سيميائية العنوان كنص موازي لبناء المعنى – العنوان والمعنى: امبرتو ايكو

ترجمة: محمد دخاي1

1 مختبر العلوم الإنسانية التطبيقية -المدرسة العليا للأساتذة – فاس – المغرب

بريد الكتروني: mdakhay2013@gmail.com

HNSJ, 2024, 5(3); https://doi.org/10.53796/hnsj53/15

Download

تاريخ النشر: 01/03/2024م تاريخ القبول: 20/02/2024م

المستخلص

الرواية نصٌ مفتوح على التأويل، حيث يرى امبرتو إيكو بأن المسؤولية التأويلية للنّص يجب أن تقع على عاتق القارئ وحده، من دون أي توجيه أو تدخل من المؤلف. بما في ذلك العنوان كنص موازي يعد من بين أحد المفاتيح التأويلية والسيميائية لان الخلاص يكون بالعثور على عنوانٍ لا يوجّه القارئ إلى تأويلٍ معيّن..

ان رؤية امبرتو إيكو الناجحة لتجنّب توجيه القارئ إلى تأويلٍ بعينهِ، ومصادرة حقه في إنتاج تأويله الخاص للنّص، يكون بالعثور على صورة رمزية مليئة بالدلالات لدرجة أنها تكاد تفقد في نهاية الأمر كل الدلالات لان العنوان الناجح ينبغي أن يبلبل ذهن القارئ، لا أن ينير له الطريق.

الكلمات المفتاحية: السيميائية – النص الموازي – العنوان – المعنى.

Research title

The semiotics of the title as a parallel text for constructing meaning Title and meaning: Umberto Eco

Translated by: Mohammad Dakhay1

1 Applied Human Sciences Laboratory – Higher Normal School – Fez – Morocco Email: mdakhay2013@gmail.com

HNSJ, 2024, 5(3); https://doi.org/10.53796/hnsj53/15

Published at 01/03/2024 Accepted at 20/02/2024

Abstract

The novel is an open text for interpretation, where Umberto Eco believes that the interpretive responsibility of the text should fall solely on the reader, without any guidance or intervention from the author. This includes the title, which as a parallel text, is among the interpretive and semiotic keys, as salvation lies in finding a title that does not direct the reader to a specific interpretation.

Umberto Eco successful narrative in avoiding directing the reader to a specific interpretation, and seizing his right to produce his own interpretation of the text, is achieved by finding a symbolic image filled with connotations to the extent that it almost loses all its meanings in the end, as a successful title should unsettle the reader’s mind, rather than illuminate the way for him.

Key Words: Semiotics – Parallel text – Title – Meaning.

  • مقدمة

العنوان كنص موازي [1](Paratext)لا يجعل أي كتاب عملاً ولكن من الصعب فصله عنه، فإبداعات انسانية من مثل: الكيميائي، البخيل، هاملت، مدام بوفاري، زهور الشر وغيرها، وكم من عناوين أخرى أصبحت رموزًا خالدة. لا يمكن فصل العناوين عن النصوص التي تعلنها في بعض الأحيان، تظل العناوين هي الذكرى الوحيدة للقراءات السابقة، أو حتى الجزء الوحيد المقروء من النص. من لا يعرف بعض عناوين الأعمال التي لم يقرأها ولكنه يعرف أهميتها أو يشتبه فيها؟ يتعلم كل قارئ في وقت ما أن يكون حذرًا من عناوين الكتب ، فيهي اما ان تكون غير كاملة ومضللة أو تكون مغرية. من منا من لم يشعر ببعض الدهشة أو الخيبة عند قراءة كتاب بعنوان مغري؟ مع التجربة، يكون الحذر هو المسيطر، ولكن الفضول أيضًا يصنع القارئ. من خلال طرح مشكلة العنوان الأدبي بناءً على القارئ ونشاطه التفسيري.

فالعنوان يجسد مفهوم قراءة نقدية ايضا، كوسيلة لاكتشاف هياكل النص الدالة، والعنوان له مكانة هامة في الخطابات الأدبية لأنه يمثل جزءاً فعالاً في البنية الشعرية والخطابية ايضا، وذلك لما فيه من الدلالة والتلميح، حيث يحاول المبدع جذب انتباه القارئ لإغرائه بدخول عوالمه من خلال العنوان؛ لأنه يمثل أول شيء يلتقي به القارئ من الكتاب. وقد احتل العنوان أهمية بارزة في النصوص الابداعية. لأنه هو العتبة الحقيقية التي تمثل عالم النص المغلق، ويعتبر المفتاح الأهم بين مفاتيح العمل التي يمكن من خلالها فك أسرار وأشياء مخفية في النص ودخول عالمه والبحث في متاهته وينطلق المستقبل نحو عالمه، وينظر إليه على أنه ” يمنحنا فهمًا عن كل ما يتضمنه الكتاب، ومن خلاله يستطلع القارئ النص لاكتشاف مغزاه وفهم معناه، وفك رموزه ليمكن القارئ من معرفة هوية النص ومحتواه الذي يتناوله[2]. مما يساهم في إنتاج دلالات النص، ويوضح معانيه وفهم مقصديته.

في الغرب، يتم تقديم العنوان بوضوح وينتشر استخدامه مع اختراع الطباعة. فغالبا ما يتم تخصيص صفحة كاملة من الكتاب المطبوع للعنوان. فبعد الثورة الفرنسية، حلت الكتب المطبوعة محل المجلدات المصنوعة من الجلد، والتي تعتبر على انها مكلفة للغاية.

  • سيميائية العنوان كنص موازي لبناء المعنى

منذ القرن التاسع عشر، اجتاح العنوان الفضاء الكتابي حرفيًا: يمكن العثور عليه على الغلاف، وفي أعلى كل صفحة في العنوان الجاري. وهو تطور ترافق مع تغيرات شكلية عديدة. في الماضي، كان العنوان طويلاً ووصفيًا، بنحوية معقدة في بعض الأحيان، ولكن في الوقت الحاضر، غالبًا ما يكون العنوان عبارة عن جملة بدون فعل، أو جملة اسمية.

تختلف تركيبة العناوين بشكل كبير حسب الشكل والصياغة وحسب المؤلفين والعصور وأنواع النصوص وأنواع الطبعات والجمهور المستهدف. تصبح العناوين الطويلة للكتب القديمة (خاصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر) نادرة في القرن التاسع عشر ولا يوجد لها ما يعادلها في الوقت الحاضر إلا لأغراض ساخرة. حتى العناوين القديمة يتم تقليصها في الطبعات الحديثة. يُلاحظ هذا الاتجاه نحو الاختصار أيضًا في الماضي، عند إعادة طبع الكتب الناجحة. إذا كانت العناوين القصيرة تحظى بشعبية واضحة بين الناشرين ذلك ان الاختصارات والتعديلات الأخرى على العناوين الأدبية تحدث في أغلب الأحيان بدون موافقة المؤلف وأحيانًا على حساب المعنى الأصلي.

يعتبر العنوان في الصحافة أمرًا حاسمًا لأن ” للعنوان وظيفتان أساسيتان: لفت الانتباه وإيصال رسالة.[3] ويُقرأ العنوان في المتوسط خمس مرات أكثر من متن النص. بشكل عام، العنوان تلخص هذه المادة. إنها ملصق يوضح المحتوى. يعطي التصور فورا للرسالة الأساسية.

ويتم دراسته على هذا النحو. في المجال الأدبي، لم يهتم قليل من الباحثين به. كما نجد في هذا النص لامبرتو ايكو. فلم يتم التعامل مع هذه الظاهرة بشكل نظري ومنهجي قبل عام 1970، باستثناء بعض الحالات. حيث يعزى اختراع مصطلح titrologie لكلود دوشيه (1973) للإشارة إلى هذا المجال من الأبحاث. بصرف النظر عن بعض الدراسات الحالية، بما في ذلك الدراسة المعمقة التي أجراها سيرج بوكوبزا (1986) حول رواية ستاندال (الأحمر والأسود.) وقد عمل جيرار جينيت على وصف وفحص الخطاب المصاحب للأعمال الأدبية في “العتبات” (1987). حيث يدين له بمفهوم النص الموازي وهو ما قد يشجع أو حتى يسهل القراءة.

قد يحتوي الكتاب على مجموعة من العناصر المحيطة بالنص الأساسي، والتي تتميز بخصائصها الخاصة، مثل اسم الكاتب والناشر، ونص تقديمي في الغلاف الخلفي، ورسوم توضيحية، ومقدمة، ومقدمة المؤلف، أو أي شكل آخر من أشكال الخطاب المرافق. بالإضافة إلى ذلك، وبمبادرة من الناشرين وبغاية استهداف للقراء، يتم إضافة عناوين المجموعات التي تساهم في هوية الكتاب وتوقع استقبالهّ، بجانب عناوين الأعمال الأدبية، تلعب العناوين الداخلية والعناوين الفرعية والعناوين الفرعية دورًا فريدًا.

يساهم هذا النص الموازي في فعالية النص، مما يضمن له التماسك والقابلية للقراءة. على سبيل المثال، فإن عناوين فصول قصص فولتير لها أكثر من وظيفة في تحديد دلالات النصوص. إنها ملخصات أو أطر مرجعية ساخرة للسرد الذي سيأتي في تلك الحقبة، يمكن أن تكون أيضًا استجابة مسبقة لتوقعات القارئ وشكلًا من أشكال التحقق من عمله التأويلي. حيث يفترض ذلك أن يتعاون القارئ في عملية بناء المعنى. قد يكون الإقناع أيضًا تلاعبًا بالقارئ، كما في نظرية القارئ النموذجية لأومبرتو إيكو (1985) والتي لا يزال لها الفضل في تذكيرنا بهذه الحقيقة: إن النص مصمم ليكون مقروءًا.

فالعناوين تخضع لقواعد مشتركة أو فردية اعتمدها المؤلف – إن لم يكن المترجم أو الناشر – وهو ما يعني وجود عادات وتقاليد مرتبطة بفترة زمنية معينة أو نوع أدبي. وهكذا يكون الأمر مع “العناوين ” الطويلة في عصر النهضة، والأبيات الأولى التي تعمل كعناوين للقصائد.

  • تعليق على “ملحق إسم الوردة”

افتتح أمبرطو إيكو كتابه الذي ينتمي اليه هذا النص والمسمى “حاشية على اسم الوردة” بالحديث عن العنوان والمعنى وكيف استوحى عنوان رواية اسم الوردة من البيت الشعري اللاتيني الذي ختمت به الرواية مضيفا أن ما يفضل من الأشياء هو الأسماء فقط، إذ يمكن استخدام اللغة للحديث عن الأشياء الزائلة وغير الموجودة أساسا. بعد ذلك فالرواي غير ملزم بتقديم تأويل لعمله لأن الروايات هي آلات لتوليد التأويلات. والعنوان في حد ذاته مفتاح تأويلي إذ لا يمكن إغفال الإيحاءات المتولدة عن عناوين ” الأحمر والأسود” أو “الحرب” “والسلام” أو حتى العناوين التي تستعير أسماء أبطالها (كروبنسون كروزوي ). وقـد كان لاسم الوردة عناوين أخرى كدير الجريمة وقد ألغاه امبرتو إيكو لكونه يركز على الحبكة البوليسية وحدها و (كادسو دوملك) وهو عنوان حيادي جدا إلا أن الناشرين في إيطاليا لا يحبون الأسماء الأعلام. وقد لعبت الصدفة دورها في اختيار عنوان (إسم الوردة). فللوردة دلالات رمزية متعددة وهو ما قد يضلل القارئ حتى نهاية الرواية.

وقد سعد (إيكو) كثيرا حين تم اكتشاف قراءات وتأويلات لم يعها هو نفسه أثناء الكتابة. لكنه يتحفظ بشأن تأويل ذلك لكونه يعتقد أن موت المؤلف واجبة بعد الكتابة لكي لا يعيق مسار النص لكنه على خلاف ذلك حر في أن يحكي عـن الكيفيـة الـتي كتـب بـهـا والمشاكل التي وجدها في سبيل تحقيق تأثير شعري. فالكاتب يكون على دراية تامة بما يكلفه عمله، وعندما يقول الكاتب أن عمله من تأثير الإلهام فهو يكذب لكونه يعتبر العبقرية هي عشرون بالمائة من الإلهام وثمانون بالمائة من الجهد.

لقد كتب (إيكو) لأنه امتلك الرغبة في ذلك مدفوعا بفكرة كانت الاساس وهي تسميم راهـب إذ بدأ الكتابة في دير حديث ثم ما لبث أن تبين أن الماضي القروسطي لازال محملا بإيحاءات لامتناهية، ساعده في ذلك اشتغاله على جماليات العصر الوسيط والأرشيف المتراكم منذ مدة، بالإضافة إلى أنه كان لا يعرف الحاضر من خلال التلفزة بينما كان العصر الوسيط موطـن خياله اليومي ومصدر افتتان وإغواء مستمرين له.

لقد كان (إيكو) ساردا مبتدئا يخجل من الحكي إذ كان يحس بأنه يوجد إلى جانب من كان إلى فترة قصيرة ينظر إليهم من الضفة الأخرى. وقد اعتمد قراءات متعددة للمؤلفات القروسطية للإستئناس بالأسلوب وإيقاع الكتابة واكتشف أن الكتـب تتحاور فيما بينهـا، والقصص لا تحكي إلا عن قصص أخرى وهذا هو ما جعل القصة تعتمد على المخطوط المكتشف لتكون بذلك عبارة عن استرجاع.

للبدء في الحكي يلزم في البداية بناء عالم مؤثث في أدق التفاصيل، أما الكلمات فتأتي بمفردها بعد ذلك، لهذا كرس السنة الأولى من الإشتغال لبناء العالم، اعتمد لذلك على الكتب التاريخية والموسوعات القروسطية للإحاطة بجميع التفاصيل، هذه الأمور تستمد أهميتها من كون الرواية التاريخية تفترض عدم التضارب مع الأحداث والوقائع التاريخية في العالم الواقعي کاختيار نهاية نونبر من سنة 1327 زمنا للأحداث.

عمل (إيكو) على توحيد الزمان والمكان للحصول على مكان مغلق يكتسي طابعا اعتقاليا. أما مشاكل الحوارات فقد اعتمد لحلها على نظريات سردية وحيل لتمرير الكلمة بين مختلف الشخصيات. ورغم عمله الجريء أحيانا فقد التزم بأسلوب سردي وشعري لم يكن معروفا في ذلك العصر، كما جعل السرد على لسان (أدسو) الذي يحكي في سن الثمانين ما وشاهده أيام كان في الثامنة عشرة من عمره. فقد كان متشوقا لسرد القصة كلها عاشه بغرائبها وأحداثها الغامضة متبعا في ذلك أسلوب الإعراض لإدماج معارفه الموسوعية وهو أسلوب صحفي معروف آنذاك. ورغم اعتراض أصحاب دور النشر فقد أصر (إيكو) على استعمال المقاطع التعليمية الطويلة لكونه يعتبر من يدخل الدير ويقيم فيه سبعة أيام ملزما بقبول الإيقاع لأنه المسلك الوحيد لقراءة الكتاب بكامله، فالدخول إلى الرواية يشبه نزهة جبلية التي تقتضي اختيار نفس معين واتخاد خطوة جريئة. فالرواية العظيمة هي التي يعرف كاتبها متى يسرع الإيقاع ومتى يبطئه في ظل الإيقاع الأساسي الذي يبقى ثابتا كل كاتب يكتب وهو يفكر في قارئ ما فأثناء تكون العمل يتكـون حــوار مزدوج، الأول بين النص وباقي النصوص المكتوبة والثاني بين الكتاب وقارئه النموذجي. فبين مؤلف يستجيب لحاجات السوق ومؤلف يود خلق قارئ جديد تتعدد تصورات الكاتب لقارئه، لكن( إيكو) يرغب في قارئ متواطئ يصبح قروسطيا تماما ويصبح فريسته وفريسة النص إذ لا يعتقد في شيء آخر غير ما يزوده به هذا الأخير أي إن النص يروم أن يكون تجربة تحول لقارئه. وقد اختار الرواية البوليسية لأنها أكثر تجريدية وفلسفية لكنها تخدع السذج لأنها لا تسير في ذلك الإتجاه إلى النهاية. وإذا كانت الرواية البوليسية تلقى الترحاب فلأنها تمثل قصة رضية بامتياز. وعلى خلاف أشكال المتاهات المعروفة فقد كان (إيكو) بحاجة لمتاهة متكلفة وهو ما عكف عليه مدة لتحقيقه.

ثم انتقل للحديث عن النقاش والجدال الذي دار خلال السنوات الماضية حول الرواية التجريبية والرواية التجارية والطليعية وتلقي العمل من لدن الجمهور مؤكدا أن عدم مقبولية الرسالة من قبل المتلقي لم تكن ضمانة للقيمة إلا خلال فترة تاريخية محددة.

وردا على فترة ما بعد الحداثة الذي قيل وكتب عنها الكثير ما يؤكد إيكو أنها مقولة صالحة لمن هب ودب، إذ عرفت انزلاقا رجعيا تمثل في كونها تتراجع ولن تلبث أن تطلق على هوميروس. أما الطليعية فإنهـا تهد الماضي وتشوهه إذ تعتبر عبارة ” ليسقط ضوء القمر ” البرنامج النموذجي لجميع الطليعيات ويصور كاتبه ما بعد الحداثى المثالي على أنه ذلك الذي لا يقلد آبائه من القرن العشرين ولا أجداده من القرن التاسع عشر ولا يتخلى عنهم كذلك. فالرواية ما بعد الحداثية ملزمة بتجاوز الصراع بين الواقعية واللاواقعية بين الأدب الخالص وأدب الإلتزام؛ وعن اختياره الرواية التاريخية، يرى بأن جميع مشاكل أوربا الحديثة تشكلت في العصور الوسطى ورواية الماضي ليست هروبا من الحاضر لأن العصر الوسيط طفولة الأوربيين التي هم ملزمون دائما باستحضارها فكل فرد له تصوره الخاص – فاسد غالبا – عن العصر الوسيط، ورهبان تلك الفترة وحدهم يعرفون الحقيقة وإيكو يعتبر نفسه واحدا منهم.

  • النص المترجم:

منذ أن كتبت اسم “الوردة” تلقيت رسائل عديدة من لدن القراء، جلهم يسأل عن دلالة البيت الشعري اللاتيني [4]الذي ختمت به الرواية وكيف ولد العنوان.

أجيب دوما بأن الأمر يتعلق ببيت مأخوذ من كتاب “احتقار العالم” لبرنار دومورلیکس BERNARD DE MORLAIX، وهو راهب بندكتي من القرن عشر، أدخل تغييرات على موضوع زوال الأشياء (الذي كتب عنه، فيما بعد، فرانسوا فيون Francois عظماء Villon بيته المشهور ” لكن أين ثلوج الماضي؟) وأضاف للموضوع الشائع (عظماء الماضي، المدن المشهورة، الأميرات الجميلات، العدم حيث ينتهي كل شيء بالزوال) الفكرة المتمثلة في كوننا نحتفظ من الأشياء رغم زوالها بأسماء خالصة فقط. أذكر أيضا أن أبيلار ABELARD كان يستعمل لفظة “ليس هناك وردة” (NULLA ROSA كمثال ليوضح إلى أي مدى

باستطاعة اللغة الحديث عن الأشياء الزائلة تماما كحديثها عن الأشياء غير الموجودة. بعـد هذا، أترك القارئ ليستخلص نتائجه اعتقادا مني أن الروائي غـيـر بخـبر على تقديـم تـأويلات لعمله، وإلا فلاداعي لكتابة الروايات، إذ أن هذه الأخيرة هي بالأساس آلات لتوليـد التـأويل. غير أن هذه البراعة التي يتضمنها هذا الكلام الجميل يصطدم بحاجز لا يمكن تجاوزه: الرواية تتطلب عنوانا.

لكن للأسف، فالعنوان يصبح منذ اللحظة التي يوضع فيها مفتاحا تأويليا. ولايمكـن الإفلات من الإيحاءات المتولدة عن عنوان “الأحمر والأسود” أو عن عنوان الحرب” “والسلام. فالعناوين الأكثر تقديرا من لدن القراء هي تلك التي يمنحها البطل إسمه مثل دافيد كوبرفيلد أو روبنسون كروزوي. ثم إن العودة إلى البطل بمنح اسمه للكتاب قد يشكل تدخـــلا ســافـرا مـن قبل المؤلف. يركز عنوان “الأب غوريو” الإنتباه على شخصية الأب المسن بينما تحكي الروايــة ملحمة راستنياك أو فوتران ألياس كولان. ربما كان لزاما على الكاتب أن يكون نزيها عن عدم نزاهته كألكسندر دوما DUMAS في مؤلفه ” الفرسان الثلاثة” التي تحكي: قصة اربعة فرسان. لكنها حالات نادرة يقع فيها المؤلف بدون قصد.

في الواقع، كان لروايتي عنوان آخر “هو «دیر الجريمة «. وقد ألغيته لكونه يركز على الحبكة البوليسية وحدها، وهذا قد يدفع، دون وجه حق، مشترين تعساء مولعين بالتاريخ والأحداث إلى التهافت على كتاب قد يخيب آمالهم. كان حلمي أن أعنـون الكتاب” أدسو دوملك” وهو عنوان حيادي جدا، لأن أدسو، في النهاية، هو صوت القصة. لكن في إيطاليا، لا يحب الناشرون الأسماء الأعلام، فعنوان فرمو ولوتشيا [5](FERMO e LUCIA) نفسه قد تم استبداله، وبالنسبة للباقي فهناك أمثلة قليلة كليمونيو بوريو. (LEMMONIO BOREO). وهي لا تعني شيئا بالمقارنة مع أسماء من قبيل كوزين بت (COUSINE BETTE) وبـاري لندن (LYNDON BARRY) وأرمانس (ARMANCE) وطوم دجونس (TOM JONES التي تحفل بها آداب أخرى.

خطرت ببالي فكرة اسم الوردة” بالصدفة تقريبا، وقد أعجبتني لأن الوردة صورة ومزية مثقلة بالدلالات إلى الحد الذي تفقد فيه كل دلالة أو تكاد: الوردة الصوفية، وردة عاشت ما تعيشه الورود حرب الوردتين، الوردة هي وردة هي وردة الورود الصلبان شكرا على هذه الورود الرائعة الحياة في جانبها الوردي. لقد تم تضليل القارئ بحيث لا يستطيع أن يختار تأويلا. وحتى إذا قام بالقراءات الإسمية الممكنة للبيت النهائي، فانه حين يصل اليه يكون قد قام باختيارات يعلم الله من أي نوع هي. فالمفروض في العنوان أن يشوش الافكار لا أن يوحدها.

لا شيء يطمئن المؤلف أكثر من اكتشاف القراءات التي لم يفكر فيها والتي يوحي له بها القراء. فعندما ألفت أعمالا نظرية كان موقفي اتجاه النقاد من طبيعة قضائية، هل فهموا ما وددت قوله أم لا؟ في الرواية، الأمر يختلف تماما. لا أقول إن الكاتب لا يستطيع اكتشاف قراءة تبدو له زائغة، لكن في جميع الأحوال عليه التزام الصمت وواجب الاخرين. مناقشة تلك القراءة بالإعتماد على النص. بالنسبة للباقي، تدفع الأغلبية الكبيرة من القراء إلى اكتشاف تأثيرات في المعنى لم يتم التفكير فيها. ولكن ما معنى عدم التفكير فيها؟

كشفت الباحثة الجامعية الفرنسية ميريل كال غروبر MIREILLE CALL GRUBER عن وجود فقرات غاية في الفطنة توحد بين لفظتي simples بمعنى (الفقراء) وsimples (بمعنى الأعشاب) ثم اكتشفت أنني أتحدث عن نبتة الهرطقة الضارة. أستطيع القول إن لفظة (simples) متواترة في أدب تلك الفترة بالمعنيين معا، والشأن نفسه يقـال عـن تعبير “male plante» (نبتة ضارة). من جهة أخرى أعرف جيدا المثال المقدم من قبل غريماس GREIMAS حول التناظر المزدوج الذي يولد حين نعرف العشاب بكونه ” ami de simples. هل كنت أعي مسألة اللعب بالفقرات أم لا؟ لا شيء يساعد على قول ذلك الآن، النص من بإنتاج تأثيراته الخاصة في المعنى.

أثناء قراءتي للمقالات النقدية حول الرواية، ارتجفت من السعادة حين وجدت واحدا منها (المقالات الاولى كانت لجينفرا بومبياني ولارس جوستافسن) يورد جوانا يقدمـه جيوم في نهاية محاكمة التفتيش.” مالذي يرعبك أكثر في الطهارة” يسأل أدسو، “الاستعجال” يجيب جيوم. أحببت ولا زلت هذين السطرين.

أثار انتباهي أحد القراء إلى أن برنارجي قال في الصفحة الموالية مهددا قيـم الدير بالتعذيب:” العدالة لا تتصرف بتسرع كما يعتقد أشباه الحواريين وعدالة الله أمامهـا قرون تحت تصرفها. الترجمة الفرنسية استخدمت كلمتين مختلفتين لكن في اللغة الإيطالية نردد مرتين كلمة «fretta» (الاستعجال). وقد كان القارئ على صواب بسؤاله عن العلاقة التي أردت ربطها بين الاستعجال الذي يخافه جيوم وغياب الاستعجال الذي يمجده برنــار. إذ علمت آنئذ أن شيئا مزعجا قد وقع. فالحوار المتبادل بين أدسو وجـيــوم غير موجود في المخطوط، أضفت هذا الحوار القصير إلى المسودة المعدة للطبع لأسباب تتعلق برونق الأسلوب إذ كنت بحاجة لإدراج مشهد هام قبل أن أعيد الكلمة لبرنار بالطبع، حين جعلـت جـيـوم يكره الاستعجال (بيقين كبير في جميع الأقوال، وهو ما جعلني أحب هذه الإجابة) نسيت تماما أن برنار يتحدث بعد ذلك بقليل عن التسرع. وإذا أعدنا قراءة إجابة برنار بغض النظر عن إجابة جيوم فهي ليست سوى طريقة في التعبير وهي إثبات متوقع قوله على لسان قاض وعبارة جاهزة مثل:” العدالة مساوية بين الجميع”. بيد أن الاستعجال المعبر عنه من قبل برنار، في مقابل الإستعجال الذي يتحدث عنه جيوم، يولد تأثيرا في المعنى. والقارئ محـق في تساؤله عما إذا كانا يتحدثان عن ذاته، أم أن كره الإستعجال عنـد جـيـوم يختلف لا شعوريا على كره الاستعجال لدى برنار. النص موجود وينتج تأثيراته الخاصة وسواء شئت أم لا فإننا نتواجد الآن أمام سؤال أو أمام إثارة غامضة. أما بالنسبة لي فقد أربكني كثيرا تأويل هذا التقابل. مع أنني أدرك أن معنى ما (وربما أكثر) أصبح يختبىء هنا. والمؤلف ملزم بالموت بعد الكتابة كيلا يعيق مسار النص.

المراجع:

Margins:

  1. Gérard Genette : Seuils, Edition du seuil, paris, 1987.
  2. The Semantics of the Title in poem (Shab Care) for Ahmed Shamloo and (Night flows from the Body for Mahmood Darwish), A Comparative Study, Fatimah Bakheet and et al, International Human

    Sciences Journal, Issue No. 20, 19 :2013.

  3. Les secrets de l’écriture journalistique – Informer, convaincre Broché. 1989, p. 140
  4. Stat rosa pristina nomine, nomina nuda tenemus
  5. عنوان الطبعة الأولى لرواية ” الخطاب (Les Fiances) لمؤلفها ألساندرو مانزوني Alessandro Manzoni.. طبعة I Promissi sposi