراسة “لولا” من كونها أداة شرطية تحمل في طياتها معاني متباينة، كامتناع لوجود، والتحضيض، والتمنّي، بل وقد تتجاوز ذلك إلى أغراض بلاغية ودلالية أعمق، لا تنكشف إلا بالنظر في السياق العام للنص.
وتأتي هذه الدراسة لتسبر أغوار هذه الأداة من خلال رصد مواضعها في النص القرآني، وتحليلها لغويًّا، مع التركيز على المعاني المعتمدة التي تحملها في تلك السياقات، سعيًا إلى تقديم قراءة لغوية معمّقة تعيد النظر في توظيف هذه الأداة، بعيدًا عن الجمود النحوي التقليدي.
المبحث الأول
البنية اللغوية لأداة “لولا” أولًا: التركيب الصرفي والنحوي
تُعد “لولا” من الأدوات المركبة في اللغة العربية، وتتكون من “لو” الشرطية و”لا” النافية، وقد ذهب جمهور النحاة إلى هذا الرأي، معتبرين أنها أداة شرط مركبة تؤدي معنى الامتناع لوجود، أي امتناع الجواب لوجود الشرط، مثل قول الله تعالى: (يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)ﱠ سبأ: ٣١
أي: امتناع إيمانهم بسبب وجود النبي.
وقد بيّن ابن هشام أن “لولا” تفيد الامتناع لوجود، وهي شرطية غير جازمة، تدخل على الجمل الاسمية والفعلية، ولا تعمل في الفعل المضارع عمل “إن” وأخواتها (ابن هشام، مغني اللبيب، ج1، ص256).
ثانيًا: موقع “لولا” في منظومة الأدوات الشرطية
تُصنَّف “لولا” ضمن الأدوات الشرطية غير الجازمة، لكنها تتميز بأنها لا تكتفي بالشرط، بل تضيف إليه معنى النفي أو الامتناع. وبهذا فهي تختلف عن “لو” التي تفيد الامتناع المجرد، دون إضافة النفي أو التحضيض.
وقد أشار الزمخشري إلى هذا الفرق حين قال: “لولا تدل على الامتناع لوجود، فإذا قلت: لولا زيد لهلكنا، أفدتَ أن الهلاك ممتنع لوجود زيد” (الكشاف، الزمخشري، ج2، ص394).
ثالثًا: العلاقة بين “لولا” و”لو” و”لا”
ذهب النحويون إلى أن “لولا” مركبة من “لو” الشرطية و”لا” النافية، وهو ما يفسر طبيعتها المركبة دلاليًا. فـ”لو” تقتضي شرطًا وجوابًا، و”لا” تفيد نفي وقوع الجواب بسبب وقوع الشرط، وقد ورد هذا التحليل في كتاب سيبويه حين ذكر أن “لولا” تستعمل في مواضع يتداخل فيها معنى الشرط بالنفي (سيبويه، الكتاب، ج1، ص345).
كما بيّن السيوطي أن “لولا” قد تخرج عن هذا المعنى في بعض السياقات لتفيد التحضيض أو التمنّي بحسب المقام، لكنها في أصلها تفيد الامتناع (همع الهوامع، ج1، ص143).
رابعًا: خصائص “لولا” في التراكيب
من خصائص “لولا” اللغوية:
أنها لا تجزم الفعل المضارع، بخلاف بعض أدوات الشرط. أنها تدخل على الجمل الاسمية والفعلية، وتُستعمل في أول الجمل غالبًا. أنها ترتبط بالسياق ارتباطًا وثيقًا، حيث تتغير دلالتها باختلاف ما يسبقها وما يتبعها. أن معناها يتجاوز البنية النحوية إلى البنية التداولية أحيانًا، فتفيد التوبيخ أو اللوم، كما في قوله ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ﱠ الأنفال: ٦٨
المبحث الثاني
دلالات “لولا” في القرآن الكريم
جميل، نتابع الآن معك المبحث الثاني: دلالات “لولا” في القرآن الكريم، وسيُعرض بأسلوب أكاديمي موثق.
المبحث الثاني: دلالات “لولا” في القرآن الكريم
تتنوّع دلالات “لولا” في القرآن الكريم تنوعًا يعكس عمقها الوظيفي في بناء المعنى، فهي أداة شرطية ذات طابع دلالي خاص، يمكن تصنيف استعمالاتها في القرآن الكريم ضمن محاور دلالية رئيسة، هي:
أولًا: “لولا” للامتناع لوجود وهي أشهر دلالاتها، وتُفيد امتناع وقوع أمرٍ لوجود غيره، كقول الله ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ﴾ البقرة: ٦٤
ففي هذه الآية امتناع كونهم من الخاسرين بسبب وجود الفضل والرحمة.
وقد بيّن ابن هشام أن هذه الدلالة هي الأصل في “لولا”، وقال: “تفيد الامتناع لوجود على المشهور من أقوال النحاة” (مغني اللبيب، ج1، ص256).
ثانيًا: “لولا” للتحضيض
تأتي “لولا” أحيانًا لتحفيز السامع على القيام بالفعل، فتقرب في المعنى من أدوات الأمر، كما في قوله تعالى:﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: 122].
أي: هلا نفرَ طائفةٌ للتفقه في الدين. وهنا تُفيد التحضيض والتحفيز، وليس الامتناع الشرطي.
وقد ذكر الزركشي أن هذه الدلالة يُحكم بها بناء على السياق، إذ تفيد “لولا” حينها الحض على الفعل (البرهان في علوم القرآن، ج1، ص318).
ثالثًا: “لولا” للتمنّي
في بعض المواضع تقترب “لولا” من دلالة التمنّي، كقولهم: “لولا أني على سفر لزرتك”، وفي القرآن تظهر هذه الدلالة ضمنيًا، لا صراحة، لكنها تُفهم من سياقات الحزن أو الحسرة أو التوق، كما في قوله تعالى:
﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 8]، إذ يدل على تمنّي القوم أن يُنزّل مع الرسول مَلك، وإن جاء بصيغة استفهام إنكاري.
وقد أشار السيوطي إلى هذا الاستخدام التضميني ضمن المعاني المجازية للأداة (الإتقان، ج2، ص110).
رابعًا: “لولا” للعتاب أو اللوم (ضمنيًا)
قد تُفهم “لولا” في بعض الآيات على أنها تحمل معنى العتاب، أو اللوم، كقول الله تعالى:
﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68]
أي: لولا سبق العفو من الله، لأُخذ النبي بما فعله، وفيها نوع من العتاب على استعجال الفداء.
وقد فسر الطبري الآية بهذا الفهم في جامع البيان (ج10، ص64).
ملاحظة مهمة في هذا المبحث:
كل دلالة من هذه الدلالات تتعلق بالسياق العام للآية، وهو ما يجعل “لولا” من الأدوات التي يتداخل فيها المعنى النحوي بالمعنى التداولي، وهو ما سنتوسّع فيه في المبحث التالي.
تتنوّع دلالات “لولا” في القرآن الكريم تنوعًا يعكس عمقها الوظيفي في بناء المعنى، فهي أداة شرطية ذات طابع دلالي خاص، يمكن تصنيف استعمالاتها في القرآن الكريم ضمن محاور دلالية رئيسة، هي:
أولًا: “لولا” للامتناع لوجود
وهي أشهر دلالاتها، وتُفيد امتناع وقوع أمرٍ لوجود غيره، كقول الله تعالى:
أولًا: “لولا” للامتناع لوجود وهي أشهر دلالاتها، وتُفيد امتناع وقوع أمرٍ لوجود غيره، كقول الله ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ﴾ﱠ البقرة: ٦٤
ففي هذه الآية امتناع كونهم من الخاسرين بسبب وجود الفضل والرحمة.
وقد بيّن ابن هشام أن هذه الدلالة هي الأصل في “لولا”، وقال: “تفيد الامتناع لوجود على المشهور من أقوال النحاة” (مغني اللبيب، ج1، ص256).
ثانيًا: “لولا” للتحضيض
تأتي “لولا” أحيانًا لتحفيز السامع على القيام بالفعل، فتقرب في المعنى من أدوات الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: 122].
أي: هلا نفرَ طائفةٌ للتفقه في الدين. وهنا تُفيد التحضيض والتحفيز، وليس الامتناع الشرطي.
وقد ذكر الزركشي أن هذه الدلالة يُحكم بها بناء على السياق، إذ تفيد “لولا” حينها الحض على الفعل (البرهان في علوم القرآن، ج1، ص318).
ثالثًا: “لولا” للتمنّي
في بعض المواضع تقترب “لولا” من دلالة التمنّي، كقولهم: “لولا أني على سفر لزرتك”، وفي القرآن تظهر هذه الدلالة ضمنيًا، لا صراحة، لكنها تُفهم من سياقات الحزن أو الحسرة أو التوق، كما في قوله تعالى:
﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 8]، إذ يدل على تمنّي القوم أن يُنزّل مع الرسول مَلك، وإن جاء بصيغة استفهام إنكاري.
وقد أشار السيوطي إلى هذا الاستخدام التضميني ضمن المعاني المجازية للأداة (الإتقان، ج2، ص110).
رابعًا: “لولا” للعتاب أو اللوم (ضمنيًا)
قد تُفهم “لولا” في بعض الآيات على أنها تحمل معنى العتاب، أو اللوم، كقول الله تعالى:
﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68]
أي: لولا سبق العفو من الله، لأُخذ النبي بما فعله، وفيها نوع من العتاب على استعجال الفداء.
وقد فسر الطبري الآية بهذا الفهم في جامع البيان (ج10، ص64).
ملاحظة مهمة في هذا المبحث:
كل دلالة من هذه الدلالات تتعلق بالسياق العام للآية، وهو ما يجعل “لولا” من الأدوات التي يتداخل فيها المعنى النحوي بالمعنى التداولي، وهو ما سنتوسّع فيه في المبحث التالي.
المبحث الثالث
أثر السياق في تحديد دلالة “لولا”
تُعد “لولا” من الأدوات التي تتحدد دلالتها تحديدًا دقيقًا عبر السياق اللغوي والبلاغي الذي ترد فيه، إذ أن بنيتها التركيبية المركبة، وما تحمله من احتمالات دلالية، تجعلها عرضة للتنوع في المعنى باختلاف المقام والمخاطب وغرض الخطاب.
أولًا: السياق النحوي ، يتغير معنى “لولا” بحسب ما يليها من جملة:
فإذا جاءت بعدها جملة اسمية، غالبًا ما تفيد الامتناع لوجود، كقوله تعالى:
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ﱠ النور: ٢٠
وإذا تلتها جملة فعلية فعلها ماضٍ، فقد تفيد التحضيض أو العتاب، بحسب طبيعة الفعل والسياق، كما في قوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ [التوبة: 122]
وقد أشار ابن يعيش إلى أهمية النظر في موقع “لولا” من الجملة لتحديد معناها (شرح المفصل، ج3، ص114).
ثانيًا: السياق البلاغي والدلالي
السياق البلاغي يلعب دورًا محوريًا في توجيه دلالة “لولا”، ويظهر ذلك جليًا في الآيات التي تستبطن توبيخًا أو حسرة أو تمنّيًا، فـ”لولا” في هذه المواطن لا تؤدي وظيفتها الشرطية المحضة، بل تتجاوزها إلى أداء بلاغي أعلى.
مثال ذلك قوله تعالى:
﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 8]
فهي في ظاهرها استفهام إنكاري، لكنها في باطنها تمنٍّ مشوب بالإنكار، وقد أكّد السكاكي على هذه الوظيفة المتعدّدة للأداة الواحدة في ضوء المقام، فعدّ “لولا” من أدوات المقام المفتوح الدلالة (مفتاح العلوم، ص412).
ثالثًا: السياق القرآني العام
تتداخل دلالة “لولا” مع البنية الموضوعية للآيات القرآنية، فإذا كانت الآية في سياق نعمة، أفادت “لولا” الامتناع لوجود تلك النعمة، وإذا كانت في سياق تقصير أو تهاون، أفادت التحضيض أو العتاب.
مثال ذلك : ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: 251]: تدل على امتناع الفساد بوجود الدفع الإلهي.
﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 13]: تدل على التوبيخ واللوم لاشتراط الشهادة.
وقد أشار الفخر الرازي إلى أن “لولا” في كل آية لا تُفهم إلا في ضوء وحدة السورة ومعانيها (مفاتيح الغيب، ج6، ص132).
المبحث الثالث: أثر السياق في تحديد دلالة “لولا”
تُعد “لولا” من الأدوات التي تتحدد دلالتها تحديدًا دقيقًا عبر السياق اللغوي والبلاغي الذي ترد فيه، إذ أن بنيتها التركيبية المركبة، وما تحمله من احتمالات دلالية، تجعلها عرضة للتنوع في المعنى باختلاف المقام والمخاطب وغرض الخطاب.
أولًا: السياق النحوي، يتغير معنى “لولا” بحسب ما يليها من جملة:
فإذا جاءت بعدها جملة اسمية، غالبًا ما تفيد الامتناع لوجود، كقوله تعالى:
﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ [النور: 20].
وإذا تلتها جملة فعلية فعلها ماضٍ، فقد تفيد التحضيض أو العتاب، بحسب طبيعة الفعل والسياق، كما في قوله:
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ [التوبة: 122].
وقد أشار ابن يعيش إلى أهمية النظر في موقع “لولا” من الجملة لتحديد معناها (شرح المفصل، ج3، ص114).
ثانيًا: السياق البلاغي والدلالي
السياق البلاغي يلعب دورًا محوريًا في توجيه دلالة “لولا”، ويظهر ذلك جليًا في الآيات التي تستبطن توبيخًا أو حسرة أو تمنّيًا، فـ”لولا” في هذه المواطن لا تؤدي وظيفتها الشرطية المحضة، بل تتجاوزها إلى أداء بلاغي أعلى.
مثال ذلك قوله تعالى:
﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 8]
فهي في ظاهرها استفهام إنكاري، لكنها في باطنها تمنٍّ مشوب بالإنكار.
وقد أكّد السكاكي على هذه الوظيفة المتعدّدة للأداة الواحدة في ضوء المقام، فعدّ “لولا” من أدوات المقام المفتوح الدلالة (مفتاح العلوم، ص412).
ثالثًا: السياق القرآني العام
تتداخل دلالة “لولا” مع البنية الموضوعية للآيات القرآنية، فإذا كانت الآية في سياق نعمة، أفادت “لولا” الامتناع لوجود تلك النعمة، وإذا كانت في سياق تقصير أو تهاون، أفادت التحضيض أو العتاب.
مثال ذلك:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: 251]: تدل على امتناع الفساد بوجود الدفع الإلهي.
﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 13]: تدل على التوبيخ واللوم لاشتراط الشهادة.
وقد أشار الفخر الرازي إلى أن “لولا” في كل آية لا تُفهم إلا في ضوء وحدة السورة ومعانيها (مفاتيح الغيب، ج6، ص132).
بعد أن عرضنا:
المبحث الأول: البنية اللغوية لأداة “لولا”
المبحث الثاني: دلالات “لولا” في القرآن الكريم.
المبحث الثالث: أثر السياق في تحديد دلالة “لولا”
المبحث الرابع: التوظيف التداولي لأداة “لولا” في الخطاب القرآني أولًا: المفهوم التداولي ودوره في تحليل الخطاب
يُعنى التحليل التداولي Pragmatic Analysis بدراسة اللغة في استعمالها، أي بدلالتها في السياق الحقيقي للتخاطب، متجاوزًا البنية النحوية والدلالة القاموسية إلى المقاصد والأغراض التي يراد إيصالها.
ومن هذا المنطلق، يمكننا النظر إلى “لولا” في الخطاب القرآني على أنها أداة ذات وظيفة تداولية تتنوع بتنوع مقاصد الخطاب.
وقد أشار فان ديك إلى أهمية هذا النوع من التحليل في النصوص التي تتضمن قوة حجاجية وتأثيرية عالية، كالنصوص الدينية (Van Dijk, 1997).
ثانيًا: “لولا” أداة لإثارة الانتباه وتحفيز التفكير
في بعض المواطن القرآنية، تأتي “لولا” ليس فقط لتأدية دلالة شرطية، وإنما لتفتح أفقًا أمام المتلقي نحو تفكيرٍ ما، كما في قوله تعالى:
﴿لَوْلَا أُنزِلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]
فهي هنا تكشف ما يدور في نفس المعترضين، وتُظهره بأسلوب نقدي فيه تسفيه للرأي لا مجرد نقل له. وهذا ضرب من التوجيه التداولي الذي يجعل المتلقي يعيد النظر في منطقه.
ثالثًا: “لولا” أداة لفتح باب التأمل والتدبر
في كثير من المواطن، تتضمن “لولا” دعوة غير مباشرة للتدبر في حكمة الله، كما في قوله:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 251].
فهنا تُوظَّف “لولا” في سياق إثبات نعمة خفية تُدرك عبر نفي ضدها، وهي نعمة دفع الفساد، فيلفت السياق نظر المتلقي إلى التدبر في سُنن الله.
رابعًا: التوظيف الحواري لأداة “لولا”
في الآيات التي تنقل الحوار بين أهل الكفر والرسل، أو بينهم وبين أنفسهم، نجد “لولا” أداة مركزية في بناء الحجاج والاعتراض، مثل:
﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 8]
أو:﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ﴾ [القصص: 48]
وهي تعكس طريقة تفكيرهم وجدالهم، وتُسهم في بيان باطلهم من خلال عرض حججهم المغلوطة.
وقد أشار الدكتور تمام حسان إلى هذا الاستخدام حين قال:
“الخطاب القرآني لا يُبطل الاعتراضات بالصمت، بل يعرضها، ويعيد بناءها، ويكشف خطأها في ضوء البنية العامة للرسالة”
(البيان في روائع القرآن، ص 151).
الخاتمة:
بعد هذا العرض المفصل لمعاني “لولا” في القرآن الكريم، والبنية اللغوية والسياقية والتداولية التي أحاطت باستخدامها، يمكن القول إن هذه الأداة لم تُستخدم في الخطاب القرآني اعتباطًا، بل وظفت توظيفًا دقيقًا يكشف عن بلاغة التنزيل وروعة النسق القرآني.
لقد تبيّن أن “لولا” لا تؤدي وظيفة واحدة، بل تتلون دلالتها بتلون السياق، سواء أكان نحويًا أو دلاليًا أو تداوليًا. وهذا التنوع هو جزء من الإعجاز البياني في النص القرآني، حيث تنفتح الكلمة الواحدة على آفاق متعددة من المعاني دون أن تفقد تماسكها أو وظيفتها.
نتائج الدراسة:
تعدد دلالات “لولا” في القرآن الكريم بين الامتناع والتحضيض والتمنّي واللوم، بحسب موقعها في الجملة والسياق الذي ترد فيه.
“لولا” أداة شرطية خاصة ذات طابع تعبيري بلاغي، لا تقتصر على البناء النحوي بل تؤدي أدوارًا تداولية.
السياق هو المحدد الأكبر لمعنى “لولا”، وقد تختلف الدلالة في موضعين متشابهين نحويًا إذا اختلفت غاية الخطاب أو طبيعته.
الخطاب القرآني يوظف “لولا” بوصفها أداة حجاجية تُعرض بها أقوال المعارضين وتُفنَّد، أو تُفتح بها أبواب التأمل والتفكر.
“لولا” تمثل نموذجًا حيويًا لدراسة العلاقة بين المعنى والمعنى المقامي (التداولي) في القرآن الكريم.
توصيات الدراسة:
-
دعوة الباحثين إلى مزيد من الدراسات التداولية لأدوات المعاني في القرآن الكريم، مثل “لو”، “إنْ”، “ما”، وغيرها.
-
العناية بربط علم النحو بعلم الدلالة وعلم التداول، خاصة في تحليل النصوص الدينية.
-
تطوير مقررات اللغة والنحو لتُعنى بجوانب السياق والتأويل المقامي، لا الاكتفاء بالتراكيب المجردة.
-
توسيع حقل “التحليل التداولي للنصوص القرآنية” ليشمل أدوات البلاغة والحجاج، بوصفها أساسًا في فهم المعنى العميق للآيات.
قائمة المصادر والمراجع:
-
ابن جني، عثمان بن جني. الخصائص. تحقيق: محمد علي النجار. القاهرة: دار الهدى، د.ت.
-
ابن يعيش، يعقوب بن إسحاق (موفّق الدين). شرح المفصل. بيروت: دار الكتب العلمية، 2001م.
-
الأنباري، عبد الرحمن بن محمد (أبو البركات). البيان في غريب إعراب القرآن. تحقيق: محمد حسن إسماعيل. بيروت: دار الكتب العلمية، 1998م.
-
تمام حسان. اللغة العربية معناها ومبناها. القاهرة: دار الثقافة، 1979م.
-
الجاحظ، عمرو بن بحر. البيان والتبيين. تحقيق: عبد السلام هارون. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986م.
-
الزمخشري، محمود بن عمر (جار الله). الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل. بيروت: دار المعرفة، د.ت.
-
السباعي، مصطفى. السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد. بيروت: دار الشروق، 1982م.
-
السكاكي، يوسف بن أبي بكر. مفتاح العلوم. تحقيق: نعيم زرزور. بيروت: دار الكتب العلمية، 1987م.
-
فان ديك، تيون. تحليل الخطاب: السياقات الاجتماعية والمعرفية. ترجمة: سعيد بحيري. القاهرة: عالم الكتب، 2007م.
-
محمد مكاوي. دورة: ثوابت المبتدأ في اللغة العربية. تقديم مرئي عبر منصة زوم ويوتيوب، 2024م.
-
يحيى، شعبان. دراسات في المعنى والسياق في القرآن الكريم. القاهرة: مكتبة الآداب، 2015م