Article 34

إعادة تعريف المعلمين في المدارس الحكومية لأدوارهم المهنية في ظل الأزمات في السياق الفلسطيني

شذى يوسف نوفل1، ضحى فايز كايد معاري2، مرلين دعيم عيساوي3، د. علياء العسالي4

"1 التعليم والتعلّم، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين. معرّف الباحث (ORCID): 0009-0005-8471-5912

البريد الإلكتروني: nofalshatha00@gmail.com

2 التعليم والتعلّم، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين. معرّف الباحث (ORCID): 0009-0002-8541-3375

البريد الإلكتروني: duhafayez18@gmail.com

3 التعليم والتعلّم، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين. معرّف الباحث (ORCID): 0009-0004-1900-1588

البريد الإلكتروني: marleneesawi@hotmail.com

4 المناهج وطرائق التدريس، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين. معرّف الباحث (ORCID): 000-003-0370-871X

البريد الإلكتروني: alia_71@najah.edu"

The Redefinition of Public School Teachers' Professional Roles Amid Crises in the Palestinian Context

Shatha Yousef Nofal1, Duha Fayez Kayed Maari2, Marlene Daeem Essawi3, Dr. Alia Al-Assali4

1 Teaching and Learning, An-Najah National University, Nablus, Palestine. ORCID: 0009-0005-8471-5912.
Email: nofalshatha00@gmail.com;

2 Teaching and Learning, An-Najah National University, Nablus, Palestine. ORCID: 0009-0002-8541-3375.
Email: duhafayez18@gmail.com;

3 Teaching and Learning, An-Najah National University, Nablus, Palestine. ORCID: 0009-0004-1900-1588.
Email: marleneesawi@hotmail.com;

4 Curriculum and Teaching Methods, An-Najah National University, Nablus, Palestine. ORCID: 000-003-0370-871X.
Email: alia_71@najah.edu.

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj79/34

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/79/34

المجلد (7) العدد (9). الصفحات: 622 - 640

تاريخ الاستقبال: 2026-08-15 | تاريخ القبول: 2026-08-22 | تاريخ النشر: 2026-09-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: هدفت هذه الدراسة إلى استكشاف كيفية إعادة تعريف المعلمين في المدارس الحكومية لأدوارهم المهنية في ظل الأزمات في السياق الفلسطيني. اعتمدت الدراسة المنهج النوعي، القائم على فهم الظواهر الاجتماعية والإنسانية. استُخدمت المقابلات المتعمقة شبه المنظمة كأداةِ لجمع البيانات، وكان عدد المشاركين 14 معلمًا ومعلمة، أختيروا بالطريقة القصدية. أظهرت النتائج أن هوية المعلم المهنية في ظل الأزمات أصبحت هوية مركبة، تجمع بين الالتزام التعليمي، والدور الإنساني، كما كشفت النتائج عن صراع بين الواجب الانساني والحق في التقدير المادي، إلا أن التجربة قد عززت قيمًا مهنية وإنسانية مثل الصبر، وتحمل المسؤولية، والتعاطف، والمرونة، والإخلاص المهني. كما تشكلت تجارب المعلمين في أربعة محاور وهي: الدعم النفسي والاجتماعي، تكييف التعليم، الشراكة مع الأسرة، وتوظيف البدائل الرقمية. خلصت الدراسة إلى أن دور المعلم الفلسطيني في الأزمات يتجاوز الوصف الوظيفي التقليدي، ويتحول إلى ممارسة تربوية إنسانية قائمة على الصمود، والابتكار، والمسؤولية الأخلاقية تجاه الطلبة.

الكلمات المفتاحية: المعلمين، إعادة تعريف الأدوار المهنية، الأزمات، السياق الفلسطيني.

Abstract: This study aimed to explore how teachers in public schools redefine their professional roles amid crises in the Palestinian context. The study adopted a qualitative approach, based on understanding the social and human phenomena. Semi-structured in-depth interviews were used as a tool for data collection. The participants were fourteen male and female teachers chosen based on purposive sampling. The results showed that teachers' professional identity amid crises has become a complex, composite identity, combining educational commitment with a humanitarian role. The results also revealed a conflict between teachers' duties and their right to financial compensation. However, the experience has reinforced professional and human values such as patience, responsibility, empathy, flexibility, and professional dedication. The teachers' experiences were organized into four areas: psychological and social support, adaptation of instruction, partnership with the family, and the use of digital alternatives. The study concluded that the role of the Palestinian teacher in times of crisis goes beyond the traditional job description; the role becomes that of the practitioner of humane education and is grounded in resilience, innovation, and ethical responsibility toward students.

Keywords: teachers, redefining professional roles, crises, the Palestinian context.

المقدمة

يواجه العالم تزايدًا في الأزمات الممتدة من حروب، وأوبئة، وطوارئ، مما يجعل مهنة التعليم تعمل ضمن ظروف غير مستقرة. وتفرض هذه الأزمات تحديات كبيرة على مختلف القطاعات، ومنها القطاع التعليمي، إذ تؤدي إلى تغيرات في السياسات وأساليب العمل والأداء، مع ضرورة الحفاظ على جودة التعليم وعدالته. ويُعدّ القطاع التعليمي من أكثر القطاعات حساسية وتأثرًا بالأزمات، إذ تنعكس عليه هذه التحولات بشكل مباشر.

وقد بادرت غالبية الدول إلى تكييف تجاربها لإدارة التعليم بشكل فاعل، بهدف تحقيق مردود إيجابي يتمثل في الحفاظ على كرامة الفرد وضمان استمرارية التعليم بأمان واستقرار. كما سعت إلى تعزيز دور التعليم في غرس القيم الإيجابية ونشر السلام، وتوفير فرص تعليمية متساوية من خلال أنظمة تعليمية أكثر شمولية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شملت الجهود استحداث أساليب مبتكرة لتشجيع التفكير الناقد والإبداعي، عبر تكييف المناهج والطرق التعليمية سواء من خلال التعليم الرقمي أو التعليم عن بُعد، إضافة إلى إبراز دور متجدد للتعاون بين المدرسة والأسرة (المركز العربي للبحوث التربوية لدول الخليج، 2023).

ولم يقتصر هذا التحول على النظم التعليمية وسياساتها، وإنما امتد إلى المعلم، حيث تجاوز دور المعلم كونه ناقلًا للمعرفة ذا كفاءة تربوية وتكنولوجية فحسب، إلى مقدم للدعم والرعاية لطلابه بما يمتلكه من كفاءات التواصل، والمرونة، والمهارات الشخصية، والتحكم في الضغوط، ومهارات اتخاذ القرارات، وحل المشكلات (Salha et al., 2024).

في وقت الأزمات، يُجسد المعلم دورًا مركزيًّا يتضمن الرعاية الاجتماعية والعاطفية للطلاب إلى جانب المهام التعليمية، حيث يتعزز هذا الدور بما يحمله من مسؤولية وما يمتلكه من قناعات راسخة مرتبطة بمعتقداته وقيمه وتطلعاته وأهدافه، إضافة إلى ما يتوفر له من إمكانات للتطور المهني. وهذه العوامل مجتمعة تسهم في تحقيق الرفاه النفسي والعاطفي للطلاب، وضمان العدالة الاجتماعية، وتعزيز مهارات التفكير الناقد والإبداعي لديهم (Reyes-Rojas & Salinas, 2024).

وتتجلى خصوصية هذا الدور في السياق الفلسطيني، بما يبرزه المعلم من التزام وطني وإنساني استثنائي؛ فالمعلم الفلسطيني لا يكتفي بأداء مهامه التدريسية فحسب، بل يعمل كصمام أمان نفسي واجتماعي لطلابه، محولًا العلاقة التربوية وديناميكيات الغرفة الصفية إلى أداة للصمود ومواجهة تحديات الاحتلال، وضغوط الوضع الاقتصادي وتآكل الرواتب (Najjar & Hamdan, 2025). ويؤكد الدحدوح وآخرون (Aldahdouh et al., 2024) أن المعلم الفلسطيني يتكيف مع الأزمات عبر تطوير كفاءاته المهنية والتربوية، ليكون قادرًا على ضمان جودة التعليم، وتحفيز التفكير الناقد والإبداعي لدى الطلبة، وتقديم الدعم الاجتماعي والعاطفي لهم.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى استكشاف الأدوار التي يمارسها المعلم الفلسطيني والتجارب التي يخوضها خلال الأزمات، وما يكسبه ذلك من قيم ومعانٍ مهنية وإنسانية في سياق تربوي ومجتمعي وإنساني.

مشكلة البحث

يشهد التعليم في وقت الأزمات تحديات ملموسة تمس استمراريته ووظائفه الرئيسة، ما يؤدي إلى تغير في أداء المعلمين والديناميكيات العاطفية للتعليم والتعلم. وعلى الرغم من تنامي الاهتمام البحثي بالتعليم في ظل الأزمات في السياق الفلسطيني، فإن معظم الدراسات اتجهت إلى توصيف اضطراب العملية التعليمية أو قياس الضغوط النفسية ومستويات الصمود لدى المعلمين والطلبة كما في دراسة العاروري (2024). أما دراسة الخضري وأبو دقة (El-Khodary & Aboudagga, 2025)، ودراسة الدحدوح وآخرون (Aldahdouh et al., 2024) فقد ركّزتا على أهمية تنمية خبرات التدريس الرقمي في البيئات الهشة والمتأثرة بالنزاع، غير أن معالجتهما بقيت متمركزة حول البعد التقني والمهاري للتعليم عبر الإنترنت وتحدياته.

وفي السياق ذاته، توجهت دراسات إلى المنهج النوعي، كدراسة نجار وحمدان (Najjar & Hamdan, 2025) التي أكدت أن الأزمات، ولا سيما الاقتصادية منها، تنعكس بوضوح على أداء المعلم وديناميكيات الصف وعلاقته بالطلبة، إلا أن تركيزها انصب على رصد آثار الأزمة على المستوى الوظيفي، دون التعمق في التجارب الصفية الحية للمعلمين أو الكيفية التي يعيدون بها تشكيل أدوارهم المهنية داخل الصف في ظل هذه الظروف. أما دراسة العاروري (2024)، فعلى الرغم من اعتمادها على المقابلات، فإن تلك المقابلات انصبت بشكل أساسي على فئة الإداريين لفهم التحديات اللوجستية والمؤسسية في ظل الأزمات. بينما اقتصر المنهج النوعي في دراسة أبو الهيجا (2025) على تحليل الوثائق والتقارير الرسمية، كما انحصر نطاقها الموضوعي في مرحلة التعليم العالي، وهو ما يترك فجوة معرفية فيما يتعلق بواقع الدور المهني للمعلم في المدارس الحكومية ظل الأزمات.

أولت العديد من الدراسات الأجنبية المعتمدة على المقابلات المتعمقة موضوع تعريف المعلمين لأدوارهم المهنية في ظل الأزمات، مثل دراسة ددلي (Dudley, 2025)، التي اعتبرت المقابلة المتعمقة أداة جوهرية قادرة على استكشاف كيفية إعادة المعلمين تعريف ذواتهم المهنية وإدارتها في ظل استمرارهم في أداء أدوارهم وعدم مغادرتهم المهنة رغم ظروف تتسم بالإرهاق الوظيفي.

تناولت بعض الدراسات الفلسطينية، كدراسة جيوسي (Jayusi, 2025)، استكشاف خبرات المعلمين الفلسطينيين وتجاربهم واستراتيجياتهم في الصمود في المدارس اليهودية داخل إسرائيل بعد أحداث السابع من أكتوبر. ومع ذلك، فإن هذا السياق يختلف بنيويًّا عن واقع المعلم في النظام التعليمي الفلسطيني؛ إذ لم تتناول هذه الدراسة بشكل مباشر واقع المعلم الفلسطيني في المدارس الحكومية بالأراضي الفلسطينية، وما يواجهه من أزمات محلية، مثل الاحتلال، والحصار، والحروب المتكررة، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

وبناءً على ما سبق، لاحظت الباحثات، كون بعضهن يعملن كمعلمات في المدارس الحكومية الأساسية في فلسطين، أن الفهم المتكامل لكيفية إعادة المعلم الفلسطيني تعريف ذاته المهنية وإدارة أدواره التربوية والإنسانية في ظل الأزمات المتعددة ما زال غير مكتمل. كما تبدو الرؤية المؤسسية العامة لدور المعلم، في كثير من الأحيان، أقرب إلى الدور الوظيفي التقليدي، مقارنة بالأدوار الإنسانية والاجتماعية التي يضطلع بها المعلمون فعليًا في أوقات الأزمات. ومن هنا تنبع الحاجة إلى دراسات نوعية تستقصي التجارب الحية للمعلمين، وتكشف المعاني المهنية والإنسانية التي تتشكل في سياق عملهم اليومي داخل الصفوف في ظل بيئات تتسم بعدم الاستقرار.

أسئلة البحث

انطلاقًا من مشكلة البحث، فإنه يسعى للإجابة عن السؤال الرئيس التالي:

كيف يعيد المعلمون الفلسطينيون في المدارس الحكومية تعريف أدوارهم المهنية في ظل الأزمات؟

وينبثق عن السؤال الرئيس الأسئلة الفرعية التالية:

١. ما هي التصورات الذاتية التي يحملها المعلمون الفلسطينيون في المدارس الحكومية عن هويتهم المهنية في ظل الأزمات؟

٢. ما المعاني والقيم التي يشكّلها المعلمون الفلسطينيون من خلال تجاربهم الحية في الغرف الصفية في ظل الأزمات؟

٣. كيف يصف المعلمون الفلسطينيون تجاربهم المهنية في إعادة تشكيل أدوارهم في ظل الأزمات؟

أهداف البحث

تتحدد أهداف البحث فيما يلي:

١. التعرف على التصورات الذاتية التي يحملها المعلمون الفلسطينيون في المدارس الحكومية عن هويتهم المهنية في ظل الأزمات.

٢. الكشف عن المعاني والقيم التي يشكّلها المعلمون الفلسطينيون من خلال تجاربهم الحية في الغرف الصفية في ظل الأزمات.

٣. توصيف المعلمين الفلسطينيين لتجاربهم المهنية في إعادة تشكيل أدوارهم في ظل الأزمات.

أهمية البحث

تتحدد أهمية البحث فيما يلي:

الأهمية النظرية

١. إدماج مفهوم إعادة تعريف الدور ضمن سياق الأزمات كمدخل لفهم أدوار المعلم كـ “ممارسة مرنة” تتجاوز الأطر الوظيفية التقليدية.

٢. رفد المكتبة التربوية بدراسة نوعية لسد الفجوة النوعية للأبحاث والأدبيات والتركيز على “المعنى” والخبرة الإنسانية المعيشة للمعلم وعدم حصرها بالأرقام والإحصائيات.

٣. الإسهام في إبراز مفاهيم وقيم مهنية وإنسانية تصف الهوية المركبة للمعلم الفلسطيني، بما يجمع بين الرسالة التربوية والالتزام الوطني والإنساني.

٤. تقديم نموذج إرشادي لأسئلة المقابلة المعمقة يمكن أن يفيد الباحثين في دراسة خبرات المعلمين في سياقات الأزمات المشابهة، وكمدخل لتعزيز “التأمل الذاتي” لدى المعلمين لتطوير ممارساتهم.

الأهمية التطبيقية

١. توثيق قصص وممارسات نجاح فعلية للمعلمين كنموذج ملهم يدعم الصمود المهني لزملائهم في المجتمع التربوي.

٢. تزويد صُناع القرار بمقترحات لسياسات تعليمية؛ مما يضمن كفاءتها وقابليتها للتطبيق في حالات الطوارئ.

مصطلحات الدراسة

إعادة تعريف الأدوار المهنية اصطلاحًا: “إعادة تعريف الأدوار المهنية هي عملية ديناميكية يتم من خلالها تحويل ممارسات المعلم من النموذج التقليدي القائم على نقل المعرفة، إلى دور ‘الفاعل’ (Agent) الذي يمتلك القدرة على تكييف مهامه التعليمية والتربوية لتلائم السياقات المتغيرة والأزمات. وتتضمن هذه العملية دمج أبعاد جديدة للدور تشمل الرعاية النفسية، والدعم العاطفي، والابتكار في الأساليب التدريسية لضمان استمرارية التعليم وجودته في بيئات تتسم بعدم الاستقرار” (Reyes-Rojas & Salinas, 2024, p. 3).

أما إجرائيًّا فتعرّفه الباحثات بأنه: التحولات التي تطرأ على فهم المعلمين الفلسطينيين في المدارس الحكومية لأدوارهم ومسؤولياتهم المهنية في ظل الأزمات، كما تظهر في سردياتهم وتجاربهم اليومية. وتشمل هذه التحولات الانتقال من الدور التدريسي التقليدي إلى أدوار أكثر مرونة، مثل تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وتكييف التعليم، وابتكار حلول بديلة لاستمرار العملية التعليمية رغم المعيقات الميدانية والاقتصادية.

الأزمات اصطلاحًا: “مجموعة الظروف الحرجة والصعبة التي تفرض تعديلات جوهرية على بنية الدوام المدرسي والعملية التعليمية، مما يضع الكادر التعليمي أمام تحديات مهنية ونفسية تستوجب بناء حصانة ومرونة عالية للتكيف معها” (وزارة التربية والتعليم العالي، 2024، ص 12).

أما إجرائيًّا فتعرِّفها الباحثات بأنها: حالة من الاضطراب العميق وعدم الاستقرار التي يعاني منها النظام التعليمي في السياق الفلسطيني، وتتمثل في مجموعة من الضغوط المتراكبة (أمنية، واقتصادية، وتنظيمية) التي تقوّض نمط العمل التقليدي وتفرض تحديات غير مألوفة. وتدفع هذه الظروف المعلمين إلى إعادة النظر في هويتهم المهنية وممارساتهم اليومية، وتبنّي أدوار أكثر مرونة تضمن استمرار الرسالة التربوية رغم حالة عدم الاستقرار.

الحدود والمحددات

حدود البحث

تتمثل حدود البحث بما يلي:

الحدود الموضوعية: يركز البحث على إعادة تعريف الأدوار المهنية للمعلمين الفلسطينيين في المدارس الحكومية، وتوصيفهم لمرونتهم وهويتهم المهنية في ظل الأزمات بصفتهم فاعلين تربويين واجتماعيين.

الحدود البشرية: تتمثّل الحدود البشرية في المعلمين الفلسطينيين العاملين في المدارس الحكومية للمرحلة الأساسية.

الحدود المكانية: تتمثّل الحدود المكانية للبحث في المدارس الحكومية في محافظة نابلس.

الحدود الزمانية: تتمثّل الحدود الزمانية في الفصل الثاني للعام الدراسي 2025-2026.

ثانيًا: محددات البحث

1. انحصر تطبيق البحث في عينة قصدية قوامها (14) معلمًا ومعلمة من المدارس الحكومية في محافظة نابلس، على الرغم من تشابه واقع الحال في باقي المحافظات الفلسطينية، وذلك لكون باحثتين من الباحثات تعملان في مدارس المحافظة.

2. أُجريت بعض المقابلات وجاهيًا، بينما تم بعضها الآخر عبر منصة زوم (Zoom)، نظرًا لتعذر اللقاء الوجاهي مع بعض المعلمين إما بسبب حالات الإغلاق أو تعارض الوقت مع بعض الالتزامات، مما قيّد القدرة على قراءة لغة الجسد وتعابير الوجه للمعلمين. كما أن سوء جودة الاتصال أدى أحيانًا إلى تقطع سرد تجاربهم، مما تطلّب من الباحثات بذل جهد إضافي للحفاظ على استمرارية التواصل وبناء جو من الثقة أثناء المقابلات.

3. واجهت عملية جمع البيانات عائقًا تمثّل في عدم تعاون إحدى الإدارات المدرسية في إجراء المقابلات مع المعلمين، على الرغم من عدم تعارض ذلك مع القانون أو مع سير العملية التعليمية، مما تطلب من الباحثات إيجاد بديل للمعلمين الذين كان من المتوقع أن يشملهم البحث.

الإطار المفاهيمي للدراسة

هوية المعلم المهنية

تُعدّ الهوية المهنية للمعلم محورًا أساسيًّا في التعليم، وهي مهمة تنطوي على قدر من التحدي، لأنها عامل مهم في ضمان دافعية المعلم، والحفاظ على التزامه بمهنته، وتعزيز فلسفته التربوية (Derakhshan, 2022). وقد حازت هوية المعلم على اهتمام كبير في الدراسات الأكاديمية، وتُعدّ موضوعًا حديثًا نسبيًّا (Sani et al., 2022)، وتُعدّ هوية المعلم المهنية انعكاسًا لخصائص المتعلمين وسياق التدريس على مستوى الصف، والمدرسة، والمنطقة التعليمية، وكيف تؤثر هذه العوامل في طموحات المعلم وممارساته اليومية، وتُعتبر هوية المعلم المهنية خبرات متغيرة من الكينونة، والصيرورة، والانتماء كمعلمين، ويمكن فهمها على أنها متعددة، ومتطورة، ومُشكَّلة من خلال التفاعل، وليست سمات شخصية ثابتة أو مقاومة نسبيًّا (Skott, 2019).

تُعرَّف الهويةُ المهنية بأنها مفهومُ الفرد عن ذاته المهنية، وهو مفهوم يعتمد على عناصر مختلفة مثل الخبرة، والقناعات، والقيم، والدوافع، والخصائص الشخصية. وهي مسألة معقّدة ومتغيّرة وفردية، وعملية مستمرة تتشكّل من خلال التفاعل مع الآخرين (Motallebzadeh & Kazemi, 2018)، ويُعتقد أن الهوية تتعلق بتصوّر الإنسان لذاته، أي من يعتقد أنه هو، وكذلك بما يعتقده الآخرون عنه من تصوّرات وآراء (Jonker et al., 2018)، ويُعَدّ الالتزام مسألةً مهمةً مرتبطةً بهوية المعلّمين، إذ يشير إلى أن أي مستوى تعليمي يتمتّع بأهمية بالغة وقد حظي باهتمام كبير. وتتطلّب إدارةُ القسم الأكاديمي مستوى أعلى من الالتزام المهني لدى المعلّمين، والذي يُوصَف بأنه ارتباطٌ وانتماءٌ وتوافقٌ مع مكان العمل، إضافةً إلى تحمّل المسؤوليات لإنجاز المهام والواجبات (Zhang et al., 2021).

تُبنى هوية المعلم المهنية استنادًا إلى انخراط المعلمين في مهنتهم وطرق تعريفهم لأنفسهم فيما يتعلق بأدوارهم كمعلمي مدارس، وعلى الرغم من أن مصطلح “الهوية” يعكس الإسقاط الشخصي للمعلم داخل الصف والمدرسة، فإنه يتشكل أيضًا من خلال تأثر المعلمين بمجتمعهم، وشبكات تعلمهم، وتوجهاتهم الأكاديمية (Ulla et al., 2024). وتعد الهويةُ المهنية، بوصفها محور المسار التعليمي، أساسًا لتصوّر الذات، حيث يميّز كلُّ فرد شيئًا عن نفسه استنادًا إلى خبراته وأسبابه وقناعاته وقيمه (Derakhshan et al., 2020)، ويُجادَل بأنها مسألة متعددة الأبعاد تشمل عوامل فردية ومهنية وبيئية تؤثر في أسلوب المعلّمين داخل الصف وفي نجاحهم التدريسي (Hanna et al., 2020).

تشمل هوية المعلم المهنية مهنة التدريس نفسها، وكيف يتنقل المعلمون بين تعقيدات مهنتهم وأدوارهم في المجتمع، ومن هم كمعلمين (Zhu et al., 2022)، وبناءً على ذلك، فإن دراسة هوية المعلم المهنية تُعدّ مهمة لأنها تؤثر في فاعلية المعلمين واستعدادهم للتكيف مع التغيرات داخل الصف، كما أنها تؤثر في اتجاهات المعلمين، وكيفية توزيع جهودهم، وما إذا كانوا يسعون إلى فرص للنمو المهني، وتوجههم نحو تبنّي تصورات حول التعليم والتعلم تكون مقبولة في سياقهم وثقافتهم (Nickel & Crosby, 2022). ومن بين العوامل المرتبطة بخصائص المعلّمين، يبدو أن العوامل الذهنية، مثل الالتزام، والدافعية، والفعالية الذاتية تؤدي الدور الأكثر أهمية (Sani et al., 2022).

الأزمات وانعكاسها على دور المعلم

تُعرَّف حالة الطوارئ أو الأزمة بأنها اضطراب خطير في سير عمل مجتمع أو دولة، ينطوي على خسائر وتأثيرات بشرية أو مادية أو اقتصادية أو بيئية واسعة النطاق، تتجاوز قدرة المجتمع أو الدولة المتضررة على التعامل معها باستخدام مواردها الخاصة، وبالتالي تتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة. ويمكن أن تشير هذه المصطلحات إلى حالات بطيئة أو سريعة الظهور، في البيئات الريفية والحضرية، وكذلك إلى حالات الطوارئ السياسية المعقدة في جميع البلدان (INEE، بدون تاريخ)، ويتسم السياق العام في فلسطين بأزمات استثنائية متعاقبة ومستمرة مرتبطة بحالات الطوارئ، مثل الحروب والحصار الاقتصادي والأزمات المالية المتكررة، وعدم الاستقرار السياسي (Najjar & Hamdan, 2025)، وتتمثل الأزمات في سياق هذه الدراسة في الأزمات التنظيمية والاقتصادية والأمنية، والتي تؤثر على المعلم ودوره المهني.

وقد أظهرت دراسة المشيبين والورثان (2024)، والتي هدفت إلى الكشف عن واقع التعامل مع الأزمات المدرسية ومستوى الاحتراق المهني داخل البيئة المدرسية، أن التعامل مع الأزمات المدرسية داخل البيئة المدرسية يُمارس بدرجة عالية، في حين كان مستوى الاحتراق المهني منخفضًا، وأشارت النتائج إلى أن التعامل الفعّال مع الأزمات يسهم بدرجة كبيرة في خفض مستوى الاحتراق المهني.

الأزمات التنظيمية

إحدى الأزمات التنظيمية التي تؤثر على دور المعلم هي التعليم عن بُعد، وفي فلسطين يستخدم المعلمون التكنولوجيا الرقمية مثل وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، واتساب) و (Microsoft Teams) في التدريس، لدعم تقدم طلابهم ورفاههم، وللتغلب على التحديات اليومية (Traxler et al., 2019)، ويتطلّب التعليم عن بُعد من كلٍ من الطلبة والمعلمين التكيّف مع أساليب جديدة في التدريس والتعلّم، ما يبرز الحاجة إلى قدر أكبر من المرونة والتخصيص في التعليم (Gonzalez et al., 2023).

وقد أدى الانخراط في التدريس والتعلّم عن بُعد إلى إحداث تحوّلات في عمل المعلمين، بالإضافة إلى تغيّرات في الديناميكيات العاطفية لعمليتي التعليم والتعلّم، مما قد يؤثر على التجربة التعليمية بشكل عام (Hargreaves, 2021)، وتشير الدراسات إلى أنه حتى في ظل التحديات الكبيرة، يستطيع المعلم أن يتكيف وينفذ استراتيجيات التدريس التي خُطِّطت مسبقًا بفعالية (Flores et al., 2024)، وهذا ما ظهر في عدة دراسات منها دراسة أولا وآخرون (Ulla et al., 2024)، التي استندت إلى مفهوم الهوية المهنية للمعلم، والتي أظهرت أن الهوية المهنية للمعلم ديناميكية بطبيعتها، وأن التحول المفاجئ نحو التدريس عبر الإنترنت دفع المعلمين إلى التأمل في تجاربهم وإعادة بناء هوية مهنية تتلاءم مع بيئة التدريس عبر الإنترنت بوصفها بيئة جديدة.

وأظهرت دراسة ددلي (Dudley, 2025)، أن المعلمين استجابوا بعزيمة مع التعلم عن بعد، وتكيفوا مع أساليب التدريس، واستمدوا القوة من إيمانهم الشخصي، وأنظمة الدعم، والتزامهم العميق تجاه طلابهم، وظلت نظرتهم للعمل قائمة على الهدف والمعنى. كما أشار المشاركون إلى شعورهم برسالة مهنية، وشغفهم بالطلاب، وإيمانهم بتأثير التعليم كأسباب للاستمرار، بالرغم من الإرهاق ونقص الكوادر، وضعف مشاركة أولياء الأمور، واتساع فجوات التعلم. وأظهرت دراسة ريس-روخس وساليناس (Reyes-Rojas & Salinas, 2024) أيضًا أن المعلمين يظهرون القدرة على إعادة بناء الأبعاد المتأثرة عند مواجهة نقص في الموارد التربوية اللازمة للتعليم عن بعد في حالات الطوارئ، وبعد مواجهة أزمة غير مسبوقة بموارد محدودة، يصل المعلمون إلى تطبيع ممارساتهم من خلال اكتساب خبرة تقنية في سياق سيناريوهات جديدة للتعلم عن بعد.

ويتفق هذا مع دراسة (Ashton, 2022)، التي وجدت أن المعلمين يمارسون فاعليتهم بما يتماشى مع هوياتهم المهنية، وأن العوامل البنيوية الاجتماعية تلعب دورًا بارزًا في تشكيل هويات المعلمين وممارستهم للفاعلية، كما أن المعلمين يستخدمون فاعليتهم لتعظيم الفوائد، حيث يقومون بتقييم الحل المعتمد بوصفه استجابة مناسبة لمجموعة متعددة من الاهتمامات والأهداف. وهذا ما ظهر أيضًا في دراسة شعبان وآخرون (Chaaban et al., 2021)، التي وجدت أن الهوية المهنية للعديد من المعلمين بقيت سليمة وغير متغيرة عند التعليم عن بُعد، واستطاع المعلمون استعادة تماسكهم المهني والنفسي، وإدراك الأهداف والأدوار نفسها في سياق التعليم عبر الإنترنت، وعبّروا عن مشاعر الرضا والفخر بقدرتهم على مواصلة التدريس بطرق تتناسب جيدًا مع مخرجات تعلم المقرر. وأظهرت نتائج دراسة هورتا-لارا وسيرفانتس-نينو (Huerta-Lara & Cervantes- Niño, 2024)، التي بحثت آليات الدفاع التي اعتمدها المعلمون لمواجهة هشاشة ظروف عملهم على المستويين التنظيمي والاجتماعي خلال الأزمة التعليمية التي سببتها جائحة الكورونا، أنه كانت هناك هشاشة في ظروف العمل، وعدم استقرار وظيفي، ومع ذلك، فقد كانت الجائحة حدث إيجابي أسهم نمو المعلمين على الصعيدين الشخصي والمهني، من خلال إعادة تشكيل هويتهم ودورهم المهني.

وتظهر عدة تحديات عند تطبيق التعليم عن بُعد، منها الإرهاق العاطفي الذي يعاني منه المعلمون (Chan et al., 2021)، والمستويات المرتفعة من الضغط الذي يواجهونه، والذي يحد من قدرتهم على تقديم فرص تعلم إبداعية (Anderson et al., 2020)، وعدم شعورهم بالقدرة على التأثير (Heikkila & Mankki, 2021)، وقلقهم المتزايد بشأن رفاهية الطلبة، بما يتجاوز الأداء الأكاديمي (Robinson et al., 2023). وقد أظهرت دراسة (Fray et al., 2023)، أن الضغط للتكيف مع التعليم والتعلم عبر الإنترنت، في ظل ظروف صعبة، شكّل تحديًا لثقة المعلمين في قدراتهم التدريسية. وأظهرت دراسة بريسلي وها (Pressley & Ha, 2021)، أن متوسط درجات الكفاءة الذاتية للمعلمين في كل من التدريس والمشاركة كان أقل عند التعليم عن بعد مقارنة بنتائج دراسات سابقة. كما أشارت النتائج إلى أن المعلمين الذين يدرّسون افتراضيًا سجلوا أدنى درجات الكفاءة مقارنة بأولئك الذين يدرّسون بنظام هجين أو وجاهي بالكامل.

ويكمن تحدٍّ آخر للتعليم عن بُعد في طبيعة العلاقة بين المعلمين والطلبة وسبل التواصل بينهم؛ إذ تظهر صعوبات متزايدة في الحفاظ على تفاعلات داعمة مع الطلبة بسبب الضغط (Najjar & Hamdan, 2025)، وخوف المعلمين من عدم تفاعل الطلبة، خاصة مع اضطراب بيئات التعلم التقليدية، ما يضطرهم إلى ابتكار استراتيجيات جديدة لتحفيز الطلبة، ومساءلتهم عن تعلمهم، وتقديم الدعم لهم (Avalos et al., 2022; Di Pietro, 2023)، وهذا يتطلب من المعلمين البقاء على اتصال مع الطلبة طوال اليوم، وإدارة المسؤوليات الشخصية والعائلية، وامتلاك القدرة والوضوح والنية الواعية للتمكن من اتخاذ قرارات مستنيرة في بيئتهم (Reyes-Rojas & Salinas, 2024).

من الأزمات التنظيمية الأخرى التي تؤثر على دور المعلم تقليص أيام الدوام في المدارس الحكومية. فبعد اندلاع حرب السابع من أكتوبر (2023)، تم تقليص أيام الدوام المدرسي لثلاثة أيام أسبوعيًّا، ومنذ الثلث الأول من شهر تشرين الأول (2025)، بدأت العديد من المدارس في الضفة الغربية في تقليص الحصص الدراسية خلال الأيام التعليمية الثلاثة المقلصة أصلًا بقرار من الحكومة الفلسطينية واتحاد المعلمين بسبب الأزمة المالية التي تواجهها الحكومة الفلسطينية منذ ما يزيد عن خمس سنوات (الغافي وعرار، 2026).

ولقد قُلِّص الدوام في أماكن أخرى أيضًا مثل الولايات المتحدة التي قُلِّص فيها الدوام في عدة ولايات إلى أربعة أيام، لكن أسباب التقليص لم تكن الأزمات كما هو في السياق الفلسطيني، ولقد أظهرت دراسة كامب (Camp, 2024)، أن هذا النظام قد يساعد في الاحتفاظ بالمعلمين الذين كانوا سينتقلون إلى مدرسة أخرى، ولكن النتائج المتعلقة بالتغيرات في جودة المعلمين كانت غير حاسمة. أما دراسة بودين (Bowdoin, 2025)، فقد أظهرت أن تقليص الدوام ساعد في توظيف المعلمين والاحتفاظ بهم، وعزّز الروح المعنوية.

الأزمات الاقتصادية

تُعدّ الأزمة المالية تحدّيًا آخر من تحديات الأزمات والحروب. ففي فلسطين، يواجه قطاع التعليم تحديات معقدة وضخمة، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى عدم الاستقرار المالي الناتج عن الاحتلال الإسرائيلي. وتظهر الأزمة الاقتصادية في السياق الفلسطيني من خلال عدم انتظام رواتب المعلمين أو صرفها بشكل جزئي، وما يترتب على ذلك من ضغوط نفسية ومهنية تؤثر في دافعية المعلم وتركيزه وعلاقته بطلبته. فمنذ تشرين الثاني (2021)، يتلقى المعلمون رواتب مخفّضة، وهو ما تعزوه الحكومة إلى الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة وتراجع المساعدات الخارجية. ومنذ بداية عام (2022)، لا تزال فلسطين تشهد انخفاضًا في المنح والمساعدات المالية الخارجية المخصّصة لميزانيتها، وقد أدى ذلك إلى إضرابات متكررة واضطرابات في العملية التعليمية، وغالبًا ما تسببت إضرابات المعلمين الناتجة عن تأخر أو نقص دفع الرواتب في تعطيل استمرارية التعليم (Najjar & Hamdan, 2025).

ويؤثر التأخر في دفع رواتب المعلمين، أو عدم انتظامها، أو دفعها بشكل جزئي، بشكل مباشر وغير مباشر على جودة التعليم، وأداء المعلمين، وبيئة التعلم في المدارس. كما تؤثر هذه العوامل سلبًا على تركيز المعلمين وأدائهم الأكاديمي، وكذلك على العلاقة بينهم وبين طلابهم (Katete & Nyangarika, 2020). وتُعيق الرواتب غير المنتظمة بشكل كبير قدرة المعلمين على أداء واجباتهم بفعالية، إذ إن الضغوط المالية قد تُشتّت انتباههم وتمنعهم من التركيز على مسؤولياتهم التعليمية. كما أن أزمة الرواتب أثّرت بشدة على دافعية المعلمين ومديري المدارس، حيث تهيمن حالة عدم الاستقرار المالي على اهتماماتهم اليومية (Najjar & Hamdan, 2025). كما أن انخفاض الرواتب وعدم انتظامها بإمكانه أن يؤثر على كيفية النظر إلى مهنة التدريس، وأن تؤدي حالة عدم الاستقرار المالي إلى توتر العلاقات بين الأفراد في البيئات التعليمية وتعطيل أجواء الصف الدراسي (Alemu, 2024).

الأزمات الأمنية

من أهم الأزمات الأمنية التي تؤثر على سير التعليم وعلى المعلمين ودورهم المهني هي مخاطر التنقل والحركة والوصول بسبب اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه. ففي الضفة الغربية في الفترة من 1 كانون الثاني (2024) إلى 23 كانون الأول (2024)، تم اعتقال 390 طالبًا وطالبة و21 معلمًا، وجرح 103 طالب وطالبة، و3 معلمين، وتعطلت نشاطات الدوام المدرسي لـ 77 طالبًا و1259 معلمًا؛ لأن قوات الاحتلال أعاقت وصولهم في الوقت المناسب إلى مدارسهم أو منعتهم من الدخول إليها، وتم حجز 119 معلمًا وإداريًّا، وشملت الاعتداءات 80 مدرسة حيث تم حجز الطلبة داخل الصفوف في تلك المدارس من قبل قوات الاحتلال، وإجراءات التفتيش التعسفية، وإقامة حواجز على الطرق، وتعرض للضرب 18 طالبًا و8 معلمين، كما بلغ عدد الشهداء 84 طالبًا و3 معلمين، ولا تزال 60 مدرسة في جميع أنحاء المنطقة معرضة لخطر الهدم، وهي ممارسات تهدد المشهد التعليمي في الضفة الغربية (وزارة التربية والتعليم العالي، 2025).

منهجية الدراسة وإجراءاتها

منهج الدراسة

سعت الدراسة الحالية إلى استكشاف كيفية إعادة تعريف المعلمين في المدارس الحكومية لأدوارهم المهنية في ظل الأزمات في السياق الفلسطيني. وبناءً على طبيعة الموضوع، اعتمدت الدراسة المنهج النوعي، القائم على فهم الظواهر الاجتماعية والإنسانية (Creswell & Creswell, 2018). واستندت الدراسة إلى التوجه الظاهراتي وهو نوع من أنواع البحوث النوعية التي يتم فيها وصف لتجارب حية من أفراد اختبروا ظاهرة معينة(Giorgi, 2009).

المشاركون في الدراسة

اختير المشاركون بالطريقة القصدية، وفقًا لمعايير معينة وهي أن يكونوا من معلمي الصفوف الأساسية الدنيا في مدارس محافظة نابلس، ومن كلا الجنسين، ومن ذوي المؤهلات العلمية المختلفة، وقد حرصت الباحثات على اختيار المشاركين من تخصصات مختلفة، وبلغ عددهم أربعة عشر مشاركًا: إحدى عشرة معلمة وثلاثة معلمين. وقد تراوحت خبراتهم التعليمية بين خمس سنوات فأكثر، وقد اكتفت الباحثات بهذا العدد بعد أن بدأت الاستجابات تتكرر وظهرت أنماط متشابهة في السرديات، بما يشير إلى تحقق التشبع النوعي.

أداة الدراسة

استخدمت الباحثات المقابلات المتعمقة شبه المنظمة أداةً لجمع البيانات، وعُرضت أسئلة المقابلة في صورتها الأولية، وكان عددها سبعة أسئلة، على ثلاثة محكمين من ذوي الاختصاص في المجال التربوي لإبداء آرائهم حول ملاءمة الأسئلة لموضوع الدراسة وأهدافها، ووضوح صياغتها، وقدرتها على استثارة تجارب المشاركين. وبعد التحكيم، تم اختصار الأسئلة إلى أربعة أسئلة رئيسة منسجمة مع أسئلة الدراسة الثلاثة، وبذلك تم التحقق من صدق أداة المقابلة من خلال صدق المحكمين.

إجراءات جمع البيانات والاعتبارات الأخلاقية

قبل إجراء المقابلات، تم توضيح هدف الدراسة للمشاركين، والتأكيد على حرية المشاركة، وحق المشارك في الانسحاب متى شاء دون أي ضرر. كما تم توضيح أن البيانات ستستخدم لأغراض البحث العلمي فقط، وأن أسماء المشاركين لن تظهر في الدراسة، بل ستستخدم رموز عامة مثل: المعلمة (1)، المعلم (3)، حفاظًا على الخصوصية والسرية.

أُجريت المقابلات خلال شهر أبريل/نيسان من العام الدراسي 2025-2026 بصورة فردية. بدأت كل مقابلة بحديث ودي قصير بهدف بناء الثقة وتهيئة المشارك للحديث بحرية. ثم تم الانتقال تدريجيًا إلى أسئلة المقابلة، مع إتاحة الفرصة للمشارك للتوسع في الإجابة أو تقديم أمثلة من تجربته الصفية والمهنية. وقد أُجريت بعض المقابلات وجاهيًا، في حين أُجري بعضها الآخر عبر منصة زوم (Zoom) بسبب صعوبة اللقاء الوجاهي مع بعض المشاركين. وسُجلت المقابلات صوتيًا بعد أخذ موافقة المشاركين.

وقد طلب بعض المشاركين الاطلاع على الأسئلة مسبقًا، فتم تزويدهم بها قبل إجراء المقابلة، بما ساعدهم على تذكر تجاربهم وتنظيم أفكارهم دون التأثير في مضمون إجاباتهم أو توجيهها.

إجراءات تحليل البيانات النوعية

تم تحليل البيانات النوعية وفق نموذج مارشال وروسمان (Marshall & Rossman, 2016)، وذلك من خلال تنظيم البيانات وتفريغ المقابلات الصوتية نصيًا باستخدام برنامج (@transcriber_bot)، ثم مراجعة التفريغات من قبل الباحثات للتأكد من دقتها وملاءمتها لسياق المقابلات. وبعد ذلك، تم الانغماس في البيانات من خلال القراءة المتكررة والمتعمقة للنصوص، بهدف فهم خبرات المشاركين والسياق العام لاستجاباتهم.

وقد بدأت عملية الترميز يدويًا بقراءة نص كل مقابلة قراءة متأنية، ثم تمييز العبارات والجمل التي تحمل معنى مباشرًا مرتبطًا بأسئلة الدراسة، وبعد ذلك، تم تجميع الرموز المتقاربة في المعنى في فئات رئيسة، ومنها بُنيت المحاور الرئيسة التي عُرضت في النتائج. حيث تم بناء جدول ترميز (Coding Book) يساعد على تتبع العلاقة بين أسئلة الدراسة، والرموز، والفئات، والمحاور الرئيسة، والشواهد النصية من المقابلات مما سهل التوصل إلى نتائج الدراسة.

موثوقية التحليل

حرصت الباحثات على تعزيز موثوقية التحليل النوعي من خلال أكثر من إجراء. فقد تم الرجوع إلى نصوص المقابلات الأصلية عند بناء الرموز والمحاور، واستخدام شواهد مباشرة من أقوال المشاركين لتدعيم النتائج. كما تمت مراجعة الرموز أكثر من مرة للتأكد من أن المحاور لا تعكس رأي الباحثات، بل تستند إلى أنماط ظاهرة في البيانات نفسها.

ولتعزيز الاتساق بين المحللات، قامت باحثتان بتحليل ثلاث مقابلات بصورة مستقلة، ثم جرت مقارنة قرارات الترميز بينهما. وبعد ذلك استُخدمت معادلة هولستي للتحقق من درجة التوافق بين المحللتين، وفق الصيغة الآتية: معامل الثبات = 2M ÷ (N1 + N2)، حيث تمثل M عدد نقاط الاتفاق بين المحللتين، ويمثل N1 عدد قرارات المحللة الأولى، وN2 عدد قرارات المحللة الثانية. وبناءً على البيانات المتاحة، بلغ عدد قرارات المحللة الأولى 60 قرارًا، وقرارات المحللة الثانية 58 قرارًا، وكانت نقاط الاتفاق 54 نقطة، وبذلك يكون معامل التوافق: 2 × 54 ÷ (60 + 58) = 0.915، أي ما يقارب 92%. وتشير هذه النتيجة إلى مستوى عالٍ من الاتساق في إجراءات الترميز.

نتائج الدراسة والمناقشة

أظهر التحليل أن الأزمات لم تؤثر في ظروف العمل التعليمي فحسب، بل انعكست أيضًا على تصوّر المعلمين لذواتهم المهنية، وعلى ترتيبهم لقيمهم وأولوياتهم داخل الصف، وعلى طبيعة الأدوار التي أصبحوا يمارسونها مع الطلبة وأسرهم. وبناءً على ذلك، نُظّمت النتائج في ضوء أسئلة الدراسة ضمن ثلاثة محاور رئيسة: تصوّر المعلمين لهويتهم المهنية في ظل الأزمات، والمعاني والقيم التي تشكلت لديهم من خلال التجربة الصفية، وتجاربهم في إعادة تشكيل أدوارهم المهنية.

النتائج المتعلقة بالسؤال الأول

ينص السؤال الأول على: ما التصورات الذاتية التي يحملها المعلمون الفلسطينيون في المدارس الحكومية عن هويتهم المهنية في ظل الأزمات؟

أظهرت المقابلات أن المعلمين لم يعودوا يعرّفون أنفسهم في ظل الأزمات بوصفهم ناقلين للمعرفة فقط، بل بوصفهم أصحاب رسالة تربوية وإنسانية تتسع لتشمل الدعم النفسي والاجتماعي، واحتواء الطلبة، وتحمل مسؤولية استمرار التعلم رغم صعوبة الظروف. فقد برز في سرديات المشاركين أن المعلم أصبح مطالبًا بأن يكون قريبًا من الطالب نفسيًا واجتماعيًا، وأن يراعي خوفه، وقلقه، وظروف أسرته، إضافة إلى مسؤوليته التعليمية المعتادة. وقد عبّرت المعلمة (1) عن هذا التحول بقولها: “كان يقتصر دور المعلم على الدور التقليدي بينما أصبح دور المعلم الان هو دور المرشد النفسي والمكمل ايضا لدور الاب والام تنمية الجانب الاسري ايضا في هذه الظروف.”

يكشف هذا الشاهد أن صورة المعلم عن ذاته لم تعد محصورة في أداء الحصة الدراسية أو إنهاء المنهاج، بل أصبحت مرتبطة بعلاقة أوسع مع الطالب وأسرته وواقعه الاجتماعي. فالمعلم هنا يرى نفسه جزءًا من منظومة دعم تربوية وإنسانية، لا مجرد منفذ لمحتوى تعليمي. وقد ظهر المعنى نفسه في حديث مشاركين آخرين أشاروا إلى أن دورهم أصبح يتضمن التوجيه، والمساندة النفسية، وتحمل مسؤولية أكبر تجاه الطلبة. وترجح الباحثات أن التغيير في دور المعلم ليشمل دور الداعم والمرشد النفسي والاجتماعي، يمكن أن يعزى لكون المعلم الفلسطيني خبير في الأزمات منذ عهد طويل، ربما منذ أن كان طالبًا بنفسه، وأيضًا لأن للمعلم الفلسطيني غالبًا أولادًا يعايشون الأزمات ويمرون بصعوبات، فهذا يشجع المعلمين أن يدعموا طلابهم ويقوموا بأكثر من التعليم، فالمعلم الفلسطيني يشعر مع طلابه لأنه جزء منهم.

كما أظهرت المقابلات أن هذه الهوية الجديدة لا تتشكل في ظروف سهلة، بل في ظل ضغوط مهنية ونفسية واقتصادية واضحة. فقد حاول المعلمون الحفاظ على رسالتهم التعليمية رغم تقليص الدوام، وصعوبة انتظام التعليم، وأزمة الرواتب، وتزايد احتياجات الطلبة النفسية. وتوضح المعلمة (5) هذا المعنى بقولها: “أنا في بيئة مليئة بالتحديات… لكن دائماً بسعى أوفر أفضل أداء… ببذل جهد إني أحافظ على استمرارية التعلم مهما كانت التحديات.”

تدل هذه النتائج على أن هوية المعلم المهنية في ظل الأزمات أصبحت هوية مركبة، تجمع بين الالتزام التعليمي، والدور الإنساني، والقدرة على التكيف. وهي نتيجة تنسجم مع ما أشار إليه الإطار المفاهيمي من أن هوية المعلم المهنية ليست ثابتة، بل تتأثر بالسياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. كما تتفق مع دراسة أولا واخرون (Ulla et al., 2024)، التي بينت أن التحولات المفاجئة في بيئة التعليم تدفع المعلمين إلى إعادة بناء هويتهم المهنية، ومع دراسة شعبان واخرون (Chaaban et al., 2021)، التي أظهرت أن بعض المعلمين استطاعوا الحفاظ على تماسكهم المهني واستعادة قدرتهم على الفعل رغم الاضطراب الذي فرضته الأزمة.

كما أظهرت النتائج أن مرونة المعلم لا تعني غياب المعاناة. فقد أبدى المشاركون قدرة واضحة على التكيف، لكن هذا التكيف كان مصحوبًا بتعب نفسي ومهني، خاصة في ظل أزمة الرواتب، وتقليص الدوام، وكثرة المسؤوليات، وصعوبة الحفاظ على تفاعل الطلبة. وهذا يتفق مع دراسة فراي (Fray, 2024)، التي بينت أن الضغط الناتج عن التكيف مع التعليم عبر الإنترنت أثر في ثقة المعلمين بقدراتهم، ومع دراسة بريسلي وها (Pressley & Ha, 2021)، التي أشارت إلى تراجع الكفاءة الذاتية لدى المعلمين في ظل متطلبات التدريس الجديدة. وتعزو الباحثات هذه المعاناة الى طبيعة الانسان الذي يحتاج الى حوافز لكي يستطيع أن ينجز مهامه، لكن غياب الحوافز، متمثلًا بنقص الرواتب، يمكن أن يؤدي الى المعاناة والتعب النفسي وعدم الرضا المهني، برغم المجهود الجبار والعطاء الذي يبذله المعلمون.

النتائج المتعلقة بالسؤال الثاني

ينص السؤال الثاني على: ما المعاني والقيم التي يشكّلها المعلمون الفلسطينيون من خلال تجاربهم الحية في الغرف الصفية في ظل الأزمات؟

كشفت المقابلات أن الأزمات أعادت ترتيب القيم المهنية والإنسانية لدى المعلمين. فقد ظهر بوضوح أن الاهتمام بالطالب وحالته النفسية أصبح سابقًا على إنهاء المنهاج، أو على الأقل شرطًا أساسيًا لحدوث التعلم. لم ينظر المعلمون إلى المنهاج باعتباره أمرًا منفصلًا عن واقع الطالب، بل رأوا أن الطالب الذي يعيش الخوف، أو الانقطاع، أو الضغط الأسري والاقتصادي، يحتاج أولًا إلى الاحتواء والدعم حتى يكون قادرًا على التعلم.

وقد لخّص المعلم (3) هذا التحول بقوله: “صار الهدف الأهم دعم الطالب نفسيًا قبل إنهاء المادة.” يبين هذا الشاهد أن الأزمة غيّرت معنى النجاح المهني لدى المعلم. فلم يعد النجاح مرتبطًا فقط بإنجاز المحتوى التعليمي، بل بقدرة المعلم على الموازنة بين متطلبات المنهاج وحاجات الطالب النفسية والإنسانية. وهذا لا يعني التقليل من أهمية التحصيل الدراسي، وإنما يعني أن التحصيل أصبح يُفهم في ضوء ظروف الطالب وقدرته على التفاعل والتعلم في بيئة غير مستقرة. وتعزو الباحثات هذه النتيجة لكون المعلمين الفلسطينيين يعون أهمية نفسية الطالب وعلاقتها بنجاحه. فالطالب القلق المتوتر لن يستطيع التركيز والنجاح، وبما أن التركيز يحتاج الى نفسية جيدة، فيصب المعلم اهتمامه على الطالب أولًا قبل المنهاج.

كما أظهرت السرديات أن الأزمات عززت قيمًا مهنية وإنسانية مثل الصبر، وتحمل المسؤولية، والتعاطف، والمرونة، والإخلاص المهني. وقد عبّرت المعلمة (10) عن هذا البعد بقولها: “المعلم أصبح سندًا إنسانيًا وتربويًا في الأوقات الصعبة.” وتكشف هذه العبارة أن القيمة الإنسانية لم تكن إضافة هامشية إلى دور المعلم، بل أصبحت جزءًا من جوهره في وقت الأزمة. فالمعلم أصبح في نظر المشاركين مصدرًا نسبيًا للأمان والاستقرار داخل الصف، خاصة عندما تكون الظروف الخارجية ضاغطة ومربكة.

ومع ذلك، لم تكن هذه القيم بعيدة عن التوتر. فقد أشار بعض المعلمين إلى صراع بين واجبهم المهني والإنساني من جهة، وحقهم في الاستقرار المادي والتقدير المهني من جهة أخرى. وقد أوضحت المعلمة (4) هذا المعنى من خلال حديثها عن: “الشعور بالمعاناة والجهد المضاعف الذي لا يقابله تقدير كافٍ.” تدل هذه النتيجة على أن إعادة تشكيل القيم في ظل الأزمات ليست عملية مثالية أو سهلة، بل تحدث داخل واقع مليء بالضغط والإنهاك. فالمعلم يحاول أن يبقى ملتزمًا برسالته، لكنه في الوقت نفسه يتأثر بظروف العمل وضعف الدعم المادي والمعنوي.

وتتفق هذه النتائج مع دراسة ريس-روخس وساليناس (Reyes-Rojas & Salinas, 2024)، التي أشارت إلى أن المعلمين في حالات الطوارئ يعيدون بناء ممارساتهم وفق الموارد المتاحة وحالة عدم اليقين. كما تنسجم مع دراسة ددلي (Dudley, 2025)، التي بينت أن صمود المعلمين يرتبط بإحساسهم بالهدف والمعنى، رغم ما يواجهونه من إرهاق وضغوط. وترى الباحثات أن هذه النتيجة قد تأخد بعدًا خاصًا في السياق الفلسطيني، لأن الأزمة ليست حدثًا طارئًا واحدًا، بل أزمات متراكبة تشمل الضغوط الأمنية والاقتصادية والتنظيمية، الا أن استمرارية المعلم في العطاء والصبر تعكس ايمانًا عميقًا برسالته الأخلاقية النابعة من قيم الصمود والتحدي والدفاع عن الهوية الوطنية.

النتائج المتعلقة بالسؤال الثالث

ينص السؤال الثالث على: كيف يصف المعلمون الفلسطينيون تجاربهم المهنية في إعادة تشكيل أدوارهم في ظل الأزمات؟

أظهرت المقابلات أن إعادة تشكيل الدور المهني للمعلم في ظل الأزمات لم تظهر بوصفها فكرة نظرية مجردة، بل تجسدت في ممارسات يومية واضحة داخل الصف وخارجه. فقد وصف المشاركون تجاربهم المهنية من خلال أربعة محاور رئيسة، هي: الدعم النفسي والاجتماعي، تكييف التعليم، الشراكة مع الأسرة، وتوظيف البدائل الرقمية. وتكشف هذه المحاور أن دور المعلم في السياق الفلسطيني لم يعد مقتصرًا على تنفيذ الحصة الدراسية أو نقل المحتوى، بل أصبح أكثر اتساعًا ومرونة، بما يتناسب مع طبيعة الأزمات المتراكبة التي تؤثر في الطلبة والمعلمين والعملية التعليمية.

في محور الدعم النفسي والاجتماعي، بيّنت المقابلات أن المعلم أصبح يؤدي دورًا قريبًا من دور المرشد والمساند اليومي للطلبة، خاصة في ظل ما يواجهونه من خوف وقلق وتشتت وعدم انتظام في التعليم. فقد عبّرت المعلمة (12) عن هذا التحول بقولها: “صرت أحس حالي مرشدة نفسية وداعمة للطلاب أكثر من كوني معلمة فقط.” ويكشف هذا الشاهد أن الأزمة وسّعت حدود الدور المهني للمعلم، إذ لم يعد يتعامل مع الطالب بوصفه متلقيًا للمعلومات فقط، بل بوصفه إنسانًا يعيش ظروفًا نفسية واجتماعية ضاغطة تحتاج إلى تفهم واحتواء وطمأنة. لذلك ظهر الدعم النفسي والاجتماعي في سرديات المشاركين كجزء أساسي من إعادة تشكيل دور المعلم، وليس كدور إضافي عابر. وترجح الباحثات هذه النتيجة لإيمان المعلم بضرورة خلق بيئة امنة يشعر فيها الطالب بالهدوء والاستقرار كركيزة أساسية للتعلم، خاصة أن الطالب لا يمكن أن يستوعب المعرفة، دون أن يشعر بالأمان.

أما في محور تكييف التعليم، فقد أشار المعلمون إلى أنهم اضطروا إلى تعديل خططهم وأساليبهم التعليمية بما يتلاءم مع ظروف الأزمة، مثل تقليص الدوام، وضعف انتظام العملية التعليمية، وتفاوت قدرة الطلبة على المتابعة. وقد قالت المعلمة (1): “عدلت الخطط لتصبح أكثر مرونة حسب الظروف.” وتدل هذه العبارة على أن تكييف التعليم لم يكن مجرد تخفيف عشوائي للمحتوى، بل ممارسة مهنية واعية تقوم على إعادة ترتيب الأولويات، واختيار المفاهيم الأساسية، وتنظيم الوقت المتاح، والبحث عن طرق تدريس أكثر ملاءمة لواقع الطلبة. وبذلك أصبحت المرونة في التخطيط والتنفيذ إحدى الصور العملية التي وصف بها المعلمون إعادة تشكيل أدوارهم المهنية في ظل الأزمات. ويمكن أن تعزى هذه النتائج الى كون الأزمات قد أكسبت المعلم الفلسطيني القدرة على التكيف مع الظروف القاهرة وابتكار طرق إبداعية بديلة، واستراتيجيات تخطيط مرنة في تدريس المحتوى التعليمي، بحيث يولي الاهتمام لجوهر المعرفة بدلًا من الكم مما يضمن التوازن بين متطلبات التعليم وواقع الأزمات.

وفي محور الشراكة مع الأسرة، كشفت السرديات أن التواصل مع أولياء الأمور أصبح أكثر حضورًا من السابق، خاصة في ظل تقليص أيام الدوام أو الانتقال أحيانًا إلى التعليم عن بعد أو ضعف المتابعة الصفية المنتظمة. وقد أوضحت المعلمة (1) ذلك بقولها: “صار التواصل مع أولياء الأمور بشكل أكبر لمتابعة الطلبة”، كما أشارت إلى أن دورها أصبح “مكمل لدور الأب والأم.” وتدل هذه النتيجة على أن دور المعلم امتد خارج حدود الصف، وأصبح أكثر ارتباطًا بالبيت والأسرة، لأن استمرار تعلم الطالب في وقت الأزمة لم يعد يعتمد على المدرسة وحدها. فقد أصبحت الأسرة شريكًا ضروريًا في متابعة الطلبة، وتعويض بعض جوانب الانقطاع، ودعم استمرارية التعلم في ظروف غير مستقرة.

أما في محور توظيف البدائل الرقمية، فقد بيّنت المقابلات أن بعض المعلمين لجؤوا إلى التكنولوجيا ووسائل التواصل والمنصات الرقمية بوصفها وسائل بديلة للحفاظ على التواصل مع الطلبة وتسهيل وصول المادة التعليمية. فقد قالت المعلمة (9): “استخدمنا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي حتى نوصل المعلومة.” كما أشارت المعلمة (11) إلى أنها أنشأت قناة على اليوتيوب لدعم الطالبات. وتوضح هذه الشواهد أن البدائل الرقمية لم تظهر في تجربة المعلمين بوصفها جانبًا تقنيًا فقط، بل بوصفها استجابة عملية لتعطل الظروف الطبيعية للتعليم. ومع ذلك، فإن توظيف هذه البدائل بقي مرتبطًا بقدرة الطلبة على الوصول إليها، وتوفر الإمكانات، ومستوى التفاعل، مما يعني أنها كانت وسيلة مساندة لاستمرار التعليم، لا حلًا كاملًا لجميع تحديات الأزمة. وتري الباحثات أن لجوء المعلم الفلسطيني لاستخدام التكنولوجيا كان وسيلة لإيصال المعلومات واستدامة العطاء، ما يعكس صبره ومثابرته ومرونته في التخطيط.

وتتفق هذه النتائج مع دراسة نجار وحمدان (Najjar & Hamdan, 2025)، التي أوضحت أن الأزمات في السياق الفلسطيني تؤثر في أداء المعلم وديناميكيات الصف وعلاقته بالطلبة. غير أن نتائج الدراسة الحالية تضيف أن المعلمين لا يكتفون بالتأثر بالأزمة، بل يحاولون تحويلها إلى ممارسات مهنية تعويضية تظهر في الدعم النفسي والاجتماعي، وتكييف التعليم، وتعزيز الشراكة مع الأسرة، وتوظيف البدائل الرقمية. كما تتقاطع هذه النتائج مع دراسة هورتا-لارا وسيرفانتس-نينو (Huerta-Lara & Cervantes- Niño, 2024)، التي بيّنت أن الأزمة رغم ما تسببه من معاناة قد تدفع بعض المعلمين إلى نمو مهني وشخصي وإعادة تشكيل الدور المهني.

وبالمقارنة مع الدراسات السابقة، تتفق الدراسة الحالية مع الأدبيات التي ترى أن الأزمات تدفع المعلمين إلى إعادة بناء هويتهم المهنية وممارساتهم، كما في دراسات أولا واخرون (Ulla et al., 2024)، وشعبان واخرون (Chaaban et al., 2021)، وريس-روخس وساليناس (Reyes-Rojas & Salinas, 2024). لكنها تختلف عنها في خصوصية السياق الفلسطيني، حيث لا ترتبط الأزمة بحدث صحي مؤقت فقط، بل بسلسلة أزمات ممتدة تشمل الاحتلال، والضغوط الأمنية، وتقليص الدوام، والأزمة الاقتصادية، وتذبذب أنماط التعليم. لذلك فإن إعادة تعريف/تشكيل الدور المهني للمعلم الفلسطيني تبدو استجابة مستمرة لواقع تعليمي غير مستقر، لا مجرد تغير عابر في أساليب التدريس.

الاستنتاجات

أظهرت الدراسة أن هوية المعلم الفلسطيني في المدارس الحكومية تتشكل في ظل الأزمات بوصفها هوية مركبة، تجمع بين الدور التعليمي والدور الإنساني والاجتماعي. فالمعلم لا يرى نفسه ناقلًا للمحتوى فقط، بل مسؤولًا عن مساندة الطالب نفسيًا وتربويًا واجتماعيًا. كما كشفت الدراسة أن إعادة تعريف الدور المهني لا تحدث بصورة نظرية مجردة، بل تظهر من خلال ممارسات يومية، مثل تعديل الخطة، وتبسيط المحتوى، وطمأنة الطلبة، والتواصل مع أسرهم، وتوظيف الوسائل المتاحة لاستمرار التعليم.

وبيّنت النتائج أن الأزمات أعادت ترتيب أولويات المعلمين، حيث تقدمت حاجات الطالب النفسية والإنسانية على الالتزام الصارم بإنهاء المادة الدراسية، دون أن يعني ذلك التخلي عن الهدف التعليمي. كما أصبحت المرونة قيمة ومهارة مهنية أساسية، لكنها مرونة مكلفة ترافقها ضغوط نفسية ومهنية واقتصادية تحتاج إلى اعتراف ودعم مؤسسي.

وبناءً على ذلك، خلصت الدراسة إلى أن دور المعلم الفلسطيني في الأزمات يتجاوز الوصف الوظيفي التقليدي، ويتحول إلى ممارسة تربوية إنسانية قائمة على الصمود، والابتكار، والمسؤولية الأخلاقية تجاه الطلبة.

التوصيات

في ضوء النتائج السابقة، توصي الدراسة بما يأتي:

1. أن تقدم وزارة التربية والتعليم برامج لتمكين المعلمين نفسيًا ومهنيًا للتعامل مع الأزمات.

2. تحديد أولويات واضحة في المنهاج خلال الأزمات، مثل التركيز على المفاهيم الأساسية والمهارات الضرورية.

3. توثيق خبرات المعلمين ممن أظهرت تجاربهم المهنية مهارة ومرونة في التعامل مع الأزمات ضمن أدلة إجرائية، والاستفادة منها في تصميم برامج التدريب والتطوير المهني للمعلمين.

مقترحات لدراسات مستقبلية

1. دراسة احتياجات المعلمين النفسية والمهنية في ظل الأزمات الاقتصادية والأمنية في فلسطين.

2. دراسة أثر تقليص الدوام المدرسي على طرق تكييف المنهاج في المرحلة الأساسية.

المراجع العربية

أبو الهيجا، مها محمد. (2025). التعليم العالي في قطاع غزة: تحديات الحرب وتحديات ما بعدها. مجلة جامعة الاستقلال للأبحاث، 10(1)، 211–230. https://doi.org/10.36554/1796-010-001-010

Abu Al-Hija, M. M. (2025). Higher education in the Gaza Strip: Challenges of war and post-war challenges. Al-Istiqlal University Research Journal, 10(1), 211–230. https://doi.org/10.36554/1796-010-001-010

العاروري، سوسن عبد الجليل. (2024). واقع التعليم المدرسي في قطاع غزة ومجالات الدعم اللازمة أثناء الحرب وبعدها لاستعادة التعليم من وجهة نظر مديري التربية والتعليم في الضفة الغربية. مجلة رابطة التربويين الفلسطينيين للآداب والدراسات التربوية والنفسية، 6(14)، 84–100. https://doi.org/10.69867/PEAJ0167

Al-Arouri, S. A. (2024). The reality of school education in the Gaza Strip and the areas of support required during and after the war to restore education from the perspectives of directors of education in the West Bank. Journal of the Palestinian Educators Association for Literature and Educational and Psychological Studies, 6(14), 84–100. https://doi.org/10.69867/PEAJ0167

الغافي، عايد خليل، وعرار، رشيد محمد. (2026). انعكاسات تقليص الأيام التعليمية على دافعية طلبة المرحلة الثانوية في المدارس الحكومية بمحافظة بيت لحم. مجلة رابطة التربويين الفلسطينيين للآداب والدراسات التربوية والنفسية، 11(19)، 116–134.

Al-Ghafi, A. K., & Arar, R. M. (2026). The repercussions of reducing instructional days on the motivation of public secondary school students in Bethlehem Governorate. Journal of the Palestinian Educators Association for Literature and Educational and Psychological Studies, 11(19), 116–134.

المركز العربي للبحوث التربوية لدول الخليج. (2023). التعليم في أثناء الأزمات. المركز العربي للبحوث التربوية لدول الخليج. https://books.google.ps/books?id=cWHZEAAAQBAJ&pg=PA9

Arab Bureau of Education for the Gulf States. (2023). Education during crises. Arab Bureau of Education for the Gulf States.

https://books.google.ps/books?id=cWHZEAAAQBAJ&pg=PA9

المشيبين، فواز خشمان خلف، والورثان، طارق. (2024). واقع التعامل مع الأزمات المدرسية وعلاقته بالاحتراق المهني لدى معلمي المدارس الحكومية في محافظة عفيف: دراسة ميدانية. مجلة كلية التربية، جامعة أسيوط، 40(1)، 97–139.

Al-Mushaybeen, F. K. K., & Al-Warthan, T. (2024). The reality of managing school crises and its relationship with professional burnout among public-school teachers in Afif Governorate: A field study. Journal of the Faculty of Education, Assiut University, 40(1), 97–139.

وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية. (2024). استراتيجية تطوير التعليم في فلسطين 2025–2027. رام الله، فلسطين: وزارة التربية والتعليم العالي.

Palestinian Ministry of Education and Higher Education. (2024). Education development strategy in Palestine, 2025–2027. Ramallah, Palestine: Ministry of Education and Higher Education.

المراجع الانجليزية

Aldahdouh, T. Z., Al‑Masri, N., Abou‑Dagga, S., & AlDahdouh, A. (2024). Development of

online teaching expertise in fragile and conflict‑affected contexts. Frontiers in Education, 8. https://doi.org/10.3389/feduc.2023.1242285

Alemu, A. (2024). Challenges and prospects: Understanding teachers’ attitudes towards the

teaching profession in Ethiopia. Social Sciences & Humanities Open, 10(3).

https://doi. org/10.1016/J.SSAHO.2024.100933

Anderson, R., Bousselot, T., Katz-Buoincontro, J., & Todd, J. (2020). Generating buoyancy in a sea of uncertainty: Teachers’ creativity and well-being during the COVID-19 pandemic. Frontiers in Psychology, 11, 614774. https://doi. org/10.3389/fpsyg.2020.614774

Ashton, K. (2022). Language teacher agency in emergency online teaching. System, 105. https://doi.org/10.1016/j.system.2021.102713

Avalos, B., Flores, M. A., & Araneda, S. (2022). Battling to keep education going: Chilean and Portuguese teacher experiences in COVID-19 times. Teachers and Teaching, 28(2), 131–148. https://doi.org/10.1080/13540602.2021. 2012758

Bowdoin, G. (2025). The 4-day school week: Impacts on rural Texas school districts (Electronic theses and dissertations, 979). Digital Commons @ Abilene Christian University. https://digitalcommons.acu.edu/etd/979

Camp, A. (2024). Teacher retention and quality in the four-day school week. (EDRE Working Paper). University of Arkansas.

Chaaban, Y., Al-Thani, H., Du, X. (2021). A narrative inquiry of teacher educators’ professional agency, identity renegotiations, and emotional responses amid educational disruption. Teaching and Teacher Education, 108. https://doi.org/10.1016/j.tate.2021.103522

Chan, M.-k, Sharkey, J. D., Lawrie, S. I., Arch, D. A. N., & Nylund-Gibson, K. (2021). Elementary school teacher well-being and supportive measures amid COVID-19: An exploratory study. School Psychology, 36(6), 533 545. https://doi.org/10.1037/spq0000441

CreswellJ. W., & Creswell, J. D. (2018). Research design: Qualitative, quantitative, and mixed methods approaches. SAGE Publications.

Derakhshan, A. (2022). Positive psychology in second and foreign language education. ELT Journal, 76(2), 304–306. https://doi.org/10.1093/elt/ccac002

Derakhshan, A., Coombe, C., Arabmofrad, A., & Taghizadeh, M. (2020). Investigating the effects of English language teachers’ professional identity and autonomy in their success. Issues in Language Teaching, 9(1), 1-28. doi: 10.22054/ilt2020. 52263.496.

Di Pietro, G. (2023). The impact of Covid-19 on student achievement: Evidence from a recent meta-analysis. Educational Research Review, 39, 100530. https://doi.org/10.1016/j.edurev.2023.100530

Dudley, Y. (2025). Seeing resilience through experience: Teachers’ resilience experiences post COVID-19 pandemic [Doctoral dissertation, Liberty University]. Liberty University Research Archive.

El‑Khodary, B., & Aboudagga, S. (2025). The impact of Gaza war: Online educational challenges and mental health of university students. Middle East Current Psychiatry, 32 (48(. https://doi.org/10.1186/s43045‑025‑00542‑w

Flores, M. A., Barros, A., Simao, A. M., Pereira, D., Gago, M., Fernandes, E. L., Ferreira, P., & Costa, L. (2024). Remote teaching in times of COVID-19: Teachers’ adaptation and pupil level of participation. Technology, Pedagogy and Education, 33(1), 57–72. https://doi.org/10.1080/1475939X.2023.2270491

Fray, L., Jaremus, F., Gore, J., Miller, A., & Harris, J. (2023). Under pressure and overlooked: the impact of COVID-19 on teachers in NSW public schools. The Australian Educational Researcher, 50(3), 701–727. https://doi.org/10.1007/s13384-022-00518-3

Giorgi, A. (2009). The descriptive phenomenological method in psychology: A modified Husserlian approach. Duquesne University Press.

Gonzalez, C., Ponce, D., & Fernandez, V. (2023). Teachers’ experiences of teaching online during COVID-19: Implications for postpandemic professional development. Educational Technology Research and Development,71(1), 55–78. https://doi.org/10.1007/s11423-023-10200-9

Hargreaves, A. (2021). What the COVID-19 pandemic has taught us about teachers and teaching. FACETS, 6, 1835-1863. https://doi.org/10.1139/facets-2021-0084

Hanna, F., Oostdam, R., Severiens, S. E., & Zijlstra, B. J. (2020). Assessing the professional identity of primary student teachers: design and validation of the teacher identity measurement scale. Studies in Educational Evaluation, 64(3). doi: 10.1016/ j.stueduc.2019.100822

Heikkila, M., & Mankki, V. (2023). Teachers’ agency during the Covid-19 lockdown: A new materialist perspective. Pedagogy, Culture & Society, 31(5), 989–1004. https://doi.org/10.1080/14681366.2021.1984285

Huerta-Lara, N. T., & Cervantes-Niño, J. J. (2024). Experiences of teaching work in primary education in Mexico 2022: Perspectives during the educational crisis caused by the COVID-19 pandemic. REXE, 23(52), 43-59. https://doi.org/10.21703/rexe.v23i52.2255

INEE (n.d.). Education in Emergencies Toolkit. https://inee.org/eie-toolkit

Jayusi, W. (2025). “But there is no other way”: Resilience strategies of Palestinian-Israeli teachers in Jewish schools post-October 7th events. Teaching and Teacher Education, 156, 105022. https://doi.org/10.1016/j.tate.2025.105022

Jonker, H., März, V., & Voogt, J. (2018). Teacher educators’ professional identity under construction: the transition from teaching face-to-face to a blended curriculum. Teaching and Teacher Education, 71(1), 120-133. doi: 10.1016/j.tate.2017.12.016

Katete, S., & Nyangarika, A. (2020). Effects of late and non-payment of teachers’ salaries and benefits on learning process in public secondary schools. Internation Journal of Advance Research and Innovative Ideas in Education, 6(4), 1274-1290.

Marshall, C., & Rossman, G. B. (2016). Designing qualitative research. Sage Publications.

Motallebzadeh, K., & Kazemi, B. (2018). The relationship between EFL teachers’ professional identity and their self-esteem. Cogent Education5(1). https://doi.org/10.1080/2331186X.2018.1443374

Najjar, E.& Hamdan, H. (2025). Teacher compensation in crisis contexts: Challenges in the occupied Palestinian territories. Education International. https://www.ei-ie.org/en/item/29818:teacher-compensation-in-crisis-contexts-challenges-in-the-occupied-palestinian-territories

Nickel, J., & Crosby, S. (2022). Professional identity values and tensions for early career teachers. Teaching Education, 33 (3), 317–331. https://doi.org/10.1080/10476210.2021.1895107

Pressley, T., & Ha, C. (2021). Teaching during a Pandemic: United States Teachers’ Self-Efficacy During COVID-19. Teaching and Teacher Education, 106. https://doi.org/10.1016/j.tate.2021.103465

Reyes-Rojas, J., & Salinas, Á. (2024). Crisis times and school education: Is teacher agency changing? Education Inquiry. https://doi.org/10.1080/20004508.2024.2417531

Robinson, L. E., Valido, A., Drescher, A., Woolweaver, A. B., Espelage, D. L., LoMurray, S., Long, A. C. J., Wright, A. A., & Dailey, M. M. (2023). Teachers, stress, and the COVID-19 pandemic: A qualitative analysis. School Mental Health, 15(1), 78–89. https://doi.org/10.1007/s12310-022-09533-2

Salha, S., Tlili, A., Shehata, B., Zhang, X., Endris, A., Arar, K., Mishra, S., & Jemni, M. (2024). How to maintain education during wars? An integrative approach to ensure the right to education. Open Praxis, 16(2), 160–179. https://doi.org/10.55982/openpraxis.16.2.668

Sani, S. F., S., Motallebzadeh, K., Khodabakhshzadeh, H., & Zeraatpisheh, M. (2022). On the Iranian English as foreign language novice and experienced teachers’ attributional styles and professional identity. Frontiers in Psychology, 12. doi: 10.3389/fpsyg.2021.823815

Skott, J. (2019). Changing experiences of being, becoming, and belonging: teachers’ professional identity revisited. ZDM Mathematics Education, 51, 469–480. https://doi.org/10.1007/s11858-018-1008-3

Traxler, J., Khaif, Z., Nevill, A., Affouneh, S., Salha, S., Zuhd, A., & Trayek, F. (2019). Living under occupation: Palestinian teachers’ experiences and their digital responses. Research in Learning Technology, 27. https://doi.org/10.25304/rlt.v27.2263

Ulla, M. B., Perales, W. F., & Tarrayo, V. N. (2024). ‘Becoming and being online EFL teachers’: Teachers’ professional identity in online pedagogy. Heliyon, 10(14), e37131. https://doi.org/10.1016/j.heliyon.2024.e37131

Zhang, Y., Hassan, Z. B., & Jimiao, Y. A. N. (2021). Moderating role of self-efficacy in building professional identity of Chinese L2 teachers. Eurasian Journal of Educational Research, 21. 10.14689/ejer.2021.96.5.

Zhu, G., Rice, M., Li, G., & Zhu, J. (2022). EFL student teachers’ professional identity construction: a study of student-generated metaphors before and after student teaching. Journal of Language, Identity & Education, 21 (2), 83–98. https://d.org/10.1080/15348458.2020.1777872