المنعطف الفرجوي في المسرح: قراءة في كتاب" المسرح ودراسات الفرجة" للدكتور خالد أمين
The Performative Turn in Theatre: A Reading of the Book Theatre and Performance Studies by Dr. Khalid Amine
حفيظة مبروك1
1 الطالبة الباحثة حفيظة مبروك اشراف الدكتور احمد توبة. مختبر أبحاث التكامل المعرفي في العلوم الإنسانية والاجتماعية
كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، جامعة الحسن الثاني، المغرب
بريد الكتروني: hafidamabrouk09@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj68/3
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/68/3
المجلد (6) العدد (8). الصفحات: 30 - 36
تاريخ الاستقبال: 2025-07-07 | تاريخ القبول: 2025-07-15 | تاريخ النشر: 2025-08-01
المستخلص: يحظى المسرح كما باقي الأجناس التعبيرية بالاهتمام على مستويات متعددة: أدبيا، فنيا، وإبداعيا، كما يشهد سيرورات متجددة باستمرار تستلزم مواكبة نقدية واعية ومقاربات منهجية متكاملة تجيب عن الإشكالات التي يطرحها، وتبحث في البدائل والممكنات الأدبية والفنية التي يستشرفها. تستأثر دراسات الفرجة في المسرح بجهود مفكرين ومتخصصين في الدراسات المسرحية، ويمثل كتاب " المسرح ودراسات الفرجة" للدكتور خالد أمين عملا نقديا ينضاف إلى سلسلة الأعمال النقدية للباحث والتي تهتم بخطاب الفرجة في المسرح من أجل استجلاء مقوماته وتمظهراته الإبداعية والتفكير في مقارباته النقدية. تسعى القراءة التي نقدمها لكتاب " المسرح ودراسات الفرجة" للدكتور خالد أمين إلى إضاءة أسئلة عديدة تتصل بحقل دراسات الفرجة في المسرح، وإلى التلميح إلى مشروع تناسج ثقافات الفرجة كبديل نقدي يستوعب فكرة التثاقف والمثاقفة المسرحية ويتجاوزهما إلى مفاهيم من قبيل البينية الثقافية والفضاء الثالث والتناسج الثقافي، وهي مفردات نقدية تعترف بالمشترك الإنساني وتؤكد على كونية الفن المسرحي.
الكلمات المفتاحية: المنعطف الفرجوي، المثاقفة المسرحية، التناسج الثقافي، الدراماتورجيا الركحية.
Abstract: Like other expressive genres, theatre enjoys significant attention on multiple levels—literary, artistic, and creative. It undergoes constantly evolving processes that require a conscious critical engagement and integrated methodological approaches capable of addressing the issues it raises, while exploring literary and artistic alternatives and possibilities. Performance studies in theatre have attracted the efforts of scholars and specialists in theatrical studies. Dr. Khalid Amine’s book Theatre and Performance Studies stands as a critical contribution that adds to his series of scholarly works focused on the discourse of performance in theatre, aiming to elucidate its foundations, creative manifestations, and critical approaches. This reading of Theatre and Performance Studies by Dr. Khalid Amine seeks to shed light on various questions related to the field of performance studies in theatre. It also alludes to the project of "interweaving performance cultures" as a critical alternative that embraces the concepts of interculturality and transcultural exchange, while advancing toward broader notions such as cultural in-betweenness, the third space, and cultural interweaving—critical terms that acknowledge shared human experience and affirm the universality of theatrical art.
Keywords: The Performative Turn, Theatrical Interculturality, Cultural Interweaving, Stage Dramaturgy.
مقدمة:
خلف المسرح – باعتباره تجربة أدبية وفنية- رصيدا معرفيا ونقديا ساهم في ترتيبه ضمن قائمة الأجناس الأدبية وفي تجديد الممارسة الإبداعية سواء على مستوى الكتابة الدرامية أو على مستوى الكتابة الركحية. ويعتبر كتاب “فن الشعر” لأرسطو من الإسهامات التنظيرية الأولى لهذا الجنس التعبيري إذ مثل الكتاب جهدا فكريا وعملا نقديا حاول الاقتراب من جوهر الممارسة المسرحية وفهم دينامياتها من خلال استجلاء مقومات الفن المسرحي كتابة وأداء.
يبدو لنا من الطبيعي أن تنكب البدايات النقدية على الكتابة الأدبية للمسرح مستبعدة إلى مرحلة لاحقة البحث في شعريات تحققها الفني على الخشبة. فالأمر يرتبط بتوجه منهجي يقتضي البحث في الثابت قبل المتغير، وفي الفكرة قبل الفعل؛ ولعل النص الدرامي يقع في دائرة الثابت في المسرح، وفي منطق الفكرة السابقة عن الفعل، حتى وإن تبلورت البدايات المسرحية في شكل احتفالات وطقوس وتعابير مسرحية، فكل حركة أو فعل مسرحي إنما هما استجابة وتعبير عن فكرة مكتوبة أو مرتجلة.
يشكل ما سبق أرضية لطرح مجموعة من الأسئلة: هل الدراسة النقدية الأدبية للمسرح خطوة سابقة لدراسة نقدية تبحث في العرض المسرحي باعتباره وجها ثانيا لعملة واحدة؟ هل مازالت الجهود النقدية المسرحية متشبثة بالإرث الأرسطي وتعلي من قيمة النص الدرامي على حساب العرض المسرحي؟ ما التوجهات النقدية التي ظهرت في سياق ما يعرف بمسرح ما بعد الدراما؟
تسمح لنا القراءة التي نقدمها لكتاب ” المسرح ودراسات الفرجة ” للدكتور خالد أمين بإضاءة جوانب مهمة قد تفيد في الإجابة عن الأسئلة المطروحة. وهذه الإفادة هي مسعى من بين مساعي أخرى نطمح إلى مقاربتها في هذه الورقة البحثية كالمنعطف الفرجوي في المسرح، والهجنة المسرحية ثم التناسج الثقافي في المشروع النقدي للدكتور خالد أمين.
يأتي كتاب ” المسرح ودراسات الفرجة” للدكتور خالد أمين، الصادر عن المركز الدولي لدراسات الفرجة في طبعة أولى سنة 2011، بعد مجموعة من الأبحاث والدراسات العلمية التي أسهمت في بلورة مشروعه الفكري، والذي استهله بكتابه الأول” ما بعد بريشت”، وامتد إلى آخر أعماله “هوامش دراسات الفرجة” الصادر سنة 2023. يظهر جليا لكل مطلّع على الأعمال البحثية للناقد (المسرح والهويات الهاربة، المسرح وأسطورة الأصل، …) أن سؤال الفرجة في العمل المسرحي يشغل اهتمامه العلمي، ذات الاهتمام توج بإنشاء المركز الدولي لدراسات الفرجة بطنجة، وبالانخراط في الأعمال البحثية في مجال دراسات الفرجة على المستوى الدولي إلى جانب الباحثة الألمانية إيريكا فيشر ليشته وريتشارد شكنر وباروتشا وغيرهما من الباحثين الذين التفوا لدراسة الفرجة في العمل المسرحي. فماهي الفرجة من منظور الدكتور خالد أمين؟ وما هي المحاور النقدية التي تناولها في كتابه “المسرح ودراسات الفرجة”؟ ثم ما الآفاق البحثية للمشروع النقدي لخالد أمين والتي يمكن تبيّنها في نفس الكتاب؟
- مفهوم الفرجة بين العرض والأداء:
يشغل سؤال الفرجة مركز تفكير واهتمام الدكتور خالد أمين، خاصة مع تزايد الاهتمام بالعرض المسرحي، وبروز مدارس وتوجهات مسرحية تمردت على الشعرية الأرسطية لفك الحصار عن فرجات المسارح الأوروبية وتجاوز الأشكال الفرجوية المنمّطة. وارتباطا بماهية الفرجة وإشكالياتها فإن الباحث في كتابه ” المسرح ودراسات الفرجة” يعرّفها من منظورين: منظور إيتيمولوجي يتتبع دلالتها في المعاجم اللغوية العربية، حيث يشير إلى أن لفظ الفرجة قد تدرج من الدلالة على ” الشق بين الشيئين” كما هو وارد في الذكر الحكيم “وإذا السماء فرجت” أي تشققت وتفطرت، إلى “انكشاف الغم ومشاهدة ما يتسلى به”[1]، وهذا المعنى الأخير هو الأقرب في التدليل على الفرجة من حيث أنها مشاهَدة تهدف إلى إحداث الأثر والتأثير في المتلقي. إن استعمال لفظ الفرجة في الحقل المسرحي حاضر بقوة في الأوساط الثقافية المغاربية أكثر منها في دول المشرق؛ وقد بدأ توظيفه في المغرب مع رائد الدرس المسرحي الجامعي الدكتور حسن المنيعي.
ومن منظور نقدي، يستند الباحث في تحديد مفهوم الفرجة إلى الاجتهادات الغربية، والتي تمثلت بالخصوص في أعمال الباحثة الألمانية إيريكا فيشر ليشته، والتي تعتبر الفرجة تحققا ” […] داخل ومن خلال الحضور الجسدي لكل من الممثلين والجمهور، ذلك أن كل فرجة تستدعي مجموعتين من الناس، “الفاعلين” و”المتفرجين” يتواجدون في زمن محدد ومكان معين لأجل تقاسم موقف ما …تنبعث الفرجة من لقائهم وتفاعلهم” [2]. وهنا يظهر الشرط الأساسي للفرجة والمتمثل في وجود مؤدي/مؤدين وجمهور لا يكون في وضع التلقي السلبي، وإنما عنصرا مشاركا في سيرورة الفرجة وفاعلا في تحولاتها ومساراتها. وهذه الفاعلية التي تتم بين المؤدي والمتفرج هي ما أطلقت عليها الباحثة الألمانية المذكورة الحلقة المرتدة لتبادل الأثر، ففي الفرجة يؤثر المؤدي في المتفرج ويتأثر بدوره بهذا الأخير.
إن ارتباط الفرجة بممارسات سلوكية مشابهة كفنون الأداء، الاحتفال، الاستعراضات… يثير السؤال الإشكالي الذي يطرحه الباحث ويسهم في إضاءته: ما حدود ارتباط الفرجة بالعرض والأداء؟ وهل يمكن طرح الفرجة كبديل عن العرض والأداء؟ وهنا يوضح خالد أمين أن الفرجة مرادف للعرض المسرحي وللأداء وليس بديلا عنهما، ذلك أن ” الفرجة أشمل من الأداء والمسرح لأنها تستوعب الاثنين معا بل وتتجاوزهما لتشمل الشعائر والاحتفالات والمراسيم والسيرك والجوانب الفرجوية المتمظهرة في بعض الخطابات السياسية والدينية وبعض أشكال الاحتجاج الجماهيرية و”تيفوات” الملاعب والسلوكات الفرجوية الشعبية من قبيل الحلقة وإيمعشارن، ورقصات أحواش وأحيدوس وبابا عيشور وبوجلود (بيلماون) وسونا”[3]. ولعل هذا التصور الفكري يلتقي مع الشعريات المسرحية والجهود النقدية التي أعادت صياغة مفردات الفعل المسرحي وجعلت العرض المسرحي مرادفا للفرجة وهو ما سمح بالبحث “في السلوكات الفرجوية الخارجة عن دائرة الممارسة المسرحية الصرفة[…] [وأسهم في] إعادة تقييمنا لمفهوم المسرح وباقي الفنون المجاورة”[4]، وفي انفتاح هذا الأخير على الفرجات الإنسانية التي اعتبرت في تاريخ النقد المسرحي أشكالا ما قبل مسرحية. لقد بدأ الاهتمام بالنص الدرامي يتضاءل في مقابل التركيز أكثر على العرض المسرحي، وأخذ نص الفرجة يستقطب دراسات وبحوثا بالنظر إلى كونه نصا شاملا لنصوص متعددة: نص المؤلف، نص المخرج، نص السينوغراف، نص الممثل… فتأسست بذلك مراكز ومختبرات تختص بدراسات الفرجة، وانزاح المسرح عن الدراما ليفسح المجال للفرجة، وهو ما تؤكده ” الباحثة ديانا تايلرDiana Taylor في معرض حديثها عن فرجات أمريكا اللاتينية [..] [حيث أبرزت ] أنه بات من الضروري أن نتخلى عن المفهوم التقليدي للمسرح وأن نعوض كلمة مسرح بالفرجة، وهي الكلمة التي تتيح لنا إمكانية إدماج كل أنواع فنون الأداء التي تركها المسرح وراءه، كما تمكننا من النظر إلى المسرح في حد ذاته من وجهة نظر نقدية”[5].
يشهد المسرح إذا انعطافة جديدة على مستويات متعددة: الكتابة الدرامية، الكتابة الركحية والكتابة النقدية، وهو ما بات يعرف بالمنعطف الفرجوي في المسرح، فما المقصود بالفرجوية في المسرح؟ وما هي السياقات التي أفرزت هذا التوجه الجمالي الذي لامس الإبداع المسرحي واقتحم حقل الدراسات النقدية المسرحية؟
- المثاقفة المسرحية والمنعطف الفرجوي في المسرح:
يتناول الباحث في كتابه ” المسرح ودراسات الفرجة” المثاقفة المسرحية من منظور متكامل يستحضر مختلف أبعادها. فمن ناحية أولى يشير إلى الرحلة الشرقية وانفتاح المسرح الغربي على الثقافات الشرقية، مقدما لنماذج من التجارب المسرحية الغربية التي حاولت الانفلات من حالة الحصار التي أحاطت بالفرجات المسرحية الغربية وذلك من خلال قيام بعض المسرحيين برحلات إلى الشرق لاكتشاف فرجاته ونقلها إلى المسارح الغربية، وقد مثل لذلك بتجارب غروتوفسكي، موشكين، بيتر بروك وبرتولد بريشت وغيرهم. ومن ناحية أخرى، يضيف الباحث في سياق حديثه عن المثاقفة المسرحية الرحلة الغربية التي قام بها رواد المسرح المغاربي والشرقي من أجل اقتحام التقنيات المسرحية والثقافة الغربية واستدماجها في الموروث الثقافي الفرجوي وأشكاله المتعددة، مشيرا إلى التجارب المسرحية لكل من الطيب الصديقي، عز الدين المدني، عبد القادر علولة… والتي نقلت العروض الشعبية كالحلقة والقوال والحكواتي إلى الأشكال المسرحية الغربية الوافدة على الثقافة العربية استجابة للذوق الثقافي للمتلقي، ولإزالة طابع الغرابة ورفع عبارة الدخيل التي باتت توصف بها المسارح الغربية.
يظهر لنا من خلال ما تقدم حرص الباحث على تقويم مفهوم المثاقفة من خلال إبراز حركيته ذهابا وإيابا، فالمثاقفة من منظور الباحث هي انفتاح الغرب على الشرق والشرق على الغرب. وهي أيضا هجرة للثقافات والهويات وتداخلها بحيث يصعب تمييز بعضها عن بعض ونسبتها إلى ثقافة أصل؛ إن تضييق مفهوم المثاقفة وتوظيفه من أجل الحفاظ على مصالح المركزية الغربية واستدامة هيمنتها واستعلائها الثقافي قد أحدث يقظة فكرية، واستجلب انتقادات لاعتبارات عدة أشار خالد أمين من بينها إلى اعتبارين أساسيين: أولا تفترض المثاقفة المسرحية إمكانية عزل العناصر الفرجوية وتمييز الأصيل منها والدخيل ومساهمة كل ثقافة في ثقافة الآخر، ثم ثانيا تتجه المثاقفة المسرحية في عمومها إلى التركيز على حضور العناصر غير الغربية في المسرح الغربي وليس العكس، وهي بذلك تحتفي بإنجازات المسرح الغربي وتقصي في المقابل تجارب المسارح غير الغربية وتفاعلاتها مع المسرح الغربي[6].
إن النظرة المزدوجة التي تبناها الباحث في تناوله لموضوع المثاقفة المسرحية هي محاولة لإعادة بناء المفهوم الذي عرف ” نقاشا حادا مع نهاية القرن العشرين فيما سمي بحرب مسرح المثاقفةThe intercultural theatre wars تمحور بالأساس حول موضوع أنماط وأشكال وأخلاقيات المثاقفة المسرحية “[7]، وارتباطا بردود الأفعال هذه ضد المثاقفة يشير خالد أمين في مقالة له في مجلة المسرح معنونة ب ” المسرح المغربي وسياق ما بعد الاستعمار تحديات الحداثة وأفق التناسج الثقافي” إلى تحليلات الدارسين والمهتمين بقضايا المسرح لفكرة المثاقفة حيث أوضح حسن حنفي أن” المثاقفة التي يوهم الغرب بأنها تعني الحوار الثقافي والتبادل الثقافي، هي في الحقيقة تعني القضاء على الثقافات المحلية من أجل انتشار الثقافة الغربية خارج حدودها وهيمنتها على غيرها”[8].بمعنى أن هذا الانفتاح على ثقافة الآخر كان بدافع نفعي أكثر مما هو قبول بالآخر وانفتاح على ثقافته، بالرغم من التفاعلات وعلاقات التأثير والتأثر التي أحدثها فعل التثاقف.
يظهر لنا أن مفهوم المثاقفة الذي يعني حوار الثقافات والتبادل الثقافي يستوعبه الدكتور خالد أمين ويتجاوزه إلى مفاهيم من قبيل البينية الثقافية والتناسج الثقافي والفضاء الثالث الذي قدمه هومي بابا والذي يجعل من فعل التأثير والتأثر بثقافات الآخر أثرا ثقافيا جديدا يتأسس على الحدود الفاصلة بين ثقافتين، وبذلك لا يخضع لمنطق ثقافة الأصل أو ثقافة التابع، مثلما لا يعلي من ثقافة ويهمش من أخرى. لكن السؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا هو سؤال العلاقة التي تربط المثاقفة المسرحية بحقل دراسات الفرجة؟ ولماذا أثار الدكتور خالد أمين في كتابه مسألة المثاقفة المسرحية؟ إننا نجد الإجابة عن هذين السؤالين في أن المنعطف الفرجوي وظهور الاهتمام المتزايد بالفرجة المسرحية، إنما ترتب عن فعل المثاقفة في المسرح وما رافقه من بحث عن أشكال فرجوية جديدة لبعث الحياة في المسرح وإخراجه من حالة الضيق التي صاحبت المسارح الغربية وغير الغربية.
لقد دشنت المثاقفة المسرحية الخطوات الأولى لانزياح المسرح عن الشعرية الأرسطية، حيث وجهت أنظار المهتمين بالمسرح من مؤلفين ومخرجين ونقاد إلى الأثر الفني للدراما، وإلى الفرجة الحية والمباشرة باعتبارها الشكل المكتمل والمكمّل للفن المسرحي. وبذلك فقد شكلت بداية الثورة على النص الدرامي، وإعادة ترتيب عناصر الفعل المسرحي وأسهمت في بروز ما يسمى بالمنعطف الفرجوي في المسرح.
إن المنعطف الفرجوي في المسرح لا يعني محوا للنص الدرامي أو تعطيلا لفاعليته، وإنما تعميق النظر وإعمال الفكر في ممكنات صناعة الفرجة وتلقيها، وكذلك صياغة حساسيات مسرحية جديدة تمكن من الانخراط في التغيرات التي تشهدها الإنسانية إن على المستوى العالمي أو المجتمعي. وهنا يشير خالد أمين إلى ما يلي: ” ما أسميه بالمنعطف الفرجوي هو انفلات تجريبي آخر يبحث عن طرائق بديلة لصناعة الفرجة وعن منظور جديد لتلقيها، ذلك أن المسرح في نشأة مستمرة، ويتوفر على قابلية داخلية للتجاوز وإعادة البناء انطلاقا من تفاعله مع محيطه والإبستيميات المتحكمة في إنتاجه وترويجه”[9]. إنها دراماتورجيا ركحية جديدة أخذت تشق مسارها عبر التجريب لتؤسس لشعرية الفرجة في المسرح، وهو ما أوضحه الباحث من خلال رصده للدراماتورجيات المغايرة في المسرح العربي في كل من لبنان وتونس والمغرب. إلا أن سؤال النص الدرامي وموقعه في الإنتاجات المسرحية لما بعد الدراما يظل حاضرا في تفكير الباحث، وهو لذلك يؤكد أن النص الدرامي بنية لا محيد عنها في صناعة الفرجة المسرحية إلا أنه لا يتعدى كونه جزءا من عناصر مسرحية أخرى يكون فيها للإخراج والسينوغرافيا وأداء الممثل كلمة الفصل في رسم معالم العرض المسرحي، هذا الأخير يستوعب النص الدرامي ويتجاوزه إلى آفاق فرجوية تتحقق هنا والآن، فالدراما بحسب تعبير الباحث “تناصية بشكل قطعي، طالما أنها تقترن بوسيط آخر هو الوسيط البصري متمثلا في نص الفرجة الحية” [10] وهي تظل غير مكتملة فنيا ودلاليا وتحفز على المشاهدة العينية والإخراج المسرحي.
يتبين لنا مما سبق، أن الرهان الحقيقي لمسرح ما بعد الدراما هو الفرجة المسرحية، وأن التوجهات النقدية الحديثة قد انصبت على دراسة الفرجة وشروط تحققها، وكذلك على استجلاء قيمتها الثقافية والإنسانية، وهو ما سنحاول مقاربته في المحور التالي والذي يحاول الاقتراب من حقل دراسات الفرجة، وإضاءة جوانب مهمة من المشروع النقدي للدكتور خالد أمين والمتمثل في تناسج ثقافات الفرجة.
- دراسات الفرجة ومشروع تناسج ثقافات الفرجة:
لقد أعادت المثاقفة المسرحية إلى الواجهة سؤال المسرح وماهيته، وخلخلت الترتيبات المسرحية التي أسست لها الشعرية الأرسطية. فظهرت الفرجة كمنطلق الفعل المسرحي ومنتهاه، وغدا نص الفرجة نصا مهيمنا وشاملا لكل النصوص التي تكتب للمسرح بدءا من نص الكاتب وانتهاء بنص المتفرج. إن الظرفية المسرحية المعاصرة تشهد انعطافة فرجوية استلزم معها تجنيد آليات الكتابة والإبداع والنقد لمسايرة التغييرات التي تمس المسرح، والبحث عن فاعليات جديدة لمقاربة التوجهات الطارئة مواكبة وتأطيرا ودراسة وتحليلا، و” بنفس قوة هذا المنعطف الفرجوي، برز النقد المسرحي في المغرب والمشرق آنذاك في مستوى الحدث، إذ من خلال الكتاب المؤسس لحقل دراسات الفرجة بالمغرب لأستاذ الأجيال الدكتور حسن المنيعي الموسوم ب”أبحاث في المسرح المغربي” واكب النقد المسرحي المغربي ذلك المنعطف الفرجوي بل أسس لنفسه منعطفا نقديا موازيا يجمع بين مقاربة الإبداع وتوجيه مساراته”[11]. وهذا الجهد الفكري الذي أسس له الدكتور حسن المنيعي قد تواصل في المغرب مع جهود نقاد ومهتمين بحقل الدراسات المسرحية، وفي أعلى القائمة الجهود العلمية للدكتور خالد أمين ومشروعه النقدي. لقد تبلورت الإسهامات العلمية للباحث وطنيا بـتأسيس المركز الدولي لدراسات الفرجة بطنجة الذي يحتضن سنويا مهرجانا دوليا ينعت بمهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية يستقطب مفكرين وباحثين مغاربة وأجانب يشتغلون بحقل دراسات الفرجة، ويلتفون خلال أربعة أيام متتالية من كل سنة لمشاهدة عروض مسرحية والاحتفاء بإصدارات المركز وإنجاز قراءات في كتب وأعمال مسرحية ثم الانشغال بندوات علمية وفكرية تهتم بقضايا الفرجة وما يستجد فيها على المستوى العالمي.
أما المشروع النقدي لخالد أمين فينصب بالأساس على دراسة الفرجة المسرحية، مستفيدا من التراكمات النقدية المتحصلة، ومنشغلا بتحرير الفرجات المسرحية من الخطابات التي تجعل المسرح في دوائر ضيقة تستجيب لطموحات ذاتية متمركزة على جغرافيات معينة وثقافات محددة، داعما بذلك الرؤية الإنسانية والكونية للمسرح التي تجعل منه ومن موضوعاته ومن أداءات الممثل وتعبيراته مشتركا ثقافيا وملكا إنسانيا للعالم دون إقصاء ولا تهميش. فلا أرقى من المسرح في التعبير عن الوجود الإنساني وهو ” الفن الأسمى لتفاعل الثقافات فيما بينها عبر ترويج الإنتاجات العالمية وخصوصا من خلال جسد الممثل الذي يلعب دورا هاما في العمل المسرحي إلى جانب المخرج الذي يتكفل بصناعة الفرجة”[12]. فما هو المشروع النقدي الذي يتبناه خالد أمين وما هي فلسفته وتصوراته الفكرية؟
يقول الدكتور خالد أمين: ” لقد انطلقنا في مشروعنا النقدي منذ ما يزيد عن العشر سنوات من الهجنة المسرحية، وركزنا بالأساس على فرجات التابع وكيفية اختراق النموذج المسرحي الغربي في نفس الوقت الذي يتم فيه استنساخه، أو تبنيه. فهذا الاختراق يشكل في حد ذاته حجر الزاوية لتأسيس الاختلاف المسرحي للتابع. الآن، مفهومنا للهجنة المسرحية أصبح يطرح بعض الالتباسات، لذلك أقبلنا على تجاوزه. لقد تعمدنا اختيار مفهوم آخر وهو تناسج الثقافات المسرحية لإحالته على النسيج والأهم من هذا هو ازدواجية وظيفته التي تعمل على مستويين: 1- كثير من الخيوط الحريرية تلتئم في ضفيرة واحدة، كما تنسج هذه الضفائر بدورها لتشكل قطعة ثوب. 2- بنفس التشابك المعقد، تتناسج الثقافات المسرحية فيما بينها بحيث يصعب عزل عناصر بعينها عن أخرى، ذلك أنها تخضع لمنطق التحول التاريخي، الجمالي والفضائي أيضا، وبالتالي تكون مشرعة على إبداع فضاءات ثالثة”[13].
يرى الدكتور خالد أمين أن العمل المسرحي نسيج يسمح بتداخل وتشابك نصوص متعددة وثقافات مختلفة من أجل بنينة عمل فني ليس بهذا ولا ذاك وإنما يقع في فضاءات بينية منتِجة. لقد استلهم خالد أمين فكرة التناسج، كما يشير إلى ذلك في أحد أعماله، من سوق الغزل المغربي ومن عملية النسيج التي تتم بمواد مختلفة وتقنيات متعددة تفضي إلى منتوج فني موحد تتفاعل مكوناته وتتكامل أجزاؤه في تركيبة واحدة يصعب عزل عناصرها وتمييز بعضها عن بعض. وهو كذلك يحيل على التعريف الجامع المانع الذي وضعه الجاحظ للشعر بقوله “الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير”. ألم يكن المسرح فنا من فنون الشعر؟ وبذلك فمفهوم التناسج الثقافي في صناعة الفرجة المسرحية الذي اختاره الباحث يتجاوز المفاهيم النقدية من قبيل المثاقفة والتثاقف وحوار الثقافات والتبادل الثقافي والهجنة الثقافية التي تظل مفاهيم سطحية تخدم مطامح وسياسات ثقافية. وتلتقي في مقابل ذلك مع المفاهيم من قبيل البينية الثقافية والفضاء الثالث والهويات الهاربة والفكر العابر للحدود وهي مدونة نقدية يوظفها الباحث بالموازاة مع فكرة التناسج الثقافي.
لا تمحي الثقافات المتناسجة الاختلاف، بل يظل هذا الأخير قائما مهما اقتربت المسافات واختزلت المعارف. إن ما يتولد عن التناسج الثقافي هو التجربة الجمالية الجديدة التي قد تصبح مستقبلا واقعا حقيقيا وطبيعيا لمتلقيها، بفعل سيرورات التأثير والتأثر التي يخضع لها الفاعلون في الفرجة والمشاركون فيها، وهو نفس الأمر الذي تؤكده إيريكا فيشر ليشته ” لا يعني تناسج الثقافات داخل الفرجة محو الاختلافات القائمة أو تنميطها. بدلا من ذلك، ونظرا للحالات المتعددة للمابينية […] فالفرجات هي أنسب مواقع حوار الثقافات المختلفة، وتكون النتيجة لهذا اللقاء تناسج ثقافات مغايرة في أفق إنتاج شيء جديد تماما ومختلف. إن حالة المابينية التي ينقل إليها المشاركون تصبح هدفا في حد ذاتها، فما ينظر إليه هنا من حيث هو تجربة جمالية سوف ينتقل إلى الحياة اليومية في المستقبل” [14].
وإذا كان الدكتور خالد أمين قد ألمح إلى مشروعه النقدي في كتاب ” المسرح ودراسات الفرجة” بشكل موجز يتجاوز بسطور قليلة الصفحة الواحدة؛ فإن الفصول والمحاور التي تضمنها الكتاب (إشكالية التسمية فن الأداء/ فرجة، ما بينية دراسات الفرجة، فرجة الحلقة وحلقة تبادل الأثر، الدراماتورجيا الركحية في المسرح العربي المعاصر أو أسئلة ما بعد الدراما، محمد قاوتي ورهانات الاستنبات المسرحي……) قد شكلت أرضية نقدية لتبرير قناعات الباحث واختياره النقدي، الذي لا يقطع الصلة مع المثاقفة المسرحية وإنما يتجاوزها إلى فضاءات نقدية أرحب تدشن لفكرة التناسج الثقافي، هذا الأخير يظل مشروعا نقديا يتطلب ترسانة مفاهيمية وعدة إجرائية تواكب الإبداعات المسرحية وتوجه مساراتها.
المراجع المعتمدة:
- أمين خالد، 2011، المسرح ودراسات الفرجة، طنجة، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة دراسات الفرجة رقم 14.
- أمين خالد، 2022، الطبعة الثالثة، الفن المسرحي وأسطورة الأصل مساحات الصمت، طنجة، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة دراسات الفرجة رقم 69.
- أمين خالد، 2019، المسرح والهويات الهاربة رقص على حد السيف، طنجة، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة دراسات الفرجة رقم 63.
- مجموعة من المؤلفين، 2013، تحولات الفرجة فرجة التحولات، طنجة، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة دراسات الفرجة رقم 21.
- فيشر ليشته إيريكا، ترجمة وتقديم أمين خالد، 2016، طنجة، من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافات الفرجة، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة دراسات الفرجة رقم 42.
- مجلة المسرح، نونبر 2013، دائرة الثقافة والإعلام -إدارة المسرح-، الشارقة.
Margins:
-
خالد أمين، 2011، المسرح ودراسات الفرجة، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة دراسات الفرجة رقم 14، طنجة، ص 12. ↑
-
المرجع نفسه، ص 20. ↑
-
خالد أمين،2019، المسرح والهويات الهاربة رقص على حد السيف، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة دراسات الفرجة رقم 14، طنجة، ص 15. ↑
-
المرجع نفسه، ص 19 ↑
-
خالد أمين، نقلا عن Diana taylor,negotiatingperformance:gender,sexuality, and theatricality، المسرح والهويات الهاربة رقص على حد السيف، ص 19 ↑
-
خالد أمين، 2011، المسرح ودراسات الفرجة، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة دراسات الفرجة رقم 14، طنجة، ص ص 27-28. ↑
-
خالد أمين، المسرح المغربي وسياق ما بعد الاستعمار تحديات الحداثة وأفق التناسج الثقافي، مجلة المسرح، نونبر 2013، دائرة الثقافة والإعلام إدارة المسرح الشارقة، ص 152. ↑
-
المرجع نفسه، ص 153. ↑
-
خالد أمين، 2011، المسرح ودراسات الفرجة، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة دراسات الفرجة رقم 14، طنجة، ص 60. ↑
-
المسرح ودراسات الفرجة، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة دراسات الفرجة رقم 14، طنجة، ص 85. ↑
-
خالد أمين، 2011، المسرح ودراسات الفرجة، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة دراسات الفرجة رقم 14، طنجة، ص 61 ↑
-
خالد أمين، نقلا عن حسن المنيعي، المسرح الحديث، المسرح ودراسات الفرجة، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة دراسات الفرجة رقم 14، طنجة، ص 63. ↑
-
المسرح ودراسات الفرجة، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة دراسات الفرجة رقم 14، طنجة، ص 35. ↑
-
إيريكا فيشر ليشته، ترجمة وتعليق خالد أمين، تناسج الثقافات داخل الفرجة حالات مختلفة للوجود البيني، ضمن مؤلف جماعي تحولات الفرجة فرجة التحولات، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة دراسات الفرجة رقم 21، طنجة، ص 32. ↑