التضامن الجزائري مع المقاومة الليبية ضد الغزو الإيطالي لليبيا (1911-1938)

د . محمد خليفة محمد سعد1

1 الهيئة الليبية للبحث العلمي، ليبيا.

بريد الكتروني: mokhmosd@gmail.com

HNSJ, 2024, 5(3); https://doi.org/10.53796/hnsj53/19

Download

تاريخ النشر: 01/03/2024م تاريخ القبول: 20/02/2024م

المستخلص

لقد أسهمت الكثير من الشعوب العربية والإسلامية في دعم وتأييد حركة المقاومة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي؛ نظرا لما تعرض له الشعب الليبي من فظائع ارتكبها الإيطاليون في حقه .

إن ما حصل عليه الليبيون من الدعم المادي والمعنوي من إخوانهم العرب والمسلمين خير دليل على قيم الإنسانية التي تم تعلمها من الدين الإسلامي ، الذي حض على نصرة المظلوم ، وهناك العديد من الأدلة في القرآن والسنة النبوية تدلل على ذلك .

وقد تنوعت أشكال الدعم المقدم للشعب الليبي ، فهناك من دعم بالمال ، وهناك من دعم بالتموين والغذاء ، وهناك من انضم إلى معسكرات المجاهدين المنتشرين في بقاع الأرض الليبية ، بالإضافة إلى المواقف المؤيدة لمقاومة الشعب الليبي من خلال المظاهرات والمؤتمرات التي أقيمت في الكثير من البلاد العربية والإسلامية تم من خلالها المطالبة بدعم الشعب الليبي في الدفاع عن أرضه .

وموقف الشعب الجزائري الجار الشقيق، والذي تذوق من الاستعمار الفرنسي الأمرين ، كان إيجابيا في دعم مقاومة الاستعمار الإيطالي في ليبيا ، لذلك تضامن ماديا ومعنويا مع إخوانهم الليبيين، وقد برزت العديد من الشخصيات الجزائرية، وكان لها أثرا ملموسا في الجهاد ضد المستمر الإيطالي في ليبيا ، ومن هذه الشخصيات على سبيل المثال لا الحصر مصطفى عوني التفرواي، والشيخ عبد الحميد بن باديس .

Research title

Algerian solidarity with the Libyan resistance against the Italian invasion of Libya (1911-1938)

MOHAMMED KHAIFA MOHAMMED SAAD1

1 Libyan Authority for Scientific Research, Libya. Email: mokhmosd@gmail.com

HNSJ, 2024, 5(3); https://doi.org/10.53796/hnsj53/19

Published at 01/03/2024 Accepted at 20/02/2024

Abstract

Many Arab and Islamic peoples have contributed to and supported the Libyan resistance movement against Italian colonialism. Given the atrocities committed by the Italians against the Libyan people.

The material and moral support that the Libyans received from their Arab and Muslim brothers is the best evidence of the values of humanity that were learned from the Islamic religion, which called for supporting the oppressed, and there is many evidence in the Qur’an and the Sunnah of the Prophet that prove this.

The forms of support provided to the Libyan people were varied. There were those who supported them with money, there were those who supported them with supplies and food, and there were those who joined the camps of the Mujahideen spread throughout the Libyan land, in addition to the positions in support of the resistance of the Libyan people through the demonstrations and conferences that were held in many Arab and Islamic countries. Through it, the support of the Libyan people in defending their land was called for.

The position of the Algerian people, the brotherly neighbour, who had experienced both French colonialism, was positive in supporting the resistance to Italian colonialism in Libya. Therefore, they showed material and moral solidarity with their Libyan brothers, and many Algerian figures emerged and had a tangible impact in the jihad against the Italian continuation in Libya. These figures include, but are not limited to, Mustafa Aouni Al-Tafrawi and Sheikh Abdelhamid Ben Badis.

مشكلة البحث :

تكمن مشكلة البحث في الإجابة على التساؤلات التالية :

ماهي صور التضامن الجزائري مع مقاومة الليبيين للاستعمار الإيطالي ؟

ما هو الدور الذي لعبة بعض الجزائريين في الجهاد الليبي ضد هذا الاستعمار ؟

أهمية البحث :

تكمن أهمية البحث في دراسة موضوعا هاما من تاريخ ليبيا الحديث خلال الفترة من (1911-1938)م، وهو الدور الذي لعبته الجزائر في مقاومة الاستعمار الإيطالي لليبيا، كنموذج لمساندة العرب لبعضهم البعض في مقاومة الاستعمار الغربي مما اجبره على منح تلك البلاد استقلالها .

أهداف البحث :

يسعى الباحث من خلال هذا البحث إلى التعرف على صور التضامن المادي والمعنوي مع مقاومة الليبيين للاستعمار الإيطالي، ودور كل من مصطفى عوني التفراوي، والشيخ عبد الحميد بن باديس في كفاح الشعب الليبي ضد الاستعمار الإيطالي .

منهج البحث :

تمت الاستعانة بالمنهج التاريخي الذي يقوم على دراسة ظاهرة أو مشكلة أو أحداث وقعت في الماضي ، يتطلب جمع بيانات تاريخية من خلال الوثائق والمصادر والدراسات السابقة ، ثم يولد منها نتائج حول موضوع البحث .

خطة البحث :

أولاً: صور التضامن الجزائري  مع مقاومة الليبيين للاستعمار الإيطالي.

أ. التضامن المادي .

ب. التضامن العضوي .

ثانياً: دور الجزائريين في الجهاد الليبي :

أ. مصطفى عوني التفراوي ودوره في الجهاد الليبي.

ب. الشيخ عبد الحميد بن باديس ودوره في كفاح الشعب الليبي ضد الاحتلال الإيطالي.

أولاً: صور التضامن الجزائري :

كانت ولاية طرابلس الغرب وبرقة إحدى ولايات الدولة العثمانية الإسلامية في  منطقة المغرب العربي، وعندما وقع الغزو الإيطالي عليها عام 1911م اعتبر الجزائريون أن ذلك الاعتداء هو اعتداء صريح على قطر عربي إسلامي شقيق فاتحدت مشاعرهم تجاه أشقائهم الليبيين، وكانت ردود أفعالهم تجاه الغزو عنيفة جداً بسبب صلاتهم التاريخية بالليبيين، وأعربوا في أشكال متعددة عن شعور المرارة والغضب ضد الإيطاليين، وأعلنوا عن مناصرتهم لأشقائهم الليبيين .

لقد أعاد احتلال المدن والقرى والأرياف الليبية من قبل الغزاة الإيطاليين الذين أمعنوا في أهلها قتلاً وتشريداً إلى أذهان الجزائريين ذلك الوضع المأساوي الذي تعرضوا له من جراء الاحتلال الفرنسي لبلادهم، فخلف ذلك الجو المشحون بالحقد على المستعمرين الأوروبيين شعوراً بوحدة الهدف والمصير الذي وصل إليه الإخوة في الجزائر، واعتبر الجزائريون القضية الليبية قضيتهم، فلم يتأخروا عن المشاركة في الدفاع عن التراب الليبي إلى جانب إخوانهم الليبيين، وقدموا كل ما يستطيعون من الدعم المادي والمعنوي للمجاهدين، وللمهاجرين الليبيين الذين تقاطروا على القطر الجزائري الشقيق على مدى ربع قرن من الزمان أو أكثر من ذلك بقليل (1).

وللتدليل على تلك المواقف النبيلة التي وقفها الأشقاء الجزائريون تجاه إخوانهم الليبيين نورد هنا أمثلة متعددة لما أحدثه الاحتلال الإيطالي لطرابلس الغرب وبرقة من صدى كبير لدى الأشقاء الجزائريين في طول البلاد وعرضها، فعلى سبيل المثال لا الحصر شارك الأشقاء الجزائريون منذ الأشهر الأولى لبدء القتال بين الليبيين والإيطاليين في المعارك الحربية وقاوموا جنباً إلى جنب مع أشقائهم الليبيين والقادة والجنود الأتراك جحافل الغزاة الإيطاليين.

كما عبر الجزائريون المقيمون بطرابلس – ساعة وقوع الغزو الإيطالي عن استيائهم الشديد للأعمال المروعة التي قام بها الجنود الطليان بحق الطرابلسيين الذين دمرت، وخربت منازلهم، ونهبت قطعان مواشيهم فأصبحت حياتهم صعبة بسبب شح الموارد المعيشية والغلاء الفاحش في الأسعار. وتقدموا بشكاوى إلى وزارة الخارجية الفرنسية يوم 21 فبراير 1912م.

ويصعب في مثل هذه الدراسة حصر المتطوعين الجزائريين إلى جانب أشقائهم الليبيين في مقاومتهم للاحتلال الإيطالي، إلا أن بعضاً من الدراسات الحديثة قد أشارت إلى بعض أولئك المتطوعين من أمثال مصطفى عوني الجزائري والإخوة محـمد ومولاي وعلي ابن حميدة بن خير، وقاسم أبو خطوة، وأبناء ابن جلول، وأبناء عائلة جبارة، وابن شهرة بن ناصر … وغيرهم كثيرون من أبناء الشرق الجزائري وجنوبه.

أما في المدن الجزائرية – وخاصة الجزائر العاصمة – فقد تجمع الناس في ساحة الحكومة حول محلات بيع الصحف لمتابعة أخبار المقاومة الوطنية والتنديد بالغزو أمام القنصلية الإيطالية، وألصقوا الكتابات على الجدران تأييدا للمجاهدين الطرابلسيين، ونادوا بمقاطعة الإيطاليين، كما دعوا إلى جمع الأموال لتقديمها  للمجاهدين)(2).

كما تناولت الصحف الجزائرية أخبار حركة المقاومة الوطنية التي أبداها المجاهدون الليبيون في أعقاب التوقيع على معاهدة الصلح بين إيطاليا وتركيا في أكتوبر 1912م، وأعجب الجزائريون بعدم توقف حركة المقاومة المسلحة واستمرارها تحت قيادة المجاهدين الطرابلسيين من أمثال سليمان الباروني، واستنكروا على الدولة العثمانية توقيع المعاهدة مع إيطاليا في الوقت الذي كانت فيه المعارك لصالح المجاهدين، ويمكننا ذكر بعض الصحف الجزائرية التي اهتمت بنشر أخبار المجاهدين كجريدة وادي مزاب لصاحبها أبو اليقظان، وجريدة الأمة وصحيفة المرصاد وصحيفة الشهاب، والنجاح وغيرها)(3) .

أما مواقف الحركة الأدبية الجزائرية من قضية الغزو الإيطالي لولاية طرابلس الغرب، فإن الكثيرين من الكتاب والأدباء والشعراء قد تناولوها ولعل أشهرهم عمر بن قدور الذي اتخذ من بطولات مجاهدي طرابلس الغرب رمزاً يجب أن يحتذى، وكذلك الشاعر الجزائري الفحل محمد العيد آل خليفة الذي أشاد في أشعاره ببطولة الشعب الطرابلسي وقادته، والأستاذ أحمد توفيق المدني الذي تحدث عن الغزو في يومه الأول… وغيرهم كثير )(4).

وإجمالاً فإن كثيراً من الجزائريين اعتبروا الاحتلال الإيطالي لطرابلس الغرب وبرقة بمثابة فصم العلاقات والصلات الحضارية، وقطع الروابط الثقافية مع بلاد المشرق العربي، وإحكام للستار الحديدي الذي ضربته فرنسا حولهم لتحول دونهم ودون الاتصال بأشقائهم العرب الآخرين(5).

وهكذا كان موقف الجزائريين من قتال الليبيين وجهادهم ضد الاحتلال الإيطالي موقفاً مشرفاً وداعما ومؤيداً ومشاركاً لليبيين ليس من أجل مكاسب سياسية أو اقتصادية وليس قتالا يتخذ طابع التعصب الأعمى، وإنما هو ثورة من أجل العقيدة وغيرة وطنية وحماية للأهل والعرض والأرض.

1. التضامن المادي :

حرص الفرنسيون على عزل الجزائر عما كان يجري في ليبيا إبان الغزو الإيطالي، وعليه أصر الجزائريون على الإسهام في الجانب المادي للتضامن العربي سراً،  إذ كان شعورهم تجاه المجاهدين الليبيين مليئاً بالحسرة والحماس والرغبة في معاضدتهم لتجربتهم للاستعمار ومعاناته منذ مدة طويلة، حيث إن الجزائر تعرضت للاستعمار سنة 1830م. 

لذلك شكلت لجان لجمع التبرعات، وجهزت قوافل الإمداد التي جاءت إلى تونس وبن قردان وغدامس، ونقلت منها إلى مراكز المقاومة بواسطة الإبل، وقد قدرت السلع التي أرسلت إلى الليبيين بحوالي 5225 فرنكا فرنسياً، وذلك في المرة الواحدة،  واستمر الدعم متواصلا فيما بعد، إذ كانت القوافل تشق طريقها عبر الصحراء مروراً بليزا والزاوية الكحلة[1](*) إحدى الواحات الجزائرية حتى تصل إلى بني وليد[2](**) ، ثم تصل إلى العزيزية جنوب طرابلس، مقر قيادة المجاهدين، وعبر هذه المسافة  الطويلة كان المرافقون لقوافل التموين هذه يتعرضون إلى المطاردة، إذ لقي بعضهم حتفه أثناء السفر، وقد توفى في رحلة واحدة 12 رجلا بعد أن تاهوا في الصحراء وانقطعت بهم السبل وفقدوا الماء والمرشد، وهي طبيعة الصحراء لما تسببه من كوارث للذين يسيرون عبر مسالكها المتغيرة بسبب الرياح التي تهب أحياناً فتغطيها بالرمال .

وكان خليفة خالد أحد الضباط الليبيين الذين عادوا من تركيا عن طريق الجزائر للإسهام في المقاومة وجد عند مروره بها حملات التبرع لصالح المجاهدين قد بدأت برئاسة بن جلون، أحد الصحفيين المعروفين بالجزائر حينذاك(6).

والسيد على بن جبارة، وشقيقة أحمد بن جبارة وشاهد بنفسه بن جلون وهو يخطب في الناس، ويحرضهم على التبرع لصالح المقاومة الليبية، وما إن انتهى من خطابه الحماسي والمؤثر حتى انهال المتبرعون حسب قوله من رجال ونساء يتبرعون بما لديهم، كما شاهد بعض النسوة يتبرعن بحليهن إسوة بالرجال .

ولما كانت الجزائر متاخمة للحدود الليبية، فلم يقتصر دعمها المادي لليبيين على المرحلة الأولى ولا على المبلغ الذي تم ذكره، بل تواصل في المراحل اللاحقة وبطرق  سرية أو تجارية بعيداً عن أعين حراس الحدود من الفرنسيين، كما لجأ عدد كبير من المهاجرون الرافضون للاحتلال إليها عبر الصحراء، وقد تعرض عدد كبير منهم إلى الموت بسبب العطش(7) . ويمكن القول إن موقف الشعب الجزائري في الجانب المادي كان ضعيفا ؛ وذلك بسبب الأوضاع المعيشية، ومنع الفرنسيين الشباب من التحرك بحرية في دعم المقاومة الليبية؛ لذلك كان الدعم يصل إلى المجاهدين عن طريق التهريب وعلى كل فقد أدى الدعم إلى التضامن وعبر عن شعور الجزائريين بأشقائهم.

2. التضامن المعنوي :

من المعروف أن الجزائر كانت مستعمرة فرنسية ونظراً لامتداد المقاومة الوطنية فيها، وتواصلها مدة طويلة فقد كان الفرنسيون يخشون كل حركة قد تقوم في الجزائر ويعملون على إفشالها ؛ لذلك كان تحرك الجزائريين صعبا بسبب تخوف الفرنسيين منهم )(8) .

وما دامت الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي عند بداية الغزو الإيطالي لليبيا فإن فرنسا حرصت على عدم إثارة أخبار هذا الغزو بين الجزائريين، ورغم ذلك فإنها كانت تأتي تباعا، وأثارت انتباههم واهتمت صحف شباب (الانتلجنسيا) المثقفة بها بذلك، وقاموا أنفسهم بحملات جمع التبرعات لدعم المقاومة الليبية، كما تصدوا للإيطاليين الذين كانوا يقطنون في شرق الجزائر وفي الجزائر العاصمة، وبعض المدن الأخرى مثل بجاية وعنابه، وقد اندهش الفرنسيون من تجمع المواطنين حول أماكن بيع الصحف لمشاهدة صور ومظاهر الحرب الليبية الإيطالية وانشغالهم بسماع أحداثها، إذ كانوا يتابعون باهتمام كبير، وبالمثل كان الإيطاليون يهتمون بقراءة الصحف، فخشي المسئولون الفرنسيون من حدوث صدام بينهم وبين الوطنيين الجزائريين فتم أخذ الاحتياطات اللازمة لذلك حتى لا يحدث كما حدث في تونس أثناء مظاهرة مقبرة الزلاج في نوفمبر سنة 1911م[3](*).

ورغم ذلك فقد قام أحد الجزائريين بوضع ملصقات على الجدران للإشادة بالمقاومة الليبية ضد الغزو الإيطالي، ولكن الشرطة أزالتها بسرعة، كما علق مجهول آخر منشورات على جدران ساحة الحكومة وفي شجرة أمام المسجد الموجود في نهج البحرية، وذلك في 12 نوفمبر 1911م، وتضمنت الملصقات المعنية الدعوة إلى مقاطعة البضائع الإيطالية، ودعت إلى المظاهرات والاحتجاجات (9) .

وعلى ضوء الحملة التي قام بها الشبّان الجزائريون لجمع التبرعات فقد حرصت الإدارة الفرنسية بالبلاد على مراقبتها والحد من نشاطها، ورغم ذلك فقد استجاب لها المواطنون الجزائريون، وكانت مناسبة طيبة ليعلن فيها الجزائريون عن عواطفهم الوطنية بمعاضدة الليبيين في كفاحهم ضد الإيطاليين الغزاة، وذلك  لشعورهم بالقهر الاستعماري، وقد أكد على هذا (سير في) Servi الكاتب والصحفي الفرنسي الشهير، مشيراً إلى أن جميع فئات الشعب الجزائري قد شاركت في ذلك بما فيها الحمالون والخماسون[4](**) .

وقد تدخلت السلطات الفرنسية محاولة إفشال حملة الدعم المعنوي والمادي لمساعدة المجاهدين الليبيين، لكن الجزائريين لم يتخلوا عن مساندتهم، رغم الظروف التي أحاطت بهم إلا أنهم شاركوا فعلا في الوقوف إلى جانب الليبيين، ويمكن القول: إن أوجه الدعم المعنوي كانت قد واكبت حركة المقاومة، حيث إنهم استنكروا الغزو الإيطالي وبعثوا باحتياجاتهم إلى الجهات المسئولة في الجزائر بشأن الليبيين عندما اشتدت قسوة الإيطاليين عليهم، غير أن المسئولين الفرنسيين تغاضوا عن مطالبهم ؛ إذ كانوا ينظرون إليها على أنها لا تستحق الاهتمام، ويعتقدون أنهم أدرى من غيرهم في فهم هذه المطالب وكانوا يخشون إثارة الرأي العام في ذلك؛ لأن إثارته تعطي فرصة للمتظاهرين في التعبير عن آرائهم في المظاهرات التي يمكن أن يقوموا بها حينئذ.

ثانياً: دور الجزائريين في الجهاد الليبي :

إن الكفاح المشترك للشعبين الشقيقين الليبي والجزائري متجذر في عمق التاريخ وازداد التلاحم والتآزر عشية الغزو الإيطالي لليبيا، فبالرغم من أن الجزائر كانت تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي في ذلك الوقت إلا أن ذلك لم يمنع الجزائريين من الدفاع عن ليبيا وإنقاذها مما كانت قد وقعت فيه بلادهم، وتعبيرا عن صدق وقوة التلاحم مع الشعب الليبي، فقد جاءت مواقف تضامن الشعب الجزائري مع الشعب الليبي مختلفة بقدر اختلاف إمكاناتهم واختلاف مظاهر الدعم الذي كانت ليبيا في حاجة إليه آنذاك ، إذ هناك من أسعفته الظروف للمشاركة في معارك الجهاد(10)، فانتقل إلى ساحة الوغى مشياً وهناك من أسهم بماله ومادياته، وهناك من عبر عن تضامنه بخطه وقلمه، وتواصلت مظاهر التلاحم بين الشعبين الليبي والجزائري، وهذا ما ظهر عشية الغزو الإيطالي لليبيا، إذ وجدنا آلاف المتطوعين من الجزائريين القادمين إلى ليبيا لمؤازرة إخوانهم، بل إن هناك شهادات كثيرة من المجاهدين الليبيين تؤكد الدور الكبير الذي لعبه الجزائريون في المقاومة الليبية(11) .

وفي هذا السياق نذكر ما قدمه الشيخ محمد الهاشمي الشريف الذي قام بتجنيد 350 مجاهداً جزائريا مجهزين بعتاد حربي، وكان علي رأسهم ابن أخيه محمد الأيمن بن الشيخ الإمام شيخ زاوية الرياح، وقد وفر الشيخ الهاشمي مساعدات مالية للمجاهدين الليبيين تحت قيادة سليمان الباروني أثناء حرب طرابلس ضد إيطاليا عام 1911-1912م، وكانت له مراسلات مع الزعيم الليبي سليمان الباروني باشا بوساطة السيد سالم بن أحمد، حيث كان الباروني يقدر الشيخ الهاشمي ويعتبره من أنصار الدولة العثمانية(12) ، ومن المناضلين الجزائريين الذين لمعوا في ساحات الجهاد الليبي الأمير على باشا وابنه الأمير عبد القادر الجزائري اللذين كان لهما دور كبير في الجهاد الليبي، فإلى جانب دورهما في المقاومة العسكرية ضد الغزاة ، وخاصة في معركة سواني بن يادم التي كانت بقيادة الأمير على وابنه الأمير عبد القادر الجزائري مع حوالي عشرين جزائريّاً كانوا قد لبوا نداء الجهاد قادمين من الجزائر، فقد لعبوا دوراً آخرا مهما يتمثل في ربط الاتصال بين المجاهدين في الداخل، وبين المناضلين في الخارج، ففي هذا الجانب كان الأمير على باشا الجزائري يعمل كمراسل لصحيفة الزهراء التونسية، ويطلعها على مجريات الأحداث والأخبار في ليبيا وفي رسالة وجهها إلى هذه الجريدة بتاريخ 13 محرم 1330هـ يذكر فيها أنها من الأمير على باشا الجزائري الموجود الآن في ساحات الحرب قرب مدينة درنة في شرق ليبيا ويتحدث فيها عن سير المعارك، وكيف تم تكبيد العدو خسائر في الأرواح والعتاد، وأن خسائرهم وصلت إلى ألف بين قتيل وجريح من بينهم بكباشي (وتعني رتبة عسكرية كبيرة) و (12) ضابطاً عرفوا من ملابسهم، ويتحدث في هذه الرسالة عن إعجابه بهذه البلاد التي تمتاز بالأشجار المثمرة والطبيعة الخلابة ويوجه خطاباً للحكومة العثمانية يحثها فيه على الالتفات إلى هذه البلاد وهؤلاء الأسود، حيث يكرر إعجابه بما رأى من شجاعة وتضحيات يقدمها الشعب الليبي ضد الغزو الإيطالي، ووجه كلمة إلى المناضلين الليبيين المتواجدين في بيروت، وكذا إلى أهالي بيروت يخبرهم فيها عن مسار المقاومة في بعض المناطق الشرقية من ليبيا وكيف أن الشعب الليبي لا زال يجاهد بإرادة كبيرة(13) .

كما توجه الأمير عبد القادر نجل الأمير على باشا برسالتين إلى صحيفة الزهراء التونسية، الأولى من معسكر الخمس بلبدة في 17 ربيع الثاني 1330هـ حيث  تضمنت رحلة والده من بنغازي إلى طرابلس وكيف كان استقبال الأهالي له حيث يذكر أن الجموع هاجت واهتزت طرابلس بقدوم سيدي على باشا(14) .

وذكر أنه عاجز عن وصف ما وقع لهم من حسن القبول وما شاهده من الحياة القومية التي أنستهم الأهل ووطنهم الأصلي، وتذكر الرسالة أن الأمير على باشا طلب من مشايخ قبائل الحسون والعربان والمعدان بالرجوع لكي يأتوا بجموعهم ويلتقونه بالخمس، كما تذكر أنه اهتم بإعادة تنظيم المجاهدين وتحريضهم على المقاومة وشرح لهم معنى الجهاد والصبر والثبات في سبيل الله حتى أن بعض اليهود والنصارى نطقوا الشهادتين والتحقوا بالمجاهدين .

وفي الرسالة الثانية التي بعث بها الأمير عبد القادر نجل الأمير على باشا بخصوص وصول موكب الأمير على باشا إلى مصراته بتاريخ 19 مارس 1912م، حيث خطب جموع المجاهدين خطاباً حماسيًّا كان له تأثيراً كبيراً توافد على إثره العلماء والأشراف والأعيان على قائمقام مصراته، وقالوا له: إن خطاب الأمير قد أثر فيهم وحتى أن العامة جاءوا يطلبون المساعدة للالتحاق بإخوانهم في ساحات الجهاد بمعية الأمير، فشكرهم هذا الأخير على إحساسهم الشريف، ويبدو أن ذلك زاد من حماس المقاومين فاندفعوا جميعاً لحمل السلاح، الأمر الذي جعل القائم على مصراته يقوم ببعث رسالة إلى الأمير على باشا الجزائري يرجوه فيها بتسكين هيجان الأهالي وتهدئتهم، وهكذا كان الحال في كل منطقة حلَّ بها الأمير على باشا الجزائري(14)، ومن خلال ما سبق يمكن القول بأن الجزائريين الذين آزروا الليبيين في جهادهم كان لهم الأثر الكبير في هيجان حماس الأهالي وحثهم على الجهاد.

أ. مصطفى عوني التفراوي ودوره في الجهاد الليبي: 

1.البحث عن الجهاد: 

اسمه الحاج مصطفى عوني التفراوي الجزائري من مواليد 1892م، من أسرة فلاحة فقيرة، حيث حفظ القرآن في السادسة عشر من عمره، مات والده وهو صغير وكان يعاون أسرته على ظروف حياتها، وكان يتحين مواسم الغلال والفاكهة في مزارع الفرنسيين المحيطة بقريته فيعمل فيها، وكان يرى من سوء معاملتهم ويلمس من ظلمهم وتعسف استعمارهم ما لم يلمسه وهو بعيد عن التعامل معهم والاحتكاك بهم(15).

وبناء على ما قاله عوني التفراوي، فإن صورة ظلم الاستعمار الفرنسي له ولبقية الجزائريين كانت أهم حادثة أثرت في حياته، وذلك من خلال عمليات التفتيش المستمرة لكل الجزائريين، ونظرة الاحتقار لكل ما هو جزائري، وأن السلطات الفرنسية في جهات عدة أخذت تجند الشباب الجزائري للحرب سخرة وإجباراً، وهو بحكم شبابه القوي وتكوينه المكتمل لابد وأن يجرجر للتضحية به في أتون الحرب المستعرة، فوقف التفراوي حائرا بين سعة القلب المليء بالحقد ضد الاستعمار الفرنسي، وبين قوة وقسوة أوامر الاستعمار، وسط هذه الأجواء(16) المحسوسة بالحيرة كان لابد على مصطفى عوني من اتخاذ الموقف الذي يريح باله ويطمئن نفسه، فعزم على رفض الخضوع لقوة الاستعمار، فلماذا لا يعمل من الآن على مقاتلة الكفار والكفر ملة واحدة، وهذه طرابلس ومن فيها عرب مسلمون يتعرضون لهجمة شرسة من الإيطاليين النصارى يسومونهم سوء العذاب، وتتحدث الصحف والمجالس عن بطولاتهم وجهادهم في رد العدوان عنهم، فلماذا لا ينضم إليهم ويتحرر من جبروت الفرنسيين وقسوتهم، فعاد إلى منزله ليخبر والدته ويودعها فلم يجدها، وترك لها رسالة يقول فيها : لا تسألوا عني فإني ذاهب إلى غير عودة، وابتدأ رحلته الطويلة التي دامت أكثر من خمس وعشرين سنة قضاها بين المعارك الضارية في ليبيا والغربة القاسية، ومر في طريقه من فريندا وجلفا وسيدي عقبه(17) وتونس وصفاقس، حيث كان يتجنب الطرق الرئيسية التي يتواجد فيها البوليس والجنود الفرنسيون، خشية الوقوع في بعض المشاكل التي قد تعطل أو تلغى بلوغ الهدف، وفي تونس لقى جماعة من الليبيين يجوبون سوق البلدة يذرعون شوارعها، فأخذ هو بدوره يرصد تحركاتهم ويلحق بهم طوال ذلك اليوم، فلما وصلوا إلى فندق مبيتهم اجتمعوا وتشاوروا فيما بينهم ثم دعوه للحديث معهم وقالوا له: نحن نراك اليوم تتبعنا كظلنا فماذا تريد منا ؟ فأخبرهم أنه جزائري يرغب في مرافقتهم إلى طرابلس للالتحاق بالمجاهدين فأبدوا إليه استعدادهم لبذل كل ما في وسعهم لتحقيق ذلك، وكان لا يزال يرتدي الزي الجزائري فأخبروه بضرورة تغييره بالزي الليبي فأعطاهم من النقود الذهبية التي كان يحملها معه. فاشتروا له جرداً ونعلاً ليبياً (بلغة) وملابس أخرى وفي الصباح ذهبوا إلى الدريبة، وهو مركز فرنسي تونسي لشرطة الجوازات فشهدوا هناك بأنه ابن عم لهم حيث تسلم الأوراق التي تثبت أنه ليبي وامتطوا الباخرة المتوجهة نحو طرابلس، وبعد ليلة من السير وصل الركب إلى طرابلس، فمكث مصطفى عوني عند بعض الليبيين هناك(18)، وبعدها واصل السير إلى زليتن حيث التحق بمدرسة القرآن الكريم والعلوم في زاوية الشيخ سيدي عبد السلام الأسمر بعد أن كان قصدها للاستراحة وعندما وصل علم أن الانتساب إلى هذه الزاوية للتعلم لا يكلف فبقى بهذه الزاوية حوالي خمسة أشهر وخلال إقامته بالزاوية شاهد الاستعدادات الإيطالية لمعركة القرضابية، وحشد الطاقات والإمكانيات الإيطالية في المنطقة وتوجيهها إلى بئر غزار نقطة التجمع الذي تم الاتفاق على الملاقاة فيها قبل السير إلى المعركة، وبما أن الحاج مصطفى لم يكن من شهود هذه المعركة وإن كان لديه معلومات طيبة عنها على إثر معركة القرضابية واندحار الإيطاليين فيها، قام السكان في جبهات عدة بالهجوم على الحاميات والإدارات الإيطالية ومنها زليتن حيث دقت الطبول وارتفعت فيها (المهاجاة) وأهازيج الحرب من جديد، وكان ذلك مؤذنا بتغيير الأوضاع، وكان الشيخ أبو بكر أبو نعامه صديقا حميماً للحاج مصطفى وزميل له في الدراسة بالزاوية فعرض عليه أن يذهب معه إلى ترهونة (19)، وخاصة أن له أبناء صغار يريد منه أن يرافقهم معه إلى أهليهم، فذهبوا من زليتن إلى ترهونة على أرجلهم وفي ترهونة سمع الحاج مصطفى صوت المدافع آتياً من البلاد التي خلفها وراءه، فعرض عليهم أن يذهبوا معه إلى مناصرة المسلمين والمحاربة معهم فرفضوا ذلك، فتركهم ورجع إلى زاوية الشيخ، وفي زليتن وجد الإيطاليين قد تم الانقضاض عليهم وطردوا من السوق ورصدوا على البحر على مرمى مدافع أسطولهم ووجد على رأس فريق أولاد الشيخ المجاهد الشيخ مختار جوان الذي انضم إليه فأعطاه بندقية وذخيرة وظل المجاهدون يحاصرون الإيطاليين أياما وليالي عدة، في حين كان الطلاب يحضرون المعركة ثم يرجعون إلى زاوية الشيخ، ولما طال أمد الحصار ولم يتم انسحاب الإيطاليين قال الحاج مصطفى لصديقه عبد القادر الفزاني، وقد أخذت أصوات المدافع في رأس طوبة بمصراته تصل إلى أسماعهم، هيا بنا نحضر المعركة الحامية في مصراته فوافقه صديقه وذهبا معا مترجلين على صوت المدافع يحمل أحدهما موزرا والآخر يحمل 80 وحدة من ذخيرتها حتى وصل رأس طوبة بعد المغرب، وهناك وجد فرسان أولاد الشيخ الذين هرعوا أيضاً إلى المعركة فانضم إليهم مع رفيقه وبات الجميع تلك الليلة دون قتال، وفي الصباح قام المجاهدون بالهجوم على مواقع العدو وكبدوهم خسائر كبيرة في الأرواح وأسروا عددًا منهم.

وتعتبر معركة رأس الطوبة أولى المعارك التي خاضها الحاج مصطفى في مصراته، كما أن معركة القليب على شط البحر في زليتن تعتبر أولى المعارك التي حضرها في زليتن بل في ليبيا كلها(20) .

2.مصطفى عوني التفراوي ومرحلة الجهاد المنظم :

ذات يوم كان الحاج مصطفى عوني موجودا بزاوية الشيخ، وعلم بوجود نوري باشا الوالي التركي في زليتن فخطر عليه أن يكتب له رسالة يعرض فيها حالته الراهنة ويطلب مقابلته وأعطاها لسكرتيره الذي حدد له موعدا في اليوم التالي عند الساعة الثانية ظهراً، وفي الموعد قابله الباشا الذي سأله عن بلده وأسرته فوجده على علم بأهله وانتمائهم إلى أسرة الأمير عبد القادر الجزائري وقبيلته أولاد سيدي قادر فعرض عليه أن يلتحق بمدرسة الضباط بمصراته وسيضمن له ذلك مستقبلاً طيباً ، وأرسله إلى وكيله وأركان حربه وأوصاه خيراً بالحاج مصطفى، وعدّد في رسالته له إحدى عشر ميزة تمنح له دون بقية الطلبة يتمتع بها طيلة مدة دراسته، من بينها أن يلبس الجرد وأن تدفع له نقود ينفق منها على خصوصياته، وأن يعفى من الحراسات ، وله أن يذهب إلى المقهى… إلخ .

والتحق بالمدرسة العسكرية وذلك بقصد تحصيل بعض المعارف الحربية والرماية، وبقى فيها سبعة أشهر هي مدة الدراسة، ثم تخرج بعدها ضابطاً صغيراً ( كرشوك ضابط) وانضم إلى صفوف المجاهدين(21).

إن دور مصطفى عوني في الجهاد الليبي لا يمكن الإلمام به، وهذا ما يفرض علينا الإشارة إلى ما نراه مهما فقط متجنبين سرد الأحداث ووقائع المعارك التي شارك فيها ، فالمعلومات التي بحوزتنا والشهادات التي تحصلنا عليها كلها تؤكد أن الحاج مصطفى عوني يعتبر بمثابة قاموس الجهاد الليبي عبر مختلف مراحله.

واستمر عوني التفراوي في المقاومة والجهاد مع الليبيين، وكان يشارك في كل المعارك التي تحدث قرب المناطق التي يتواجد بها، بل إنه كثيراً ما تحول من مجاهد حامل للسلاح إلى قارئ للقرآن ليلهب إخوانه في الجهاد، ويذكر مصطفى عوني التفراوي أن معركة القرضابية الشهيرة كانت أهم المعارك التي خاضها الليبيون ضد الاحتلال الإيطالي وأن هذه المعركة جاءت بعد سلسلة(22) من الاشتباكات بين الطرفين، وهزم فيها الإيطاليون هزيمة ساحقة؛ وذلك بعد خديعة من طرف قائد المقاومة رمضان السويحلي الذي تظاهر بالتعاون معهم ليشن بعد ذلك هجمات عليهم، وكان ذلك في أبريل 1915م، ويذكر التفراوي أنه بعد هذه المعركة واصل مشاركته في معارك الجهاد الليبي، حيث حوصر الإيطاليون الموجودون في سرت وسواني بن يادم وفي القليب وحدثت عدة معارك شارك فيها التفراوي من بينها معركة كرزاز ومعركة رأس الطوية، ويذكر عوني أن معركة رأس الطوبة أصيب فيها المجاهدون بخسائر في الأرواح وصلت إلى 60 جريحاً، و 120 شهيدا، أما معركة الكرازة فقد أخذ المجاهدون الثأر لأنفسهم واضطر الإيطاليون إلى الفرار من الميدان تاركين وراءهم العديد من القتلى وكميات كبيرة من الأسلحة، وطبيعة المواجهة بين المجاهدين الليبيين وقوات الاحتلال الإيطالي والتي أخذت شكل المواجهة المتقطعة والاشتباكات المنعزلة التي تنتهي بانهزام طرف وانتصار آخر أو تفرق كلاهما دون تحقيق أي انتصار، كل ذلك جعل المقاومة الليبية تهتم بعملية تنظيم المجاهدين، وتكوينهم أكثر، وفي هذا الإطار سنحت الفرصة لمصطفى عوني لمزيد من التدريب على القتال والانخراط بفاعلية وقوة في أتون الحرب، وذلك بعد انتقاله من زليتن إلى مصراته، حيث علم رمضان السويحلي أن مصطفى عوني هو أحد أقارب المجاهد الأمير عبد القادر الجزائري فرقاه وأمر قائد الجندرمة محمد الحداد أن يخصص له حصاناً ليستعمله في تنقلاته، وفي هذه الأجواء ازداد(23) عوني التفراوي حبا لليبيا وللمجاهدين، وشوقا للجهاد فواصل معهم الجهاد في مختلف الجهات وخاصة مع القائد رمضان بك السويحلي الذي بقى ملازما له حتى انتهاء المقاومة في غرب ليبيا عقب صلح سواني بن يادم 1919م[5](*) ، هذه المعاهدة التي تفطن لها مصطفى عوني ورفضها رفضاً قاطعاً، كما امتنع عن الدخول في مفاوضات الصلح مع الإيطاليين وانسحب بجنوده الذين كان يرأسهم بصحبة عدد من المجاهدين الرافضين الصلح مع الإيطاليين ، ويري الباحث أن هذه المفاوضات أقل ما يقال عنها أنها كانت حيلة من حيل الاستعمار الإيطالي لتفريق جبهة القتال الليبية واحتلال المنطقة بعد الأخرى كالذي فعلته فرنسا عند احتلالها(24) الجزائر، حيث وقعت معاهدات صلح مع الأمير عبد القادر لتتفرغ بعد ذلك لضرب الجبهة الشرقية بقيادة أحمد باي، وبعد ذلك رجعت إلى محاربة الأمير عبد القادر في الغرب، وكان رفض مصطفى عوني للاحتلال ليس فقط في حمله السلاح ضده ورفضه لمعاهدة الصلح واستمراره في المقاومة إلى جانب بعض الليبيين، ولكن رفضه كان في عدم الاحترام لقادة الجيش الإيطالي، حيث ذكر مصطفى عوني أنه أثناء مفاوضات بعض قادة المقاومة الليبية مع الإيطاليين استدعى هو الآخر من قبل “”بيري”” أحد قادة الجيش الإيطالي وطلب منه تقديم التحية العسكرية للإيطاليين في احترام فكان جوابه: “لا” أقدم التحية للشيطان” هذا رغم أن بعض الضباط الليبيين كانوا قد قدموا التحية وبعد عودتهم وبخهم عوني على ذلك الموقف المسيء قائلاً لهم: “كيف يحدث ذلك ونحن الذين كنا بالأمس مجاهدون نحمل السلاح في أيدينا، اليوم نقدم التحية للأعداء(25).

بعد هذا الاجتماع الحاشد رجع عوني وجيشه دون الاعتراف بالاحتلال الإيطالي ولا حتى ببنود الصلح واستمر مع رمضان بك السويحلي في مقاومة العدو في جنوب البلاد – غدامس- وظل ملازماً له حتى احتلال إيطاليا لآخر معقل من معاقل المقاومة الليبية في الجبهة الغربية لينتقل بعد ذلك إلى المقاومة في الجبهة الشرقية برفقة عمر المختار(26).

ويذكر مصطفى عوني التفراوي أنه بعد معاهدة الصلح دخل بعض الزعماء الطرابلسيين في وفاق مع الإيطاليين بعد أن اعترفوا بمعاهدة الصلح، واعتبروا كل معارض لعين، وأدوا التحية العسكرية للجيش الإيطالي، والتي كانت تعني الاحترام والخضوع له، كل ذلك أثر كثيراً على عوني، حتى الذين كانوا تحت قيادته من الجند الليبي كانوا قد لاحظوا علامات التعب والأسف عليه، أما الذين بقوا من الجند رافضين معاهدة الصلح فكانوا يأتونه ليلا، وحدث أن أتوه يوما في منتصف الليل يطلبون منه الرأي، حيث عقد اجتماع سرى حول الموقف الذي يجب اتخاذه من طرفهم.

وما كان من التفراوي إلا أن أمرهم بحمل السلاح بسرعة وأن يبقوا مدافعين عن أنفسهم وظل هؤلاء مقاومون حتى سنة 1923م حيث استحكم الجيش الإيطالي سلطته وقبضته على بعض الأجزاء من ليبيا خاصة الجزء الغربي، أما عوني فقد بقى مع قلة من الجند الليبيين في منطقة قرب طرابلس “جنزور” واتصل برمضان السويحلي أحد كبار المقاومة بواسطة أمينه المدعو “السعيد” خدام”، حيث طلب منه عوني اللقاء معه، وحصل أن اتفق مع السويحلي بضرورة مواصلة الجهاد وعدم الخضوع إلى أوامر الخونة.

ويمكن القول إن تركيز الاحتلال الإيطالي، لجل قواته في هذه المنطقة، وضعف المقاومة وتفريقها أدى إلى احتلال طرابلس الأمر الذي دفع بالعديد من جنودها إلى التشتت والهجرة .

أما مصطفى عوني فقد التحق مباشرة بعد ذلك بصفوف المقاومة الليبية في المنطقة الشرقية، حيث كان يقودها عمر المختار وفي هذه المنطقة خاض أغلب المعارك إلى جانب عمر المختار، الأمر الذي جعل هذا الأخير يجعله محل ثقة كبيرة ويصبح من المقربين إليه، وهناك رسالة عثرنا عليها عند أحد الليبيين موجهة من طرف عمر المختار إلى عوني التفراوي يخبره بأنه حر في مهامه لا دخل له فيها .

إلى جانب ذلك فقد كلفه عمر المختار بمهام الوساطة في جمع التبرعات والمؤن للمقاومة الليبية بحيث كان واسطة بينه وبين لجنة التبرعات بمصر رفقة صالح حرب باشا والأمين عمر قوسم وعبد الرحمن عزام، وبقى على اتصال بعمر المختار إلى أن تم استشهاد هذا الأخير أواخر سنة 1931م، وانتهت بذلك المقاومة العسكرية الليبية(27).

وبعد استشهاد عمر المختار لم تتوقف المقاومة الليبية نهائيا وحاولت استرجاع أنفاسها فاستمرت في شكل من الضعف ولكن سرعان ما حقق الحصار المضروب من طرف العدو ،نتائجه، إذ لم تصل المؤونة والعتاد إليهم من الشرق نظراً لتكثيف إيطاليا الأسلاك الشائكة والحراسة النشطة، وكانت هذه السياسة عاملا آخر دفع الليبيين للجوء إلى المقاومة في شكل آخر ألا وهي المقاومة السياسية في فترة الاحتلال الإيطالي خارج الديار.

وأثناء فترة النضال السياسي ظلت الاتصالات موجودة بين من تبقى من المقاومين المناضلين الليبيين داخل ليبيا وبين الذين اضطروا للهجرة، ونشير هنا إلى الدور الذي لعبه أحد الجزائريين في عمليات الاتصال وهو عبد الله الجزائري خطاط الزاوية القادرية بحيث كان ينقل المعلومات والأخبار بخط دقيق جداً، ومقروء من الوطنيين الليبيين في الداخل والخارج، كما كان يقوم بنقل الأخبار وربط الاتصالات بين مناطق طرابلس الغرب وبين برقة.

أما مصطفى عوني التفراوي فبعد استشهاد عمر المختار هاجر إلى مصر وبقى ملازماً للمناضلين الليبيين، وقبيل الحرب العالمية الثانية دخل إلى الجزائر ولكن اندلاع الحرب وتدهور الأوضاع دفعت به لمحاولة الخروج مرة ثانية، لكنه لم يستطع وشعر بمضايقات فرنسية، فخرج خفية ودخل ليبيا مرة أخرى سنة 1944 ، وبقى في ليبيا إلى أن حصلت ليبيا على الاستقلال .

وفي هذه المرحلة كان الوطنيون الليبيون قد كثفوا اتصالاتهم مع بعض الزعماء السياسيين العرب ومن بينها نذكر تلك التي كانت بين المناضل الحاج إبراهيم المشيرقي ومحي الدين القليبي الرجل الثاني في الحزب الدستوري التونسي وكان هذا الأخير قد زار الجزائر عدة مرات في سفرياته حيث ذكر أن الجمعيات الخيرية الجزائرية كانت تعمل دائما لصالح ليبيا .

والخلاصة فإن عوني التفراوى رجل أوقف حياته علي طلب الشهادة ونصرة إخوانه الليبيين ونذر نفسه للجهاد في سبيل الله لم تدفعه ضرورة ملحة إليه حيث ترك أهله ووطنه وأمضى أيامه في ليبيا وهو بين عائد من معركة أو متهيء لها أو خائض غمارها حتى انتهت المعارك في الشق الغربي من البلاد، ثم راح يلتحق بالسيد عمر المختار في الشق الشرقي منها ليواصل نضاله حتى لقي المختار ربه.

3.صدى كفاح عمر المختار في الجزائر: 

إن الجزائر ورغم الظروف القاسية والمحنة الاستعمارية الغاشمة التي كانت تعيشها ، إلا أنها كانت تتابع عن كثب جهاد عمر المختار وتشيد ببطولته وتتحسر على ما يحدث للشعب الليبي؛ وذلك من خلال مواقف منظماتها الوطنية وكتاباتهم الصحفية وإنتاجها الأدبي، كما سنرى من خلال هذا البحث(28).

إن هناك عدة أسباب وعوامل قد جعلت الشعب الجزائري يبدي اهتمامه بأوضاع ليبيا وكفاح مجاهدها عمر المختار، فهذه الأسباب مع تنوعها وتداخلها يمكن لنا أن نجملها في النقاط التالية :

1. كان الجزائريون يرون في الاحتلال الإيطالي لليبيا إعادة لمأساتهم القومية بل صورة طبق الأصل لما حل بهم على يد المستعمر الفرنسي، لاسيما أن طبيعة الاستعمار الإيطالي وأساليبه لا تختلف عن ما فعله الفرنسيون في الجزائر، بل أصبحوا لا يرون أي فرق بين قضيتهم وقضية إخوانهم الليبيين، كيف لا وجهاد عمر المختار لم يكن في نظرهم سوى إحياء لبطولات الجزائريين مثل (يوزيان)، و(ابن ناصر بن شهرة)، و(بوشوشة)، و(بوعمامة) وغيرهم من حاملي لواء المقاومة الوطنية(29).

2. إن الجزائر التي تركها العالم الإسلامي وحدها خلال صراعها ضد المستعمر عادت برد فعل وذلك من خلال البحث عن موضوع أكثر حيوية ضمن الرابطة الإسلامية، وعندما عقد المؤتمر العربي في باريس 1913م حاول الكثيرون من المؤتمرين قطع التبعية مع الدولة العثمانية والتغاضي عن الاحتلال الإيطالي لليبيا، ونجد على العكس من ذلك أن الشباب الجزائريين قد أرسلوا ببرقيات تظهر تعاطفهم مع تركيا الفتاة كنوع من إثبات الذات ورفضهم للاستعمار الأوروبي الجديد .

3. كانت ليبيا بالنسبة للجزائريين المعبر الطبيعي نحو البلاد العربية الشقيقة والجهة التي تشد الجزائريين نحو إخوانهم في الدين واللغة والقومية حيث كانت المعبر الوحيد لطلاب العلم والتجارة والحجيج والتعرف على معالم الأقطار العربية .

4. من الأسباب التي دفعت الجزائريين أيضاً إلى الاهتمام بقضية ليبيا وتعرفهم على كفاح عمر المختار، تلك المنافسة الإيطالية الفرنسية، والتي حاولت إيطاليا الفاشية أن تعطي صورة براقة عن استعمارها لليبيا بقصد كسب التأييد وإيجاد السند لأطماعها في كل من تونس والجزائر حتى يمكن لها أن تحقق مخططاتها التوسعية، في حين تحاول فرنسا وبكل وسيلة التشهير بسياسة إيطاليا الفاشية وإظهار نتائجها في ليبيا، لتحول دون إمكانية حدوث تعاون الجزائريين والتونسيين مع أية قوة أوروبية أخرى معادية لفرنسا، وهذا ما جعلها تتابع عن كتب تطور المقاومة الليبية بزعامة عمر المختار .

5. تزايدت أهمية ليبيا بالنسبة للجزائريين بعد الاحتلال الفرنسي لبلادهم؛ وذلك لأنها تمثل القواعد الخلفية لأية مقاومة جزائرية محتملة ضد الفرنسيين ولاسيما بعد وقوع تونس هي الأخرى تحت الحماية الفرنسية سنة 1881م، إذ عن طريق ليبيا يمكن الحصول على السلاح والعون وإليها يتوجه كل من اضطرته الظروف إلى أن يغادر الجزائر(30).

ولذكر أهمية ليبيا بالنسبة للجزائريين يكفي أن نشير إلى اتصال الطوارق بأهالي فزان عند تصديهم للتوسع الفرنسي 1856 – 1959م) وفي هذا النطاق أيضا نجد محي الدين بن الأمير عبد القادر يتخذ من طرابلس الغرب معبراً نحو الجزائر وطريقاً توصله إلى أتباعه بجهات ” نفراوة والجريد”، ومنطقة “سوف”[6](*) لكي يثير القلاقل والاضطرابات في أوساط الإدارة الفرنسية(31).

كما أن المجاهد الجزائري المعروف بابن ناصر بن شهرة وبعد عودته من الشام فضل هو الآخر الكفاح بجانب إخوانه الليبيين ضد الغزو الإيطالي، وقد سقط شهيداً، بناحية طرابلس( 1912م) ، مع مجموعة من رفاقه الجزائريين.

من خلال الأحداث السابقة اعتبر كثير من الجزائريين الاحتلال الإيطالي لليبيا بمثابة فصم للصلات وقطع للروابط الثقافية مع البلاد العربية وإحكام للستار الجديد الذي ضربته فرنسا حولهم لتحول دونهم ودون الاتصال بأشقائهم العرب الآخرين.

6. بحث الجزائريون عن طرف ثالث منافس للسياسة الفرنسية، حتى يكون عنصر موازنة وعامل ضغط على الحكام الفرنسيين ليعدلوا من تصرفاتهم المجحفة في حق الشعب الجزائري، وزاد وعي الجزائريين بواقع ليبيا الاستعماري وانصب اهتمامهم في فترة العشرينيات والثلاثينيات على محاولة استغلال التنافس لصالحهم، وذلك رغم تعاطفهم مع كفاح عمر المختار وتأييدهم قضية مجاهدي ليبيا ورغبة منا في التركيز والاختصار، فسوف نقتصر في ذلك على استعراض الأثر الذي تركه كفاح عمر المختار في الحركة الإصلاحية الجزائرية والذي انعكس خاصة في نشاط جمعية علماء المسلمين الجزائرية التي اهتمت بالقضية الليبية واتخذت إزاءها موقفاً واضحاً يعتمد على مبدأ مناصرة الليبيين في كفاحهم التحرري، كما يتسم بالحدة في مهاجمة الاستعمار الإيطالي والإشادة بأبطال المقاومة، ومن خلال النظرة القومية لطبيعة العلاقات الليبية الجزائرية يتجلى لنا موقف جمعية علماء المسلمين الجزائريين من قضية ليبيا اعتمادا على العديد من المقالات والتعليقات التي حفلت بها جريدتي الشهاب والبصائر الناطقتين باسم جمعية العلماء، وهذه المواقف كانت تتميز بما يلي:

سعى رجال هذه الجمعية الإصلاحية لتعريف الشعب الجزائري بواقع إخوانهم الليبيين وعملهم لتعميق فكرة الأخوة العربية والإسلامية التي تجمع بين أبناء ليبيا، والجزائر، حيث عمدت صحيفة الشهاب أن تنشر ثلاث صور للزعماء العرب الذين استشهدوا على يد الاستعمار الإيطالي والفرنسي والإنجليزي، وكان أولهما صورة لعمر المختار ضحية الاستعمار الإيطالي، ومع هذه الصورة كتبت قصيدة لأحمد  شوقي يرثي فيها عمر المختار(32). وعملت الصحيفة على التشهير بسياسة الاستعمار الإيطالي وفضح أعماله الإجرامية واعتبار موسوليني أعظم عدو للإسلام، وفي هذا العدد علقت صحيفة الشهاب بما يلي: ” ومن الذي يستطيع أن يكون حامي الإسلام أكثر من دكتاتورية إيطاليا، ونددت الصحيفة بالسياسة الاستعمارية الوحشية قائلة: إيطاليا الفاشية الدموية ماذا فعلت في ربع قرن بنصف مليون من المسلمين الليبيين؟ أجدر بك أن تقفي أمام محكمة التاريخ وضمير الإنسانية لتجيبي جواب المجرمين عن هذا السؤال؟ وتحت عنوان فضائح الطليان أشارت صحيفة الشهاب إلى عملية إجلاء ألف من سكان الجبل الأخضر الذي يتمتع بأرضه الخصبة وخيراته الوفيرة إلى ساحل سرت القاحل لإحلال الطليان محلهم، حيث أثار هذا العمل احتجاج العالم الإسلامي فأرسل ابن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائيين إلى جمعية حقوق الإنسان الفرنسية يطالبهم فيها بتخفيف شقاء المشردين من سكان الجبل الأخضر(33).

لقد اعتبرت الجمعية كفاح عمر المختار جزءًا من كفاح الأمة العربية والإسلامية لبعث ماضي الأمة وتجديد روح الإسلام، وهذا ما جعل رجال جمعية علماء المسلمين لا يرون أي فرق بين ما يقومون به من نضال في الجزائر ضد الفرنسيين وبين ما يمارسه إخوانهم الليبيون من كفاح ضد الهيمنة الإيطالية، حيث تميزت هذه الجمعية بالشمولية ومن أبرز تعليقات الصحفيين والكتاب الجزائريين البارزين في ذلك الوقت ما كتبه الأستاذ “توفيق المدني” في أكتوبر 1931 في مقال بعنوان: سيد الشهداء ورأس الأبرار نقتبس منه هذه العبارات: “اغتالت يد الطغيان الاستعماري بطلا من خيرة أبطال العرب ورأساً من أعظم رؤوسهم ومجاهداً كان يقف في طليعة مجاهديهم، وذلك هو سيدي عمر المختار الذي جاهد عشرين عاما عن بيضة الإسلام وكرامة الوطن ضد الطغاة المستبدين .

أما “الشيخ البشير الإبراهيمي” فإنه يذكر جهاد عمر المختار ويشيد ببطولات الليبيين في هذه الكلمات: (قاوم هؤلاء الإخوان الكرام الاستعمار الإيطالي ووقفوا في وجهه وقفة المستميت ولم يثنهم التقتيل والتشريد حتى جاءت الحرب الأخيرة وعاد الرجاء.. وهب المغاوير من سلائل العرب يثأرون لعمر المختار والشهداء الأبرار” أما أمير الشعراء الجزائريين المرحوم (محـمد العبد آل خليفة) فإنه يشيد ببطولة عمر المختار ويناجي طيف الحرية التي رفع هذا البطل حياته فداء لها في بعض الأبيات التي تعكس لنا بصدق وأمانة ذلك الصدى الذي أحدثه جهاد عمر المختار في نفوس الجزائريين الذين كانوا يرزحون تحت وطأة الاستعمار الفرنسي آنذاك، حيث نقتبس منه هذه الأبيات :

أمل تحقق بعد طول نضال ** ومثال فوز كـــــــــــــــــان خير مثال

اليوم أمة ليبيا قد حطمت ** ما أحكم الطــــــــليان من أغلال

إن البطولة في الوغى عهد لهم** عهد شابه الآباء للأطـــــــــــــــــــــــفال

ومضى بهم عمر الشهيد يقودهم** للحـــــــــــــــــــــــــرب ينام نامة الرئبال

خاض الجهاد مظفراً حتى انجلى** عما نجلى والحرب ذات مجال

ومن خلال ما سبق يرى الباحث أن صدي كفاح عمر المختار لدى الشعب الجزائري الذي كان يرزح تحت وطأة الاحتلال له بالغ الأثر لاسيما أن طبيعة الاستعمار الإيطالي وأساليبه لا تختلف عن ما فعله الفرنسيون في الجزائر حتى أصبحوا لا يرون أي فرق بين قضيتهم وقضية إخوانهم الليبيين وهذا الشعور نابع عن مدى متانة الروابط الروحية وتشابه المواقف المصيرية وتماثل الأهداف المشتركة بين الشعبين الجزائري والليبي اللذين وحدت بينهما في نطاق العروبة وعلي هدى الإسلام مآسي الماضي وجهاد الحاضر وآمال المستقبل.

ب: الشيخ عبد الحميد بن باديس ودوره في كفاح الشعب الليبي ضد الاحتلال الإيطالي: 

1.الشيخ عبد الحميد بن بادريس ورابطة الأخوة العربية والإسلامية بين الجزائريين والليبيين:

ولد الشيخ عبد الحميد بن باديس في 16 إبريل 1889م في مدينة قسنطينة بشرق الجزائر ورغم أنه عاش في أسرة ذات ثراء وجاه ومكانة اجتماعية مرموقة، فإنه أعرض عن ذلك ونأى جانبه إلى طلب العلم في بلده، ثم في جامع الزيتونة بتونس حيث تخرج بشهادة التطويع وهي أعلى شهادة علمية كان يمنحها جامع الزيتونة بتونس في سنة 1911 – 1912 م وعمره ثلاث وعشرون سنة معززاً عمله بتكوين عصامي فذ، ملتمساً في الوقت نفسه موطن الداء في مشاكل بلده الصغرى الجزائر وبلاده الكبرى العربية والأخرى الأكبر الإسلامية في قراءاته وفي أسفاره إلى تونس طالباً أولاً، ثم حاجا ،محاضراً، ورحالة، وإلى الحجاز حاجاً رحالة متلمساً أحوال الناس، وإلى باريس ينقل مطالب الجزائريين مع غيره في وفد إسلامي زاهداً خلال ذلك كله في متاع الحياة الدنيا، متفرغاً للهم الجزائري وامتداداته العربية والإسلامية عموماً (34).

لقد كانت هناك عوامل عديدة أثرت كثيرا في شخصية عبد الحميد بن باديس وأكسبتها ثراء، وشمولية، وجرأة لاستيعاب كافة المشاكل السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية والأخلاقية التي يتخبط فيها العالم الإسلامي.

وبالإضافة إلى توجيه أسرته له منذ نعومة أظفاره إلى تلقي العلم والمعرفة وحفظ كتاب الله في فترة مبكرة جداً، كما أن بيئته الدراسية التي تعلم بها قد أثرت تأثيراً كبيراً في شخصيته، حيث تأثر عبد الحميد بن باديس بالمربين والمعلمين والشيوخ الذين نموا استعداده وتعهدوه بالتوجيه والتكوين مستمدين مبادئهم السامية من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وفوق هذا وذاك فهناك العامل الأهم في ذلك كله ألا وهو الشعب الجزائري وما ينطوي عليه من أصول الخير والنسب العريق في المحامد والفضائل، وهو ما عمل على تنميته والنضال من أجل تغليبه على جوانب النقص وعوامل السكون(35).

وعلى هذا الأساس فقد كانت روابط العروبة والإسلام بين الشعبين الشقيقين الجزائري والليبي على اتصال دائم منذ القدم، وشواهد التاريخ كثيرة في وقوف الشعبين الشقيقين في وجه الحملات الحربية التي قام بها القراصنة الأوروبيون والأمريكيون في عرض البحر المتوسط خلال العهد العثماني، بالإضافة إلى صمود وتلاحم الشعبين الشقيقين في مواجهة الاستعمار الفرنسي للجزائر سنة 1830م والاحتلال الإيطالي لليبيا سنة 1911 ، وقد عزز ذلك روابط الأخوة العربية بين الشعبين الشقيقين، فكانت آلامهما واحدة، وآمالهما وتطلعاتهما إلى الاستقلال والحرية واحدة(36).

وإجمالا فقد نظر الشيخ عبد الحميد بن باديس كما نظر غيره من الجزائريين إلى القطر الطرابلسي على أنه يمثل امتداداً للتراب الجزائري، وأن الشعب الطرابلسي يمثل امتدادا للشعب الجزائري الذي هو جزء من الأمة العربية والإسلامية بشكل عام ، وعلى هذا الأساس جاءت تصريحاته في مناسبات عديدة قائلا: “إن” لنا وراء هذا الوطن العزيز أوطانا أخرى لنا هي منا على بال، هي أوطاننا العربية والإسلامية، نعمل لها كما نعمل لوطننا الأصغر، أو بعملنا لوطننا الأصغر نكون قد عملنا لها لحريتها وسؤددها، ورفعتها، فالهم واحد، والمصير مشترك (37).

ويتضح للباحث من تلك النظرة أن التراب الطرابلسي بالنسبة لأبناء المغرب العربي كان المعبر الطبيعي الذي عبرت من خلاله جيوش الفاتحين العرب المسلمين الأوائل إلى المغرب العربي وإلى جنوب الأندلس من خلال جبل طارق، ومن خلاله أيضاً انطلقت القوافل التجارية، ورحلات الحجيج إلى الأماكن المقدسة ورحلات طلاب العلم والمعرفة نحو المشرق العربي .

2. الشيخ عبد الحميد بن باديس وفظائع الطليان في طرابلس الغرب وبرقة (ليبيا) 1929 – 1931م: 

منذ أن سيطر الطليان الفاشست على مقاليد الحكم في إيطاليا أواخر شهر أكتوبر 1922 تطلعوا إلى تحقيق أهداف حزبهم في تحقيق عظمة الدولة الإيطالية، وقد ارتبط ظهورهم بمواصلة الحرب في طرابلس الغرب وبرقة وفزان لاحتلالها بقوة السلاح ، وليجعلوا منها موطنا مكملا لإيطاليا، ومنطقة لتوطين المزارعين الإيطاليين على حساب الليبيين وأراضيهم الزراعية الخصبة اقتداء بفرنسا فيما قامت به في كل مكان من الجزائر وتونس والمغرب عندما احتلت هذه البلاد فأقامت مشاريع استيطانية، وهو الهدف الذي تجلى فيما بعد عند الفاشست في استيطان الأراضي الليبية(38).

ولتحقيق تلك الأهداف اتبع الفاشست أساليب قمعية في الغدر بالزعامات وإقامة المعتقلات الجماعية، ومصادرة الأملاك، وتشجيع الإيطاليين على الاستقرار بطرابلس الغرب وبرقة ليجعلوا منها موطنا جديدا كما يدعون، كذلك سخرت كل الإمكانيات لمصلحة الحرب ضد الليبيين، وأثرت تأثيراً بالغاً في حركة الجهاد الليبي التي دامت عشر سنوات متواصلة، ارتكب فيها الفاشست كثيرا من الجرائم التي ترتب عليها عدة أمور على المستويين الليبي والإيطالي سواء في مواصلة القتال أو في مشكلة الاستيطان (39).

وفي عام 1929 عين بادوليو حاكما عاما على طرابلس وبرقة فلجأ إلى استمالة عمر المختار قائد المقاومة الوطنية في برقة للمفاوضات وألقى بيانا حدد فيه خطوط سياسته ودعا للسلم والعفو عن جميع المهاجرين العرب الليبيين(40) .

واتضح فيما بعد أن الغرض من تلك السياسة هو كسب الوقت لصالح الإيطاليين لكي يكملوا استعداداتهم العسكرية للقضاء على آخر جيوب المقاومة في طرابلس الغرب وفزان وبرقة الذين رفضوا كل المقترحات الإيطالية، وفضلوا مواصلة القتال على الخضوع والاستسلام للإيطاليين، ولكن ردة فعل الطليان الفاشست كانت عنيفة تجاه المجاهدين والسكان المدنيين على حد سواء فأعلن دي بوكسير وزير المستعمرات الإيطالية من روما قائلا: “إن المتمردين أرادوا الحديث عن السلام والحماية ولكن الإيطاليين الفاشست لن يحموا المتمردين ولا الممتلكات… إنهم يمكنهم فقط قبول الخضوع، وخلاف ذلك فليس هناك إلا البنادق والرشاشات، وإذا دعت الضرورة فالمشانق(41) .

وفي عام 1930 عين غراتسياني نائباً للوالي بادوليو، فقام بتجريد السكان من سلاحهم ونصب المشانق وأسس المحاكم الطائرة لمحاكمة من يشك في تعاونه مع المجاهدين، وأقام معسكرات الاعتقال والإبادة الجماعية لحشر السكان بها، وأحاط الأراضي الزراعية بأسلاك شائكة، وشدد من حصاره على المجاهدين بمصادرة ممتلكاتهم، ومواشيهم، وقصف نجوعهم، وردم آبار المياه مما أثر على حركة الرعي والزراعة الموسمية وسبب في هلاك عدد كبير من المواشي، بالإضافة إلى إقامة خط من الأسلاك الشائكة يمتد من منطقة البردي إلى واحة الجغبوب بمسافة ثلاثمائة كيلومتر لمنع وصول الإمدادات من مصر إلى المجاهدين في برقة(42) .

ويتضح لنا من تلك الإجراءات التعسفية أن الهدف الرئيسي منها هو القضاء على حركة المقاومة بغض النظر عن الوسيلة أو الثمن الذي تكلفه أو الكيفية التي يمكن بها الاستيلاء على الأراضي بدون سكانها الحقيقيين.

وعلى هذا الأساس ارتفعت صيحات المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها معلنة احتجاجها على الممارسات اللاإنسانية التي ترتكبها السلطات الإيطالية الفاشية بحق السكان المدنيين العزل في طرابلس الغرب وبرقة، كما شمرت الهيئات السياسية الليبية التي تكونت في دمشق وتونس عام 1929 عن سواعدها لإطلاق حملتها الإعلامية عبر الصحف العربية والمساجد، والميادين العامة، ومواسم الحج للتشهير بفظائع الإيطاليين في طرابلس الغرب وبرقة (43) .

فقد أذاعت اللجنة التنفيذية للجالية الطرابلسية البرقاوية بتونس بيانا وصل إلى جميع المسلمين بواسطة الصحافة التونسية مع بداية سنة 1930، أوضحت فيه أن عشرات الآلاف من المسلمين أجلتهم إيطاليا عن ديارهم فهاموا على وجوههم في الصحراء الجزائرية التونسية، وجنوب الصحراء الكبرى، وهم يلاقون الأمرين نتيجة لانتشار الفقر والمجاعة وفقدان المأوى ويطلبون من إخوانهم المسلمين في تلك الأقطار الوقوف إلى جانبهم في محنتهم، ومما جاء فيه: “ربما لا يعرف إلى الآن إخواننا مسلمو تونس أن عشرة آلاف نفس من إخوانهم مسلمي طرابلس بين صبية وشيوخ وبعض ما أبقته حرب عشرين سنة من الشبان والكهول جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاته في الدفاع عن بيضة الإسلام وأرض الإسلام قد نزلوا أرضهم ملتجئين إليها من تعسف الإيطاليين المغيرين عليهم، ومحاولة إبادتهم بالقتل والتشريد، وأن سبعة آلاف آخرين نزلوا أرض الجزائر بعد أن فقدوا قوة المقاومة هؤلاء كلهم رغماً عما لاقوه من حكومة فرنسا، وإخوانهم مسلمي القطرين من حسن الوفاء، فإنهم عُرضة لخطر المجاعة بعد أن أنهكت قواهم الحرب.. ونحن في هذا العدد الكثير لذلك أصابنا من الخصاصة ما جعلنا نرفع هذا الصوت سائلين إخواننا إسعافنا والله لا يضيع أجر المحسنين، وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون (44).

وتوالت الهجرات الليبية الجماعية إلى الأقطار المجاورة خلال سنة 1931 أيضا حيث تناقلت الصحف التونسية والجزائرية أخبار تلك الهجرات الجماعية للأسر الليبية التي وصلت إلى الجزائر وهي في حالة يرثى لها، وقد تأسفت صحيفة الشهاب الجزائرية التي يصدرها الشيخ عبد الحميد بن باديس من قسنطينة لوضعية أولئك اللاجئين الطرابلسيين الذين وصلوا إلى التراب الجزائري قائلة: “أما الذين قدموا إلى الجنوب الجزائري من هؤلاء اللاجئين البائسين فيبلغ عددهم نحو السبعة آلاف على حافة فقر وبؤس لا يمكن أن يستطيع قلم وصفها .. وقد جمع لهم إخواننا أهل بسكرة الأبرار إعانة من بينهم(45).

كما احتج الشيخ عبد الحميد بن باديس باعتباره رئيساً لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين على التصرفات الإيطالية تجاه الطرابلسيين لدى رئيس جمعية حقوق الإنسان الفرنسية قائلاً: “الرئيس قيرنوط نهج لونيفرسيتي” إن الأمة الإسلامية الجزائرية لفي أقسى التأثر مما لحق بإخوانهم الطرابلسيين الذين ذهبوا ضحايا التوحش الفظيع وهي تريد أن تيسر ذلك لأن ترى تدخل جمعيتكم الأليق المصلحة هؤلاء المنكوبين(46).

وتعتبر هذه البرقية صرخة احتجاج في وجه إحدى المنظمات العالمية التي تنادي بحقوق الإنسان في أوروبا، في وقت لم يكن فيه أقل صدى في العالم الغربي للاحتجاجات التي أطلق صرختها الليبيون وناصرهم في ذلك أشقاؤهم العرب وإخوانهم المسلمون .

وهكذا يرى الباحث أن موقف الشيخ عبد الحميد بن باديس من الفظائع الإيطالية في طرابلس الغرب وبرقة كان موقفا شاملاً واضحاً وصريحاً يتسم بالحدة والصرامة والشجاعة، فلم يفرق بين ما ارتكبته إيطاليا في حق الليبيين وما ارتكبته فرنسا بحق الجزائريين؛ فكلا الاستعمارين الإيطالي والفرنسي من وجهة نظره وجهان لعملة واحدة، وكذلك الكفر ملة واحدة، وهو بذلك يضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية، ويحملهم المسئولية أمام الله والتاريخ في إبادة الشعب العربي المسلم في طرابلس وبرقة المدافع عن وطنه المغصوب بقوة السلاح.

3.موقف الشيخ عبد الحميد بن باديس من ترسيخ السيادة الإيطالية على ليبيا عقب استشهاد عمر المختار :

ما إن انتهت حركة المقاومة عقب استشهاد عمر المختار في 16 سبتمبر 1931 حتى شرعت إيطاليا في تنفيذ مخططاتها الاستعمارية الرامية إلى توطين الإيطاليين في المزارع التي اغتصبتها من الليبيين(47) .

كما قامت بافتتاح العديد من المدارس الإيطالية بإقليمي طرابلس وبرقة واهتمت بشكل كبير بشريحة الفتيان الليبيين المعروفين بشبيبة الليتوريو العربي، وعملت جاهدة على غرس الثقافة الإيطالية فيهم، وتنشئتهم على الطريقة الفاشستية التي لا تعرف ولاء للوطن الحقيقي بل للزعيم موسوليني وإمبراطورتيه الرومانية التي حلم بها طيلة تلك السنوات

وعلى هذا الأساس شرعت السلطات الإيطالية في تجنيد الشباب الليبيين لاستغلالهم في الحروب التي تخوضها في الحبشة وإسبانيا، وأغرتهم بالأموال والمناصب والرحلات المجانية إلى الأماكن المقدسة في الأراضي الحجازية. ومع نهاية سنة 1935 وبداية سنة 1936م جندت إيطاليا حوالي تسعة آلاف مقاتل ليبي وأرسلتهم إلى ميناء مصوع بأريتريا، وبرافا في الصومال(48) .

وفي محاولة من السلطات الإيطالية لتمويه الرأي العام العربي والدولي قامت بإطلاق سراح بعض المعتقلين السياسيين، كما قامت في خطوة أخرى تُعد كثر أهمية على الصعيد الوطني حيث قامت بتسريح الآلاف من المعتقلين من الرجال والنساء والأطفال المحشورين في معسكرات الاعتقال الجماعية في سلوق والمقرون، والبريقة، والعقيلة (49) .

وعندما شعرت إيطاليا بخطورة وضعها وموقفها الحرج أمام الرأي العام العربي والإسلامي، والرأي العام الدولي أيضا، أخذت تتقرب إلى الأقطار الإسلامية، وتفننت في وسائل الخداع والمراوغة، فقامت بنشر دعايتها على صفحات جريدتي “العدل” والرقيب العتيد الطرابلسيتين، فتصدت لها الصحف العربية في المشرق والمغرب العربي على حد سواء وقامت بحملة شعواء ضد إيطاليا وعملائها في كافة الأقطار العربية نالت بصفة مباشرة سمعة إيطاليا وزادتها كراهية على كراهيتها السابقة(50).

وفي الفترة من 10 إلى 22 مارس 1937م، قام موسوليني بزيارته الثانية إلى طرابلس وبرقة لافتتاح الطريق الساحلي الممتد على طول الساحل الليبي من قرية مساعد شرقاً على قرية رأس أجدير غرباً، ولكي يظهر أيضاً للسكان الليبيين وللعالم الإسلامي بأن إيطاليا تسعى لتطوير الاقتصاد الليبي، وتعمل من أجل رفاهية السكان المحليين، وأن بإمكان العالمين العربي والإسلامي الاعتماد على قوتها خاصة بعد أن أعلن موسوليني عن نفسه بأنه “حامي “الإسلام لكن الهدف الحقيقي من تلك الزيارة هو الإعلان أمام الرأي العام الأوروبي بأن طرابلس وبرقة أصبحتا جزءً  أساسيا من الإمبراطورية الإيطالية وخندقا من خنادق المواجهة المحتلة في البحر المتوسط وفي المستعمرات الفرنسية في تونس والجزائر ومراكش، والمستعمرات الإنجليزية في مصر والمشرق العربي .

وقد علق الشيخ عبد الحميد بن باديس على تلك الرحلة عبر صحيفة الشهاب قائلا: “إن” هذه الرحلة ما هي إلا استعراض دجال، ولو كانت لنا بالضحك قوة لضحكنا من هذه الخزعبلة الكبيرة ،المضحكة فخزعبلة السيف التي كلفت الحكومة مائتي ألف ليرة إيطالية وحملت إلى طرابلس وقدمت هناك من قبل فريق من المسلمين بموجب أوامر عليا أطلقوا عليه اسم “سيف الإسلام يا إيطاليا يا عديمة الرحمة يا دموية، ماذا فعلت خلال ربع قرن بنصف مليون من المسلمين ؟ من الذي فوض طاغيتك في التحدث باسم الإسلام؟ وأن يعلن في انعدام ضمير على الطريقة الرومانية أنه حامي حمى الإسلام(51).

كما سعى الشيخ عبد الحميد بن باديس من خلال جمعية العلماء المسلمين  وجريدة الشهاب الناطقة باسمها أن يُذكر الشعب الجزائري بمجاهدي العروبة  والإسلام وعملهم الدائب لتعميق فكرة الأخوة العربية الإسلامية التي تجمع بينهم وبين أشقائهم الليبيين .

كما أصدرت جمعية الدفاع عن طرابلس وبرقة بتونس منشورا بعنوان: استغاثة الجالية الطرابلسية البرقاوية بالعالم الإسلامي ورجال الإنسانية، وهو عبارة عن كراسة صغيرة من ثماني عشرة صفحة من الحجم الصغير تبدأ بطلب النجدة من المسلمين لإنقاذ القطر الطرابلسي من الحكومة الفاشستية التي تنشئ شعباً إيطاليا على أنقاض شعب عربي، وتنتهي بتوجيه كلمة إلى موسوليني وشعبه(52) .

واستمراراً للدعاية الإيطالية الفاشستية كتب الحاكم العسكري لطرابلس وبرقة المارشال بالبو قائلا: “إن مشاركة العربي في حياتنا الاجتماعية تبدأ منذ نعومة أظفاره سواء عن طريق التحاق التلاميذ بالمدارس والمعاهد الإيطالية في جميع المراكز، أو في التحاق الأحداث في شبيبة الليتوريو العربي، وتصير محكمة بعد التحاقه بالخدمة العسكرية، وليس عندنا في طرابلس – برقة حاكمون ومحكمون بل إيطاليون كاثوليكيون، وإيطاليون مسلمون وهؤلاء يتحدون في مصير يُحسدون عليه لأنهم عناصر بناء لجهاز عضوي كبير وقوي هو الإمبراطورية الفاشستية (53).

لكن الأمر الخطير الذي أرق الشيخ عبد الحميد بن باديس هو قرار المجلس الفاشستي الأعلى في أوائل شهر ديسمبر 1938م إلحاق طرابلس – برقة بإيطاليا، ذلك القانون الذي اتخذه الإيطاليون أداة لطلينة الليبيين (تجنيس الليبيين بالجنسية الإيطالية) وكان هدفهم من ذلك القضاء على البقية الباقية من أبناء البلاد العربية المسلمين، فاحتج على ذلك بشدة وفضح أساليب الفاشست الرامية إلى طلينة الليبيين وإحكام السيطرة عليهم، كما احتجت بالمقابل جمعية الدفاع عن طرابلس وبرقة بتونس على ذلك الإجراء(54) .

وإيمانا من الشيخ عبد الحميد بن باديس بأنه لن ينصلح حال الأمة الإسلامية إلا إذا صلح علماؤها لأنهم بمثابة القلب للأمة، ولن ينصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم وقوي إيمانهم فإنه لم يتردد في توجيه نقده اللاذع إلى بعض المواقف المتخاذلة لبعض العلماء الذين سخرتهم إيطاليا لخدمة أغراضها في السابق، ويذكر بالموقف المشين الذي وقفه قاضي قضاة طرابلس عندما قام في هيئته الشرعية فقدم سيفا لموسوليني خلال زيارته السابقة إلى طرابلس فيكرر استهجانه لذلك الموقف قائلا: “منذ زمن قريب قام قاضي طرابلس فقدم سيفا لموسوليني، فلم يكفه أن يسميه سيف  طرابلس فيكذب على وطنه وقومه فسماه سيف الإسلام ليكذب على دينه وربه، وزاد في هذا الإفك والجرأة أن سمي مستعبده، ومستبعد إخوانه المسلمين حامي الإسلام.

مما سبق يمكننا القول إن الشعب الجزائري الشقيق بكافة شرائح مجتمعه ، وخاصة علماؤه الأجلاء وفي مقدمتهم الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الجزائرية الحديثة تنبه إلى خطورة الإجراءات الاستعمارية فطالب الشعب الجزائري بالوقوف إلى جانب أشقائه الطرابلسيين، وطالب بجلاء المستعمرين الإيطاليين عن التراب الطرابلسي، واحتج لدى المنظمات الإنسانية الدولية، ونادى بالمحافظة على وحدة التراب الليبي وشعائر الدين الإسلامي، وسعى إلى تعميق فكرة الأخوة العربية الإسلامية التي تجمع بين الليبيين والجزائريين، وكانت ميادينه في ذلك المساجد والساحات العامة والاجتماعات الوطنية والقومية والمناسبات الدينية، وكتابته لكثير من المقالات الصحفية في الصحف الجزائرية وخاصة جريدة الشهاب الناطقة باسم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين .

الخاتمة :

اتضح مما سبق أن الدعم المادي والمعنوي الجزائري كان له أثر كبير في حركة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإيطالي ، وقد ارتبط هذا الدعم بالمشاركة المباشرة في الجهاد، وقد استشهد عدد منهم على تراب ليبيا نصرة للدين ولإخوانهم ، وهذا يوضح وحدة الضمير الجمعي ووحدة المصير بين أبناء الأمة الواحدة، وأن الحدود التي صنعها المستعمر بين الدول لم تكن حاجزا للشعور بالظلم والغبن الذي سبّبه الاستعمار .

الهوامش :

() مصطفى حداد موقف الجزائر من الغزو الإيطالي لليبيا مجلة الشهيد، العدد7-8 طرابلس مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية أكتوبر 1987 ، ص 48

(2) مصطفى علي هويدي، “دور الشعب الجزائري في دعم حركة الجهاد في ليبيا”، مجلة آفاق تاريخية، السنة الثانية العدد الثاني، الجمعية التاريخية العربية الليبية 1977 ص 62

(3) مصطفى حداد، المرجع السابق، ص 49 ، وأروخان قول أوغلو، نشأة الرأي العام الإسلامي أثناء الأشهر الستة الأولى من الحرب الليبية 1911-1912 مجلة البحوث التاريخية عدد 3، طرابلس مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، 1985 ، ص 191، ص 198 . وأبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنية الجزائرية 1930، ط 1 ، بيروت منشورات كلية الآداب، 1969، ص138

(4) محمد ناصر، الصحف العربية الجزائرية من 1847 ، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع 1990 ، ص 123-138 .

(5) ناصر الدين سعيدوني، دراسات وأبحاث في تاريخ الجزائر، ج 2 الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1988 ، ص 246-265.

(6) محمد الأسطى: مذكرات ضابط ليبي، مجلة الأفكار ، ع 6 ، 27/08/1959م، ص 27 – 28 .

(7) الغزو الإيطالي لليبيا: مجلة الشهيد، ع7، 8، 1986م، ص 49.

(8) حداد مصطفى: موقف الجزائر من الغزو الإيطالي، مجلة الشهيد ، ع 7 ،8، 1986م، ص 49.

(9) حداد مصطفى: موقف الجزائر من الغزو الإيطالي ، المرجع السابق، ص 50-51.

(10) إبراهيم مياسي لمحات من جهاد الشعب الجزائري ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر، 2007 ، ص290.

(11) أبو القاسم سعد الله هموم حضارية، دار الأمة، م 1 ، الأول سنة 1930م، الجزائر، ص123.

(12) عميراوي إحميدة: نبالة المواقف الليبية في الثورة الجزائرية، 1954 – 1962م، المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية سنة 2009م، ص 30

(13) محمد صالح الجابري، يوميات الجهاد الليبي في الصحافة التونسية مجلد 202/19- 1932م، الدار العربية للكتاب ليبيا ص 274.

(14) المرجع نفسه ، ص 248 .

(15) محمد صلاح الجابري المصدر نفسه، ص 249.

(16) محمد ميلاد مبارك، المجاهد المرحوم الحاج مصطفى الجزائري، شيء عن حياته وجهاده، مجلة الشهيد العدد المزدوج السابع والثامن، سنة 1986 -1987م، ص 173.

(17) حديث مسجل المصطفى عوني لدى مكتبة المشيرقي.

(18) نفس المرجع، ص 173.

(19) جمعة عبد الصبور هذا الرباط المقدس بين جبل الجزائر والجبل الأخضر، الأسبوع الثقافي عدد 5 جمادي الثانية، 1398 ، ص 16

(20) المرجع السابق، ص 16.

(21) محـمد ميلاد مبارك، المصدر السابق، ص 181.

(22) محـمد ميلاد مبارك، مرجع سابق، ص 183-184.

(23) حديث لمصطفى عوني، مسجل لدى مكتبة المشرقي.

(24) نفس المرجع .

(25) جمعة عبد الصبور، هذا الرباط المقدس، مرجع سابق، ص 16-17

(26) مصطفى عوني، حديث مسجل لدى مكتبة المشيرفي.

(27) نفس المرجع السابق .

(28) حديث مسجل لمصطفى عوني التفراوي لدى مكتبة الهادي المشيرفي الشخصية.

(29) مصطفى سعد الهاين، أثر الدين في جهاد الليبيين”، مجلة الشهيد، العدد 30 طرابلس، مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية 1982، ص 61.

(30) الرأي العام الإسلامي خلال الحرب الليبية الإيطالية، تأليف كولوغلو أورخان، ترجمة عبد القادر مصطفى المحيشي، الناشر مركز جهاد الليبي، 2000م، ص 56-242.

(31) ناصر الدين سعدوني، صدى كفاح عمر المختار في الجزائر، مجلة البحوث التاريخية، (العدد 2)، 1988م.

(32) البصائر، 30 ديسمبر 1931م، عدد 29 السنة السابعة عنوان الحلقة الأخيرة في الجهاد الوطني، ص 48 .

(33) الشيخ عبد الحميد بن باديس “أيها الرسميون اتقوا الله في الإسلام والقرآن، البصائر، عدد 146 ، الجزائر، 30 ديسمبر 1938 ، والطاهر زرهوني، التعليم في الجزائر قبل وبعد الاستقلال الجزائر، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية 1944 ص 28 .

(34) ناصر الدين سعدوني، صدى كفاح عمر المختار في الجزائر، مرجع سابق، ص38.

(35) تركي رابح، الشيخ عبد الحميد بن باديس والحركة الإصلاحية السلفية في الجزائر، مجلة الثقافة الجزائر، 12 : 38 1982 ص 29-48 ورابح تركي الصراع بين جمعية العلماء وإدارة الاحتلال الفرنسي للجزائر في الفترة ما بین 1933-1939 ، مجلة الثقافة الجزائر، 5: 85، 1985 ، ص 183- 202 ، ومحمد صالح الجابري النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس 1900-1962 ، طرابلس تونس الدار العربية للكتاب، 1983 ص 36-59 .

(36) نفس المرجع السابق ، ص 35-36 .

(37) عمر منصور الشتيوي (جمع وترتيب)، حرب القرصنة بين دول المغرب العربي والولايات المتحدة، ط2، طرابلس دار الفرجاني للنشر، 1993 ، ص 89 – 129 ، وأحمد توفيق المدني، هذه هي الجزائر، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية 1956 ص 67-76.

(38) عمر بن قينة، أعلام وأعمال في الفكر والثقافة والأدب، دمشق، اتحاد الكتاب العرب 2000 ،ص 35

(39) الطاهر الزاوي، جهاد الأبطال في طرابلس الغرب، ط 2، طرابلس، دار الفرجاني، 1993 ث، ص 444.

(40) مصطفى أحمد أثر الفاشست في حركة الجهاد الليبي1922-1932 ، مجلة الشهيد عدد 3 طرابلس مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية 1982 ، ص 85-86.

(41) رودولفو غراتسياني، برقة الهادئة، ط3، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر بنغازي، دار الأندلس، 1980 ، ص 41 ومنشور بتوقيع والي ليبيا ماريشال إيطاليا بترو بادوليو بعنوان “”يا أهالي برقة”” صدر في بنغازي بتاريخ 19 يونيو 1929 ، مجلة الثقافة العربية عدد 8،9 طرابلس أمانة الإعلام والثقافة أغسطس سبتمبر 1988 ص 939.

(42) مفتاح السيد الشريف الاستعمار الإيطالي لليبيا بواعثه وأسبابه، طرابلس ، دار النشر الليبية 1970 ، ص 58- 64.

(43) كنود هولمبو، صراع الصحراء، تعريب عمر الحاج طرابلس درا المصراتي، 1969 ، ص 208 وغراتسياني، برقة الهادئة، ص 21 .

(44) حول نشأة اللجنة التنفيذية للجاليات الطرابلسية البرقاوية بدمشق، وعلاقتها بالمهاجرين الليبيين في تونس انظر: بشير السعداوي، رئيس اللجنة التنفيذية للجاليات الطرابلسية البرقاوية، كتاب مفتوح إلى عموم الجالية الطرابلسية البرقاوية بالقطر التونسي، جريدة الصواب عند 596 تونس 18 أكتوبر 1929، ص2.

(45) تونس، طرابلس برقاوي، “الحكم الإيطالي في القرن العشرين، ربع مليون طرابلسي برقاوي يفر من جوز الفاشست”، القبس، عدد 296 ، دمشق، 07 فبراير 1930 ، ص 1 . وعبد العاطي الطرابلسي، بيان عن أحوال طرابلس الغرب إيطاليا تجلى المسلمين عن ديارهم عشرة آلاف من المهاجرين يتألمون من الجوع نداء إلى العالم الإسلامي بواسطة الصحافة الإسلامية التونسية لسان الشعب عدد 437، تونس، 6 مايو 1931، ص 1 وكذلك ح، ز. طرابلس مهاجر الفظائع الاستعمارية بطرابلس برقة إلى العالم عموماً”، النهضة، عدد 2495 ، تونس، 06 مايو 1931، ص 1.

(46) ناصر الدين ،سعدوني دراسات وأبحاث في تاريخ الجزائر، ص 276 .

(47) عبد الحميد بن باديس، فظائع الطليان، الشهاب ج6 ، مجلد 7، قسنطينة، يوليو 1931 ، ص 413، ولمعرفة المزيد عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين انظر على سبيل المثال، أحمد الخطيب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأثرها الإصلاحي في الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1985 ، ص 217 ، ومازن صلاح حامد مطبقاني، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية 1931-1939 ، دمشق بيروت، دار القلم دار العلوم، ط 1 ، 1408هـ / 1988م، وعبد الكريم بوصفصاف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلاقتها بالحركات الجزائرية الأخرى الجزائر: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار، 1966 ، ص 322 و جمعية حقوق الإنسان تحتج على الفظائع في برقة وطرابلس”، الشورى، عدد 335 ، القاهرة، 5 أغسطس 1931، ص 2.

(48) . علي أحمد حبيل الاستيطان الإيطالي في ليبيا 1931-1970 – (ماجستير) القاهرة، معهد البحوث والدراسات العربية قسم الدراسات التاريخية، 2003، ص 94-98.

(49) ديل بوكا، الإيطاليون في ليبيا، ج2، ترجمة محمود علي التائب، مراجعة عمر محمد الباروني طرابلس مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية ، 1995، ص 323-326 .

(50( المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية بطرابلس، شعبة الوثائق والمخطوطات، ملف شكري فيصل، رقم (14)، الظرف السادس، و.ر (40) ، رسالة من شكيب أرسلان إلى بشير السعداوي يذكر له جهوده مع إيطاليا لاسترجاع 60 ألف عربي إلى الجبل الأخضر، جنيف بتاريخ 2 تشرين الثاني (نوفمبر).

(51( سياسة إيطاليا نحو المسلمين كما ترويها الدعاية الإيطالية للبلاد، عدد 462 . بغداد ، 8 يناير 1936، ص 6.

(52) الشهاب قسنطينة: أبريل 1937 ، والحبيب المزيو موسوليني حامي الإسلام العصر الجديد عدد 188 صفاقس 13 مارس 1937 ، ص 2 ، وأمين سعيد، أصحيح أن السنيور موسوليني صديق العرب والإسلام”، العصر الجديد، عدد 191 ، صفاقس، 9 إبريل 1937، ص 32.

(53) محمد فؤاد شكري، ميلاد دولة ليبيا ، ج 1 مجلد 1، القاهرة، مطبعة الاعتماد، 1957، ص 852.

(54) انجليو ديل بوكا، الإيطاليون في ليبيا، 315 . الاستعمار الإيطالي في طرابلس وبرقة، احتجاج جمعية الدفاع عن طرابلس وبرقة بتونس على إلحاق طرابلس الغرب بإيطاليا، الرأي العام، عدد 142 ، بغداد، 1 ديسمبر 1938 ، ومحمد فؤاد شكري ميلاد دولة ليبيا، ج 1، مجلد 1 ص 153 ، و “دستور الإيطاليين المسلمين ليبيا المصورة، العدد 2 السنة 4 نوفمبر 1938م

Margins:

  1. (*) الزاوية الكحلة: واحة في منطقة الجزائر قرب الحدود الليبية الجزائرية، كان يمر فيها تجار القوافل.
  2. (**) بني وليد موطن قبيلة ورفلة وهي اسم لبطن من بطون قبيلة هوارة القديمة وسكان المنطقة الآن عرب خلص.
  3. (*) مقبرة الزلاج وهي المقبرة الرئيسية في مدينة تونس حيث حصل بالقرب منها معركة سنة 1911 بين المتظاهرين والقوات الفرنسية.
  4. (**) الخماسون: هم صناع الخماسية، وهي آلة موسيقية تقليدية تُصنع من خشب الأرز أو الجوز.
  5. (*) صلح سواني بن يادم قرية صغيرة تقع جنوب غربي طرابلس، وقعت بها اتفاقية بين حكومة الجمهورية الطرابلسية والحكومة الإيطالية سنة 1919م وانقسمت حولها المقاومة.
  6. (*) تفراوة والجريد منطقتان تقعان في الجنوب التونسي، وسوف منطقة في شرق الجزائر بالقرب من الحدود الليبية.