دور بيعتي العقبة في بناء الدولة الإسلامية في المدينة المنورة
د. سيدة النعيم عبد الله1
1 كلية الآداب، جامعة سنار، السودان.
The Role of the Two Pledges of Al-‘Aqabah in the Establishment of the Islamic State in Medina
Dr. Sayeda Al-Naeem Abdullah¹
¹ Faculty of Arts, University of Sennar, Sudan.
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj79/29
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/79/29
المجلد (7) العدد (9). الصفحات: 539 - 550
تاريخ الاستقبال: 2026-08-10 | تاريخ القبول: 2026-08-18 | تاريخ النشر: 2026-09-01
المستخلص: هدفت هذه الدراسة إلى بيان دور بيعتي العقبة الأولى والثانية في التمهيد للهجرة النبوية وتأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، والكشف عن أثرهما في نشر الدعوة الإسلامية، وتكوين الجماعة المؤمنة، والانتقال بالمسلمين من مرحلة الاستضعاف في مكة المكرمة إلى مرحلة التمكين وبناء الدولة في المدينة. كما سعت إلى توضيح المبادئ العقدية والأخلاقية والاجتماعية التي قامت عليها البيعتان، وبيان أوجه إسهام المبايعين من الأنصار في تهيئة البيئة الملائمة لاستقبال الرسول صلى الله عليه وسلم والمهاجرين. واعتمدت الدراسة المنهج التاريخي الوصفي الاستقرائي والتحليلي، من خلال تتبع أحداث البيعتين وسياقهما التاريخي وتحليل بنودهما وآثارهما الدعوية والسياسية والاجتماعية. وأظهرت النتائج أن بيعة العقبة الأولى أسهمت في نشر الإسلام في يثرب، ولا سيما بعد إرسال مصعب بن عمير رضي الله عنه لتعليم أهلها القرآن الكريم وتفقيههم في الدين، مما أدى إلى اتساع قاعدة المسلمين وتهيئة المجتمع لاستقبال الدعوة الإسلامية. كما مثّلت بيعة العقبة الثانية تحولًا حاسمًا في مسيرة الدعوة؛ لما تضمنته من التزام بالنصرة والحماية والطاعة وتحمل المسؤولية. وتوصلت الدراسة إلى أن البيعتين شكّلتا المقدمة الأساسية للهجرة النبوية، وأسهمتا في توحيد المهاجرين والأنصار، وترسيخ مقومات المجتمع الإسلامي، والتمهيد لبناء مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المسجد، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ووثيقة المدينة. وأوصت الدراسة بإجراء دراسة مقارنة موسعة بين بيعتي العقبة، ودراسة أحوال المدينة قبل بعثة مصعب بن عمير إليها، وإبراز دور الأنصار في تأسيس الدولة الإسلامية وترسيخ دعائمها.
الكلمات المفتاحية: بيعتا العقبة، الهجرة النبوية، الدولة الإسلامية، المدينة المنورة، المهاجرون والأنصار، مصعب بن عمير.
Abstract: This study aimed to elucidate the role of the First and Second Pledges of al-‘Aqabah in paving the way for the Prophet’s migration (Hijrah) and the establishment of the Islamic state in Medina. It also examined their impact on the spread of Islam, the formation of the Muslim community, and the transition of Muslims from a state of vulnerability in Mecca to one of empowerment and state-building in Medina. Furthermore, the study sought to identify the doctrinal, ethical, and social principles underlying the two pledges and explain the contribution of the Ansar who participated in them to creating a suitable environment for receiving the Prophet (peace be upon him) and the Muhajirun. The study employed historical, descriptive, inductive, and analytical approaches by tracing the events and historical contexts of the two pledges and analyzing their provisions and religious, political, and social implications. The findings revealed that the First Pledge of al-‘Aqabah contributed to the spread of Islam in Yathrib, particularly after Mus‘ab ibn ‘Umayr was sent to teach its inhabitants the Qur’an and instruct them in the principles of Islam. This expanded the Muslim community and prepared Yathrib to receive the Islamic mission. The Second Pledge represented a decisive turning point in the history of the Islamic mission, as it entailed commitments to support, protection, obedience, and responsibility. The study concluded that the two pledges laid the essential foundation for the Prophet’s migration, united the Muhajirun and Ansar, consolidated the foundations of the Muslim community, and paved the way for establishing the state’s institutions, particularly the mosque, the brotherhood between the Muhajirun and Ansar, and the Constitution of Medina. The study recommended conducting a comprehensive comparison of the two pledges, examining the conditions in Medina before Mus‘ab ibn ‘Umayr’s mission, and highlighting the Ansar’s role in establishing and consolidating the Islamic state.
Keywords: The Two Pledges of al-‘Aqabah; Prophetic Migration; Islamic State; Medina; Muhajirun and Ansar; Mus‘ab ibn ‘Umayr.
المقدمة:
مثّلت الدعوة الإسلامية منذ انطلاقها في مكة المكرمة تحولًا عميقًا في تاريخ الإنسانية؛ إذ جاءت بعقيدة التوحيد ومنظومة متكاملة من القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية، ساعيةً إلى تحرير الإنسان من العبودية لغير الله، وإقامة مجتمع يقوم على الإيمان والعدل والمساواة والتكافل. غير أن الدعوة واجهت في مرحلتها المكية صنوفًا متعددة من الاضطهاد والمقاومة من قريش، التي رأت في الإسلام تهديدًا لمكانتها الدينية ومصالحها الاقتصادية ونظامها الاجتماعي، فتعرض الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه للأذى والتعذيب والمقاطعة، مما استدعى البحث عن بيئة آمنة تحتضن الدعوة وتتيح لها الانتقال من نطاقها المحدود إلى أفق أوسع.
وفي خضم هذه الظروف، اتجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عرض الإسلام على القبائل والوفود التي كانت تفد إلى مكة في مواسم الحج، طلبًا للنصرة والحماية وإبلاغًا لرسالة الإسلام. وقد أثمرت هذه الجهود لقاءه بنفر من أهل يثرب من قبيلتي الأوس والخزرج، فاستجابوا لدعوته وآمنوا به، ثم عادوا إلى قومهم حاملين مبادئ الإسلام وتعاليمه. ومهّد ذلك لعقد بيعة العقبة الأولى، التي قامت على الإيمان والالتزام بجملة من المبادئ الأخلاقية والسلوكية، وأعقبها إرسال مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى يثرب ليقرئ أهلها القرآن، ويعلمهم أحكام الدين، وينشر الدعوة بينهم، فكان لجهوده أثر بالغ في اتساع دائرة الإسلام وتهيئة المجتمع اليثربي لاستقبال الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
أما بيعة العقبة الثانية، فقد مثّلت مرحلة أكثر تقدمًا في مسيرة الدعوة الإسلامية؛ إذ لم تقتصر على الالتزام العقدي والأخلاقي، بل اشتملت على التعهد بنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم وحمايته والدفاع عنه، وتحمل تبعات إقامة المجتمع الإسلامي. وبذلك تجاوزت البيعة إطارها الديني الفردي إلى إطار جماعي ذي أبعاد سياسية واجتماعية، وأصبحت نقطة تحول حاسمة مهّدت للهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، ووفرت للدعوة قاعدة آمنة تنطلق منها نحو بناء مجتمع منظم ودولة ذات سلطة ومؤسسات.
وقد أسهمت بيعتا العقبة في توحيد جهود المسلمين، وتعزيز الصلة بين المهاجرين والأنصار، وإيجاد الحاضنة البشرية والاجتماعية اللازمة لقيام الدولة الإسلامية. وبعد الهجرة بدأت مرحلة جديدة تمثلت في بناء المسجد، وإقرار المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وتنظيم العلاقات بين مكونات مجتمع المدينة من خلال وثيقة المدينة، بما أرسى أسس مجتمع يقوم على العقيدة والتعاون والتكافل والالتزام بالمسؤولية المشتركة.
وتنبع أهمية دراسة بيعتي العقبة من كونهما لم تكونا حدثين عابرين في السيرة النبوية، بل مثّلتا أساسًا دينيًا وسياسيًا واجتماعيًا للانتقال بالدعوة الإسلامية من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين. كما تكشف دراسة بنودهما وظروفهما ونتائجهما عن دقة التخطيط النبوي، وأهمية الإعداد العقدي والتربوي للإنسان قبل بناء مؤسسات الدولة، فضلًا عن إبراز الدور المحوري الذي أداه الأنصار في نصرة الدعوة وتهيئة المدينة لتصبح مقرًا للدولة الإسلامية الناشئة.
وانطلاقًا من ذلك، يتناول هذا البحث دور بيعتي العقبة الأولى والثانية في بناء الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، من خلال تتبع سياقهما التاريخي، وتحليل بنودهما ودلالاتهما، وبيان أثرهما في التمهيد للهجرة، وتكوين الجماعة الإسلامية، وترسيخ مقومات الدولة في العهد النبوي.
أ – أهمية الدراسة:
تكمن أهمية الدراسة في الآتي:
1- معرفة دور بيعتي العقبة في نشر الإسلام منذ بداية الدعوة.
2- الوقوف على مشاركة المبايعين في وصول الإسلام إلى المدينة.
3- معرفة المبادئ الأساسية في المبايعة.
ب- أهداف الدراسة:
1– معرفة أن بيعتي العقبة الأولى والثانية كان لهما دور فعال في التمهيد لبناء الدولة الإسلامية.
2 – وسيلة للكشف عن دور بيعتي العقبة في بناء الدولة الإسلامية.
3- معرفة بأن بيعتا العقبة لعبت دوراً محورياً في بناء الدولة الإسلامية الأولى.
ج – أسباب اختيار الموضوع:
تتمثل أسباب اختيار الموضوع في الآتي:
1 – معرفة الدور الكبير للنفر الأنصار الستة الذين أسلموا في بث الدعوة إلى الإسلام.
2 – معرفة المكانة التي منحها الرسول صلى الله عليه وسلم للمبايعين.
3 – إظهار دور البيعتين في وضع الأسس في الدولة الإسلامية من مرحلة الاستضعاف في مكة إلى مرحلة التمكين والسيادة في المدينة المنورة.
د- منهج الدراسة:
استخدمت الباحثة المنهج التاريخي الوصفي والاستقرائي الذي يعتمد على سرد الأحداث وتحليلها.
ج – مشكلة الدراسة:
تكمن مشكلة الدراسة في التعرف على دور البيعتين في بناء الدولة الإسلامية.
هـ- حدود الدراسة:
الزمانية: (12 ربيع الأول (1 هجرية ــــ 622 م / 9هجرية ـــــ 630ملادية).
المكانية: مكة المكرمة والمدينة المنورة (الدولة الإسلامية في العهد النبوي).
و- أسئلة الدراسة:
السؤال المحوري الذي يدور حوله الموضوع:
1 – كيف كانت طريقة بيعتي الأولى والثانية؟
2 هل هناك تشابه في البيعتين؟
3 كيف ساهمت البيعتان في بناء الدولة الإسلامية؟
4- لم كان أنصار النبي صلى الله عليه وسلم الأوائل من غير قومه وبيئته؟
المبحث الأول: التعريف على بيعتا العقبة الأولى والثانية
المطلب الأول:- التعريف ببيعة العقبة الأولى وبنودها:
كان الرسول صلى الله عليه وسلم خلال منذ بعثته يعرض نفسه في موسم الحج من كل سنة على القبائل التي تتوافد إلى بيت الله الحرام؛ يتلو عليهم كتاب الله ويدعوهم إلى توحيد الله، ومن القبائل التي دعاها الرسول صلى الله عليه وسلم وعرض نفسه عليهم بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن حفصة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعبس، وبنو نضر وغيرهم، فلم يستجب منهم أحد. وفي موسم العام الحادي عشر من النبوة، خرج رسول الله يدعو كعادته القبائل، وفي ليلة خرج معه أبو بكر () وعلي كرم الله وجهه، فمر بعقبة منى، فسمع أصوات رجال يتكلمون، فعمدهم حتى لحقهم، فقال: “من أنتم؟” قالوا: نفر من الخزرج، قال: “من موالي اليهود؟” قالوا: نعم. قال: “أفلا تجلسون أكلمكم؟” قالوا: بلى، فجلسوا معه، فشرح لهم حقيقة الإسلام ودعوته، ودعاهم إلى الله ()، وتلا عليهم القرآن، فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله يا قوم إنه النبي الذي توعدكم به اليهود فلا تسبقكم إليه، فأسرعوا إلى إجابة دعوته وأسلموا. (الصلابي السيرة النبوية، 2009م، ص،245)
وكانت يثرب قد أنهكتها الحرب الأهلية بين الأوس والخزرج، فأملوا أن تكون دعوته سبباً لوضع تلك الحرب، فقالوا له: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشرك ما بينهم فعسي أن يجمعهم الله بك. فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك، ووعدهم أن يلتقوا في الموسم القادم. ولما رجع هؤلاء إلى يثرب حملوا إليها رسالة الإسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول صلى الله عليه وسلم. ونجد الرسول صلى الله عليه وسلم اتفق مع هؤلاء المسلمين، ولكن لم يطلب منهم النصرة والمساعدة كما طلبها من غيرهم؛ لأنه يعرف أن القرار ليس بأيديهم في يثرب، ولا يريد أن يحملهم فوق طاقتهم، وفي نفس الوقت يربيهم لكي يحملوا هذه المهمة مستقبلاً، وفوق ذلك كان يريد أن يزيد من عدد المسلمين في يثرب حتى يصل إلى المستوى الذي يمكنهم من تحمل مسؤولية الدفاع عن الإسلام. (راغب السرجاني، بدون تاريخ نشر، ص،282).
رجع النفر الذين قابلوا رسول صلى الله عليه وسلم إلى يثرب، وأحاطوا قومهم بخبر لقائهم وإسلامهم، ودعوا أهل المدينة جميعاً من الأوس والخزرج إلى الإيمان، ففشا الإسلام في دور الأنصار جميعاً، فلم يبق من بيوت الأوس والخزرج إلا وفيه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما استدار العام وأقبل موسم الحج لسنة اثنتي عشرة من النبوة، أقبل إلى مكة اثنا عشر رجلاً من المسلمين من يثرب، بعضهم ممن لقي النبي صلى الله عليه وسلم في الموسم السابق. وأمن به، فلقيهم الرسول صلى الله عليه وسلم عند العقبة بمنى، فبايعوه. وقال لهم: “تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله، فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه”، فبايعناه على ذلك. (المباركفوري، 2006م، ص،65)
وعندما أرادوا العودة إلى بلادهم، بعث معهم الرسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير ليقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، فكان أن سمي (مقرئ المدينة)، وكان يقيم مع أسعد بن زرارة زعيم الأوس، وكان معه أيضاً عبد الله بن أم كلثوم. ونجح مصعب أيما نجاح في نشر الإسلام، وأسلم على يديه خلق كثير من الأنصار بمعاونة أسعد بن زرارة. وممن أسلم من أشرافهم، أسيد بن الحضير، وسعد بن معاذ وأسلم بإسلام يومئذ جميع بني عبد الأشهل الرجال والنساء، وكان أول من أقام صلاة الجمعة بالمدينة هو أسعد بن زرارة، وكانوا أربعين رجلاً، أمهم مصعب بن عمير. وقبل حلول موسم الحج التالي من العام الثالث عشر للبعثة عاد مصعب بن عمير إلى مكة ليخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بالنجاح والقبول الذي لقيه الإسلام في يثرب ويقص عليه خبر قبائلها. (البوطي، 1999م، ص 75)
بنود البيعة الأولى:
1- التوحيد الخالص عدم الإشراك بالله شيئاً.
2- الالتزام بالأخلاق الفاضلة عدم السرقة ، والزنا، وعدم قتل الأولاد، وعدم الكذب والبهتان.
3- الطاعة في المعروف عدم حصيان الرسول صلى الله عليه وسلم في الخير.( المسعودي، بدون، ص288)
خلاصة الأمر: لقد حقق مصعب بن عمير ومن أسلم من أهل بيعة العقبة الأولى توسعاً دعوياً كبيراً بانضمام الكثير من أهل يثرب للدعوة الإسلامية، حتى إنه لم يبق بيت في يثرب إلا ودخله الإسلام، وأصبحت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم على كل لسان بين معجب ومتشوق ومتوجس إلى لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم.
المطلب الثالث :-التعريف ببيعة العقبة الثانية وبنودها:
في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفراً من المسلمين من أهل يثرب؛ (73) رجلاً وامرأتان، وكانوا في الطريق يتساءلون فيما بينهم: حتى متى نترك رسول صلى الله عليه وسلم؟ وتواعدوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يلتقوا عند العقبة منتصف الليل في أوائل أيام التشريق (الثلاثة الأيام بعد النحر) في شعب العقبة بمنى، على أن يكون الاجتماع ليلاً وبطريقة سرية، وكتم هذا الخبر عمن معهم من المشركين حتى إذا انتصف الليل أخذ المسلمون يتسللون من رحالهم تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعوا في الشعب عند العقبة ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءهم ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا إنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويستوثق له، وكان أول المتكلمين، حيث قال: يا معشر الخزرج إن محمداً منا حيث علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وأنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده. قال كعب: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت. فتكلم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتكلم الرسول صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: “أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم”، فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبنا الحرب وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر. فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنا قاطعوها (اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قال: “بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم”. ثم نهض اثنان من الأنصار ليشرحا لقومهما خطورة ما هم مقدمون عليه فقال أحدهما: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ فقالوا: نعم. قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: “أسالكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤونا، وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال رسول صلى الله عليه وسلم: لكم الجنة. قالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه. نجد البيعة الثانية هي الأساس الذي هاجر رسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بناء عليه. (محمد الغزالي ، 1995م ،ص207)
بنود البيعة الثانية:
بنود البيعة كانت على النحو التالي:
- النصرة والحماية المطلقة تعهدوا بحماية الرسول صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه كما يحمون أنفسهم ، وأبناءهم ونساءهم.
- السمع والطاعة الالتزام التام بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم على النفقة في العسر واليسر.
- على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القيام بواجب الدعوة إلى الخير ومحاربة الفساد.
- وعلى أن تقوموا في الله، ولا تأخذكم في الله لومة لائم أي الثبات على الحق وعدم المبالاة بمعارضة الناس.
- على أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة. وعندما تمت البيعة قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي، يعني المسلمين”، قالوا: نعم. وبعد تمام البيعة الكبرى، علمت قريش بهذه البيعة وهرعت إلى منازل الأنصار تريد النيل منهم ، ولكنها وجدت الأنصار قد غادروا إلى بلادهم فتبعوا أثرهم، ولكنهم لم يلحقوا إلا بسعد بن عبادة فقبضوا عليه ثم عادوا به إلى مكة موثوق اليدين، فجاء الحارث بن أمية والمطعم بن عدي فخلصاه من أيديهم فلحق بركب أصحابه. ( البوطي، 1999م، ص 78)
خلاصة القول: يظهر التخطيط العظيم في بيعة العقبة الثانية، حيث تمت في ظروف غاية الصعوبة، وكانت تمثل تحدياً خطيراً وجريئاً لقوى الشرك في ذلك الوقت، ولذلك كان التخطيط النبوي لنجاحها في غاية الإحكام والدقة.
المبحث الثاني: وجهة الشبه والاختلاف بين بيعتين العقبة الأولى والثانية
المطلب الأول: وجه الشبه بين البيعتين:
تتفق البيعة الثانية في جوهرها مع بيعة العقبة الأولى في الآتي:
- كل منهما إعلان للدخول في الإسلام أمام الرسول صلى الله عليه وسلم.
- أخذ المواثيق والعهود على السمع والطاعة والإخلاص لدين الله، والانصياع لأوامر رسوله .
- بعد قيام الدولة الإسلامية، مؤكداً فيها أهمية البنود الواردة بخصوص الأمن والتأمين للدعوة والدولة في مراحل تأسيسها والتمكين لها: إنما كان ليلة العقبة. ( أبن الأثير، 1996م، ص5)
المطلب الثاني: وجهه الاختلاف بين البيعتين:
أ- أن عدد المبايعين من أهل المدينة في المرة الأولى كان اثني عشر، أما عددهم في البيعة الثانية كان بضعة وسبعين بينهم امرتان، فقد عاد أولئك اثني عشر في السنة الأولى ومعهم مصعب بن عمير لا ينطوي كل على نفسه، وينعزل في بيته، بل ليبشر بالإسلام كل من كان حوله من رجال ونساء، يتلو عليهم قرآنه وبين لهم أحكامه ونظامه فمن أجل ذلك انتشر الإسلام في المدينة انتشاراً عظيماً حتى لم يبلغ داراً إلا دخلها الإسلام وأصبح حديث أهلها في عامة الأوقات عن الإسلام وخصائصه وأحكامه.
.ب- أن البنود النصوص عليها في البيعة الأولى، خالية عن الإشارة إلى الجهاد بالقوة، ولكنها في البيعة الثانية تضمنت الإشارة بالتصريح بضرورة الجهاد والدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعوة إلى الدين بكل وسيلة.
ويرجع السبب في ذلك أن أرباب البيعة الأولى انصرفوا وهم على وعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المطاف ذاته في الموسم التالي ليعودوا إليه بعدد أوفر من المسلمين ويجددوا العهد والمبايعة.
ج- قد كانت البيعة الأولي إذاً بيعة مؤقتة، أما بالنسبة لاقتصارها على تلك البنود فقط، وهي البنود التي بايع عليها النساء فيما بعد لهذا سُمِّيت ببيعة النساء؛ لأنه لم يؤمر فيها بجهاد ولا حرب، أما البيعة الثانية فقد كانت الأساس الذي هاجر رسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بناء عليه، ولذا كانت شاملة للمبادئ التي ستتم مشروعيتها بعد الهجرة إلى المدينة، وفي مقدمتها الجهاد والدفاع عن الدعوة بالقوة.
د- في البيعة الثانية ظهرت الجوانب الإدارية المهمة التي رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا بد أن يكون هناك من يمثل الأنصار، فجعل لكل خمسة من الأنصار نقيباً فيكوّن كل ستة مجموعة، ولما كان الأنصار 73 خرج منهم 12 نقيباً. وكان من الممكن أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينقيهم بنفسه، أو يأخذ أصحاب بيعة العقبة الأولى؛ لأنهم كانوا اثني عشر نفراً، أو أن يوكل ذلك إلى مصعب بن عمير، أو البراء بن معرور رئيس الوفد أو سعد بن زرارة؛ لأنه أحد السابقين للإسلام، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أقرّ قاعدة عظيمة من قواعد الحكم في الإسلام، وهي قاعدة أن على الشعب أن ينتخب ممثليه انتخاباً ليس فيه تدخل من القائد الأعلى. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومكم بما فيهم”، حرية كاملة للأنصار في اختيار ممثليهم هم أدرى بحالهم. فأخرجوهم له فكانوا اثنى عشر نقيباً؛ تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس. نجد عندما يختار الشعب حكومة بحرية حقيقية ليس فيها أي تدخل من أي جهة يُسمع لها بعد ذلك بمنتهى الحب وتُطاع بمنتهى الأمانة، ويحس فعلاً أنها حكومة وليست مفروضة عليه، هذا ما كان يريد أن يزرعه الرسول صلى الله عليه وسلم بداخل الأنصار وداخل الأمة الإسلامية بكاملها إلى يوم القيامة. (راغب، ص، 287)
المبحث الثالث: دور البيعتين في بناء الدولة الإسلامية الأولى
المطلب الأول: دور الاجتماعي و الاقتصادي:
ينبغي ألا يعزب عن بالنا أن طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من الأنصار في هذه البيعة بيعة الدولة الإسلامية- التأمين الشامل والكامل بشقيه الوقائي والإيجابي في إطار (الأنفس، والأزواج، والأولاد، والأصحاب)، ما هي إلا سُنَّة من سنن قيام الدولة الإسلامية التي تساعد على انطلاق الدعوة الإسلامية وحمل رسالتها السامية إلى العالمين.
وعندما صدر الأمر الإلهي على الرسول صلى لله عليه وسلم ومن ثم المؤمنين في مكة بأن يهاجروا إلى المدينة ، كل من يستطيع أن يهاجر فليهاجر ، بل يجب أن يهاجروا كل المسلمين لابد من الهجرة إلى المدينة، لأن هنالك مشروع ضخماً مهد له ببيعتي العقبة الأولى والثانية محتاجاً إلى كل طاقة هناك مشروع اسمه بناء الأمة الإسلامية ( راغب ، ص، 293)
نلاحظ أن كلمة الافتتاح في الاجتماع كانت للعباس بن عبد المطلب عم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان ما زال مشركاً ، وواضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مطمئناً له ، وأتى به لأداء دور سياسي معين ، ما هو هذا الدور ؟هو لتوضيع مكانة بني هاشم في مكة ، ولإعلام الأنصار أنهم سيأخذون الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأن له قبيلة كبيرة ذات شرف فيحرصون على أن يكون هم البديل الحقيقي لبني هاشم ، وكون العباس مشركاً يعطي بعداً سياسياً آخر ، وهو أن بنو هاشم مؤمنهم وكافرهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكما ذكرنا من قبل كلام العباس رضي الله عنه ما يثبت هذه التحليلات.( الصلابي، ص، 279).
إذاً، فالأمر مبتوت فيه، وليس هذا الاجتماع من أجل الدخول في مباحثات حوله من أجل تقريره أو رفضه، وإنما كان الاجتماع من جهة الرسول القائد صلى الله عليه وسلم للتثبت من تسلم زمام السلطة، وأن يسمعوا له ويطيعوا على كل أحوالهم، “أبايعكم على السمع والطاعة في النشاط والكسل”، هذا من جانب النبي ، أما من جهة الأنصار فقد كان التأكيد لقبولهم الدعوة والدولة الإسلامية، وأنهم على أتم الاستعداد للتضحية من أجل سلامة هذا المشروع، وتحقيقه على أرض الواقع، وتأمين أهدافه في مختلف مراحل التمكين والتأمين، (لن نقيل ولا نستقيل). (حسين ، 2005م،ص84)
وأيضا كان لهما دور في حل النزاعات المستمرة بين الأوس والخزرج في مدينتهم تمت البيعة على شروط أخلاقية واجتماعية مهمة للمجتمع الإسلامي الناشئ
كذلك كان لهما دور في توفير مأوى آمن للمسلمين كانتا بمثابة دعوة صريحة ومباشرة من أهل يثرب للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه للهجرة إليهم، وتوفير بيئة أمنة لهم لممارسة شعائرهم بحرية، بعد سنوات طويلة من الاضطهاد في مكة, (الذهبي.2009م،ص67)
لم تكن البيعتان مجرد قبول للإسلام بل كانتا عقداً سياسياً واجتماعياً شاملاً، تضمنت بنودا تشير إلى قيام سلطة مركزية بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتشكيل مجتمع منظم على أسس إسلامية.
تحولت الدعوة إلى الدولة بفضل البيعتان انتقلت الدعوة الإسلامية من مرحلة النشر الفردي إلى مرحلة تأسيس مجتمع ودولة لها كيانها وسلطتها وقوانينها، وتمكن المسلمون من بناء مسجد ومؤسسات اجتماعية واقتصادية وسياسية.( الصلابي، 2008م، ص246 )
المطلب الثاني:- الآثار السياسية والعسكرية
كان لبيعتي العقبة دور عظيم في بناء الدولة الإسلامية، وكانت لهما آثار وواقع تاريخي من الصدق والعدل والنصر والاستشهاد وتبليغ رسالة الإسلام، كما كانتا الحلقة الأولى في سلسلة الفتوحات الإسلامية التي تتابعت حلقاتها في صور متدرجة مشدودة بهذه البيعة منذ أن اكتمل عقدها، بما أخذ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من عهود ومواثيق على أقوى طليعة من طلائع أنصار الله، الذين كانوا أعرف الناس بقدر مواثيقهم وعهودهم، وكانوا أسمع الناس بالوفاء بما عاهدوا الله ورسوله عليه من التضحية مهما بلغت متطلباتها من الأموال والدماء والأرواح، وأكانوا أنصاراً للدين بمعنى الكلمة ، لم يفكروا في شيء لأنفسهم فحسب بل عاشوا للدين ، وللإسلام عاشوا لغيرهم من المسلمين ، ما أبلغ الوصف الذي وصفهم به ربهم سبحانه وتعالى عندما قال: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)الحشر الآية (9)، فهذه البيعة -العقبة الثانية- لم يغب عن أنصار الله قدرها ووزنها في ميادين الحروب والقتال، وهي في دورها تشمير ناهض بكل ما يملك أصحابها من وسائل الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله .) أبن هشام1995م،488)
أما البعد السياسي فنجده واضحاً في أذهان القبائل التي قابلها الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث أشاروا على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتريث حتى يتمكنوا من ترتيب أوضاعهم في بلادهم من الناحية الأمنية والسياسية والاقتصادية مما هو قادم عليهم من تحول تاريخي؛ مما جعل الرسول يرسل مصعب بن عمير() سفيراً للإسلام في يثرب يدعو أهلها ويعلمهم ويقرئهم القرآن فاستطاع مصعب بفضل الله تعالى أن يحقق في أقل من عام ما لم يفعله غيره في عشرات الأعوام، فكان داعية موهوباً بمعنى الكلمة بذل مجهودات كبيرة من أجل تهيئة البيئة الداخلية للمدينة لانتقال الدعوة الإسلامية بقائدها وأتباعها إلى مقرها الجديد. لا يخفى أن البيعة الأولى كانت تدور في فلك ضرورة الإيمان بهذه الدعوة الجديدة وحمايتها ونشرها بين أوساط قبائل الأوس والخزرج تمحيصاً لتحقيق أبعاد المشروع السياسي، وذلك بإقامة دولة الإسلام بأركانها الاعتبارية (دار وأنصار وسلطان)، ويظهر التخطيط العظيم في بيعة العقبة، حيث تمت في ظروف غاية في الصعوبة، وكانت تمثل تحدياً خطيراً وجريئاً لقوى الشرك في ذلك الوقت، ولذلك كان التخطيط النبوي لنجاحها في غاية الإحكام والدقة على النحو التالي: تحقيق هذه المقدمات الضرورية لقيام الدولة الإسلامية، فانطلق مصعب بن عمير ومن أحاط به من رجال الأنصار (رضوان الله) عليهم يقصدون كسب سادة المدينة إلى الإسلام، فأسلم حينئذ عدد من زعماء المدينة، منهم أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ -زعيم الأوس- وحين أصبح عدد الزعماء الذين أسلموا من أهل المدينة كافياً لتقديم النصرة إلى الدعوة بمعنى تسليم السلطة السياسية إلى الرسول القائد صلى الله عليه وسلم، هنالك عقد الأنصار في المدينة مقر الدولة الإسلامية الجديد مؤتمراً فيما بينهم قرروا فيه إعطاء النصرة للرسول صلى الله عليه وسلم، لكي يتسلم مقاليد الحكم في المدينة، وعلى إثر هذا المؤتمر قدم وفد من هؤلاء الأنصار والزعماء يتألف من ثلاثة وسبعين رجلاً، وامرأتين، وذلك في موسم الحج وتم عقد بيعة العقبة الثانية التي أعطي فيها زمام الحكم والدعوة لصاحبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في الموعد نفسه الذي ضربه رسول الله للاجتماع بهم، وهذا يعني أن هذا الاجتماع مع الرسول القائد صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت إنما كان فقط من أجل البيعة والتناصر على شيء قد تقررت الموافقة عليه من قبل هذا اللقاء، وذلك بإعطاء النصرة للنبي صلى الله عليه وسلم بالمفهوم السياسي.
من جانب آخر فقد مثلت بيعتا العقبة الأولى والثانية السفارة في الإسلام؛ حيث ظهر ذلك في الدعوة النبوية منذ بدايتها بدءا بجعفر بن أبي طالب الذي مثل سفيراً غير مكلف لدى الحبشة، ثم مصعب بن عمير الذي مثل سفيراً مكلفاً، بل ممارسة النبي نفسه لها ومفاوضاته مع وفدي البيعتين والبنود التي اتفقا عليها، وهذا يمثل النظرة السياسية التي تدل على أن الدعوة الإسلامية ليست دعوة دينية فقط -كما يدعي البعض- وإنما هي دعوة دينية سياسية قامت لإرساء دولة تحمل كامل مقوماتها. (الصلابي، 2008م، ص248)
أما الآثار العسكرية فظهرت عندما شعر الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه قد آن الوقت لقيام الدولة الجديدة، بذل كل ما يملك من طاقة وجهد لتعبئة الطاقات الإسلامية في المدينة، ولم يكن هناك أدنى تقصير للجهد البشري الممكن في بناء القاعدة التي تقوم على أكتافها الدولة الجديدة، واحتل هذا الجهد سنتين كاملتين من الدعوة والتنظيم (سلمان العودة، ص 183م). (الغرباء الأولون)
لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مدركاً للدور الذي تلعبه السلطة في عملية النهوض بالدعوة، فخطط لها تخطيطاً استراتيجياً، حيث إنه كان حرصاً على إقامة السلطة السياسية وبناء الدولة الإسلامية قبيل هجرته إلى المدينة، وذلك أثناء بيعة العقبة الثانية التي ركزت على الدولة ومقوماتها وقيام أركانها الاجتماعية والسياسية بصورة لم يسبقه أحد في تاريخ التحول البشري والاجتماعي والسياسي. ونجد في قول أبي الهيثم بن التيهان () أحد زعماء الأنصار الذين حضروا البيعة والذي ألقى كلمة أكد فيها أهمية البعد العسكري لهذه البيعة المباركة، فقال لهم: (يا قوم هذا رسول الله، أشهد أنه لصادق، وأنه اليوم في حرم الله وأمنه، وبين ظهري قومه وعشيرته، فاعلموا أنه إن تخرجوه رمتكم العرب عن قوس واحدة، فإن طابت أنفسكم بالقتال في سبيل الله، وذهاب الأموال، والأولاد فادعوه إلى أرضكم؛ فإنه رسول الله حقاً، وإن خفتم خذلاناً فمن الآن أُبدوا برأيكم). فقالوا عند ذلك: (قبلنا عن الله، وعن رسوله ما أعطيانا، وقد أعطينا من رسول الله الذي سألتنا يا رسول الله).( )
أما عن البعد العسكري فلا ريب إنه لا يستقيم أمر عقيدة، أو فكر سياسي، أو كيان دولة تتجلى على أرض الواقع، إلا بقوة عسكرية تحميها في مراحل تأسيسها وتمكينها، فكم من حق ضاع ودهسته الأقدام لعدم وجود قوة تحميه! وكم من باطل قام وانتفخ ليس بأفكاره وعدالة مبادئه، وإنما للقوة المدججة التي تحميه وتدافع عنه! والواقع خير شاهد على ذلك قال تعالى لنبيه: [فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ” (النساء: 8).
كما سهمتا في حل النزاعات والصراعات الطويلة بين قبيلتي الأوس والخزرج في يثرب، حيث وجدوا في الاسلام ديناً يوحد صفوفهم ويجمع كلمتهم.(ابو خليل،2003م، ص130).
كذلك كانتا بذرة الإسلام في يثرب كانت البيعات أول انفتاح حقيقي للإسلام خارج مكة المكرمة، حيث عاد هؤلاء الرجال إلى يثرب لينشروا الإسلام بين أهلها، مما مهد لانتشاره الواسع هناك(الذهبي، بدون، ص214 ) .
الخاتمة
كانت بنود بيعتي العقبة الأولى والثانية ذات أهمية كبيرة في تشكيل النواة الأساسية للدولة الإسلامية الناشئة، ومن أهم الدلالات التي تحملها تلك البنود تركيز النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء على القضية الأساسية المحورية في هذا الدين، وهي قضية توحيد الله سبحانه وتعالى، والأخذ منه وحده، وتقديمه على كل ما عداه ونصرته. ونجد في البيعتين أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يبني فرداً مسلماً مؤمناً مشبعاً بعقيدة سليمة وبأخلاق حميدة. ولكي تبنى أمة فأنت تحتاج لما هو أعلى؛ تحتاج لبذل وعطاء ودماء، وتحتاج لمكابدة وصبر وقوة لتحمل المسؤولية.
إن بيعتي العقبة الأولى والثانية كان لهما دور فعال في التمهيد لبناء الدولة الإسلامية، ووسيلة للكشف عن أنصار الله ورسوله؛ فقد كان لمصعب بن عمير ومن أسلم من أهل بيعة العقبة الأولى الدور الأكبر في التوسع الدعوي الكبير بانضمام الكثير من أهل يثرب للدعوة الإسلامية، حتى إنه لم يبق بيت في يثرب إلا ودخله الإسلام، وأصبحت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم على كل لسان بين معجب ومتشوق ومتوجس.
النتائج والتوصيات
أولاً: النتائج:
- بعد بيعة العقبة الأولى أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير () سفيراً للإسلام في يثرب يدعو أهلها ويعلمهم ويقرئهم القرآن، فاستطاع مصعب بن عمير بفضل الله تعالى أن يحقق في أقل من عام ما لم يفعله غيره في عشرات الأعوام، وكان داعية موهوباً بمعنى الكلمة، بذل مجهودات كبيرة من أجل تهيئة البيئة الداخلية للمدينة لانتقال الدعوة الإسلامية بقائدها وأتباعها إلى مقرها الجديد.
- نجحت التعبئة الإيمانية القوية والبناء العقدي الراسخ في نفوس وقلوب من أسلم من أهل يثرب في جعل بادرة السبق تأتي من هؤلاء المسلمين الجدد.
- وحّدت بيعتا العقبة الأولى والثانية صف المهاجرين مع الأنصار، وكانتا العمود الأساسي والمقدمة الأولى لهجرة رسول الله إلى المدينة.
- أدركت البيعتان دورهما المنوط في الهجرة، فلم تغب لمستهما في تنشيطها والإعداد لها قبيل التحرك من مكة إلى المدينة. كما كان لهما الدور الفعال في بناء مؤسسات الدولة بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ووثيقة المدينة، وبناء المسجد.
ثانيا: التوصيات
- دراسة في احوال المدينة قبل إرسال مصعب بن عمير لها دراسة عامة وشاملة .
- دراسة مقارنة بين بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية.
3- دور الأنصار في بناء الدولة الإسلامية دراسة عامة وشاملة.
المصادر والمراجع :-
أولًا: المصادر
- القرآن الكريم.
The Holy Qur’an.
- ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني. (1996م). الكامل في التاريخ (ج1). بيروت: دار صادر.
Ibn al-Athir, ‘Izz al-Din Abu al-Hasan ‘Ali ibn Abi al-Karam Muhammad ibn Muhammad ibn ‘Abd al-Karim al-Shaybani. (1996). Al-Kamil fi al-Tarikh [The Complete History] (Vol. 1). Beirut: Dar Sader.
- ابن هشام، أبو محمد عبد الملك بن هشام المعافري. (1995م). السيرة النبوية (تحقيق: جمال ثابت، ومحمد محمود، وسيد إبراهيم؛ ج1). القاهرة: دار الحديث.
Ibn Hisham, Abu Muhammad ‘Abd al-Malik ibn Hisham al-Mu‘afiri. (1995). Al-Sirah al-Nabawiyyah [The Prophetic Biography] (Jamal Thabit, Muhammad Mahmud, & Sayyid Ibrahim, Eds.; Vol. 1). Cairo: Dar al-Hadith.
- الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان. (2019م). سير أعلام النبلاء: الصحابة رضوان الله عليهم (السابقون الأولون) (ج1). بيروت: مؤسسة الرسالة.
Al-Dhahabi, Shams al-Din Abu ‘Abd Allah Muhammad ibn Ahmad ibn ‘Uthman. (2019). Siyar A‘lam al-Nubala’: Al-Sahabah Ridwan Allah ‘Alayhim (Al-Sabiqun al-Awwalun) [Biographies of the Noble Figures: The Companions—The Earliest Forerunners] (Vol. 1). Beirut: Al-Resalah Foundation.
- المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين. (د.ت.). مروج الذهب ومعادن الجوهر. بيروت: دار المعرفة.
Al-Mas‘udi, Abu al-Hasan ‘Ali ibn al-Husayn. (n.d.). Muruj al-Dhahab wa Ma‘adin al-Jawhar [Meadows of Gold and Mines of Gems]. Beirut: Dar al-Ma‘rifah.
ثانيًا: المراجع
- أبو الخليل، شوقي. (2003م). أطلس السيرة النبوية (ط1). دمشق: دار الفكر.
Abu Khalil, Shawqi. (2003). Atlas al-Sirah al-Nabawiyyah [Atlas of the Prophet’s Biography] (1st ed.). Damascus: Dar al-Fikr.
- أحمد، مهدي رزق الله. (2003م). السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية: دراسة تحليلية. المملكة العربية السعودية: دار إمام الدعوة للنشر والتوزيع.
Ahmad, Mahdi Rizq Allah. (2003). Al-Sirah al-Nabawiyyah fi Daw’ al-Masadir al-Asliyyah: Dirasah Tahliliyyah [The Prophetic Biography in Light of the Original Sources: An Analytical Study]. Saudi Arabia: Dar Imam al-Da‘wah for Publishing and Distribution.
- البوطي، محمد سعيد رمضان. (1999م). فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة. بيروت: دار الفكر المعاصر.
Al-Buti, Muhammad Sa‘id Ramadan. (1999). Fiqh al-Sirah al-Nabawiyyah ma‘a Mujaz li-Tarikh al-Khilafah al-Rashidah [Jurisprudence of the Prophetic Biography, with a Brief History of the Rightly Guided Caliphate]. Beirut: Dar al-Fikr al-Mu‘asir.
- دروزة، محمد عزة. (1979م). سيرة الرسول: صور مقتبسة من القرآن الكريم وتحليل ودراسات قرآنية (ج2). الدوحة: د.ن.
Darwazah, Muhammad ‘Izzat. (1979). Sirat al-Rasul: Suwar Muqtabasah min al-Qur’an al-Karim wa Tahlil wa Dirasat Qur’aniyyah [The Biography of the Messenger: Accounts Derived from the Holy Qur’an with Qur’anic Analyses and Studies] (Vol. 2). Doha: Publisher not identified.
- السرجاني، راغب الحنفي راغب. (د.ت.). السيرة النبوية. د.ن.
Al-Sirjani, Ragheb al-Hanafi Ragheb. (n.d.). Al-Sirah al-Nabawiyyah [The Prophetic Biography]. Publisher not identified.
- الصلابي، علي محمد. (2008م). السيرة النبوية: عرض وقائع وتحليل أحداث (ط8). بيروت، لبنان: دار المعرفة.
Al-Sallabi, ‘Ali Muhammad. (2008). Al-Sirah al-Nabawiyyah: ‘Ard Waqa’i‘ wa Tahlil Ahdath [The Prophetic Biography: A Presentation of Events and an Analysis of Their Significance] (8th ed.). Beirut, Lebanon: Dar al-Ma‘rifah.
- الغزالي، محمد. (1955م). فقه السيرة (ط2). مصر: دار الكتاب العربي.
Al-Ghazali, Muhammad. (1955). Fiqh al-Sirah [Jurisprudence of the Prophetic Biography] (2nd ed.). Egypt: Dar al-Kitab al-‘Arabi.
- المباركفوري، صفي الرحمن. (2006م). الرحيق المختوم: بحث في السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (ط1). القاهرة: دار ابن خلدون.
Al-Mubarakpuri, Safi al-Rahman. (2006). Al-Rahiq al-Makhtum: Bahth fi al-Sirah al-Nabawiyyah [The Sealed Nectar: A Study of the Prophet’s Biography] (1st ed.). Cairo: Dar Ibn Khaldun.
- المهدي، حسين بن محمد. (2005م). حقوق الإنسان في السنة النبوية. د.م.: د.ن.
Al-Mahdi, Husayn ibn Muhammad. (2005). Huquq al-Insan fi al-Sunnah al-Nabawiyyah [Human Rights in the Prophetic Sunnah]. Place and publisher not identified.
- هارون، عبد السلام محمد. (د.ت.). تهذيب سيرة ابن هشام. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
Harun, ‘Abd al-Salam Muhammad. (n.d.). Tahdhib Sirat Ibn Hisham [An Abridged and Edited Version of Ibn Hisham’s Prophetic Biography]. Beirut: Dar Ihya’ al-Turath al-‘Arabi.