العلاقة باللغة العربية الفصحى لدى طلبة الصف الحادي عشر في المدارس العربية بمنطقة وادي عارة في سياق التفاعل الرقمي: دراسة نوعية
نهيل مصالحة1
1 دكتوراه التعليم والتعلم، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين.
بريد الكتروني: naheelmassalha@gmail.com
The Relationship with Modern Standard Arabic among Eleventh-Grade Students in Arab Schools in the Wadi Ara Region within the Context of Digital Interaction: A Qualitative Study
Nahil Musalha¹
¹ PhD in Teaching and Learning, An-Najah National University, Nablus, Palestine.
Email: naheelmassalha@gmail.com
DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj78/38
المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/78/38
المجلد (7) العدد (8). الصفحات: 725 - 746
تاريخ الاستقبال: 2026-07-10 | تاريخ القبول: 2026-07-20 | تاريخ النشر: 2026-08-01
المستخلص: تهدف هذه الدراسة إلى فهم الكيفية التي يبني بها طلبة الصف الحادي عشر في المدارس العربية بمنطقة وادي عارة علاقتهم باللغة العربية الفصحى في سياق التفاعل الرقمي، من خلال استكشاف المعاني والقيم التي يمنحونها لها، والمجالات التي يستخدمونها فيها، والعوامل المرتبطة باختياراتهم اللغوية. واعتمدت الدراسة منهجًا نوعيًا ذا توجه تفسيري، وجُمعت البيانات من خلال مقابلات فردية شبه مقننة مع عينة قصدية مكونة من عشرين طالبًا وطالبة من طلبة الصف الحادي عشر. وحُللت البيانات باستخدام التحليل الموضوعي وفق المبادئ التي قدمها Braun وClarke. أسفر التحليل عن خمس ثيمات رئيسة تمثلت في: القيمة الرمزية للفصحى رغم محدودية استخدامها اليومي، وإعادة توزيع وظائفها في البيئة الرقمية، وحساسية الاختيار اللغوي للسياق التواصلي، والصورة الاجتماعية المرتبطة باستخدام الفصحى، وتعدد أنماط العلاقة بها لدى المشاركين. وأظهرت النتائج أن محدودية استخدام الفصحى في التواصل اليومي لا تعني بالضرورة انخفاض قيمتها الرمزية؛ إذ ارتبطت لدى عدد من المشاركين بالهوية والثقافة والدين، في حين ارتبطت لدى آخرين بصورة أكبر بالمدرسة والتعليم والمواقف الرسمية. كما بينت النتائج أن اختيار الفصحى أو العامية يتغير تبعًا للسياق التواصلي وطبيعة الجمهور والغاية من التواصل، وأن البيئة الرقمية ترتبط باختلاف المجالات والوظائف التي تحضر فيها الأنماط اللغوية المختلفة أكثر من ارتباطها بتراجع الفصحى أو اختفائها. وتسهم الدراسة في تقديم فهم نوعي للعلاقة باللغة العربية الفصحى في سياق رقمي معاصر، من خلال التمييز بين القيمة الرمزية للغة وكثافة استخدامها، واقتراح قراءة تفسيرية ترى أنّ التحولات في الممارسات اللغوية قد تتمثل في إعادة توزيع وظائف الأنماط اللغوية بين السياقات المختلفة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجع المكانة الرمزية للفصحى.
الكلمات المفتاحية: اللغة العربية الفصحى، التفاعل الرقمي، العلاقة باللغة العربية الفصحى، طلبة المرحلة الثانوية، المدارس العربية.
Abstract: This study aims to understand how eleventh-grade students in Arab schools in the Wadi Ara region construct their relationship with Modern Standard Arabic in the context of digital interaction. It explores the meanings and values they attribute to the language, the domains in which they use it, and the factors influencing their linguistic choices. The study adopted a qualitative, interpretive approach. Data were collected through semi-structured individual interviews with a purposive sample of twenty eleventh-grade students and analyzed using thematic analysis following the principles proposed by Braun and Clarke. The analysis yielded five major themes: the symbolic value of Modern Standard Arabic despite its limited everyday use; the redistribution of its functions in digital environments; the context-sensitive nature of language choice; the social perceptions associated with using Modern Standard Arabic; and the diversity of participants’ relationships with it. The findings indicate that limited use of Modern Standard Arabic in everyday communication does not necessarily imply a decline in its symbolic value. For several participants, it was associated with identity, culture, and religion, whereas for others, it was more closely linked to school, education, and formal settings. The findings also show that the choice between Modern Standard Arabic and colloquial Arabic varies according to the communicative context, the nature of the audience, and the purpose of communication. Furthermore, the digital environment appears to be associated with differences in the domains and functions in which various linguistic forms are used, rather than with the decline or disappearance of Modern Standard Arabic. This study contributes a qualitative understanding of the relationship with Modern Standard Arabic in a contemporary digital context by distinguishing between the language’s symbolic value and the frequency of its use. It also proposes an interpretive perspective according to which shifts in linguistic practices may involve a redistribution of the functions of different linguistic forms across contexts, without necessarily indicating a decline in the symbolic status of Modern Standard Arabic.
Keywords: Modern Standard Arabic; Digital Interaction; Relationship with Modern Standard Arabic; Secondary School Students; Arab Schools.
المقدمة
لم تعد اللغة في الدراسات اللسانية الاجتماعية المعاصرة تُفهم بوصفها نظامًا من القواعد والبنى المجردة فحسب، بل بوصفها ممارسة اجتماعية تتشكل دلالاتها وقيمتها داخل سياقات اجتماعية وثقافية ومؤسسية متغيرة. وفي هذا الإطار، يبين Bourdieu (1991) أن قيمة الأشكال اللغوية ترتبط بالسوق اللغوي وبعلاقات القوة والسلطة الرمزية التي تمنح بعض الممارسات اللغوية شرعية وقيمة أكبر من غيرها. كما يضع Gee (2015) اللغة وممارسات القراءة والكتابة ضمن سياقاتها الاجتماعية والثقافية، بما يجعل فهم الاستخدام اللغوي مرتبطًا بالممارسات والخطابات التي يحدث داخلها. ومن هذا المنظور، لا تقتصر دراسة علاقة الأفراد باللغة على مستوى الكفاية أو كثافة الاستخدام، بل تمتد إلى المعاني الاجتماعية والرمزية التي يمنحها الأفراد لها.
وتزداد أهمية هذا التصور في ظل التحولات الرقمية التي أعادت تشكيل فضاءات التواصل والممارسات اللغوية المرتبطة بها. فقد تناول Barton and Lee (2013) أثر العالم الرقمي في دراسة اللغة، موضحين أن التواصل عبر الإنترنت يرتبط بقضايا التعدد اللغوي والهوية والتعليم وتعدد الوسائط، وأنّ دراسة اللغة في البيئات الرقمية تستدعي الاهتمام بالممارسات الاجتماعية التي تنتج من خلالها النصوص والمعاني. ومن زاوية أخرى، يبرز مفهوم الاستثمار لدى Norton (2013) العلاقة بين تعلم اللغة واستخدامها وبين الهوية وإمكان الوصول إلى موارد رمزية ومادية واجتماعية. وتتيح هذه المنظورات النظر إلى التفاعل الرقمي لا بوصفه مجرد وسيط جديد لاستخدام اللغة، بل بوصفه سياقًا يمكن أن تتغير داخله وظائف الأنماط اللغوية والمعاني التي يمنحها المستخدمون لها.
وفي السياق العربي، تناولت بعض الدراسات أثر وسائل التواصل الاجتماعي في جوانب من الاستخدام اللغوي. فقد بحثت Al-Jarf (2021) عددًا من الممارسات اللغوية المرتبطة باستخدام فيسبوك، من بينها استخدام العامية بدل العربية المعيارية، والرومنة، واستعمال كلمات أجنبية، وبعض مظاهر الكتابة غير المعيارية والأخطاء الإملائية. وتقدم هذه الدراسة معطيات مهمة عن الممارسات اللغوية الظاهرة في البيئة الرقمية، إلا أنّ تركيزها على أنماط الكتابة والاستخدام يترك مجالًا لمزيد من البحث في المعاني التي يمنحها الشباب للفصحى وفي الكيفية التي يفهمون بها موقعها في حياتهم الاجتماعية والتعليمية والرقمية.
وفي السياق الفلسطيني داخل إسرائيل، تكتسب العلاقة باللغة العربية أبعادًا إضافية بحكم الواقع الاجتماعي والسياسي واللغوي الذي تتشكل داخله. فقد تناول Amara (2018) مكانة اللغة العربية في إسرائيل وعلاقتها بالهوية الفردية والجماعية للمواطنين الفلسطينيين العرب، إلى جانب التفاعل بين اللغة والهوية في سياقات الصراع والسياسات اللغوية والتعليمية. كما يناقش الكتاب تحديات اللغة العربية الداخلية والخارجية وحضور العبرية وتأثير عمليات العبرنة في الواقع اللغوي للفلسطينيين داخل إسرائيل. ويجعل هذا السياق دراسة العلاقة باللغة العربية الفصحى ذات أهمية خاصة، لأنها تتشكل ضمن واقع لغوي تتفاعل فيه اللغة العربية الفصحى والعامية والعبرية، إلى جانب حضور الإنجليزية في بعض المجالات.
وفي ضوء هذه الأدبيات، يمكن ملاحظة أنّ جانبًا مهمًا من الدراسات المتصلة باللغة العربية والبيئات الرقمية ركز على أنماط الاستخدام والممارسات اللغوية، مثل حضور العامية والكلمات الأجنبية والكتابة غير المعيارية، في حين تتيح المقاربات السوسيولغوية والمرتبطة بالهوية النظر إلى مستوى آخر من الظاهرة يتمثل في المعاني والقيم التي يمنحها الأفراد للغة. ومن هنا، تميز الدراسة الحالية بين مفهوم استخدام الفصحى ومفهوم العلاقة بالفصحى؛ إذ تفترض أنّ محدودية استخدام الطالب للفصحى في التواصل اليومي لا تكفي، في حد ذاتها، للحكم على مكانتها لديه، فقد تستمر اللغة في أداء وظائف رمزية أو ثقافية أو تعليمية حتى عندما يكون استخدامها اليومي محدودًا.
وانطلاقًا من ذلك، تستكشف الدراسة الحالية العلاقة باللغة العربية الفصحى لدى طلبة الصف الحادي عشر في المدارس العربية بمنطقة وادي عارة في سياق التفاعل الرقمي، من خلال مقاربة نوعية تهتم بالمعاني التي يمنحها الطلبة للفصحى، والوظائف التي ينسبونها إليها، وكيفية تموضعها في ممارساتهم بين المدرسة والحياة اليومية والفضاءات الرقمية. وبذلك، تسهم الدراسة في فهم العلاقة باللغة العربية الفصحى بوصفها ظاهرة اجتماعية وثقافية متحركة، لا بوصفها انعكاسًا مباشرًا لمعدل استخدامها فحسب.
مشكلة الدراسة
شهدت الممارسات اللغوية لدى الشباب تحولات متسارعة مع اتساع استخدام المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت جزءًا أساسيًا من التفاعل اليومي وإنتاج المحتوى وتداوله. في السياق العربي، ركزت بعض الدراسات على وصف أنماط الاستخدام اللغوي في البيئات الرقمية، إلا أنّ هذا التوجه لا يكفي لفهم طبيعة العلاقة التي يبنيها الشباب باللغة العربية الفصحى. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في السياق الفلسطيني داخل إسرائيل، حيث تتشكل الممارسات اللغوية ضمن واقع متعدد اللغات تتفاعل فيه العربية بمستوياتها المختلفة مع العبرية، إلى جانب حضور الإنجليزية في بعض المجالات. وقد بيّن Amara (2018) أنّ وضع العربية في هذا السياق يرتبط بقضايا الهوية والسياسات اللغوية والتعليمية وبالتفاعل مع العبرية، وهو ما يجعل العلاقة باللغة العربية جزءًا من واقع اجتماعي ولغوي مركب، لا مجرد مسألة تتعلق بمستوى الإتقان أو كثافة الاستخدام.
وفي ضوء ذلك، تتمثل المشكلة التي تنطلق منها الدراسة الحالية في الحاجة إلى فهم أعمق للكيفية التي يبني بها طلبة المرحلة الثانوية علاقتهم باللغة العربية الفصحى في ظل حضور التفاعل الرقمي في حياتهم اليومية. ومن ثم، فإن الاقتصار على قياس كثافة استخدام الفصحى لا يفسر طبيعة العلاقة التي يبنيها الطلبة معها، ولا يكشف وحده عن القيم والمعاني التي ينسبونها إليها.، كما أنّ كثافة استخدام العامية أو لغات أخرى لا تكفي وحدها للاستدلال على ضعف الارتباط بالفصحى. وقد تستمر الفصحى في أداء وظائف رمزية أو ثقافية أو تعليمية مختلفة عن وظائفها التواصلية اليومية.
وبناءً على ذلك، لا تقتصر الدراسة الحالية على قياس مقدار استخدام الطلبة للفصحى فحسب، وإنما تستكشف المعاني التي يمنحونها لها، والمواقف التي يرون استخدامها فيها ملائمًا، والعوامل الاجتماعية والتعليمية والرقمية التي ترتبط باختياراتهم اللغوية. وبذلك، تتمحور مشكلة الدراسة حول فهم العلاقة بالفصحى بوصفها علاقة متعددة الأبعاد تتقاطع فيها الممارسات اللغوية مع الهوية والسياق الاجتماعي والخبرة التعليمية والتفاعل الرقمي.
أسئلة الدراسة
في ضوء مشكلة الدراسة، تسعى الدراسة إلى الإجابة عن السؤال الرئيس الآتي:
كيف يبني طلبة الصف الحادي عشر في المدارس العربية بمنطقة وادي عارة علاقتهم باللغة العربية الفصحى في سياق التفاعل الرقمي؟
ويتفرع عنه الأسئلة الآتية:
ما المعاني والقيم التي يمنحها الطلبة للغة العربية الفصحى؟
ما المجالات والمواقف التي يستخدم فيها الطلبة الفصحى في حياتهم اليومية والرقمية؟
ما العوامل التي ترتبط باختيار الطلبة بين الفصحى والعامية واللغات الأخرى في المواقف التواصلية المختلفة؟
كيف يدرك الطلبة الصورة الاجتماعية المرتبطة باستخدام اللغة العربية الفصحى؟
ما الأنماط المختلفة التي تظهر في علاقة الطلبة باللغة العربية الفصحى؟
أهداف الدراسة
تهدف الدراسة إلى فهم الكيفية التي يبني بها طلبة الصف الحادي عشر في المدارس العربية بمنطقة وادي عارة علاقتهم باللغة العربية الفصحى في سياق التفاعل الرقمي، وذلك من خلال:
– استكشاف المعاني والقيم التي يمنحها الطلبة للغة العربية الفصحى.
– التعرف إلى المجالات والمواقف التي يستخدم فيها الطلبة الفصحى في حياتهم اليومية والرقمية.
– تحليل العوامل المرتبطة باختيارات الطلبة بين الفصحى والعامية واللغات الأخرى في السياقات التواصلية المختلفة.
– الكشف عن تصورات الطلبة للصورة الاجتماعية المرتبطة باستخدام الفصحى.
– تحديد الأنماط المختلفة التي تتخذها علاقة الطلبة باللغة العربية الفصحى.
أهمية الدراسة
تنبع أهمية الدراسة من تناولها العلاقة باللغة العربية الفصحى من منظور يتجاوز قياس كثافة استخدامها أو رصد أنماط الكتابة بها، ليركز على المعاني والقيم والوظائف التي يمنحها الطلبة للفصحى في حياتهم الاجتماعية والتعليمية والرقمية. ويمكن تحديد أهمية الدراسة في ثلاثة أبعاد مترابطة:
أولًا: الأهمية النظرية
تسهم الدراسة في توسيع النقاش حول علاقة الشباب باللغة العربية الفصحى من خلال التمييز بين الاستخدام اللغوي والعلاقة باللغة. فمحدودية استخدام نمط لغوي معين لا تعني بالضرورة تراجع قيمته الرمزية أو الثقافية لدى مستخدميه. ويتيح هذا التمييز تحليل الفصحى من منظور يأخذ في الاعتبار الممارسة الاجتماعية والقيمة الرمزية والهوية والسياق، مستفيدًا من التصورات النظرية التي قدمها Bourdieu (1991) حول القيمة الرمزية للغة، ومن النظر إلى اللغة والممارسات اللغوية ضمن سياقاتها الاجتماعية لدى Gee (2015)، ومن دراسة الممارسات اللغوية في البيئات الرقمية لدى Barton and Lee (2013).
وتكتسب الدراسة أهمية إضافية من تركيزها على السياق الفلسطيني العربي داخل إسرائيل، حيث تتشكل الممارسات اللغوية ضمن واقع متعدد اللغات ومعقد اجتماعيًا وسياسيًا وتعليميًا (Amara, 2018). ومن شأن دراسة خبرات الطلبة في هذا السياق أن تسهم في تقديم فهم أكثر حساسية للسياق للعلاقة بالفصحى، بدل التعامل معها بوصفها ظاهرة لغوية منفصلة عن الظروف الاجتماعية التي تتشكل داخلها.
ثانيًا: الأهمية المنهجية
تعتمد الدراسة مقاربة نوعية تتيح الوصول إلى تصورات الطلبة أنفسهم وفهم المعاني التي يمنحونها لممارساتهم واختياراتهم اللغوية. وتكمن أهمية هذا التوجه في أنه يكمل الدراسات التي تركز على رصد المظاهر اللغوية الظاهرة في التواصل الرقمي؛ إذ يسمح بالانتقال من سؤال “ماذا يستخدم الشباب؟” إلى أسئلة تتعلق بـ”كيف يفهمون هذا الاستخدام؟” و”ما المعاني التي يمنحونها للفصحى؟”.
ولا يعني ذلك أنّ الدراسة النوعية أكثر ملاءمة بصورة مطلقة من الدراسات الكمية أو تحليل المحتوى، وإنما أنها تقدم نوعًا مختلفًا من المعرفة يتناسب مع هدف الدراسة المتمثل في فهم الخبرات والتصورات والمعاني من وجهة نظر المشاركين.
ثالثًا: الأهمية التربوية والتطبيقية
يمكن أن تسهم نتائج الدراسة في تقديم مؤشرات للمعلمين ومطوري المناهج والمهتمين بتعليم اللغة العربية حول الكيفية التي يدرك بها الطلبة الفصحى والمجالات التي يرونها ملائمة لاستخدامها. وقد يساعد هذا الفهم على تطوير ممارسات تعليمية لا تقتصر على تعليم القواعد والمهارات، بل تعمل أيضًا على توسيع فرص الاستخدام الفعلي للفصحى في سياقات تواصلية ذات معنى بالنسبة إلى الطلبة.
كما يمكن أن توجه النتائج الانتباه إلى الإمكانات التربوية للبيئات الرقمية، من خلال توظيف أنشطة تتيح للطلبة إنتاج محتوى بالفصحى واستخدامها لأغراض تواصلية ومعرفية متنوعة، بدل النظر إلى الفضاء الرقمي بوصفه مصدرًا لتراجع الفصحى بصورة مسبقة. وتظل هذه الدلالات تطبيقية واستكشافية في ضوء طبيعة الدراسة النوعية وسياقها المحدد، ولا تُطرح بوصفها توصيات قابلة للتعميم على جميع البيئات التعليمية.
الإطار المفاهيمي
تنطلق الدراسة الحالية من تصور للعلاقة باللغة العربية الفصحى بوصفها ظاهرة متعددة الأبعاد، لا يمكن اختزالها في مستوى الكفاية اللغوية أو في معدل الاستخدام وحده. فالعلاقة باللغة تتشكل أيضًا من خلال القيمة التي تُمنح لها، والوظائف التي تؤديها في السياقات المختلفة، والمعاني الاجتماعية والثقافية المرتبطة باستخدامها، وموقعها ضمن الممارسات اللغوية اليومية والرقمية. وانطلاقًا من هذا التصور، تستفيد الدراسة من مجموعة من المفاهيم السوسيولغوية والمقاربات المرتبطة بالممارسات اللغوية والهوية والبيئات الرقمية، بما يوفر إطارًا يساعد في تفسير كيفية بناء الطلبة علاقتهم بالفصحى.
1. القيمة الرمزية ورأس المال اللغوي
تستفيد الدراسة من تصور Bourdieu (1991) للغة بوصفها ممارسة تجري داخل “أسواق لغوية” تختلف فيها قيمة الأشكال اللغوية باختلاف السياق وعلاقات القوة والشرعية الاجتماعية. ومن هذا المنظور، لا تمتلك الأنماط اللغوية القيمة الاجتماعية نفسها في جميع المواقف، بل تتحدد قيمتها جزئيًا من خلال الاعتراف الاجتماعي بها ومدى شرعيتها داخل مجال معين. ويرتبط بذلك مفهوم رأس المال اللغوي، الذي يتيح النظر إلى الكفايات والممارسات اللغوية بوصفها موارد قد تكتسب قيمة رمزية واجتماعية متفاوتة وفق السياق الذي تُستخدم فيه.
ويفيد هذا التصور الدراسة الحالية في التمييز بين كثافة استخدام الفصحى والقيمة التي يمنحها الطلبة لها. فقد يكون استخدام الفصحى محدودًا في بعض الممارسات اليومية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة فقدانها قيمتها الرمزية أو الثقافية. كما يساعد هذا المنظور في قراءة التصورات الاجتماعية التي يربطها الطلبة باستخدام الفصحى، مثل الجدية أو الثقافة أو الرسمية، وفهم اختلاف قيمة استخدامها باختلاف الموقف والجمهور.
ولا تفترض الدراسة مسبقًا أنّ الفصحى تمتلك القيمة نفسها لدى جميع المشاركين أو في جميع السياقات؛ بل تستخدم هذا المنظور بوصفه أداة تفسيرية لفحص الكيفية التي تتغير بها الدلالات الاجتماعية المرتبطة بالفصحى داخل المجالات المختلفة.
2. اللغة بوصفها ممارسة اجتماعية
تستفيد الدراسة كذلك من المنظور الذي يربط اللغة بالممارسات الاجتماعية والسياقات التي تُستخدم فيها. ففي أعمال Gee (2015)، تُفهم اللغة وممارسات القراءة والكتابة في ارتباطها بالخطابات والممارسات الاجتماعية والثقافية التي تمنحها معناها. ومن ثم، لا يمكن تفسير الاختيار اللغوي بمعزل عن طبيعة النشاط الاجتماعي، والعلاقات بين المشاركين، والأدوار والهويات التي تتشكل داخل الموقف.
يساعد هذا المنظور في الدراسة الحالية على فهم انتقال الطلبة بين الفصحى والعامية واللغات الأخرى باعتباره جزءًا من ممارساتهم التواصلية في سياقات مختلفة. فاختيار نمط لغوي معين قد يرتبط بطبيعة الجمهور، ودرجة الرسمية، والغاية من التواصل، ونوع النشاط الذي يشارك فيه الفرد. ومن هذا المنطلق، لا تنظر الدراسة إلى التنوع في استخدام الأنماط اللغوية بوصفه مؤشرًا مسبقًا على ضعف الفصحى أو تراجعها، بل تبحث في الوظائف التي يؤديها كل نمط داخل الممارسات الاجتماعية المختلفة.
ويتيح هذا التصور كذلك تجنب الفصل الحاد بين اللغة والسياق؛ إذ تصبح دراسة العلاقة بالفصحى مرتبطة بالسؤال عن المواقف التي تُستخدم فيها، والأشخاص الذين تُستخدم معهم، والأغراض التي تؤديها، لا بالسؤال عن مقدار استخدامها فقط.
3. الهوية والاستثمار في اللغة
تستفيد الدراسة، بقدر محدد، من مفهوم الاستثمار (investment) لدى Norton (2013)، الذي يربط انخراط المتعلم في تعلم اللغة واستخدامها بعلاقته المتغيرة بالهوية وبإمكان الوصول إلى موارد رمزية ومادية واجتماعية. ويختلف مفهوم الاستثمار عن الدافعية بمعناها النفسي الفردي؛ إذ يلفت الانتباه إلى الظروف الاجتماعية وعلاقات القوة والفرص التي تجعل الفرد أكثر أو أقل استعدادًا للاستثمار في ممارسات لغوية معينة.
وفي سياق الدراسة الحالية، لا يُستخدم مفهوم الاستثمار لتفسير العلاقة بالفصحى كاملة، ولا تفترض الدراسة أنّ كل اختيار لغوي لدى المشاركين يمثل استثمارًا بالمعنى النظري الدقيق للمفهوم. وإنما يفيد هذا المنظور في توجيه الانتباه إلى أنّ علاقة الطلبة باللغة قد ترتبط بما يتوقعونه من استخداماتها التعليمية والاجتماعية والرمزية، وبالمواقع والهويات التي يمكن أن يتيحها أو يقيدها استخدام نمط لغوي معين.
ويكتسب هذا البعد أهمية في ضوء ما تستكشفه الدراسة من اختلافات بين الطلبة في علاقتهم بالفصحى؛ إذ قد تتفاوت قيمة اللغة بالنسبة إليهم تبعًا لخبراتهم التعليمية والاجتماعية واللغوية، وللمعاني التي يمنحونها لاستخدامها في حياتهم.
4. الممارسات اللغوية في البيئات الرقمية
تمثل البيئات الرقمية سياقًا أساسيًا لفهم الممارسات اللغوية المعاصرة لدى الشباب. ويبين Barton and Lee (2013) أنّ دراسة اللغة عبر الإنترنت تتطلب الاهتمام بالممارسات الاجتماعية المرتبطة بإنتاج النصوص والتفاعل معها، إلى جانب قضايا مثل التعدد اللغوي والهوية والتعليم وتعدد الوسائط. ومن هذا المنظور، لا تُفهم البيئة الرقمية باعتبارها قناة محايدة تنتقل عبرها الممارسات اللغوية التقليدية دون تغيير، بل بوصفها فضاءً تتشكل داخله أنماط جديدة من التفاعل وإنتاج المعنى.
وتستفيد الدراسة الحالية من هذا المنظور في النظر إلى التفاعل الرقمي بوصفه أحد السياقات التي يمارس فيها الطلبة اختياراتهم اللغوية. ويسمح ذلك بفحص موقع الفصحى إلى جانب العامية واللغات الأخرى في هذه الممارسات، ودراسة ارتباط الاختيار اللغوي بطبيعة المحتوى والجمهور والغاية من التواصل.
ومع ذلك، لا تفترض الدراسة أنّ البيئة الرقمية تؤدي بالضرورة إلى تراجع الفصحى أو تعزيزها، بل تتعامل مع أثرها بوصفه سؤالًا مفتوحًا أمام البيانات. وهذا التمييز مهم؛ لأن الهدف هو فهم موقع الفصحى داخل الممارسات الرقمية من وجهة نظر المشاركين، لا الانطلاق من تصور مسبق يعد الرقمنة تهديدًا أو فرصة للغة.
5. السياق اللغوي للفلسطينيين العرب داخل إسرائيل
لا يمكن فصل علاقة المشاركين باللغة العربية الفصحى عن السياق الاجتماعي واللغوي الأوسع الذي يعيشون فيه. ويقدم Amara (2018) تحليلًا لوضع العربية في إسرائيل وعلاقتها بالهوية الفردية والجماعية للمواطنين الفلسطينيين العرب، إلى جانب تأثير السياسات اللغوية والتعليمية والتفاعل المستمر مع العبرية. ويبرز هذا السياق الطبيعة المركبة للواقع اللغوي الذي تتشكل داخله ممارسات الطلبة.
وتستفيد الدراسة من هذا البعد السياقي في تجنب تفسير اختيارات الطلبة اللغوية من خلال ثنائية الفصحى والعامية وحدها. فالمشاركون يعيشون ضمن بيئة لغوية تتفاعل فيها مستويات العربية مع العبرية، إلى جانب حضور الإنجليزية بدرجات متفاوتة. ومن ثم، فإنّ دراسة علاقتهم بالفصحى تتطلب مراعاة هذا الواقع المتعدد، دون افتراض أنّ تأثير اللغات المختلفة واحد لدى جميع المشاركين.
ويؤدي Amara (2018) هنا وظيفة تأطير السياق السوسيولغوي للدراسة أكثر من كونه نظرية مستقلة لتحليل البيانات، وهو تمييز ضروري في بناء الإطار المفاهيمي.
التكامل بين مكونات الإطار المفاهيمي
لا تتبنى الدراسة المفاهيم السابقة بوصفها نموذجًا نظريًا موحدًا، ولا تسعى إلى اختبار صحة أي منها، بل توظفها بصورة تكاملية بوصفها عدسات تفسيرية تساعد في قراءة جوانب مختلفة من الظاهرة. فمنظور Bourdieu (1991) يساعد في فهم القيمة الاجتماعية والرمزية المرتبطة بالفصحى، بينما يوجه Gee (2015) الانتباه إلى ارتباط الممارسات اللغوية بالسياقات الاجتماعية التي تحدث داخلها. ويسهم مفهوم الاستثمار لدى Norton (2013)، ضمن حدوده النظرية، في التفكير في العلاقة بين الهوية والانخراط في الممارسات اللغوية والموارد المرتبطة بها، في حين يوفر Barton and Lee (2013) أساسًا لفهم الممارسات اللغوية في البيئات الرقمية. أما Amara (2018)، فيسهم بصورة أساسية في تأطير الخصوصية السوسيولغوية للسياق الفلسطيني العربي داخل إسرائيل.
وبناءً على هذا التكامل، تنظر الدراسة إلى العلاقة باللغة العربية الفصحى بوصفها بناءً متعدد الأبعاد يتشكل من تفاعل أربعة أبعاد مترابطة: القيمة الرمزية التي يمنحها الفرد للغة، والممارسات والسياقات التي يستخدمها فيها، والمعاني الهوياتية والاجتماعية المرتبطة بها، وموقعها داخل البيئة اللغوية والرقمية التي يعيش فيها. ويُستخدم هذا التصور بوصفه إطارًا إرشاديًا لفهم بيانات المشاركين وتفسيرها، مع إبقاء المجال مفتوحًا أمام ظهور أنماط ومعانٍ لا تحددها المفاهيم النظرية مسبقًا.
المنهجية
تصميم الدراسة
اعتمدت الدراسة منهجًا نوعيًا ذا توجه تفسيري، لملاءمته لطبيعة الدراسة وهدفها المتمثل في فهم الكيفية التي يبني بها طلبة الصف الحادي عشر علاقتهم باللغة العربية الفصحى في سياق التفاعل الرقمي، واستكشاف المعاني والقيم التي يمنحونها لها، والمواقف التي يستخدمونها فيها، والعوامل المرتبطة باختياراتهم اللغوية. ويتيح البحث النوعي دراسة الظواهر من منظور المشاركين أنفسهم، والكشف عن المعاني التي ينسبونها إلى خبراتهم وممارساتهم ضمن السياقات الاجتماعية التي تحدث فيها (Creswell & Poth, 2018; Merriam & Tisdell, 2016).
واختير التوجه التفسيري لأن الدراسة لا تسعى إلى قياس معدل استخدام الفصحى أو اختبار علاقة سببية بين استخدام الوسائط الرقمية والممارسات اللغوية، وإنما تهدف إلى تقديم فهم معمق لتصورات المشاركين وخبراتهم المتعلقة بالفصحى وموقعها في حياتهم اليومية والرقمية. ومن ثم، تعاملت الدراسة مع روايات المشاركين بوصفها مصدرًا لفهم المعاني التي يمنحونها لممارساتهم واختياراتهم اللغوية.
المشاركون واختيار العينة
شارك في الدراسة 20 طالبًا وطالبة من طلبة الصف الحادي عشر، بواقع 12 طالبة و8 طلاب، من المدارس العربية في منطقة وادي عارة. واختير المشاركون باستخدام العينة القصدية (Purposive Sampling)، بما يتناسب مع طبيعة الدراسة النوعية وأهدافها، إذ جرى اختيار مشاركين ينتمون إلى الفئة التعليمية المستهدفة، وجرى اختيار مشاركين ينتمون إلى الفئة التعليمية المستهدفة ويستخدمون المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي بصورة منتظمة، بما يتيح لهم التعبير عن ممارساتهم اللغوية وتصوراتهم المتعلقة باللغة العربية الفصحى واستخدامها في السياقات اليومية والرقمية.
وجرى تحليل جميع المقابلات التي أُجريت مع المشاركين. ولم يستند تحديد حجم العينة إلى معيار مسبق للتشبع، كما لا تدعي الدراسة أنّ جمع البيانات استمر حتى الوصول إليه. وبدلًا من ذلك، ركز التحليل على استكشاف الأنماط المتكررة في البيانات، مع الاهتمام أيضًا بالتباينات والحالات التي لم تنسجم بصورة كاملة مع الأنماط الأكثر حضورًا. ولا تهدف العينة إلى التمثيل الإحصائي لمجتمع طلبة الصف الحادي عشر في منطقة وادي عارة أو إلى تعميم النتائج عليهم، وإنما إلى توفير بيانات نوعية تسهم في بناء فهم متعمق للظاهرة في سياقها الاجتماعي واللغوي المحدد.
أداة جمع البيانات
جُمعت البيانات من خلال مقابلات فردية شبه مقننة (Semi-Structured Interviews)، لما تتيحه هذه الأداة من إمكانية توجيه الحوار حول مجموعة من المحاور المرتبطة بأسئلة الدراسة، مع منح المشاركين مساحة للتعبير عن تجاربهم وتصوراتهم والتوسع في إجاباتهم.
وتناولت أسئلة المقابلات عددًا من المحاور الرئيسة، من بينها: المعاني والقيم التي تمثلها اللغة العربية الفصحى بالنسبة إلى المشاركين؛ والمواقف والمجالات التي يستخدمون فيها الفصحى أو العامية؛ واختياراتهم اللغوية في البيئات الرقمية؛ والعوامل التي ترتبط بهذه الاختيارات؛ وتصوراتهم للصورة الاجتماعية المرتبطة باستخدام الفصحى؛ إضافة إلى رؤيتهم لمكانة الفصحى في حياتهم اليومية والتعليمية والرقمية.
وأتاح الطابع شبه المقنن للمقابلات المحافظة على مجموعة من المحاور المشتركة بين المشاركين، مع إمكانية طرح أسئلة متابعة عند الحاجة إلى توضيح إجابة معينة أو التوسع في تجربة أو فكرة أثارها المشارك أثناء المقابلة.
إجراءات جمع البيانات وتوثيق المقابلات
أُجريت المقابلات بصورة فردية مع المشاركين. ولم تُسجل المقابلات صوتيًا، بل جرى تدوين إجابات المشاركين حرفيًا أثناء إجراء المقابلات، مع الحرص على المحافظة على كلماتهم كما وردت دون حذف أو تغيير في مضمونها. وبعد الانتهاء من المقابلات، جرى تنظيم الإجابات المدونة وإعدادها في صورة نصوص قابلة للتحليل.
ونظرًا إلى عدم وجود تسجيلات صوتية للمقابلات، فإنّ النصوص المستخدمة في التحليل تستند إلى التدوين الحرفي المباشر الذي تم أثناء المقابلات، وليس إلى تفريغ لاحق لتسجيلات صوتية. وقد أُخذت طبيعة هذا الإجراء في الاعتبار عند تحليل البيانات وعرض النتائج، واستخدمت مقتطفات من الإجابات المدونة حرفيًا بوصفها اقتباسات مباشرة، مع المحافظة على سرية المشاركين وعدم الكشف عن هوياتهم.
تحليل البيانات
حُللت البيانات باستخدام التحليل الموضوعي (Thematic Analysis)، بالاستناد إلى المبادئ والإجراءات التي قدمها Braun and Clarke (2006). وقد بدأ التحليل بالقراءة المتكررة للنصوص المدونة للمقابلات بهدف التآلف مع البيانات وتكوين فهم شامل لمضامينها، ثم جرى تحديد المقاطع ذات الصلة بأسئلة الدراسة وإجراء ترميز أولي لها.
وفي المرحلة التالية، جرت مقارنة الأكواد الأولية والبحث عن أوجه التشابه والاختلاف بينها، ثم جُمعت الأكواد المتقاربة في فئات أوسع. وبعد ذلك، فُحصت العلاقات بين الفئات بهدف بناء ثيمات أولية تعبر عن الأنماط ذات الصلة بموضوع الدراسة عبر مجموعة البيانات.
وجرت مراجعة الثيمات الأولية بالعودة إلى النصوص الأصلية للمقابلات، بهدف التحقق من مدى اتساقها مع البيانات وتميّزها المفاهيمي عن بعضها بعضًا. ثم جرى تحديد نطاق كل ثيمة وتعريفها وتسميتها بما يعكس النمط الذي تمثله في البيانات.
ولم يقتصر التحليل على البحث عن الأفكار المتكررة فقط، بل أخذت في الاعتبار أيضًا التباينات بين المشاركين والحالات التي قدمت تصورات مختلفة عن الأنماط الأكثر حضورًا، وذلك لتجنب تقديم المشاركين بوصفهم مجموعة متجانسة وللمحافظة على التنوع الموجود في خبراتهم وعلاقاتهم باللغة.
وأسفرت عملية التحليل عن خمس ثيمات رئيسة تمثلت في: القيمة الرمزية للفصحى رغم محدودية استخدامها اليومي؛ وإعادة توزيع وظائف الفصحى في البيئة الرقمية؛ والاختيار اللغوي وفق السياق التواصلي؛ والصورة الاجتماعية المرتبطة باستخدام الفصحى؛ وتعدد أنماط العلاقة باللغة العربية الفصحى.
ولا تدعي الدراسة أنّ جمع البيانات استمر حتى بلوغ التشبع؛ إذ تحدد العدد النهائي للمشاركين وفق من أمكن مقابلتهم ضمن إجراءات الدراسة. ولذلك تستند الثيمات التي توصل إليها التحليل إلى الأنماط والتباينات التي ظهرت في مجموعة البيانات المكونة من المقابلات العشرين، ولا يُفترض أنها تمثل جميع الأنماط الممكنة للعلاقة باللغة العربية الفصحى لدى طلبة المرحلة الثانوية.
جودة البحث النوعي
استرشدت الدراسة بمبادئ الجدارة بالثقة في البحث النوعي التي ناقشها Lincoln and Guba (1985)، مع التركيز على تعزيز شفافية عملية التحليل ووضوح الصلة بين البيانات والنتائج المستخلصة منها.
ولتعزيز المصداقية (Credibility)، اعتمد التحليل على القراءة المتكررة لنصوص المقابلات والعودة المستمرة إلى البيانات أثناء تطوير الأكواد والفئات والثيمات. كما رُوعي أن تستند النتائج إلى الأنماط التي ظهرت في بيانات المشاركين، مع الاهتمام بالاختلافات والحالات التي لا تنسجم بصورة كاملة مع الاتجاهات الأكثر حضورًا.
وفيما يتعلق بـالاعتمادية (Dependability)، جرى اتباع خطوات تحليلية منظمة بدأت بالتآلف مع البيانات والترميز الأولي، ثم تجميع الأكواد وبناء الثيمات ومراجعتها وتعريفها. وقد روعي الحفاظ على وضوح المسار التحليلي الذي انتقلت من خلاله الدراسة من البيانات المدونة إلى الثيمات النهائية.
أما قابلية التأكيد (Confirmability)، فقد سعت الدراسة إلى دعمها من خلال العودة إلى البيانات الأصلية أثناء مراجعة التفسيرات والثيمات، وتجنب بناء النتائج على افتراضات نظرية مسبقة وحدها، إضافة إلى مراعاة الحالات والتصورات المختلفة التي ظهرت في البيانات وعدم الاقتصار على الشواهد التي تدعم النمط الغالب.
وفيما يتعلق بـقابلية النقل (Transferability)، لا تسعى الدراسة إلى التعميم الإحصائي لنتائجها، وإنما تقدم وصفًا للسياق الذي أجريت فيه الدراسة وخصائص المشاركين وإجراءات جمع البيانات وتحليلها، بما يساعد القارئ على تقدير مدى ملاءمة النتائج أو قابليتها للاستفادة منها عند النظر في سياقات اجتماعية وتعليمية ولغوية مشابهة.
ولا تدعي الدراسة استخدام إجراءات لم تُنفذ فعليًا، مثل مراجعة المشاركين للنتائج (member checking)، أو استخدام محللين مستقلين متعددين، أو حساب اتفاق بين المرمزين.
الاعتبارات الأخلاقية
رُوعيت الاعتبارات الأخلاقية المرتبطة بمشاركة الطلبة في الدراسة؛ إذ جرى توضيح طبيعة الدراسة والغرض منها للمشاركين، وكانت مشاركتهم طوعية بعد الحصول على موافقتهم. كما تم الحصول على موافقة أولياء أمور جميع المشاركين على استخدام البيانات التي جُمعت من المقابلات لأغراض البحث والنشر العلمي. ورُوعيت سرية البيانات وعدم الكشف عن هوية المشاركين في جميع مراحل الدراسة، واستخدمت رموز غير كاشفة للهوية عند عرض أقوالهم في النتائج، بما يحول دون ربط الاقتباسات بهوياتهم الشخصية.
وبما أنّ إجابات المشاركين دُوّنت حرفيًا أثناء المقابلات، فقد استُخدمت مقتطفات مختارة منها بوصفها اقتباسات مباشرة لدعم النتائج وإبراز أصوات المشاركين، مع المحافظة على سريتهم وعدم تضمين معلومات قد تكشف عن هوياتهم.
النتائج
أسفر التحليل الموضوعي للمقابلات التي أُجريت مع عشرين طالبًا وطالبة من طلبة الصف الحادي عشر عن مجموعة من الأنماط التي تكشف عن طبيعة مركبة للعلاقة باللغة العربية الفصحى. وأظهرت البيانات أنّ هذه العلاقة لا يمكن تفسيرها من خلال معدل استخدام الفصحى وحده؛ إذ تداخلت في إجابات المشاركين أبعاد رمزية وثقافية وتعليمية واجتماعية ورقمية أسهمت في تشكيل تصوراتهم عنها وممارساتهم المرتبطة بها.
وأفضى التحليل إلى خمس ثيمات رئيسة مترابطة: القيمة الرمزية للفصحى رغم محدودية استخدامها اليومي؛ وإعادة توزيع وظائف الفصحى في البيئة الرقمية؛ والاختيار اللغوي وفق السياق التواصلي؛ والصورة الاجتماعية المرتبطة باستخدام الفصحى؛ وتعدد أنماط العلاقة باللغة العربية الفصحى.
الثيمة الأولى: القيمة الرمزية للفصحى رغم محدودية استخدامها اليومي
لقد ارتبطت الفصحى في إجابات عدد من المشاركين بمعانٍ تتصل بالهوية والانتماء والثقافة والدين. فقد عبّر أحد المشاركين عنها بقوله “الهوية، الحرية، الجنة”، وربطها كذلك بالدين بقوله إنها “لغة القرآن ولغة أهل الجنة”. وتكشف هذه الإجابات أنّ الفصحى لم تظهر لدى بعض المشاركين بوصفها أداة تواصل فحسب، بل ارتبطت بمعانٍ رمزية وثقافية ودينية تتجاوز مقدار استخدامها في الحياة اليومية.
وظهر هذا التداخل أيضًا لدى إحدى المشاركات التي ربطت الفصحى بـ”الأساس والتميز والثقافة”، في الوقت الذي أشارت فيه إلى محدودية استخدامها لها في حياتها اليومية واقترانها بدرجة أكبر بالامتحانات والمواقف الرسمية. ويعكس ذلك إمكانية اجتماع التقدير الرمزي الإيجابي للفصحى مع محدودية استخدامها في التواصل اليومي لدى المشارك نفسه.
وفي المقابل، لم تكن هذه العلاقة متطابقة لدى جميع المشاركين. فقد ظهرت لدى بعضهم صورة للفصحى ترتبط بصورة أوضح بالمدرسة والدراسة والتقييم. فعلى سبيل المثال، عبّر أحد المشاركين عن أن الفصحى “لا تمثلني، أعتقد أنها تمثل المدرسة”، وربطها كذلك بـ”الامتحانات وخاصة امتحانات اللغة العربية”. كما أشارت إحدى المشاركات إلى أنّ ضغط الدراسة والامتحانات جعل الفصحى ترتبط لدى الطلبة “بالمدرسة والكتب أكتر من الحياة اليومية”. وتكشف هذه الإجابات عن نمط مختلف في العلاقة بالفصحى، يغلب عليه ارتباطها بالتجربة التعليمية والمؤسسة المدرسية أكثر من ارتباطها بالتواصل الشخصي اليومي.
وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أنّ القيمة التي تحملها الفصحى لدى المشاركين لا يمكن استنتاجها من كثافة استخدامها اليومي وحدها؛ إذ قد يحتفظ بعضهم بتقدير رمزي وثقافي أو ديني مرتفع لها رغم محدودية استخدامها في التواصل اليومي، في حين ترتبط لدى آخرين بصورة أكبر بالمدرسة والامتحانات. ومن ثم، تكشف البيانات عن تباين في طبيعة العلاقة بالفصحى، وعن عدم وجود تطابق ضروري بين قيمتها الرمزية لدى المشارك وبين مقدار استخدامها في ممارساته اليومية.
الثيمة الثانية: إعادة توزيع وظائف الفصحى في البيئة الرقمية
أظهرت البيانات أنّ حضور الفصحى في الممارسات الرقمية للمشاركين لم يكن متساويًا في جميع أشكال التواصل. فقد ارتبط استخدامها بدرجة أكبر بالسياقات الرسمية والتعليمية والثقافية والدينية، بينما بدت العامية أكثر حضورًا في المحادثات اليومية والتفاعل السريع مع الأصدقاء وأفراد الأسرة.
وتشير إجابات المشاركين إلى وجود تمييز وظيفي بين الأنماط اللغوية؛ فالفصحى تظهر في مواقف مثل الكتابة المدرسية والتواصل الرسمي وبعض أشكال المحتوى الثقافي أو الديني، في حين ترتبط العامية بالتفاعل الشخصي وغير الرسمي. وقد أظهرت المواد المحللة أنّ المشاركين وصفوا العامية بأنها أقرب إلى التواصل الطبيعي واليومي، مقابل ارتباط الفصحى بالمدرسة والكتابة الرسمية.
كما كشفت البيانات عن تمييز بين التعرض للمحتوى بالفصحى وبين استخدامها في التواصل الشخصي؛ فوجود الفصحى في المحتوى الذي يتلقاه الطالب لا يعني بالضرورة انتقالها إلى المحادثات اليومية التي يجريها مع أقرانه.
وعليه، لا تشير بيانات المشاركين إلى اختفاء الفصحى من البيئة الرقمية، بل إلى اختلاف المجالات والوظائف التي تحضر فيها مقارنة بالعامية. ويمكن وصف النمط الذي ظهر في هذه البيانات بأنه إعادة توزيع لوظائف الفصحى؛ أي إن حضورها أصبح أكثر ارتباطًا بمجالات تواصلية معينة، في حين تشغل العامية مساحة أوسع في التفاعل الشخصي السريع وغير الرسمي.
ويُستخدم مفهوم “إعادة توزيع الوظائف” هنا بوصفه وصفًا تحليليًا للنمط الذي ظهر في بيانات المشاركين العشرين، وليس بوصفه تعميمًا على جميع الشباب أو جميع البيئات الرقمية.
الثيمة الثالثة: الاختيار اللغوي وفق السياق التواصلي
كشفت المقابلات أنّ اختيار المشاركين بين الفصحى والعامية واللغات الأخرى يتغير بحسب السياق التواصلي. وبرزت في البيانات عوامل متعددة ترتبط بهذا الاختيار، من بينها طبيعة الجمهور، ودرجة الرسمية، والغاية من التواصل، ونوع الموقف أو المحتوى.
ففي المواقف الرسمية والتعليمية، ظهرت الفصحى بوصفها أكثر ملاءمة لدى عدد من المشاركين، في حين ارتبطت العامية بالمحادثات اليومية والعلاقات القريبة والتواصل غير الرسمي. كما أظهرت البيانات أنّ الطالب نفسه قد ينتقل بين أنماط لغوية مختلفة وفق الموقف الذي يوجد فيه.
ولا تسمح البيانات بالقول إن هذا الانتقال يمثل دائمًا قرارًا واعيًا ومقصودًا؛ إذ قد يكون جزءًا من العادات التواصلية أو التوقعات الاجتماعية التي يتصرف الأفراد في إطارها. ولذلك، فإنّ النتيجة الأكثر دقة هي أنّ الاختيارات اللغوية لدى المشاركين أظهرت حساسية واضحة للسياق التواصلي، دون افتراض أنّ كل انتقال بين الأنماط اللغوية يسبقه قرار واعٍ بالمفاضلة بينها.
كما أظهرت البيانات أنّ العلاقة بين الفصحى والعامية لا تقوم بالضرورة على رفض إحداهما لمصلحة الأخرى؛ بل ظهرت كل منهما مرتبطة بوظائف ومواقف مختلفة. فالعامية كانت أكثر ارتباطًا بالقرب الاجتماعي والتلقائية، بينما احتفظت الفصحى بحضور أكبر في السياقات التي تتطلب الرسمية أو الجدية.
وبذلك، تكشف النتائج عن مرونة في الممارسة اللغوية لدى المشاركين، تتغير معها اللغة أو النمط اللغوي المستخدم تبعًا لمتطلبات الموقف والعلاقات الاجتماعية المحيطة به.
الثيمة الرابعة: الصورة الاجتماعية المرتبطة باستخدام الفصحى
أظهرت إجابات المشاركين أنّ استخدام الفصحى يحمل دلالات اجتماعية تتغير باختلاف السياق. فقد ربط عدد من المشاركين استخدام الفصحى بصفات مثل الثقافة والوعي والرقي والجدية وحسن التعبير، في حين رأى آخرون أنّ استخدامها في مواقف يومية غير رسمية قد يجعل المتحدث يبدو متكلفًا أو مختلفًا عن جماعة الأقران.
وقد أظهرت إجابات المشاركين أنّ استخدام الفصحى في بعض المواقف اليومية غير الرسمية قد يثير استغراب المحيط الاجتماعي. فقد أشار أحد المشاركين إلى أنه إذا استخدم الفصحى فإنّ “الكل رح يحس ويستغرب”، في حين ذكرت إحدى المشاركات أنّ أصدقاءها قد يعلقون على استخدامها للفصحى بقولهم: “مالك قلبت فصحى فجأة”. وتكشف هذه الإجابات أنّ استخدام الفصحى في سياق غير متوقع قد يجعل المتحدث يبدو مختلفًا عن النمط اللغوي المعتاد داخل جماعة الأقران. في حين أظهرت إجابات أخرى أنّ استخدامها يصبح أكثر طبيعية عندما يكون التواصل مع المعلمين أو في المواقف الرسمية. وتكشف هذه الإجابات أنّ تقييم استخدام الفصحى لا يرتبط باللغة في ذاتها فقط، وإنما يتأثر أيضًا بمدى توافق استخدامها مع توقعات السياق الاجتماعي.
وبذلك، ظهرت صورة مزدوجة للفصحى في روايات المشاركين؛ فمن جهة، يمكن أن يرتبط استخدامها بصورة إيجابية للمتحدث بوصفه مثقفًا أو جادًا، ومن جهة أخرى، قد يؤدي استخدامها في سياق غير متوقع إلى شعور بالمسافة أو التكلف.
وتشير هذه النتيجة إلى أنّ محدودية استخدام الفصحى في بعض المواقف اليومية لا يمكن تفسيرها بالضرورة بوصفها رفضًا لها أو انخفاضًا في قيمتها؛ فقد تتدخل أيضًا توقعات الأقران والمعايير الاجتماعية المرتبطة بما يُعد نمطًا لغويًا ملائمًا لكل موقف.
الثيمة الخامسة: تعدد أنماط العلاقة باللغة العربية الفصحى
أظهر التحليل أنّ المشاركين لا يمثلون نمطًا واحدًا ومتجانسًا في علاقتهم باللغة العربية الفصحى، بل كشفت إجاباتهم عن تباين في طبيعة هذه العلاقة، وفي المعاني التي يمنحونها للفصحى، وفي المجالات التي يرونها ملائمة لاستخدامها. فقد ظهر لدى بعض المشاركين ارتباط بالفصحى يغلب عليه البعد الهوياتي والثقافي والديني، في حين ارتبطت لدى آخرين بصورة أوضح بالمدرسة والامتحانات والمواقف الرسمية. كما ظهر لدى بعض المشاركين نمط يجمع بين التقدير الرمزي للفصحى ومحدودية استخدامها في التواصل اليومي.
ويتضح هذا التباين عند مقارنة إجابات المشاركين؛ فبينما وصف أحدهم الفصحى بأنها “الهوية، الحرية، الجنة”، ورأى أنها “لغة القرآن ولغة أهل الجنة”، عبّر مشارك آخر عن موقف مختلف بقوله إنّ الفصحى “لا تمثلني، أعتقد أنها تمثل المدرسة”، وربطها بـ “الامتحانات وخاصة امتحانات اللغة العربية”. ويكشف هذا التباين عن اختلاف واضح في المعاني التي تحملها الفصحى لدى مشاركين ينتمون إلى الفئة التعليمية نفسها.
كما أظهرت البيانات نمطًا آخر أكثر تركيبًا، يتمثل في الجمع بين تقدير الفصحى من الناحية الرمزية والثقافية وبين محدودية استخدامها في الحياة اليومية. فقد ربطت إحدى المشاركات الفصحى بـ “الأساس والتميز والثقافة”، في الوقت الذي أشارت فيه إلى أنّ استخدامها لها في حياتها اليومية محدود، وأنّ حضورها يرتبط بدرجة أكبر بالامتحانات والمواقف الرسمية. ويشير هذا النمط إلى أنّ التقدير الإيجابي للفصحى لا يقترن بالضرورة بكثافة استخدامها في التواصل اليومي.
وتكشف هذه الاختلافات أنّ العلاقة بالفصحى لدى المشاركين لا يمكن اختزالها في ثنائية بسيطة تقوم على “الارتباط” بها أو “الابتعاد” عنها. فقد يجمع المشارك بين الاعتزاز بالفصحى وعدم استخدامها بصورة منتظمة في حياته اليومية، وقد ترتبط لديه بالهوية أو الدين والثقافة، بينما ترتبط لدى مشارك آخر بصورة أكبر بالتجربة المدرسية، وقد تتداخل هذه الأبعاد نفسها بدرجات مختلفة لدى الفرد الواحد.
وبناءً على ذلك، تشير النتائج إلى وجود طيف من أنماط العلاقة بالفصحى تتداخل فيه الأبعاد الرمزية والهوياتية والثقافية والتعليمية والوظيفية بدرجات متفاوتة. ويؤكد هذا التنوع أهمية عدم التعامل مع المشاركين بوصفهم فئة لغوية متجانسة؛ فعلى الرغم من انتمائهم إلى المرحلة التعليمية نفسها والسياق الجغرافي العام نفسه، أظهرت بياناتهم اختلافًا في الكيفية التي يفهمون بها الفصحى، وفي القيمة التي يمنحونها لها، وفي الموقع الذي تحتله في ممارساتهم اللغوية وحياتهم اليومية.
خلاصة النتائج
تكشف النتائج في مجملها عن علاقة متعددة الأبعاد باللغة العربية الفصحى لدى المشاركين. فقد أظهرت البيانات أنّ محدودية الاستخدام اليومي للفصحى لا تقترن بالضرورة بانخفاض قيمتها الرمزية؛ إذ استمرت لدى بعض المشاركين بوصفها لغة مرتبطة بالهوية والثقافة والدين والانتماء، بينما ارتبطت لدى آخرين بصورة أكبر بالمدرسة والتعليم والامتحانات والمواقف الرسمية.
كما أظهرت النتائج اختلاف وظائف الأنماط اللغوية باختلاف السياق، بحيث بدت العامية أكثر حضورًا في التواصل الشخصي وغير الرسمي، في حين احتفظت الفصحى بحضور أكبر في بعض السياقات التعليمية والرسمية والثقافية والدينية. وفي البيئة الرقمية، لم يظهر حضور الفصحى والعامية بصورة متماثلة في مختلف أشكال التواصل، بل أشارت البيانات إلى اختلاف المجالات والوظائف التي يرتبط بها كل نمط لغوي.
وأظهرت النتائج كذلك أنّ الاختيارات اللغوية لدى المشاركين كانت حساسة للسياق التواصلي، وارتبطت بعوامل مثل طبيعة الجمهور، ودرجة الرسمية، والغاية من التواصل، دون افتراض أنّ كل انتقال بين الأنماط اللغوية يمثل قرارًا واعيًا ومقصودًا. كما كشفت البيانات أنّ الصورة الاجتماعية للفصحى تتغير بحسب السياق؛ فقد ارتبط استخدامها لدى بعض المشاركين بالثقافة والوعي والرقي والجدية، في حين قد يثير استخدامها في بعض المواقف اليومية غير الرسمية استغراب المحيط الاجتماعي أو يجعل المتحدث يبدو مختلفًا عن النمط اللغوي المعتاد داخل جماعة الأقران.
وأخيرًا، كشفت البيانات عن تنوع في أنماط العلاقة بالفصحى بين المشاركين؛ إذ ظهرت علاقات يغلب عليها البعد الهوياتي والثقافي والديني، وأخرى ترتبط بصورة أكبر بالمدرسة والتعليم والمواقف الرسمية، إلى جانب أنماط تجمع بين التقدير الرمزي للفصحى ومحدودية استخدامها في التواصل اليومي. وبذلك، يصعب اختزال هذه العلاقة في ثنائية “الحضور” و”التراجع” أو “الارتباط” و”الابتعاد”، بل تشير النتائج إلى علاقة مركبة تتداخل فيها القيمة الرمزية، والوظيفة التواصلية، والخبرة التعليمية، والسياق الاجتماعي، والممارسات الرقمية.
المناقشة
هدفت الدراسة الحالية إلى فهم الكيفية التي يبني بها طلبة الصف الحادي عشر في المدارس العربية بمنطقة وادي عارة علاقتهم باللغة العربية الفصحى في سياق التفاعل الرقمي. وأظهرت النتائج أنّ هذه العلاقة متعددة الأبعاد، ولا يمكن تفسيرها من خلال مقدار استخدام الفصحى في الحياة اليومية أو الرقمية وحده؛ إذ كشفت المقابلات عن تداخل القيمة الرمزية والثقافية للفصحى مع وظائفها التعليمية والتواصلية، وعن اختلاف موقعها باختلاف السياق والجمهور والغاية من التواصل، إلى جانب وجود تباين بين المشاركين أنفسهم في طبيعة علاقتهم بها.
وتناقش الدراسة هذه النتائج في ضوء الإطار المفاهيمي والأدبيات ذات الصلة، مع التركيز على العلاقة بين القيمة الرمزية والاستخدام الفعلي، وتوزيع الوظائف اللغوية في البيئة الرقمية، والسياق التواصلي، والصورة الاجتماعية للفصحى، وتعدد أنماط العلاقة بها.
أولًا: استمرار القيمة الرمزية للفصحى رغم محدودية الاستخدام اليومي
تتمثل إحدى أبرز نتائج الدراسة في أنّ محدودية استخدام الفصحى في التواصل اليومي لدى عدد من المشاركين لم تقترن بالضرورة بانخفاض قيمتها الرمزية لديهم. فقد ارتبطت الفصحى في بعض الإجابات بالهوية والانتماء والدين والثقافة، في حين ارتبطت لدى مشاركين آخرين بصورة أوضح بالمدرسة والامتحانات والقواعد. ويشير هذا التباين إلى ضرورة التمييز بين مقدار استخدام اللغة والقيمة التي يمنحها الفرد لها.
يمكن قراءة هذه النتيجة في ضوء تصور Bourdieu (1991) للقيمة الرمزية والشرعية اللغوية؛ إذ لا تتحدد قيمة الممارسات اللغوية بخصائصها اللغوية وحدها، وإنما تتشكل أيضًا في ضوء المواقع والسياقات الاجتماعية التي تُستخدم فيها وما تحمله من قيمة رمزية. ومن هذا المنظور، يمكن فهم احتفاظ الفصحى بقيمة مرتفعة لدى بعض المشاركين، رغم محدودية استخدامها في تواصلهم اليومي، بوصفه مؤشرًا على أنّ انخفاض كثافة الاستخدام في مجال معين لا يعني بالضرورة زوال المكانة الرمزية أو الثقافية التي تحتلها اللغة لدى مستخدميها.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في السياق الفلسطيني العربي داخل إسرائيل. ففي ضوء معالجة Amara (2018) للعلاقة بين العربية والهوية في هذا السياق، يمكن النظر إلى موقع العربية بوصفه متشكلًا ضمن واقع لغوي واجتماعي وسياسي مركب تتداخل فيه قضايا الهوية والسياسات اللغوية والتعليمية والتفاعل مع العبرية. ومن هنا، يمكن فهم ارتباط الفصحى لدى بعض المشاركين بالهوية والانتماء والثقافة والدين ضمن سياق أوسع تتجاوز فيه اللغة وظيفتها التواصلية المباشرة، لتكتسب معاني رمزية واجتماعية وهوياتية.
وفي الوقت نفسه، تكشف نتائج الدراسة الحالية أنّ هذه القيمة الرمزية لم تكن متطابقة لدى جميع المشاركين. فبينما ارتبطت الفصحى لدى بعضهم بمعانٍ هوياتية وثقافية ودينية، ارتبطت لدى آخرين بصورة أكبر بالمدرسة والامتحانات، كما ظهرت حالات تجمع بين التقدير الرمزي الإيجابي للفصحى ومحدودية استخدامها في التواصل اليومي. ويكتسب هذا التباين أهمية تحليلية؛ لأنه يشير إلى أنّ العلاقة بالفصحى لا يمكن اختزالها في افتراض أنّ تقدير اللغة يؤدي بالضرورة إلى كثرة استخدامها، أو أنّ محدودية استخدامها تعني بالضرورة ضعف الارتباط بها.
وتتقاطع هذه النتيجة أيضًا مع المنظور الذي يقدمه Gee (2015) للغة بوصفها جزءًا من ممارسات اجتماعية تتشكل دلالاتها داخل السياقات التي تُستخدم فيها. ومن هذا المنظور، يمكن أن تحمل الفصحى قيمة مختلفة باختلاف المجال الذي تحضر فيه؛ فقد ترتبط لدى المشارك بالهوية أو الثقافة أو الدين، بينما يكون حضورها الفعلي أكثر وضوحًا في المدرسة أو في المواقف الرسمية، في مقابل حضور العامية بصورة أكبر في التواصل اليومي. ولا يعني هذا التفاوت بالضرورة وجود تناقض في علاقة المشارك بالفصحى، بل يعكس تعدد الأبعاد التي تتشكل من خلالها علاقته بها.
وبناءً على ذلك، تضيف الدراسة الحالية إلى فهم العلاقة بالفصحى من خلال إظهار أنّ القيمة الرمزية والاستخدام الفعلي يمثلان بُعدين مترابطين، لكنهما غير متطابقين بالضرورة. وفي حدود بيانات المشاركين في هذه الدراسة، يمكن أن تستمر الفصحى بوصفها موردًا رمزيًا وثقافيًا وهوياتيًا مهمًا حتى عندما يكون حضورها محدودًا في الممارسات التواصلية اليومية. وتوفر هذه النتيجة أساسًا لفهم التحولات في علاقة الشباب بالفصحى بعيدًا عن اختزالها في مقدار الاستخدام وحده، مع مراعاة أنّ طبيعة هذه العلاقة وقيمتها تختلفان بين المشاركين ولا تتخذان نمطًا واحدًا ثابتًا.
ثانيًا: البيئة الرقمية وإعادة توزيع وظائف الفصحى
أظهرت النتائج أنّ البيئة الرقمية لم ترتبط، وفق روايات المشاركين، باختفاء الفصحى من ممارساتهم اللغوية، وإنما باختلاف المجالات والوظائف التي تحضر فيها مقارنة بالعامية. فقد بدت العامية أكثر حضورًا في التواصل الشخصي وغير الرسمي والدردشة اليومية، في حين احتفظت الفصحى بحضور أكبر في بعض السياقات التعليمية والرسمية، وكذلك في بعض أشكال المحتوى الذي ينظر إليه المشاركون بوصفه أكثر جدية أو ملاءمة للفصحى. وتشير هذه النتيجة إلى أنّ فهم أثر التفاعل الرقمي في علاقة الطلبة بالفصحى يتطلب النظر إلى نوع الاستخدام ومجاله ووظيفته، لا إلى مقدار الحضور أو الغياب وحده.
وتنسجم هذه النتيجة مع منظور Barton and Lee (2013)، الذي ينظر إلى الممارسات اللغوية الرقمية بوصفها ممارسات اجتماعية وسياقية تتشكل وفق طبيعة المنصة والجمهور والغاية من التواصل. ومن هذا المنظور، لا يمكن التعامل مع البيئة الرقمية بوصفها مجالًا لغويًا موحدًا يفرض نمطًا واحدًا من الاستخدام؛ إذ تتنوع الممارسات اللغوية داخله تبعًا للمواقف التواصلية المختلفة. وتساعد هذه الرؤية في تفسير اختلاف حضور الفصحى والعامية في روايات المشاركين، حيث لا يبدو اختيار أحد النمطين ثابتًا في جميع أشكال التواصل الرقمي، وإنما يتغير بحسب المجال الذي يحدث فيه التفاعل وطبيعته.
وتتقاطع هذه النتيجة جزئيًا مع ما توصلت إليه Al-Jarf (2021) بشأن حضور عدد من الممارسات اللغوية غير المعيارية في التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها استخدام العامية بدل العربية المعيارية، إلى جانب الرومنة والكلمات الأجنبية وبعض مظاهر الكتابة غير المعيارية. غير أنّ نتائج الدراسة الحالية لا تقتصر على رصد هذه الممارسات، بل تشير، في حدود روايات المشاركين، إلى أنّ حضور العامية في التواصل الرقمي لا يعني بالضرورة اختفاء الفصحى من علاقتهم اللغوية؛ إذ قد يستمر حضورها في مجالات أخرى أو تحتفظ بقيمة رمزية وثقافية حتى عندما يقل استخدامها في التواصل الرقمي اليومي. ومن ثم، تسهم الدراسة الحالية في توجيه الاهتمام من مجرد رصد الشكل اللغوي المستخدم إلى فهم المعاني والوظائف التي ترتبط بها الأنماط اللغوية المختلفة لدى المشاركين.
وفي ضوء هذه النتائج، يمكن وصف النمط الذي ظهر في بيانات المشاركين بأنه إعادة توزيع لوظائف الفصحى؛ أي إنّ محدودية حضورها في بعض أشكال التواصل اليومي والرقمي لا تعني بالضرورة تراجعها في جميع المجالات، وإنما قد تترافق مع استمرار حضورها في مجالات أخرى ترتبط بالتعليم أو الرسمية أو الثقافة أو الدين. ويُستخدم هذا الوصف هنا بوصفه قراءة تحليلية للأنماط التي ظهرت في بيانات المشاركين العشرين، وليس بوصفه نتيجة عامة يمكن تعميمها على الشباب العربي أو على جميع البيئات الرقمية.
وبناءً على ذلك، تشير الدراسة الحالية إلى أنّ العلاقة بين التفاعل الرقمي والفصحى أكثر تركيبًا من أن تُفهم من خلال ثنائية “الحضور” و”الغياب” وحدها. ففي حدود بيانات الدراسة، يبدو أنّ البيئة الرقمية ترتبط باختلاف المجالات التي تُستخدم فيها الأنماط اللغوية والوظائف التي تؤديها، مع بقاء إمكانية احتفاظ الفصحى بقيمتها الرمزية وبحضورها في سياقات محددة رغم محدودية استخدامها في التواصل الرقمي اليومي. وتوفر هذه النتيجة أساسًا للانتقال من السؤال عن مقدار استخدام الفصحى في البيئة الرقمية إلى سؤال أكثر دقة يتعلق بالمواضع التي تحضر فيها، والوظائف التي تؤديها، والمعاني التي يمنحها المشاركون لهذا الحضور.
ثالثًا: حساسية الاختيار اللغوي للسياق التواصلي
أظهرت نتائج الدراسة أنّ اختيار المشاركين للفصحى أو العامية لم يكن ثابتًا في جميع المواقف، وإنما ارتبط بطبيعة السياق التواصلي الذي يحدث فيه التفاعل. فقد أشار المشاركون إلى أنّ اختيار النمط اللغوي يتأثر بعوامل متعددة، من بينها طبيعة الجمهور، ودرجة الرسمية، والغاية من التواصل، ونوع الموقف الذي تتم فيه عملية التواصل. ويشير ذلك إلى أنّ العلاقة بالفصحى لا تتحدد من خلال تفضيل لغوي ثابت، بل تتشكل بصورة متغيرة تبعًا لاختلاف السياقات التي يستخدم فيها الأفراد اللغة.
وتنسجم هذه النتيجة مع ما يطرحه Gee (2015)، الذي ينظر إلى اللغة بوصفها ممارسة اجتماعية تتشكل داخل مواقف الاستخدام المختلفة، حيث تكتسب الأشكال اللغوية معانيها ووظائفها من السياقات التي تُستخدم فيها. ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم اختيار المشاركين للفصحى أو العامية بمعزل عن طبيعة الموقف التواصلي الذي يحدث فيه هذا الاختيار، إذ قد يفضل الفرد نمطًا لغويًا في سياق معين، ويختار نمطًا مختلفًا في سياق آخر دون أن يعكس ذلك تغيرًا في موقفه من اللغة نفسها.
وتتفق هذه القراءة مع نتائج الدراسة الحالية، التي أظهرت أنّ الفصحى بدت أكثر حضورًا في المواقف التعليمية والرسمية وبعض أشكال المحتوى الثقافي، في حين ارتبطت العامية بصورة أكبر بالتواصل اليومي وغير الرسمي. غير أنّ هذه الأنماط لم تكن مطلقة؛ إذ أظهرت المقابلات وجود تباين بين المشاركين في الكيفية التي يحددون بها المواضع المناسبة لاستخدام كل نمط لغوي، مما يشير إلى أنّ الاختيارات اللغوية تتأثر بخبرات الأفراد وتصوراتهم للمواقف المختلفة.
ومع ذلك، لا تسمح بيانات الدراسة بالقول إنّ جميع هذه الاختيارات تمثل قرارات لغوية واعية أو استراتيجيات مقصودة لدى المشاركين؛ إذ اعتمدت الدراسة على رواياتهم الذاتية حول ممارساتهم اللغوية، ولم تتضمن ملاحظة مباشرة لسلوكهم اللغوي أثناء التفاعل الفعلي. ولذلك، فإنّ ما تكشفه النتائج هو أنّ المشاركين يربطون اختيارهم للنمط اللغوي بخصائص الموقف التواصلي كما يدركونها، دون الجزم بأنّ جميع هذه الاختيارات تتم بصورة واعية أو مخطط لها.
وتشير هذه النتيجة إلى أنّ دراسة العلاقة بالفصحى في البيئات الرقمية واليومية تتطلب النظر إلى اللغة بوصفها ممارسة تتأثر بالسياق الاجتماعي والتواصلي، وليس بوصفها اختيارًا ثابتًا بين بديلين لغويين. كما تؤكد أنّ فهم استخدام الفصحى لدى الشباب يقتضي الاهتمام بالظروف التي تظهر فيها اللغة، والجمهور الذي تُستخدم معه، والأهداف التي تؤديها في كل موقف، إلى جانب الاهتمام بمقدار استخدامها.
رابعًا: الصورة الاجتماعية للفصحى في السياقات اليومية والرقمية
أظهرت نتائج الدراسة أنّ المشاركين لا ينظرون إلى الفصحى من زاوية استخدامها اللغوي فحسب، وإنما يمنحونها أيضًا دلالات اجتماعية تختلف باختلاف السياق الذي تُستخدم فيه. فقد ارتبط استخدام الفصحى لدى بعض المشاركين بصفات مثل الثقافة والوعي والجدية، في حين أشار آخرون إلى أنّ استخدامها في بعض المواقف اليومية غير الرسمية قد يثير استغراب المحيطين بهم أو يجعل المتحدث يبدو مختلفًا عن النمط اللغوي المعتاد داخل جماعة الأقران. وتشير هذه النتيجة إلى أنّ الصورة الاجتماعية للفصحى ليست ثابتة، وإنما تتشكل تبعًا للسياق الذي تظهر فيه وطبيعة العلاقات الاجتماعية المحيطة به.
وتنسجم هذه النتيجة مع ما يطرحه Barton and Lee (2013)، إذ يشيران إلى أنّ الممارسات اللغوية في البيئات الرقمية لا تُفهم بمعزل عن السياقات الاجتماعية التي تحدث فيها، وأنّ الأشكال اللغوية تكتسب معاني اجتماعية من خلال التفاعل مع الآخرين. وفي ضوء هذا المنظور، يمكن فهم اختلاف الصورة الاجتماعية للفصحى بين المشاركين بوصفه انعكاسًا لاختلاف السياقات التواصلية التي تُستخدم فيها، أكثر من كونه حكمًا ثابتًا على اللغة نفسها.
كما يمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء تصور Bourdieu (1991) للقيمة الرمزية؛ إذ إنّ المكانة التي تُمنح للنمط اللغوي تختلف باختلاف المجال الاجتماعي الذي يُستخدم فيه. فالفصحى قد تُمنح قيمة اجتماعية إيجابية عندما تُستخدم في سياقات ترتبط بالتعليم أو الثقافة أو الخطاب الرسمي، في حين قد يبدو استخدامها في بعض المواقف اليومية غير الرسمية خارجًا عن التوقعات اللغوية السائدة داخل جماعة الأقران، وهو ما يفسر استغراب بعض المشاركين أو توقعهم لاستغراب الآخرين عند استخدامها في تلك المواقف.
ومع ذلك، لا تشير نتائج الدراسة إلى وجود موقف اجتماعي واحد تجاه الفصحى؛ إذ أظهرت المقابلات تنوعًا في تصورات المشاركين، بحيث رأى بعضهم أنّ استخدامها يعكس الثقافة والتميز، بينما لم يجد آخرون مانعًا من استخدامها في مواقف معينة، في حين توقع بعضهم أن يثير استخدامها في التواصل اليومي استغراب الآخرين. ويؤكد هذا التباين أنّ الصورة الاجتماعية للفصحى تتشكل من خلال الخبرات الفردية والسياقات الاجتماعية المختلفة، ولا يمكن اختزالها في اتجاه واحد أو حكم عام.
وتبرز الدراسة الحالية أنّ فهم استخدام الفصحى لدى الشباب لا يقتصر على تحليل الجوانب اللغوية، وإنما يتطلب أيضًا الانتباه إلى المعاني الاجتماعية التي يربطها الأفراد باستخدامها في مواقف الحياة اليومية والرقمية. وتشير النتائج، في حدود بيانات المشاركين، إلى أنّ هذه المعاني قد تؤثر في اختيار النمط اللغوي في بعض المواقف، دون أن يعني ذلك بالضرورة رفض الفصحى أو ضعف تقديرها.
خامسًا: تعدد أنماط العلاقة باللغة العربية الفصحى
تكشف النتائج، في مجملها، أنّ العلاقة باللغة العربية الفصحى لدى المشاركين لا يمكن وصفها بوصفها علاقة موحدة أو متجانسة، وإنما تتخذ أشكالًا متعددة تختلف باختلاف المعاني التي يمنحها الأفراد للفصحى، والسياقات التي يستخدمونها فيها، والوظائف التي يؤدونها من خلالها. فقد أظهرت المقابلات وجود مشاركين ارتبطت لديهم الفصحى بالهوية والثقافة والدين، في حين ارتبطت لدى آخرين بصورة أكبر بالمدرسة والتعليم والمواقف الرسمية، كما ظهرت حالات جمعت بين التقدير الرمزي للفصحى ومحدودية استخدامها في الحياة اليومية.
وتشير هذه النتيجة إلى أنّ العلاقة بالفصحى لا يمكن اختزالها في ثنائية بسيطة تقوم على “الارتباط” أو “الابتعاد”، ولا على “الاستخدام” أو “عدم الاستخدام”، لأن المشاركين أظهروا أنماطًا مختلفة من العلاقة باللغة، قد يجتمع فيها الاعتزاز بالفصحى مع قلة استخدامها، أو قد يرتبط استخدامها بمجالات محددة دون أن يعني ذلك انخفاض قيمتها لدى الفرد. ويكشف هذا التنوع أنّ العلاقة بالفصحى تتشكل من تفاعل مجموعة من العوامل اللغوية والاجتماعية والثقافية والتعليمية، وليس من عامل واحد.
وتنسجم هذه القراءة مع تصور Norton (2013) الذي يؤكد أنّ علاقة الأفراد باللغة ترتبط بالهوية والخبرات والسياقات الاجتماعية التي يعيشونها، وأنها ليست علاقة ثابتة أو متجانسة بين جميع المتعلمين. غير أنّ نتائج الدراسة الحالية لا تسمح باعتبار جميع الاختلافات التي ظهرت بين المشاركين تجسيدًا مباشرًا لمفهوم الاستثمار (Investment) بالمعنى الذي طرحته Norton؛ إذ لم تبحث الدراسة دوافع تعلم اللغة أو استثمارها، وإنما ركزت على تصورات المشاركين وممارساتهم اللغوية. لذلك يُستفاد من هذا الإطار بوصفه منظورًا يساعد على فهم تنوع العلاقات بالفصحى، لا بوصفه تفسيرًا مباشرًا لجميع النتائج.
كما تتفق هذه النتيجة مع ما تشير إليه الأدبيات النوعية من أنّ علاقة الأفراد باللغة تتشكل بصورة ديناميكية داخل سياقاتهم الاجتماعية والثقافية، وأنها قد تجمع بين أبعاد متعددة لا تتحرك دائمًا في الاتجاه نفسه. وفي هذا السياق، تبين نتائج الدراسة أنّ القيمة الرمزية، والاستخدام الفعلي، والسياق التواصلي، والصورة الاجتماعية للفصحى تمثل أبعادًا مترابطة، لكنها ليست متطابقة، وقد تختلف درجة حضور كل منها من مشارك إلى آخر.
وبناءً على ذلك، تقترح الدراسة قراءة تفسيرية مفادها أنّ التحولات التي تظهر في علاقة الشباب بالفصحى لا تتمثل بالضرورة في انتقال من “الحضور” إلى “التراجع”، وإنما قد تتمثل في تغير الكيفية التي تُوزع بها وظائف اللغة ومعانيها بين السياقات المختلفة. وفي حدود بيانات الدراسة الحالية، يبدو أنّ الفصحى تستمر لدى عدد من المشاركين بوصفها لغة ذات قيمة رمزية وثقافية وهوياتية، حتى عندما يكون حضورها في التواصل اليومي محدودًا. وتمثل هذه القراءة محاولة لفهم تعقيد العلاقة بالفصحى كما ظهرت في بيانات المشاركين، ولا تقدم نموذجًا عامًا أو نظرية قابلة للتعميم خارج حدود هذه الدراسة.
القراءة التكاملية للنتائج
عند النظر إلى الثيمات الخمس مجتمعة، تشير نتائج الدراسة إلى أنّ العلاقة باللغة العربية الفصحى لدى المشاركين لا تتحدد بعامل واحد، وإنما تتشكل من تفاعل ثلاثة أبعاد مترابطة. يتمثل البعد الأول في القيمة الرمزية التي يمنحها المشاركون للفصحى، بما تتضمنه من معانٍ تتصل بالهوية والثقافة والدين والتعليم. ويتمثل البعد الثاني في الوظيفة التواصلية، أي المجالات والمواقف التي يرون أنّ الفصحى أو العامية أكثر ملاءمة لها. أما البعد الثالث فيتمثل في السياق الاجتماعي والرقمي الذي تتشكل داخله هذه الاختيارات، بما يشمل طبيعة الجمهور، ودرجة الرسمية، وعلاقات الأقران، وطبيعة المحتوى.
وفي ضوء هذه الأبعاد، يمكن فهم إحدى النتائج الرئيسة التي كشفت عنها الدراسة، وهي أنّ محدودية استخدام الفصحى في بعض مجالات الحياة اليومية لا تقترن بالضرورة بانخفاض قيمتها الرمزية لدى المشاركين. وتشير هذه القراءة إلى أنّ التحولات المرتبطة بالتفاعل الرقمي لا تتمثل بالضرورة في تراجع الفصحى لمصلحة نمط لغوي آخر، وإنما قد تظهر في تغير المجالات والوظائف التي تؤديها الأنماط اللغوية المختلفة داخل السياقات المتنوعة.
وتظل هذه القراءة التفسيرية مستندة إلى بيانات الدراسة الحالية، وتحتاج إلى مزيد من البحث في سياقات وفئات مختلفة قبل تعميمها خارج حدود هذه الدراسة.
الخاتمة
هدفت هذه الدراسة إلى فهم الكيفية التي يبني بها طلبة الصف الحادي عشر في المدارس العربية بمنطقة وادي عارة علاقتهم باللغة العربية الفصحى في سياق التفاعل الرقمي. وأظهرت النتائج أنّ هذه العلاقة لا يمكن تفسيرها من خلال مقدار استخدام الفصحى وحده، وإنما تتشكل من تفاعل مجموعة من الأبعاد اللغوية والاجتماعية والثقافية والتعليمية.
وكشفت الدراسة أنّ محدودية استخدام الفصحى في التواصل اليومي لا تعني بالضرورة انخفاض قيمتها الرمزية لدى جميع المشاركين؛ إذ استمرت لدى بعضهم بوصفها لغة ترتبط بالهوية والثقافة والدين، في حين ارتبطت لدى آخرين بصورة أكبر بالمدرسة والتعليم والمواقف الرسمية. كما بينت النتائج أن استخدام الفصحى والعامية يتغير باختلاف السياق التواصلي، وأنّ البيئة الرقمية لا ترتبط بالضرورة بإقصاء الفصحى، بل باختلاف المجالات والوظائف التي تحضر فيها الأنماط اللغوية المختلفة.
وأظهرت الدراسة أيضًا أنّ الصورة الاجتماعية للفصحى تختلف باختلاف السياق، وأنّ العلاقة بها لا تتخذ نمطًا واحدًا لدى جميع المشاركين، بل تتنوع بين تقدير رمزي مرتفع، أو ارتباط وظيفي بالمجال التعليمي، أو الجمع بين التقدير الرمزي ومحدودية الاستخدام اليومي. ويبرز هذا التنوع أهمية التعامل مع علاقة الشباب بالفصحى بوصفها علاقة متعددة الأبعاد، تتأثر بتفاعل الخبرات الشخصية والسياقات الاجتماعية والرقمية، ولا يمكن اختزالها في ثنائية الاستخدام أو عدم الاستخدام.
وتسهم هذه الدراسة في تقديم فهم نوعي لطبيعة العلاقة بالفصحى لدى طلبة المرحلة الثانوية في سياق رقمي معاصر، من خلال إظهار أنّ التحولات في الممارسات اللغوية لا تعني بالضرورة تراجع القيمة الرمزية للفصحى، وإنما قد تعكس تغيرًا في المجالات والوظائف التي ترتبط بها. وفي حدود بيانات هذه الدراسة، تمثل هذه القراءة إضافة إلى النقاش المتعلق بعلاقة الشباب العربي بالفصحى في البيئات الرقمية، وتفتح المجال أمام دراسات لاحقة تختبر هذه النتائج في سياقات اجتماعية وتعليمية مختلفة، وباستخدام مناهج وأدوات بحثية متنوعة.
الإسهام النظري للدراسة
تسهم هذه الدراسة في توضيح أن العلاقة باللغة العربية الفصحى لا يمكن تفسيرها من خلال مقدار استخدامها وحده، وإنما من خلال التفاعل بين قيمتها الرمزية، ووظائفها التواصلية، والسياقات الاجتماعية والرقمية التي تُستخدم فيها. فقد أظهرت بيانات المشاركين أن القيمة التي يمنحها بعضهم للفصحى لا تنخفض بالضرورة مع محدودية استخدامها في التواصل اليومي، الأمر الذي يبرز أهمية التمييز بين الاستخدام الفعلي للغة والمعاني التي تحملها لدى مستخدميها.
كما تشير نتائج الدراسة إلى أن التحولات المرتبطة بالممارسات اللغوية في البيئة الرقمية لا تتمثل بالضرورة في تراجع الفصحى لمصلحة أنماط لغوية أخرى، وإنما قد ترتبط بتغير المجالات والوظائف التي تُستخدم فيها اللغة. فقد أظهرت البيانات استمرار حضور الفصحى في بعض السياقات التعليمية والرسمية والثقافية والدينية، في مقابل اتساع حضور العامية في التواصل اليومي وغير الرسمي.
وفي ضوء ذلك، تقترح الدراسة قراءة تفسيرية يمكن وصفها بـ «إعادة التنظيم الوظيفي للعلاقة باللغة»، ويُقصد بها، في حدود الدراسة الحالية، أن التحولات اللغوية قد تتمثل في إعادة توزيع وظائف الأنماط اللغوية بين السياقات المختلفة، دون أن يعني ذلك بالضرورة فقدان الفصحى لقيمتها الرمزية أو الثقافية. وتستند هذه القراءة إلى نتائج الدراسة الحالية، ولا تُطرح بوصفها مفهومًا نظريًا جديدًا أو نموذجًا عامًا، وإنما بوصفها تفسيرًا ناشئًا عن تحليل بيانات المشاركين في هذا السياق.
ومن ثم، تفتح هذه القراءة المجال أمام دراسات مستقبلية لاختبار مدى انطباقها في بيئات اجتماعية وتعليمية ورقمية مختلفة، وباستخدام مناهج بحثية متنوعة، بما يسهم في تعميق فهم التحولات التي تشهدها علاقة الشباب العربي باللغة العربية الفصحى.
الإسهامات التربوية والتطبيقية
تشير نتائج الدراسة إلى عدد من الدلالات التي يمكن الإفادة منها في تعليم اللغة العربية الفصحى، ولا سيما لدى طلبة المرحلة الثانوية.
أولًا، تبين النتائج أنّ استخدام الطلبة للعامية في حياتهم اليومية أو الرقمية لا ينبغي أن يُفسَّر تلقائيًا بوصفه مؤشرًا على ضعف ارتباطهم بالفصحى أو انخفاض تقديرهم لها. فقد أظهرت البيانات أنّ بعض المشاركين احتفظوا بقيمة رمزية وثقافية مرتفعة للفصحى رغم محدودية استخدامها في تواصلهم اليومي، الأمر الذي يشير إلى أهمية التمييز بين موقف الطالب من اللغة وبين الفرص الفعلية المتاحة له لاستخدامها.
ثانيًا، كشفت النتائج أنّ الفصحى ارتبطت لدى عدد من المشاركين بالمدرسة والامتحانات والقواعد، وهو ما يبرز أهمية توسيع الخبرات التعليمية المرتبطة بالفصحى بحيث لا تقتصر على مواقف التقييم أو دراسة القواعد، وإنما تمتد إلى مواقف تواصلية ذات معنى بالنسبة إلى الطلبة، تسمح باستخدامها في التعبير والحوار وبناء المعرفة.
ثالثًا، تشير النتائج إلى إمكانية الاستفادة من البيئات الرقمية نفسها في توسيع مجالات استخدام الفصحى، من خلال إتاحة فرص للطلبة لإنتاج محتوى رقمي بها، مثل النصوص القصيرة، والمراجعات، والبودكاست، والمحتوى المرئي، والقصص الرقمية، والمناقشات حول موضوعات تهمهم. ولا يقوم هذا التوجه على استبدال العامية أو إقصائها، وإنما على توسيع المجالات التي تصبح فيها الفصحى وسيلة طبيعية للتعبير والتواصل والإنتاج المعرفي.
رابعًا، أظهرت النتائج أنّ بعض المشاركين ينظرون إلى استخدام الفصحى في بعض المواقف اليومية بوصفه أمرًا غير مألوف أو قد يثير استغراب المحيطين بهم. ويشير ذلك إلى أهمية مراعاة البعد الاجتماعي في تعليم اللغة، بحيث لا يقتصر الاهتمام على تنمية الكفاية اللغوية، وإنما يمتد إلى توفير مواقف تعليمية يصبح فيها استخدام الفصحى ممارسة طبيعية وذات وظيفة تواصلية واضحة.
وبناءً على ذلك، يمكن أن تستفيد الممارسات التعليمية من الانتقال جزئيًا من التركيز على تعليم الفصحى بوصفها مادة دراسية، إلى توسيع حضورها بوصفها أداة للتواصل، والإنتاج المعرفي، والتعبير، بما يعزز ارتباط الطلبة بها في سياقات تتجاوز حدود الصف الدراسي.
حدود الدراسة
ينبغي تفسير نتائج الدراسة في ضوء عدد من الحدود المنهجية والسياقية.
أولًا، اقتصرت الدراسة على عينة قصدية مكونة من عشرين مشاركًا، بواقع 12 طالبة و8 طلاب من طلبة الصف الحادي عشر في المدارس العربية بمنطقة وادي عارة. ولذلك لا تهدف النتائج إلى التعميم الإحصائي على جميع طلبة المرحلة الثانوية أو الشباب العرب، وإنما تقدم فهمًا نوعيًا للظاهرة في السياق الذي أُجريت فيه الدراسة.
ثانيًا، تحدد العدد النهائي للمشاركين وفق من أمكن مقابلتهم ضمن إجراءات جمع البيانات، ولم يستمر جمع البيانات وفق معيار محدد مسبقًا للوصول إلى التشبع. ومن ثم، لا تدعي الدراسة أنّ المقابلات العشرين استوعبت جميع الأنماط الممكنة للعلاقة باللغة العربية الفصحى لدى الفئة المستهدفة، وإنما تعكس الثيمات الأنماط والتباينات التي ظهرت في مجموعة البيانات التي جرى تحليلها.
ثالثًا، اعتمدت الدراسة على المقابلات شبه المقننة وعلى روايات المشاركين عن ممارساتهم وتصوراتهم اللغوية. ولذلك تعكس النتائج الكيفية التي وصف بها المشاركون خبراتهم واختياراتهم، وقد لا تتطابق هذه الروايات بصورة كاملة مع ممارساتهم اللغوية الفعلية في البيئات الرقمية.
رابعًا، لم تُسجل المقابلات صوتيًا، وإنما دُوّنت إجابات المشاركين حرفيًا أثناء إجرائها. وعلى الرغم من الحرص على المحافظة على كلمات المشاركين دون حذف أو تغيير، فإنّ غياب التسجيل الصوتي حال دون العودة إلى الأداء الشفهي الأصلي، بما يتضمنه من خصائص غير نصية مثل النبرة والتوقف والتردد، وهي جوانب قد تحمل دلالات إضافية في بعض أشكال التحليل النوعي.
خامسًا، تناولت الدراسة التفاعل الرقمي بوصفه سياقًا عامًا، ولم تُصمم لإجراء مقارنة منهجية بين منصات رقمية محددة. وقد تختلف الممارسات اللغوية باختلاف خصائص المنصة، وطبيعة الجمهور، ودرجة الخصوصية، ونوع المحتوى؛ لذلك لا يمكن نسبة النتائج إلى منصة رقمية بعينها.
سادسًا، ركزت الدراسة على طلبة الصف الحادي عشر، وقد تختلف طبيعة العلاقة بالفصحى لدى فئات عمرية أو تعليمية أخرى.
وأخيرًا، يقوم التحليل الموضوعي على عملية تفسيرية ينتقل فيها الباحث من البيانات إلى الأكواد والفئات والثيمات. وعلى الرغم من اتباع خطوات تحليلية منظمة والعودة المستمرة إلى البيانات أثناء بناء الثيمات ومراجعتها، فإنّ النتائج تمثل قراءة تفسيرية للبيانات، ولا تقدم تصنيفًا نهائيًا لجميع أشكال العلاقة باللغة العربية الفصحى.
مقترحات للبحوث المستقبلية
في ضوء نتائج الدراسة وحدودها، يمكن اقتراح عدد من المسارات للبحوث المستقبلية.
أولًا، يمكن إجراء دراسات مماثلة في مناطق ومجتمعات عربية مختلفة، للتحقق من مدى ظهور الأنماط التي كشفت عنها الدراسة الحالية في سياقات اجتماعية ولغوية أخرى.
ثانيًا، يمكن توسيع نطاق البحث ليشمل فئات عمرية ومراحل تعليمية مختلفة، وإجراء مقارنات بين طلبة المدارس وطلبة الجامعات أو بين الفئات العمرية المتنوعة، بما يسهم في فهم كيفية تغير العلاقة بالفصحى عبر المراحل المختلفة.
ثالثًا، سيكون من المفيد الجمع بين المقابلات وتحليل الممارسات الرقمية الفعلية، مثل المنشورات والتعليقات وأشكال المحتوى الذي ينتجه المشاركون، مع الالتزام بالضوابط الأخلاقية اللازمة. وقد يتيح ذلك مقارنة ما يقوله الأفراد عن اختياراتهم اللغوية بما يمارسونه فعليًا.
رابعًا، يمكن إجراء دراسات مقارنة بين منصات رقمية مختلفة؛ إذ قد تتباين الممارسات اللغوية وفق طبيعة المنصة، ونوع الجمهور، ودرجة الخصوصية، والوظائف التواصلية التي تتيحها.
خامسًا، يمكن توظيف تصميمات بحثية مختلطة تجمع بين الأدوات النوعية والكمية، بحيث تُستخدم النتائج النوعية الحالية أساسًا لتطوير مقاييس أو استبانات تختبر مدى انتشار بعض الأنماط على عينات أوسع.
سادسًا، يمكن للبحوث المستقبلية فحص القراءة التفسيرية المتعلقة بـإعادة التنظيم الوظيفي للعلاقة باللغة في سياقات أخرى، والتحقق من مدى ظهور التمييز بين القيمة الرمزية وكثافة الاستخدام لدى فئات مختلفة أو في علاقات لغوية أخرى.
وأخيرًا، يمكن إجراء دراسات تدخلية في المجال التربوي تختبر أثر توسيع فرص إنتاج المحتوى الرقمي بالفصحى في مواقف ذات معنى للطلبة، ودراسة انعكاس ذلك على استخدامهم للفصحى وتصوراتهم عنها وعلاقتهم بها.
قائمة المراجع:
Al-Jarf, R. S. (2021). Impact of social media on Arabic language deterioration. Eurasian Arabic Studies, 15, 16–34.
Amara, M. (2018). Arabic in Israel: Language, identity and conflict. Routledge. https://doi.org/10.4324/9781315160931
Barton, D., & Lee, C. (2013). Language online: Investigating digital texts and practices. Routledge.
Bourdieu, P. (1991). Language and symbolic power. Harvard University Press.
Braun, V., & Clarke, V. (2006). Using thematic analysis in psychology. Qualitative Research in Psychology, 3(2), 77–101. https://doi.org/10.1191/1478088706qp063oa
Creswell, J. W., & Poth, C. N. (2018). Qualitative inquiry and research design: Choosing among five approaches (4th ed.). SAGE Publications.
Gee, J. P. (2015). Social linguistics and literacies: Ideology in discourses (5th ed.). Routledge.
Lincoln, Y. S., & Guba, E. G. (1985). Naturalistic inquiry. SAGE Publications.
Merriam, S. B., & Tisdell, E. J. (2016). Qualitative research: A guide to design and implementation (4th ed.). Jossey-Bass.
Norton, B. (2013). Identity and language learning: Extending the conversation (2nd ed.). Multilingual Matters.