Article 47

ما فات لويس ماسينيون: الألفانمريّة في أعمال الحلّاج قراءة جديدة في كتاب "الطّواسين"

البروفيسور/ محمود نعامنة1

1 باحث ومحاضر مستقلّ- كليّة أحفا الأكاديميّة- مناقش ومقيّم خارجيّ لألقاب عليا- جامعة النّجاح الوطنيّة، نابلس، فلسطين؛ عضو اللّجنة العليا لموضوع اللّغة العربيّة- وزارة التّربية والتّعليم؛ خبير لغويّ- مجمع اللّغة العربيّة في حيفا، فلسطين.

بريد الكتروني: abusamna@yahoo.com

What Louis Massignon Missed: Alphanumeric Symbolism in al-Hallaj’s Works. A New Reading of Kitab al-Tawasin

Professor Mahmuod Naamneh1

¹ Independent Researcher and Lecturer, Achva Academic College; External Examiner and Evaluator of Postgraduate Degrees, An-Najah National University, Nablus, Palestine; Member of the Higher Committee for Arabic Language, Ministry of Education; Linguistic Expert, Arabic Language Academy, Haifa, Palestine.
Email: abusamna@yahoo.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj78/47

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/78/47

المجلد (7) العدد (8). الصفحات: 884 - 901

تاريخ الاستقبال: 2026-07-10 | تاريخ القبول: 2026-07-20 | تاريخ النشر: 2026-08-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: يهدف هذا البحث إلى تفسير الوظيفة المعرفية والجمالية للحروف والأعداد والرسوم الهندسية في كتاب «الطواسين» للحسين بن منصور الحلّاج، وإعادة قراءة ما أثاره لويس ماسينيون بشأن صِيَغه العددية الغامضة. ويعتمد البحث قراءة تحليلية تأويلية للعلاقات بين الحرف وقيمته العددية وشكله وموقعه، مع التركيز على النقطة والدائرة وأداة النفي «لا»، والاستعانة بتحقيقات الكتاب والدراسات المتصلة بالرمزية الصوفية وعلم الحروف. ويبيّن التحليل أن هذه العناصر تشكّل منظومة مترابطة لإنتاج المعنى، وأن الرسوم تؤدي دورًا في الحجاج الصوفي يتجاوز التوضيح والزخرفة. فالنقطة تمثّل مركزًا رمزيًّا، والدائرة تجسّد العلاقة بين الواحد والكثرة والظاهر والباطن، بينما تسهم «لا» في التعبير البصري واللغوي عن التنزيه. ويخلص البحث إلى أن الألفانمرية الحلّاجية لغة رمزية ثانية تجعل التجربة الصوفية قابلة للتصوّر والتأمل، دون اختزال التوحيد في برهان حسابي. ومع دلالة بعض الصيغ على ترميز حرفي عددي، يظل تفسيرها النهائي غير محسوم، بما يقتضي تجنّب القراءات القطعية.

الكلمات المفتاحية: الحلّاج؛ الطواسين؛ الألفانمرية؛ علم الحروف؛ الرمزية الصوفية.

Abstract: This study examines the epistemic and aesthetic functions of letters, numbers, and geometric diagrams in al-Husayn ibn Mansur al-Hallaj’s Kitab al-Tawasin, reconsidering Louis Massignon’s observations on its enigmatic numerical formulas. It adopts an analytical and interpretive reading of the relationships between letters, their numerical values, their forms, and their spatial positions, focusing on the point, the circle, and the negative particle la. The analysis draws on editions of the text and scholarship on Sufi symbolism and the science of letters. It finds that these elements constitute an interconnected system of meaning and that diagrams participate in Sufi argumentation beyond illustration or ornamentation. The point functions as a symbolic center; the circle represents relationships between unity and multiplicity and between outward and inward dimensions; and la contributes to the verbal and visual expression of divine transcendence. The study concludes that al-Hallaj’s alphanumeric symbolism provides a second language through which mystical experience becomes accessible to visualization and contemplation, without reducing divine unity to an arithmetical proof. Although some formulas suggest letter–number encoding, their definitive interpretation remains unresolved, requiring caution against categorical readings.

Keywords: al-Hallaj; al-Tawasin; alphanumeric symbolism; science of letters; Sufi symbolism.

مقدّمة

تُعتبرُ شخصيّة الحسين بن منصور الحلّاج (858-922)؛ واحدة من الشّخصيّات المثيرة للجدل في الخطابين الإسلاميّ القديم والمعاصر؛ وعلى مرّ العصور منذ الحلّاج حتّى يومنا هذا؛ تداولت الأوساط العلميّة والفلسفيّة ما بقي من إرث الحلّاج؛ وبرز السّجال حول فكر الحلّاج تحديدًا؛ بعد تحقيقات ما تبقّى من مخطوطاته؛ والتي برز فيها دور الباحث الشّهير لويس ماسينيون من جامعة السّوربون في باريس؛ بدءًا من سنة 1907م؛ حين بدأ ماسينيون في رحلته الميدانيّة للبحث عن ” إرث الحلّاج المفقود”. ([1])

الحلّاج ومكانته في التّراث الإنسانيّ- الصّوفيّ والإسلاميّ

تُعتبر شخصيّة الحسين بن منصور الحلاّج (858- 922)([2])، من الشّخصيّات التي وظّفت بفكرها التّاريخيّ الصّوفيّ في الأدب العربيّ الحديث؛ وقد احتفى به الشّعراء العرب بعد أن رأوا فيه رمزًا للثّورة والتّطهير الاجتماعيّ على طريق الإنصاف والعدالة الاجتماعيّة والاشتراكيّة الكونيّة([3])؛ وقد أُغرم الشّاعر العراقيّ عبد الوهّاب البيّاتيّ بشخصيّة الحلاّج وراح يوظّفها في شعره، معبّرًا من خلالها عن قضيّة الالتزام في الشّعر؛ وتبيان الاعتبارات الفنيّة الخاصّة بدور الشّاعر في مجتمعاته([4]).

وشخصيّة الحلاّج التّاريخيّة مميّزة؛ وفيها يقول أحد النّقّاد: “الحلاّج شخصيّة مُلهمة تفتح أبوابًا للتّفكير، ومسرحًا للخيال ومجالًا للعاطفة، شخصيّة تعدّدت جوانبها الرّوحيّة، واتّسعت آفاقها واحتشدت فيها الانفعالات النّفسيّة والوجدانيّة، والإلهامات الرّوحيّة والقلبيّة، والرّياضات العقليّة والجسديّة، كما تمثّلت في دقائقها كافّة العناصر التي تصنع بطولات التّاريخ ومعجزاته، بكلّ ما في البطولة من عزّة وعظمة واستشهاد ونضال وفداء وقوّة([5]).

وبات اسم الحلّاج([6])في العصور المختلفة، يمثّل ذروة الحبّ الصّوفيّ، فتاريخ الحلّاج الحافل بالتّضحية، جعل منه شخصيّة مميّزة، بل رمزًا ثوريًّا ضدّ نواميس المجتمع، ومناصرًا للفقراء، للمساكين والمؤمنين([7]).

لم يصل إلينا من مؤلّفات الحلّاج إلّا جزء قليل مقارنة بما تنسبه إليه المصادر القديمة. فقد تعرّض تراثه للضّياع والإتلاف بعد اتّهامه بالزّندقة والشّطح وإعدامه في بغداد سنة 309هـ/922م، كما أنّ كثيرًا من كتبه أُحرق أو فُقِد بسبب ملاحقة أتباعه الذين حاولوا الإبقاء على شيء من تراثه.

لقد كان إرث الحلّاج الذي أشهره الباحث لويس ماسينيون عبر تحقيق ما تبقّى من مخطوطاته؛ مختلفًا إلى حدّ كبير عن الإرث الصّوفيّ كما عرفناه من مصادره؛ فقد امتاز فكر الحلّاج بحضوره سوسيولوجيًّا؛ بمعنى أنّ تصوّفه منهجًا وسلوكًا كان مفتوحًا أمام العامّة؛ فلم يكن الحلّاج مجرّدًا من الماديّات الأرضيّة داخل صومعته؛ فقد خرج من إسار الصّومعة الصّوفية إلى المجتمع؛ وكان شعره قريبًا من محبّيه ومريديه. لقد غنّى الحلّاج لمريديه على طريقة “شعراء البلوريتاريا”؛ فكان قريبًا منهم يعيش طبقتهم ويزاول حياته المجتمعيّة بشكلّ عاديّ([8]). بالمقابل فقد امتاز فكر الحلّاج في محور آخر بطابع فلسفيّ وعرفانيّ شديد الخصوصيّة؛ فقد شكّل فكره انعطافة راديكاليّة فارقة في تاريخ التّصوّف الإسلاميّ؛ فقد نجح الحلّاج في نقل التّصوّف الإسلاميّ من مبدأ الزّهد والانقطاع والتّعبد العمليّ؛ إلى تصوّف يقوم على المعرفة وتجربة “الفناء والاتّحاد”؛ فقد أفرز الحلّاج في بادرة أولى في فكره؛ فكرة الفناء في الذّات الإلهيّة؛ تلك الفكرة التي كانت العمود الفقريّ الذي قام عليه فكر الحلّاج؛ فقد رأى الحلّاج أنّ ثمّة حاجة للاستغراق الكامل في المحبّة الإلهيّة؛ وصولًا لمرحلة “اتّحاد” روحيّ وضياع هويّاتي لا يفرّق بين المُحبّ والمحبوب؛ بين الخالق والمخلوق العاشق؛ وكانت ذروة هذا الفكر قول الحلّاج “أنا الحقّ”؛ الذي رآه الكثير من أبناء زمانه على أنّه شطح؛ من هنا وُلدت خصوصيّة الحلّاج في المحور الثّالث وهي “الحلّاج الضّحيّة” الذي يُصبح مُطاردًا بسبب أفكاره؛ ويموت على طريقة المسيح في “ديلا روسا: درب الآلام”.

في المحور الرّابع تحضر خصوصيّة الحلّاج في كونه مؤسّسًا لنصوص غنوصيّة؛ سيّما في كتابه طواسين الحلّاج؛ متكئًا وللمرّة الأولى على ثقافة لم تَشع مطلقًا في تاريخ التّصوّف الإسلاميّ “ثقافة النّمرولوجيا”؛ أو ثقافة الأرقام والأشكال الهندسيّة التي تكون مُتكئًا لترجمان فكرته؛ وحين تتفجّر اللّغة في عرف الحلّاج؛ تعجز الأخيرة عن التّعبير عن زخم فكرته؛ هنا يفتح الحلّاج أُفقًا للأرقام والأشكال الهندسيّة التي يساعد حضورها في إتمام الفكرة كما أرادها الحلّاج”؛ وقد يسعفنا ذلك حتمًا مقولة الصّوفيّ الشّهير عبد الجبّار النّفريّ (توفي حوالي 354ﻫ؛ 965م) صاحب كتابيْ المواقف والمخاطبات([9]): “كلّما اتّسعت الرّؤيا؛ ضاقت العبارة”.

البدايات ومحاولات لويس ماسينيون الرّائدة

كان لويس ماسينيون مهتمًّا بدراسة الشّعر الصّوفيّ؛ وقد عكف على قراءة كتاب تذكرة الأولياء للصّوفي الفارسيّ الشّهير فريد الدّين العطّار.([10]) وقد توقّف ماسينيون مع مشهد الحلّاج المعظّم في كتاب التّذكرة، فقد مجّد العطّار شخص الحلّاج وفكره؛ سيّما شوط حياته الأخير؛ الذي سأسمح بتسميته في هذا المقال “على درب آلام الحلّاج”؛ وقد عزم ماسينيون على تكريس حياته الأكاديميّة بحثًا عن “إرث الحلّاج المفقود” أو ما تبقّى على الأقلّ من إرث تمّ تحريفه وتذرية رماده ومصادرة ما تبقى منه “وئدًا” لنصوص اتّهمتها السّلطة الإسلاميّة في القرن العاشر الميلاديّ؛ بأنّها نصوص تكفيريّة وتغذّي مبدأ الشّطح والتّكفير في العالم الإسلاميّ.

وصولًا لبغداد واتّصالًا بباحث عراقيّ مهتمّ بإرث الحلّاج- وهو محمود شكري الآلوسيّ- وفي حاضرة جغرافيّة عاش فيها الحلّاج؛ انطلق ماسينيون يدرس مخطوطات بِكْرٍ لم تُحقّق من قبل؛ بقيت من إرث الحلّاج. وقد غذّى تحقيق مخطوط كتاب الطّواسين للحلّاج؛ رحلته في إسطنبول باحثًا في مكتباتها عن كتب ومخطوطات تخصّ الحلّاج أو سيرة حياته. بعد هذه المحاولات نشر ماسينيون كتاب الطّواسين كأوّل تحقيق لهذا الكتاب؛ وقد نشر ماسينيون الكتاب بالفرنسيّة وأعقبه بالتّرجمة العربيّة.

في سنة 1913 نشر ماسينيون كتاب بستان المعرفة؛ وهو تحقيق مجاميع ومصادر مختلفة نُسبت للحلّاج؛ وقد نشر ماسينيون هذا المصنّف الذي اُعتبر لاحقًا “بلات- فورما” للباحثين في فكر الحلّاج؛ عن دار نشر “بول جيثنر” الفرنسيّة Librairie Orientaliste paul Geuthner([11])؛ في نفس السّنة أصدر ماسينيون كتاب الطّواسين عن نفس الدّار؛ وقد اعتمد ماسينيون في تحقيق الحلّاج على مخطوطة “مراد ملّا” المحفوظة في إسطنبول.([12])

وقد أرسى ماسينيون أطروحته عن الحلّاج؛ ليصبح بذلك “مانفيسيتو” عالميّ لدراسة الحلّاج خصوصًا بعد تقديم أطروحته للدّكتوراة لجامعة السّوربون في باريس سنة 1922 بالفرنسيّة La Passion d’al-Hallaj؛ والتي اشتملت نصوصًا ومخطوطات أصليّة مُحقّقة ومُترجمة. وقد توّج ماسينيون هذه المسيرة بجمع دقيق لأشعار الحلّاج؛ من مراجع تاريخيّة مخطوطة([13])؛ وأصدرها سنة 1931 في كتاب اسماه ديوان الحلّاج.

لقد عمد ماسينيون إلى جمع “إرث الحلّاج” عبر عمليّة “توحيد” لشواهد ومجاميع مخطوطة؛ في مُنجز واحد يُنسب إلى الحلّاج بمعنى أنّ ماسينيون لم يعثر مطلقًا على عمل واحد مستقلّ مخطوط للحلّاج؛ سوى “مخطوط الطّواسين“؛ والذي حقّقه سنة 1922. لقد قرأ ماسينيّون عن الحلّاج من محورين أصلانيّين: الأوّل: مخطوطات غير مُحقّقة تحدّثت عن الحلّاج والمحور الآخر؛ كتب قديمة مُحقّقة تحدّثت عن الحلّاج وبضمنها كتب التّصوّف الإسلاميّ وعلى راسها كتاب التّذكرة لفريد الدّين العطّار.

فيما يلي تتبّع لتحقيقات ماسينيون من المصادر؛ المخطوطات؛ الشّواهد؛ والمجاميع المختلفة:

النّصّ نوع الشاهد المكتبة رقم الحفظ التّقريبيّ ملاحظات
الطّواسين مخطوط مستقلّ مكتبة السّليمانيّة ضمن مجاميع تصوّف أهمّ الشّواهد التي اعتمد عليها ماسينيون
الطّواسين مجموعة صوفيّة د. الكتب المصريّة قسم التّصوّف تحتوي نصوصًا منسوبة للحلاّج
بستان المعرفة نصّ ضمن مجموع مكتبة الظّاهريّة غير ثابت في الفهارس الحديثة النّصّ غير مستقلّ غالبًا
بستان المعرفة أوراق متفرّقة د. الكتب المصريّة مجموعات التّصوّف اعتمد عليها قاسم محمّد عبّاس جزئيًا
نصوص الولاية اقتباسات كتب صوفيّة — منقولة في القشيريّ والسّلميّ
الدّيوان روايات متعدّدة مكتبات مختلفة — أكثر النّصوص اضطرابًا
  1. قراءة جديدة في كتاب الطّواسين

يُعَدُّ كتابُ الطّواسين من أشهر ما بقي من آثار الحلّاج؛ وهو كتاب صوفيّ رمزيّ يعتمد لغة الإشارة والتّأويل الباطنيّ، ويتناول موضوعات مختلفة تتراوح بين النّور المحمديّ وتجربة العشق الإلهيّ؛ إبليس وفرعون بوصفهما رمزين معرفيّين؛ الفناء والاتّحاد؛ وأسرار الحروف. سُمّي كتاب الطّواسين لأنّ بعض فصوله تبدأ بحروف مقطعة مثل: طس، طسم. يتميّز الكتاب بلغة شعريّة كثيفة وغامضة، حتّى عدّه بعض الباحثين من أعقد النّصوص الصّوفيّة في التّراث الإسلاميّ.

يحتّل كتاب الطّواسين مكانة استثنائيّة في تاريخ الكتابة الصّوفية الإسلاميّة؛ ليس بسبب مضامينه العقائديّة والصّوفية فحسب، وإنّما بسبب الطّريقة التي يعيد بها الحلّاج تشكيل العلاقة بين اللّغة والمعنى. فالكتاب لا يقدم خطابًا صوفيًّا خطيًّا يقوم على الجمل والتّعريفات وحدها، وإنّما يستخدم الحروف المنفردة، والصّور، والنّقاط، والدّوائر، والتّقسيمات، والصّيغ المركّبة، بل ويقدّم في بعض المواضع علامات عدديّة يصعب تفسيرها تفسيرًا رياضيًّا مباشرًا.

وقد نشر لويس ماسينيون النّصّ العربيّ لكتاب الطّواسين لأوّل مرّة سنة 1913 اعتمادًا على مخطوطات إسطنبول ولندن، وأرفقه بالترجمة الفارسيّة لرُوزبهان البقليّ وبشرح نقديّ وملاحظات وفهارس. وهذه الطّبعة أصبحت أساسًا مهمًّا لمعظم الدّراسات الغربيّة اللّاحقة حول الحلّاج وكتابه. ومن هنا تنشأ مشكلة البحث الأساسية:

ما الوظيفة التي تؤدّيها الأرقام والحروف والرّسومات الهندسيّة في الطّواسين؟ وهل يمكن اعتبارها نظامًا ألفانمريًّا تتفاعل فيه القيمة العدديّة للحرف مع شكله وموقعه داخل الرّسم؟ وكيف يوظف الحلّاج هذا النّظام لإثبات أو عرض تصوّره الصّوفيّ عن التّوحيد والتّنزيه والحقيقة؟

ولا ينبغي أن نفهم مصطلح “الألفانمريّة” هنا بالمعنى الحديث المرتبط بأنظمة الحاسوب، وإنّما بمعنى التّركيب بين Alphabet وNumber؛ أي التّعامل مع الحروف باعتبار أنّ لها قيمة عدديّة في النّظام الأبجديّ، ثمّ إعادة إدخال هذه القيمة في شبكة من الرّموز الصّوفيّة.

وتزداد أهميّة هذا الموضوع لأنّ Massignon نفسه لاحظ أنّ الحلّاج يستخدم نوعًا من التّرقيم الرّمزيّ، وأنّ بعض الأشكال الرّقميّة في الطّواسين تبدو مرتبطة بتقاليد الجفر، مع إقراره بأنّه لم يتمكّن من فكّ جميع هذه الصّيغ بصورة نهائيّة.([14]) والسّؤال الذي يُطرح في هذا الصّدد؛ “كيف تتحوّل الأرقام والحروف والرّسومات الهندسيّة في الطّواسين من علامات كتابيّة إلى أدوات لإنتاج المعرفة الصّوفيّة؟

تقوم فرضيّة البحث على أنّ الحلّاج في كتاب الطّواسين يستخدم ثلاثة أنظمة متداخلة:

  1. النّظام الحرفيّ: الحرف ليس مجرّد وحدة لغويّة، بل علامة ذات هويّة رمزيّة.
  2. النّظام العدديّ: الحرف يمتلك قيمة عدديّة يمكن أن تدخل في بناء معنى خفي.
  3. النّظام االهندسيّ: الدّائرة والنّقطة والخطوط تجعل العلاقات المجرّدة مرئيّة.

وبذلك تصبح الصّفحة نفسها فضاءً للمعرفة، لا مجرّد حاملة للنّصّ. وهنا تكمن أهميّة الطّواسين فالحلّاج لا يشرح دائمًا الحقيقة الصّوفيّة بصورة مباشرة، وإنّما يرسمها ويشفّرها ويضعها في صورة علاقات بين مركز ومحيط، نقطة ودائرة، إثبات ونفي، ظاهر وباطن.

مفهوم الألفانمريّة في السّياق الإسلاميّ

يُعتبرُ مصطلح الألفانمريّة حديث نسبيًّا، ولذلك ينبغي استخدامه بحذر عند الحديث عن الحلّاج. والأدقّ تاريخيًّا أن نتحدّث عن القيمة العدديّة للحروف أو عن التّرميز الحرفيّ العدديّ.([15]) فاللّغة العربيّة عرفت نظامًا يجعل للحروف قيمًا عدديّة وفق ترتيب أبجديّ هو التّالي:

الحرف القيمة
أ 1
ب 2
ج 3
د 4
هـ 5
و 6
ز 7
ح 8
ط 9
ي 10
ك 20
ل 30
م 40
ن 50
س 60
ع 70
ف 80
ص 90
ق 100
ر 200
ش 300
ت 400
ث 500
خ 600
ذ 700
ض 800
ظ 900
غ 1000

وقد أشارت Annemarie Schimmel إلى أهميّة القيمة العدديّة للحروف في الثّقافة الإسلاميّة، وخصّصت ملحقًا كاملًا في كتابها Mystical Dimensions of Islam لرمزية الحروف في الأدب الصّوفيّ([16])لكن المهم بالنّسبة إلى الحلّاج أنّ العدد لا يبدو نظامًا مستقلًّا عن الحرف. فالحرف هو الأصل، والعدد إحدى إمكانات ظهوره. يُظهر الحلّاج اهتمامًا واضحًا بالحروف وبما يمكن أن تؤدّيه من وظائف تتجاوز الدّلالة المعجميّة.

وهذا يتّضح في طريقة تعامله مع عنوان الكتاب نفسه الطّواسين. فالاسم مشتقّ من طاسين، أي من الحرفين “ط” والحرف “س”، وهما من الحروف التي تظهر في أوائل بعض السّور القرآنيّة. وهنا لا يتعامل الحلّاج مع الحرف باعتباره صوتًا فقط، بل باعتباره بنية مفتوحة على التّأويل. وتكتسب هذه المسألة أهميّة خاصّة لأنّ الحروف المقطّعة في القرآن كانت منذ وقت مبكّر مجالًا للتّأويل الصّوفيّ والباطنيّ. وقد حاول الحلّاج، ومن بعده عدد من الصّوفيّة، الانتقال من السّؤال “ماذا تعني الكلمة؟” إلى سؤال آخر: “ماذا يعني الحرف قبل أن يصبح كلمة؟” وهذا التّحوّل مهم جدًا لفهم الألفانمريّة الحلّاجيّة.

فإذا كان الحرف أصل الكلمة، وكانت له قيمة عدديّة، فإنّ الانتقال من الحرف إلى العدد؛ يعني الانتقال من الصّوت إلى الكميّة، ومن اللّفظ إلى البنية، ومن العبارة إلى الرّمز.

طاسين الدّائرة: الدّائرة باعتبارها لغة صوفيّة

يمثّل طاسين الدّائرة أهم موضع في البحث الحاليّ. ففي هذا القسم يقدّم الحلاج شكلًا بصريًّا يرتبط بالدّائرة والنّقطة والمركز والأبواب والعلاقات بين المستويات. وتشير الدّراسات الحديثة إلى أنّ طاسين الدّائرة؛ يتضمّن رسمًا يجعل النّقطة الموجودة في مركز الدّائرة مرتبطة بمفهوم الحقيقة. وتصبح الدّائرة هنا أكثر من شكل هندسيّ. إنّها نموذج للوجود. فالدّائرة تتكوّن من:

مركز ← محيط ← علاقة بين المركز والمحيط. أمّا النّقطة فتتميّز بأنّها:

  • لا امتداد لها بالمعنى الهندسيّ.
  • يمكن أن تكون بداية الخط.
  • يمكن أن تكون مركز الدّائرة.
  • يمكن أن تختزل شكلًا كاملًا في موضع واحد.

ولهذا تصبح النّقطة عند الحلّاج رمزًا بالغ الأهميّة. فإذا كان المركز هو الحقيقة، فإنّ الدّائرة تمثل مجال ظهورها.

وإذا كانت النّقطة غير قابلة للقسمة هندسيًّا، فإنّها تصلح رمزًا للواحد. أمّا الدّائرة فتسمح بظهور الكثرة حول الواحد. ومن هنا يمكن صياغة العلاقة الصّوفيّة على النّحو التّالي:

الواحد = المركز

الكثرة = المحيط

العلاقة بينهما = التّجليّ

وهذا يفسّر لماذا أصبحت الدّائرة من أهم الأشكال في لغة الحلّاج. إنّ مفهوم النّقطة لا ينبغي أن يُقرأ قراءة هندسيّة محضة. النّقطة هي الأصل الذي يمكن أن ينشأ عنه الخطّ، والخطّ يمكن أن يتحوّل إلى شكل، والشّكل يمكن أن يتحّول إلى فضاء. ومن ثمّ فإنّ النّقطة تمثّل إمكانيّة التّكوين. وهذا يجعلها قابلة لأن تصبح استعارة للتّوحيد:

النّقطة = الواحد قبل الامتداد.

أمّا عندما يتحرّك هذا الواحد في المجال، ينشأ الخط، ثمّ الشّكل، ثمّ العالم المرئيّ. وقد أشير في الدّراسات المتعلّقة بالحلّاج إلى أن النّقطة في “طاسين الدّائرة” مرتبطة بمفهوم الحقيقة، وأنّ الرّسم يربط بين الدّائرة والباب والنّقطة المركزيّة. وهذا يقود إلى استنتاج مهمّ: الرّسم الحلّاجـيّ لا يشرح النّظريّة الصّوفيّة من الخارج، وإنّما يعيد إنتاجها في صورة هندسيّة.

  1. الدّائرة بوصفها طريقًا للانتقال من الظّاهر إلى الباطن

إنّ أهمّ الأفكار التي طرحها Massignon في تحليله للرّموز الهندسيّة عند الحلّاج أنّ الدّوائر المتّحدة؛ المركز في الطّواسين ليست مجرّد أشكال مكانيّة، بل يمكن أن تمثّل حركة معرفيّة من المحيط إلى المركز. وقد لاحظ أنّ الأشكال الدّائريّة المختلفة في الطواسين يمكن فهمها باعتبارها تطبيقًا لفكرة الانتقال من المعنى الظّاهر إلى المعنى الرّمزيّ ثمّ إلى المعنى الأخلاقيّ ثم إلى الحقيقة النّهائيّة.([17])وهذا بالغ الأهمية. الحلّاج يجعل القراءة نفسها حركة. يبدأ القارئ من الظّاهر؛ ثمّ يدخل إلى الباطن؛ ثمّ ينتقل إلى الإشارة؛ ثمّ المعنى ثمّ الحقيقة؛ إذًا الدّائرة ليست فقط صورة للكون؛ إنها أيضًا خريطة للمعرفة.

  1. العدد في الطّواسين: هل كان الحلّاج رياضيًّا صوفيًّا؟

في هذا الصّدد يجب الحذر من المبالغة؛ حيث أنّه لا توجد أدلّة كافية تجعلنا نصِفُ الحلّاج بأنّه “عالم رياضيات” أو أنّه بنى نظريّة صوفيّة على حسابات رياضيّة بالمعنى الدّقيق. لكن Massignon يميّز بوضوح بين استعمال الحلّاج للعدد بوصفه كميّة رياضيّة وبين استعماله بوصفه علامة ترقيميّة رمزيّة. وفي القسم الذي خصّصه للرّموز الحسابيّة يذكر أنّ الحلّاج يستخدم الأعداد “لترقيم” بعض العبارات الباطنيّة، ولا يبدو أنّه يجعل القيمة الكميّة للأرقام أساسًا لنظام كونيّ كامل، كما فعلت بعض التيّّارات الأخرى([18]).

وهذا يعني أنّ العدد عند الحلّاج ليس غاية في ذاته، وإنّما وسيلة ضغط للمعنى.أي أنّ الرّقم يعمل مثل الحرف المختصر.

  1. الصّيغ الرّقميّة الغامضة في الطّاسين العاشر

من أكثر المقاطع إثارة للاهتمام تلك الصّيغ الموجودة في “طاسين التّنزيه”، وقد وصف Massignon هذه الصّيغة بأنّها تتكوّن من سلسلتين عدديّتين، مع وجود حرف “هـ” مرّتين، و”لا” ثلاث مرّات في الأسفل. وأشار إلى أنّ الأرقام وصلت إلينا في صورة ربّما تكون قد تعرّضت للتّحريف أثناء النّسخ، ولذلك لم يتمكّن من حلّ العمليّة الحسابيّة بصورة نهائيّة([19])وهذه النّقطة شديدة الأهميّة بالنّسبة إلى بحثنا. فبدل أن ندّعي أنّ الصّيغة تعني رقمًا معيّنًا دون دليل، ينبغي أن نقول: إنّ البنية نفسها ذات طابع عدديّ-حرفيّ، لكن فكّ شفرتها الرّياضيّة النّهائيّة لم يُحسم. وهذا موقف علميّ أكثر قوّة.

  1. لماذا استخدم الحلّاج الأرقام؟

يمكن اقتراح أربعة أسباب متداخلة. أوّلًا: التّكثيف؛ الجملة الطويلة يمكن تحويلها إلى رمز.

والرّمز يمكن أن يحمل معنى لا يستطيع الكلام الخطيّ حمله بالسّهولة نفسها. لذلك يعمل الرّقم باعتباره وحدة

ثانيًا: تكثيف للمعنى. ثانيًا: الإخفاء والكشف؛ الصيغة الرقمية لا يفهمها كل قارئ. وبذلك ينشأ مستويان من القراءة:

القارئ العادي ← يرى العلامة.

القارئ المؤهل ← يحاول فكّ العلامة.

وهذا يتناسب مع البنية الإشاريّة للتّصوّف. فالسّرّ لا يُعطى بصورة مباشرة، وإنّما يُشار إليه. ثالثًا: الانتقال من اللّغة إلى ما وراء اللّغة. كان الحلّاج واعيًا بمشكلة اللّغة. فإذا كان الله مُتعاليًا عن حدود اللّغة، فكلّ وصف لغويّ له سيكون ناقصًا. ولهذا يمكن أن تصبح العلامة غير اللّفظية وسيلة لمحاولة تجاوز محدوديّة اللّغة. الحرف يقول شيئًا؛ والعدد يختصره. والرّسم يضعه في فضاء وهكذا.

اللّغة → الحرف → الرّقم → الشّكل → الصّمت. وهذه الحركة يمكن أن تكون جزءًا من الاستراتيجيّة الصّوفيّة عند الحلّاج.

  1. “لا” والعدد والنّفي

من اللّافت في الرّسم المرتبط بالطّاسين العاشر وجود “لا” داخل البنية الدّائريّة. وهنا يجب الانتباه إلى أنّ “لا” ليست مجرّد أداة نحويّة. إنّها أداة نفي. والحلّاج يوظّف النّفي بصورة جوهريّة في حديثه عن التّوحيد والتّنزيه. فهو يرفض أن يصبح إثبات الواحد سببًا لتشبيهه بالموجودات. ولهذا يمكن قراءة “لا” في الرّسم على مستويين:

  1. المستوى الأوّل: لغويّ “لا”: تنفي. المستوى الثّاني: صوفيّ. “لا” تنفي كلّ تصوّر محدود عن الذّات الإلهيّة([20]). وبذلك تتحوّل “لا” إلى عنصر بصريّ. لم تعد لا كلمة فحسب، وإنّما أصبحت جزءًا من هندسة التّوحيد.
  2. الدّائرة والتّوحيد

من أهمّ العبارات “الحلّاجيّة” التي تساعد على فهم هذه المسألة؛ ما يرد في سياق الحديث عن المركز والّدائرة؛ إنّ النّقطة المركزيّة تمثّل التّوحيد، لكنّها ليست هي التّوحيد نفسه. وهذا تمييز فلسفيّ مهمٌّ. فلو كانت النّقطة هي التّوحيد ذاته، لتحوّل التّوحيد إلى شيء قابل للتّمثّل. أمّا إذا كانت النّقطة علامة على التّوحيد، فهي تؤدّي وظيفة الإشارة دون أن تتحوّل إلى حقيقة مطلقة.([21]) وهنا يتجنّب الحلّاج مشكلة التّشبيه. فالرّسم يقول: “هناك مركز”؛ لكنّه لا يقول إنّ الله هو هذا المركز الماديّ. وهذا الفرق هو جوهر الفكر الرّمزيّ.

الحروف المقطّعة والجفر

ترتبط هذه المسألة بتقاليد أوسع في الثّقافة الإسلاميّة، خصوصًا الجفر والتّأويل الحرفيّ. ويشير Massignon إلى أنّ بعض الصّيغ الحلّاجيّة يمكن فهمها في ضوء “الأبجد الفلسفيّ” أو الجفر، أي النّظام الذي يمنح الحروف قيمة عدديّة ويجعلها قابلة للتّركيب والتّأويل([22]).

لكن ينبغي عدم مساواة الحلّاج مباشرةً بالمدارس اللّاحقة في علم الحروف. فالحلّاج سابق تاريخيًّا على كثير من الأنظمة المتكاملة التي ظهرت لاحقًا. والأفضل أن نقول إنّ الحلّاج يشارك في فضاء ثقافيّ كان الحرف والعدد فيه قابلين للتّأويل الرّمزيّ، دون القول إنّه تبنى نظامًا واحدًا مكتملًا اسمه “علم الحروف” بالمفهوم المتأخّر.

  1. الأرقام 290 و309

من المواضع التي تستحق الدّراسة أيضًا علاقة الحلّاج بالأرقام المرتبطة بالتّاريخ والجماعة والهويّة. وقد أشار Massignon إلى استعمال أعداد مثل 290 و309 في سياقات تتّصل بالحلّاج وبمشكلات التّرقيم والجموع، كما ناقش ارتباط بعض الصّيغ بالأسماء والحروف.([23]) ينبغي تحويل هذه الأرقام تلقائيًا إلى رموز صوفيّة؛ بل يجب التّمييز بين:

  1. الرّقم التّاريخيّ؛
  2. الرّقم العدديّ؛
  3. القيمة الأبجدية؛
  4. الرّقم الرّمزيّ؛
  5. الرّقم النّاتج عن حساب الحروف.

وهذه التّفرقة ضروريّة حتّى لا يتحوّل البحث إلى تأويل عدديّ غير قابل للإثبات.

  1. الرّسم باعتباره حجّة

إنّ إحدى أهمّ النّتائج التي يمكن الوصول إليها؛ هي أنّ الرّسم عند الحلّاج ليس مجرّد توضيح للنّصّ. بل هو حجّة. فاللّغة تقول: “الوحدة لا يمكن وصفها” والرّسم يقدّم مركزًا واحدًا. واللّغة تقول: “الكثرة لا تستقلّ عن الواحد”؛ والرّسم يجعل الدّوائر تحيط بالمركز. واللّغة تقول: “لا يجوز تشبيه الله بالمخلوقات”؛ والرّسم يستخدم النّفي “لا”. إذًا الرّسم يقوم بوظيفة حجاجيّة. وهنا يمكن القول إنّ الحلّاج يطوّر نوعًا من: “الحجاج الصّوفيّ البصري”؛ “Visual Sufi Argumentation”

من البرهان اللّغويّ إلى البرهان الشّكليّ

البرهان التّقليديّ يعتمد على: المقدّمة → الحجّة → النّتيجة. أمّا الحِجاج الحلّاجـي البصريّ فيكون وفق هذا التّصوّر الذي خلصنا إليه:

نقطة → دائرة → محيط → نفي → عودة إلى المركز.

وهذا ليس برهانًا رياضيًّا، لكنّه منطق رمزيّ بصريّ. ومن هنا يمكن اقتراح مصطلح:” المنطق الدّائريّ الحلّاجـيّ”. وهو نظام لا يثبت الحقيقة من خلال سلسلة منطقيّة خطيّة فقط، وإنّما من خلال الحركة من المحيط إلى المركز.

العلاقة بين العدد والدّائرة

إذا كانت النّقطة تمثّل الوحدة، والدّائرة تمثّل الامتداد، فإنّ العدد يصبح حلقة وصل بينهما.

فالحرف يمكن أن يتحّول إلى عدد. والعدد يمكن أن يدخل في تركيب. والتّركيب يمكن أن يتحوّل إلى شكل.

وهكذا يصبح لدينا:

حرف → عدد → علاقة → شكل → معنى.

وهذه هي البنية الأساسية التي أقترح تسميتها في هذا البحث “الألفانمريّة الصّوفيّة”؛ أي نظام تتفاعل فيه: القيمة الألفانمريّة؛Alphabetic value” ؛ القيمة العدديّة للحرف Numerical value””؛ الصّيغة الجرافيّة “Graphic form”؛ المعنى الصّوفيّ “”Mystical meaning.

  1. هل يمكن القول إنّ الحلّاج يثبت نظريّته بالأرقام؟

الأدقّ أن نقول: الحلّاج لا يثبت نظريته بالأرقام بالمعنى البرهانيّ الرّياضيّ الحديث، وإنّما يمنح نظريّته الصّوفية بنية رمزيّة قابلة للّرؤية والحساب والتّأويل. وهذا تمييز مهمّ. فلو قلنا إن الحلّاج “أثبت التّوحيد رياضيًّا”، لكان ذلك مبالغة تاريخيّة. أمّا القول بأنّه استخدم العدد والحرف والرّسم لتجسيد علاقات التّوحيد والتّنزيه والتّجلّي؛ فهو أكثر قابليّة للدّفاع عنه علميًّا([24]). وهذا يتوافق مع ملاحظة Massignon بأنّ الحلّاج لم يستخدم الأعداد باعتبارها نظامًا كميًّا كونيًّا شاملًا، بل استخدمها في سياقات رمزيّة وترقيميّة محدّدة.

الرّسومات في الطّواسين والذّاكرة البصريّة

تشير الدّراسات الحديثة إلى أنّ الرّسومات في النّصوص الصّوفيّة يمكن أن تعمل بوصفها وسائل لإنتاج المعرفة، لا مجرد صور مرافقة للنّصّ. وقد بيّن Eyad Abuali أنّ الرّسوم الصّوفيّة تساعد على تحويل المفاهيم المجرّدة إلى علاقات بصريّة، وأنّ الرّسومات الدّائريّة كانت حاضرة في النّصوص الصّوفيّة المبكّرة، ومنها الطّواسين للحلّاج.([25])

وهذا يفتح مجالًا مهمًّا لقراءة الحلّاج. فالرّسم يساعد القارئ على تذكّر العلاقة. وقد تكون هذه الوظيفة مهمّة جدًّا في النّصوص الصّوفيّة التي تتعامل مع معانٍ مجرّدة يصعب تثبيتها في الذّاكرة.

  1. الرّسم كوسيلة للتّأمّل

لا يقتصر الرّسم على التّذكّر. إنّه يمكن أن يصبح وسيلة للتّأمّل. فالمتصوّف الذي ينظر إلى النّقطة لا يكتفي بقراءة كلمة “التّوحيد”، وإنّما يتأمّل المركز. والذي يرى الدّوائر لا يقرأ فقط عن مراتب الوجود، وإنّما يرى العلاقة بين الدّاخل والخارج. وبذلك يتحوّل الرّسم إلى أداة ممارسة صوفيّة ([26]). وهذه النّقطة مهمّة لأنّ المعرفة الصّوفيّة ليست عند الحلّاج مجرّد معرفة نظريّة؛ إنّها معرفة يجب أن تتحوّل إلى تجربة.

  1. بين الحلّاج وعلم الحروف

يمكن وضع الحلّاج في مرحلة مبكّرة من تاريخ ما يمكن تسميته “التّصوّف الحرفيّ”. فهو لا يطوّر نظامًا متأخّرًا ومتكاملًا مثل بعض علماء الحروف في القرون اللّاحقة، لكنّه يطرح عددًا من المبادئ التي ستصبح شديدة الأهميّة لاحقًا:

  1. الحرف ليس محايدًا.
  2. للحروف مراتب.
  3. للحروف علاقة بالأسماء.
  4. يمكن أن تدخل الحروف في بنية رمزيّة.
  5. يمكن للعلامة الكتابيّة أن تحمل معنى يتجاوز معناها اللّغويّ.
  6. يمكن للشّكل الهندسيّ أن يشارك في إنتاج المعرفة.

ولهذا فإنّ الحلّاج يمثّل مرحلة تأسيسيّة في تاريخ الرّمز الحرفيّ الصّوفيّ.

الحلّاج واللّغة الصّوفيّة المشفّرة

يمكن فهم الغموض في الطّواسين في ضوء مفهوم “اللغة المشفرة”. لكن ينبغي أن نكون حذرين. فليست كلّ عبارة غامضة شفرة؛ وليست كلّ علامة رقميّة رسالة سريّة. إنّما يوجد في الكتاب تفاعل بين الغموض الصّوفيّ + الرّمز + الحرف + الرسم + العدد. وهذا يجعل النّصّ متعدّد الطّبقات. الطّبقة الأولى: القراءة المباشرة. الطّبقة الثّانية: القراءة المجازيّة. الطّبقة الثّالثة: القراءة الرّمزيّة. الطّبقة الرّابعة: القراءة الحرفيّة العدديّة. الطّبقة الخامسة: القراءة التّجريبيّة الصّوفيّة

الحرف والعدد في نظريّة التّوحيد

يمكن الآن العودة إلى السّؤال المركزيّ: “كيف استخدم الحلّاج لغة الأرقام لعرض نظريتّه الصّوفيّة؟ الجواب الذي يقترحه هذا البحث هو: لم يستخدمها بوصفها برهانًا حسابيًّا، بل بوصفها لغة ثانية للتّوحيد. فالواحد لا يحتاج إلى كثرة. لكن الكثرة يمكن أن تظهر من الواحد. والحروف الكثيرة يمكن أن تعود إلى أصل واحد. والدّوائر المتعدّدة يمكن أن تتجمّع حول مركز واحد. والأعداد المختلفة يمكن أن تنتظم في نظام. ومن هنا يصبح العدد استعارة للتّعّدد، والمركز استعارة للوحدة.

  1. النّتيجة المركزيّة: من الواحد إلى الكثرة والعودة إلى الواحد

يمكن اختزال البناء الرّمزيّ في الطّواسين في حركة مزدوجة:

  1. الحركة الأولى: الواحد → الكثرة: أي التّجّلي والظّهور والامتداد. الحركة الثانية: الكثرة → الواحد. أي المعرفة والعودة والتّوحيد. والدّائرة هي الشّكل الأكثر ملاءمة لهذه الحركة. لأنّها لا تفرض بداية ونهاية خطيّتين. بل تسمح بالعودة. ولهذا تصبح الدّائرة في فكر الحلّاج صورة للرّحلة الصّوفيّة: من المركز إلى المحيط، ثمّ من المحيط إلى المركز.
  2. النّتائج

يمكن تلخيص نتائج البحث عبر النّقاط التّالية:

أوّلًا لا ينبغي تفسير الأرقام الموجودة في الطّواسين باعتبارها رياضيّات صوفيّة بالمعنى الحديث، وإنّما بوصفها علامات رمزيّة ذات وظيفة معرفيّة. ثانيًا الحلّاج يوظّف الحرف والعدد والرّسم في منظومة واحدة. ثالثًا تمثّل النّقطة مركزًا رمزيًّا شديد الأهميّة في هندسة الحلّاج الصّوفيّة. رابعًا تعمل الدّائرة باعتبارها نموذجًا للعلاقة بين الواحد والكثرة، وكذلك بين الظّاهر والباطن.

خامسًا تظهر “لا” بوصفها عنصرًا بصريًّا في بنية التّوحيد والتّنزيه. سادسًا تُشير الصّيغ الرّقميّة الغامضة في طاسين التّنزيه إلى وجود ترميز حرفيّ-عدديّ، لكن فكّ شفرتها النّهائيّة لا يزال غير محسوم، ولذلك يجب تجنّب التّأويل القطعيّ. سابعًا يمثّل الطّواسين مرحلة مهمّة في تاريخ استخدام الحرف والرّمز والشّكل في الكتابة الصّوفية.

ثامنًا يمكن وصف طريقة الحلّاج بأنها نوع من الحجاج الصوفي البصريّ، حيث تصبح الصّورة الهندسيّة شريكًا في بناء الحجة. تاسعًا يمكن فهم “الألفانمريّة الحلّاجيّة”؛ باعتبارها تفاعلًا بين الحرف والقيمة العدديّة والشّكل والمعنى. عاشرًا لا يقوم الحلّاج بإثبات التّوحيد رياضيًّا، وإنّما يحاول جعل التّوحيد قابلًا للتّصوّر من خلال نظام رمزيّ يجمع بين اللّغة والهندسة والعدد.

  1. الخاتمة

يكشف تحليل الأرقام والرّسومات في كتاب الطّواسين؛ أنّ الحلّاج كان واعيًا بحدود اللّغة الطّبيعيّة في التّعبير عن التّجربة الصّوفيّة؛ وهو الذي يعرف أعراف اللّغة الصّوفيّة الخاصّة؛ ولذلك لم يكتفِ بالجملة، وإنما لجأ إلى الحرف المفرد، والنّقطة، والدّائرة، والخطّ، والعدد، والتّركيب المكانيّ. وتكشف هذه العناصر الأخيرة التي وظّفها الحلّاج عن تصوّر للّغة لا تنحصر فيه الكلمة في معناها المعجميّ، وإنّما تُصبح جزءًا من شبكة من العلاقات. فالحرف يمكن أن يصبح رقمًا. الرّقم يمكن أن يصبح علامة. والعلامة يمكن أن تصبح شكلًا. والشّكل يمكن أن يصبح خريطة للمعنى. والخريطة تقود القارئ من الظّاهر إلى الباطن. ومن هنا يمكن القول إنّ الحلّاج لا يقدّم في الطّواسين “نظريّة في الأرقام” بالمعنى الرّياضيّ، وإنّما يقدّم شيئًا أكثر تعقيدًا؛ نظريّة صوفيّة في العلامة. فالرّقم عنده لا يساوي الحقيقة، كما أنّ الحرف لا يساوي الحقيقة، والدّائرة لا تساوي الحقيقة. كلّها علامات عليها. وهذا يفسّر سبب بقاء بعض رسوم الطّواسين غامضة حتّى في الدّراسات الحديثة؛ لأنّ الحلّاج صمم جزءًا من نصّه بحيث لا يُستنفد المعنى في القراءة المباشرة.

إن “النّقطة” تُشير إلى المركز، والمركز يشير إلى الواحد، والواحد يشير إلى التّوحيد؛ لكن التّوحيد لا يمكن اختزاله في نقطة أو رقم أو دائرة. وهنا تكمن المفارقة العميقة في النّظام الحلّاجـي؛ العلامة تكشف، لكنّها لا تستنفد؛ والعدد يدلّ، لكنّه لا يساوي؛ والدّائرة تحيط، لكنّها لا تحتوي الحقيقة؛ والحرف يقترب من المعنى، لكنّه لا يحيط بالمطلق.

وبذلك يصبح الطّواسين أحد النّصوص المبكّرة المهمة في تاريخ انتقال التّصوّف الإسلاميّ من اللّغة القوليّة إلى اللّغة البصريّة الرّمزيّة، ومن التّعبير عن التّجربة إلى محاولة هندستها على الصّفحة.

قائمة المصادر والمراجع

  1. المصادر المراجع العربيّة

أبو غالي، مختار. (1997). توظيف شخصيّة الحلّاج في الشّعر العربيّ المعاصر. الكويت: جامعة الكويت.

Abu Ghali, Mukhtar. (1997). The use of al-Hallaj’s persona in contemporary Arabic poetry. Kuwait: Kuwait University.

أحمد، عبد الوهّاب أمين. (1999). التّراث الأدبيّ للحلّاج الصّوفيّ مصر: دار قطر النّدى.

Ahmad, Abd al-Wahhab Amin. (1999). The literary heritage of al-Hallaj the Sufi. Egypt: Dar Qatr al-Nada.

أوغلو، أكمل الدّين. (2002). دراسة حول مخطوط كتاب الطّواسين. إسطنبول: مكتبة الخزائن العثمانيّة.

Oghlu, Ekmeleddin. (2002). A study of the manuscript of Kitab al-Tawasin. Istanbul: Library of Ottoman Collections.

جلبي، كاتب. (1941). دراسة في كتاب الطّواسين. إسطنبول: المكتبات والخزائن المخطوطيّة.

Celebi, Katib. (1941). A study of Kitab al-Tawasin. Istanbul: Manuscript Libraries and Collections.

خرطبيل، سامي. (1979). أسطورة الحلّاج. بيروت: مطبعة دار ابن خلدون.

Khartabil, Sami. (1979). The legend of al-Hallaj. Beirut: Dar Ibn Khaldun Press.

السّحّ، رضوان. (1994). طواسين الحلّاج. دمشق: دار نينوى.

Al-Sahh, Ridwan. (1994). Al-Hallaj’s Tawasin. Damascus: Dar Ninawa.

سنير، رؤوبين. (2002). ركعتان في العشق: دراسة في شعر عبد االوهّاب البيّاتي. بيروت: دار السّاقي.

Snir, Reuven. (2002). Two rak‘ahs in love: A study of Abd al-Wahhab al-Bayati’s poetry. Beirut: Dar al-Saqi.

شرف، محمّد جلال. (1970). الحلّاج الثّائر الرّوحيّ في الإسلام. الإسكندريّة: مؤسّسة الثّقافة الجامعيّة.

Sharaf, Muhammad Jalal. (1970). Al-Hallaj: The spiritual rebel in Islam. Alexandria: University Culture Foundation.

عاصي، حسن. (1991). التّصوّف الإسلاميّ؛ مفهومه؛ تطوّره ومكانته من الدّين والحياة. بيروت: دار المواسم.

Asi, Hasan. (1991). Islamic Sufism: Its concept, development, and place in religion and life. Beirut: Dar al-Mawasim.

نعامنة، محمود. (2018). تجربة التّصوّف الإسلاميّ ومحاولات تفجير اللّغة. القاهرة: دار السّكريّة.

Naamneh, Mahmuod. (2018). The experience of Islamic Sufism and attempts to explode language. Cairo: Dar al-Sukkariyya.

نعامنة، محمود. (2021). من الشّيخ إلى المريد: دراسة في التّصوّف والأدب. حيفا: دار سهيل عيساوي للنّشر.

Naamneh, Mahmuod. (2021). From shaykh to disciple: A study of Sufism and literature. Haifa: Suhail Issawi Publishing House.

نعامنة، محمود. (2021). من الشّيخ إلى المريد: دراسة في التّصوّف والأدب. كفر مندا: دار سهيل عيساوي للنّشر.

Naamneh, Mahmuod. (2021). From shaykh to disciple: A study of Sufism and literature. Kafr Manda: Suhail Issawi Publishing House.

نعامنة، محمود. (2023). التّصوّر الصّوفيّ الكوزموغونيّ لخلق العالم. قراءة في مخطوط الرّسائل الصّقليّة لابن سبعين. بيروت: دار الكتب العلميّة.

Naamneh, Mahmuod. (2023). The Sufi cosmogonic conception of the creation of the world: A reading of Ibn Sab‘in’s Sicilian Epistles manuscript. Beirut: Dar al-Kutub al-Ilmiyya.

النّيشابوريّ؛ العطّار (1889). كتاب تذكرة الأولياء. (ملاحظات: أحمد آ رام). لاهور-باكستان: مكتبة نور.

Al-Naysaburi, al-Attar. (1889). The book of memorials of the saints. (Notes by Ahmad A. Ram). Lahore, Pakistan: Nur Library.

  1. المراجع الأجنبيّة

Abuali, E. (2021). Visualizing the soul: Diagrams and the subtle body of light (jism laṭīf) in Shams al-Dīn al-Daylamī’s The Mirror of Souls (Mirʿāt al-arwāḥ). Critical Research on Religion, 9 (2), 157–174.

Arbery, A, J. (1963). More Tales from the Masnavi. London: George Allen and Union L.T.D.

Assadi, Jamal. Naamneh, Mahmuod. (2011). The Road to self-revival. New York: Peter Lang.

Bayatli, N. (2014). Sülemaniye Kütüphanesu Yazma Eser Koleksiyonklari Rehberi. T.C Kültür ve Turizm Bakanliği.

Ernst, C. W. (1985). Words of ecstasy in Sufism. State University of New York Press.

Hallāj, al-Ḥusayn ibn Manṣūr al-. (1913). Kitâb al-Tawâsîn (L. Massignon, Ed.). P. Geuthner.

Hallāj, al-Ḥusayn ibn Manṣūr al-. (1974). The Tawasin of Mansur al-Hallaj (Aisha ʿAbd al-Raḥmān al-Tarjumāna, Trans.). Diwan Press.

Hallāj, al-Ḥusayn ibn Manṣūr al-. (2002). Al-Ḥallāj: Al-aʿmāl al-kāmilah (Q. M. ʿAbbās, Ed.). Riyāḍ al-Rayyis.

Massignon, L. (1913). Kitâb al-Tawâsîn par Abû al-Moghîth al-Hosayn ibn Mansour al-Hallâj: Texte arabe publié pour la première fois d’après les manuscrits de Stamboul et de Londres, avec la version persane d’al-Baqlî, l’analyse de son commentaire persan, une introduction critique, des observations, des notes et trois indices. P. Geuthner.

Massignon, L. (1968). Essai sur les origines du lexique technique de la mystique musulmane. J. Vrin.

Massignon, L. (1982). The Passion of al-Hallaj, mystic and martyr of Islam (H. Mason, Trans., Vols. 1–3). Princeton University Press. (Original work published 1922).

Nadeem, S, H. (1979). Critical Appreciation of Arabic Mystical Poetry. Lahore: Islamic Books Service.

Ruspoli, S. (2007). Le livre Tawâsîn de Hallâj, suivi du Jardin de la connaissance: Avec le commentaire de Rûzbehân. Dar Albouraq.

Schimmel, A. (1975). Mystical dimensions of Islam. University of North Carolina Press.

Sells, M. A. (1996). Early Islamic mysticism: Sufi, Qur’an, Mi’raj, poetic and theological writings. Paulist Press.

ملاحق: الطّواسين من التّحقيق الأصليّ

ملحق 1: طاسين الدائرة([27])

البرّانيّ ما وصل إليها، والثّاني وصل وانقطع. والثّالث ضلّ في مفازة “حقيقة الحقيقة”

وهو ذلك الباب حيث الوصول، وفيه التّيه، والثّالث مفاوز الحقيقة، وهي حقيقة ذلك الباب، الذي كالباء، ويقابله بابان، تحت الدّائرة الثّانية. وهيهات من يدخل الدّائرة والطّريق مسدود؛ والطّالب مردود، ونقطة الفوقانيّ همّته؛ ونقطة التّحتانيّ رجوعه إلى أصله؛ ونقطة الوسطانيّ تحيّره.

قرب الدّائرة نقطة التّحتانيّ؛ حيث رجوعه بالأصل بطلب النّقطة التي في جهة اليمين، نقطة الوسطانيّ تلك التي على يسار الدّائرة. والدائرةُ ما لها باب ، والنقطة التي في وسط الدائرة هي الحقيقة .
ومعنى الحقيقة شيءٌ لا تغيب عنهُ الظّواهر ولا البواطن ولا تقبل الأشكال. فإن أردت فهمَ ما أشرتُ إليه: فخُذ أربعةً من الطّير فصرهنّ إليك لأنّ الحيّ لا يطير. الغيرةُ أحضرتها بعد الغيبة. والهيبة منعتها، والحيرةُ سلبتها.

هذه معاني الحقيقة. وأدقّ من ذلك دايرةُ المعادن؛ وأثرة القواطن. وأدقّ من ذلك فهم الفهم فإخفاءِ الوهم. هذا من حول الدائرةِ ينطق؛ لا من وراء الدّائرة .وأمّا علمُ علمِ الحقيقة : فإنهُ حرميّ والدّائرةُ حرمه . فلذلك سميَّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حرميًّا .ما خرج من دائرة الحرم سواه. . .لأنّهُ فزعَ آواه .تأوّه حين رأى بيتًا في دائرة الحرم وهو وراءه .فقال: آآه.

ملحق 2: طاسين المشيئة([28])

الدّائرة الأولى مشيئته والثّانية حكمته والثّالثة قدرته و الرّابعة معلومته و أزليّته .
قال ابليس : “إن دخلت فى الدّائرة الأولى أبتليت بالثّانية و إن قنعت بالثّانية أبتليت بالثّالثة وأقنعت بالرّابعة .فلا ولا ولا ولا ولا. فبقيت على الأولى فلعنت إلى الثّانى. وطرحت الى الثّالث وأين منى الرّابع. لو علمت أنّ السّجود ينجينى لسجدت. ولكن علمت أنّ وراء تلك الدّائرة الدّوائر فقلت فى خالى: “هب نجوت من هذه الدّائرة. كيف أنجوا من الثّانية. والثّالثة والرّابعة ” والألف الخامس ” هو الحيّ “.

ملحق 3: طاسين التّوحيد([29])

و الحق واحد . . أحد . . وحيد . . موحد
و الواحد و التّوحيد “في” و “عن”

وصورة صورة في هذا المعنى

علم التّوحيد مفرد مجرّد

صورة التّوحيد هكذا (انظر الرّسم الثّاني أعلاه)

. . التّوحيد صفة الموَحَد لا صفة المُوَحِد
و إن قلت “أنا”  فلك لا له . . و إن قلت ” رجوع التوحيد الى الموحد ”
و إن قلت ” توحيد” كيف يرجع المتوحّد إلى التّوحيد؟
و إن قلت “من الموحّد إلى الموحّد ” فقد نسبته إلى الحدّة .إن قلت: التّوحيد خلق منه، فإنّني صيّرت الذّات ذاتين، والذي وجد ذات، عندما لا يكون الذّات ذاتًا ولا يكون ذاتًا، اختفى عندما ظهر، اين اختفى الذي (أين لا يكون)؛ أن (ما) و(ذا) لا يُتضمّنان).

الهوامش:

  1. () الألفانمريّة Alphanumeric هو مصطلح مركّب ينشأ من دمج كلمتين: الأبجديّة والأرقام الحسابيّة. ↑
  2. () حول ترجمة هذه الشّخصيّة انظر: السّح، 1998، 97- 147؛ شرف، 1970، 2- 11؛ خرطبيل، 1979. وحول حكاية مقتل الحلّاج راجع: Massignon, 1936, 14- 17 . ↑
  3. () راجع: سنير، 2002، 85. ↑
  4. () حول الحلاّج ورمزه في الشّعر العربيّ المعاصر؛ ومعاني هذا الرّمز، انظر بتوسّع دراسة لكاتب هذا المقال، محمود نعامنة؛ في نشرة علميّة محكّمة في: نعامنة، 2014، 287- 314. ↑
  5. () أبو غالي، 1997، 9. ↑
  6. () امتاز الحلاّج عن غيره من القدّيسين الصّوفيّين، بكونه منفتحًا على المحيط الاجتماعيّ بعيدًا عن صومعة الانزواء والتّرهّب والتّعبّد، فكان الحلّاج يمارس حياته الاجتماعيّة كالآخرين، في الأسواق والمرابد والمساجد، على غير العادة من المتصوّفة الذين انزووا في الصّومعات متزهّدين متقشّفين ومتفرّدين، راجع في هذا الباب، Nadeem, 1979, 53. ↑
  7. () إنّ الطّبقة الإبداعيّة في الأدب العربي المعاصر، اتّخذت من شخص الحلاّج رمزًا ثوريًا تطهيريًا في الفنّ الأدبي، وتتشكّل الرّؤية الفنيّة للرّمز الحلاّجيّ في الأدب العربي المعاصر، بين القصيدة كأنموذج للتّصوير التّراثيّ والفنّ المسرحيّ والرّوائيّ، بما يحمل من دلالات حضاريّة وفكريّة؛ من هنا توظّف الأعمال الأدبيّة العربيّة باختلاف أنواعها شخصيّة الحلّاج احتفاءً بهذه الشّخصيّة وبعثًا لفكرها؛ انظر في ذلك: أحمد، 1999، 56. ↑
  8. () وهذا يذكّرنا بثلّة قليلة من المتصوّفة المسلمين في القرون الوسطى؛ الذين لم ينزووا في صومعاتهم؛ وكانوا قريبين من مريديهم؛ ومارسوا حياتهم المجتمعيّة بشكلّ عاديّ؛ مثل بشر الحافي الصوّفيّ الشّهير؛ الذي تجوّل في الأسواق والطرقات؛ وعاشر النّاس بطقس حياتهم اليوميّ؛ حول بشر الحافي وصوفيّته المجتمعيّة؛ انظر: Assadi & Naamneh, 2011, 197-190؛ Naamneh, 2011؛ نعامنة، 2023؛ نعامنة، 2018؛ نعامنة، 2021. ↑
  9. () انظر هذين الكتابين المكتوبين في القرن الرّابع الهجريّ؛ وبتحقيق أوليّ للباحث الإنجليزيّ آرثر يوحنّا أربيري Arthur J. Arberry؛ سنة 1935 والصّادر أوّل مرّة عن مطبعة لوزاك Luzac & Co في لندن؛ النّفّري، 1935. ↑
  10. () انظر: العطّار، النّيشابوريّ، د.ت. (مصحّح أحمد أرام). وهذا الكتاب يعتبر نادرًا؛ ويمكن قراءته ومراجعته الكترونيًّا من موقع INTERNET ARCHIVE. ↑
  11. () أعقبت هذه النّسخة الفرنسيّة ترجمات وطبعات مختلفة؛ اعتمدت بالمحصّلة على مُنجز ماسينيون؛ أهمّها: ترجمة الباحث رضوان السّح الصّادرة عن دار الينابيع في دمشق؛ وأعقبتها ترجمة السّح في طبعة أخرى عن دار نينوى في دمشق. انظر في ذلك: السّحّ، 1994. وقد أعقب ذلك نشرات مختلفة لعدّة دور نشر مختلفة في بيروت؛ والتي أصدرت كتاب بستان المعرفة مُدمجة مع كتاب الطّواسين. ↑
  12. () يعتبر الباحثون عن الحلّاج “مخطوطة مراد ملّا “الكنز المفقود”؛ الذي ثبّت فيما بعد دراسات الحلّاج؛ وأتاح للباحثين فرصة تناول فكر الحلّاج بتوسّع؛ فقد تضمنّت المخطوطة كتاب الطّواسين بنسخته الأصليّة متبوعًا بشذرات من عمل آخر أطلق عليه الحلّاج بستان المعرفة؛ ولقد عاشت هذه المخطوطة في ظروف شبه مستحيلة فقد بقيت حتى زماننا منذ مطاردة الحلّاج في بغداد سنة 309ﻫ بعد أن أعدم الحلّاج وحُرّقت كتبُهُ؛ بعدها انتقلت إلى إسطنبول- مكتبة السّليمانيّة. جدير بالذّكر أنّ مكتبة السّليمانيّة Süleymaniye Kütüphanesi)) تضمّ مجموعات خزائنيّة مُتعدّدة نُقلت إليها من مساجد ومدارس تاريخيّة ومراكز علميّة في العالمين العربيّ والإسلاميّ؛ وتتوزّع المخطوطات المختلفة ضمن مجموعات أو أرشيفات مختلفة مثل مجموعة “آيا- صوفيا” (Ayasofya)؛ أو مجموعة “بشير آغا”؛ أو مجموعة النّافذ “النّافذ باشا”. عن هذه المكتبة راجع: أوغلو، 2002. وانظر: جلبي، 1941؛ وانظر بالتّركيّة: Bayatli, 2004. ↑
  13. () حول الطّبعة الأولى من Kitāb al-Ṭawāsīn، والذي نشره لويس ماسينيون النّصّ العربيّ اعتمادًا على مخطوطات إسطنبول ولندن، مع التّرجمة الفارسيّة لرُوزبهان البقليّ وتعليقاته. انظر: Massignon, L. (1913), Kitâb al-Tawâsîn, Paris, P. Geuthner, pp. i–xxiv, 1–223. ؛ وتؤكّد الفهارس الببليوغرافيّة أنّ هذه الطّبعة صدرت في باريس سنة 1913. ↑
  14. () Massignon, 1982, vol. 2, pp. 80–81. ↑
  15. () حول نظام الحروف وقيمها العدديّة في الثّقافة الإسلاميّة، انظر Schimmel, 1975, 411–425.. ↑
  16. () Schimmel, 1975, pp. 411–425. ↑
  17. () Massignon, 1982, vol. 2, p. 81. ↑
  18. () Massignon, Kitâb al-Tawâsîn, pp. 79–108؛ وهو القسم الذي يضمّ تحليل شرح رُوزبهان البقليّ لـالطّواسين. وتوضّح الفهارس الحديثة للطّبعة أنّ صفحات 79–108 مخصّصة لتحليل تعليق البقليّ. ↑
  19. () Massignon, 1913, pp. 190–191. ↑
  20. () قارن: عاصي، 1991. ↑
  21. () حول وظيفة الدّوائر المتحّدة المركز في الانتقال من الظّاهر إلى الباطن ثم إلى الحقيقة؛ انظر: Massignon, 1982, 81. ↑
  22. () Massignon, 1968, pp. 98–101. ↑
  23. () Massignon, 1982, vol. 2, p. 80. ↑
  24. () Sells, M. A. (1996), pp. 266–280. ↑
  25. () Abuali, 2021, pp. 157–174. ↑
  26. () Abuali, E. (2021), “Visualizing the soul: Diagrams and the subtle body of light,” Critical Research on Religion, 9 (2), 157–174. وتناقش الدّراسة الوظيفة المعرفيّة للرسومات الصّوفيّة، وتشير صراحةً إلى رسوم الطّواسين للحلّاج. ↑
  27. () انظر النّصّ الأصليّ مًرفقًا بالرّسم الأصليّ لمخطوط كتاب الطّواسين للحلّاج؛ في تحقيق قاسم محمّد عبّاس في: عبّاس، 2002؛ 203-204. ↑
  28. () انظر النّصّ الأصليّ مًرفقًا بالرّسم الأصليّ لمخطوط كتاب الطّواسين للحلّاج؛ في تحقيق قاسم محمّد عبّاس في: عبّاس، 2002؛ 175-176. ↑
  29. () انظر النّصّ الأصليّ مًرفقًا بالرّسم الأصليّ لمخطوط كتاب الطّواسين للحلّاج؛ في تحقيق قاسم محمّد عبّاس في: عبّاس، 2002؛ 201. ↑