كتاب (تنزيه الأنبياء) للشريف المرتضى: قراءة في ضوء نظرية الحجاج

Tanzīh al-Anbiyāʾ by al-Sharif al-Murtada: A Reading in the Light of Argumentation Theory

م.د. عليّ حسين حمادي التميميّ1، م.د. محمد عبد أبو جاسم2

1و2 المديرية العامة للتربية في النجف الأشرف, العراق

alialihussain97777@gmail.com 1

hjymmm3599.uh4@gmail.com 2

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj71/24

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/71/24

المجلد (7) العدد (1). الصفحات: 402 - 420

تاريخ الاستقبال: 2025-12-10 | تاريخ القبول: 2025-12-17 | تاريخ النشر: 2026-01-01

Download PDF

المستخلص: يتناول البحث كتاب «تنزيه الأنبياء» للشريف المرتضى قراءةً في ضوء نظرية الحِجاج، مركزًا على إحدى القضايا الكلامية الخلافية في التراث الإسلامي: عصمة الأنبياء وتنزّههم عن الذنوب والمعاصي. وينطلق من رصد مناشئ الجدل بين الفرق والمذاهب في فهم بعض الألفاظ القرآنية التي تمسّ مقام الأنبياء، وكيف أدى الأخذ بظاهرها—وأحيانًا تحت تأثير روايات إسرائيليات—إلى بناء تصورات تُجيز نسبة الخطأ والذنب للأنبياء، بما ينعكس على صورة القداسة والثقة بالرسالة. ويبيّن البحث أن المرتضى وضع مشروعه في الكتاب على أساس تفنيد حجج المخالفين عبر منهج تقويمي يقوم على عرض الشبهة ثم نقضها، مع تأسيس أصول حجاجية واضحة تُعلي من معيار العقل، وتُخضع الأخبار له، وتُحسن توجيه النصوص المتشابهة بالتأويل اللغوي والبلاغي والقرائي. كما يسلّط الضوء على أهم التقنيات التي اعتمدها المرتضى في بناء خطابه الحجاجي، مثل الاستقراء، والإضراب، والترجيح بين الأوجه، وتنوّع أنواع الحجاج بين النقلي والعقلي واللغوي والنصي. ويخلص البحث إلى أن «تنزيه الأنبياء» يمثل نموذجًا بارزًا لخطاب جدليّ منظم يُزاوج بين الأدلة العقلية والقرائن اللغوية لتثبيت مبدأ العصمة وصيانة مقام النبوّة بوصفه شرطًا في تحقق القبول والامتثال.

الكلمات المفتاحية: تنزيه الأنبياء، الشريف المرتضى، نظرية الحجاج، عصمة الأنبياء، التأويل القرآني.

Abstract: This study examines the book Tanzīh al-Anbiyāʾ by al-Sharif al-Murtada through the lens of argumentation theory, focusing on one of the most controversial theological issues in Islamic thought: the infallibility of the prophets and their freedom from sins and transgressions. The research traces the roots of doctrinal disagreement among Islamic schools regarding the interpretation of certain Qur’anic expressions that appear to relate to prophetic conduct. It highlights how literal readings of these texts—sometimes influenced by Israelite narratives—contributed to views that undermine the sanctity and moral authority of the prophets. The study demonstrates that al-Sharif al-Murtada adopted a critical evaluative method based on presenting opposing arguments and systematically refuting them, while establishing clear argumentative principles that prioritize rational evidence, subject transmitted reports to rational scrutiny, and employ linguistic, rhetorical, and contextual interpretation of ambiguous texts. It also analyzes the main argumentative techniques used in the work, such as induction, rebuttal, preference among interpretations, and the integration of rational, textual, and linguistic forms of argumentation. The study concludes that Tanzīh al-Anbiyāʾ represents a coherent and sophisticated model of classical Islamic argumentative discourse aimed at safeguarding prophetic infallibility as a fundamental condition for credibility, acceptance, and compliance with divine revelation.

Keywords: Prophetic Infallibility, al-Sharif al-Murtada, Argumentation Theory, Qur’anic Interpretation, Tanzīh al-Anbiyāʾ.

مقدمة:

من القضايا التي كانت موضع خلاف بين المسلمين، قضية نزاهة الأنبياء عن الذنوب والمعاصي، وانقسمت المذاهب والفرق الإسلاميّة في كون الأنبياء والمرسلين معصومين عن الذنوب والآثام، أو غير معصومين، وقد اعتمد مَن رأى عدم نزاهتهم على ألفاظ وردت في النص القرآنيّ الكريم، فأخذوا بظاهر هذه الألفاظ، وصيّروها قضية عقدية، تبنّوها في مسائلهم المذهبية والكلاميّة. ويبدو أنّ بعض هذه العقائد قد استندت إلى روايات إسرائيليّة، نسبت الذنوب والمعاصي إلى الأنبياء والمرسلين، الغاية منه تشويه الصورة المشرقة للأنبياء، وإزاحة هالة القداسة التي تحيط بهم؛ كونهم أشرفهم خلقاً، وأفضلهم عملاً، وأكثرهم طاعة ً لله تبارك وتعالى. وهدف مَن يبثّ هذه الروايات تسويغ عمل المعاصي والذنوب لعامة الناس، إذا كان أفضل الخلق قد اقترفها. وقد جاء كتاب “تنزيه الأنبياء” للشريف المرتضى لمناقشة الآراء، التي ترى عدم نزاهة الأنبياء، وإمكانية وقوع الذنوب منهم، وردّ الحجج التي استعملوها فيما ذهبوا إليه. ويحاول هذا البحث مقاربة المنهج الذي استعمله الشريف المرتضى في حجاجه، والتقنيات التي وظّفها، وأنواع الحجاج الواردة في أثناء عرضه للآراء، التي ذكرها.

تمهيد:

منهج المؤلف:

بدأ الشريف المرتضى في المقدمة بذكر سبب تأليفه الكتاب، ومنهجه في مناقشة أصحاب الآراء التي لا تنزّه الأنبياء عن الذنوب والقبائح، إذ قال: “إملاء كتاب في تنزيه الأنبياء، والأئمة عليهم السلام عن الذنوب والقبائح كلّها، ما سمّي منها كبيرة أو صغيرة، والردّ على مَن خالف في ذلك، على اختلافهم، وضروب مذاهبهم، وأنا أجيب إلى ما سألت على ضيق الوقت، وتشعب الفكر، وأبتدئ بذكر الخلاف في هذا الباب، ثم الدلالة على مذهب الصحيح من جملة ما أذكره من المذاهب، ثم بتأويل ما تعلّق به المخالف من الآيات والأخبار، التي اشتبه عليه وجهها، وظنّ أنّها تقتضي وقوع كبيرة أو صغيرة من الأنبياء والأئمة عليهم السلام” (تنزيه الأنبياء، 15). ثم أفرد مبحثاً للخلاف في نزاهة الأنبياء عن القبائح والذنوب، إذ رأى أنّ الفِرَق الإسلامية قد اختلفت في هذه القضية، وأهم آرائهم فيها هي:

  1. يرى الشيعة الإماميّة أنّ الذنوب والمعاصي لا تقع من الأنبياء عليهم السلام، والأئمة عليهم السلام – أيضاً – لا تقع منهم هذه الذنوب، إذ قال: “فقالت الشيعة الإماميّة: لا يجوز عليهم شيء من المعاصي والذنوب، كبيراً كان أو صغيراً، لا قَبلَ النبوة ولا بعدها، ويقولون في الأئمة مثل ذلك” (تنزيه الأنبياء، 15).
  2. تجويز أصحاب الحديث والحشوية وقوع الكبائر على الأنبياء قبل النبوّة، أو في حال النبوّة، أو في السرّ دون العلن، إذ قال: ” جوّز أصحاب الحديث والحشوية على الأنبياء الكبائر قبل النبوّة، ومنهم من جوّزها في حال النبوّة سوى الكذب فيما يتعلّق بأداء الشريعة، ومنهم مَن جوّزها كذلك في حال النبوّة بشرط الاستسرار دون الإعلان، ومنهم مَن جوّزها على الأحوال كلّها (تنزيه الأنبياء، 16).
  3. نقل عن المعتزلة منعهم وقوع الكبائر عن الأنبياء، واختلافهم في الصغائر المستخفة، إذ قال: “ومنعت المعتزلة من وقوع الكبائر والصغائر المستخفة من الأنبياء عليهم السلام قبل النبوّة وفي حالها، وجوّزت في الحالين وقوع ما لا يستخف من الصغاير، ثمّ اختلفوا، فمنهم مَن جوّز على النبيّ “ص” الإقدام على المعصية الصغيرة على سبيل العمد، ومنهم مَن منع ذلك، وقال: إنّهم لا يقدمون على الذنوب، التي لا يعلمونها ذنوباً، بل على سبيل التأويل… ذنوبهم لا تكون إلاّ على سبيل السهو والغفلة، وأنّهم مؤاخذون بذلك، وإن كان موضوعاً من أممهم لقوة معرفتهم وعلوّ مرتبتهم”(تنزيه الأنبياء، 16).
  4. جوّز أصحاب الحديث والحشوية والمعتزلة “على الأئمة الكبائر والصغائر، إلاّ أنّهم يقولون: إنّ بوقوع الكبيرة من الإمام تفسد إمامته، ويجب عزله والاستبدال به”(تنزيه الأنبياء، 16 ).

إنّ الموضوع الذي يبحث فيه الشريف المرتضى موضوع مطروق قبله، وقد اختلف الناس في مواقفهم منه، وكان لهم فيها مساجلات واعتراضات كثيرة؛ ولذا فقد كان منهج الشريف المرتضى منهجاً تقويمياً لمَن خالفه في الرأي، فيذكر حججه واعتراضاته، فيجيب عنها، فالذي يأتي به يكون “حجاجاً على خطاب متوقَّع من مرسل إليه متخيَّل، يفترض المرسل وجوده؛ تحسباً لأيّ اعتراضات قد يواجه بها خطابه بالاستناد على معرفته به وبعناصر السياق، ومن ذلك حججه المفترضة. إذ يراعي المرسل في خطابه الحجاجي أمرين، هما: الهدف الذي يريد تحقيقه، وهو الإقناع، والحجج التي يمكن يعارضه بها المرسل إليه، والتي يضعها في الحسبان في أثناء بناء خطابه، ويمحصها عند استحضار حججه، فيفندها ويعارضها بالحجج التي يتوقعها من المرسل إليه” (استراتيجيات الخطاب، مقاربة لغوية تداوليّة، 473).

أصول الحجاج عند الشريف المرتضى:

ويضع الشريف المرتضى قواعد لحجاجه في بيان نزاهة الأنبياء عن الذنوب، فيجعلها أصولاً يعتمدها في الحجاج، إذ إنّ “المبادئ الحجاجيّة هي مجموعة من المسلمات والأفكار والمعتقدات المشتركة بين أفراد مجموعة لغوية، وبشريّة معينة، والكلّ يسلّم بصدقها وصحتها” (اللغة والحجاج، 33)، وقد بثّها في أثناء دفاعه عن نزاهة الأنبياء، أهمّها:

  1. بطلان الإحباط على الأنبياء، فلا معصية تصدر منهم يستحقّون بها الذمّ والعقاب: وفي ذلك يقول: “لأنّ الشيعة إنّما تنفي عن الأنبياء عليهم السلام جميع المعاصي من حيث كان كلّ شيءٍ منها يستحقّ به فاعله الذمّ والعقاب؛ لأنّ الإحباط باطل عندهم، وإذا بطل الإحباط فلا معصية إلاّ ويستحقّ فاعلها الذمّ والعقاب، وإذا كان استحقاق الذمّ والعقاب منفياً عن الأنبياء عليهم السلام، وجب أن تنتفي عنهم ساير الذنوب” (تنزيه الأنبياء، 17). فالشريف المرتضى يذكر هذا الأصل في بيان التوافق بين الشيعة والمعتزلة على نزاهة الأنبياء، فهو يقول: “ويصير الخلاف بين الشيعة والمعتزلة متعلقاً بالإحباط، فإذا بطل الإحباط، فلا بدّ من الاتفاق على أنّ شيئاً من المعاصي لا يقع من الأنبياء “ع” من حيث يلزمهم استحقاق الذمّ والعقاب” (تنزيه الأنبياء، 17).
  2. دلالة العلم المعجز تثبت صدق الأنبياء في تأدية الرسالة السماويّة، وفي نزاهتهم عن سائر المعاصي والذنوب: وفي ذلك يقول: “اعلم أنّ جميع ما تنزه الأنبياء عليهم السلام عنه، ونمنع من وقوعه منهم من يستند إلى دلالة العلم المعجز، إمّا بنفسه أو بواسطة، وتفسير هذه الجملة: أنّ العلم المعجز إذا كان واقعاً موقع التصديق لمدّعي النبوّة والرسالة، وجارياً مجرى قوله تعالى له: صدقت في أنّك رسول ومؤدٍ عني. فلا بدّ من أن يكون هذا المعجز مانعاً من كذبه على الله سبحانه في ما يؤديه عنه؛ لأنّه تعالى لا يجوز أن يصدق الكذّاب؛ لأنّ تصديق الكذّاب قبيح، كما قلنا أنّ الكذب قبيح. فأمّا الكذب في غير ما يؤديه عن الله، وسائر الكبائر، فإنّما دلّ المعجز على نفيها، من حيث كان دالاً على وجوب اتباع الرسول وتصديقه فيما يؤديه، وقبوله منه؛ لأنّ الغرض في بعثة الأنبياء عليهم السلام تصديقهم بالإعلام، المعجز هو أن يمتثل ما يأتون به، فما قدح في الامتثال والقبول وأثّر فيهما، يجب أن يمنع المعجز منه” (تنزيه الأنبياء، 17 – 18).
  3. يجب إسناد الشيء إلى مَن يليق به الوقوع منه، ونفيه عمَّن لا يليق به: وفي ذلك يقول: “إذا تقدّم مذكوران، وعقبا بأمر لا يليق بأحدهما، وجب أن يضاف إلى مَن يليق به” (تنزيه الأنبياء، 31).
  4. أدلّة العقول معيار لبيان صحة الأخبار: وفي ذلك يقول: “الأخبار يجب أن تُبنى على أدلّة العقول، ولا تُقبل في خلاف ما تقتضيه أدلّة العقول؛ ولهذا لا تقبل أخبار الجبر والتشبيه، ونردّها أو نتأولها إن كان لها مخرج سهل” (تنزيه الأنبياء، 33).
  5. ينتقل المحتجّ من حجة إلى غيرها؛ لقصور حجته إلاّ إن كانت الغاية لتكون الحجة أبلغ وأسرع: يأتي الشريف المرتضى على ذكر أصلين حجاجين، أحدهما يكمل الآخر، ويفسّر سبب استعماله، فهو ينقل عن المعارضين أصلاً حجاجياً، ويأخذ به، إذ قال: “ليس ينتقل المحتجّ من شيءٍ إلى غيره إلاّ على وجه القصور عن نصرته” (تنزيه الأنبياء، 48). ليسوّغ – بعد ذلك – الانتقال من حجة إلى أخرى، إن كانت الغاية من ذلك أن تكون الحجة أبلغ، والإقناع بها أسرع، إذ قال: “مَن كان قصده البيان والإيضاح، فله أن يعدل من طريق إلى آخر؛ لوضوحه وبُعده عن الشبهة، وإن كان كلا الطريقين يفضي إلى الحقّ، على أنّه بالكلام الثاني ناصر للحجة الأولى، وغير خارج عن سنن نصرتها” (تنزيه الأنبياء، 49).
  6. لا يكتم النبيّ ما أرسله الله تعالى به؛ خوفاً من القتل: فالشريف المرتضى يضع هذه الأصل الحجاجي، ويعتمده لإقناع المعارضين لنزاهة الأنبياء، وفي ذلك يقول: النبيّ “ع”لا يجوز أن يكتم ما أرسل به خوفاً من القتل؛ لأنّه يعلم أنّ الله تعالى لم يبعثه للأداء إلاّ وهو عاصم له من القتل حتى يقع الأداء، وتسمع الدعوة، وإلاّ لكان ذلك نقضاً للغرض” (تنزيه الأنبياء، 73).
  7. دليل العقل أقوى الأدلّة: يرى الشريف المرتضى أنّ دليل العقل أقوى الأدلّة على تنزيه الله تعالى عن إضلال عباده، وفي ذلك يقول: “دليل العقل وإن كان أقوى من كلّ دليل يصحب الكلام، فإنّه ليس يقتضي في الآية أن يكون حرف الاستفهام منها محذوفاً لا محالة؛ لأنّ العقل إنّما يقتضي تنزيه الله تعالى عن أن يكون مجرباً بشيء من أفعاله إلى إضلال العباد عن الدين” (تنزيه الأنبياء، 109). ويؤكد هذا الأصل الحجاجيّ في موضع آخر، إذ قال: “قلنا لا شبهة في أنّ كلّ خبر اقتضى ما تنفيه أدلّة العقول فهو باطل مردود، إلاّ أن يكون له تأويل سايغ غير متعسف، فيجوز أن يكون صحيحاً، ومعناه مطابقاً للأدلّة” (تنزيه الأنبياء، 171).
  8. لا يؤخذ بالرواية إذا كانت تخالف ما اقتضته الأدلّة: يرى الشريف المرتضى أنّ التعارض بين الرواية والأدلّة يجب أن يؤدي إلى رفض الرواية، والطعن في صحتها، إذ قال: “الرواية إذا كانت مخالفة لما تقتضيه الأدلّة لا يلتفت إليها لو كانت قوية صحيحة ظاهرة، فكيف إذا كانت ضعيفة واهية” (تنزيه الأنبياء، 133 ).

لماذا يجب تنزيه الأنبياء عن المعاصي ؟:

ويأتي الشريف المرتضى على ذكر العلل التي يجب لأجلها تنزيه الأنبياء على الذنوب، فهو يبيّن أنّ “الغرض في بعثة الأنبياء عليهم السلام، تصديقهم بالإعلام المعجز هو أن يمتثل ما يأتون به، فما قدح في الامتثال والقبول، وأثّر فيهما، يجب أن يمتنع المعجز منه، فلهذا قلنا: إنّه يدلّ على نفي الكذب، والكبائر عنهم في غير ما يؤدونه بواسطة، وفي الأول يدلّ بنفسه”(تنزيه الأنبياء، 18). وينقل سؤالاً يمكن طرحه، وهو قولهم: “لم يبقَ إلاّ أن تدلّوا على أنّ تجويز الكبائر يقدح فيما هو الغرض بالبعثة من القبول والامتثال”(تنزيه الأنبياء، 18). ليردّ على هذا السؤال بقوله: “لا شبهة في أنّ مَن نجوّز عليه كبائر المعاصي، ولا نأمن منه الإقدام على الذنوب، لا تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله، أو استماع وعظه كسكونها إلى مَن لا نجوّز عليه شيئاً من ذلك، وهذا هو معنى قولنا: إنّ وقوع الكبائر منفر من القبول، والمرجع فيما ينفر، وما لا ينفر إلى العادات واعتبار ما تقتضيه، وليس ذلك ممّا يستخرج بالأدلّة والقياس، ومَن رجع إلى العادة علم ما ذكرناه” (تنزيه الأنبياء، 18).

ويستمرّ الشريف المرتضى في ردّ أقوال المشككين بنزاهة الأنبياء، فيأتي على ذكر اعتراض آخر على هذه النزاهة، فينقل سؤالاً مفترضاً، إذ قال: “فإن قيل: أوليس قد جوّز كثير من الناس على الأنبياء عليهم السلام الكبائر مع أنّهم لم ينفروا عن قبول أقوالهم، والعمل بما شرّعوه من الشرايع، وهذا ينقض قولكم أنّ الكبائر منفرة” (تنزيه الأنبياء، 18). فيجيب الشريف المرتضى عن هذا التساؤل بقوله: “هذا سؤال مَن لا يفهم ما أوردناه لأنّا لم نرد بالتنفير ارتفاع التصديق، وأن لا يقع امتثال الأمر جملة، وإنّما أردنا ما فسّرناه من أنّ سكون النفس إلى قبول قول مَن يجوز ذلك عليه لا يكون على حدّ سكونها إلى مَن لا يجوز ذلك عليه، وإنّا مع تجويز الكبائر نكون أبعد من قبول القول. كما أنّا مع الأمان من الكبائر نكون أقرب إلى قبول القول. وقد يقرب من الشيء ما لا يحصل الشيء عنده، كما يبعد عنه ما لا يرتفع عنده، ألا ترى أنّ عبوس الداعي للناس إلى طعامه، وتضجره، وتبرّمه منفر للعادة عن حضور دعوته، وتناول طعامه، وقد يقع ما ذكرناه من الحضور والتناول، ولا يخرجه من أن يكون منفراً” (تنزيه الأنبياء، 18 – 19).

ويسترسل الشريف المرتضى في تنزيهه الأنبياء بالردّ على سؤال المنكرين لنزاهتهم، إذ قالوا: “إنّ الكبائر لا تقع منهم في حال النبوّة، فمن أين أنّها لا تقع منهم قبل النبوّة، وقد زال حكمها بالنبوّة المسقطة للعقاب والذم، ولم يبقَ وجه يقتضي التنفير” (تنزيه الأنبياء، 19). فيجيب عن سؤالهم، بقوله: “الطريقة في الأمرين واحدة؛ لأنّا نعلم أنّ مَن يجوز عليه الكفر والكبائر في حال من الأحوال، وإن تاب منهما، لا يكون حال الواعظ لنا الداعي إلى الله تعالى، ونحن نعرفه مقارفاً للكبائر مرتكباً لعظيم الذنوب، وإن كان قد فارق جميع ذلك، وتاب منه عندنا، وفي نفوسنا كحال مَن لم نعهد منه إلاّ النزاهة والطهارة، ومعلوم ضرورةً الفرق بين هذين الرجلين فيما يقتضي السكون والنفور … وليس إذا كان تجويز الكبائر قبل النبوّة منخفضاً عن تجويزها في حال النبوّة، وناقصاً عن رتبته في باب التنفير” (تنزيه الأنبياء، 19 ).

تقنيّات الحجاج عند الشريف المرتضى:

استعمل الشريف المرتضى تقنيات عدّة في حجاجه لبيان نزاهة الأنبياء عن المعاصي والذنوب، فقد كان صاحب منهجيّة في بيان صحّة ما يعتقده من نزاهتهم ممّا ينسب إليهم من الذنوب والنقائص، ولعلّ أهم هذه التقنيات هي:

  1. الاستقراء:

فالذي يلحظ أنّ الشريف المرتضى كان يقوم باستقراء الوجوه، التي يمكن أن يجاب بها على ادّعاءات المعترضين والمخالفين فيما يعتقدون، وهذه التقنيّة قد شاعت بكثرة في كتابه، فلا تكاد تجد موضعاً يردّ فيه على شبهات المعترضين إلاّ وردّها باستقرائه للوجوه الممكنة في الجواب، من ذلك ما يلحظ عند تنزيهه نبيّ الله نوح عليه السلام، في الآية الكريمة: ” ونادى نوح ربّه فقال ربِّ إنّ ابني من أهلي وإنّ وعدك الحقّ وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنّه ليس من أهلك ” [هود: 45 – 46]، إذ يورد الشريف المرتضى شبهة المعارضين، إذ قال: “ظاهر قوله تعالى “إنّه ليس من أهلك”، فيه تكذيب لقوله عليه السلام “إنّ ابني من أهلي”، وإذا كان النبيّ “ع” لا يجوز عليه الكذب، فما الوجه في ذلك ؟” (تنزيه الأنبياء، 35). وجاء بعدها بمقدمة للأجوبة التي استقرأها لها، فقال: “قيل له: في هذه الآية وجوه، كلّ واحد منها صحيح مطابق لأدلّة العقل “” تنزيه الأنبياء، 35 “.ثمّ يأتي بتلك الوجوه، ويناقشها، ويدعمها بما يتوافر لديه من أدلّة تؤكّد مذهبه في الحجاج لهذه القضية.

ومثلها ما جاء في اعتراضهم على قوله تعالى: ” واستغفروا ربَّكم ثم توبوا إليه “[ هود: 90]، إذ إنّ مَن يرى عدم نزاهة الأنبياء، يعترض على ما جاء في الآية الكريمة، بقوله: “الشيء لا يعطف على نفسه، لا سيّما بالحرف الذي يقتضي التراخي والمهلة، وهو “ثمّ”، وإذا كان الاستغفار هو التوبة، فما وجه هذا الكلام ؟”تنزيه الأنبياء، 96). فيردّ الشريف المرتضى هذه الشبهة، بقوله: “قلنا في هذه الآية وجوه: أولها: أن يكون المعنى: اجعلوا المغفرة غرضكم وقصدكم، الذي تجأرون، ونحوه يتوجهون، ثم توصلوا إليها بالتوبة إليه، فالمغفرة أول في الطلب آخر في السبب. وثانيها: أنّه لا يمتنع أن يريد بقوله: “استغفروا ربّكم” أي: اسألوه التوفيق للمغفرة والمعونة عليها، ثم توبوا إليه؛ لأنّ المسألة للتوفيق ينبغي أن يكون قبل التوبة. وثالثها: أنّه أراد بـ “ثم”الواو، والمعنى: استغفروا ربّكم وتوبوا إليه، وهذان الحرفان قد يتداخلان، فيقوم أحدهما مقام الآخرة. ورابعها: أنّه يريد استغفروا قولاً ونطقاً، ثم توبوا إليه؛ لتكونوا بالتوبة فاعلين لما يسقط العقاب عنده. وخامسها: أنّه خاطب المشركين بالله تعالى، فقال لهم: استغفروا من الشرك بمفارقته ثم توبوا إليه، أي: ارجعوا إلى الله تعالى بالطاعات، وأفعال الخير؛ لأنّ الانتفاع بذلك لأنّ ذلك لا يكون إلاّ بتقديم الاستغفار من الشرك ومفارقته… وسادسها: ما أومى إليه أبو علي الجبائيّ في تفسير هذه الآية، قال: أراد بقوله”استغفروا ربّكم ثم توبوا إليه” أي: أقيموا على التوبة إليه؛ لأنّ التائب إلى الله تعالى من ذنوبه يجب أن يكون تائباً إلى الله في كلّ وقت يذكر فيه ذنوبه بعد توبته الأولى؛ لأنّه يجب أن يكون مقيماً على الندم على ذلك، وعلى العزم على أن لا يعود إلى مثله” (تنزيه الأنبياء، 96 – 97).

والشريف المرتضى – أحياناً – لا يصرّح بأنّ في جواب الشبهة وجوه، وإنّما يأتي بالجواب عليها، ثم يقول: إنّ للشبهة جواباً آخر، من ذلك ما يلحظ عند تنزيهه للنبيّ يوسف عليه السلام عن الصبر على الاستعباد، فكانت شبهة مَن يرى عدم نزاهة الأنبياء في سؤالهم “كيف صبر يوسف عليه السلام على العبوديّة، ولِمَ لم ينكرها، ويبرأ من الرزق، وكيف يجوز على النبيّ الصبر على أن يستعبد ويسترقّ ؟” (تنزيه الأنبياء، 72). فجاء جواب الشريف المرتضى على هذه الشبهة، بقوله: “الجواب قيل له: إنّ يوسف عليه السلام في تلك الحال لم يكن نبياً على ما قاله كثير من الناس، ولمّا خاف على نفسه القتل جاز أن يصبر على الاسترقاق… ووجه آخر: وهو أنّ الله تعالى لا يمتنع أن يكون أَمَره بكتمان أَمْره، والصبر على مشقة العبودية امتحاناً وتشديداً في التكليف… ووجه آخر: وهو أنّه يجوز أن يكون قد خبّرهم بأنّه غير عبد، وأنكر عليهم ما فعلوا من استرقاقه، إلاّ أنّهم لم يسمعوا منه، ولا أصغوا إلى قوله… ووجه آخر: وهو أنّ قوماً قالوا: إنّه خاف القتل، فكتم أمر نبوته، وصبر على العبوديّة” (تنزيه الأنبياء، 72 – 73 ).

  1. الإضراب:

استعمل الشريف المرتضى هذه التقنيّة عند تنزيهه الأنبياء عن الذنوب والمعاصي، وقد وظّفها بأكثر من صورة، إذ إنّه أحياناً يستعمله مباشرة ً بعد ذكر أدلّة المعترضين، وفي أحيان أخرى يستعمله بعد ذكر الردود على أدلّة المعترضين، إذ إنّه يستدرك على الجواب، الذي يأتي به، إذ قد يكون سبباً في اعتراض آخر، فيُضرب عنه إلى جواب آخر، يردّ الاعتراض. فمن أمثلة الإضراب، الذي يوظّفه في حجاجه ما جاء من الاعتراض في قوله تعالى: ” فخذ أربعة ًمن الطير فصرّهن إليك ثم اجعل على كلّ جبلٍ منهن جزءاً ثم ادعهنّ يأتينك سعياً “[ البقرة: 260]. فقد جاء الاعتراض في الآية الكريمة، في قولهم “كيف يصحّ أن يدعوها وهي أحياء ؟ وظاهر الآية يشهد بخلاف ذلك… فأمّا أبو مسلم الأصفهانيّ، فإنّه فراراً من هذا السؤال حمل الكلام على وجه ظاهر الفساد؛ لأنّه قال: إنّ الله تعالى أمر إبراهيم ع” بأن يأخذ أربعة من الطيور، ويجعل على كلّ جبلٍ طيراً، وعبّر بالجزء عن الواحد من الأربعة، ثم أمره بأن يدعوهنّ، وهنّ أحياء من غير إماتة تقدمت، ولا تفرّق من الأعضاء” (تنزيه الأنبياء، 53 – 54). ويضرب الشريف المرتضى عن هذا الجواب، بقوله:”وهذا الجواب ليس بشيء؛ لأنّ إبراهيم عليه السلام إنّما سأل الله أن يريه كيف يحيي الموتى، وليس في مجيء الطيور وهنّ أحياء بالعادة والتمرين دلالة على ما سئل عنه، ولا حجّة فيه” (تنزيه الأنبياء، 54).

ومن أمثلة الإضراب، ما ورد عند الجواب على قول المعترضين على نزاهة الأنبياء، وذلك في قوله تعالى: ” ووجدك ضالّاً فهدى [ الضحى: 7]، إذ إنّ المعترضين يقولون: “أوليس هذا يقتضي إطلاقه الضلال عن الدين ؟ وذلك ممّا لا يجوز عندكم قبل النبوّة ولا بعدها ؟ “”تنزيه الأنبياء، 150 “. فيأتي الشريف المرتضى على ذكر الأجوبة الممكنة عن هذا الاعتراض، فيذكر الجواب، ثم يضرب عنه؛ لوجود خلل في صحّة الاستدلال به، إذ قال: ” أن يكون أراد: وجدك ضالّاً بين مكة والمدينة عند الهجرة، فهداك وسلّمك من أعدائك. وهذا الوجه قريب لولا أنّ السورة مكية، وهي متقدّمة للهجرة إلى المدينة” (تنزيه الأنبياء،151 ).

ومن أمثلة استعمال تقنيّة الإضراب، ما جاء عند الإجابة على قول المعترضين في قوله تعالى: ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر [ سورة الفتح: 2]، إذ رأى المعترضون أنّ الآية الكريمة تصرّح بصدور الذنوب عن النبيّ “صلّى الله عليه وآله وسلّم”، وأنّ الله تعالى قد غفر هذه الذنوب، المتقدّم منها والمتأخر. فيجيب الشريف المرتضى عن ذلك، بقوله: “إنّه أراد تعالى بإضافة الذنب إليه ذنب أبيه آدم عليه السلام. وحسنت هذه الإضافة لاتصال القربى، وعفوه ذلك، من حيث أقسم آدم على الله تعالى به، فأبرّ قسمه، فهذا المتقدّم. والذنب المتأخر هو ذنب شيعته وشيعة أخيه عليه السلام” (تنزيه الأنبياء، 162). فاستدرك الشريف المرتضى هذا الجواب، بقوله: “وهذا الجواب يعترضه أنّ صاحبه نفى نبيّ ذنباً، وأضافه إلى آخر. والسؤال عليه فيمَن أضافه إليه كالسؤال فيمَن نفاه عنه” (تنزيه الأنبياء، 162). فيضرب عن هذا الجواب، بقوله: “ويمكن إذا أردنا نصرة هذا الجواب أن نجعل الذنوب كلّها لأمته “ص”، ويكون ذكر التقدّم والتأخر إنّما أراد به ما تقدّم زمانه وما تأخّر… ولإضافة ذنوب أمّته إليه وجه في الاستعمال معروف؛ لأنّ القائل قد يقول لِمَن حضره من بني تميم أو غيرهم من القبائل: أنتم فعلتم كذا وكذا، وقلتم فلاناً، وإن كان الحاضرون ما شهدوا ذلك، ولا فعلوه، وحسنت الإضافة للاتصال والتسبب، ولا سبب أوكد ممّا بيّن الرسول “ص” وأمّته، فقد يجوز توسعاً وتجوزاً أن تضاف ذنوبهم إليه” (تنزيه الأنبياء، 163).

  1. الترجيح بين الآراء:

يستعمل الشريف المرتضى هذه التقنيّة في حجاجه لإثبات نزاهة الأنبياء عن الذنوب والمعاصي، فهو يذكر أحياناً وجوهاً من الجواب عن شبهات المعارضين، ثم يرجّح وجهاً أكثر من غيره في الحجاج. ومن ذلك ما يلحظ في قوله تعالى: إلاّ عن موعدة وعدها إيّاه [التوبة: 114]. فالضمير “إيّاه” قد يعود على إبراهيم “عليه السلام”، أو على أبيه. والمعنى يختلف عند عود الضمير على كلّ واحد منهما، إذ قال: “قيل إنّ الموعدة إنّما كانت من الأب بالإيمان للابن، وهو الذي قدّمناه. وقيل: إنّها كانت من الابن بالاستغفار للأب في قوله “لاستغفرنّ لك”. والأَوْلى أن تكون الموعدة هي من الأب بالإيمان للابن؛ لأنّا إن حملناه على الوجه الثاني، كانت المسألة قائمة. ولقائل أن يقول: ولِمَ أراد أن يعده بالاستغفار وهو كافر ؟ وعند ذلك لا بدّ أن يقال: إنّه أظهر له الإيمان حتى ظنَّه به، فيعود إلى معنى الجواب الأول. فإن قيل: فما تنكرون من ذلك، ولعلّ الوعد كان من الابن للأب بالاستغفار، وإنّما وعده به لأنّه أظهر له الإيمان ؟ قلنا: ظاهر الآية منع من ذلك؛ لأنّه تعالى قال: ” وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلاّ عن موعدة وعدها إيّاه” فعلّل حسن الاستغفار بالموعدة، ولا يكون الموعدة مؤثرة في حسن الاستغفار إلاّ بأن يكون من الأب للابن بالإيمان؛ لأنّها إذا كانت من الابن لم يحسن له لها الاستغفار؛ لأنّه إن قيل إنّما وعده الاستغفار لإظهاره له الإيمان، فالمؤثر في حسن الاستغفار هو إظهار الإيمان لا الموعدة” (تنزيه الأنبياء، 56).

ومن أمثلة توظيف الترجيح في حجاجه، ما جاء في قوله تعالى: ” إنّي أريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممتَ عشراً فمِن عندك وما أريد أن أشقّ عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ” [القصص: 27]. فالرافض نزاهة الأنبياء يعترض على ما جاء في الآية الكريمة، إذ قال: “كيف يجوز في الصداق هذا التخيير والتفويض، وأيّ فايدة للبنت فيما شرط هو لنفسه، وليس يعود عليها من ذلك نفع” (تنزيه الأنبياء، 98). فيأتي الشريف المرتضى بالوجوه، التي يجيب بها عن هذا الاعتراض، وعند ذكر الوجه الأخير، يرجّح الوجوه المتقدّمة عليه، إذ قال: “ووجه آخر: وهو أنّه يجوز أن يكون من شريعته عليه السلام العقد بالتراضي من غير مصداق معيّن، ويكون قوله “على أن تأجرني ” على غير وجه الصداق. وما تقدّم من الوجوه أقوى” (تنزيه الأنبياء، 99).

ومن أمثلته – أيضاً – ما جاء عند توجيه الاعتراض في قوله تعالى: ” ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ” [الأعراف: 143]. فمَن يدّعي عدم نزاهة الأنبياء عن الذنوب، يعترض بقوله: “أوليس هذه الآية تدلّ على جواز الرؤية عليه تعالى؛ لأنّها لو لم تجُز لم يسغ أن يسألها موسى “ع” كما يجوز أن يسأله اتخاذ الصاحبة والولد ؟” (تنزيه الأنبياء، 111). فيأتي الشريف المرتضى على ذكر وجوه الإجابة عن هذا الاعتراض، ويبدأ كلامه بترجيح هذا الوجه على غيره من الوجوه، إذ قال: “قلنا: أَوْلى ما أجيب به عن هذه الآية أن يكون موسى عليه السلام لم يسأل الرؤية لنفسه، وإنّما سألها لقومه. فقد روي أنّ قومه طلبوا ذلك منه، فأجابهم بأنّ الرؤية لا يجوز عليه تعالى. فلجّوا به وألحّوا عليه في أن يسأل الله تعالى أن يريهم نفسه، وغلب في ظنّه أنّ الجواب إذا ورد من جهته جلّت عظمته كان أحسم للشبهة وأنفى لها” (تنزيه الأنبياء، 111). ثم ذكر بعد ذلك أموراً تقوّي هذا الجواب. وذكر بعد ذلك الوجوه الأخرى؛ جواباً عن الاعتراض، ثم عاد وكرّر أنّ الوجه الأول هو الأَوْلى، إذ قال: “والوجه الأول أَوْلى لما ذكرناه متقدّماً من الوجوه؛ لأنّ موسى “ع” لا يخلو من أن يكون شاكّاً في أنّ المعرفة الضروريّة، لا يصحّ حصولها في الدنيا، أو غير شاكّ. فإن كان شاكّاً، فالشكّ فيما يرجع إلى أصول الديانات، وقواعد التكليف لا يجوز على الأنبياء “ع”، لا سيّما وقد يجوز أن يعلم ذلك على حقيقته بعض أمّتهم، فيزيد عليهم في المعرفة، وهذا أبلغ في التنفير عنهم من كلّ شيء يمنع منهم، وإن كان موسى عليه السلام عالماً بذلك، وغير شاكّ فيه، فلا وجه لسؤاله إلاّ أن يقال إنّه سأل لقومه، فيعود إلى معنى الجواب الأول” (تنزيه الأنبياء، 114).

أنواع الحجاج عند الشريف المرتضى:

يلجأ المحتجّ للاستدلال على صحة رأيه في القضية، التي يحاول إثباتها، أو الدفاع عنها، إلى استعمال كلّ ما يمتلكه من الأدلة والبراهين، التي تقنع المتلقي، وتؤدّي به إلى القبول بالاستنتاج، الذي يذهب إليه المحتجّ؛ وذلك كون “الحجاج هو تقديم الحجج، والأدلة المؤدية إلى نتيجة معينة، وهو يتمثّل في انجاز تسلسلات استنتاجيّة داخل الخطاب، وبعبارة أخرى، يتمثّل الحجاج في انجاز متواليات من الأقوال، بعضها هو بمثابة الحجج اللغوية، وبعضها الآخر هو بمثابة النتائج، التي تستنتج منها” (اللغة والحجاج: 16). وقد استعمل الشريف المرتضى أنواعاً مختلفة من الحجاج؛ لإثبات صحة رأيه، ومعتقده، ولعلّ أهمّ أنواع الحجاج، التي استعملها ما يأتي:

الحجاج النقليّ:

المقصود بهذا النوع من الحجاج هو التفسير بالمأثور عن الأئمة عليهم السلام، والصحابة، والتابعين، وقد وظّف الشريف المرتضى التفسير المنقول عن الأئمة عليهم السلام، والصحابة، والتابعين، والعلماء في حجاجه لبيان نزاهة الأنبياء عن الذنوب والمعاصي، من ذلك ما ورد عند توجيه قوله تعالى: فلمّا آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما [الأعراف 190]. إذ جعل من أدلته، التي احتجّ بها لنزاهة الأنبياء، الدليل النقليّ، الذي يقول فيه: “ما ذكره أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهانيّ، فإنّه يحمل الآية على أنّ الكناية في جميعها غير متعلقة بآدم “ع” وحواء، فيجعل الهاء في “تغشاها” والكناية في “دعوا الله ربّهما ” و” آتاهما صالحاً ” راجعين إلى مَن أشرك” (تنزيه الأنبياء، 31).

ومنه _ أيضاً _ ما جاء عند توجيه قوله تعالى: ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رآى برهان ربّه [يوسف: 24]، إذ نقل عن بعض التابعين أنّ “الهمّ” دالّ على الشهوة، فقال: “والتجوز باستعمال الهمّة مكان الشهوة ظاهر في اللغة. وقد روي هذا التأويل عن الحسن البصريّ، قال: أمّا همّها، فكان أخبث الهمّ، وأمّا همّه “ع” فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء” (تنزيه الأنبياء: 75).

ومنه ما نقله عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، في ذهاب بعض الناس إلى أن النبيّ داود”ع” تزوّج امرأة أوريا بعد قتله في بعض الثغور، فقلّ غمه بقتله لميل طبعه إلى نكاح زوجته، فكان قوله تعالى: إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ً ولي نعجة واحدة فقال اكفلنيها وعزّني في الخطاب [ ص: 23]، قد جاء معاتباً لداود “ع”، الذي بعث أوريا “إلى بعض السرايا وأمره أن يتقدم أمام التابوت الذي فيه السكينة، وكان غرضه أن يقتل فيه، فيتزوج بامرأته، فأرسل الله إليه الملكين في صورة خصمين ليبكتاه على خطيئته، وكنّيا عن النساء بالنعاج” (تنزيه الأنبياء: 127). فأسقط الشريف المرتضى هذه الشبهة بأدلّة عدّة، منها الدليل النقلي، الذي نقله عن “أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال: لا أوتى برجل يزعم أنّ داود عليه السلام تزوج بامرأة أوريا إلاّ جلدته حدين، حداً للنبوة، وحدّاً للإسلام” (تنزيه الأنبياء: 132). ثم جاء بدليل نقليّ آخر، نقله عن أحد العلماء، فقال: “فأمّا أبو مسلم، فإنّه قال: لا يمتنع أن يكون الداخلان على داود “ع” كانا خصمين من البشر، وأن يكون ذكر النعاج محمولاً على الحقيقة دون الكناية، وإنّما ارتاع منهما لدخولهما من غير إذن، وعلى غير مجرى العادة، وقال: وليس في ظاهر التلاوة ما يقتضي أن يكونا ملكين. وهذا الجواب يستغنى معه عمّا تأوّلنا به قولهما، ودعوى أحدهما على صاحبه، وذكر النعاج” (تنزيه الأنبياء: 132 ).

الحجاج العقليّ

إنّ تنزيه الأنبياء عن الذنوب والمعاصي يستلزم الإتيان بالأدلّة العقليّة، التي تقنع المتشكك، وتفحم المدّعي عدم عصمة الأنبياء عن الذنوب؛ ولذا يلحظ أنّ الشريف المرتضى يلجأ في مواضع كثيرة إلى هذا النوع من الحجاج لإثبات نزاهة الأنبياء عن المعاصي والذنوب. ومن الأمثلة التي وظّف فيها الحجاج العقليّ ما جاء عند توجيهه قوله تعالى: فأخرجهما ممّا كانا فيه [البقرة: 36]، وقوله تعالى: فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما [الأعراف:20]، إذ إنّ مدّعي عدم العصمة، يقولون: “إذا لم تقع من آدم عليه السلام على قولكم معصية، فلِمَ أخرج من الجنة على سبيل العقوبة، وسلب لباسه على هذا الوجه ؟ ولولا أنّ الإخراج من الجنة، وسلب اللباس على سبيل الجزاء على الذنب… فما وجه ذلك إن لم تكن عقوبة ؟” (تنزيه الأنبياء، 27 – 28 ).

فيجيب الشريف المرتضى عن هذه الأسئلة، بقوله: “نفس الإخراج من الجنة لا يكون عقاباً؛ لأنّ سلب اللذات والمنافع ليس بعقوبة، وإنّما العقوبة هي الضرب والألم الواقعان على سبيل الاستخفاف والإهانة… لا يمتنع أن يكون الله تعالى علم أنّ المصلحة تقتضي تبقية الحال في المصلحة، وصار إخراجه عنها، وتكليفه في دار غيرها هو المصلحة. وكذلك القول في سلب اللباس، حتى يكون نزعه بعد التناول من الشجرة هو المصلحة، كما كانت المصلحة في تبقيته قبل ذلك… وكيف يجوز أن يعاقب الله تعالى نبيه بالإخراج من الجنة أو غيره من العقاب، والعقاب لا بدّ أن يكون مقروناً بالاستخفاف والإهانة… وأيُّ نفس تسكن إلى مستخفّ بقدره مهانٍ موبخ مبكّت ؟” (تنزيه الأنبياء، 28 – 29 ).

الحجاج اللغويّ:

من أنواع الحجاج التي وظّفها الشريف المرتضى في حجاجه لنزاهة الأنبياء، فـ “الألفاظ والأقوال والعبارات التي نستعملها، وننتجها في حياتنا اليومية لها طابع حجاجي واضح، ولها قوة حجاجية بارزة، تسعى من خلالها إلى التأثير في المتلقي، وإلى دفعه إلى تبنّي رأي ما ، أو الاستجابة لطلب معين، أو اتخاذ موقف ما من قضية من القضايا، أو إلى تغيير آرائه، ومواقفه بشكل عام” (اللغة والحجاج، 129).، وينقسم هذا الحجاج إلى أنواع، أهمها ما يأتي:

الحجاج المعجميّ:

وظّف الشريف المرتضى هذا النوع الحجاجيّ في دفاعه عن نزاهة الأنبياء عليهم السلام، من ذلك ما جاء عند توجيهه لقوله تعالى: وعصى آدم ربّه فغوى [طه: 121 ]، إذ قال: “وأمّا قوله “فغوى” فمعناه: أنّه خاب؛ لأنّا نعلم أنّه لو فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة، لاستحقّ الثواب العظيم. فإذا خالف الأمر، ولم يصرْ إلى ما ندب إليه، فقد خاب لا محالة، من حيث إنّه لم يصر إلى الثواب الذي يستحقّ بالامتناع” (تنزيه الأنبياء، 24 – 25 ). إنّ هذا التأويل لمعنى المفردة “تأويل صحيح مقبول، إذ التأويل ممارسة لفعل القراءة في مستوى من مستوياتها الأكثر تعقيداً، والأكثر غنى في الوقت نفسه، والقراءة توجيه معين؛ لإنتاج معنى معين اعتماداً على معطيات، ووفق شروط يحددها النص ذاته محور القراءة، ممّا يحتم أن ينسجم التأويل بوصفه توجيهاً للاحتمال مع معطيات النص المعجمية” (القراءة في الخطاب الأصوليّ، الاستراتيجية والإجراء، 348).

وعند الرجوع إلى أصحاب المعاجم لبيان معنى المفردة “غوى”، يلحظ أنّ أحمد بن فارس يرى أنّ لهذه المفردة أصلان: “أحدهما يدلّ على خلاف الرشد، وإظلام الأمر. والآخر على فساد في شيء” (مقاييس اللغة، 2 / 305). ونجد بعض العلماء الذين كتبوا في الوجوه والنظائر، يوافقون أصحاب المعاجم، والشريف المرتضى في ما ذهب إليه، فقال: “وهو في القرآن على ثلاثة أوجه: الأوّل: فساد العيش، قال تعالى: وعصى آدم ربّه فغوى [طه: 121] أي: فسد عيشه في الجنّة … فإن قيل: أنتم تزعمون أنّ صاحب الصغيرة لا يقال: إنّه عاصٍ قولاً مطلقاً، وقد قال الله ذلك لآدم، وكذلك وصفه إيّاه بأنّه غوى. قلنا: إنّما قال ذلك مضمناً بالقصة التي عصى فيها، فكان ذلك كالتقييد، فكأنّه قال: إنّه عصى في كذا وأحرى، فإنّ السيد يطلق في عبده إذا عصاه ما لا يجوز أن يطلقه في غيره” (الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، أبو هلال العسكريّ، 252 – 253 ).

والتوجيه الذي جاء به الشريف المرتضى لمعنى المفردة “غوى” أخذ به الرازيّ في تفسيره، إذ رأى أنّ معنى “غوى” هو: “خاب من نعيم الجنة، وذلك لأنّه لمّا أكل من تلك الشجرة ليصير ملكه دائماً، ثم لمّا أكل زال فلمّا خاب سعيه، وما نجح قيل: إنّه غوى” (التفسير الكبير: 22 / 128).

ومن أمثلة الحجاج المعجميّ، ما جاء عند توجيهه لمعنى “النجوم” في قوله تعالى: ” فنظر نظرة في النجوم فقال إنّي سقيم ” [الصافات: 88 – 89 ]، إذ رأى أنّ من معاني “النجوم” في الآية الكريمة هو نبات الأرض، فقال: “وقد قيل: إنّ النجوم هاهنا هي نجوم النبت؛ لأنّه يقال لكلّ ما خرج من الأرض، وغيرها وطلع: إنّه نجم ناجم، وقد نجم، ويقال للجميع: نجوم… وعلى هذا الوجه يكون إنّما نظر في حال الفكر والإطراق إلى الأرض، فرأى ما نجم منها” (تنزيه الأنبياء، 47).

ورأى بعض المؤلفين في الوجوه والنظائر في القرآن الكريم أنّ ” النجوم ” في الآية الكريمة “يعني: الكواكب … النجم: يعني النبت الذي ليس له ساق، فذلك قوله في الرحمن: والنجم والشجر يسجدان [الرحمن: 6] فالنجم: كلّ نبت ليس له ساق، والشجر كلّ نبت له ساق” (الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، مقاتل بن سليمان البلخيّ، 121 – 122]. أمّا أصحاب المعاجم، فيلحظ أنّ الخليل الفراهيديّ يرى أنّ هذا التعبير “نظر في النجوم “تعبير مجازيّ لمَن يتأمل ويتفكّر، إذ قال: “ويقال لمَن تفكّر في أمر؛ لينظر كيف يدبّره: نظر في النجوم … “فنظر نظرة في النجوم” أي تفكّر ما الذي يصرفهم عنه حتى إذا كلّفوه الخروج معهم، فقال: إنّي طُعنت، فنفروا عنه هرباً من الطاعون وخوفاً” (كتاب العين، 3 / 1762).

ومن أمثلة حجاجه المعجميّ، ما جاء عند تنزيهه النبيّ يوسف عليه السلام، وذلك في قوله تعالى: ” ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه ” [يوسف: 24] إذ يلحظ أنّ الشريف المرتضى يستقرئ المعاني التي ترد فيها المفردة “همَّ “، ليصل بعد ذلك إلى المعاني التي تخرج إليها المفردة، ولا يكون فيها قدحاً للنبيّ هي الأَوْلى، والأكثر تطابقاً ولياقة من المعاني التي تنسب الرذيلة إلى النبيّ يوسف عليه السلام، إذ قال: “إنّ الهمّ في اللغة ينقسم إلى وجوه: منها العزم على الفعل… ومن وجوه الهمّ: خطور الشيء بالبال، وإن لم يقع العزم عليه… ومن وجوه الهمّ أن يستعمل بمعنى المقاربة، فيقولون همّ بكذا وكذا أي كاد أن يفعله… ومن وجوه الهمّ: الشهوة وميل الطباع؛ لأنّ الإنسان قد يقول فيما يشتهيه، ويميل طبعه إليه: ليس هذا من همّي، وهذا أهمّ الأشياء إليّ. والتجوز باستعمال الهمّة مكان الشهوة ظاهر في اللغة… فإذا كانت هذه وجوه اللفظة مختلفة متسعة على ما ذكرناه، نفينا عن نبيّ الله ما لا يليق به، وهو العزم على القبيح، وأجزنا باقي الوجوه؛ لأنّ كلّ واحد منها يليق بحاله” (تنزيه الأنبياء، 73 – 75″.

وعند الرجوع إلى أصحاب المعاجم، يلحظ أنّ الخليل الفراهيديّ يرى أنّ من معاني المفردة: العزم على الفعل، إذ قال: “الهمّ: ما هممت به في نفسك. تقول: أهمّني هذا الأمر… والهمّة ما هممت به من أمر لتفعله”(كتاب العين، 3 / 1901). أمّا بعض المؤلفين في الوجوه والنظائر، فقد رأى أنّ معنى المفردة هو الإرادة، إذ قال: “الهمّ الإرادة، قوله تعالى في سورة يوسف “ولقد همّت به “يعني: أرادته، “وهمّ بها”: أرادها” (الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز، الدامغانيّ، 460).

الحجاج الصرفيّ:

يردّ الشريف المرتضى قول مدّعي عدم نزاهة الأنبياء، الذين يرون أنّ الذنوب قد تصدر من الأنبياء قبل النبوّة، ومن أدلّتهم على ذلك ما جاء من توجيه لقوله تعالى: ” ووجدك ضالّاً فهدى ” [الضحى: 7]، إذ قالوا: “أوليس هذا يقتضي إطلاقه الضلال عن الدين ؟ وذلك ممّا لا يجوز عندكم قبل النبوّة ولا بعدها ؟” (تنزيه الأنبياء، 150).

فقد رأى الشريف المرتضى أنّ الجواب عن هذا الاعتراض فيه أكثر من وجه، منها الحجاج بالدليل الصرفيّ، فقال: “أن يكون أراد بقوله “ووجدك ضالّاً فهدى” أي مضلولاً عنه في قوم لا يعرفون حقّك، فهداهم إلى معرفتك، وأرشد إلى فضلك. وهذا له نظير في الاستعمال، يقال: فلان ضالّ في قومه وبين أهله إذا كان مضلولاً عنه” (تنزيه الأنبياء، 151). أمّا الرازيّ، فرأى أنّ المفردة على ظاهرها للدلالة على اسم الفاعل، ونقل عن المعتزلة أنّهم لا يجيزون أنّ يكون معنى قوله “ضالاً” كافراً، ورأى الرازيّ نفسه أنّ الكفر غير ممتنع عقلاً، إذ قال: “أمّا الجمهور من العلماء، فقد اتفقوا على أنّه عليه السلام ما كفر بالله لحظة واحدة، ثم قالت المعتزلة: هذا غير جائز عقلاً لما فيه من التنفير. وعند أصحابنا هذا غير ممتنع عقلاً؛ لأنّه جائز في العقول أن يكون الشخص كافراً، فيرزقه الله الإيمان، ويكرمه بالنبوّة إلاّ أنّ الدليل السمعي قام على أنّ هذا الجائز لم يقع، وهو قوله تعالى: ” ما ضلّ صاحبكم وما غوى ” [النجم: 2]. وذكر البيضاويّ أكثر من تأويل لمعنى المفردة، التي تستبعد أن يكون النبيّ عليه الصلاة والسلام كان كافراً قبل النبوّة، فرأى أنّ معنى “ضالاً” عن علم الحكم والأحكام “فهدى” فعلّمك بالوحي والإلهام والتوفيق للنظر. وقيل: وجدك ضالاً في الطريق حين خرج بك أبو طالب إلى الشام، أو حين فطمتك حليمة، وجاءت بك لتردّك إلى جدّك، فأزال ضلالك عن عمّك أو جدّك” (تفسير البيضاويّ: 4 / 428).

الحجاج النحويّ:

ويستدلّ الشريف المرتضى بالتركيب النحويّ لإثبات نزاهة الأنبياء عليهم السلام، ومن أمثلة ذلك ما جاء عند ردّه حجج المعارضين لنزاهة الأنبياء في قوله تعالى: ” أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي “[ البقرة: 260]، إذ قال: “فإن قيل: فما معنى قوله تعالى “أولم تؤمن “، وهذا اللفظ استقبال، وعندكم أنّه كان مؤمناً فيما مضى. قلنا: معنى ذلك: أولم تكن قد آمنت ؟ والعرب تأتي بهذا اللفظ، وإن كان في ظاهره الاستقبال، وتريد به الماضي، فيقول أحدهم لصاحبه: أولم تعاهدني على كذا وكذا، وتعاقدني على أن لا تفعل كذا وكذا ؟ وإنّما يريد الماضي دون المستقبل” (تنزيه الأنبياء، 51).

وفي مثال آخر على توظيف الحجاج النحويّ في نزاهة الأنبياء عن المعاصي، يردّ الشريف المرتضى على سؤال مفترض، وهو أن يكون جواب الشرط لـ “لمّا”الشرطيّة دالاً على الماضي، فلماذا جاء فعلاً مضارعاً في قوله تعالى: فلمّا ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط [هود: 74]. ويأتي الشريف المرتضى بالأدلّة، التي تدفع هذه الشبهة في الاستعمال القرآنيّ، ومنها:

  1. أنّ “في الكلام محذوفاً، والمعنى: أقبل يجادلنا، أو جعل يجادلنا، وإنّما حذفه لدلالة الكلام عليه، واقتضائه له” (تنزيه الأنبياء، 60). وكان الفرّاء قد تنبّه إلى مجيء جواب “لمّا” فعلاً مضارعاً؛ ولذا فقد حاول تخريج ذلك، إذ قال: “ولم يقل: جادلنا، ومثله في الكلام لا يأتي إلاّ بفعل ماضٍ، كقولك: فلمّا أتاني أتيته. وقد يجوز: فلمّا أتاني أَثِبُ عليه، كأنّه قال: أقبلتُ أَثِبُ عليه” (معاني القرآن، الفرّاء، 1 / 339). فالذي يبدو أنّ الشريف المرتضى قد أخذ هذا التأويل من الفرّاء.
  2. أنّ هذا الاستعمال القرآنيّ مستحسن لما فيه من المشابهة مع “إن” الشرطيّة، التي يأتي الجواب معها ماضياً، ودلالته على المستقبل، فاستحسنوا أن يستعملوا المستقبل مع “لمّا” ودلالته الماضي، إذ قال: “إنّ لفظة “لمّا” يطلب في جوابها الماضي، كطلب لفظة “إن” في جوابها المستقبل. فلمّا استحسنوا أن يأتوا في جواب “إن” بالماضي، ومعناه المستقبل؛ لدلالة “إن” عليه، استحسنوا أن يأتوا بعد “لمّا” الاستقبال تعويلاً على أنّ اللفظة تدلّ على مضيه” (تنزيه الأنبياء، 61). ونقل مكيّ بن أبي طالب أنّ “مذهب الأخفش والكسائيّ أنّ “يجادلنا” في موضع”جادلنا”؛ لأنّ جواب لمّا يجب أن يكون ماضياً، فجعل المستقبل مكانه كما كان حقّ جواب الشرط أن يكون مستقبلاً، فيجعل في موضعه الماضي. وقيل المعنى: أقبل يجادلنا، فهو حال من إبراهيم عليه السلام” (مشكل إعراب القرآن، 1 / 371). وينقل أبو البركات ابن الأنباريّ الآراء المتقدمة، ويضيف إليها رأياً آخر، إذ قال: “لمّا ظرف زمان، ويقتضي الجواب، وجوابه محذوف، وتقديره: أقبل يجادلنا. ويجادلنا جملة فعلية في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في أقبل، وهو ضمير إبراهيم. وقيل: يجادلنا هو جواب “لمّا” وكان حقّ الكلام “جادلنا”؛ لأنّ جواب “لمّا” إنّما يكون ماضياً، فأقام المستقبل مقام الماضي، كما يجعل الماضي مقام المستقبل في الشرط والجزاء، وإن كان حقّه أن يكون مستقبلاً. وقيل إنّما أقيم المضارع مقام الماضي على طريق حكاية الحال” (البيان في غريب إعراب القرآن، 2 / 23 – 24″. ولعلّ هذا النوع من التوجيه الحجاجيّ يتناغم مع ما عُرف عند النحويين بمصطلح “التقاصّ”. (ينظر: الأشباه والنظائر في النحو، 1 / 142).
  3. ويأتي الشريف المرتضى بتخريج آخر لهذا الاستعمال، وهو أن يكون قوله تعالى “يجادلنا” حالاً لا جواباً لـ “لمّا” الشرطية، إذ إنّ معنى الآية الكريمة: قد جاءته البشرى وهو في حال جدال للرسل. (ينظر: تنزيه الأنبياء، 61). وعلى هذا التوجيه تكون جملة “وجاءته البشرى” هي جملة جواب الشرط لـ “لمّا”. وقد استبعد أبو البقاء العكبريّ أن تكون جملة “وجاءته البشرى”، وعلّل ذلك قائلاً: “ويبعد أن يكون الجواب “جاءته البشرى”؛ لأنّ ذلك يوجب زيادة الواو، وهو ضعيف” (إملاء ما منَّ به الرحمن، 2 / 43).

أمّا جواب “لمّا”، فيرى أنّه يقدر في أحد موضعين “إمّا في قوله تعالى: “إنّ إبراهيم لحليم أوّاه منيب”، ويكون التقدير: قلنا إنّ إبراهيم كذلك. والموضع الآخر: أن يكون أراد تعالى “فلمّا ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط” ناديناه يا إبراهيم. فجواب “لمّا ” هو ناديناه، وإن كان محذوفاً، دلّ عليه لفظة النداء” (تنزيه الأنبياء، 61).

ومن أمثلة الحجاج النحويّ، ما يلحظ عند حجاجه في قوله تعالى: ” ربّنا إنّك آتيت فرعون وملأه زينةً وأموالاً في الحياة الدنيا ربَّنا ليضلّوا عن سبيلك “[ يونس: 88] إذ إنّه يردّ اعتراضاً في المعنى الذي يفهم من قوله تعالى “ليضلوا عن سبيلك”، فقد يتبادر إلى الذهن أنّ الله تبارك وتعالى قد آتاهم الأموال ليكي يضلّوا عن سبيل الله. ويردّ الشريف المرتضى هذه الشبهة بوجوه، منها:

  1. أنّ في الكلام حذفاً، إذ إنّ الله تعالى “أراد لئلّا يضلوا عن سبيلك، فحذف “لا”، وهذا له نظائر كثيرة في القرآن، وكلام العرب، فمن ذلك قوله تعالى: أن تضلّ إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى [ البقرة: 282 ] وإنّما أراد “لئلّا تضلّ”، وقوله تعالى: ” أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين ” [الأعراف: 172 ]، وقوله تعالى: ” وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ” [لقمان: 10 ]. وقال الشاعر:

نزلتم منزل الأضياف منّا فعجّلنا القِرى أن تشتمونا

والمعنى: أن لا تشتمونا(تنزيه الأنبياء، 107).

ويردّ على اعتراض آخر، قد يرد على هذا التخريج المتقدّم، إذ يرى المعترض المفترَض أنّه”ليس هذا نظيراً لقوله تعالى: ” ليضلّوا عن سبيلك “؛ لأنّكم حذفتم في الآية “أن” و”لا”، وما استشهدتم به إنّما حذف منه لفظة “لا” فقط”(تنزيه الأنبياء، 107).

ويجيب عن هذا الاعتراض، بقوله: “كلّ ما استشهدنا به فقد حذف فيه اللام و”لا” معاً، ألا ترى أنّ تقدير الكلام: لئلّا تشتمونا. وفي الآية إنّما حذف أيضاً حرفان، وهما: أن و”لا”. وإنّما جعلنا حذف اللام فيما استشهدنا به بأزاء حذف “أن” في الآية من حيث كانا جميعاً ينبئان عن الغرض، ويدلّان على المقصود، ألا ترى أنّهم يقولون:جئتك لتكرمني، كما تقولون: جئتك أن تكرمني،والمعنى أنّ غرضي الكرامة، فإذا جاز أن يحذفوا أحد الحرفين جاز أن يحذفوا الآخر” (تنزيه الأنبياء، 107″.

وكان أبو جعفر النحاس قد أنكر أن تكون “لا” محذوفة من قوله “ليضلّوا”،وعلّل إنكاره بقوله: “وقد زعم قوم أنّ المعنى: ربّنا إنّك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا لأن لا يضلّوا عن سبيلك، وحذف “لا” كما قال: يبيّن الله لكم أن تضلّوا [ النساء: 176]، والمعنى: أن لا تضلّوا. قال أبو جعفر: ظاهر هذا الجواب حسن إلاّ أنّ العرب لا تحذف “لا” مع “أن” فموّه صاحب هذا الجواب بقوله عزّ وجلّ أن تضلّوا” (إعراب القرآن، النحاس، 414).

  1. يرى الشريف المرتضى أنّ اللام هنا ليست للتعليل، وإنّما لام العاقبة، “ونظائر ذلك كثيرة. فكأنّه تعالى لمّا علم أنّ عاقبة أمرهم الكفر، وأنّهم لا يموتون إلاّ كفاراً، وأعلم ذلك نبيّه، حسن أن يقول: إنّك آتيتهم الأموال ليضلّوا” (تنزيه الأنبياء، 108). ويبدو أنّ هذا الرأي كان رأي الخليل وسيبويه، كما نقل أبو جعفر النحاس، إذ قال: “وأصحّ ما قيل فيها، وهو مذهب الخليل وسيبويه: إنّه لمّا آل أمرهم إلى هذا، كان كأنّه لهذا، وسمّي لام العاقبة، أي لمّا كان عاقبة أمرهم قد آل إلى هذا، كان بمنزلة ما كان الأوّل من أجله” (إعراب القرآن، 414). وقد ذهب الأخفش إلى هذا الرأي – أيضاً – إذ قال: “أي: فضلّوا، كما قال: ” فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ” [القصص: 8 ]، أي فكان، وهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدواً وحزناً، وإنّما لقطوه فكان، فهذه اللام تجيء في هذا المعنى” (معاني القرآن، الأخفش، 219). أمّا الفرّاء، فقد رأى أنّ هذه اللام للتعليل، إذ قال: “ثمّ قال موسى “ربّنا” فعلت ذلك بهم “ليُضلّوا” الناس “عن سبيلك”، وتقرأ “لِيَضلّوا”هم “عن سبيلك”، وهذه لام كي” (معاني القرآن، الفرّاء، 1 / 321).

ومن وجوه التوجيه النحويّ عند الشريف المرتضى، توظيفه لحروف المعاني في حجاجه، إذ يلحظ أنّه يردّ على شبهة الشكّ في الله عند إبراهيم عليه السلام، عبادته للنجوم، وذلك في قوله تعالى: ” فنظر نظرة في النجوم ” [الصافات: 88]، إذ إنّ شبهتهم في عبادته للأصنام كانت في استعمال الحرف “في” في الآية الكريمة، فقالوا: “فلو أراد ما ذكرتموه لقال: فنظر نظرة إلى النجوم، ولم يقل في النجوم؛ لأنّ لفظة “في” لا تستعمل إلاّ فيمن ينظر كما ينظر المنجّم” (تنزيه الأنبياء، 46).

فيردّ الشريف المرتضى هذه الشبهة موظفاً دلالات حروف المعاني في اللغة العربية، إذ إنّ حروف اللغة العربية قد تتناوب فيما بينها، وأكّد كلامه هذا بأدلّة نصيّة من القرآن الكريم، والشعر العربيّ، إذ قال: “ليس يمتنع أن يريد بقوله “في النجوم” أنّه نظر إليها؛ لأنّ حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، قال الله تعالى: ولأصلبنّكم في جذوع النخل [طه: 71 ]، وقال الشاعر:

اسهري ما سهرت أم حكيم واقعدي مرّة لذاك وقومي

وافتحي الباب وانظري في النجوم كم علينا من قطع ليلٍ بهيم

وإنّما أراد: انظري إليها لتعرفي الوقت” (تنزيه الأنبياء، 46).

وقد أكّد علماء اللغة صحّة ورود “في” بمعنى “إلى” في العربية “ينظر: كتاب حروف المعاني، 84؛ الأزهية في علم الحروف، 281؛ الجنى الداني في حروف المعاني، 252”.

ومن حجاجه، الذي يوظّف فيه حروف المعاني في جوابه على أسئلة مَن يدّعي صدور الذنب عن الأنبياء، ما يلحظ عند حجاجه في الحكاية عن النبيّ شعيب عليه السلام، وذلك في قوله تعالى: واستغفروا ربّكم ثمّ توبوا إليه [هود: 90]، إذ إنّه يجيب على اعتراض قد ورد في الآية الكريمة، وهو أنّ “الشيء لا يعطف على نفسه، لا سيّما الحرف الذي يقتضي التراخي والمهلة، وهو “ثمّ”، وإذا كان الاستغفار هو التوبة، فما وجه الكلام ؟” (تنزيه الأنبياء، 96).

فيحتجّ الشريف المرتضى رادّاً على هذا الاعتراض، بقوله: “إنّه أراد بـ “ثمّ” الواو، والمعنى: استغفروا ربّكم وتوبوا إليه، وهذان الحرفان قد يتداخلان، فيقوم أحدهما مقام الآخر” (تنزيه الأنبياء، 96).

الحجاج البلاغيّ:

وظّف الشريف المرتضى علوم البلاغة في حجاجه لبيان نزاهة الأنبياء عليهم السلام عن الذنوب والمعاصي، وقد جاء هذا التوظيف في صور متعدّدة، ومن أهمّها:

  1. علم المعاني، ونظرية الأفعال الكلاميّة: وظّف الشريف المرتضى علم المعاني في حجاجه المنزّه للأنبياء، إذ إنّه قد بحث المعاني التي تفهم من الآيات القرآنيّة الكريمة، وفي كون معناها دالّاً على الخبر، أو على الإنشاء، وكانت طريقة معالجته لهذه المسائل تقترب كثيراً من مفهوم نظرية الأفعال الكلاميّة. فالشريف المرتضى يرى أنّ الكلام قد يكون وارداً بصيغة طلبيّة معينة، والمعنى المفهوم منه طلباً آخر. من ذلك ما جاء عند تفسيره فوله تعالى: ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين [ البقرة:35]، إذ إنّ بعض المشككين في نزاهة الأنبياء، كانوا يرون آدم عليه السلام عاصياً؛ لكونه فعل ما كان منهيّاً عنه، فيلحظ أنّ الشريف المرتضى يبيّن معنى الآية الكريمة، ويفنّد آراء القائلين بوقوعه في المعصية، بقوله: “أمّا النهي والأمر معاً، فليسا يختصان عندنا بصيغة، ليس فيها احتمال ولا اشتراك، وقد يؤمر عندنا بلفظ النهي، وينهى بلفظ الأمر، فإنّما يكون النهي نهياً بكراهة المنهي عنه. فإذا قال تعالى: “ولا تقربا هذه الشجرة”، ولم يكره قربها، لم يكن في الحقيقة ناهياً، كما أنّه تعالى لمّا قال: اعملوا ما شئتم [فصلت: 40 ]، وإذا حللتم فاصطادوا [المائدة: 2 ]، ولم يرد ذلك، لم يكن أمراً. فإذا كان قد صحّ قوله: “ولا تقربا هذه الشجرة” إرادة لترك التناول، فيجب أن يكون هذا القول أمراً، وإنّما سمّاه منهياً عنه، ويسمّى أمره له بأنّه نهي من حيث كان فيه معنى النهي؛ لأنّ النهي ترغيباً في الامتناع من الفعل، وتزهيداً في الفعل نفسه. ولمّا كان الأمر ترغيباً في الفعل المأمور به، وتزهيداً في تركه، جاز أن يسمّى نهياً” (تنزيه الأنبياء، 26).
  2. المجاز: ومنه تخريجه لإسناد الفعل “عصى” إلى آدم عليه السلام، وذلك في قوله تعالى: وعصى آدم ربّه فغوى [طه: 121 ]. فالشريف المرتضى يرى أنّ آدم عليه السلام قد ترك الندب عند عدم إطاعته لأمر الله تعالى، وليس الترك لأمر واجب، فنتج عن هذا التخريج اعتراض من مدّعي عدم تنزيه الأنبياء، فهُمْ يقولون: “كيف يجوز أن يكون ترك الندب معصية ؟ أوليس هذا يوجب أن توصف الأنبياء “ع” بأنّهم عصاة في كلّ حال، وأنّهم لا ينفكّون من المعصية؛ لأنّهم لا يكادون ينفكّون من ترك الندب ؟” (تنزيه الأنبياء، 25).

فجاء ردّ الشريف المرتضى على هذا الاعتراض؛ بكون إطلاق لفظ “المعصية” على ترك المندوب إنّما جاء عن طريق المجاز لا الحقيقة، إذ قال: “وصف تارك الندب بأنّه عاصٍ توسع وتجوّز، والمجاز لا يقاس عليه، ولا يُعدّى به عن موضعه. ولو قيل: إنّه حقيقة في فاعل القبيح، وتارك الأَولى والأفضل، ولم يجز إطلاقه أيضاً في الأنبياء “ع” إلاّ مع التقييد؛ لأنّ استعماله قد كثر في القبائح، فبإطلاقه بغير تقييد موهم، لكنّا نقول: إن أردت بوصفهم بأنّهم عصاة أنّهم فعلوا القبايح، فلا يجوز ذلك، وإن أردت أنّهم تركوا ما لو فعلوه استحقّوا الثواب، وكان أَوْلى، فهُمْ كذلك” (تنزيه الأنبياء، 25). وقد أخذ الرازيّ هذا المعنى من الشريف المرتضى، فقال: “المعصية مخالفة الأمر، والأمر قد يكون بالواجب والندب، فإنّهم يقولون: أشرت عليه في أمر ولده في كذا فعصاني، وأمرته بشرب الدواء فعصاني. وإذا كان الأمر كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم لا لكونه تاركاً للواجب بل لكونه تاركاً للمندوب، فأجاب المستدلّ عن هذا الاعتراض بأنّا بيّنا أنّ ظاهر القرآن يدلّ على أنّ العاصي مستحقّ للعقاب، والعرف يدلّ على أنّه اسم ذمّ، فوجب تخصيص اسم العاصي بتارك الواجب؛ لأنّه لو كان تارك المندوب عاصياً لوجب وصف الأنبياء بأسرهم بأنّهم عصاة في كلّ حال؛ لأنّهم لا ينفكون من ترك المندوب. فإن قيل: وصف تارك المندوب بأنّه عاصٍ مجاز، والمجاز لا يطّرد. قلنا: لمّا سلمت كونه مجازاً، فالأصل عدمه” (التفسير الكبير: 22 / 127).

ومن أمثلة توظيف المجاز في الحجاج، ما جاء من توجيهه قوله تعالى: فلمّا ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط [هود: 74]. إذ إنّ المعارضين لنزاهة الأنبياء يسألون عن سبب المجادلة، فقالوا: “كيف يجوز أن يجادل ربّه فيما قضاه وأمر به؟” (تنزيه الأنبياء، 59). فيحتجّ الشريف المرتضى مبيّناً المسوّغ لاستعمال لفظة “يجادلنا”، إذ قال: “أمّا قوله: يجادلنا، فقيل معناه يجادل رسلنا، وعلّق المجادلة به تعالى من حيث كانت لرسله، وإنّما جادلهم مستفهِماً منهم، هل العذاب نازل على سبيل الاستيصال أو على سبيل التخويف ؟ وهل هو عام للقوم أو خاص ؟ وعن طريق نجاة لوط “ع” وأهله المؤمنين بما لحق القوم ؟ وسمّى ذلك جدالاً لما كانت فيه من المراجعة والاستثبات على سبيل المجاز، وقيل: إنّ معنى قوله يجادلنا في قوم لوط “ع”: يسائلنا أن تؤخر عذابهم رجاءَ أن يؤمنوا أو أن يستأنفوا الصلاح. فخبره الله تعالى بأنّ المصلحة في إهلاكهم، وأنّ كلمة العذاب قد حقّت عليهم، وسمّى المسألة جدالاً على سبيل المجاز” (تنزيه الأنبياء، 60).

ومن أمثلة توظيف المجاز في ردّ حجج المعترضين على نزاهة الأنبياء، ما يلحظ عند توجيه قوله تعالى: ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه [يوسف: 24]. فقد وجّه معنى المفردة “همّ” أنّها وردت على سبيل المجاز، إذ قال: “ومن وجوه الهمّ: الشهوة وميل الطباع؛ لأنّ الإنسان قد يقول فيما يشتهيه، ويميل طبعه إليه: ليس هذا من همّي، وهذا أهمّ الأشياء إليَّ. والتجوز باستعمال الهمّة مكان الشهوة ظاهر في اللغة” (تنزيه الأنبياء، 75).

الحجاج بالقراءة القرآنيّة:

وظّف الشريف المرتضى القراءات القرآنيّة في حجاجه لإثبات نزاهة الأنبياء عن المعاصي، من ذلك ما جاء في قوله تعالى: إنّه عَمْلٌ غيرُ صالحٍ [هود: 46 ]، فنقل قراءة في الآية الكريمة، تغيّر المعنى، وتحوّل الكلام إلى ابن نوح، وليس ردّاً على قول نوح عليه السلام، إذ قال: “قد قرئت هذه الآية بنصب اللام وكسر الميم، ونصب غير، ومع هذه القراءة لا شبهة في رجوع معنى الكلام إلى الابن دون سؤال نوح “ع”، وقد ضعّف قوم هذه القراءة، فقالوا: كان يجب أن يقول “إنّه عَمِلَ عملاً غيرَ صالحٍ”؛ لأنّ العرب لا تكاد تقول: هو يعمل غيرَ حسنٍ، حتى يقولوا عملاً غيرَ حسنٍ. وليس هذا الوجه بضعيف؛ لأنّ من مذهبهم الظاهر إقامة الصفة مقام الموصوف عند انكشاف المعنى، وزوال اللبس، فيقول القائل: قد فعلت صواباً، وقلت حسناً، بمعنى: فعلت فعلاً صواباً، وقلت قولاً حسناً” (تنزيه الأنبياء، 37). وعند الرجوع إلى كتب القراءات، يلحظ أنّها كانت قراءة الكسائيّ ويعقوب، “فعلى قراءة الكسائيّ ومَن اتبعه لا يبتدأ بقوله “إنّه عَمِل غيرَ صالح” لأنّ المراد به ابن نوح المتقدّم ذكره، فهو متعلّق به. وعلى قراءة الباقين، له تقديران: أحدهما: أن يراد به ابن نوح، بتقدير: أنّه ذو عمل غير صالح، فعلى هذا يكره الابتداء به أيضاً. والآخر: أن يراد به سؤال نوح بتقدير: إنّ سؤالك إياي أن أنجي كافراً عملٌ غيرُ صالح، فعلى هذا الابتداء به؛ لأنّه مستأنف” (التذكرة، 302). ورفض بعض علماء القراءات أن يكون الكلام “عائداً إلى السؤال المفهوم من النداء، ففيه خطر عظيم ينبغي تنزيه الرسل عنه” (إتحاف فضلاء البشر، 257).

ومن أمثلة الاحتجاج بالقراءة القرآنيّة، ما جاء عند ردّه قول المعارضين لنزاهة الأنبياء عن الذنوب، وذلك في قوله تعالى: ” أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فأسألوهم إن كانوا ينطقون ” [الأنبياء: 62 – 63 ]. فالذين يدّعون عدم نزاهة الأنبياء عن المعاصي يرون أنّ قول إبراهيم “عليه السلام”: “كذب لا شكّ فيه؛ لأنّ إبراهيم “ع” هو الذي كسر الأصنام، فبإضافته تكسيرها إلى غيره ممّا لا يجوز أن يفعل شيئاً لا يكون إلاّ كذبا” (تنزيه الأنبياء، 43). ومن أوجه الاحتجاج التي يطرحها الشريف المرتضى، الاحتجاج بالقراءة القرآنيّة لبيان المعنى الذي أراده النبيّ إبراهيم “عليه السلام”، إذ قال: “وقد قرأ بعض القرّاء، وهو محمد بن علي السهيفع اليمانيّ: فعلّه كبيرهم بتشديد اللام، والمعنى: فلعلّه، أي فلعلّ فاعل ذلك كبيرهم … والفرق بين القراءتين ظاهر؛ لأنّ القراءة الأولى لها ظاهر الخبر، فاحتجنا إلى تعليقه بالشرط ليخرج من أن يكون كذباً. والقراءة الثانية تتضمن حرف الشك والاستفهام” (تنزيه الأنبياء، 43 – 44).

ومن توظيف القراءة القرآنيّة في الحجاج عند الشريف المرتضى، ما جاء عند توجيهه لقوله تعالى: أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر [الكهف: 79]، فقد اعترض بعض المدّعين على كون المساكين يمتلكون سفينة، إذ قالوا: “السفينة البحرية تساوي المال الجزيل، وكيف يسمّى مالكها بأنّه مسكين، والمسكين عند قوم شرّ من الفقير” (تنزيه الأنبياء، 123). فكان من أوجه الردّ عليهم توظيف القراءة القرآنيّة، إذ قال: “إنّ لفظة المساكين قد قرئت بتشديد السين وفتح النون، فإذا صحّت هذه الرواية، فالمراد بها البخلاء، وقد سقط السؤال” (تنزيه الأنبياء، 123).

الحجاج النصيّ:

المقصود بـ “الحجاج النصيّ” أنّه الاستشهاد لصحة الرأي بدليل من موضع آخر من النص نفسه، أو من نصّ آخر، يؤكد صحة المعنى الذي ذهب إليه المحتجّ، أو التوجيه الذي اختاره لبيان، وقد وظّف الشريف المرتضى الحجاج النصيّ في ردّه شبهة عدم نزاهة الأنبياء عن الوقوع في المعاصي والذنوب، وهذا الحجاج يأتي بأكثر من صورة، فالشريف المرتضى في بعض المواضع يحتجّ بآيات قرآنيّة كريمة لبيان صحّة رأيه. وأحياناً يحتجّ للمعنى المطلوب في الآية الكريمة بما ورد في كلام العرب من كون المعنى المطلوب من المفردة قد استعمل في كلام العرب سابقاً. ومن أمثلة ذلك ما ورد في بيان المقصود من الضمير “ألف الاثنين” في قوله تعالى: جعلا له شركاء فيما آتاهما [ الأعراف: 190 ]، فقد بيّن الشريف المرتضى أنّ الإحالة بالضمير غير راجعة إلى آدم وحوّاء، وإنّما المقصود منها هم الذكور والأناث من أولاد آدم، فجاء الاعتراض على هذا الرأي بقول المعترض عليه: “كيف يكنّى عمّن لم يتقدم له ذكر ؟” (تنزيه الأنبياء، 31). فجاء ردّ الشريف المرتضى موظفاً الحجاج النصيّ في ردّ هذا الاعتراض، فقال: “لا يمتنع ذلك، قال الله تعالى: حتى توارت بالحجاب [ص: 32]، ولم يتقدم للشمس ذكر، وقال الشاعر:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بي الصدرُ” (تنزيه الأنبياء، 31).

ومن أمثلة الحجاج النصيّ، الذي وظّفه الشريف المرتضى في ردّه على مدّعي عدم عصمة الأنبياء، ما جاء في قوله تعالى: ” ونادى نوح ربَّه فقال ربّ إنّ ابني من أهلي … قال يا نوح إنّه ليس من أهلك إنّه عمل غير صالح ” [هود: 45 – 46] إذ جاء في الآية الكريمة ما يشتبه فيه وقوع التعارض بين قول الله تعالى، وقول نوح، إذ قال: “ظاهر قوله تعالى “إنّه ليس من أهلك” فيه تكذيب لقوله عليه السلام: إنّ ابني من أهلي. وإذا كان النبيّ “ع” لا يجوز عليه الكذب فما الوجه في ذلك ؟” (تنزيه الأنبياء، 35). فجاء ردّ الشريف المرتضى موظفاً النص القرآنيّ في الجواب، إذ قال: “نفيه لأن يكون من أهله لم يتناول فيه نفي النسب، وإنّما نفى أن يكون من أهله الذين وعده الله تعالى بنجاتهم؛ لأنّه عزّ وجلّ كان وعد نوحاً عليه السلام بأن ينجي أهله في قوله: قلنا احمل فيها من كلّ زوجين اثنين وأهلك إلاّ مَن سبق عليه القول [ سورة هود: 40] فاستثنى من أهله مَن أراد إهلاكه بالغرق. ويدلّ على صحّة هذا التأويل قول نوح عليه السلام: إنّ ابني من أهلي وإنّ وعدك الحقّ. وعلى هذا الوجه يتطابق الخبران ولا يتنافيان” (تنزيه الأنبياء، 35 – 36). ويلحظ أنّ الرازيّ قد أخذ بهذا الرأي، فقال: “اعلم أنّه لمّا ثبت بالدليل أنّه كان ابناً له، وجب حمل قوله “إنّه ليس من أهلك” على أحد وجهين: أحدهما: أن يكون المراد أنّه ليس من أهل دينك. والثاني: المراد أنّه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك” (التفسير الكبير: 18 / 2).

ومن أمثلة الحجاج النصيّ ما جاء عند توجيهه قوله تعالى: أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون [ سورة الصافات: 95 – 96] فمَن ادّعى الخلاف، فقد اعترض على استعمال “ما تعملون” في الآية الكريمة، فهُمْ يرون أنّ”هذا عدول عن الظاهر لقوله تعالى: “وما تعملون”؛ لأنّ هذه اللفظة لا تستعمل على سبيل الحقيقة إلاّ في العمل دون المعمول فيه. ولهذا يقولون: أعجبني ما تعمل وما تفعل، فكان قولهم: أعجبني عملك وفعلك” (تنزيه الأنبياء، 62). فجاء حجاج الشريف المرتضى موظفاً الدليل النصيّ في الردّ على هؤلاء المدّعين، إذ قال: “ليس نسلم لكم أنّ الظاهر ما ادّعيتموه؛ لأنّ هذه اللفظة قد تستعمل في المعمول فيه، والعمل على حدّ واحد. بل استعمالها في المعمول فيه أظهر وأكثر. ألا ترى أنّه تعالى قال في العصا: تلقف ما يأفكون [الأعراف: 117، وسورة الشعراء: 45]، وفي آية أخرى: وألقِ ما في يمينك تلقف ما صنعوا [ طه: 69]. ومعلوم أنّه لم يرد أنّها تلقف أعمالهم، التي هي الحركات واعتمادات، وإنّما أراد أنّها تلقف الحبال وغيرها ممّا حلّه الإفك. وقد قال الله تعالى: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفانٍ كالجوابِ وقدورٍ راسيات [ سبأ: 13] فسمّى المعمول فيه عملاً” (تنزيه الأنبياء، 63).

المصادر والمراجع:

القرآن الكريم

  • الأخفش، سعيد بن مسعدة. معاني القرآن. تحقيق: إبراهيم شمس الدين. ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2002م.
  • الأنباري، أبو البركات عبد الرحمن بن محمد. البيان في غريب إعراب القرآن. تحقيق: طه عبد الحميد طه. ط2، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 2006م.
  • البلخي، مقاتل بن سليمان. الوجوه والنظائر في القرآن الكريم. ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2008م.
  • الدامغاني، أبو عبد الله الحسين بن محمد. الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز. تقديم وتحقيق: عربي عبد الحميد علي. ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003م.
  • الدمياطي، أحمد بن عبد الغني. إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربع عشرة. رواه وصححه وعلّق عليه: علي محمد الضباع. د.ط، دار الندوة الجديدة، بيروت، 1359هـ.
  • الرازي، فخر الدين محمد بن عمر. التفسير الكبير (مفاتيح الغيب). ط3، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، 1411هـ.
  • رمضان، يحيى. القراءة في الخطاب الأصولي: الاستراتيجية والإجراء. ط2، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، إربد، 2011م.
  • الزجاجي، أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق. كتاب حروف المعاني. تحقيق وتقديم: علي توفيق الحمد. ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1984م.
  • السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر. الأشباه والنظائر في النحو. وضع حواشيه: غريد الشيخ. ط2، دار الكتب العلمية، بيروت، 2007م.
  • الشريف المرتضى، علي بن الحسين. تنزيه الأنبياء والأئمة. ط2، دار الأضواء، بيروت، 1989م.
  • الشهري، عبد الهادي بن ظافر. استراتيجيات الخطاب: مقاربة لغوية تداولية. ط1، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2004م.
  • العزاوي، أبو بكر. اللغة والحجاج. ط1، العمدة في الطبع، الدار البيضاء، 2006م.
  • العسكري، أبو هلال الحسن بن عبد الله. الوجوه والنظائر في القرآن الكريم. ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2010م.
  • العكبري، أبو البقاء عبد الله بن الحسين. إملاء ما منّ به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن. ط3، مؤسسة الصادق، طهران، 1379هـ.
  • ابن غلبون، الحسن بن طاهر. التذكرة في القراءات. تحقيق ومراجعة وتعليق: سعيد صالح زعيمة. ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2001م.
  • ابن فارس، أحمد بن فارس. معجم مقاييس اللغة. وضع حواشيه: إبراهيم شمس الدين. ط2، دار الكتب العلمية، بيروت، 2008م.
  • الفرّاء، يحيى بن زياد. معاني القرآن. تقديم وتعليق وحواشٍ: إبراهيم شمس الدين. ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2002م.
  • الفراهيدي، الخليل بن أحمد. ترتيب كتاب العين. تحقيق: مهدي المخزومي، إبراهيم السامرائي. ط4، دار الأسوة، قم، 1435هـ.
  • القيسي، مكي بن أبي طالب. مشكل إعراب القرآن. دراسة وتحقيق: حاتم صالح الضامن. د.ط، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1975م.
  • المرادي، الحسن بن القاسم. الجنى الداني في حروف المعاني. تحقيق: فخر الدين قباوة، محمد نديم فاضل. ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1992م.
  • النحاس، أبو جعفر أحمد بن محمد. إعراب القرآن. تحقيق: زهير غازي زاهد. ط2، عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2008م.
  • الهروي، علي بن محمد. الأزهية في علم الحروف. تحقيق: عبد المعين الملوحي. د.ط، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق، 1971م.