التوسع الحضري بمدينة سلا وأشكال التدخل العمومي

Urban Expansion in the City of Salé and Forms of Public Intervention

يوسف ايت عيسى1، إسماعيل ساسيوي2، عبد النور صديق3

1 طالب بسلك الدكتوراه، تخصص جغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط. المغرب.

2 باحث في ديداكتيك الجغرافيا. المدرسة العليا للأساتذة الرباط. المغرب.

3 أستاذ التعليم العالي بالمدرسة العليا للأساتذة. تخصص جغرافيا. المغرب.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj67/36

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/67/36

المجلد (6) العدد (7). الصفحات: 546 - 553

تاريخ الاستقبال: 2025-06-07 | تاريخ القبول: 2025-06-15 | تاريخ النشر: 2025-07-01

Download PDF

المستخلص: تناقش هذه الدراسة دينامية التوسع الحضري المتسارع بمدينة سلا، وما يرتبط بها من تحديات اجتماعية ومجالية، كالسكن غير اللائق، واختلال توزيع الخدمات، والازدواجية العمرانية. وتروم الوقوف على أشكال التدخل العمومي لمواجهة هذه الإشكالات، من خلال تتبع السياسات التخطيطية والبرامج الوطنية والجهوية والمحلية، التي انخرطت فيها الدولة والسلطات المختصة لتنظيم المجال الحضري وتأهيل المدينة. وبالاستناد إلى التحليل الوثائقي والدراسات السابقة، تستعرض الدراسة ثلاث مراحل زمنية لتطور التخطيط الحضري بالمدينة، وتقيّم فعالية السياسات والبرامج المطبقة، مثل برنامج "مدن بدون صفيح"، وتهيئة ضفتي أبي رقراق، وتصميم التهيئة الموحد. وعلى الرغم من الجهود المبذولة، تكشف النتائج عن استمرار أوجه القصور، كضعف التنسيق، والتأخر في الإنجاز، واستمرار مظاهر الهشاشة المجالية، ما يدعو إلى اعتماد سياسة حضرية متكاملة ومرنة تستوعب التحولات السكانية والمجالية وتحقق التوازن بين التخطيط والتنفيذ.

الكلمات المفتاحية: التوسع الحضري، التخطيط الحضري، التدخل العمومي، برامج التأهيل، مدينة سلا.

Abstract: This study explores the dynamics of rapid urban expansion in the city of Salé and the related social and spatial challenges, including inadequate housing, uneven distribution of services, and urban fragmentation. It aims to examine the forms of public intervention implemented to address these issues, focusing on urban planning policies and national, regional, and local programs initiated by the state and relevant authorities to organize and rehabilitate the urban space. Based on bibliographic analysis and previous studies, the research outlines three chronological phases of urban planning in Salé and evaluates the effectiveness of various policies and programs, such as the "Cities Without Slums" initiative, the development of the Bouregreg riverbanks, and the unified urban development plan. Despite the efforts made, the findings reveal persistent shortcomings such as weak coordination, delays in implementation, and ongoing spatial vulnerability, highlighting the need for an integrated and flexible urban policy that accommodates demographic and spatial transformations while ensuring a balance between planning and execution.

Keywords: Urban expansion, Urban planning, Public intervention, Rehabilitation programs, Salé City.

مقدمة

عرفت مدينة سلا نموا ديمغرافيا غير مسبوق، إذ انتقل عدد سكانها من 77000 نسمة سنة 1960 إلى 945101 نسمة حسب الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، وأصبحت اليوم أكبر مدينة من حيث عدد السكان في جهة الرباط – سلا – القنيطرة. وقد رافق هذه الزيادة السكانية توسع عمراني اتسم في جانب منه بالعشوائية، بحيث ظهرت أحياء سكنية غير مخطط لها، في مقابل مناطق عمرانية مسبقة التخطيط. وفي جانب آخر بضعف انسجام البنية الحضرية، والذي تجسد في مجموعة من المشاريع الكبرى كسلا الجديدة وباب البحر وتكنوبوليس…، والتي تظهر كمناطق معزولة إن لم نقل مفصولة عن المدينة الأم.

هذه الازدواجية في نمط التعمير، وضعف انسجام البنية الحضرية بمدينة سلا، تفرض التساؤل حول واقع التخطيط الحضري بسلا، ودور مختلف البرامج والمشاريع الكبرى المهيكلة في تنظيم الإطار الحضري، وتحقيق التوازن المجالي بين مختلف أجزاء المدينة؟

منهجية الدراسة:

من أجل الإجابة على هذا الطرح الإشكالي، سنعتمد على أسلوب البحث البيبلوغرافي من خلال الاطلاع على الدراسات السابقة والتقارير والمعطيات الرسمية ذات الصلة بالموضوع. وسنتطرق في هذا المقال إلى ثلاثة محاور رئيسية: في المحور الأول، سنستحضر مجموعة من المخططات التي تهدف إلى تنظيم المجال الحضري بمدينة سلا. وفي المحور الثاني، سنسلط الضوء على البرامج والمشاريع الكبرى المهيكلة التي استفادت منها سلا. أما في المحور الثالث والأخير، سنحاول تقييم نجاعة التخطيط الحضري ومختلف المشاريع والبرامج في تأهيل مدينة سلا.

  1. التخطيط الحضري بمدينة سلا

يعرفه “Le Dictionnaire de l’urbanisme et de l’aménagement” بأنه علم أو فن التنظيم المكاني للمنشآت والمباني[1].

التخطيط الحضري هو مجموع الاستراتيجيات التي تتبعها مراكز اتخاذ القرارات لتنمية وتوجيه وضبط نمو وتوسع البيئات الحضرية بحيث يتاح للأنشطة والخدمات الحضرية أفضل توزيع جغرافي وللسكان أكبر الفوائد من هذه الأنشطة الحضرية، وتتضمن الاستراتيجية عادة تصورا لما يمكن أن يحدث، وتبنى مثل هذه التصورات على تنبؤات قائمة على معايير علمية واضحة تمثل النماذج والهياكل النظرية[2].

إنه التكوين النهائي للمساكن والمدارس والشوارع والمصانع والمتاجر وأماكن التسلية والترفيه والعناصر المتعددة للبيئة الحضرية بحيث تكون أكثر عطاء وإنتاجية وملائمة للمجتمع ككل، وتجمع بين الجانب المعماري والتصميم الهندسي والمدني[3].

يمكن القول إن التخطيط الحضري أداة مهمة لرسم سياسة حضرية وفق قواعد قانونية تستجيب لمتطلبات التطور العمراني سواء في الحاضر أو المستقبل، فهو تصور لما يجب أن يكون عليه المجال الحضري من وجهة نظر واضعيه.

شكل رقم 1: مخطط الرباط سلا[4]

باللون الأسود المدينتين العتيقتين الرباط وسلا، باللون الرمادي الاحياء السكنية والصناعية الجديدة

يعتبر ظهير 16 أبريل 1914-زمن الحماية-المتعلق بالتصفيفات وبتصاميم التهيئة، بداية ظهور التخطيط الحضري بالمغرب. وبالنسبة لمدينة سلا، فقد كانت أول محاولة لتخطيط مجالها الحضري هي للمعماري الفرنسي Michel Ecochard بعد الحرب العالمية الثانية، بهدف رسم معالم مدينة عصرية على الضفة المقابلة للعاصمة الرباط، بعد ظهور مجموعة من المشاكل المرتبطة بالسكن غير اللائق، نتيجة النمو السكاني الذي عرفته مدينة سلا، حيث انتقل عدد سكانها من حوالي 12000 نسمة سنة 1900[5] إلى 47000 نسمة سنة 1952. هكذا، بدأ التخطيط لفتح مناطق كبرى للتعمير لبناء عدد من الأحياء والتجزئات السكنية خارج أسوار المدينة العتيقة، وهي أحياء بطانة، ببنيير وتابريكت. إضافة إلى هذه المناطق المخصصة للسكن، تم التخطيط لحي صناعي على جانب خط السكة الحديدية في اتجاه مدينة القنيطرة (Port- Lyautey). وبعد الاستقلال، جاءت مجموعة من التصاميم، ومنها:

  • التصميم التوجيهي لسنة 1971، والذي يعد أول تصميم تحصل عليه مدينة سلا، إلا أنه لم تتم المصادقة عليه؛
  • التصميم التوجيهي لتهيئة حاضرتي الرباط سلا المصادق عليه سنة 1995، وقد جاء هذا التصميم في وقت عرفت فيه مدينة سلا توسعا ملحوظا لمجالها الحضري، مع بروز مجموعة من المشاكل المرتبطة بالتوسع الحضري، وعلى رأسها تفاقم وضعية السكن غير اللائق والمتمثلة في مجموعة من أحياء دور الصفيح المنتشرة في جل مقاطعات المدينة، هذا إلى جانب الخصاص المسجل على مستوى الخدمات والمرافق العمومية. وبالتالي كان لابد من وثيقة تعميرية بغية التحكم في التوسع العمراني، وتوفير السكن لأصحاب الدخل المحدود من خلال البرامج الحكومية وعلى رأسها مشروع سلا الجديدة في مقاطعة احصين، إلى جانب تحسين نظام النقل والحفاظ على التراث المعماري؛
  • تصميم التهيئة الموحد لمدينة سلا، ويعتبر أول تصميم تهيئة موحد على الصعيد الوطني، وقد صدر سنة 2018 بالجريدة الرسمية. جاء هذا التصميم من أجل معالجة مجموعة من الاختلالات، ومن أبرزها؛ تفاقم حدة التمايز المجالي والاجتماعي بين أحياء المدينة في ظل استمرار وجود أحياء من دور الصفيح، إضافة إلى التوزيع غير المتكافئ للتجهيزات الأساسية، وتدهور الإطار المبني في عدة أحياء، خاصة في المدينة العتيقة.

هكذا يهدف تصميم التهيئة الموحد لمدينة سلا إلى تطوير الجاذبية الاقتصادية للمدينة وتعزيز خدماتها، وتحقيق الاستدامة البيئية والاندماج الاجتماعي، والتكامل الترابي مع مدن التكتل العمراني للعاصمة الرباط.

2- البرامج

إلى جانب التصاميم، تم تسطير مجموعة من البرامج التي تهدف إلى التنمية المجالية والبشرية ومعالجة مختلف الاختلالات التي تعرفها مدينة سلا، وتنقسم إلى برامج وطنية وبرامج جهوية وأخرى محلية استفادت منها المدينة. وقبل الحديث عن هذه البرامج لا بد من الإشارة إلى عدة تدخلات قامت بها السلطات من أبرزها؛ مشروع “حي السلام” سنة 1975، على مساحة 180 هكتار، وإعادة هيكلة الأحياء غير القانونية مثل: سيدي موسى، قرية أولاد موسى، بطانة والانبعاث.

1-2 البرامج الوطنية:

  • البرنامج الوطني “مدن دون صفيح” (2004-2010)

بحلول سنة 2004، أصبح عدد قاطني أحياء الصفيح بالمغرب يناهز 1650000 نسمة، موزعين على 83 مدينة ومركز حضري، من بينها مدينة سلا. ولمعالجة هذه الإشكالية، جاء البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح” بهدف القضاء على دور الصفيح في أفق سنة 2010. وفي هذا الإطار تم التوقيع على عقد مدينة سلا القاضي بإعلان سلا مدينة بدون صفيح في سنة 2007.

  • البرنامج الوطني لتأهيل المدن

استفادت سلا من هذا البرنامج، من خلال التوقيع على برنامج تأهيلها الحضري (2005-2009)، بغلاف مالي قدره 1,5 مليار درهم، لإنجاز 53 مشروعا مندمجا، تهم التجهيزات الأساسية والاقتصادية والثقافية والرياضية إلى جانب إعادة تأهيل المدينة العتيقة والتجهيزات الجماعية[6].

  • برنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية

بلغ مجموع المشاريع التي تم إنجازها في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في عمالة سلا خلال المرحلتين الأولى (2005-2010) والثانية (2011-2015) وإلى حدود 2017، حوالي 808 مشروعا، باستثمار إجمالي ناهز 819 مليون درهم. وقد وصل عدد المستفيدين من هذه المشاريع 462000 شخص حسب معطيات صادرة عن عمالة سلا، وقد توزعت هذه المشاريع بين برنامج محاربة الإقصاء بالوسط الحضري، وبرنامج محاربة الفقر بالوسط القروي، وبرنامج مكافحة الهشاشة. وخلال المرحلة الثالثة (2019 – 2023) تم إنجاز 736 مشروعا بتكلفة اجمالية تقدر بـحوالي 206 مليون درهم، موزعة على البرامج الأربعة من المرحلة الثالثة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

  • البرنامج الوطني للتطهير ومعالجة المياه العادمة (PNA)

انطلق برنامج التطهير السائل ومعالجة المياه العادمة سنة 2006، ويهم المراكز التي يتم تدبير مصالح التطهير التابعة لها من طرف المكتب الوطني للماء الصالح للشرب أو الوكالات المستقلة. ويهدف إلى تحسين الظروف الصحية والبيئية للمجالات المعنية، من خلال تأهيل وتوسيع شبكة التطهير، وإنجاز محطات لمعالجة المياه العادمة وإعادة استخدامها.

في هذا الصدد، قامت شركة “ريضال” الموكل لها تدبير خدمات توزيع الكهرباء والماء الشروب والتطهير السائل بتكتل الرباط – سلا – تمارة ببناء محطة المعالجة القبلية للمياه العادمة في إطار برنامج تطهير الساحل الأطلسي الخاص بمدينة سلا والضفة اليمنى لنهر أبي رقراق.

  • البرنامج الوطني للنفايات المنزلية

هو برنامج وطني من ثلاث مراحل، يهدف إلى تحسين نظام الحكامة الخاص بقطاع النفايات المنزلية، من خلال استحضار الأبعاد البيئية والاجتماعية وحتى الاقتصادية. من خلال الرفع من عملية جمع ومعالجة النفايات المنزلية، وتهيئة المطارح العمومية، وتطوير منظومة إعادة تدوير وتثمين النفايات المنزلية.

  • الاستراتيجية الوطنية للتنقلات الحضرية

الاستراتيجية الوطنية للتنقلات الحضرية خطة قامت بإعدادها وزارة الداخلية، وتمت المصادقة عليها في سنة 2008، وتهدف إلى تنظيم النقل الحضري خاصة في شقه العمومي بشكل يضمن لمجموع الساكنة من التنقل بشروط معقولة أساسها الجودة والكلفة المناسبة.

في هذا الإطار تم إعداد المخطط التوجيهي للنقل والتجوال للرباط سلا تمارة، والمساهمة في مشروع ترامواي الرباط سلا، وقد دفع نجاح هذا الأخير إلى بلورة مخطط التنقل الحضري المستدام على مستوى تكتل الرباط – سلا– تمارة، يساير تطور حركة التنقلات نحو تنقل صديق للبيئة، ويلبي الطلب المتزايد على النقل لساكنة التكتل الحضري الرباط – سلا – تمارة، ويساهم بشكل فعال في تحقيق التنمية بشتى صورها.

2-2 البرامج الجهوية والمحلية

  • برنامج تهيئة حوض ضفتي أبي رقراق

يعتبر برنامج تهيئة حوض ضفتي أبي رقراق الذي تم الإعلان عنه في ماي سنة 2004، مشروعا مندمجا هدفه رد الاعتبار لمنطقة تاريخية تضم مراكز حضرية ضاربة في القدم، وهي اليوم تشكل القلب النابض للمملكة، على اعتبار مكانتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

يهدف هذا البرنامج إلى تهيئة وتطوير المجال الممتد من مصب واد أبي رقراق إلى غاية سد سيدي محمد بن عبد الله، وذلك من خلال إقامة مجالات للتنمية السياحية والتنشيط الثقافي والترفيه، وتثمين الموروث الحضاري من خلال عمليات التنقيب الأركيولوجي في موقع شالة التاريخي، وإعادة تهيئة المقالع وحي الفخارين بالولجة بسلا، إلى جانب رد الاعتبار للمجال الطبيعي وذلك عبر عمليات تهم تطهير واد أبي رقراق والقضاء على المطارح العشوائية على ضفافه (عكراش بالرباط، والولجة بسلا). وبناء مجموعة من القناطر التي تربط بين مدينتي الرباط وسلا، وإنجاز مشروع ترامواي الرباط – سلا، كل هذا سيساهم في خلق تنمية مجالية مندمجة، سيما ونحن نتحدث عن مجال مركزي ينسج علاقات عديدة مع محيطه الجهوي والوطني والدولي.

  • برنامج تكنوبوليس

يمتد هذا المشروع على مساحة 300 هكتار، ويمكن اعتباره منصة اقتصادية وتكنولوجية خدماتية في قلب التكتل الحضري الرباط – سلا – تمارة. وبالنظر إلى العناية الممنوحة لهذا البرنامج من طرف الأجهزة الحكومية، وما يتوفر عليه من شروط الاقتصاد القائم على الصناعة والخدمات والمعرفة، استطاع هذا المشروع أن يستقطب مجموعة من الشركات العالمية والمؤسسات الجامعية، وهذا ما ساهم في الرفع من جاذبية مدينة سلا، وبخاصة سلا الجديدة التي استقرار فيها جزء من العاملين في تكنوبوليس.

  • ترامواي الرباط – سلا

يعتبر هذا المشروع نظاما للنقل السككي يخدم العاصمة الرباط ومحيطها، وهو واحد من المشاريع التي جاءت في إطار برنامج تهيئة حوض ضفتي أبي رقراق. ويهدف إلى تلبية الطلب المتزايد على خدمات النقل العمومي وتسهيل الربط بين مدينتي الرباط وسلا عبر اعتماد وسائل للنقل تحترم البيئة في إطار النقل الحضري المستدام وتضمن شروط السلامة.

تغطي شبكة ترامواي الرباط سلا أهم الأقطاب الحضرية بالتكتل (مركزا المدينتين، أهم المحطات الطرقية والسككية، الأحياء الجامعية، المستشفيات، الإدارات). ولا تزال الدراسات جارية لتمديد خطوط الترامواي في اتجاه تمارة.

  • برنامج التأهيل الحضري المندمج للمدينة 2014-2016

يندرج هذا البرنامج ضمن برامج التأهيل الحضري لمدن المملكة، ويروم تحقيق مجموعة من الأهداف، من بينها العناية بالنسيج الحضري التقليدي من خلال تأهيل المدينة العتيقة وترميم المعالم العمرانية ذات البعد التاريخي، وتطوير البنيات التحتية من طرق وشبكات الماء والكهرباء، بالإضافة إلى المرافق العمومية، وتأهيل قطاع التجارة والخدمات من خلال دعم ومواكبة الحرف التقليدية. وقد رصدت لبرنامج التأهيل الحضري المندمج لمدينة سلا اعتمادات مالية بقيمة 1,038 مليار درهم.

  • برنامج تأهيل وتثمين المدينة العتيقة 2019-2023

يأتي هذا البرنامج في إطار إعادة تأهيل النسيج العمراني لمدن المملكة، وتفعيلا لبرنامج عمل جماعة سلا، واستكمالا لبرنامج تأهيل المدينة العتيقة 2014 – 2016. ويهدف هذا البرنامج الذي رصدت له اعتمادات مالية بقيمة 900 مليون درهم، الحفاظ على هوية المدينة العتيقة ومعالمها الأصيلة، وتأهيل وإعادة الاعتبار لنسيجها العتيق، وإدماجها في منظومة تنموية تهدف إلى تثمين تراثها المادي واللامادي.

ويتوزع البرنامج على أربعة محاور:

  • تأهيل البنية التحتية وتحسين السير والجولان؛
  • ترميم وتأهيل الموروث التاريخي؛
  • تعزيز الولوج للخدمات الاجتماعية؛
  • تقوية الجاذبية الاقتصادية والسياحية.

3- التخطيط الحضري وسياسة البرامج بمدينة سلا وسؤال الفاعلية:

من خلال تتبع التوسع الحضري الذي عرفته مدينة سلا وما يرتبط به من حيث التخطيط الحضري وسياسة البرامج يمكن التمييز بين ثلاث مراحل رئيسية:

  • المرحلة الأولى وتمتد من مجيء الحماية إلى غاية الاستقلال، في البداية لم تستفد مدينة سلا من تصميم التهيئة كنظيرتها الرباط التي تحولت إلى عاصمة المغرب، ونالت بالتالي حظا أوفر من اهتمام المستعمر. لكن أمام ظهور المشاكل المرتبطة بالسكن غير اللائق، كان لا بد من التدخل لتنظيم التوسع العمراني للمدينة من خلال تصميم إيكوشار.
  • المرحلة الثانية ما بعد الاستقلال إلى نهاية الثمانينات، وتميزت هذه المرحلة عموما بضعف الاعتماد على أليات التخطيط الحضري من تصاميم ووثائق تعمير، والاقتصار على مشاريع وعمليات استعجالية، ما يعكس غياب النظرة الاستشرافية والشمولية في التعاطي مع التوسع الحضري لمدينة سلا، وهذا ما أفرز في النهاية أزمة مركبة ظاهرها السكن غير اللائق وما يرافقه من ظواهر سلبية، وجوهرها ضعف التنمية المحلية.
  • المرحلة الثالثة التي بدأت منذ أوائل عقد التسعينات، وقد عرف هذا العقد محاولات جادة من أجل بلورة سياسة حضرية جديدة أساسها التخطيط الحضري القائم على وثائق التعمير، خاصة وأنه في سنة 1992 تم إصدار قانون التعمير رقم 12.90، إلى جانب المصادقة على التصميم التوجيهي لتهيئة حاضرة الرباط سلا، وإنجاز مشروع سلا الجديدة. ومع بداية الألفية الثالثة، ستعرف مدينة سلا دينامية قوية من خلال إطلاق مجموعة من المشاريع وبرامج التأهيل الحضري كمشروع “تهيئة حوض ضفتي واد أبي رقراق” وبرنامج “مدن بدون صفيح و”التأهيل الحضري المندمج لمدينة سلا”، وصولا إلى وضع “تصميم التهيئة الموحد لجماعة سلا” سنة 2018.

وما يمكن تسجيله، أنه على الرغم من هذه الدينامية في وضع تصاميم التهيئة وإطلاق المشاريع التي تهم تنظيم المجال الحضري والتأهيل الحضري للمدينة – والتي لا أحد ينكر وقعها الإيجابي على جودة الحياة الحضرية من خلال التحسن الملاحظ في مجموعة من المؤشرات [7] – إلا أنها لم تنجح في معالجة مجموعة من الاختلالات، والتي نوردها كالتالي:

  • حسب “عقد مدينة سلا”، كان إعلان سلا مدينة بدون صفيح سنة 2007 التزاما، وهذا ما لم يتحقق، فقد انتقل عدد الأسر القاطنة في دور الصفيح من 8960 أسرة حسب إحصاء 1992 إلى 11240 أسرة سنة 2020 موزعة على 22 حي صفيحي[8]. وفي 2 ماي 2023، تم الإعلان عن 60 مدينة بدون صفيح وذلك في إطار البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح” من طرف وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلس المستشارين، حيث أوضحت أن 56 % من الأسر المتبقية المعنية ببرنامج مدن بدون صفيح تتمركز بكل من الدار البيضاء، وسلا، والصخيرات، وتمارة، ومراكش، وكرسيف، والعرائش.
  • أشار المجلس الاعلى للحسابات في تقريره السنوي لعام 2021 إلى أن “وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق شهدت اختلالات أثرت في تنفيذ المشاريع التي برمجت خصوصا في السنوات الأخيرة، وانحازت عن الأهداف المسطرة لها بسبب سوء التدبير والتسيير”، وفي هذا الصدد سجل التقرير مجموعة من الملاحظات، من أبرزها: قصور النموذج الاقتصادي والمالي للوكالة وهو ما نتج عنه عجز في تمويل المشاريع المبرمجة، إضافة إلى غياب استراتيجية واضحة تهم إحداث واقتناء أو حل الشركات التابعة. وعلى مستوى التنظيم الداخلي للوكالة، كشف التقرير عن غياب هيكل تنظيمي رسمي، فضلا عن تعاقب العديد من المسؤولين على تسيير أقطاب ومديريات الوكالة خلال فترات وجيزة، مما أثر سلبا على أداء الموارد البشرية واستقرار فرق العمل. وفيما يخص حصيلة إنجاز المشاريع المدرجة في عقد البرنامج الثاني 2014-2018، فقد أشار التقرير إلى أنها تبقى ضعيفة، حيث بلغت نسبة التقدم الإجمالي للبرنامج 58 % نهاية سنة 2020، مع تسجيل ضعف الإنجازات على مستوى المكون المتعلق بتثمين وحماية ضفتي أبي رقراق من مخاطر التوسع الحضري غير المقنن، وكذا المكون المتعلق باقتناء الأراضي في الجزء الثالث والرابع من منطقة التهيئة، فيما يظل المكون المتعلق بإنهاء التهيئة بالجزأين الأول والثاني غير مكتمل، بمعدل تقدم إجمالي بلغ 76 %.
  • التأخر الحاصل في إنجاز بعض البرامج، وكمثال على ذلك برنامج تهيئة وتأهيل المدينة العتيقة لسلا، وهذا ما دفع بولاية الرباط- سلا – القنيطرة سنة 2022 إلى تنبيه الجهات الوصية على المشروع إلى ضرورة التعجيل بإنجاز المشاريع المبرمجة في إطار تهيئة وتأهيل المدينة العتيقة لسلا.

خاتمة:

شهدت مدينة سلا جهودا حثيثة في مجال التخطيط الحضري منذ فترة الحماية، وذلك بهدف مواكبة التوسع الحضري المتسارع الذي تشهده. ومع ذلك، فإن وتيرة تنفيذ المخططات من تصاميم وبرامج لا تزال تواجه تحديات كثيرة، وهذا ما يستوجب بلورة سياسة حضرية متكاملة وذلك من خلال:

  • إعداد مخططات حضرية مرنة وقابلة للتكيف، تسمح بالاستجابة السريعة للتغيرات والاحتياجات المتزايدة للسكن والتجهيزات الأساسية والخدمات.
  • استحضار التنوع الطبيعي والبيئي، فإلى جانب المناطق الحضرية عالية الكثافة، تضم سلا مناطق ساحلية وأخرى غابوية، مما يتطلب تخطيطا شاملا.
  • توسيع المجال الترابي لمدينة سلا في إطار سلا الكبرى لاستغلال الفرص التنموية التي يوفرها الموقع الاستراتيجي للمدينة كقطب حضري مهم في قلب المتروبول الأوسط.
  • مراعاة التكامل مع الأقطاب الحضرية المجاورة، وخاصة الرباط، في إطار الوحدة المجالية.

قائمة المراجع:

باللغة العربية:

  • التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات لسنة 2021.
  • زين العابدين علي صفر (2014)، معجم مصطلحات التخطيط العمراني انجليزي عربي، مكتبة دجلة للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد، الطبعة الأولى.
  • صبري فارس الهيتي (2012)، التخطيط الحضري، دار اليازوري العلمية، الطبعة الأولى.
  • عز المغرب معنينو (2017)، سلا المدينة المقفلة الانفتاح الحذر على الغرب من القصف إلى الاحتلال 1851-1912، مطابع الرباط نت.
  • محمد بهضوض، 2012، تحديات المدينة في المغرب: سلا نموذجا، دار الأمان.
  • نعيمة قجا & محمد أزهار & مصطفى يحياوي، 2023، تقييم برنامج “مدن بدون صفيح” بسلا من منظور العدالة المجالية، ورد في: رشيدة نافع، عبد الحميد ابن الفاروق، الطيب بومعزة، مصطفى وادريم، عبد المجيد السامي (إشراف)، “الجغرافيا، المجتمعات والتنمية الترابية المستدامة”، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية.

باللغة الفرنسية:

  • Pierre M.& Françoise C., 1988, Dictionnaire de l’urbanisme et de l’aménagement, Université Sidi Mohamed Ben Abdellah, Presses Universitaires de France, 1988, Grands dictionnaires, Paris.
  • www.archnet.org.

Margins:

  1. Pierre M.& Françoise C., 1988, Dictionnaire de l’urbanisme et de l’aménagement, Université Sidi Mohamed Ben Abdellah, Presses Universitaires de France, 1988, Grands dictionnaires, Paris, p 797.

  2. الهيتي صبري فارس (2012)، التخطيط الحضري، دار اليازوري العلمية، الطبعة الأولى، ص 14.

  3. زين العابدين علي صفر (2014)، معجم مصطلحات التخطيط العمراني انجليزي عربي، مكتبة دجلة للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد، الطبعة الأولى، ص 337.

  4. عن الموقع الالكتروني www.archnet.org، تاريخ الاطلاع عليه 05/03/2025.

  5. عز المغرب معنينو (2017)، سلا المدينة المقفلة الانفتاح الحذر على الغرب من القصف إلى الاحتلال 1851-1912، مطابع الرباط نت، ص ص 55.

  6. محمد بهضوض، 2012، تحديات المدينة في المغرب: سلا نموذجا، دار الأمان، ص ص 145-146.

  7. البعد الاقتصادي: ويتمثل في مجموعة من المشاريع التي تهم بشكل خاص قطاع الخدمات والسياحة، مثال: تكنويوليس ومشروع تهيئة ضفتي وادي أبي رقراق، مما مكن من خلق فرص عمل كثيرة.

    البعد الاجتماعي: تم الاهتمام بإحداث مجموعة من المرافق العمومية من ساحات خضراء وملاعب للقرب وإعادة تأهيل وهيكلة مجموعة من الأسواق العشوائية كسوق الصالحين.

    البعد الثقافي: إعادة الاعتبار للمدينة العتيقة، من خلال ترميم أبرز معالمها التاريخية.

    البعد البيئي: في هذا الجانب، تم القضاء على بعض المطارح العشوائية (مثل الولجة)، وإقامة مطرح مركزي مراقب هو مطرح (أم عزة) شرق مدينة الرباط، والذي يعالج قرابة 850 ألف طن من النفايات سنويا قادمة من 17 جماعة بكل من الرباط وسلا وتمارة.

  8. نعيمة قجا & محمد أزهار & مصطفى يحياوي، 2023، تقييم برنامج “مدن بدون صفيح” بسلا من منظور العدالة المجالية، ورد في: رشيدة نافع، عبد الحميد ابن الفاروق، الطيب بومعزة، مصطفى وادريم، عبد المجيد السامي (إشراف)، “الجغرافيا، المجتمعات والتنمية الترابية المستدامة”، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، ص 156.