دور التقنية في تحسين إدارة التفاعل بين الطلاب والمعلمين في التعليم عن بُعد: دراسة حالة حلقات المتون العلمية بالمسجد النبوي الشريف
The Role of Technology in Enhancing Student-Teacher Interaction Management in Remote Education: A Case Study of Core Islamic Text (Motton) Study Circles in the Prophet's Mosque
عثمان كمال محمود محمد أحمد1
1 طالب بمرحلة الدكتوراه، جامعة النيلين – السودان.
البريد الإلكتروني : osmankamal2000@hotmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj71/20
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/71/20
المجلد (7) العدد (1). الصفحات: 342 - 352
تاريخ الاستقبال: 2025-12-05 | تاريخ القبول: 2025-12-13 | تاريخ النشر: 2026-01-01
المستخلص: تبحث هذه الدراسة في دور التقنية في تحسين إدارة التفاعل بين الطلاب والمعلمين في بيئات التعليم عن بُعد، من خلال دراسة حالة لحلقات تعليم المتون العلمية عن بُعد في المسجد النبوي الشريف. استخدمت الدراسة منهجًا وصفيًا تحليليًا لجمع البيانات بواسطة استبانة موحّدة شملت عينة من 1007 مشاركين من طلاب ومعلمين، تم تحليل البيانات إحصائيًا وتفسيرها في ضوء نظريات التعليم الحديثة والدراسات السابقة. أظهرت النتائج أن الأدوات التقنية تُستخدم على نطاق واسع في إدارة التفاعل التعليمي؛ حيث كان الدعم الفني أبرز تلك الأدوات استخدامًا، بينما كانت المشاركة في النقاشات الإلكترونية هي الأقل استخدامًا. كما تبين أن أهم أدوار التقنية تمثّل في إتاحة فرص تفاعل أكثر للطلاب، في حين كان أضعفها في تحفيز التنوع في أساليب التفاعل. وعلى صعيد التحديات، برز ضعف الاتصال بالإنترنت ونقص كفاءة الأجهزة كأهم العقبات، في مقابل أن محدودية تنوع أدوات التفاعل كانت أقلها ذكرًا. كذلك كشفت التحليلات عن وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين آراء المعلمين والطلاب في بعض المحاور؛ فقد اختلفت وجهات النظر بشأن دور التقنية في إدارة التفاعل وبشأن التحديات، بينما لم تظهر فروق تُذكر في محور زيادة التفاعل، مما يشير إلى تقارب رؤى المعلمين والطلاب في هذا الجانب. قدم البحث توصيات عملية لتعزيز التفاعل الإلكتروني، من أبرزها: تنويع أدوات التفاعل المستخدمة، وتسجيل الجلسات التعليمية لإتاحتها للمراجعة، وضبط أعداد المشاركين لضمان جودة التواصل، وتوفير قنوات إضافية للتواصل بين المعلم والطلاب خارج أوقات الدرس، مع التأكيد على أهمية التدريب المستمر والدعم التقني. كما أثمر البحث عن تطبيق عملي هو نظام "تفاعل" الذي طوره الباحث كنموذج تقني يسهم في تفعيل هذه التوصيات ضمن بيئة الحلقات التعليمية الإلكترونية بالمسجد النبوي.
الكلمات المفتاحية: التعليم عن بُعد؛ التفاعل التعليمي الإلكتروني؛ حلقات المتون العلمية؛ التقنيات التعليمية.
Abstract: This study investigates the role of technology in enhancing the management of student-teacher interaction in remote education environments, through a case study of distance learning Motton (Core Islamic Text) study circles in the Prophet's Mosque. The study adopted a descriptive-analytical methodology to collect data using a standardized questionnaire administered to a sample of 1007 participants comprising both students and teachers. Data were statistically analyzed and interpreted in light of modern educational theories and previous research. The results showed that technological tools are widely used in managing educational interaction, with technical support being the most utilized tool, while participation in electronic discussions was the least utilized. Furthermore, the findings indicated that the most significant role of technology was enabling more interaction opportunities for students, while its weakest role was in stimulating diversity in interaction styles. Regarding challenges, poor internet connectivity and lack of device efficiency emerged as the most prominent obstacles, whereas the limited variety of interaction tools was the least mentioned challenge. The analyses also revealed statistically significant differences between the opinions of teachers and students across some axes; viewpoints differed regarding the role of technology in interaction management and the challenges faced, but no significant differences were found in the axis of increased interaction, suggesting a convergence of views between teachers and students on this aspect. The research provided practical recommendations for enhancing electronic interaction, notably: diversifying the interaction tools used, recording educational sessions for review availability, controlling the number of participants to ensure communication quality, and providing additional communication channels between the teacher and students outside of class time, emphasizing the importance of continuous training and technical support. The research also resulted in a practical application: the "Tafā'ul" system (Interaction System), developed by the researcher as a technological model contributing to the implementation of these recommendations within the electronic study circles environment of the Prophet's Mosque.
Keywords: Remote Education; Electronic Educational Interaction; MottonStudy Circles; Educational Technologies.
المقدمة :
شهد العالم في العقود الأخيرة تطورًا تقنيًا متسارعًا امتدَّ أثره إلى شتى مجالات الحياة، وعلى رأسها قطاع التعليم، فقد أعادت التقنيات الحديثة تشكيل البيئة التعليمية وأساليب التواصل بين أطراف العملية التعليمية نحو مزيد من الفاعلية والتكامل (زيتون، 2005)، وفي طليعة المستفيدين من هذا التطور جاء التعليم عن بُعد ولما يوفره من مرونة زمانية ومكانية، وبيئات تعلم متجددة تتجاوز الحواجز التقليدية )الجندي، 2019( ، ومع هذا الانتشار الواسع للتعليم الإلكتروني برزت الحاجة إلى تحسين إدارة التفاعل في بيئات الت عليم عن بُعد، نظرًا لأثر ذلك المباشر في جودة المخرجات التعليمية (عبد المجيد، 2020)، فالتفاعل ليس عنصرًا ثانويًا في العملية التعليمية، بل هو جوهرها وروحها؛ إذ ينعكس مدى التفاعل إيجابًا على تحقيق الأهداف التعليمية، وتعزيز اندماج المتعلمين، ورفع دافعية الطلاب واستمرارية مشاركتهم. وقد أكدت دراسات حديثة وجود علاقة إيجابية قوية بين مستوى التفاعل وبين مشاركة الطلاب وتحسّن أدائهم في البيئات الافتراضية (المرسي، 2021) لذلك فإن إدارة هذا التفاعل بفعالية أصبحت ضرورة لتحقيق تعلم إلكتروني ناجح.
في هذا السياق، تُعد البيئات التعليمية الشرعية عن بُعد من المجالات التي تتطلب نمطًا خاصًا من التفاعل يتسم بالوقار العلمي والانضباط المنهجي. ويبرز من هذه البيئات حلقات التعليم عن بُعد لحفظ المتون العلمية في المسجد النبوي الشريف، التي تمثل نموذجًا فريدًا يجمع بين الأصالة الشرعية والمعاصرة التقنية، حيث تستقطب آلاف الطلاب من مختلف دول العالم في منظومة تعليمية تفاعلية قائمة على بث مباشر، وتستخدم المنصات الإلكترونية لإدارة العملية التعليمية. يوفر هذا النموذج فرصًا غير مسبوقة للوصول إلى جمهور واسع عالميًا، بفضل التقنيات الحديثة التي مكّنت من ربط طلاب العلم بحلقات المسجد النبوي عبر الإنترنت. ومع ذلك، فإن المحافظة على جودة التفاعل التعليمي داخل هذه البيئة تطرح تحديات خاصة، نظرًا لطبيعة المحتوى الشرعي والأساليب التقليدية المتبعة في تدريس المتون من جهة، وخصائص التعلم الإلكتروني من جهة أخرى. ومن هنا تبرز أهمية البحث الحالي في الربط بين التقنية وإدارة التفاعل في نموذج تعليمي شرعي متميز، بهدف تطوير ممارسات تعليمية أكثر فاعلية تدعم نشر العلم الشرعي وتضمن جودة مخرجاته.
استنادًا إلى إطار نظري حديث في التعليم عن بُعد، يُنظر إلى التفاعل التعليمي على أنه مفهوم متعدد الأبعاد فقد صنّف مور (Moore, 1989) التفاعل في بيئات التعلم عن بُعد إلى ثلاثة أنواع رئيسة: تفاعل المتعلم مع المعلم، وتفاعل المتعلم مع المحتوى، وتفاعل المتعلم مع أقرانه، هذه الأنماط التفاعلية تشكل مجتمعةً حجر الزاوية في بناء خبرة تعليمية شاملة ومتوازنة. وبالنسبة لحلقات المسجد النبوي الإلكترونية يبرز تفاعل الطالب مع المعلم كعنصر محوري نظرًا لطبيعة الدروس الشرعية التي تعتمد على التلقّي المباشر والتوجيه الفردي. ومن ثم فإن تحسين إدارة هذا التفاعل باستخدام التقنيات المناسبة من شأنه تعزيز الفهم لدى الطلاب، وتسهيل متابعة المعلم لجميع المتعلمين رغم بعد المسافات، وتحقيق توازن تفاعلي يماثل – أو يقارب – بيئة الحلقة الحضورية الواقعية.
وعلى الرغم من نجاح تجربة الحلقات الإلكترونية بالمسجد النبوي في الوصول إلى جمهور واسع وإتاحة التعليم الشرعي عالميًا، تبرز مشكلة في مدى قدرة التكنولوجيا المستخدمة حاليًا على توفير تفاعل ثري ومباشر يُضاهي الحلقات الحضورية التقليدية فقد يشعر بعض الطلاب بشيء من العزلة أو نقص في التوجيه الشخصي كما قد يواجه المعلم صعوبة في إدارة النقاش ورصد استجابات جميع الطلاب عبر المنصة الرقمية. هذه المعوقات إن لم يتم التعامل معها عبر إدارة فعّالة للتفاعل فقد تؤدي إلى انخفاض دافعية المتعلمين أو تراجع جودة التحصيل العلمي مقارنةً ببيئة الصف المباشر لذا يغدو تناول دور التقنية في تحسين إدارة التفاعل التعليمي عن بُعد أمرًا حتميًا لضمان استمرارية نجاح وانتشار هذه الحلقات عالميًا.
بناءً على ما سبق، تتناول هذه الورقة العلمية جانبين رئيسين: الجانب النظري والتحليلي المتمثل في دراسة واقع التفاعل الإلكتروني في حلقات المسجد النبوي عن بُعد وتحدياته وإمكانيات تطويره، والجانب التطبيقي المتمثل في نظام “تفاعل” الذي طوّره الباحث لتحسين إدارة هذا التفاعل عمليًا. فيما يلي تفصيل لمشكلة البحث وأهدافه وأهميته ومنهجيته، ثم عرض لأبرز النتائج والتوصيات، متبوعة بوصف موجز للنظام التطبيقي المقترح، وختامًا خلاصة واستنتاجات البحث وقائمة بالمراجع المختارة.
مشكلة البحث :
بالرغم من النجاح الملحوظ الذي حققته حلقات تعليم المتون العلمية عن بُعد بالمسجد النبوي في استقطاب الدارسين من أنحاء العالم، إلا أن هناك فجوة فيما يتعلق بجودة التفاعل التعليمي الرقمي مقارنةً بنظيرتها في الحلقات الحضورية، تنطلق مشكلة البحث من التساؤل الرئيسي التالي:
كيف يمكن توظيف التقنيات الحديثة في تحسين إدارة التفاعل بين الطلاب والمعلمين في التعليم عن بُعد ضمن حلقات المتون العلمية بالمسجد النبوي، وما السبل الممكنة لتعزيز هذا التفاعل بما يتوافق مع طبيعة التعليم الشرعي وظروف التعلم الإلكتروني؟ وينبثق عن هذا السؤال الرئيس عدد من التساؤلات الفرعية التي تسعى الدراسة للإجابة عنها، ومن أبرزها:
• ما الواقع الحالي للتفاعل بين الطالب والمعلم في حلقات المسجد النبوي عن بُعد؟ وكيف تُدار هذه التفاعلات عبر المنصة الإلكترونية المتاحة؟
• ما أهم التحديات والصعوبات التي تواجه كلًا من الطالب والمعلم في عملية التفاعل خلال هذه الحلقات الافتراضية؟
• ما الأدوات الرقمية الحديثة التي يمكن توظيفها لتعزيز إدارة التفاعل في هذه الحلقات، وما مدى فعاليتها الحالية؟
• هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية عند مستوى 0.05 في آراء المشاركين (معلمين وطلاب) حول دور التقنية في تحسين إدارة التفاعل تُعزى إلى بعض المتغيرات المستقلة (مثل صفة المشارك: معلم/طالب، أو عوامل أخرى)؟
من خلال هذه التساؤلات، يتضح أن مشكلة البحث لا تقف عند حدّ توصيف الواقع، بل تتطلب تحليلًا عميقًا وتشخيصًا دقيقًا لكيفية استثمار التقنية في إدارة التفاعل التعليمي، وصولًا إلى ابتكار حلول مبتكرة تعالج جوانب القصور الحالية. ويعكس طرح المشكلة بهذا الشكل حاجة ماسة لإيجاد حلول تدعم جودة الحلقات التعليمية الإلكترونية وتضمن استمرار نجاحها وانتشارها الواسع. إن مجرد توفر تقنية التعليم عن بُعد لا يكفي لضمان تحقيق الأثر التعليمي المنشود، ما لم يُصاحب ذلك إدارة فاعلة للتفاعل تخلق تجربة تعليمية ثرية تقارب بيئة التعلم التقليدي بناءً عليه تركز هذه الدراسة على سد هذه الفجوة من خلال تقييم الوضع الراهن واقتراح آليات تطويرية إلى جانب تقديم نموذج تطبيقي (نظام “تفاعل”) يمكن أن يسهم في رفع كفاءة إدارة التفاعل في الحلقات الشرعية الإلكترونية.
أهداف البحث :
سعت هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف العلمية المرتبطة مباشرةً بمشكلة البحث وتساؤلاته، صياغة هذه الأهداف بدقة يوجّه جهود البحث نحو منهجية واضحة للحصول على نتائج ذات قيمة نظرية وتطبيقية. فيما يلي الأهداف التفصيلية للدراسة:
1. تقييم الواقع الحالي للتفاعل التعليمي في حلقات التعليم عن بُعد بالمسجد النبوي، وذلك من خلال رصد أساليب التواصل المتبعة بين المعلمين والطلاب، وتحديد نقاط القوة والضعف في إدارة هذا التفاعل عبر المنصة الإلكترونية.
2. تحديد التحديات والمعوقات التي تواجه إدارة التفاعل بين الطلاب والمعلمين في بيئة التعليم عن بُعد لحفظ المتون العلمية، سواء كانت تحديات تقنية (مثل جودة الاتصال بالإنترنت والمنصة) أو تربوية (كدافعية الطلاب ومشاركتهم) أو ثقافية/لغوية (نظرًا لتعدد جنسيات المستفيدين).
3. تحليل دور التقنيات الحالية المستخدمة في حلقات المسجد النبوي عن بُعد في دعم عملية التفاعل، بما يشمل أنظمة إدارة التعلم والفصول الافتراضية والأدوات الصوتية/المرئية ووسائل التقييم الإلكتروني، وتقييم مدى توظيف هذه التقنيات بشكل فعّال لتحقيق التواصل ثنائي الاتجاه بين المعلم والطلاب.
4. التحقق إحصائيًا من وجود فروق ذات دلالة عند مستوى 0.05 في آراء الطلاب والمعلمين حول دور التقنية في تحسين إدارة التفاعل، تعزى إلى المتغيرات المستقلة المختارة في الدراسة مثل دور المشارك كمعلم أو طالب، والخبرة في استخدام التقنية، وغيرها.
5. تقديم توصيات ومقترحات عملية مبنية على نتائج الدراسة، تهدف إلى تعزيز دور التقنية في إدارة التفاعل في التعليم عن بُعد. تشمل هذه التوصيات استراتيجيات أو آليات يمكن للقائمين على حلقات المسجد النبوي تبنّيها، أو برامج تدريبية لتطوير المهارات التقنية والتربوية للمعلمين، وذلك لضمان تحقيق أقصى قدر من التفاعل الإيجابي والمثمر بين المعلم والطلاب في البيئات الافتراضية، وتعظيم الاستفادة من التقنيات الحديثة.
من خلال تحقيق هذه الأهداف المتكاملة، يتوخى الباحث بناء تصور شامل حول دور التقنية في إثراء التفاعل التعليمي وتعظيم الاستفادة منه. وقد حرص على ترابط الأهداف بحيث تغطي جوانب متعددة: ابتداءً من تشخيص الواقع الراهن، ومرورًا بفهم العوائق الحالية وتقييم الحلول القائمة، وصولًا إلى استشراف حلول مستقبلية ووضع توصيات قابلة للتنفيذ. هذا النهج الشمولي يضمن أن تسهم الدراسة بنتائج ذات بعد نظري يثري الأدبيات التربوية، وبُعد تطبيقي يقدم فائدة مباشرة للعاملين في الحلقات التعليمية عن بُعد وغيرها من مؤسسات التعليم الإلكتروني.أهمية البحث :
يكتسب هذا البحث أهمية خاصة على مستويين نظري وتطبيقي نظرًا لتركيزه على توظيف التقنيات الحديثة في تحسين إدارة التفاعل بين الطلاب والمعلمين في بيئة تعليم عن بُعد ذات طبيعة فريدة (حلقات المتون العلمية بالمسجد النبوي). فيما يلي توضيح لأبرز جوانب الأهمية:
1- الأهمية النظرية:
تبرز الأهمية النظرية للدراسة في مساهمتها بسد فجوة في الأدبيات التربوية المتعلقة بالتفاعل الإلكتروني في سياق التعليم عن بُعد الشرعي، كما يعدّ التفاعل بين الطالب والمعلم عاملًا جوهريًا لنجاح عملية التعلم الإلكتروني (Anderson, 2003)، حيث تؤكد العديد من الدراسات وجود ارتباط إيجابي بين ارتفاع مستوى التفاعل ومشاركة الطلاب وتحسن أدائهم في البيئة الافتراضية (المرسي، 2021)، إلا أن معظم البحوث السابقة تناولت بيئات التعليم الإلكتروني في المدارس والجامعات العامة (الجندي، 2019( ، ونادرًا ما تطرقت إلى البيئات الشرعية التقليدية مثل حلقات العلم.
تأتي هذه الدراسة لتقديم إطار نظري يجمع بين مفاهيم التعليم عن بُعد والتقنيات التعليمية من جهة )زيتون، 2005( ، وخصوصية التعليم الشرعي التقليدي من جهة أخرى، وهذا من شأنه إثراء النظريات التربوية بمضامين جديدة حول إمكانات دمج التقنية في بيئات تعليمية غير تقليدية وعلاوة على ذلك، يركّز البحث على سياق تعليمي خاص (حلقات المتون العلمية في بيئة المسجد النبوي) لم يحظ باهتمام واسع سابقًا، مما يضيف بُعدًا جديدًا للأدبيات (Yahya et al., 2021) ، يتوقع الباحث أن تسهم نتائج هذه الدراسة في تطوير نماذج نظرية حول التفاعل التقني الفعّال، يمكن البناء عليها في دراسات مستقبلية أعمق.
2- الأهمية التطبيقية:
أما من الناحية التطبيقية، فتتجلى أهمية الدراسة في قدرتها على تحسين ممارسات التعليم عن بُعد ضمن حلقات القرآن الكريم والمتون العلمية، ولا سيما في المسجد النبوي. يقدم البحث نموذجًا تطبيقيًا حديثًا يعكس تجربة عملية قائمة على استخدام تقنيات التعليم الإلكتروني في بيئة شرعية، وذلك بالتزامن مع نضوج تجربة التعليم عن بُعد إثر جائحة كورونا وما بعدها.
إن نتائج الدراسة وتوصياتها توفّر أساسًا عمليًا يمكن الاستفادة منه مباشرةً من قبل المشرفين والمعلمين في هذه الحلقات وغيرها ، فعلى سبيل المثال يمكن أن يسترشد القائمون على برامج التعليم الشرعي عن بُعد بالتوصيات لتحسين منصاتهم التفاعلية، وتدريب كوادرهم على أساليب إدارة الصف الافتراضي بكفاءة أعلى (القرني، 2021) .
إضافةً إلى ذلك، قدّم الباحث من خلال هذه الدراسة نظام “تفاعل” كنموذج تطبيقي يمكن تبنّيه وتطويره لاحقًا في مؤسسات شرعية تعليمية أخرى، داخل المملكة العربية السعودية أو خارجها، مما يعزّز وصول التعليم الشرعي بفاعلية إلى شريحة أوسع من المستفيدين باستخدام التقنية الحديثة. وبذلك، تمثل الدراسة نقطة انطلاق لمبادرات تطويرية مستقبلية في مزج التعليم الشرعي بالتكنولوجيا، بما يضمن تحقيق الاستفادة القصوى من أدوات التقنية في بيئات التعليم الديني مع الحفاظ على جوهر وأصالة تلك البيئات.
منهجية البحث :
اعتمدت هذه الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي باعتباره الأنسب لطبيعة الأهداف المطروحة. يقوم هذا المنهج على جمع البيانات والمعلومات المتعلقة بالظاهرة المدروسة (هنا: استخدام التقنية في إدارة التفاعل في التعليم عن بُعد) ووصفها وصفًا دقيقًا كما هي في الواقع، ثم تحليلها بشكل كمي وكيفي لتفسير خصائصها وتحديد العلاقات والأنماط العامة. وقد اختير هذا المنهج لأنه يتيح فهمًا شاملاً لواقع التفاعل الإلكتروني في حلقات المسجد النبوي وتشخيص عناصر القوة والضعف فيه، كما يسمح باستخلاص استنتاجات تدعم تطوير نماذج جديدة قابلة للتطبيق العملي. إن هذا المنهج يوفر الإطار الأمثل لدراسة التحديات التي تواجه التعلم عن بُعد (الجندي، 2019) .
أداة جمع البيانات:
استخدم الباحث استبانة مُحكّمة ومُوحّدة وُزّعت على عينة الدراسة فقد تم تصميم الاستبانة بحيث تُناسب كلًا من المعلمين والطلاب في حلقات المتون عن بُعد، متضمنةً محاور متعددة تغطي: واقع التفاعل الإلكتروني وأدواته المستخدمة، أدوار التقنية في التفاعل (من حيث زيادة المشاركة وتحسين التواصل)، التحديات والمعوقات التي تواجه التفاعل، وأخيرًا آراء المشاركين حول سُبل التطوير المقترحة. خضعت الأداة للتحكيم من قبل مجموعة من الخبراء لضمان صدقها الظاهري وشمولها للمحاور المراد قياسها، كما تم إجراء اختبار أولي للتأكد من ثباتها ووضوح فقراتها، ثم نُقِّحت بناءً على الملاحظات قبل التطبيق النهائي.
عينة الدراسة:
تكونت عينة الدراسة من المشاركين في حلقات التعليم عن بُعد لحفظ المتون العلمية بالمسجد النبوي خلال إحدى الدورات التعليمية (الدورة الصيفية السابعة عشرة لعام 2025م) حيث بلغ حجم العينة 1007 فردًا من طلاب ومعلمين، مما يوفر تمثيلاً كبيرًا وشاملاً لمجتمع الدراسة، وشملت العينة تنوعًا في الخلفيات الجنسية واللغوية، نظرًا لكون هذه الحلقات الدولية تضم طلابًا من دول متعددة فإن هذا التنوع يضفي قوة على النتائج إذ يسمح بمراعاة الفروق الثقافية في عملية التفاعل (Yahya et al., 2021)
إجراءات جمع البيانات وتحليلها:
تم توزيع الاستبانة إلكترونيًا عبر منصة الحلقات التعليمية، مما ساعد في الوصول إلى المشاركين في مواقعهم الجغرافية المختلفة بسهولة.
جُمعت الاستجابات بصورة رقمية، ثم أُجري الفرز والترميز اللازم لها.
اعتمد الباحث على أساليب الإحصاء الوصفي (مثل حساب المتوسطات والانحرافات المعيارية) لتحليل البيانات الكمية المتعلقة بكل محور، بالإضافة إلى اختبار تي (t-test) لتحليل الفروق بين مجموعتي المعلمين والطلاب في بعض المحاور، واختبارات إحصائية أخرى للتحقق من الدلالات الإحصائية عند مستوى 0.05 ، كما تم استخدام جداول ورسوم بيانية لتوضيح النتائج وتسهيل تفسيرها ، وللإثراء النوعي فقد تم تضمين تحليل لبعض الأسئلة المفتوحة في الاستبانة أو ملاحظات المشاركين وذلك بهدف فهم أعمق للتحديات والاقتراحات من منظورهم.
جميع النتائج الكمية أُوليَت التفسير في ضوء الأدبيات التربوية السابقة والنظريات ذات الصلة (Anderson, 2003)، للتأكد من اتساقها أو تعارضها مع الاتجاهات البحثية الحديثة، مما يعزّز موثوقية الاستنتاجات المستخرجة من الدراسة.
نتائج تحليل الاستبانة :
بعد جمع البيانات ومعالجتها إحصائيًا، توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج الرئيسية المتعلقة بواقع التفاعل الإلكتروني في حلقات المسجد النبوي عن بُعد، ودور التقنية فيه، والتحديات المرتبطة به ، يمكن تلخيص أهم النتائج على النحو الآتي:
1-مدى استخدام الأدوات التقنية في إدارة التفاعل:
أشارت النتائج إلى أن الأدوات التقنية تُوظَّف بشكل واسع في تسيير التفاعل داخل الحلقات الافتراضية، وقد تبيَّن أن من أكثر الأدوات استخدامًا هو خيار الدعم الفني المباشر الذي تقدمه المنصة أو المشرفون التقنيون )القرني، 2021(؛ حيث يعتمد المعلمون والطلاب بشكل كبير على الدعم التقني لحل المشكلات الآنية والتغلب على العقبات التقنية خلال الجلسات. في المقابل، وُجد أن المشاركة في النقاشات الإلكترونية ( مثل استخدام غرف الدردشة أو المنتديات المرافقة للدروس هي الأقل توظيفًا من بين أدوات التفاعل المتاحة وهذا يُبرز أن التواصل في معظم الأحيان يكون أحادياً (من المعلم إلى الطالب عبر البث المباشر) مع محدودية في تفعيل الحوارات الجانبية بين الطلاب أو بين الطلاب والمعلم خارج إطار الشرح المباشر. ربما يعود ذلك إلى عوامل تقنية (كضيق وقت الدرس، أو عدم إلمام البعض بآليات المنتديات) أو تربوية (كوضع قيود لضبط الحوار في بيئة شرعية تتطلب الانضباط(.
2-أدوار التقنية في تعزيز التفاعل التعليمي:
عموماً، أكدت نتائج الاستبانة أن للتقنية دورًا إيجابيًا في تيسير التواصل وتعزيز تفاعل الطلاب إذا ما أحسن استخدامها (عبد المجيد، 2020 (وقد قُيّم هذا الدور من زوايا متعددة جاءت أعلى التقييمات لدور التقنية في إتاحة فرص مشاركة أوسع للطلاب؛ حيث وفرت المنصات الإلكترونية أدوات تمكّن الطالب من طرح السؤال أو الإجابة أو المشاركة في أنشطة تعليمية بطريقة لم تكن ممكنة بالحضور التقليدي (خاصةً للطلاب البعيدين جغرافيًا أو غير القادرين على التواجد في المسجد النبوي)، ومن الأمثلة التي برزت: إمكانية رفع اليد الإلكترونية خلال الدرس لطلب المداخلة، والمشاركة في استطلاعات رأي سريعة أو اختبارات تفاعلية أثناء الشرح )المرسي، 2021( ، هذه الميزات عززت اندماج الطلاب وأتاحت لكل منهم فرصة للتفاعل مع المحتوى والمعلم. في المقابل، حصل دور التقنية في تحفيز التنوع في أساليب التفاعل على أدنى تقييم مقارنةً ببقية الأدوار بمعنى آخر لم تُسهم التقنيات الحالية كثيرًا في تنويع نمط التفاعل خارج إطار السؤال والجواب أو المحاضرة المباشرة فمثلاً لم تكن هناك استخدامات كافية لأدوات مثل المسابقات الإلكترونية أو الألعاب التعليمية التي يمكن أن تضفي نوعًا مختلفًا من التفاعل التنافسي أو الجماعي، يشير ذلك إلى إمكانية توسيع نطاق توظيف التقنية ليشمل أساليب تفاعل أكثر تنوعًا وإبداعًا مستقبلاً.
التحديات والمعوقات في التفاعل الإلكتروني:
حدّدت الدراسة عددًا من التحديات الرئيسية التي تواجه التفاعل الفعّال في هذه الحلقات الإلكترونية ، واحتل ضعف الاتصال بالإنترنت المرتبة الأولى كأبرز معوق؛ إذ إن جودة البث وسرعته تؤثر مباشرةً على قدرة الطالب على المتابعة والمشاركة اللحظية، وعلى قدرة المعلم في الوصول إلى الجميع دون انقطاع أو تأخير، كذلك كان عدم كفاية الأجهزة التقنية لدى بعض الطلاب عاملاً معرقلًا للتفاعل السلس ، هذه العوامل التقنية البحتة برزت بوضوح في إجابات المشاركين، مما يدل على أن البنية التحتية التقنية لا تزال تحديًا مؤثرًا. ومن ناحية أخرى، سُجِّلت محدودية تنوع أدوات التفاعل – مثل عدم توفر أدوات متقدمة للتفاعل أو عدم تفعيلها – كأقل التحديات ذكرًا من قبل المشاركين، قد يُفسر ذلك بأن الأغلبية تُركّز على المشكلات الأساسية (كالإنترنت والأجهزة) قبل الالتفات لمسألة تنوع الأدوات، أو ربما لأن المشاركين أنفسهم ليسوا على دراية واسعة بأدوات تفاعلية متقدمة ليطالبوا بها، إلى جانب ما سبق لُوحظت تحديات تربوية مثل انخفاض الدافعية لدى بعض الطلاب نتيجة غياب التواصل الشخصي المباشر (Moore, 1989)، وصعوبة ضبط انضباط الطلاب أحيانًا في البيئة الافتراضية، لكن هذه التحديات جاءت أقل حدةً من المعوقات التقنية من وجهة نظر المستجيبين.
3-الفروق بين آراء المعلمين والطلاب:
في سبيل فحص الهدف المتعلق بمقارنة وجهات النظر، أجرى الباحث اختبارات إحصائية لمقارنة متوسطات استجابات المعلمين مقابل الطلاب في كل محور من محاور الاستبانة. كشفت النتائج عن وجود فروق ذات دلالة إحصائية عند مستوى 0.05في بعض المحاور، فعلى سبيل المثال، تبيّن وجود فروق معنوية في محور “دور استخدام التقنية في إدارة التفاعل التعليمي/الصفّي” وكذلك ظهرت فروق في محور “التحديات” التي تواجه التفاعل وعلى النقيض لم تظهر فروق معنوية بين المعلمين والطلاب في محور “زيادة التفاعل بين الطلاب والمعلمين”؛ أي أن كلا الفئتين اتفقت آراؤهما حول مدى إسهام التقنية في زيادة التفاعل. هذا يشير إلى وجود اتفاق عام بين الطرفين على جوانب معينة مثل الإقرار بفائدة التقنيات في إشراك الطلاب، بينما يختلفون في تقييم أمور أخرى كتحديات التطبيق أو كيفية إدارة التفاعل (Anderson, 2003) إجمالاً، فإن تحليل الفروق وفّر نظرة أعمق؛ فحيثما وُجد اتفاق بين المعلم والطالب يكون المقترح التطويري أكثر قبولاً من الجميع، وحيثما وُجد اختلاف يتطلب الأمر مراعاة تلك الفروق عند تنفيذ أي حل تقني أو تربوي لضمان تلبيته لتوقعات واحتياجات كل طرف.
4-ملاحظات نوعية إضافية:
ضمن الباحث في الاستبانة سؤالًا مفتوحًا يتيح للمشاركين إضافة أي ملاحظات أو اقتراحات يودون طرحها وقد وردت عدة أفكار متكررة، منها: الحاجة إلى تدريب تقني أفضل لكل من الطلاب والمعلمين لضمان استخدام فاعل للأدوات المتاحة )القرني، 2021)؛ وأهمية وجود مشرفين تقنيين أثناء الحلقات لحل أي مشكلة فورًا؛ واقتراحات لإضافة أدوات تفاعلية في المنصة مثل لوحة نقاش مباشرة أو مسابقات دورية لرفع الحماس؛ وكذلك مطالبة البعض بتكييف أوقات الحلقات لتناسب فروق التوقيت العالمية وتخفيف الضغط على المنصة في أوقات الذروة (Yahya et al., 2021) هذه الملاحظات النوعية دعمت نتائج التحليل الكمي وأعطت بُعدًا تفصيليًا لبعض التوصيات المقترحة.
النظام التطبيقي : نظام “تفاعل” لإدارة التفاعل الذكي في التعليم عن بُعد :
يعدّ نظام “تفاعل” إحدى أهم مخرجات هذه الدراسة، إذ يمثّل نموذجًا تطبيقيًا موجّهًا لمعالجة القصور الذي كشفت عنه نتائج الاستبانة في مستوى التفاعل داخل الحلقات الإلكترونية بالمسجد النبوي. وقد بُني النظام استجابة لثلاثة احتياجات ظهرت بوضوح في نتائج التحليل، هي: ضعف المشاركة الفعلية ، محدودية تنوع أدوات التفاعل ، وصعوبة قياس التفاعل بصورة معيارية.
أولًا: مفهوم نظام “تفاعل” وأهدافه :
يرتكز النظام على فكرة تحويل التفاعل من “سلوك يصعب قياسه” إلى مؤشر رقمي قابل للرصد والتحليل ويستهدف:
- قياس مستويات التفاعل أثناء الجلسة بشكل لحظي.
- توفير تقارير معيارية تسهّل متابعة أداء المعلم والطلاب.
- دعم اتخاذ القرار التربوي بناءً على بيانات دقيقة.
ثانيًا: معمارية النظام ومنهجيته :
يعتمد نظام “تفاعل” على نماذج إلكترونية معيارية صُممت باستخدام منصة رقمية مفتوحة المصدر، وتشتمل على أربعة مؤشرات أساسية للتفاعل:
- وضوح المهمة التعليمية .
- المشاركة الفعلية للطلاب .
- رضا الطلاب عن الجلسة .
- جودة الاتصال والصوت .
تُجمع البيانات أثناء الحلقة من قِبل المعلم أو الطالب عبر واجهة عربية بسيطة، ثم تُرسل آليًا إلى مخزن بيانات مركزي لإجراء التحليل الإحصائي.
ثالثًا: آليات عمل النظام :
يقوم النظام على ثلاث آليات رئيسة:
1-الرصد اللحظي للتفاعل :
يُسجّل النظام تفاعل الطالب أثناء الدرس باستخدام مقاييس معيارية، مما يتيح مراقبة دقيقة لتغيرات التفاعل داخل الجلسة الواحدة.
2-التحليل الكمي لبيانات التفاعل:
يستخدم النظام متوسطات ونسبًا تحليلية تُحوّل التفاعل إلى قيم رقمية مفهومة، ويمكن تمثيلها في لوحات متابعة تفاعلية.
3-توليد تقارير تربوية داعمة للقرار:
تتضمن التقارير مستويات التفاعل، وأبرز التحديات المتكررة داخل الحلقات، مع اقتراح إجراءات تصحيحية.
رابعًا: علاقة نظام “تفاعل” بنتائج الدراسة :
يرتبط النظام مباشرة بنتائج الاستبانة على النحو الآتي:
جدول (1) نتائج الاستبانة
|
نتيجة الدراسة |
دور النظام (آلية المعالجة) |
|
المشاركة في النقاشات أقل الأدوات استخدامًا |
يوفر آليات لقياس المشاركة الفعلية وتعزيزها عبر بيانات كمية |
|
التحديات التقنية من أبرز المعوقات |
يقيس جودة الاتصال والصوت ويحدّد الحالات المتكررة |
|
افتقار الأدوات الحالية للتنوع |
يقدم نموذجًا معياريًا يمكن دمجه مع أدوات تفاعلية مستقبلية |
خامسًا: القيمة التطبيقية للنظام :
يقدم النظام نموذجًا حديثًا يعتمد على إدارة التفاعل بالبيانات وهو اتجاه حديث في التعليم الرقمي. ويمكن أن يسهم في:
- رفع جودة المتابعة في الحلقات الشرعية الإلكترونية.
- تمكين المشرفين من اتخاذ قرارات دقيقة.
- تحسين تجربة التعلم للطلاب في البيئات الافتراضية.
- تعميم النموذج على مؤسسات شرعية أخرى داخل المملكة وخارجها .
كما يأمل الباحث أن يتم تبنّي هذا التطبيق بشكل أوسع، وتطويره بالتعاون مع الجهات المعنية، وصولاً إلى اعتماده كجزء أساسي من منظومة الحلقات الإلكترونية في المسجد النبوي وغيرها من المؤسسات التعليمية الشرعية، وبذلك نضمن الانتقال إلى مرحلة جديدة من التفاعل الرقمي الذي يجمع بين كفاءة التقنية وخصوصية التعليم الشرعي.
التوصيات
في ضوء النتائج الحالية للدراسة حول دور التقنية في تحسين إدارة التفاعل بين الطلاب والمعلمين في بيئة التعليم عن بُعد، يقدّم الباحث مجموعة من التوصيات العملية التي يمكن أن تُسهم في تحسين ممارسات التفاعل الإلكتروني ورفع كفاءة العملية التعليمية.
- الاستفادة من تسجيل الجلسات التعليمية: ضرورة تسجيل حلقات الدروس المتزامنة وإتاحتها للطلاب لمراجعة المادة العلمية لاحقًا. هذه الخطوة تضمن تمكين الطلاب الذين فاتتهم أجزاء من الدرس – لأي سبب تقني أو زمني – من تعويض ما فاتهم، كما تتيح للطلاب مراجعة المحتوى عدة مرات لتعميق الفهم (الجندي، 2019( .
- تفعيل أدوات التفاعل الإلكتروني أثناء الدرس: تشجيع المعلمين على استخدام مزيد من أدوات التفاعل الحي كـالاستطلاعات الفورية، والتصويت الإلكتروني، وميزة رفع اليد الإلكترونية عبر المنصة. من شأن هذه الأدوات كسر الجمود في الجلسة، وإشراك الطلاب بشكل أوسع، وجعل الدروس أكثر ديناميكية (المرسي، 2021).
- تشجيع النقاشات الإلكترونية الخارجية: تعزيز مشاركة الطلاب في غرف المحادثة والمنتديات الإلكترونية المرتبطة بالحلقات يمكن تخصيص منتدى نقاش لكل متن علمي يتم تدريسه، يطرح فيه الطلاب أسئلتهم وأفكارهم ويتبادلوا المعلومات تحت إشراف المعلم، مما يخلق مجتمعًا تعليماً تفاعليًا خارج وقت الدرس الرسمي )عبد المجيد، 2020(.
- تقدير تفاعلات الطلاب داخل الحلقة: على المعلم إبداء اهتمام واضح بأفكار الطلاب وآرائهم التي يطرحونها أثناء الدروس، يتضمن ذلك إعطاء فرصة متوازنة لمداخلات الطلاب والثناء على المشاركات الجيدة ومعالجة الأسئلة المطروحة بجدية لذا فإن هذا التقدير يزيد حماس الطلاب للمشاركة ويشعرهم بقيمة مساهماتهم (Anderson, 2003).
- استخدام التغذية الراجعة المستمرة: حث المعلمين على تقديم تغذية راجعة فورية ومستمرة للطلاب خلال الحلقة وبعدها مثلاً: تلخيص ما تم شرحه وسؤال بعض الطلاب عن فهمهم، أو تصحيح الأخطاء فور وقوعها بأسلوب بنّاء، أو إرسال ملاحظات فردية للطالب حول أدائه، لذا فإن التغذية الراجعة المستمرة تعزز التواصل الشخصي وتشحذ انتباه المتعلمين باستمرار.
- إتاحة فرص الأسئلة الآنية: تفعيل خاصية تتيح طرح الأسئلة بشكل آني عبر المنصة خلال الشرح، كأن يكون هناك صندوق أسئلة يمكن للطالب الكتابة فيه في أي وقت لذا فمن المهم أن يشعر الطالب بأنه يستطيع الاستفهام فور حصول اللبس ليجيب المعلم في الحال أو في الوقت المناسب خلال الدرس فإن هذا يقلل من تراكم الأسئلة ويشجع الطالب على عدم التردد في السؤال.
- تقليص حجم المجموعة للحلقات الحية: الحرص من قبل إدارة البرنامج على خفض عدد الطلاب المشاركين في الحلقة المباشرة قدر الإمكان، بحيث يتمكن المعلم من متابعة تفاعل كل طالب بشكل فردي فوجود عدد كبير جدًا في جلسة واحدة قد يؤدي إلى تراجع المشاركة الفعالة لبعض الطلاب (Moore, 1989) إذا تعذّر ذلك لاعتبارات لوجستية فيمكن تقسيم الطلبة لمجموعات أصغر تحضر بالتناوب أو توزيعهم على مساعدي التدريس.
- قنوات تواصل إضافية خارج أوقات الدروس: تشجيع الطلاب على التواصل مع المعلم خارج وقت الحلقة عبر قنوات تواصل إضافية مخصص،. قد تكون هذه القنوات بريدًا إلكترونيًا رسميًا أو مجموعة واتساب/تيليجرام بإشراف المعلم، أو عبر المنتدى الإلكتروني فالهدف هو إتاحة المجال للطلاب لطرح الاستفسارات اللاحقة والتفاعل المستمر، مما يثري العملية التعليمية ويعوض غياب اللقاء الحضوري (Yahya et al., 2021).
تنويع أنشطة وأدوات التفاعل: العمل على زيادة تنويع أدوات التفاعل المستخدمة في الحلقات ، على سبيل المثال إدراج المسابقات العلمية القصيرة بين الحين والآخر لتحفيز روح التنافس الحميد بين الطلاب أو تبنّي الألعاب التعليمية الإلكترونية المناسبة لمحتوى المتون لرفع مستوى التشويق (زيتون، 2005) ، هذا التنويع يساعد في مخاطبة أنماط تعلم مختلفة لدى الطلاب، ويمنع الرتابة التي قد تؤثر سلبًا على التفاعل.
الخاتمة :
في ختام هذه الورقة يتضح أن توظيف التقنية بفاعلية في إدارة التفاعل بين الطلاب والمعلمين يمثل حجر الأساس لنجاح تجربة التعليم عن بُعد في البيئات الشرعية وغيرها (الجندي، 2019) ، لقد بينت الدراسة عبر منهجية علمية وتحليل دقيق أن التقنيات التعليمية توفّر فرصًا كبيرة لإثراء التواصل التعليمي لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديات تتطلب حلولًا مبتكرة وإدارة واعية ، ففي حالة حلقات المتون العلمية بالمسجد النبوي ظهر جليًا كيف يمكن للتقنية أن تربط آلاف المتعلمين بمعلميهم عبر القارات (Yahya et al., 2021)، محافظةً على استمرارية حلقات العلم في أصعب الظروف، إلا أن جودة هذا الربط وعمق التفاعل الناتج عنه هي ما سعى البحث إلى تقويمه وتحسينه.
أبرزت النتائج جوانب نجاح ينبغي دعمها، مثل اعتماد الدعم الفني والتواصل اللحظي وأدوات المشاركة الأساسية (القرني، 2021) ، كما كشفت جوانب قصور يمكن معالجتها كتفعيل النقاشات البينية وتنوع وسائل التفاعل، وقد أثمرت جهود الدراسة في تقديم رؤية شاملة للتطوير انبثقت منها توصيات عملية قابلة للتنفيذ فورًا في الميدان ولابد من التأكيد أن تحقيق تفاعل إلكتروني مثمر مسؤولية مشتركة فالتقنية مهما تطورت تظل أداة في يد الإنسان، ويأتي دور المعلمين والطلاب في تبني ثقافة التفاعل الإيجابي واستغلال تلك الأدوات على الوجه الأمثل (Anderson, 2003) .
لقد فتحت هذه الدراسة المجال أمام بحوث مستقبلية عديدة؛ فكل توصية قدمتها تصلح أن تكون موضوعًا لدراسة متعمقة ومن أمثلة ما يمكن بحثه مستقبلًا: أثر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في دعم التفاعل الفردي للطلاب، أو تصميم تجارب تعلم مدمجة تجمع بين التعليم الحضوري والإلكتروني لتحقيق توازن أمثل في التفاعل.
وأخيؤاً تؤكد الدراسة على رسالة أساسية مفادها أن التقنية ليست بديلاً عن التفاعل الإنساني بل هي وسيلة لتعزيزه وتوسيعه وفي بيئات نشر العلم الشرعي التي تتسم بخصوصية الهدف وسمو الرسالة يصبح حُسن استثمار التقنية مطلبًا ملحًا لنشر نور العلم إلى آفاق لم تكن متاحة من قبل، مع الحفاظ على جودة هذا العلم وأصالته فإن استطعنا تسخير أدوات العصر الحديث لجعل الطالب يتفاعل مع معلمه ومحتواه وأقرانه كما لو كان في رحاب المسجد، نكون قد نجحنا حقًا في تحقيق الغاية من التعليم عن بُعد، وجمعنا بين خير الماضي وزهرة الحاضر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
المراجع:
- الجندي، صفاء محمود (2019) ، التعليم عن بُعد: الأسس النظرية والتطبيقية دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان.
- القرني، فهد (2021) ، دور الدعم الفني في تعزيز جودة التعليم عن بُعد.” ،مجلة جامعة الملك عبد العزيز: العلوم التربوية.
- المرسي، علي (2021) ، استراتيجيات تحسين التفاعل في الفصول الافتراضية ، دار المنظومة، جدة.
- عبد المجيد، حسن (2020) ، التفاعل الاجتماعي في بيئات التعلم الإلكتروني: الدافعية، التفاعل، التعلم النشط ، مكتبة الرشد ، الرياض.
- زيتون، حسن (2005) التعليم الإلكتروني: الأسس والتطبيقات ، دار عالم الكتب، الرياض.
- Anderson, T. (2003). “Getting the mix right again: An updated theoretical rationale for interaction.” International Review of Research in Open and Distributed Learning, 4(2), 9–14.
- Moore, M. G. (1989). “Three types of interaction.” The American Journal of Distance Education, 3(2), 1–6.
- Yahya, A., et al. (2021). “Online Learning in the Quran Reading Class during Covid-19 Pandemic.” International Journal of Learning, Teaching and Educational Research, 20(7), 330–350.