Article 23

أثر برنامج إثراء اجتماعي – عاطفي في تعزيز مؤشّرات الحصانة النفسيّة لدى الطّلبة الموهوبين: دراسة نوعيّة تفسيريّة

ناريمان سعيد برهوم التّاجي1

1 طالبة دكتوراه في التعليم والتعلّم، كليّة الدراسات العليا، جامعة النّجاح الوطنيّة، نابلس، فلسطين.

بريد الكتروني: nreman1996@gmail.com

The Role of a Social–Emotional Enrichment Program in Enhancing Psychological Resilience Indicators among Gifted Students: An Interpretive Qualitative Study

Nariman Saeed Barhoum Al-Taji¹

¹ PhD Student in Teaching and Learning, Faculty of Graduate Studies, An-Najah National University, Nablus, Palestine.
Email: nreman1996@gmail.com

DOI: https://doi.org/10.53796/hnsj79/23

المعرف العلمي العربي للأبحاث: https://arsri.org/10000/79/23

المجلد (7) العدد (9). الصفحات: 462 - 468

تاريخ الاستقبال: 2026-08-10 | تاريخ القبول: 2026-08-18 | تاريخ النشر: 2026-09-01

Download PDF

Cite / الاستشهاد

المستخلص: هدفت الدّراسة إلى الكشف عن كيفيّة إسهام برنامج إثراء اجتماعي – عاطفي في تعزيز مؤشّرات الحصانة النفسيّة لدى الطّلبة الموهوبين، من خلال تحليل خبراتهم المتعلّقة بفهم الذاّت، وتنظيم الانفعالات، والتّعامل مع الضّغوط والفشل والتحدّيات، والاستفادة من العلاقات الدّاعمة. اتّبعت الدّراسة منهجًا نوعيًّا تفسيريًّا مستندًا إلى بيانات نوعيّة جُمعت ضمن دراسة أوسع استخدمت منهجًا مختلطًا. شارك في المقابلات شبه المقننة (22) طالبًا وطالبة من الطّلبة الموهوبين الذين شاركوا في برنامج إثرائي امتد (16) أسبوعًا وتضمن (24) جلسة، تناولت الوعي بالذّات، وتنظيم الانفعال، وضغط الإنجاز، وإدارة الوقت، والمرونة النفسيّة، والتّعامل مع الفشل، وعقلية النمو، والتّعاطف، والتّواصل، وحل النزاعات والعمل الجماعي. أظهر التحليل الموضوعي خمسة مسارات رئيسيّة للحصانة النفسيّة: نمو الوعي بالذّات والانفعالات، وإعادة تفسير الضّغط والفشل، وبداية تطوّر استراتيجيات تنظيم الانفعال، والاستفادة من العلاقات الآمنة والمساندة الاجتماعيّة، وتنامي الاستعداد لمواجهة التحدّيات. كما ظهر الأمان النفسي بوصفه شرطًا مهمًا لظهور هذه المؤشّرات، بينما حدّت كثافة المراقبة والفوضى الكلاميّة والطابع النظري لبعض الجلسات من عمق الاستفادة لدى بعض الطّلبة. وتخلص الدّراسة إلى أنّ الحصانة النفسيّة لدى الموهوبين عملية نمائية تتشكّل من التفاعل بين موارد الطالب الداخليّة وجودة البيئة الاجتماعيّة المحيطة به.

الكلمات المفتاحية: الطّلبة الموهوبون، الحصانة النفسيّة، الإثراء الاجتماعي–العاطفي، تنظيم الانفعال، الأمان النفسي.

Abstract: This study explored how a social–emotional enrichment program contributed to the development of psychological resilience indicators among gifted students. It focused on students’ experiences of self-understanding, emotional regulation, coping with pressure, failure and challenges, and drawing on supportive relationships. An interpretive qualitative approach was employed using qualitative data collected within a broader mixed-methods study. Semi-structured interviews were conducted with 22 gifted students who participated in a 12-week, 24-session enrichment program addressing self-awareness, emotional regulation, achievement pressure, time management, psychological resilience, coping with failure, growth mindset, empathy, communication, conflict resolution, and teamwork. Thematic analysis identified five major pathways: enhanced self- and emotional awareness, reinterpretation of pressure and failure, emerging emotional-regulation strategies, greater reliance on safe and supportive relationships, and increased readiness to confront challenges. Psychological safety emerged as a key condition facilitating these processes, whereas excessive adult monitoring, unstructured verbal interaction, and overly theoretical activities constrained engagement for some students. The findings suggest that resilience among gifted students is a developmental process emerging through the interaction between internal self-regulatory resources and supportive social environments. The study recommends systematically integrating resilience-oriented social and emotional components into gifted education.

Keywords: gifted students, psychological resilience, social–emotional enrichment, emotional regulation, psychological safety.

المقدّمة

أصبح مفهوم الحصانة النفسيّة أو المرونة النفسيّة (Psychological Resilience) من المفاهيم المهمّة في علم النفس التربوي المعاصر؛ إذ يشير إلى قدرة الفرد على التكيّف الإيجابي مع التحدّيات والضّغوط والمواقف الصّعبة، واستعادة توازنه النفسي والاستمرار في الأداء رغم التعرّض للإخفاق أو التوتّر. ولا تعني الحصانة غياب الضّغوط أو عدم التأثر بالمواقف السلبية، وإنما امتلاك موارد داخليّة واجتماعيّة تساعد الفرد على فهم الخبرة الصعبة وإدارتها والتعلّم منها.

وفي سياق الطّلبة الموهوبين، تكتسب الحصانة النفسيّة أهميّة خاصة؛ لأنّ امتلاك القدرة العقليّة المرتفعة لا يضمن بالضرورة قدرة موازية على تحمّل الإخفاق أو الضّغوط أو التوقّعات. فالطّالب الذي اعتاد النّجاح أو ارتبطت هويّته بصورة “الطّالب المتفوّق” قد يواجه صعوبة عندما يصبح النّجاح غير مضمون أو عندما يواجه تحديًّا يتطلّب جهدًا متكرّرًا وفشلًا مرحليًّا. كما قد يتعرّض بعض الطّلبة الموهوبين لضغوط مرتبطة بالكماليّة والتوقعات الأسريّة والمدرسيّة والخوف من فقدان الصورة الأكاديميّة المتميّزة (Neihart et al., 2021; Rinn, 2020) .

وتشير الأدبيّات الحديثة إلى أنّ الحصانة النفسيّة لدى الطّلبة الموهوبين ترتبط بمجموعة من الموارد الفرديّة والاجتماعيّة. فقد أظهرت بعض الدّراسات أهميّة الكفاءة الذاتيّة والدّعم الاجتماعي المدرك في المرونة النفسيّة لدى الموهوبين، كما أشارت دراسات أخرى إلى ارتباط تنظيم الانفعال والكفاءة الاجتماعيّة وحل المشكلات وإعادة التقييم الإيجابي بالصمود الأكاديمي لدى هذه الفئة (Yıldırım & Kılıçaslan Çelikkol, 2024; Yassin & Maqableh, 2024).

ومن هذا المنطلق، يمثل التعلّم الاجتماعي والعاطفي مدخلًا واعدًا لتعزيز الحصانة النفسيّة؛ إذ تساعد كفاءاته المتعلقة بالوعي بالذّات وإدارة الذّات والوعي الاجتماعي ومهارات العلاقات واتّخاذ القرار المسؤول الطالب على فهم الضغوط، وتنظيم استجابته لها، والتّواصل مع الآخرين، والاستفادة من المساندة الاجتماعيّة. وتشير المراجعات الحديثة إلى أنّ البرامج المنظّمة في التعلّم الاجتماعي والعاطفي يمكن أن تحسّن التنظيم الذّاتي والمهارات الاجتماعيّة والرفاه النفسي والسلوك التكيفي (Durlak et al., 2022; Mahoney et al., 2021).

وفي المقابل، لا تزال برامج الموهوبين في كثير من النظم التعليميّة تركّز أساسًا على المعرفة المتقدّمة والإبداع والبحث والتحصيل الأكاديمي، بينما تظل مهارات التّعامل مع الضّغط والفشل والكماليّة والتحدّيات في موقع ثانوي. ولا يعني ذلك التقليل من أهميّة الإثراء الأكاديمي، وإنما توسيع مفهوم الإثراء بحيث يشمل الموارد التي يحتاج إليها الطّالب للاستمرار في توظيف موهبته بصورة متوازنة ومستدامة (Renzulli & Reis, 2021).

وقد صُمّم البرنامج الذي تستند إليه الدّراسة الحاليّة بحيث لا يقتصر على العلاقات والتّواصل، بل يتضمن موضوعات ترتبط بالحماية النفسيّة مباشرة، من بينها تنظيم الانفعال، وإدارة الوقت والضّغط، والمرونة النفسيّة والتّعامل مع التحدّيات، وعقلية النمو، والتّعامل مع الفشل والانتكاسات. إلا أنّ مجرّد تضمين هذه الموضوعات لا يكفي للقول إنّ البرنامج عزّز الحصانة النفسيّة؛ ولذلك تركّز الدّراسة الحاليّة على الخبرة التي رواها الطّلبة أنفسهم، وما إذا ظهرت في هذه الخبرة مؤشّرات تدل على تطوّر موارد الحصانة النفسيّة.

مشكلة البحث

تنبع مشكلة البحث من وجود تباين بين الاهتمام المتزايد بالحماية النفسيّة للطّلبة الموهوبين وبين محدوديّة تضمينها بصورة مقصودة في البرامج المقدّمة لهم. ففي الوقت الذي تستثمر فيه برامج الموهوبين بدرجة كبيرة في تطوير القدرات العلميّة والمعرفيّة، لا تحظى دائمًا القدرة على التّعامل مع الفشل والضّغط والنّقد والمقارنة والكماليّة بالدرجة نفسها من الاهتمام.

كما أنّ كثيرًا من البحوث المتعلقة بالمرونة لدى الموهوبين اتّخذت طابعًا وصفيًّا أو ارتباطيًّا، من خلال دراسة علاقتها بالكفاءة الذّاتيّة أو الدّعم الاجتماعي أو الخصائص الديموغرافية، بينما يقل عدد الدراسات التي تبحث في كيفية تشكّل مؤشّرات الحصانة أثناء تدخّل تربوي إثرائي مقصود. ومن هنا تتمثل مشكلة البحث في السؤال الرئيسي الآتي:

كيف يُسهم برنامج الإثراء الاجتماعي–العاطفي في تعزيز مؤشّرات الحصانة النفسيّة لدى الطّلبة الموهوبين؟

حدود البحث

اقتصر البحث موضوعيًّا على مؤشّرات الحصانة النفسيّة كما ظهرت في خبرات الطّلبة، وبخاصة الوعي بالذّات والانفعالات، وتنظيم الانفعال، وإعادة تفسير الضّغط والفشل، والاستمرار أمام التحدّيات، والاستفادة من العلاقات الدّاعمة. كما اقتصر بشريًا على (22) طالبًا وطالبة من المشاركين في البرنامج، ومكانيًا على سياق مدرسي واحد، وزمنيًّا على مدّة البرنامج البالغة (16) أسبوعًا.

ومن الناحية المنهجيّة، لم تستخدم الدّراسة مقياسًا مستقلًّا للحصانة النفسيّة؛ لذلك تتناول النتائج مؤشّرات الحصانة كما ظهرت نوعيًّا في روايات المشاركين، ولا تدّعي إثبات أثر سببي كمّي مباشر للبرنامج في مستوى المرونة النفسيّة.

أهداف البحث

هدف البحث إلى الكشف عن كيفيّة إسهام برنامج الإثراء الاجتماعي–العاطفي في تعزيز مؤشّرات الحصانة النفسيّة لدى الطّلبة الموهوبين، وتحليل التغيير في فهمهم للضّغط والفشل والتحدّيات، والكشف عن المؤشّرات المرتبطة بتنظيم الانفعالات ومواجهة المواقف الصّعبة، وتفسير دور العلاقات الاجتماعيّة والأمان النفسي في هذه العمليّة، وتحديد أبرز العوامل التي دعمت الاستفادة من البرنامج أو حدّت منها.

المنهجيّة

تصميم البحث

اتّبعت الدّراسة منهجًا نوعيًّا تفسيريًّا، واستخدمت بيانات المقابلات التي جُمعت بعد انتهاء البرنامج الإثرائي ضمن دراسة أوسع ذات تصميم مختلط. واختير هذا المنهج لأنّ الدراسة لا تستهدف قياس “درجة الحصانة النفسيّة”، وإنما فهم الكيفيّة التي ظهرت من خلالها مؤشّرات الحصانة في خبرة الطّلبة وطريقة تفسيرهم للانفعال والضّغط والفشل والعلاقات.

المشاركون

تكوّن المشاركون من (22) طالبًا وطالبة من الطّلبة الموهوبين الذين شاركوا في البرنامج الإثرائي. وأظهرت المقابلات تفاوتًا في أنماط الشخصيّة ومستويات الوعي والاستعداد للحديث عن الخبرات الاجتماعيّة والانفعاليّة، وهو ما أتاح فحص الحصانة النفسيّة بوصفها عمليّة نمائيّة قد تختلف من طالب إلى آخر.

البرنامج الإثرائي

نُفذ البرنامج على مدار (16) أسبوعًا، وتضمن (24) جلسة بواقع جلستين أسبوعيًا، مدّة كل جلسة (45) دقيقة. وتناول البرنامج بناء الأمان النفسي، ولغة المشاعر، ونقاط القوّة، وضغط الإنجاز، وتنظيم الانفعال، وإدارة الوقت، والتّعامل مع الفشل، والمرونة النفسيّة، وعقليّة النمو، والتّعاطف، واحترام الاختلاف، والتّواصل، وحل النزاعات، واتّخاذ القرار والعمل الجماعي.

وتضمّنت مكوّنات البرنامج المرتبطة بالحَصانة النفسيّة تدريب الطّلبة على فهم العلاقة بين الضّغط والأداء، وإدارة الوقت والجهد، والتكيّف مع التحدّيات، والنظر إلى الفشل بوصفه فرصة للتعلّم، وإعادة صياغة بعض الأفكار السلبية المرتبطة بالقدرة والإنجاز.

جمع البيانات

استخدمت مقابلات شبه مقننة بعد انتهاء البرنامج، وركّزت على تجربة الطّالب وما إذا تغيّرت طريقته في فهم ذاته ومشاعره وعلاقاته ومواجهته للمواقف الصّعبة. كما أتاحت المقابلات الكشف عن الخبرات الداخليّة ومصادر الأمان والقلق ومدى شعور الطّالب بقدرته على التّعامل مع الضّغط.

تحليل البيانات

أُعيد تحليل المقابلات وفق منظور يستند إلى مفهوم الحصانة النفسيّة، دون فرض فئات مغلقة مسبقًا على استجابات الطّلبة. وتم ترميز المقاطع التي تناولت فهم الضّغط والفشل، وتنظيم الانفعال، والاستمرار أمام الصعوبة، وطلب الدّعم، والعلاقات الآمنة، ثم جُمعت الرموز المتقاربة في موضوعات رئيسيّة.

النتائج

أسفر التّحليل عن خمسة موضوعات مترابطة تمثّل أبرز مؤشّرات الحصانة النفسيّة لدى الطّلبة المشاركين.

جدول (1) مؤشّرات الحصانة النفسيّة المستخلصة من التحليل النوعي

الموضوع الرئيسي المؤشّر النوعي الدلالة في الحصانة النفسيّة
الوعي بالذّات والانفعالات تحديد المشاعر ومصادر الضّغط بدقة أكبر نقطة بداية لتنظيم الاستجابة
إعادة تفسير الفشل والضّغط النظر إلى الصّعوبة بوصفها خبرة قابلة للتعلّم خفض التهديد وتعزيز الاستمرار
تنظيم الانفعال التفكير في الاستجابة والبحث عن استراتيجيات الانتقال من الوعي إلى التنظيم
العلاقات الآمنة الاستفادة من الأمان والمساندة تحويل الدّعم الاجتماعي إلى مورد حماية
مواجهة التحدّي زيادة الجاهزية مع تفاوت فردي المثابرة والتكيّف بدل التجنّب

الوعي بالذات والانفعالات

تمثّل أحد أبرز التغيّرات في قدرة بعض الطّلبة على تحديد حالاتهم الداخليّة بصورة أكثر دقّة. فقد انتقل بعضهم من أوصاف عامة للمشاعر إلى فهم أكثر تحديدًا للمشاعر ومثيراتها، وبدأ بعض الطّلبة يميزون بين الضّغط المحفّز والضّغط المفرط، ويدركون العلاقة بين الانفعال والسلوك.

وتشير هذه النتيجة إلى أنّ الحصانة تبدأ قبل مواجهة المشكلة ذاتها؛ إذ يحتاج الطّالب إلى التعرّف إلى ما يحدث داخله قبل أن يتمكّن من تعديل استجابته. ومن ثم يمثّل الوعي العاطفي موردًا أوليًّا يسمح بالتدخّل قبل تحوّل الضّغط إلى انسحاب أو اندفاع أو تجنّب.

إعادة تفسير الفشل والضّغط

ظهر تحوّل لدى بعض الطّلبة في طريقة تفسير الصّعوبة؛ إذ تناول البرنامج بصورة صريحة أنّ الفشل لا يعني نهاية المسار، وأنّ التحدّي يمكن أن يشكّل فرصة للنمو والتعلّم. كما تناول مفهوم عقلية النمو وإعادة صياغة الأفكار السلبيّة المتعلقة بالقدرة والإنجاز.

ويمثّل هذا التحوّل مؤشّرًا مهمًّا للحصانة النفسيّة؛ لأنّ تفسير الفشل بوصفه حكمًا على القدرة قد يقود إلى التجنّب، بينما تفسيره بوصفه معلومة تساعد على تحسين الاستراتيجية يرفع احتمالات الاستمرار والمحاولة مجدّدًا.

من فهم الانفعال إلى محاولة تنظيمه

أشارت البيانات إلى أنّ عددًا من الطّلبة أصبح أكثر قدرة على تحديد مثيرات الانفعال والتفكير في كيفيّة الاستجابة لها، إلا أنّ الانتقال إلى استخدام استراتيجيات تنظيم عمليّة لم يكن مكتملًا لدى الجميع.

وتوضح النتيجة أنّ الحصانة النفسيّة ليست حالة ثنائية يمتلكها الطّالب أو يفتقدها، بل عمليّة تتطوّر تدريجيًا؛ فقد يبدأ الطّالب بالوعي باستجابته، ثم يتعلّم تفسيرها، ثم يجرّب استراتيجيات مختلفة لتنظيمها، قبل أن تتحوّل هذه الممارسة إلى نمط أكثر استقرارًا.

العلاقات الآمنة بوصفها موردًا للحصانة

كان الأمان النفسي من أقوى الموضوعات التي ظهرت في المقابلات؛ فقد ارتبطت راحة الطّلبة بعدد المعلمين الموجودين، وطريقة التّعامل مع الخطأ، ووضوح السريّة، ومنع السخرية والمقاطعة، ومنح الطّالب وقتًا كافيًا لإكمال فكرته.

وتدل هذه النتيجة على أنّ الحصانة النفسيّة لا تعني الاعتماد على الذّات بمعزل عن الآخرين، بل تتضمن قدرة الطّالب على الاستفادة من بيئة اجتماعيّة داعمة. وتتّفق هذه النتيجة مع الأدلة التي تربط الدّعم الاجتماعي المدرك بمستويات أفضل من المرونة النفسيّة لدى الطّلبة الموهوبين (Yıldırım & Kılıçaslan Çelikkol, 2024).

الاستعداد لمواجهة التحدّي والتّفاوت الفردي

أظهر عدد من الطّلبة جاهزيّة أكبر للتعامل مع التحدّيات، إلا أنّ مستوى الاستفادة لم يكن متماثلًا؛ فقد أظهر بعض المشاركين تغيّرًا أعمق، بينما ظلّ آخرون أكثر مقاومة لبعض الموضوعات أو لم يشعروا بتحوّل شخصي كبير.

كما ظهرت عوامل حدّت من الاستفادة، مثل الفوضى الكلاميّة، وطول بعض الأنشطة، وكثرة المراقبين، والطابع النظري لبعض الجلسات. وتشير هذه النتيجة إلى أنّ بناء الحصانة يعتمد على التفاعل بين خصائص الطّالب وجودة التدخّل والبيئة التي ينفذ فيها.

المناقشة

تشير النتائج إلى أنّ برنامج الإثراء الاجتماعي–العاطفي أسهم في ظهور مؤشّرات للحصانة النفسيّة عبر مسارين مترابطين؛ أولهما داخلي تنظيمي، يتمثّل في الوعي بالذّات وفهم الانفعال وإعادة تفسير الضّغط والفشل، وثانيهما اجتماعي سياقي، يتمثّل في الأمان النفسي والعلاقات الدّاعمة والقدرة على التعبير والاستفادة من المساندة.

ويمثّل هذا التكامل نتيجة مهمّة؛ إذ لا تبدو الحصانة النفسيّة قوّة داخليّة مستقلّة عن البيئة، وإنما عمليّة تتفاعل فيها قدرات الطّالب على التنظيم مع نوعيّة الدّعم المتاح له. وتنسجم هذه النتيجة مع الدّراسات التي أبرزت أهميّة الكفاءة الذاتيّة والدّعم الاجتماعي في تفسير المرونة النفسيّة لدى الطّلبة الموهوبين (Yıldırım & Kılıçaslan Çelikkol, 2024).

كما تدعم النتائج الدور المحوري لتنظيم الانفعال؛ فالطّالب الذي يواجه موقفًا شديد الضّغط يحتاج أولًا إلى التعّرف إلى حالته الانفعاليّة ثم اختيار استجابة أكثر ملاءمة. ويتّفق ذلك مع نتائج Yassin and Maqableh (2024)، التي أظهرت ارتباط تنظيم الانفعال والكفاءة الاجتماعيّة وحل المشكلات بالصمود الأكاديمي لدى الطّلبة الموهوبين.

ومن النتائج اللافتة أنّ التغيّر بدأَ أكثر وضوحًا في مستوى الوعي والفهم من مستوى التنظيم السلوكي الكامل. ويمكن تفسير ذلك بأنَّ تغيير التصوّرات يحدث بصورة أسرع من تعديل الاستجابات الانفعاليّة الراسخة؛ ولذلك ينبغي ألا تقاس فاعليّة برامج الحصانة بقدرة الطّالب على تعريف المفاهيم أو ذكر الاستراتيجيات فقط، بل بقدرته على استخدامها في المواقف الواقعيّة وعلى مدى زمني ممتد.

كما برز الفشل بوصفه مجالًا مهمًّا لبناء الحصانة لدى الموهوبين. فالطّالب الذي اعتاد النجاح السريع قد لا يكتسب تلقائيًا خبرة كافية في التّعامل مع الإخفاق؛ ومن ثمّ قد تكون الخبرات التي تسمح بالفشل الآمن ثم إعادة المحاولة أكثر قيمة نمائيّة من محاولة حماية الطّالب من الخطأ. ويتّسق ذلك مع فلسفة الإثراء التي تؤكّد أهميّة التحدّي والاستقلاليّة والخبرات الأصيلة. (Renzulli & Reis, 2021)

أمّا الأمان النفسي، فقد ظهر بوصفه شرطًا لعمق التّفاعل؛ إذ يمكن أن يتحوّل الحضور الزائد للمعلمين أو المراقبين من دعم مقصود إلى شعور بالرقابة يحدّ من الإفصاح. ولذلك فإنّ بناء الحصانة لا يقوم فقط على تعليم الطّالب كيفيّة “التحمّل”، بل كذلك على توفير بيئة يستطيع فيها الاعتراف بالخوف أو الخطأ أو الحاجة إلى المساعدة دون أن يشعر بأنّ هويّته الأكاديميّة أصبحت مهدّدة.

وبناءً على النتائج، تقترح الدّراسة مسارًا تفسيريًّا يبدأ بـ الوعي بالذّات والانفعال، ثم إعادة تفسير التحدّي، ثم تنظيم الاستجابة، وصولًا إلى الاستمرار والتكيّف، على أن يحدث ذلك داخل سياق اجتماعي يوفّر الأمان والمساندة. وبذلك لا تكون الحصانة نتيجة جلسة منفردة عن “المرونة”، وإنما نتاجًا لتراكم خبرات تربويّة تربط الفهم والتنظيم والعلاقات بالممارسة.

الخلاصة والتوصيات

تخلّص الدّراسة إلى أنّ الحصانة النفسيّة لدى الطّلبة الموهوبين لا تتحقق من خلال مطالبتهم بتحمّل الضّغط أو إظهار القوّة باستمرار، وإنما من خلال تزويدهم بالقدرة على فهم ما يحدث داخلهم، وإعادة تفسير الفشل، وتنظيم استجاباتهم، والاستفادة من العلاقات الدّاعمة.

وتشير النتائج إلى أنّ البرنامج الإثرائي الاجتماعي–العاطفي يمكن أن يشكّل بيئة مناسبة لبناء هذه الموارد عندما يجمع بين التحدّي والأمان، والاستقلال والمساندة، والتفكير والممارسة. وفي المقابل، فإنّ الإثراء الأكاديمي الذي يرفع مستوى المطالب من دون تطوير الموارد النفسيّة والاجتماعيّة للطّالب يظل نموذجًا غير مكتمل لتنمية الموهبة.

وتوصي الدّراسة بإدراج الحصانة النفسيّة ضمن المخرجات الرسميّة لبرامج الموهوبين، إلى جانب الإبداع والبحث والتحصيل الأكاديمي، وتخصيص مكوّن مستمر في برامج الإثراء لتنمية تنظيم الانفعال والتّعامل مع الضّغط والفشل وعقليّة النمو وحل المشكلات. كما توصي بزيادة الأنشطة التطبيقيّة، مثل المحاكاة ولعب الأدوار والمواقف الواقعيّة، وتقليل الاعتماد على العرض النظري المطوّل.

كما توصي الدّراسة بتوفير أمان نفسي واضح من خلال تقليل المراقبة غير الضروريّة، وحماية السريّة، واحترام الاختلاف، ومنع السخرية والمقاطعة، وتدريب معلمي الموهوبين على التّعامل مع الحصانة النفسيّة بوصفها عمليّة قابلة للتنمية، لا سمة يفترض توافرها تلقائيًا لدى الطّالب الموهوب.

وأخيرًا، توصي الدراسة بإجراء بحوث لاحقة تستخدم مقياسًا معياريًّا مستقلًّا للحصانة أو المرونة النفسيّة، مع قياسات قبليّة وبعديّة وتتبعيّة، وعيّنات أكبر من مدارس وسياقات مختلفة، بما يسمح باختبار الأثر الكمّي المباشر للبرامج الاجتماعيّة–العاطفيّة في الحصانة النفسيّة.

المراجع

Durlak, J. A., Mahoney, J. L., & Boyle, A. E. (2022). What we know, and what we need to find out about universal, school-based social and emotional learning programs for children and adolescents: A review of meta-analyses and directions for future research. Psychological Bulletin, 148(11–12), 765–782.

Kayaks, G., & Gürel Tonbul, B. (2024). Investigation of psychological resilience in gifted adolescents. Maarif Mektepleri International Journal of Educational Sciences, 8(1), 1–25.

Mahoney, J. L., Durlak, J. A., & Weissberg, R. P. (2021). An update on social and emotional learning outcome research. Phi Delta Kappan, 102(4), 18–23.

Neihart, M., Pfeiffer, S. I., & Cross, T. L. (Eds.). (2021). The social and emotional development of gifted children: What do we know? (2nd ed.). Routledge.

Renzulli, J. S., & Reis, S. M. (2021). The Schoolwide Enrichment Model: A how-to guide for talent development (3rd ed.). Routledge.

Rinn, A. N. (2020). Social, emotional, and psychosocial development of gifted and talented individuals. Routledge.

Yassin, K. M., & Maqableh, N. Y. (2024). Strategies of emotional regulation and social competence as predictors of academic resilience among gifted students in the Northern District schools within the Green Line. Jordanian Educational Journal, 9(4), 393–417.

Yıldırım, Ö., & Kılıçaslan Çelikkol, A. (2024). Investigation of the resilience, self-efficacy, and perceived social support of gifted students. Ankara University Faculty of Educational Sciences Journal of Special Education, 25(2)